تحميل رواية «وهم الحياه» PDF
بقلم خديجه احمد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
اقرأ وهم الحياه بقلم خديجه احمد.
رواية وهم الحياه الفصل الأول 1 - بقلم خديجه احمد
رواية وهم الحياه – الفصل الأول
فجر
الدكتور وقف قدام السرير، في إيده ملف الأشعة، وبصّلي بنظرة فاحصة قبل ما يتكلم.
صوته كان هادي بس واضح:
— بصّي… إحنا عملنا كل الفحوصات اللازمة. أشعة مقطعية ورنين، ومفيش أي إصابة في المخ.
الشخص اللي واقف جنبي قال بسرعة، وصوته فيه توتر:
— يعني مش بسبب حادثة؟ ولا خبطة؟
الدكتور هز راسه بنفي، وحط الملف على الترابيزة:
— لو كان في حادثة أو ضربة مباشرة، كنا شفنا أثر واضح. نزيف، كدمة، أي حاجة.
لكن المخ سليم تمامًا.
بصّلي تاني، وانا قاعدة ساكتة، عيوني
بتلف في الأوضة كأنها غريبة عني.
كمل كلامه بنبرة أهدى:
— اللي عندها ده نوع من فقدان الذاكرة بيحصل بعد صدمة عصبية أو نفسية قوية.
مش شرط تكون صدمة جسدية… أحيانًا موقف واحد بس كفاية.
قرب شوية وقال:
— هي واعية، بتفهم، وبتتكلم طبيعي…
بس مخها قفل على جزء من ذكرياتها كنوع من الحماية.
سكت لحظة، وبعدين أضاف بجدية:
— الضغط عليها إنها تفتكر، أو محاولة تذكيرها غصب، ممكن يضرها أكتر.
رفعت عينيا له، وصوتي طلع واطي ومهزوز:
— يعني… أنا كده إيه؟ هفضل كده؟
الدكتور ابتسم ابتسامة مطمّنة:
— لا. في أغلب الحالات الذاكرة بترجع.
ممكن ترجع فجأة، وممكن واحدة واحدة…
بس محتاجة هدوء، وأمان، وصبر.
وساب الجملة الأخيرة معلّقة في الهوا،
كأنها وعد…
أو احتمال.
هزّيت راسي بوجع، وكلام الدكتور كان لسه بيرن في وداني.
خرج وسابني لوحدي، وأنا ببص في وشوش أول مرة أشوفها في حياتي…
وشوش بتبصلي كأني عارفاهم من زمان، وأنا غريبة عنهم كلهم.
ست في أواخر الخمسينات قربت مني.
ملامحها متعبة، وعيونها مليانة دموع محبوسة.
قالت بصوت مهزوز:
— الحمد لله على السلامة يا حبيبتي.
ابتسمت ابتسامة متوترة، وقلت بأدب:
— الله يسلم حضرتك.
الصدمة ظهرت في عينيها فورًا، كأني قلت حاجة ما ينفعش تتقال.
قربت مني أكتر، وحضنتي حضن كان تقيل، خانق، دافي… وغريب.
قالت وهي بتعيط:
— أنا أمك يا ضنايا…
أمك يا بنتي.
مش عارفة ليه، جسمي قشعر أول ما قالتها.
قلبي دق بسرعة، وعيوني دمعت غصب عني.
حسّيت إنها مستنية مني حاجة…
كلمة، حضن، دموع، أي رد فعل غير اللي طالع مني.
بس مفيش.
أنا مش فاكرة حاجة.
مش فاكراها…
ولا فاكرة أي حد في الأوضة دي.
الشخص اللي كان ماسك إيدي في الأول قرّب مني تاني.
نبرته كانت هادية، بس حاسّة فيها أمر أكتر من طلب.
— ممكن تسيبونا لوحدنا شوية؟
الكل هزّ راسه،
والأوضة بدأت تفضى واحدة واحدة.
وساعتها بس…
حسّيت إن الخوف بقى أوضح.
لأني خلاص، بقيت لوحدي مع شخص
بيقول بعينيه إنه يعرفني أكتر
ما أنا أعرف نفسي.
قعد ع الكرسي جمبي، نظرته هادية، وصوته كأنه بيهمس:
— عارفة أنا مين؟
قلت له بسخرية وأنا ببصله:
— يعني الدكتور لسه قال إني فقدت الذاكرة… هفتكرك إزاي؟
تنهد ببطء، وكأن اللي قلته ضايقه شوية، وقال:
— لسه لمضه… زي ما انتي يا فجر.
بصيت له بشك، قلبي بيدق بسرعة:
— أنا أصلاً مش متأكدة إذا كنت اسمي فجر ولا لأ… مش يمكن بتضحكوا عليا؟
ضحك ضحكة غريبة، ضحكة مفهمتهاش، وبعدها رجع ظهره على الكرسي، حاطط إيديه على راسه وهو بيضحك:
— أنتي صح.
طلع بطاقة من جيبه، ومدها ليا:
— دي بطاقته يا مدام زين.
اتصدمت. بلعت ريقي ببطء، وأخدت منه البطاقة…
وبصيت فيها.
مش بيضحك عليا…
ده هو…
جوزي!
رواية وهم الحياه الفصل الثاني 2 - بقلم خديجه احمد
رواية وهم الحياه – الفصل الثاني
البارت التاني
فجر
بصّيت له شوية، الصدمة لسه مسيطرة عليّ، وقلت بتوهان خفيف:
— طيب… دا أنا طلع ذوقي حلو أوي.
ضحك، الضحكة دي كانت هادية ومش مستفزة، وبصّ لي في عينيّ وقال:
— دا أنا اللي ربنا بيحبني… عشان رزقني بيكي.
اتكسفت.
آه اتكسفت بجد، أصل أنا بطبعي كسوفة، والكلام دا كان تقيل على قلبي وأنا مش فاكرة صاحبه.
وطّيت عيني شوية وقلت بأسف:
— آسفة على كلامي… بس أنا متلغبطه، ومش واثقة في حد، وخايفة، و—
قبل ما أكمل، مسك إيدي بهدوء، وطبطب عليها كأنه بيحاول يطمني من غير ولا كلمة زيادة.
وقال بصوت واطي، ثابت:
— فاهمك… وعارف إنتي حاسة بإيه دلوقتي.
— بس كل اللي عايز أقولهولك، إني مستحيل أأذيكي.
رفع عينه ليّ، وكأن الكلام طالع من قلبه مش من لسانه:
— وموضوع ذاكرتك… أنا هعمل كل اللي أقدر عليه عشان تفتكريني.
أوعدك …
والغريب؟
إني وأنا مش فاكراه…
حسّيت بإحساس غريب من ناحيته…
بصّيت له بتوتر، وصوتي طلع واطي شوية:
— هي… اللي حضنتني دي فعلًا مامتي؟
ابتسم، والهدوء في صوته طمّنّي شوية:
— أيوه يا ستي.
وأشار بإيده:
— واللي كانت جنبها دي أختك… نُوّارة.
عيني وسعت من الصدمة:
— إيه ده؟! هو أنا كمان عندي أخت؟
ضحك على ذهولي، وقال:
— أيوه.
سكتّ لحظة، وبعدين سألت بهدوء وأنا بحاول أرتّب الصور في دماغي:
— أمال مين اللي كان واقف بعيد عنهم شوية؟
وشّه اتغيّر فجأة.
مش تغيير كبير، بس كفاية يخوف.
نبرة صوته بقت غريبة، كأنها طالعة بالعافية:
— ده… ابن عمك، سليم.
هزّيت راسي بهدوء، وأنا حاسة إن في حاجة مش راكبة، بس ما علّقتش.
غيرت الموضوع وسألت:
— هو أنا هخرج من هنا إمتى؟
بصّ لي وقال بواقعية:
— إنتِ بقالِك ست شهور في غيبوبة، فطبيعي لازم تعملي تمارين عشان تقدري تقفي على رجلك تاني.
هزّيت راسي برفض تام، وقلت بسرعة:
— لا لا… أنا مبحبش جو المستشفيات ده.
وبصّيت له برجاء:
— أنا عايزة أروح، لو سمحت.
ضحك وهو بيتأملني، وقال بتهيدة خفيفة:
— دايمًا كنتِ بتقولي كده لما تتعبي وأوديكي المستشفى.
وبابتسامة أوسع كمل:
— خلاص، ولا يهمك.
— هاخدك، وأسأل الدكتور على التمرينات، وتعمليها في البيت.
وأنا مش فاكرة ولا ذكرى واحدة…
بس الغريب؟
صوته كان مألوف
كأنه بيطمني من زمان.
لقيت ماما واقفة عند الباب، ماسكة شنطتي الصغيرة، وعينيها عليّ من غير ما ترمش.
نوّارة كانت جمبها، قريبة منها قوي، كأنها خايفة تسيبها لحظة.
قرّب مني وهو بيقول بهدوء:
— يلا يا فجر… واحدة واحدة.
قعدت على طرف السرير، رجليّ لمسوا الأرض، وحسّيت بالبرد يجري
في جسمي.
نوّارة قربت مني بسرعة وقالت بقلق:
— خلي بالك… براحتك.
مدّ إيده ناحيتي، وفي نفس الوقت ماما مسكت دراعي التاني.
كنت واقفة بينهم… ناس المفروض أقرب حدّ ليا،
وأنا مش فاكرة منهم ولا وش واحد.
وقفت، رجلي ارتعشت،
ماما شدّت على دراعي وهي بتقول بصوت مكسور:
— متخافيش يا بنتي… أنا معاكي.
مشيت خطوة… وبعدين خطوة.
نوّارة كانت ماشية ورايا، عينيها مليانة خوف وفرحة في نفس الوقت.
خرجنا للممر.
المكان كان أبيض زيادة عن اللزوم، وصوت خطواتنا بس اللي مسموع.
وقفنا قدّام باب المستشفى.
الباب اتفتح، والنور دخل فجأة.
قال زين هو وهو ماسكني كويس:
— خلاص… وصلنا.
ركّبني العربية، مامتي قعدت جنبي وفضلت ماسكة إيدي،
ونوّارة ركبت ورا.
بصّيت من الشباك، وأنا حاسة إن الدنيا كلها جديدة عليّ.
بس وسط الخوف والتيه،
في حضن أم…
وفي إيد أخت…
وفي حد بيحاول يطمني.
ويمكن ده كان كفاية
عشان أبدأ من جديد.
وصلنا البيت…
بعد ما زين وصل ماما ونوّارة عندهم،
وخدني عشان نروح بيتنا.
مش عارفة أوصف إحساسي.
الطريق كان ساكت، وأنا ببص من الشباك،
كل حاجة بتعدّي قدّامي كأنها مش بتاعتي.
وقفنا قدّام عمارة شكلها عادي،
بس قلبي دق بسرعة غريبة.
مش خوف…
ولا راحة.
حاجة في النص.
طلعنا، فتح الباب،
وقال بهدوء:
— اتفضلي… ده بيتنا.
دخلت.
خطوة واحدة جوّه المكان كانت كفاية
تحسسني إني دخيلة.
الأوضة واسعة، هادية،
كل حاجة فيها مترتبة كأنها مستنياني،
بس ولا حاجة فيهم ندهتني.
واقفـة في النص، تايهة،
وكأني دخلت مكان مش بنتمي ليه…
مكان المفروض يكون أماني،
بس أنا حاسّة فيه بالغُربة.
بصّيت له، وهو واقف مستنّي مني أي رد فعل.
بس مفيش.
غير إحساس واحد بس مسيطر عليّ:
إني هنا بجسمي…
بس روحي لسه في حتّة تانية.
