رواية وتيد ضي الجزء الحادي عشر 11 بقلم ياسمين الهجرسي وتيد ضيرواية وتيد ضي الحلقة الحادية عشر كمين الفجر لَعبة الثعالب ***** حين يظن الظالم أن القانون درعٌ يحميه، ينسى أن للعدالة رجالاً يصيغون من الثغرات مشانق للفاسدين. في عتمة الفجر، جاءت البُشرى لترتب الأقدار في ميزان الحق؛ سقط الابن في شر أعماله، لتبدأ لعبة الكبار التي لا ترحم.
بين قلمين رنّا على وجه الغرور، ومواجهة حامية الوطيس تحت أضواء مكتب ‘الهواري’ الخافتة، تهاوت حصون ‘جلال’ العتيدة. أُجبر الثعلب على التنازل، ورُدت الحقوق المسلوبة رغماً عن أنفه، لكن القصاص الحقيقي كان ينتظره عند عتبة الزنزانة! هكذا تُدار المعارك حين يكون الخصم رجلاً لا يساوم، وهكذا يمهد القدر الأرض لتشرق شمس الأمان ميعادٌ رسمي يلوح في الأفق، ليعلن أن ‘الضيّ’ غدت شريكة الروح والدار! *****
بعدما أُغلق المحضر بالكامل وتوقعت الأوراق، التفت كريم للضابط وقال بصوت جهوري: “هاتهولي من الحجز هنا على مكتبي” دخل “شريف” يجر خطاه بضعف، آثار الإدمان والتعاطي واضحة على وجهه الشاحب وعينيه الزائغتين. تعمد كريم أن يعامله بمعاملة سيئة للغاية، وبإهانة واضحة تليق بدناءة أفعاله. نظر إليه كريم ببرود قاتل وقال بسخرية لاذعة: “عايز إيه يا روح أمك؟ بقيت بتاجر في المخدرات والبودرة علني وفي الإشارات؟
انتفض شريف بغرور زائف يحتمي وراء نفوذ أبيه، وصرخ بوقاحة: “ما تجيبش سيرة أمي! وأنت مش عارف أنا ابن مين اتكلم معايا كويس أحسن لك! لم يمهله كريم؛ تقدم منه بخطوتين كالبرق، وتلقى شريف قلمين عنيفين متتاليين على وجهه، رنّ صداهما في أركان المكتب وجعلاه يترنح في مكانه. قبّض كريم على ياقته بعنف، وهس في وجهه بنبرة حادة كالشفرة: “أنا اللي بتكلم كويس يا روح أمك يا متحرش، يا متعاطي.. يا مدمن! أنت فاكر نفسك فين وفوق مين؟
ظل كريم ينهال عليه بكلمات تقرعه وتكشف تاريخه الأسود وسرقته لمعاش ضيّ، حتى انهار شريف تماماً وضاع غروره تحت أقدام النخوة الشرطية. رمى كريم الهاتف أمامه على المكتب وقال بأمر حاسم: “اخلص اتصل بأبوك خليه يجي يشوف القذارة اللي أنت فالح فيها” لم تمر ساعة واحدة، حتى اقتحم المحامي جلال مبنى القسم وعيناه تشتعلان غضباً وكبرياءً زائغاً. دخل مكتب كريم مباشرة، وصاح بزعيق وصوت عالٍ:
“أنت إزاي ابني أنا يتقبض عليه ويتبهدل في القسم هنا بالشكل ده؟! نظر إليه كريم من فوق لتحت ببرود تام وثقة هزت مضاجع المحامي. بمجرد أن ركز جلال في وجه كريم، وعادت لذاكرته ملامح الضابط الشهم الذي اقتحم سيارته على الصحراوي، اتسعت عيناه بصدمة، وتمتم بنبرة خبيثة: “آه.. كده أنا فهمت! أنت بقى عامل قضية وتتبيل لابني عشان خاطر مفعوصة الرقبة اللي اسمها ضيّ؟ ضرب كريم كفه على المكتب بعنف شديد، وقام واقفاً بطوله الفارع وهو يصيح
بنبرة زلزلت جدران الغرفة: “ما تخلطش الأمور ببعضها! واحترم نفسك واتكلم كويس وأنت واقف في مكتب كريم الهواري سامع ولا لأ؟! اشتدت المشادة الكلامية بينهما وتصاعدت الأنفاس بحِدّة، حتى شعر جلال بالخطر، وطالب بنبرة قانونية متوترة: “أنا عايز أطلع على المحضر ده حالا وأشوف ابني متهم بإيه! مد كريم يده وألقى بالملف أمامه.
