تحميل رواية «وريثة الانكسار» PDF
بقلم هاجر سلامة
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
اقرأ وريثة الانكسار بقلم هاجر سلامة.
رواية وريثة الانكسار الفصل الأول 1 - بقلم هاجر سلامة
كانت الغرفة غارقة في هدوء كئيب، لا يقطعه إلا صوت أنفاس والد “هاجر” المتعبة في الغرفة المجاورة بعد صدمة إفلاس شركاته.
كانت “هاجر” تجلس على طرف سريرها، تنظر إلى جدران غرفتها التي بدأت تُفرغ من لوحاتها الثمينة استعداداً للرحيل.
أمسكت بهاتفها لترسل رسالة إلى “سيف”، خطيبها الذي لم يرد على اتصالاتها منذ ثلاثة أيام. قالت في نفسها: “ربما هو مشغول بترتيب أمورنا، ربما يحاول مساعدتنا.”
لكن، قبل أن تكتب حرفاً، ظهر إشعار على شاشتها من إحدى صفحات أخبار المجتمع المخملي. تجمدت أصابعها وهي تقرأ العنوان: “زفاف الموسم.. رجل الأعمال سيف المنشاوي يعقد قرانه على الجميلة أسماء السيوفي”.
فتحت الرابط بيد ترتجف. كانت الصور تنطق بكل شيء؛ “سيف” يبتسم بزهو، و”أسماء” – عدوتها اللدود التي لم تترك مناسبة إلا وحاولت فيها التفوق عليها – ترتدي فستاناً أبيضاً أسطورياً وتنظر للكاميرا بنظرة انتصار لئيمة.
لم تصرخ “هاجر”. لم تسقط دمعة واحدة. بل شعرت ببرودة تسري في عروقها. في تلك اللحظة، ماتت “هاجر” الرقيقة الضعيفة، وولدت امرأة أخرى. نظرت إلى المرآة وقالت بصوت خافت لكنه صلب:
“شكراً يا سيف.. شكراً لأنك جعلتني أعرف قيمتي وقذارتك في وقت واحد. من اليوم، لن أبكي على شيء ضاع، بل سأبني كل شيء من جديد.”
وقفت “هاجر” أمام المبنى الزجاجي الشاهق لشركة “يحيى للأدوية”. عدلت من هندام بدلتها الرسمية البسيطة التي لم يتبقَ غيرها في خزانتها بعد بيع معظم ملابسها الفاخرة. أخذت نفساً عميقاً وهي تهمس لنفسها: “انسي أنكِ كنتِ ابنة عائلة السيوفي.. أنتِ الآن مجرد باحثة عن عمل.”
دخلت الشركة بخطوات ثابتة رغم الارتجاف الطفيف في يدها. لم تكن تعلم أن هناك من يراقبها عبر شاشات المراقبة في الطابق العلوي بقلبٍ كاد أن يتوقف عن النبض.
في المكتب الرئاسي، كان يحيى يقف خلف الزجاج، يراقب قوامها الرشيق وشموخ رأسها الذي لم تكسره الأيام. تمتم بصوت خافت: “لقد عدتِ يا هاجر.. ولكن هذه المرة، لن أسمح لكِ بالرحيل.”
طرقات خفيفة على الباب قطعت شروده. استعاد بروده المعتاد وجلس خلف مكتبه الضخم بحزم.
“تفضل.”
دخلت هاجر، كانت عيناها تبحثان عن “المدير” الصارم الذي سمعت عنه، لكنها تجمدت مكانها حين التقت عيناها بعينيه. شعرت بشيء مألوف في تلك النظرة الحادة، لكنها لم تستطع تذكره وسط ضجيج أفكارها.
“اجلسي يا آنسة هاجر.” قالها بصوت رخيم هادئ.
جلست هاجر ووضعت ملفها أمامه: “أنا هنا من أجل وظيفة قسم التسويق التي أعلنتم عنها.”