قرّب مني، وفجأة لقيته شايلني،
أصلي مكنتش قادرة أقف كويس،
وتوازني كان شبه معدوم.
شهقت بخضة،
بس ابتسم وقال بهدوء:
— كده أحسن… عشان متقعيش.
قعدني على أقرب كنبة،
وقعد جنبي.
تنهد وهو بيبص حواليه، كأن عينه بتلف على ذكريات مش شايفها غيره.
قال بصوت واطي:
— البيت ده إحنا اللي اختارنا كل ركن فيه مع بعض.
سكت شوية، وبعدين كمل:
— ولما دخلتي في غيبوبة… البيت بقى مهجور.
مفيش إحساس، مفيش دوشة.
بصّ لي وهو بيكمل:
— إنتِ اللي كنتي عاملة للبيت روح يا فجر.
وابتسم ابتسامة كلها امتنان:
— بس الحمد لله… رجعتيلي بالسلامة.
ابتسمت على كلامه.
حاسّة إن وسط كل التيه اللي في دماغي،
في حد همه أمري…
حد خايف عليّ،
وبيحبني بصدق.
ومش عارفة ليه،
الإحساس ده لوحده
كان دافي كفاية
يخلّيني أهدى شوية.
سألته بفضول، وصوتي طالع هادي:
— هو إحنا متجوزين بقالنا قد إيه؟
ابتسم وبصّ لي، كأنه بيراجع رقم حافظه كويس:
— سنة وست شهور… بالظبط.
سكتّ شوية، السؤال اللي بعده كان تقيل،
بس طلع مني قبل ما أفكر:
— وليه مخلفناش لحد دلوقتي؟
نظرت له اتغيرت.
الحزن ظهر فيها من غير ما يتكلم.
قرّب مني، مسك إيدي، وقال بصوت واطي:
— مكنتيش عايزة.
فتحت عيني من الصدمة:
— ليه؟
اتنهد، وسحب نفسه خطوة لورا،
وكأنه بيهرب من الإجابة.
غير الموضوع بسرعة وهو بيقول:
— إنتِ تعبانة…
تعالي أطلعك تستريحي شوية،
عقبال ما أجهزلك الأكل.
بصّيت له بذهول:
— إنت اللي هتحضّرهولي بنفسك؟
ابتسامة هادية ارتسمت على وشه، ابتسامة حد متعود يهتم، وقال:
— طبعًا.
وساعتها،
رغم الأسئلة اللي لسه من غير إجابة،
حسّيت إن في تفاصيل كتير في حياتي القديمة
لسه مستنياني…
واحدة واحدة.
قلبي لسه بيدق بسرعة.
رجليّ مش قادرة تثبت كويس، كل خطوة كانت صعبة.
حسّيت بالخوف والخجل بيغلي مع بعض… مش قادرة أواجه الموقف ده لوحدي.
قرب مني، ومسكني بلطف:
— متقلقيش… أنا هاشيلِك.
ابتسمت، وشوية ارتباك في صوتي:
— بس… أنا مش محتاجة…
بس قبل ما أكمل، لقيت نفسي فوق حضنه.
راحتي كلها اتحسّت بأمان غريب.
راحتي… وكأن الدنيا كلها اتجمعت حواليا.
طلعنا مع بعض خطوات قليلة، كل حركة منه مليانه حنية.
حسيت إيده ماسكاني كويس، والدفء اللي ف حضنه بيخلي قلبي يهدأ شويه
وهو بيطلّعني على السرير، قرب وشه مني… نظرة فيها اهتمام، وفيها ضحكة صغيرة بتقول:
— شايفة؟ كده أحسن… مفيش تعب.
ابتسمت وأنا حاسة إن وسط كل التوهان والغربة، في حد بيهتم بيا… بيحميني…
حد بيحبني بصمت، واللحظة دي خلت قلبي يرقص من غير ما أقول كلمة واحدة.
قعدت على السرير، وأيديه لسه ماسكة إيدي، حسّيت بعالمه حواليا… عالم فيه أمان… ودفء… حب صغيرة من غير ما حد ينطق كلمة.
نمت…
وتوهت في النوم، كأني بقالي سنين ما غمّضتش عيني بجد.
نومة تقيلة، من النوع اللي بيغسل الروح مش الجسد.
ما صحيتش غير على صوته، واطي وحنين، وهو بيصحيني براحة:
— اصحي يلا… الأكل جهّز.
فتحت عيني بالعافية، وابتسمت وأنا بتعدل في قعدتي.
قرّب مني الأكل، وقعد جنبي،
وبدأ يأكلني بإيده…
كأني طفلة صغيرة.
اتكسفت.
والكسوف كان باين عليّ أووي.
يمكن عشان الموقف،
ويمكن عشان أنا لسه… معرفوش.
ابتسم وهو ملاحظ ارتباكي،
وبعدين قال بهدوء:
— صحابك عرفوا إنك خرجتي بالسلامة، وعايزين يطمنوا عليكي.
وشّي اتغير في لحظة.
قلبي دق بسرعة، وصوتي طلع مهزوز:
— لازم؟
سكتّ ثانية، وبعدين كملت بخوف:
— لازم أقابلهم؟
بصّ لي بنظرة كلها تفهّم، وقال:
— أنا مش هضغط عليكي… براحتك خالص.
سكت شوية، وبعدين كمل بهدوء أكتر:
— بس لو قابلتيهم، ده ممكن يبقى كويس ليكي.
— ممكن تفتكري حاجات… حتى لو بسيطة.
قرّب شوية وقال بصوت أهدى:
— وأنا حاسس بيكي.
— عارف إنك خايفة من شكلك قدامهم…
— وخايفة تحسي إنك غريبة وسطهم.
بصيت له شوية…
مش مستوعبة إزاي هو فاهمني كده.
بيعرف أنا بفكر في إيه قبل ما أفتح بؤي،
كأن عقلي مفتوح ليه… وكل شعور مستخبي جوايا، هو شايفه.
حسّيت بشيء غريب في صدري…
بين الدهشة والارتياح، بين الخوف والدفء.
كأن فيه حد واقف جنبي… مش بس جسمه…
لكن روحه معايا في كل لحظة.
مسك إيدي بحنان، وحاول بكل هدوء يطمني:
— أنا هنا… ومش هتخلي عنك أبدًا!
ابتسمت بتوتر، قلبي بيدق بسرعة، والكلام ده وصل لقلبي أكتر من أي كلام قبل كده.
رديت بصوت واطي، بعد شوية شجاعة جمعتني:
— تمام… هقابلهم.
ابتسامة صغيرة ارتسمت على وشه، مليانة رضا وفرحة صامتة.
حسّيت، لأول مرة من شهور، إن خطوة صغيرة ممكن تعيدني شويّة لحياتي القديمة…
لكن بنفس الوقت، الخطوة دي كانت كبيرة بالنسبة لي…
مليانة خوف، توتر، ودفء…
ووجوده جنبي كان بيخليني أحس إني مش لوحدي.
عدّى الوقت ببطء، كأن كل دقيقة بتتسحب من قلبي مش من الساعة.
زين قام، ودخل الأوضة ورجع وهو ماسك هدوم في إيده.
مدّهم لي وقال بهدوء:
— غيري دول… عشان تستقبليهم وإنتِ مرتاحة.
مسكت الهدوم، وبصّيت لها شوية.
كانت بسيطة، هادية، ألوانها ناعمة…
مش مبالَغ فيها، ولا غريبة.
كأنها شبهي… أو على الأقل شبه اللي المفروض أكونها.
دخلت الأوضة، وقعدت على طرف السرير.
قلبي كان بيدق أسرع مع كل حركة.
مش بس بغيّر هدومي…
أنا بجهّز نفسي أقابل ناس المفروض يعرفوني
وأنا مش عارفة عنهم أي حاجة.
لبست، وبصّيت لنفسي في المراية.
وشّي هو هو…
بس عينيّ لا.
فيهم خوف، وتساؤل، وحاجة كده بتقول:
يا ترى هعرف أكون فجر اللي فاكرينها؟
سمعت صوته من برّه:
— خدي وقتك… إحنا مش مستعجلين.
تنفست بعمق.
مسكت نفسي، وقلت في سري:
خطوة واحدة بس… وأنا مش لوحدي.
قبل ما أخرج،
سمعت صوت ضحك خافت جاي من الصالة.
صوت بنت… وبعده صوت تاني.
قلبي اتقبض.
دول… صحابي؟
الناس اللي شافوني قبل الغيبوبة؟
اللي يعرفوا فجر أكتر مني؟
لسه بفكر، لقيت زين واقف قدام الأوضة.
أول ما شافني… سكت.
نظرة عيونه اتغيّرت،
مش نظرة إعجاب بس،
نظرة حد شاف حاجة كان وحشها قوي.
ابتسم ابتسامة هادية وقال:
— كده تمام… زي ما إنتِ دايمًا.
الكلمة خبطت في قلبي.
دايمًا
يعني في نسخة مني لسه موجودة في دماغهم.
مد إيدهلي.
مسكتها، وصوابعي كانت ساقعة.
شدّ عليها بخفة، كأنه بيقول: اطمني.
وأنا خارجة معاه،
الضحك برّه وِطي فجأة.
أربع عيون اتعلّقت عليّا في نفس اللحظة.
بنت قربت خطوة، عينيها لمعت وهي بتقول بصوت مهزوز من الفرح:
— فجر…؟
وقفت مكاني.
حاولت أبتسم، بس الابتسامة طلعت مترددة.
بنت تانية قالت بسرعة وكأنها خايفة أختفي تاني:
— حمدلله على سلامتك… إحنا قلقنا عليكي أوي.
مش عارفة أرد أقول إيه.
الكلام اتلخبط جوا دماغي.
أنا سامعاهم… بس مش حاسة إني منهم.
زين حسّ.
شدّ إيدي شوية وقال بهدوء وهو بيبصلي:
— تحبي تقعدي؟
هزّيت راسي آه.
قعدني على الكنبة، وقعد جنبي،
قريب… قوي.
وجوده كان الحاجز الوحيد بيني وبين خوفي.
واحدة منهم قعدت قدامي وقالت بابتسامة دافية:
— مش مستغربة تبقي ساكتة… إنتِ دايمًا بتتكلمي وتحبي ترغي معانه.
بصّيت لها.
يمكن… يمكن دي حقيقة عني.
أخدت نفس عميق،
وبصّيت لزين قبل ما أتكلم.
هزّ راسه، كأنه بيشجعني.
قلت بصوت واطي بس صادق:
— لو نسيت حاجات… لو اتلغبط… استحملوني.
السكوت نزل ثانية.
وبعدين…
ابتسموا.
وفي اللحظة دي حسّيت،
إن الطريق لسه طويل،
بس يمكن…
مش مخيف قوي زي ما كنت فاكرة.
رواية وهم الحياه الفصل الثالث 3 - بقلم خديجه احمد
رواية وهم الحياه – الفصل الثالث
البارت التالت
فجر
عدّى الوقت تقيل على قلبي،
كنت مستنية اللحظة اللي الباب يتقفل وراهم
وأرجع آخد نفسي.
وأخيرًا…
مشيو.
اتنهدت بعمق، كأني كنت حابسة الهوا جوا صدري،
وسندت ضهري على الكنبة.
زين كان واقف قدامي،
بيبصلي بابتسامة دافية وقال:
— إنتِ كويسة؟
هزّيت راسي آه،
بس الحقيقة إن جوايا كان مليان علامات استفهام.
قلت بصوت واطي:
— أنا… عايزة أعرف عن نفسي أكتر.
اتدور لي، وقعد قصادي،
ونظرته بقت مركّزة كأنه مستعد يحكي حكاية طويلة.
— ومالو، تحبي نبدأ منين؟
سكت.