تصفح جلال الأوراق بسرعة، وما إن قرأ التفاصيل والأركان المقفلة والتلبس بتجارة وترويج المخدرات، حتى شحب وجهه تماماً، وأدرك أن ابنه هالك لا محالة. نظر لكريم برعب مكتوم وقال: “لا يا باشا أنت كده زودتها قوي، وكده ابني لابس لبس رسمي قضية اتجار! أخذ كريم رشفة من قهوته ببرود وقال بابتسامة نصر: “شُفت بقى؟ ابتلع جلال ريقه بصعوبة وسأل بقلة حيلة: “يعني أنت عايز إيه دلوقتي من الآخر عشان نقفل الليلة دي؟
ركز كريم نظراته الحامية في عينيه وقال ملوحاً بشروطه القاطعة: “أولاً أي جنيه أخدته من ضيّ أو من ورثها يرجع لها فوراً معاش أبوها اللي سرقته طول السنة اللي فاتت يتحول دلوقتي حالا على رقم حساب ‘الإنستا باي’ بتاعها قدامي” احتج جلال بذعر: “بس المبلغ كبير ومش معايا السيولة دي دلوقتي! ضغط كريم بنبرة مرعبة: “اخلص وحول حالا أنا عارف ومتحرّي عنك كويس وعارف إن معاك الفلوس دي وزيادة!
اضطر جلال تحت وطأة تهديد السجن لابنه أن يخرج هاتفه، وأجرى التحويل المالي فوراً تحت نظرات كريم الصارمة. تابع كريم شروطه بلا رحمة: “ثانياً أنت مزور عقد الشقة بتاعة والدتها المحمية بالقانون، وكنت عايز تمضيها على التنازل. الشقة دي أنت مالكش فيها طوبة واحدة! هتطلع معاك دلوقتي حالا قوة من القسم، تستلم أنت وابنك هدومكم وحاجتكم الشخصية وتطلعوا منها بره فوراً، وبعد كده تجيلي هنا الاسم تاني” هز جلال رأسه بيأس:
“حاضر.. حاضر يا باشا، بس نخلص” قال كريم: “لا تعالى هنا الأول، هتمضي أنت والواد ابنك على محضر عدم تعرض لضيّ مرة ثانية نهائياً، ولو لمحت ظل واحد فيكم قريب منها، هتعفنوا في السجون” ووقع جلال وابنه على المحضر وهما يرتجفان. وخرج معهما اثنان من أمناء الشرطة الأشداء كقوة تنفيذية، توجهوا إلى الشقة، واضطر جلال وابنه لجمع ملابسهم ومتعلقاتهم الشخصية تحت مراقبة الأمناء، وأُجبروا على إخلاء الشقة وتسليم مفاتيحها كاملة للقوة.
عاد جلال إلى مكتب كريم بالقسم وهو يلهث من الإرهاق والإنكسار، وقال بنبرة يتوسل فيها النجاة: “أهو نفذت كل شروطك يا كريم باشا.. هاخد ابني بقى ونمشي؟ ارتسمت على وجه كريم ضحكة ساخرة، ونظر إليه بقسوة شرعية وقال: “لا يا روح أمك مش هتاخد ابنك! ابنك ممسوك بتذكرتين بودرة وكم سيجارة حشيش، وده المحضر الحقيقي اللي ابنك داخل بيه الكمين!
صعق جلال وتجمدت الدماء في عروقه، وكاد عقله يطير من شدة الغيظ والصدمة بعدما أدرك كيف ضحك عليه كريم ببراعة، وصرخ بجنون: “بس ده ما اتفقناش عليه! إحنا اتفقنا نخلص كل حاجة! كريم ببرود صلب وهدوء قاتل: “لا.. اتفقنا.. اتفقنا إن ابنك مش هيتعمل له محضر ‘اتجار وتجارة’، وهيتحول لمحضر ‘تعاطي وحيازة باللي كان معاه بالملّي شوف بقى مش أنت عامل فيها ثعلب القانون وبتلعب بالبيضة والحجر؟ وريني بقى بشطارتك وحصانتك هتطلع ابنك إزاي
من المحضر ده! نظر إليه جلال وكان سيطق من شدة الغضب والغل، وعقله يدور كالمجنون يبحث عن أي حجة أو ثغرة قانونية ينقذ بها ابنه من مصيره المحتوم، لكنه كان قد جُرّد من كل أسلحته ورُدّت الحقوق لأصحابها غصباً عنه. مرت الأيام وتوالت الأسابيع سريعةأصبحت ضيّ تعيش في أمان تآم، حرة طليقة بعدما استعادت معاش والدها وشقتها المحمية، ولم يعد للثعلب جلال أو ابنه وجود في حياتها.
وطوال هذه الفترة، كان هناك اتصال يومي لا ينقطع بين كريم وضيّ؛ مكالمات طويلة مشحونة بنظرات صامتة عبر الأثير، وسؤال دافئ يطمئن فيه الصقر على ضيائه، ونبضات بدأت تقوى وتتشابك خلف ستار الكبرياء والشهامة. وعلى الجانب الآخر، توطدت العلاقات العائلية بشكل مذهل؛ أصبحت السيدة ياسمين والسيدة سميحة أصحاباً جداً جداً جداً، زي السمن على العسل، اتصالات وزيارات متبادلة كأنهم عائلة واحدة منذ زمن بعيد.
حتى جاء ذلك المساء السعيد حين اتصلت السيدة سميحة بياسمين، وقالت لها بنبرة متهللة تزف الفرحة المنتظرة: “بصي بقى يا ياسمين يا حبيبتي، أنا مش جاية أزورك زي كل مرة، أنا جاية لك بميعاد رسمي، أنا وكريم وجايين نطلب إيد ست البنات ‘ضيّ’ لسيادة الرائد كريم الهواري!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!