فتح يحيى الملف متظاهراً بالقراءة، رغم أنه يحفظ تاريخها وسيرتها عن ظهر قلب. قال ببرود مصطنع: “سيرتك الذاتية ممتازة، لكن العمل هنا يتطلب صبراً ومجهوداً بدنياً.. هل ابنة الأكابر مستعدة للنزول إلى الشوارع والمستشفيات لعرض منتجاتنا؟”
اشتعلت عينا هاجر بالتحدي، مالت بجسدها للأمام وقالت بلهجة حادة: “ابنة الأكابر التي تتحدث عنها ماتت منذ أسبوع، أمامك الآن امرأة ليس لديها ما تخسره سوى وقتها وجهدها.. هل ستختبر كفاءتي أم ستكتفي بالتنقيب في ماضيّ؟”
لمعت عين يحيى بإعجاب حاول إخفاءه خلف ابتسامة غامضة. أغلق الملف وقال: “تعجبني الصراحة. ستستلمين العمل فوراً.. لكن تحت إشرافي المباشر.”
ارتبكت هاجر قليلاً: “تحت إشرافك؟ لكنني تقدمت لوظيفة مندوبة.”
قام يحيى من مقعده واقترب منها ببطء، حتى شعرت بوهج حضوره القوي: “أنا لا أترك التفاصيل المهمة للصدفة يا هاجر.. وأنتِ، تفصيلة مهمة جداً في هذه الشركة.”
خرجت هاجر من المكتب وهي تشعر بضربات قلبها تتسارع. هل هو مجرد مدير مغرور؟ أم أن هناك شيئاً خلف تلك النظرات يعرفها وتجهله؟ أما يحيى، فقد استند إلى مكتبه وتنهد بعمق، وأخرج من درج مكتبه صورة قديمة مهترئة لطفلة صغيرة تضحك في حديقة.. كانت هي.
أسبوع على عمل “هاجر” في الشركة. كانت غارقة في ترتيب بعض الملفات في ردهة الاستقبال، بقميص أبيض بسيط وبنطال أسود، لكن جمالها الطبيعي كان يطغى على بساطة ملابسها.
فجأة، سمعت صوت وقع كعوب عالية مستفزة، وصوت ضحكة تعرفها جيداً.. ضحكة “أسماء”.
دخلت أسماء الشركة وهي تمسك بذراع “سيف” وتتأرجح في مشيتها، كانت ترتدي فستاناً صارخاً وتضع نظارات شمسية تخفي عينيها المليئتين بالغل.
توقفت فجأة أمام المكتب الذي تقف خلفه هاجر.
رفعت أسماء نظارتها ببطء، وتظاهرت بالصدمة: “أوه! لا أصدق عينيّ! هاجر؟ هاجر ابنة المليونير السيوفي تقف هنا خلف مكتب الاستقبال؟”
ارتبك “سيف” ونظر إلى الأرض، لم يستطع مواجهة عيني هاجر التي كانت تنظر إليهما ببرود مذهل.
تابعت أسماء بسخرية وهي تلمس سطح المكتب بأظافرها الطويلة: “يا للهول.. الدنيا دوارة بجد بقي بقى ضايق بيكي الحال
لدرجة أن تصبحي ‘موظفة مطيعة’؟ لقد جئت لأشتري بعض الأدوية لشركتنا الجديدة، هل يمكنكِ إحضار كوب من القهوة لي يا.. يا آنسة؟”
لم تهتز هاجر، بل رسمت على وجهها ابتسامة باردة جعلت أسماء تشعر بالارتباك. قالت هاجر بصوت واثق: “أهلاً يا أسماء.. نعم، الدنيا دوارة فعلاً، والعمل شرف لا يفهمه من اعتاد العيش كـ ‘تكملة عدد’ في حياة الآخرين. أما بخصوص القهوة، فالمكان هنا شركة أدوية عالمية وليس مقهى لوالدك.. إذا كان عندك موعد مع المدير فتفضلي بالانتظار، وإلا فالباب خلفك.”
احتقن وجه أسماء من الغضب، وصاحت بصوت عالٍ: “أنتِ ازاي تتجرأي؟!هكلم صاحب هذه الشركة يطردك في الشارع دلوقتي!”