مش علشان مش عايزة،
لكن علشان فعلًا مش عارفة أبدأ منين…
ولا أعرف إيه عني.
هو فهم سكاتي،
وقال بهدوء من غير ضغط:
— بصي يا فيفو…
ابتسمت غصب عني وقلت:
— فيفو؟
ضحك على ابتسامتي وقال:
— ديما كنت بدلعك كده.
وبعدين كمل، وصوته بقى أهدى:
— عندك مامتك، وأختك نوارة…
أما باباكي، فمتوفي من كام سنة.
هزّيت راسي بتفهم،
رغم إن قلبي وجع من غير ما أفتكر سبب.
كمل وهو بيبصلي:
— إنتِ بتديري شركة باباكي،
اللي سابهالك إنتِ ونواره بعد ما اتوفى.
عيني وسعت شوية،
وابتسمت وأنا بهزر:
— كده أنا غنية بقى؟
ضحك وقال:
— حاجة شبه كده.
بص في ساعته فجأة وقال:
— نكمل بعيدن،
يلا عشان نعمل شوية تمارين قبل م تاخدي الدوا..
بصّيت له بفضول،
وقلت:
— هو إنت بتشتغل إيه؟
سكت ثانية،
وبعدين قال بنبرة عادية بس واثقة:
— HR في شركة كبيرة.
بصّيت له،
وحسّيت إن الشخص ده
غريب…
وقريب…
ومطمن
بطريقة تخوف.
وفي اللحظة دي،
عرفت إني مش بس عايزة أعرف أنا مين
أنا كمان
عايزة أعرف
هو مين في حياتي بالظبط.
وقفني قدامه بهدوء،
إيده كانت ثابتة وهو ماسك دراعي كأنه خايف أتهزّ.
قال بنبرة مطمّنة:
— خدي وقتك… مفيش استعجال.
حطّيت رجلي على الأرض بحذر،
الدنيا لفت بيا لحظة،
وقبل ما أقع…
لقيته شدّني ناحيته.
شهقت بخضة،
ولقيت نفسي قريبة منه قوي،
أنفاسي لخبطت،
وإيده كانت على ضهري، ماسكاني كويس.
ابتسم وقال بنبرة خفيفة:
— أهو كده… أنا معاكي، متخافيش.
حسّيت بدقات قلبي عالية،
مش عارفة من التعب
ولا من قربه.
حاولت أتحرك خطوة،
رجلي خانتني،
فلقيته لفّ دراعه حوالين وسطي من غير تفكير.
— على مهلك يا فيفو…
قالها وهو بيبصلي،
ونظرته كانت مليانة خوف عليّا أكتر ما هي تركيز.
استندت عليه غصب عني،
وحسّيت بالأمان…
إحساس غريب عليّا،
بس مريح.
قال وهو بيضحك بخفة:
— عارفة؟
كنتي دايمًا عنيدة ف كل حاجه..
رفعت عيني ليه باستغراب:
— بجد؟
هزّ راسه وقال:
— أوي…
بس ديما كنت بلاقي طريقه لعنادك..
الكلمة الأخيرة لمستني،
مش فاكرة أي حاجة،
بس جسمي حسّها.
كمّل التمرين معايا،
خطوة خطوة،
وكل مرة أضعف
كان يقرب أكتر،
صوته يهدّي،
وإيده تطمّن.
وفي لحظة،
وقفنا قصاد بعض،
قريبين قوي،
وسكات قصير نزل بينا.
قال بهمس:
— شاطرة…
أنا فخور بيكي.
ابتسمت من غير ما أحس،
وفي اللحظة دي
عرفت إن الذاكرة ممكن تضيع…
بس الإحساس
عمره م هيضيع..
وبعد ساعات…
مش عارفة عددها قد إيه،
أخيرًا خلّصنا التمرينات.
قعدت على الكنبة وأنا بنهج،
حاسة إن كل نفس طالع من صدري بالعافية.
قرب مني، وطبطب على كتفي بحنية:
— شدّي حيلك… ده لسه أول يوم.
اتنهدت بتعب، وصوتي طلع مبحوح:
— أنا افرهدت بجد… مش قادرة خلاص.
ابتسم، ومد إيده بكوباية مية.
إيدي لمست إيده وأنا باخدها منه،
لمسة سريعة
بس كفاية تخلي قلبي يلخبط.
شربت،
وكنت حاسة بعينيه عليّا في كل حركة،
كأنه بيحاول يحفظ ملامحي
قبل ما أضيع منه تاني.
توترت.
مش من تعبه معايا…
من قربه.
من نظراته اللي فيها اهتمام أكتر من اللازم،
وحنان ملوش تفسير واضح في دماغي.
نزل بعينيه شوية وقال بهدوء:
— تعبانة؟
هزّيت راسي آه،
بس الحقيقة إني مكنتش تعبانة من التمرين وبس…
كنت تعبانة من إحساس تاني.
أنا عارفة إنه جوزي،
وعارفة المفروض يكون إيه في حياتي،
بس الإحساس نفسه كان غريب…
كأن المعلومة في دماغي
مش واصلة لقلبي.
قربه، ونظراته، واهتمامه الزايد
خلّوني متلخبطة.
مش عارفة أتعامل معاه كزوج
ولا كشخص لسه بتعرف عليه لأول مرة.
ومع كده…
وجوده جنبي كان مريح،
أكتر ما كنت مستنية.
الوقت اتأخر،
وهو كان برّه ولسه مرجعش.
مكنتش قلقانة عليه،
ولا حتى مستنياه بالمعنى ده…
كنت بس زهقانة من القعدة لوحدي،
والسكات كان تقيل.
فكرت أكلم نوّارة،
اللي المفروض تبقى أختي،
بس اتكسفت.
حسّيتها غريبة عليّا،
وحسّيت إني هبقى قليلة الذوق
لو قلتلها تيجي تقعد معايا من غير سبب.
عدّى نص ساعة كمان…
وبعدين سمعت صوت الباب.
أخيرًا!
كنت قاعدة على السرير،
ودخل وهو الابتسامة المعتادة مرسومة على وشه،
وقال بنبرة هادية:
— لسه صاحية؟
هزّيت راسي بهدوء.
قرّب خطوة، وقال بغمزة خفيفة:
— كُنتي مستنياني؟
توترت،
وردّيت بسرعة زيادة عن اللزوم:
— إيه؟ لا طبعًا!
بصلي باستغراب،
وحسّيت إني لخبطت الدنيا.
فاستدركت وأنا بحاول أصلّح اللي قلته:
— قصدي… يعني… أنا—
قاطعني بابتسامة مطمّنة وقال:
— فاهمك عمومًا.
وبصلي بنظرة هادية وكمل:
— أنا مش مستعجل…
عارف إنك لسه ماخدتيش عليّا.
الكلام ريّحني شوية،
بس في نفس الوقت
خلّاني أحس إن الصبر اللي في صوته
أكبر من مجرد تفهّم…
كأنه مستعد يستنّى كتير.
غيّر هدومه،
وقرّب من السرير.
بصّيت له بصدمة وقلت بسرعة:
— إيه؟ إنت هتنام فين؟
بصلي هو كمان باستغراب وقال:
— هنام على السرير!
التوتر ضربني مرة واحدة،
قلبي دقّ بسرعة
وعيني لفّت في الأوضة من غير ما أحس.
ضحك ضحكة خفيفة،
كان فيها هزار أكتر ما فيها سخرية، وقال:
— أنا جوزك على فكرة!
اتكسفت،
وصوتي طلع واطي وأنا بقول:
— ع… عارفة.
سكت شوية،
وقعدت أبص حواليا من كتر التوتر،
حاسّة إني محبوسة بين فكرة إني عارفة الحقيقة
وإحساس إني مش مستعدة ليها.
لاحظ ارتباكي،
فقال بهدوء وهو بيبعد خطوة:
— اهدّي…
مش هعمل حاجة تضايقك.
وبعدين كمل بابتسامة مطمّنة:
— لو مش مرتاحة، أنا أنام على الكنبة… عادي.
الكلمة دي ريّحتني شوية،
مش علشان هيبعد،
لكن علشان حسّيت إنه واخد باله من خوفي.
رفعت عيني ليه،
وقلت بتردد:
— لا… خليك.
بس… سيب مسافة.
هزّ راسه بتفهم:
— اللي يريحك يا فجر.
نام على طرف السرير،
وساب بينا مسافة صغيرة
بس كأنها كبيرة جوا قلبي.
فضلت بصّة في السقف،
مش عارفة أنام،
بس لأول مرة
محسّتش إني لوحدي.
كنت لسه بصّة في السقف،
والسكات مالي الأوضة،
ولا عارفة أنام
ولا عارفة أفكر.
فجأة سمعته بصوت واطي،
كأنه خايف يقطع أفكاري:
— فجر؟
لفّيت راسي ناحيته.
فجأة…
فتح حضنه من غير أي مقدمات.
وأنا؟
اتجمّدت مكاني.
مش عارفة أعمل إيه،
ولا حتى أتحرك.
عيني خانتني،
وكان باين فيها الحيرة
واللخبطة
والخوف اللي مش عارف يطلع كلام.
شاف ده كله في ثانية.
قرب خطوة،
ومد دراعه
وخدّني في حضنه بهدوء،
حضن دافي
مش فيه استعجال
ولا ضغط.
اتنفست غصب عني،
كأني كنت حابسة نفسي
وفجأة لقيت مكان آمن أسيبه فيه.
إيده كانت ثابتة على ضهري،
مش بتشد
ولا بتقرب زيادة،
بس موجودة…
وكفاية.
قال بصوت واطي قريب من ودني:
— أنا عارف إنك تايهة…
بس متخافيش.
قلبي هدي شوية،
وجسمي ارتاح من غير ما أفهم ليه.
مكنتش فاكرة أي حاجة،
بس الحضن ده
حسّيته مألوف
كأنه حاجة قلبي فاكرها
حتى لو عقلي نسي.
وفهمت ساعتها
إن بعض المشاعر
مش محتاجة ذاكرة
عشان تعيش.
في نص الليل صحيت،
إيدي اتحركت جمبي تلقائي
بس ملقتوش.
قلبي دقّ بسرعة مفاجئة،
مش خوف عليه…
قد ما هو إحساس غريب بالفراغ.
حاولت أقوم،
رجلي وجعتني
وتوازني خانّي،
بس ضغطت على نفسي
وقفت بالعافية.
خرجت من الأوضة على مهلي،
النور كان طافي
والبيت ساكت…
زيادة عن اللزوم.
ومن بعيد
لمحت نور المطبخ.
قربت خطوة خطوة،
ودقات قلبي كانت أعلى من صوت رجلي،
ولما قربت أكتر
سمعته بيتكلم.
وقفـت مكاني.
من الصدمه!….
رواية وهم الحياه الفصل الرابع 4 - بقلم خديجه احمد
رواية وهم الحياه – الفصل الرابع
البارت الرابع
كان بيتكلم بصوت واطي في الفون، كأنه الدنيا كلها ساكتة حواليه:
— آه يا حبيبتي… نايمة؟
قلبي دق بسرعة…
دقات سريعة كأنها عايزة تطلع من صدري،
وأنا بدخل المطبخ… كل خطوة كانت صعبة… رجلي بترتجف شوية.
شافني،
بس ما اتأثرش… ولا كانه عمل حاجه!
وقفت قدامه وأنا ماسكة الرخام بحذر، نص ابتسامة على وشي…
بس جوايا كان كله ارتباك:
— إيه اللي مصحيك دلوقتي؟
ابتسم وقال وهو بيقفل التليفون بعد ما خلص كلامه:
— طيب يا قلبي… هكلمك بعدين.
بعدها قرب مني، وحاوطني بإيده بهدوء،
لأني لسه مش قادرة أقف بثبات.
نظرة عينيه كانت مليانة حنية،
والابتسامة على وشه بتطمن:
— دي أمي يا ستي… يعني حماتك.
قلت اكلمها وانتي نايمه عشان عارف إنك مش هتكوني جاهزة تكلميها دلوقتي، كمان هي بتسلم عليكي.
حسيت صدري اتحرر شوية لما قال كده،
ورديت بابتسامة صغيرة ومترددة:
— لا… عادي، ممكن أكلمها. بالعكس… هبقى مبسوطة.
وفجأة، بدون أي مقدمات، شالني من الأرض.
شهقت… قلبي كاد يوقف من المفاجأة،
بس حضنه كان دافئ، ثابت،
حسّيته وكأنه بيحميني من كل توتري وكل خوف.
بصيت له في عينيه بسرعة وقلت بصوت واطي:
— نزلني… أنا هعرف أمشي!
بس ابتسم لي بخفة وهو ماشي بيا،
وإيده حواليا كأنها جسر أمان:
— ده أنتي بتطوحي وانتي ماشيه.
رجلي كانت بترتجف، وقلبي بيدق بسرعة،
بس حضنه حواليا خلاني أحس بالدفء…
وبإحساس غريب… كأني وسط كل ارتباكي، هو مصدر الطمأنينة الوحيد.
نفسي اتسحب وعيوني اتفتحت شوية على واقعي،
بس كان فيه إحساس واحد واضح:
كل حركة، كل ابتسامة، كل لمسة من حضنه…
بتوصل لي رسالة واحدة:
— أنا موجود، ومش هسيبك أبداً.
تاني يوم جه…
صحيت الصبح ومدّيت إيدي جنبي،
ملقتوش.
قلت في سري:
أكيد راح الشغل.
لمّيت روب خفيف عليّ ونزلت تحت،
ولسه داخلة المطبخ
لقيت ست في أوائل الأربعينات واقفة هناك.
أول ما لمحتني، سيبت اللي في إيدي وقالت بلهفة صادقة:
— الحمد لله على السلامة يا مدام فجر.
بصّيت لها بعدم فهم وقلت:
— الله يسلمك.
وسكت ثانية، وبعدين سألت بتردد:
— هو… حضرتك مين؟
وشّها اتغير فجأة،
وقالت لنفسها بصوت واطي بس مسموع:
— حضرتك؟
دي عمرها ما قالتها لي!
فضلت باصة لها مستنية الإجابة،
فاتلخبطت شوية وقالت بسرعة:
— أنا هنيّة… خدامتك يا ستي.
ضحكت تلقائي وقلت:
— خدامة إيه بس؟
إنتِ اللي بتيجي تدبّري البيت يعني.
هزّت راسها وقالت:
— أيوه يا ستي.
رفعت حاجبي وضحكت أكتر:
— سِتي سِتي!
على فكرة إحنا قريبين في السن،
قوليلي فجر عادي.
اتوسعت عينيها،
وهزّت راسها برفض تام وقالت بسرعة:
— لا لا لا… مقدرش يا فجر هانم!
قربت منها شوية وقلت وأنا بضحك:
— لا ينفع… أنا اللي بقولك.
بصّت لي شوية،
وبعدين ابتسمت باستسلام وقالت:
— حاضر… يا فجر.
ابتسمت وأنا حاسة
إن حتى في التفاصيل الصغيرة دي
حياتي القديمة لسه بتحاول ترجع
بس على مهلي.
قعدت على سفرة الفطار وأنا لسه بنعس شوية،
وهنيّة كانت بتلف حوالين نفسها في المطبخ بسرعة غريبة.
حطّت قدامي طبق وقالت بحماس:
— عملتلك فطارك اللي بتحبيه.
بصّيت في الطبق…
بيض، جبنة، توست، وكوباية قهوة.
قلت بتردد:
— هو… أنا بحب ده؟
بصّت لي بصدمة حقيقية وقالت:
— بتحبيه؟!
ده إنتِ لو صحيتِ ومفيش قهوة،
الدنيا بتبوظ!
ضحكت من قلبي من غير ما أحس،
الضحكة طلعت سهلة… طبيعية.
مسكت الكوباية،
وأول رشفة خلت صدري يدفى.
الإحساس كان مألوف قوي،
كأني عملت الحركة دي ألف مرة قبل كده.
قلت وأنا بابتسم:
— واضح إني كنت شخصية صعبة.
هنيّة ضحكت وقالت:
— العفو محدش بقدر يقول كدا
في اللحظة دي،
عيني وقعت على كرسي فاضي قدامي.
حسّيت إن في حد المفروض يقعد هنا…
حد كان دايمًا بيشارك الفطار.
قربت صباعي من حافة الترابيزة،
ولمست خدش صغير فيها،
وفجأة حسّيت بوخزة غريبة في قلبي.
سألت بهدوء:
— الخدش ده…؟
ابتسمت هنيّة وقالت ببساطة:
— ده من يوم ما الكوباية وقعت منك إنتِ وزين بتتخانقوا مين اللي هيعمل القهوة.
ضحكت،
بس عيني دمعت شوية من غير سبب واضح.
يمكن الذاكرة راحت…
بس البيت ده
كان حافظني.
حسّيت لأول مرة
إن المكان مش غريب عليّا،
وإن الضحكة اللي طلعت مني
طلعت من مكان كان هنا قبل كده.
البيت ده…
كان فعلًا بيتي.
قررت إني محتاجة أختلط بناس أكتر،
يمكن وسط الزحمة أفتكر نفسي…
أو على الأقل أحس إني موجودة.
مسكت الفون وبدأت أقلّب فيه،
بدور على رقم زين
بعشوائية كده
كأني متأكدة إني هعرفه من غير اسم.
بس… ملقتش.
اتنهدت،
ورفعت عيني على هنيّة
اللي كانت واقفة في المطبخ
بتغسل مواعين الفطار
والمية بتنزل بهدوء.
قلت وأنا بحاول أبقى عادية:
— هو… متعرفيش أنا مسمّياه إيه على الفون؟
ابتسمت هنيّة،
الابتسامة اللي فيها حاجة من الحنين،
وقالت ببساطة كأنها بتقول اسم عادي:
— كنتِ مسمّياه
الملجأ الدافئ.
ابتسمت.
مش ضحكة…
ابتسامة سابت أثر جوايا.
مسكت الفون تاني،
وكتبت الاسم.
ظهرلي الشات…
وكان باعت:
صباح الخير
أنا هروح الشغل عشان ورايا شغل كتير
أتمنى يكون صباحك جميل زيك.
فضلت باصة للكلام شوية،
مش عارفة ليه قلبي دق بهدوء
كأن الرسالة مش جديده عليا…
اتصلت بيه،
وثواني قليلة عدّت
بس بالنسبالي كانوا أطول من اللازم.
لحد ما رد…
وقال بصوته اللي بقيت أميّزه بسرعة:
— إيه يا روحي؟
قلبي دق فجأة،
واتلخبطت،
وصوتي طلع متقطع شوية:
— أ… أنا عايزة أروح عند ماما ونوّارة.
حاسّة إني لو شوفتهم ممكن أبقى أحسن.
سكت ثانية،
وبعدين رد بهدوء مطمّن:
— أيوه يا حبيبتي،
بس إنتِ لسه مش بتعرفي تمشي كويس،
وأنا ورايا شغل وهارجع متأخر.
بس ممكن تتصلي بيهم ييجوا هما.
اتوترت أكتر،
وقلت بسرعة قبل ما أفكر:
— يعني… مش هزع—
قاطعني على طول،
وصوته كان حاسم بس دافي:
— تزعجيني إيه بس؟
مامتك زي مامتي بالظبط،
وكذلك أختك.
وطالما الحاجة دي هتبسطك وتحسّنك
أنا معنديش أي مانع.
لقيت نفسي بابتسم من غير ما أحس،
الابتسامة دي طلعت تلقائي…
كأن الكلام لمس حاجة جوايا.
وبصوت واطي، شبه همسة، قلت:
— شكرًا.
رد عليا بنبرة صادقة، فيها ضحكة خفيفة:
— بتشكري جوزك؟
اتكسفت،
وقلبي دق بهدوء المرة دي،
وحسّيت إن الكلمة دي
لسه تقيلة عليّا…
بس وجودها
مبقاش غريب.
قفلت المكالمة
وأنا حاسة إن في حد شايل عني جزء من اللخبطة،
حتى لو أنا لسه مش فاهمة كل حاجة.
صوت الجرس رن
والمرة دي مكنش غريب. قلبي دق
بس مش من الخوف
من إحساس مألوف
مش فاهمة مصدره.
هنيّة فتحت
وأنا قومت بالعافية
وقفت مستندة على الكنبة.
دخلت ماما
وأول ما عينها جت في عيني
اتغيرت ملامحها.
نظرة أم شافِت بنتها
في بيتها.
قربت مني بسرعة ونسيت أي كلام
وضمتني لصدرها
حضن أطول من اللي فات وأدفى.
وقالت بصوت واطي
وفيه رجفة خفيفة:
— وحشتيني يا فجر…
وحشتيني قوي.
نوّارة دخلت وراها
وقفت قصادي
وبصتلي من فوق لتحت
وبعدين قالت بابتسامة فيها شقاوة:
— إيه؟
لسه ناسيه؟
ولا المرة دي افتكرتيني؟
ابتسمت غصب عني
وقولت:
— لا
بس ارتحتلك أكتر.
قربت ومسكت إيدي
وقالت بهزار خفيف:
— كفاية عليّا دي.
قعدنا
قعدة بيت ريحة أكل صوت ضحك خفيف
وكلام بسيط
عن حاجات ملهاش أهمية
بس بتطمن.
في اللحظة دي
حسّيت إن يمكن ذاكرتي لسه تايهة
بس قلبي عارف الناس دي وعارف إن الناس دي كانت عيلتي ف يوم من الايام
ماما سابتني أنا ونوّارة ومشيت تتكلم مع هنيّة،
وكان واضح من ضحكتهم ومن طريقة كلامهم
إنهم مش أول مرة يقعدوا سوا.
حسّيت لحظة غريبة…
كأن البيت ده كان عايش من غيري
وأنا اللي رجعت ضيفة عليه.
نوّارة كانت قاعدة قدّامي.
وشّها هادي
بس عيونها لأ…
عيونها كانت تقيلة.
فونها رن.
مسكته،
قرأت الرسالة،
ولحظة الحزن اللي عدّت في عينيها
مكنتش لحظة عابرة…
كانت وجع.
قلبي اتقبض من غير ما أفكر،
وسألتها بصوت واطي:
— مالِك يا نوّارة؟
رفعت عينيها بسرعة
ولبست ابتسامة مش بتاعتها
وقالت:
— ولا حاجة…
قوليلي إنتِ عاملة إيه مع زين؟
نبرتها كانت محاولة هروب،
مش سؤال.
بصّيت لها كويس
وقلت وأنا حاسة إني بشوفها لأول مرة بجد:
— نوّارة…
إنتِ متضايقة.
وبتعرفي تخبي كويس
بس مش مني.
سكتت شوية. وفي السكون ده
لمحت الدبلة في إيديها.
قلت باستغراب حقيقي:
— إنتِ مخطوبة؟
هزّت راسها
من غير ما تتكلم.
قلبي فهم قبل ما لساني ينطق:
— هو؟
هزّت راسها تاني. الحركة دي كانت تقيلة
كأنها شايلة أكتر من كلمة.
قربت منها شوية
وقلت بهدوء، من غير ضغط:
— لو حابة تحكي… أنا سامعة.