في تلك اللحظة، فُتح باب المصعد وخرج يحيى بهيبته الطاغية، وعيناه تشتعلان غضباً مما سمع. اتجه نحوهم بخطوات واسعة وجسد مشدود.
“ماذا يحدث هنا؟” سأل يحيى بصوت كفحيح الأفعى.
اندفعت أسماء نحوه بتمثيل متقن: “سيد يحيى، أنا أسماء السيوفي زوجة سيف المنشاوي.. هذه الموظفة أساءت إليّ بشدة، ياريت أن تتصرف معها.”
نظر يحيى إلى هاجر التي كانت تقف بشموخ، ثم نقل نظره إلى أسماء وسيف ببرود يجمّد الدماء. قال ببطء: “أولاً.. الآنسة هاجر مش مجرد موظفة، هي ركن أساسي في فريقي. ثانياً.. في شركتي، نحن نحترم الكفاءات ولا نحترم المظاهر الكاذبة.”
ثم نظر إلى سيف وقال بلهجة آمرة: “خُذ زوجتك يا سيد سيف واخرجا من هنا. شركتنا مش بتتعامل مع أشخاص لا يحترمون موظفيها.. ومن اليوم، أنتم ممنوعون من دخول هذا المبنى.”
خرجت أسماء وهي تجر ذيو.ل الخيبة والغضب، بينما سيف ألقى نظرة أخيرة نادمة على هاجر، لكنه وجدها قد عادت لعملها وكأنه لم يكن موجوداً من الأساس.
التفت يحيى نحو هاجر، واقترب منها هامساً: “هل أنتِ بخير؟”
رفعت هاجر عينيها إليه، ولأول مرة رأى فيهم لمحة امتنان: “أنا بخير.. شكراً لك يا سيد يحيى.”
ابتسم يحيى لأول مرة بصدق وقال: “يحيى.. ناديني بيحيى فقط عندما نكون وحدنا.”
قرر “يحيى” أن يأخذ “هاجر” معه في مهمة عمل رسمية لمعاينة مخازن الأدوية الجديدة في مدينة ساحلية تبعد ساعات عن القاهرة. كانت الرحلة في سيارته الخاصة، والصمت يسود المكان، لكنه كان صمتاً مليئاً بالكلمات المكتومة.
كانت هاجر تنظر من نافذة السيارة إلى الطريق، بينما يحيى يختلس النظر إليها بين الحين والآخر. فجأة، تعطلت السيارة في منطقة هادئة تطل على البحر. ترجل يحيى ليفحص المحرك، ثم عاد بابتسامة اعتذار: “يبدو أننا سننتظر المساعدة قليلاً.. المحرك يحتاج لبعض الوقت ليبرد.”
نزلت هاجر ووقفت بجانبه أمام مشهد الغروب الساحر. هواء البحر كان يداعب خصلات شعرها، مما جعل يحيى يتأملها بعمق.
قالت هاجر بلهجة محاولةً كسر التوتر: “شكراً على ما فعلته مع أسماء وسيف في الشركة.. لم أكن أتوقع أنك ستخاطر بصفقة تجارية من أجلي.”
توقف يحيى عن العبث بهاتفه، واقترب منها خطوة، وقال بصوت منخفض ودافئ: “أنتِ مش فاهميني يا هاجر.. مفيش صفقة في العالم تساوي لحظة انكسار في عينيكِ. أنا متعملش كد من أجل الموظفة، بل عملته من أجل..”
صمت قليلاً، فتابعت هاجر بفضول: “من أجل ماذا؟”
تنهد يحيى وقال: “فاكرة الطفلة الي كانت تبكي خلف سور المدرسة لأن قطتها ضاعت؟”
اتسعت عينا هاجر بذهول: “ازاي تعرف القصة دي؟ لم أحكِها لأحد قبل كد!”