ضحكت،
بس الضحكة دي كان فيها وجع قديم
وقالت:
— أول مرة تحترمي مساحتي.
كنتي دايمًا…
تاخدي الفون من إيدي
وتقري الرسايل
وتتصلي بيه تهزقيه.
ضحكت،
ضحكة خرجت لوحدها.
واضح إني كنت شخص تاني…
شخص أنا نفسي معرفوش.
الضحكة ماتت بسرعة
وسِبت مكانها فراغ.
افتكرت كلام الدكتور
عن الصدمة
عن الغيبوبة
عن الذكريات اللي اتسحبت مني فجأة
وكأني اتشالت من حياتي ورجعت ناقصة.
بصّيت لها بلهفة
وفي صوتي خوف:
— نوّارة…
إنتِ تعرفي أنا حصل لي إيه قبل الغيبوبة؟
هزّت راسها ببطء
وقالت:
— لا.
ولا أنا
ولا ماما.
حتى زين…
قال إنه ميعرفش.
قال إنهم كلموه من المستشفى
وقالوا له إنك هناك وبس.
الكلام وقع عليّ تقيل.
لأن محدش يعرف أي سبب اني ادخل ف غيبوبه
وأنا أكتر واحدة تايهة.
مسكت إيديها
وكأني بتمسك بحاجة ثابتة في عالم مهزوز
وقلت بابتسامة ضعيفة:
— طيب…
هتحكيلي اللي مزعلك؟
ولا هتفضلي تشيلي لوحدك؟
بصّت لي
نظرة كلها حب وخوف
وطبطبت على إيدي
وقالت بصوت واطي:
— هعرف أتصرف…
متقلقيش..
رواية وهم الحياه الفصل الخامس 5 - بقلم خديجه احمد
رواية وهم الحياه – الفصل الخامس
البارت الخامس
بعد ما ماما ونوّارة مشيوا البيت هدي فجأة…هدوء تقيل،مش مريح.
هنيّة كانت بتلف في الشقة تنضّف، ترتّب،
وصوتها وهي بتتحرك كان الوحيد اللي موجود.
أما زين…
لسه مرجعش من الشغل.
قعدت لوحدي
وحسّيت الإحساس اللي كنت بهرب منه طول اليوم رجع أقوى.
كنت زهقانة…
بس مش زهق عادي.
زهق واحد حاسس إنه محبوس.
حاسّة إني مقيّدة،
مش بس جسديًا…
لا،
كأني مربوطه من جوايا.
مش قادرة أتحرك لوحدي.
مش قادرة أقرر حاجة بسيطة.
حتى القيام من مكاني محتاج تفكير وخوف
وكأني بتعلم أمشي من الأول.
قعدت أبص حواليا
على البيت
على الحيطان
على الحاجات اللي المفروض إنها بتاعتي
بس حاسّة إني مش عارفاها.
هو ده بيتي؟
ولا بيت حد تاني وأنا دخلت غلط؟
اتنهدت بغيظ
وقلت بيني وبين نفسي:
معقول؟ معقول ست شهور غيبوبة
تعمل فيّ كل ده؟
مكنوش ست شهور… كانوا عمر كامل اتحذف.
ناس كبرت علاقات اتغيرت بيت عاش من غيري وأنا رجعت
مش عارفة أعيش لوحدي حتى.
حطّيت إيدي على صدري
وأنا حاسّة بالاختناق
مش من المرض
من الإحساس بالعجز.
أول مرة في حياتي
أبقى محتاجة حد بالشكل ده
ومش قادرة أطلب
ولا قادرة أستغنى.
وزين…
غايب.
وجوده بقى أمان وغيابه بقى فراغ
وأنا مش فاهمة إزاي وصلت للنقطة دي.
قعدت أعدّي الدقايق مستنية صوته
صوت المفتاح في الباب أي حاجة
تطمني إني مش لوحدي.
بس الحقيقة؟
أنا كنت لوحدي…جوا دماغي أكتر ما أنا لوحدي في البيت.
الهدوء زاد بقى تقيل كأنه قاعد على صدري.
هنيّة دخلت أوضة تانية وصوتها اختفى وساعتها حسّيت إني اتسابت بجد.
قعدت أحاول أعدّل وضعي
بس جسمي خانّي
رجلي وجعت
وتوازني اختفى
فسيبت نفسي وأنزل على الكنبة تاني.
ساعتها…
حاجة جوايا اتكسرت.
دموعي نزلت فجأة من غير إنذار
ولا حتى شهقة.
قعدت أبكي مش بصوت عالي
بالعكس بصوت مكتوم
كأني خايفة حد يسمعني
أو يمكن
خايفة أنا نفسي أسمعني.
ليه ضعيفة كده؟
ليه مش عارفة أعمل حاجة لوحدي؟
ليه محتاجة حد في كل نفس؟
مسكت راسـي بإيديا وضغطت
كأني بحاول أرجّع حاجة ضاعت
ذكرى
إحساس
أي حاجة تقولّي أنا مين.
بس مفيش.
ولا صورة.
ولا اسم.
ولا حتى صوت من الماضي.
بس فراغ.
شهقت
وحسّيت نفسي بتنهار أكتر صدري بقى يوجعني
ونفسي طالع بالعافية.
قلت بصوت مهزوز
وأنا بكلم نفسي:
__أنا تعبت…
أنا مش فاهمة حاجة…
هو أنا كنت كده؟
ولا دي واحدة تانية؟
عيوني لفت في البيت
على كل تفصيلة
كل ركن
كل حاجة المفروض إنها شاهد عليّا
بس ولا واحدة فيهم ردّت.
البيت ساكت. وأنا ساكتة ….والوجع هو اللي بيتكلم.
قعدت أعيّط وأنا حاسّة إني طفلة تايهة …مش ست متجوزة
مش مديرة شركة ولا حتى أخت كبيرة.
طفلة صحيت في حياة مش حياتها
وجسم مش مطاوعها
وقلب مليان خوف.
مدّيت إيدي على الفون
من غير ما أفكر
فتحت اسمه
«الملجأ الدافئ».
بصّيت للاسم ودموعي نازلة
وقلت بيني وبين نفسي:
__هو أنا هفضل محتاجة كده؟
ولا ده بس دلوقتي؟
الفون وقع من إيدي
وأنا ساندت وشي على كفي وانهرت بجد بكيت بحرقة
بوجع
من غير ترتيب
من غير كلام.
مكنتش عايزة حد يشوفني
ولا حد يواسيني
كنت عايزة
أفهم بس أنا فين وأنا مين
وهفضل كده لحد إمتى.
باب الشقة اتفتح بهدوء
من غير صوت بس أنا حسّيت بيه.
يمكن لأن البيت كان ساكت زيادة
أو يمكن لأن قلبي كان واقف على أطراف صوابعه.
زين دخل شنطته على كتفه
وعينه لسه بتدور في المكان
بينادي بصوت واطي:
__فجر؟
مردّتش.
مكنتش قادرة.
قرب خطوة واتنين
لحد ما شافني.
شافني مكورة على الكنبة
ضهري محني
ووشي مستخبي بين إيديا
وصوت نفسي مكسور.
وقف مكانه لحظة وشه اتغير
الابتسامة اختفت
وعينه لمعت بقلق حقيقي.
ساب كل اللي في إيده
والشنطة وقعت على الأرض وجري عليّا.
ركع قدامي من غير ما يلمسني في الأول
صوته طلع هادي قوي
بس فيه رعشة:
__فجر…أنا هنا بصيلي.
هزّيت راسي برفض وبكيت أكتر
كأني كنت مستنياه
بس مش عايزة أقول.
مدّ إيده ببطء وطبطب على دراعي
خفيف
كأنه خايف يكسرني:
__مالك يا روحي؟
وجعك فين؟
شهقت
وصوتي طلع مبحوح:
__أنا…
أنا مخنوقة…مش قادرة…
مكمّلتش
لأني انهرت في العياط.
ساعتها قرب أكتر وسحبني لحضنه
بحذر
مش حضن فجأة حضن واحد خايف
مش عايز يضغط.
سند راسـي على صدره وإيده على ضهري بتمشي ببطء واحدة واحدة
كأنه بيعدّ أنفاسي.
قال بصوت واطي
قريب من ودني:
__طلعي اللي جواكي…
أنا سامعك ومش ماشي.
دموعي غرّقت قميصه وأنا بتشبّث فيه
زي حد كان بيغرق ولقى طوق نجاة.
قلت وأنا بعيّط:
__أنا تايهة يا زين…حاسّة إني محبوسة جوا جسمي… مش عارفة أتحرك ولا أفتكر ولا أكون أنا…
شدّني أكتر
كأنه بيحميني من الدنيا:
__وانتي مش لوحدك
ولا هتفضلي لوحدك.
رفعت وشي شوية
بصّيتله بعين حمرا
مليانة خوف:
__هو الوضع ده هيفضل كده؟
ولا أنا هفضل محتاجة؟
سكت لحظة
وبعدين قال بثبات
نادر:
__لو هتفضلي محتاجة
فأنا موجود
ولو هتقفي على رجلك
أنا أول واحد هيسندك
لحد ما تسيبيني.
الكلمة الأخيرة وجعتني
وهو حسّ.
مسح دموعي بايده
وقال:
__بس دلوقتي
مفيش غير حاجة واحدة مهمة
إنك تهدي
وتفهمي
إن البيت ده بيتك
وأنا…
أنا مكانك الآمنمش عبء ولا واجب.
غمّضت عيني وسندت عليه
والانهيار هدّى شوية مش لأنه راح
لكن لأنه لقى حد يشيله.
____________
نواره
كنت ماسكة الفون بإيدي، وقلبي بيتخبط
وأنا بزعق بصوت عالي، كأن صوتي نفسه بيهزّ المكان:
— يعني إيه يا مراد؟ عايزني أفاتحها عشان آخد حقي من الشركة وهي لسه خارجة من المستشفى؟ مبقاش لها أسبوع!
رد عليا بصوت عادي كأنه بيتكلم عن شيء طبيعي:
— هو انتي مش عايزانا نتجوز؟
مش عارفه إن الفلوس اللي هتخديها هتساعدنا نتجوز النهارده قبل بكره كمان؟
انفجر غضبي بصوت أعلى:
— مراد! انتي عارف إنّي كلمتها قبل كده في الموضوع ده وهي رفضت!
عايزني استغل إنها فاقدة الذاكرة وأرجع أطلب منها نفس الطلب اللي رفضته؟
سكت شوية… وبعدها اتغير نبرة صوته، صار حادًا كأمر:
— نوارة… أنا معيش فلوس نتجوز.
لو إنتِ مش عايزه نتجوز فبراحتك… وأنا مش هضغط نفسي على جوازه.
وقف قلبي للحظة، وقلت بصوت متردد وصدمه:
— يعني إيه يا مراد؟
رد عليا ببرود، وكأن كل المشاعر راحت من صوته:
— يعني اللي سمعتيه يا نوارة…
لو مجبتيش الفلوس من أختك… اعتبري إننا سبنا بعض.
سكت للحظة…
قفل الفون فجأة في وشي.
كنت مسكة الفون بإيدي
إيدي اللي كانت بترتعش
وصوت مراد لسه بيرن في وداني
كأنه سابه مخصوص جوّه دماغي.
الفون اتقفل بس الصدى مكنش راضي يسكّت.
وقفت في نص الأوضة مش قادرة أقعد …ولا قادرة أمشي …ولا حتى أعيّط.
يعني إيه؟ ببساطة كده؟ يا فلوس… يا أنا أمشي؟
ضغطت على أسناني ..وعيني دمعت غصب عني مش ضعف
قهر.!
أنا طول عمري واقفة جنب فجر
مش علشان هي أختي وبس
علشان أنا مؤمنة إنها تعبت وتستاهل
وإن الشركة دي مش “سبوبة”
دي حياتها.
وهو؟
شايفها رقم.
شايفها فرصة.
شايف ضعفها.
قعدت على السرير وسندت ضهري وحطيت إيدي على وشي
وأول مرة من زمان
سألت نفسي بصوت مسموع:
__هو أنا بحبّه؟
ولا كنت بحب فكرة إن في حد محتاجني؟
دمعة نزلت وراها دمعة وراها انهيار هادي من النوع اللي بيوجع أكتر
لأنه مفيش صوت.
افتكرت نظرة فجر
وهي فاقدة
وخايفة
ومستندة على أي حد يطمنها.
وافتكرت صوته
وهو بيقول:
“لو مجبتيش الفلوس… اعتبري إننا سبنا بعض”
مسحت دموعي بسرعة
كأني خايفة حد يشوف ضعفي
حتى نفسي.
وقفتوشديت ضهري
وقلت بهمس بس بنبرة قرار:
__لا يا مراد…
أنا مش هبيع أختي
عشان أتجوز.
الفون كان لسه في إيدي بصّيت عليه
اسمُه منوّر بس لأول مرةحسّيته تقيل.
سيبته على السرير وكأني بسيب معاه
حلم
كنت فاكرة إنه حب.
____________
فجر
بعد ما هدأت شويه
بصيت لزين بعينيّ مليانة فضول، وسألته:
— هو مين بيدير الشركة في غيابي؟
رد عليّ بهدوء، صوته دايمًا مطمّن:
— أنا بديرها لحد ما تقومي بالسلامة… مع شغلي الأساسي.
قلبي دق بسرعة، والتوتر رجع يحاوطني، قلت له بقلق:
— بس كده الحمل تقيل عليك…
ابتسم لي برقة، كأنه بيهمس بس لقلبي:
— الحمل يخف لأجلك يا فجر.
وقف قلبي على أطرافه… الكلام ده جوايا كان بيوصل مشاعر ماكنتش مستعدة ليها. حاولت أهدي نفسي، وبكل شجاعة قلت:
— أنا عايزة أنزل الشغل… حاسة إني لو نزلت واتعاملت مع الناس اللي كنت بتعامل معاهم قبل كده، هفتكر حاجات.
عينيه اتملّت قلق، وقال بحذر:
— بس إنتِ لسه تعبانة… لسه متقدريش تمشي على رجلك كويس.
ابتسمت له، وقلت باطمئنان:
— متقلقش عليا… انت ممكن توصلني الشغل.
— دا لو مش هزعجك طبعًا… بعد كده أكيد لو احتجت مساعدة، الموظفين هيساعدوني.
وقف لحظة صامت، كأنه مش عارف يقول أي كلمة، فحسيت إني محتاجة أكمّل:
— خلاص عادي… لو هتبقى مشغول، ممكن أجيب سواق.
رد عليّ بسرعة، بنبرة كلها اهتمام:
— لا… مش مشغول ولا حاجة… بس قلقان عليكي.
ابتسمت له، وحسيت قلبي يخف شوية من طمأنته:
— متقلقش هبقى بخير
هز راسه ببطء
كان باين عليه إنه مش مقتنع
القلق في عينه واضح
بس في نفس الوقت
مش عايز يكسّر فرحتي
ولا يطفّي الحماس اللي طالع مني.
اتنهد نفس خفيف
وقال بنبرة هادية فيها استسلام لطيف:
— ماشي يا فجر… زي ما انتي عايزة.
قرب مني خطوة
وبصلي بتركيز
كأنه بيحاول يطبع ملامحي في عينه
وقال:
— بس على شرط.
رفعت حواجبي باستغراب:
— شرط إيه؟
قال وهو بيبتسم ابتسامة باين وراها خوف:
— أول ما تحسي بتعب، أو بدوخة، أو إن رجلك خانتك… تكلميني فورًا.
— مفيش عناد… اتفقنا؟
هزّيت راسي بابتسامة صغيرة:
— اتفقنا.
مد إيده ومسح بإبهامه على ضهر إيدي بحركة سريعة
كأنها طلعت منه من غير ما يفكر
وبعدين سحب إيده بهدوء
بس الحركة البسيطة دي
خلّت قلبي يدق
وأحس إحساس غريب
دافي
مش فاهماله
بس مطمّن.
قام
وهو لسه بصصلي
وقال:
— حضّري نفسك… هننزل على مهلك.
وأنا وهو ماشي حسّيت إنه رغم قلقه
قرر يسلّمني خطوة لقدّام مش لأنه مش خايف لكن لأنه بيصدقني وبيحبني كفاية يسيبني أجرّب.
دخلت الشركة وأنا حاسّة إن قلبي سابقني بخطوتين …..
الباب الإزاز اتفتح ….وصوت المكان لفّ حواليا تحيات …ضحك …حركة
وضجيج خفيف
كأنه حياة كانت ماشية من غيري ومش مستنياني.
أول ما رجلي لمست الأرضية الرخام
إحساس غريب شدّني
كأني دخلت مكان أعرفه أوي
بس مش قادرة أفتكره.
الريحة…
ريحة القهوة والورق والهواء البارد
دخلوا صدري مرة واحدة
وخلو نفسي يتلخبط.
مشيت شويه ….بعيني قبل رجلي
وشوفت وشوش بتبتسم وفي عيونهم حاجة شبه الشوق ….وشبه الاستغراب.
حد قال:
__حمدلله ع السلامة يا مدام فجر
اسمي
خرج من بوق حد غيري وحسّيته تقيل
كأنه ليه تاريخ أنا مش فاكراه.
ابتسمت ابتسامة مهذبة ..بس من جوّه كنت متوترة
حاسّة إني ممثلة في دور نسيته.
عدّيت جنب مكتبي اللي كان مكتوب عليه اسمي من بره …أول ما شوفته
قلبي دق
مش فرح
دقّة خوف.
قربت …حطّيت إيدي على حافته
وفي اللحظة دي…
الدنيا وقفت. مش صورة
مش مشهد بس صوت
طلع فجأة من أعمق حتة جوايا
صوتي أنا واضح
مرتجف مصدوم:
__زين؟
إنت بتعمل إيه؟
شهقت ونفسي اتقطع إيدي شدت على المكتب كأني لو سيبته هقع.
الإحساس اللي جه مع الصوت
كان أقوى من أي صورة
وجع
وخضة
وصدمه مش مفهومة بس حقيقية.
رفعت عيني بسرعة لقيته واقف قريب بيبصلي بقلق
وبينادي اسمي.
بس في اللحظة دي …أنا مكنتش شايفاه زي قبل
في حاجة اتكسرت
حاجة صغيره بس خطيرة.
بلعت ريقي
وجمعت نفسي
وقلت بهدوء مصطنع:
— لا…
بس دوخة.
بس جوايا
الصوت فضل يلف
ويخبط
ويرفض يسكّت:
“زين؟
إنت بتعمل إيه؟””
ومن اللحظة دي عرفت
إن في باب اتفتح
حتى لو نص فتحة
ومش هعرف أرجع أقفله
تاني.
حاولت آخد نفس
وأقنع نفسي إن اللي حصل مجرد توتر
بس الدنيا بدأت تزوغ من قدامي.
الأصوات بقت بعيدة كأن حد وطى الصوت فجأة والنور اتهز وبقى تقيل على عيني.
حسّيت بسخونية طالعة من صدري
طالعة لراسي ودوخة لفتني
خلّت الأرض تميل.
قلت بصوت واطي
مكنتش متأكدة إن حد سمعه:
— زين…
إيدي سابت المكتب ورجلي خانتني
وفي ثانية
مبقتش حاسة بحاجة.
آخر حاجة شفتها هو
وصوته
صوته كان أوضح من أي حاجة:
— فجر! فجر سمعاني؟
بس أنا كنت بنزل بهدوء
في سواد تقيل …من غير ما أعرف
أنا هفوق على إيه ….ولا الحقيقة
مستنياني فين.
رواية وهم الحياه الفصل السادس 6 - بقلم خديجه احمد
رواية وهم الحياه – الفصل السادس
البارت السادس
*افتكرت كل حاجه*
فجر
مش عارفة فوقت بعد قد إيه،
بس أول ما فتحت عيني شُفت زين، ومز،
والموظفين حوالينا…
عيونهم مليانة قلق وتساؤلات.
زين قرّب مني، وصوته كان مليان خوف وهو بيقول:
— حبيبتي… إنتي كويسة؟
حاولت أتحرك،
بس جسمي خانّي.
رفعت إيدي بالعافية ومسكت راسي، وقلت بوجع:
— دماغي… دماغي بتوجعني أوي.
ملامحه اتشدّت، ومد إيده وشالني وهو بيقول بسرعة:
— هودّيكي للدكتور حالًا.
اتعلّقت فيه غصب عني، وصوتي طلع مكسور:
— لا… لا، أنا عايزة أروح بس، لو سمحت.
رد عليّ بتسرّع، كأنه بيطمني أكتر ما بيطمن نفسه:
— حاضر… حاضر.
وبصوت عالي وهو بيتحرك بين الناس قال:
— لو سمحتوا… وسّعوا السكة.
ركبت العربية جنبه،
والطريق كله كان سايبني سرحانة.
هو فضل يتكلم… كتير،
بس ولا كلمة كانت واصلة لي.
كنت حاسة إني مش معاه، …ولا حتى في نفس العالم.
كأني محبوسة جوّه دماغي،
والصور بتعدّي قدّامي من غير صوت.
وصلنا البيت. …طلعني وأنا ساكتة،
لا قادرة أتكلم،…..ولا قادرة أعاتب،
ولا حتى وشي مطاوعني.
ثابت…
وعيني محبوس فيها الدموع.
قرّب مني، وحط إيده على إيدي،
وصوته كان مليان قلق:
— مالك؟ فيكي إيه يا فجر؟
ليه أول ما دخلنا حصلك كده؟
وسكت لحظة،
وبعدين كمل بنبرة شك خفيفة:
— إنتي… افتكرتي حاجة؟
بصّيتله،
وحاولت أرسم ابتسامة كدّابة، وقلت:
— لا… بس حسّيت إن المكان مألوف،
وإن لقطات من الماضي بتعدّي قدّامي،
ومحستش بنفسي بعدها.
ابتسم، كأنه اطمن، وقال:
— ألف سلامة عليكي.
متشغليش بالك، ….أنا همشي الشغل زي ما إنتي عايزة… وأكتر
المهم إنك تقومي بالسلامة.
قرّب وباس راسي، وكمل:
— أنا ورايا شغل كتير،
اتصلت بهنية …وهي هتيجي تقعد معاكي.
لو احتاجتي أي حاجة، …اتصلي بيا فورًا.
ابتسمت…
ابتسامة متوترة، …وقلت بهدوء:
— أكيد.
أول ما الباب اتقفل وراه، ….البيت سكت…
سكات يخوّف.
قعدت على الكنبة،
حاسّة إن قلبي مش في صدري،
حاسّة إن في حاجة مستخبية جوا دماغي
وعايزة تطلع بالعافية.
حطّيت إيدي على راسي.
الوجع كان غير…
مش صداع،
ده ضغط،
كأن حد بيزقّ الذكريات تزق.
وفجأة—
فرقعة.
مش صوت…
إحساس.
الصورة نورت قدّامي
كأن حد فتح نور فجأة في أوضة ضلمة بقالها سنين.
مكتب الشركة. باب مقفول.
ضحكة…
مش ضحكتي.
صوت زين.
قريب.
وواطي.
“اي الجمال دا”
جسمي اتخشّب.
الصورة تغيّر. …أنا واقفه قدامهم
واحده قريبة منه قوي.