ابتسم يحيى بحزن: “كنت أنا الفتى الي تسلق السور وأعاد لكِ القطة وتركها على عتبة بيتكِ وهرب.. كنت أراقبكِ دائماً من بعيد يا هاجر. كنتِ بالنسبة لي الحلم البعيد الي لا يجرؤ ابن الموظف البسيط على الاقتراب منه.”
شعرت هاجر بقلبها يدق بعنف، الكلمات تجمدت في حلقها. أكمل يحيى وهو ينظر في عينيها مباشرة: “دارت الأيام، وأصبحتُ أنا ‘يحيى المنشاوي’ الذي يهابه الجميع، وفقدتِ أنتِ ثروتك.. لكن بالنسبة لي، ما زلتِ تلك الطفلة الرقيقة التي تملك قلبي، سواء كنتِ ابنة مليونير أو موظفة في شركتي.”
مد يده ليلمس خصلة متمردة من شعرها، لكن هاجر تراجعت خطوة للخلف، وعيناها تلمعان بالدموع: “يحيى.. أنا.. قلبي محطم تماماً، لا أعرف إن كنت قاردة الوثوق برجل تاني بعد ما فعله سيف.”
وضع يحيى يده في جيبه وقال بثقة وهدوء: “أنا لا أطلب منكِ الحب الآن، أطلب منكِ فقط أن تعطيني فرصة لأثبت لكِ أن الرجال ليسوا جميعاً ‘سيف’. سأنتظركِ يا هاجر.. انتظرت سنوات، ولن يضيرني الانتظار أكثر.”
في تلك اللحظة، وصلت سيارة المساعدة، لكن شيئاً ما داخل هاجر قد تغير للأبد. لم تعد تنظر ليحيى كمديرها، بل كمنقذ قديم عاد من الماضي ليحمي حاضرها.
رواية وريثة الانكسار الفصل الثاني 2 - بقلم هاجر سلامة
كانت الليلة ممطرة وباردة، عادت “هاجر” إلى منزلها الصغير الذي انتقلت إليه مع والدها بعد الأزمة. كانت تشعر بدفء غريب في قلبها كلما تذكرت كلمات “يحيى” عند البحر
. وبينما كانت تهم بفتح الباب، تجمدت يدها وهي ترى ظلاً يقف في ركن الممر المظلم.
“هاجر.. عايز تكلم معكِ لدقيقة واحدة .”
التفتت هاجر لتجد “سيف” يقف بملابس مبللة، وعلامات الندم والإرهاق واضحة على وجهه. لم تعد ترى فيه ذلك الرجل الوسيم الذي أحبته يوماً، بل رأت فيه شخصاً مهزوماً.
قالت هاجر ببرود وقسوة: “بتعمل اي هنا يا سيف؟ ألم يكفِك اللي عملته؟ راجع إلى زوجتك.”
خطى سيف نحوها برجاء: “أسماء ليست زوجة.. إنها كابوس! لقد تزوجتها لأنني ظننت أن نفوذ والدها سينقذ عملي، لكنها تدمرني يا هاجر. أنا لم أنسكِ يوماً، لقد ارتكبت خطأً فادحاً وعايز إصلاحه.”
ضحكت هاجر بسخرية مريرة: “تصلحه؟ هل تظن أن قلبي لعبة تكسرها ثم بعد كد لصقها حين تشعر بالملل؟ انت بعتني في أسوأ ظروفي، ولوقتي عدت لأنك فشلت مع غيري؟ اخرج من هنا فوراً.”
حاول سيف الإمساك بيدها وهو يتوسل: “أرجوكِ يا هاجر، امنحيني فرصة واحدة، أنا أعرف أنكِ ما زلتِ تحبينني، ذلك المدير ‘يحيى’ لن يحبكِ كما أحببتكِ أنا..”
“ارفع يدك عنها فوراً!”
جاء الصوت كالرعد من خلفهما. التفت سيف ليجد “يحيى” واقفاً، وعيناه تشتعلان بنا..ر لم ترها هاجر من قبل. كان يحيى قد جاء ليوصل لها حقيبة نسيتها في السيارة، لكنه وجد نفسه أمام المشهد الذي يخشاه.