قريبين بشكل ما ينفعش.
إيده على وسطها ….مش غلطة.
مش صدفة.
قلبـي وقع.
سمعت نفسي في الماضي بتقول، بصوت مكسور:
— زين…؟
انت بتعمل اي؟
وهو اتلفت.
وشه اتغيّر. مش وش واحد اتقفش…
وش واحد اتكشف.
الذكرى ضربت في دماغي زي نار.
مستشفى.
دوا واقع من إيدي.
الدنيا بتلف.
صوته بيبعد.
__فجر! فجر!
وبعدين
سواد.
صرخت.
مش بصوت…
من جوايا.
قمت واقفة بالعافية، ….رجلي مش شايلاني،ونفسي متقطّع.
كل حاجة رجعت مش واحدة واحدة…
لا.
مرة واحدة.
الخيانة.
الوجع.
الصدمة.
والسبب الحقيقي للغيبوبة.
مسكت الكنبة عشان ما أقعش،
والدموع نزلت من غير إذن.
همست لنفسي،
صوتي طالع مرتعش:
— عشان كده…
عشان كده نسيت.
ضحكت ضحكة قصيرة، مكسورة،
وضفت:
— بقى كدا يا زين ….؟
انا يتعمل فيا كدا؟
الحزن اتقلب لغضب…
غضب ممكن يولّع أي حاجة حواليه
غضب لو انفجر، مش هيرحم حد.
اتفتح الباب، وصوت خطوات هنيه قطع اللي جوا دماغي.
دخلت وقالت بابتسامة هادية:
— إزيك يا أستاذة فجر؟
لكن أنا…
أنا مكنتش شايفة غير ذاكرتي وهي بترجع دفعة واحدة
ووجعي وهو بيطلع للسطح من غير استئذان.
سندت على نفسي، وحاولت أطلع فوق واحدة واحدة.
قربت هنيه بسرعة، ومسكت إيدي بقلق:
— براحه يا ست هانم…
نفضت إيديها بعنف، والغضب خرج من صوتي من غير ما أقدر أسيطر عليه:
— متلمسينيش!
أنا مش عاجزة!
الصدمة ظهرت في عينيها، بس ما فرقش معايا.
مكنتش شايفة ولا سامعة غير حقيقة واحدة بتخبط في دماغي:
زين…
بيخوني.
طلعت فوق، قفلت الباب ورايا،
ورميت نفسي على السرير.
وهناك…
انهارت كل الحواجز.
وانفجر كل اللي كنت حبسته جوايا.
معيطتش.
ولا دمعة واحدة نزلت.
بس جسمي كله كان بيرتعش،
رعشة ملهاش صوت…
لكن كانت موجعة أكتر من العياط.
وشي كان مسفّر، …وصدري طالع نازل بسرعة،
وعيني حمرا ومحرقة
كأني عيطت عمر كامل من غير دموع.
كنت باصة في السقف،
وعقلي شغال غصب عني
يعيد نفس المشاهد…نفس الجُمل…
نفس الخيانة.
دموعي كانت واقفة عند عيني،
رافضة تنزل،
كأن حتى العياط مش عايز يطلع
قبل ما آخد حقي .
وفجأة…الرعشة وقفت.
كأن حد فصل زرّ جوايا.
صدري هدي،
ونفَسي بقى منتظم،
وعقلي… بقى صافي بشكل يخوّف.
قعدت على السرير،
سندت ضهري
وبصيت لقدّامي من غير ما أشوف حاجة.
الخيانة وضحت قدامي كاملة.
مش مشاعر…
مش شك…
حقيقة.
ابتسمت.ابتسامة خفيفة قوي
ملهاش أي دفء.
وقلت لنفسي بصوت واطي:
__ماشي يا زين…
بس المرة دي
أنا اللي هلعب.
قمت وقفت على رجلي
رغم الوجع،
رغم الدوخة،
كأني أول مرة أحس إني واقفة بجد.
مسكت المراية وبصيت لنفسي:
الضعف اللي كان في عيني
اختفى محله حاجة تانية…
حاجة هادية، بس مؤذية.
مش هزعق.
مش هواجه.
مش هعيط.
هخليه هو يفتكر، ويغلط، ويطمن…
وبعدين أسيبه يقع بإيده.
وساعتها
مش هقول كلمة واحدة.
بس هسيبه يتفرج ويعرف إن فجر افتكرت ومش هترحم! ….
رواية وهم الحياه الفصل السابع 7 - بقلم خديجه احمد
رواية وهم الحياه – الفصل السابع
البارت السابع
نواره
كنت لسه خارجة من المحاضرة،
مخي تقيل وكلامه لسه بيرن في وداني،
ولسه بفكر أروح على فين…
فجأة إيد شدتني بعنف.
لفّيت بفزع،
ولما عيني جت في عينه
اتصدمت.
مراد.
قال وهو مكشر وبغضب واضح:
— في إيه؟ بقالك يومين مبترديش عليا ليه يا هانم؟
نفضت إيده بسرعة،
وقلت بحدّة وأنا برجع خطوة لورا:
— متنساش إننا لسه مخطوبين، ومش من حقك تلمسني.
وبعدين…
مش إنت اللي قلت يا أجيب الفلوس يا نسيب بعض؟
بصلي شوية،
وببرود قال:
— آه.
الكلمة نزلت عليا تقيلة،
بس خلّت القرار أسهل.
بصّيتله باستحقار وقلت:
— وأنا اخترت إننا نسيب بعض.
سحبت الدبلة من صباعي،
ورميتها في وشه.
لحظة…
وحسّيت كأني بقلع معاها حمل تقيل كنت شايلاه غصب عني.
لكن هو ما سابنيش.
قرب ووقف قدامي، صوته واطي بس مستفز:
— بالسهولة دي يا نواره؟
ضحكت بسخرية،
ضحكة مافيهاش ذرة فرح، وقلت:
— بالسهولة دي؟
هو مش إنت اللي خيرتني؟
وأنا اخترت، يا مراد.
نبرته اتغيرت فجأة،
وفيها ندم متأخر:
— أنا كنت بقول كده عشان نتجوز بسرعة.
نواره…
أنا بحبك، ومقدرش أعيش من غيرك.
بصّيتله،
والوجع كان سابق الكلام:
— وأنا مقدرش أكون مع واحد مستغل.
ولا عمري هأمن نفسي معاك.
لفّيت ومشيت.
خطواتي كانت ثابتة
بس قلبي كان بيتشد ورايا.
وكأني
سيبت روحي واقفة قدامه
ومشيت.
رجعت البيت…
وأخيرًا، قدرت أعيّط.
أول ما دخلت لقيت ماما قاعدة على الكنبة،
أول ما شافتني ابتسمت وقالت بحنان:
— حمدلله ع السلامة يا حبيبتي.
لكن الدموع كانت متكومة في عيني،
وأول ما قربت ولاحظت وشي المخطوف،
قامت من مكانها وقالت بقلق:
— مالك؟ فيكي إيه؟
الكلمة دي…
بس الكلمة دي
كانت كفاية تكسّرني.
قربت منها وحضنتها جامد،
وانفجرت في العياط.
عياط تقيل،
كأني بطلع وجع سنين مش لحظة.
كنت حاسة بكَسرة،
بحيرة،
مش عارفة اللي عملته صح ولا غلط.
فجر كانت دايمًا تقولي:
__مش كويس… بيستغلك… ابعدي.
وأنا كنت أرد:
__بيحبني، وده أهم حاجة.
بس زي ما بيقولوا…
مراية الحب عامية.
وأنا كنت شايفة مميزاته وبس،
مش شايفة نفسي وأنا بضيع.
ماما فضلت تطبطب عليا،
ولا سألت،
ولا حققت،
ولا ضغطت.
احتوت وجعي وبس…
وكأنها فاهمة كل حاجة من غير كلام.
طلعت من حضنها،
وصوتي كان مكسور وأنا بقول:
— أنا سبت مراد يا ماما.
ما شوفتش صدمة،
شوفت رضا هادي.
ما سألتش ليه.
كل اللي قالته بهدوء:
— روحي غيري هدومك وتعالي نتغدى.
هزّيت راسي وقومت،
دخلت أوضتي…
بس مغيرتش.
قعدت على السرير،
وعيطت تاني.
عيطت على نفسي،
وعلى اللي وصلتله.
سنتين معاه…
سنتين حبيته فيهم من قلبي.
وفجر كانت تحذرني،
وأنا أقول:
__بيحبني، وده كفاية.
بس الحب عمره ما كان كفاية
لما يبقى فيه استغلال وطمع.
ساعتها الحب بيتعكّر…
زي ميّه عدّى عليها الزمن.
كنت حزينة على نفسي،
وعلى الوقت اللي ضيعته ف علاقه بتستنزفني…
كان نفسي أبقى قوية زي فجر.
فجر اللي عمرها ما بكت،
ولا عمرها اتكسرت.
مفيش حد كان يقدر يجي عليها،
كانت دايمًا واقفة،
دايمًا قادرة.
لكن أنا…
أنا كنت العكس تمامًا.
أنا اللي بعيّط من أقل حاجة،
واللي لما حقي يضيع
أقنع نفسي وأسكت.
أتحامى في نفسي،
وأسيب الوجع يكبر جوايا.
كان نفسي أبقى زيها…
بقوتها،
بشجاعتها،
بإنها ما بتخافش.
كان نفسي أروح أبكي لها، وأحكيلها وجعي، …وقد إيه اتأذيت منه،
وأسيبها هي تاخدلي حقي …زي كل مرة.
بس فجر مبقتش فجر ….من بعد ما فقدت ذاكرتها …بقيت حاسة إنها غريبة عني، قريبة في الشكل…
بعيدة في الروح.
كنت محتاجاها، ..بس مش لاقياها.
وكان نفسي حد يقف مكاني
ويواجه بدالّي.
بس الحقيقة المؤلمة
إن ده مش هيحصل.!
_______________
فجر
فتحت الدولاب وبدأت أختار لبسي بعناية.
ذوقي اللي دايمًا كان راقي…
واللي عمري ما فرّط فيه.
لبست بدلة نسائي أبيض في أسود،
رفعت شعري الطويل ديل حصان،
حطّيت ميكب هادي يبرز ملامحي،
ولبست الكعب.
كنت محتاجة أشوف نفسي جميلة
قبل ما أسمح لأي حد يشوفني كده.
أنا راجعة.
راجعة وأنا فجر بتاعت زمان.
مش هقول لحد إن ذاكرتي رجعت،
بس في نفس الوقت
مش هسيب حد يستغلني تاني.
جسمي لسه مش قوي كفاية،
لسه وقوفي مش ثابت،
ولسه ساعات بيخونّي…
بس ده مش هيوقفني.
هاجي على نفسي،
وأستحمل،
بس علشان أعرف كل واحد مقامه إيه.
أنا فجر الرفاعي.
وأي حد يفكر يدوسلي على طرف…
أنا هدوسله على عشرة.
وقفت قدّام المراية لحظة أطول من اللازم.
مش بتأمل شكلي…
كنت بتتأمل اللي جوايا.
الملامح هي هي،بس النظرة اتغيرت.
مبقاش فيها ضياع…
فيها حساب.
مدّيت إيدي ولمست الدبلة اللي في صباعي، لفّيتها مكانها بهدوء،
ولا شيلتها ….ولا شدّيت عليها.
لسه بدري.
خدت شنطتي ونزلت السلم واحدة واحدة،
كل درجة كانت بتفكّرني إني لسه مش زي الأول،بس برضه
مش ضعيفة!.
هنيه كانت واقفة تحت،بصّتلي من فوق لتحت …والدهشة باينة في عينيها.