تقدم يحيى بخطوات هادئة لكنها مرعبة، ووقف حائلاً بين هاجر وسيف. قال بصوت منخفض وحاد: “انا حذرتك في الشركة متقربش منها.. باين أنك متفهمش الكلام إلا بالقوة.”
سيف، محاولاً استعادة كبريائه المفقود: “هذا شأن بيني وبين خطيبتي السابقة، أنت مجرد مديرها، لا تتدخل!”
في لمح البصر، أمسك يحيى سيف من ياقة قميصه ودفعه بقوة نحو الحائط، وهمس في أذنه بكلمات جعلت وجه سيف يشحب: “هاجر ليست خطيبتك السابقة.. هاجر هي ‘حياتي’ التي أضعتها أنت بحماقتك. إذا رأيت ظلك قرب بيتها مرة أخرى، سأمحو اسمك من سوق المقاولات تماماً.. هل جربت شعور أن تخسر كل شيء في ليلة واحدة؟ لا تجعلني أريك ذلك عملياً.”
دفع يحيى سيف بعيداً، فسقط سيف أرضاً ثم نهض وفر هارباً وهو يرتجف من الخوف والغضب.
التفت يحيى نحو هاجر، كان أنفاسه متلاحقة، حاول تهدئة روعه وقال بصوت مرتعش قليلاً: “أنا آسف.. لم أقصد إخافتكِ، لكنني لم أتحمل رؤيته يلمس يدكِ.”
نظرت إليه هاجر، ولأول مرة، لم تشعر بالخوف من غضبه، بل شعرت بالأمان. اقتربت منه ووضعت يدها على ذراعه لتهدئته: “شكراً يا يحيى.. شكراً لأنك دائماً تأتي في الوقت المناسب.”
نظر يحيى إلى يدها على ذراعه، ثم نظر في عينيها وقال بصدق: “سأظل آتي دائماً، حتى لو لم تناديني.”
كانت “هاجر” تجلس في مكتبها بالشركة، غارقة في دراسة تقرير طبي هام، حين رن هاتفها برقم والدها. كان صوته غريباً، يرتجف بين البكاء والضحك، مما أفزعها.
“هاجر.. تعالي إلى المنزل فوراً يا ابنتي.. المحامي هنا، ومعنا أخبار لا تصدق!”
لم تنتظر هاجر ثانية واحدة، استأذنت من “يحيى” الذي شعر بقلقها فأصر على إيصالها بنفسه. وطوال الطريق، كان يمسك يدها ليطمئنها، وقلبه يدعو ألا يكون هناك سوء أصاب والدها.
عندما دخلا المنزل، وجدا المحامي العجوز “الأستاذ مراد” يضع مجموعة من الأوراق الرسمية على الطاولة، ووالد هاجر يجلس وعيناه تفيضان بالدموع.
قال المحامي بابتسامة واسعة: “مبارك يا هاجر.. مبارك يا حاج صالح. لقد صدر الحكم النهائي في قضية الأرض الدولية التي استولت عليها الشركة الأجنبية قبل عامين. ليس هذا فقط، بل ثبت أن شريك والدك القديم هو من تلاعب بالأوراق ليعلن الإفلاس زوراً، وقد تمت مصادرة جميع أملاكه لصالحنا تعويضاً عما فات.”
تسمرت هاجر في مكانها، لم تصدق ما تسمعه: “يعني.. يعني نحن لسنا مدينين لأحد؟”
أجابها والدها وهو يحتضنها بقوة: “بل استعدنا كل شيء يا ابنتي.. القصور، الشركات، والسيولة المالية. لقد عاد ورثنا أضعاف ما كان، والحق ظهر أخيراً.”
في تلك اللحظة، نظرت هاجر إلى يحيى الذي كان يقف بعيداً قليلاً بابتسامة هادئة وراقية. لم يبدُ عليه الطمع أو حتى الدهشة المبالغ فيها، بل كان ينظر إليها بنظرة فخر، كأنه يقول: “كنتِ ملكة في عيني حتى وأنتِ مفلسة، والآن العالم كله سيعرف ذلك.”
اقترب يحيى من والدها وصافحه بحرارة: “مبارك لك يا عمي، أنت رجل شريف وتستحق كل خير.”
نظرت هاجر إلى يحيى وقالت بصوت خافت: “يحيى.. هل سيتغير شيء بيننا الآن؟”
أمسك يحيى يدها أمام والدها، وقال بثبات: “بالنسبة لي، لم يتغير شيء. كنتِ ‘هاجر’ الموظفة المجتهدة، والآن أنتِ ‘هاجر’ وريثة الملايين.. وفي كلتا الحالتين، أنتِ الوحيدة التي اختارها قلبي. الفرق الوحيد الآن هو أنني لن أضطر للقلق عليكِ من غدر الأيام.”
ابتسمت هاجر وهي تشعر أن كابوس العام الماضي قد انتهى فعلياً. لكن في مكان آخر من المدينة، كان الخبر قد وصل كالصاعقة على مسامع “سيف” و”أسماء” الذين كانوا غارقين في مشاكلهم المالية، لتبدأ مرحلة سقوطهم النهائي.
بينما كانت “هاجر” تتابع مع “يحيى” تجهيزات اندماج شركتيهما بعد استعادة ثروتها، كان عالم “سيف” ينهار حرفياً.
اكتشف سيف بالصدفة أن “أسماء” لم تكتفِ بتبذير أمواله، بل كانت تنقل أصول شركته سراً لاسم عشيق لها كان يخطط معها للهرب خارج البلاد.
وقع سيف في فخ الإفلاس، وبدأت البنوك في الحجز على منزله وسيارته. في لحظة يأس مهينة، لم يجد ملجأً سوى الذهاب إلى مكتب “هاجر” الجديد. دخل مكسوراً، ثيابه مجعدة، وعيناه ممتلئة بالذل.
سيف بصوت يرتجف: “هاجر.. أرجوكِ، أنتِ الوحيدة التي تستطيع إنقاذي. أسماء دمرتني وهربت.. أنا نادم، تذكرين الأيام الجميلة بيننا؟”
نظرت إليه هاجر بهدوء شديد، لم تشعر بالشماتة، بل شعرت بالشفقة على رجل باع نفسه للمال فخسره وخسر كرامته معه. قالت بلهجة قاطعة:
“الأيام الجميلة كانت مع الرجل الذي ظننتُ أنك هو.. لكنه مات في اللحظة التي رأيت فيها صور زفافك. اخرج يا سيف، لا مكان لك في حياتي ولا حتى كعدو.. أنت بالنسبة لي مجرد ذكرى لدرس تعلمته.”
خرج سيف يجر أذيال الخيبة، ليرى في الرواق “يحيى” وهو يقف بانتظارها، نظر إليه يحيى بنظرة واحدة كانت كفيلة بأن يسرع سيف الخطى خارج المبنى للأبد.
بعد مرور عام..
أقيم حفل زفاف أسطوري في أكبر فنادق القاهرة. كانت “هاجر” تخطو بفستانها الأبيض الملكي، تمسك بذراع والدها الذي استرد صحته وهيبته. وفي نهاية الممر، كان يقف “يحيى”، يرتدي بذلته السوداء الأنيقة، وعيناه تلمعان بدموع الفرح التي لم يستطع إخفاءها.
عندما سلمها والدها له، همس يحيى في أذنها: “لقد انتظرتُ هذه اللحظة منذ أن كنا أطفالاً خلف
سور المدرسة.. اليوم فقط، بدأ عمري الحقيقي.”
ابتسمت هاجر وهي تنظر إلى الحضور، رأت النجاح، رأت والدها فخوراً، ورأت في عيني يحيى الأمان الذي ظنت أنها فقدته للأبد. انتهت قصة “ابنة الأكابر” المكسورة، وبدأت قصة “الملكة” التي بنتها الصعاب وتوجها الحب الصادق.
النهاية