بصّتلها بنظرة هادية، ولا ابتسمت ولا اتكلمت.
خرجت من البيت، الهوا لمس وشي
وكأن الدنيا بتقولّي:
__أهلاً برجوعك
ركبت العربية …وسمّيت ربنا
وحطّيت إيدي على المقود.
المشوار للشركة كان قصير
بس دماغي كان شغال طول الطريق.
مشاعر؟مفيش.
دموع؟ رافضاها.
دلوقتي وقت شغل.
أول ما دخلت الشركة الهمس بدأ.
العيون اتثبتت عليّا. نفس العيون
اللي كانت بتشوفني قبل الغيبوبة
سيدة المكان.
حد قال:
__مدام فجر؟
لفّيت وبصّيت له بثبات:
__أيوه.
الصوت كان صوتي النبرة نبرتي ..ولا رعشة.
فتحت باب مكتبي
ودخلت.
أول ما عيني جت عليه
..زين كان واقف قدّام المكتب
ماسك شوية أوراق
واضح إنه كان بيدوّر أو بيراجع حاجة.
أول ما شافني …اتجمّد.
الورق نزل من إيده على المكتب
وعينيه وسعت بصدمة حقيقية.
قال بصوت طالع غصب عنه:
__فجر؟!
وقفت مكانـي
مشيتش خطوة واحدة
كأني أنا اللي اتفاجأت بيه مش العكس.
قال بسرعة وهو بيقرب:
__إنتي بتعملي إيه هنا؟!
إزاي جيتي؟!
ملامحه كلها قلق بس أنا. …
كنت شايفاه كويس أوي.
رديت بهدوء:
_قولت أعدّي…
حسّيت إني مخنوقه
مسك إيدي بخفة وقال بقلق:
__إنتي لسه مش كويسة…
الدكتور قال—»
سحبت إيدي بهدوءمش نفض
ولا عصبية:
__عارفة…
بس محتاجة أحس إني أنا.
بصلي من فوق لتحت ..كأنه بيشوفني لأول مرة زي زمان
البدلة
الكعب
ثباتي اللي مش شبه التعب.
قال بتوتر:
__كنتي هتتعبيني لو وقعتِ.
ابتسمت ابتسامة خفيفة:
__متقلقش…
أنا باخد بالي من نفسي.
سكت شوية
وبعدين قال وهو بيحاول يرجّع سيطرته:
__أنا كنت براجع شغل الشركة بس…
زي ما اتفقنا.
هزّيت راسي:
__عارفة…
وأنا مقدّرة دا.
الكلمة ريّحته ..بس في نفس الوقت قلقته أكتر.
قرب خطوة:
__تحبي تقعدي؟
قعدت على الكرسي وهو سحب ..الكرسي اللي قدّامي وقعد.
بصلي بتركيز:
__حاسس إنك اتغيرتي.
ابتسمت بهدوء:
__يمكن…
أو يمكن بس بحاول أرجع.
سكت والسكون بينا كان تقيل.
وأنا من جوايا
كنت متأكدة من حاجة واحدة
هو قلقان…مش عليّا …قلقان مني.
رجع المكتب تاني
بس المرة دي كان هادي زيادة عن اللزوم
النوع اللي يخوّف.
قعد قدّامي وهو بيعدّل الكرافتة:
__فجر…
فاكرة إيميل الشراكة مع شركة “أوريون”
رفعت عيني من على الورق:
__أوريون؟
عمل نفسه بيشرح:
__اه…
الشركة اللي كنا ناويين نوقّع معاها قبل تعبك.
ميلت راسي شوية:
__مش متأكدة…
الاسم مألوف بس مش فاكرة تفاصيل.
ارتاح …بان في نفسه قبل وشه.
قال بسرعة:
__طبيعي، الدكتور قال كده.
ابتسمت:
__بس تحب أراجعه؟
يمكن لما أشوف الورق أفهم.
سكت ثانية
وبعدين قال:
__لا لا…
مش دلوقتي، خليكِ مرتاحة.
هزّيت راسي:
__زي ما تشوف.
قمت أقف
بس جسمي خانّي سنة ..مسكت طرف المكتب.
قرب بسرعة:
__خدي بالك…
إنتي لسه ضعيفة.
ابتسمت ابتسامة خفيفة:
__عارفة…
عشان كده سايبة كل حاجة في إيدك.
الكلمة الأخيرة خرجت محسوبة.
سايبة.
شافها ثقة مش تنازل.
قال وهو بيقوم:
__اطمني…
مش هخذلك.
بصيتله
بس من غير ما أطول:
__متأكدة.
خرج وأنا قعدت مكاني.
قلبي كان ثابت وعقلي صاحي.
أنا مش محتاجة أفتكر قدامه.
أنا محتاجة أخليه مطمّن.
لأن اللي جاي…
مش اختبار.
اللي جاي حساب.
مريم…
اللي بيخوني معاها
مش في شركتي.
مريم في عالمه هو.
في المكان اللي بيقضي فيه نص عمره ….بعيد عن عيني
وبعيد عن أي سيطرة ليا.
سكرتيرته.
اللي بتشوفه كل يوم ….وتسمع صوته وهو متوتر
وتعرف مواعيده أكتر مني.
وده اللي كان قالقني.
أنا مقدرش أقرّب لها مباشرة،
ولا أراقبها،
ولا حتى أسأل عنها من غير ما أبان مش طبيعية.
ف كنت محتاجة حد …قريب منها قوي…
من غير ما يكون قريب مني أنا.
حد وجوده طبيعي …حد يدخل ويخرج ..من غير ما حد يركز.
قعدت أفكر وأعيد التفكير
لحد ما عقلي وقف عند حاجة بسيطة
بس خطيرة.
الكافيه اللي تحت شركتهم.
زين كان دايمًا بيحكيلي عنه
قبل الغيبوبة
إنه بيقعد فيه
وإن السكرتارية كلها بتنزله.
ابتسمت.
الابتسامة اللي بتيجي لما الخطة تبدأ تتشكل.
مش محتاجة حد يعرفني.
أنا محتاجة حد يراقب
يسمع
ويحكي.
فتحت الفون وبدأت أقلب في أكونت زين، يمكن ألاقي أي أثر لها عنده.
ولغايه ما لقيتها…
لسه ملامحها محفورة في ذاكرتي، ولسه فاكرة اليوم اللي قفشتهم فيه والصدمة اللي عمرها ما هتتفارقني.
اتنهدت ببطء، دخلت على حسابها أشوف مين عندها ومين يعرفها…
لكن اتصدمت لما اكتشفت إنها أصلاً مخطوبة!
ضحكت ضحكه سخريه الموضوع طلع أسهل مما كنت اتخيل
ودلوقتي بس هيبدأ انتقامي !…
رواية وهم الحياه الفصل الثامن 8 - بقلم خديجه احمد
رواية وهم الحياه – الفصل الثامن
البارت الثامن
اتصدمت أول ما شوفتها دخلت الشركة.
إحساسي كان بيصرخ إن في حاجة غلط…
بس عقلي كان بيحاول يهدّيني:
لا، عادي، يمكن بس جايه تغيّر جو.
ركبت عربيتي واتجهت على شغلي في الشركة الكبيرة اللي بشتغل فيها.
دخلت مكتبي، وما لحقتش أقفل الباب غير ومريم دخلت ورايا بسرعة.
قالت بصوت متحشرج:
__كده اتأخرت ليه؟
حطّيت إيدي على راسي وأنا بزفر:
__فجر جت النهارده الشركة.
ردّت وكأن الموضوع عادي:
__ما تيجي… فيها إيه يعني؟
بصّيت لها بخنقة:
__لا، مش عادي.
مجاش في بالها حتى تكلّمني أو تقول إنها جاية.
ورجعت تلبس بدل…
وتعمل نفس التسريحات اللي كانت بتعملها قبل كده.
بصّتلي بتساؤل:
__ انت شاكك إنها ممكن تكون افتكرت؟
سكت شوية، وبعدين قلت:
__احتمال…
بس مش متأكد.
قالت وهي بتحاول تطمّني:
__طب لو هي افتكرت، إيه اللي يخليها تستخبى؟
ما كانت قلبت الدنيا علينا.
هزّيت راسي بعدم اقتناع:
__إنتِ متعرفيش فجر.
لو افتكرت، عمرها ما هتواجه.
دي ممكن تفضل مخبّية
وتلاعبني من تحت لتحت.
بصّتلي بنظرة غاضبة:
__يا سلام!
يعني فرحان إنك تعرفها قوي كده؟
تنفست بحدة:
__مريم، مش وقت غيرة خالص.
أنا متوتر أصلًا.
غيّرت نبرتها بسرعة، وحطّت إيديها على إيدي:
__خلاص يا حبيبي، أنا آسفة.
المهم تاخد بالك كويس،
ومتعملش أي حركة قدامها تخليها تشك فيك …
كمّل تمثيل… عادي.
ابتسمت ابتسامة باهتة، وحطّيت إيدي التانية فوق إيديها:
__هعمل كده.
وممتن إنك جنبي.
لكن جوايا…
ولا كنت مطمّن،
ولا حاسس إن الموضوع هيعدّي بسهولة.
_________________
فجر
وصلت المكان اللي المفروض أقابل فيه خطيب مريم.
كنت هادية زيادة عن اللزوم… الهدوء اللي بيبقى قبل العاصفة.
قلبي ثابت، بس جوا دماغي ألف سيناريو، وكلهم نهايتهم واحدة.
بعد دقائق، وصل.
قعد قدامي، فمدّيت إيدي وقولت:
– فجر الرفاعي.
ابتسم ابتسامة مهذبة، من النوع اللي متعود عليه الناس اللي شايفه الدنيا ماشية على مزاجهم:
– يعقوب.
ابتسمت، ابتسامة خفيفة مالهاش روح:
– اسمك مميّز.
رد وقال:
– ده من ذوقك.
ما استحملتش المجاملات.
الوقت كان بيضغط، وأنا ما عنديش رفاهية اللف والدوران وقولت:
– أنا هدخل في الموضوع على طول.
رفعت عيني وبصّيت له بثبات:
– خطيبتك بتخونك.
الصمت نزل بينا تقيل.
عيونه وسعت، ووشّه شد، وكأني ضربته في حاجة مقدسة:
– إيه اللي انتي بتقوليه ده؟!
بصّ لي من فوق لتحت، نظرة فيها استصغار واستفزاز:
– أنا لو أعرف إني هاجي أسمع الهبل ده، ماكنتش جيت.
قام فجأة.
الكرسي زقّ ورا بصوت عالي.
في اللحظة دي، مسكت إيده… جامد:
– اقعد.
صوتي كان واطي، بس حاد:
– ومتخدش الكلام على صدرك قوي.
اسمع الأول، وشوف الدليل، وبعدها ابقى احكم.
اتردد.
شفت الصراع في عينه: كرامته قصاد الفضول.
وفي الآخر… قعد، بعصبية مكتومة:
– دليل إيه بقى؟
طلّعت الموبايل.
إيدي ما كانتش بترتعش.
فتحت الصورة ودفعتها قدامه.
مريم… وزين.
وشّه ما اتغيّرش في الأول.
ابتسم بسخرية:
– متفبركة.
ضحكت.
ضحكة قصيرة، باردة، طلعت من غير ما أحس:
– ممكن…
وخدت نفس صغير
– ممكن تاخدها وتتأكد بنفسك.
قرّب مني، المسافة بينا ضاقت، وصوته نزل:
– إنتي جبتي الصورة دي منين؟
رديت بصوت ثابت:
– رقم غريب باعتها لي.
ما عرفش هو مين.
رجع يبص للصورة.
بلع ريقه.
السخرية اختفت:
– ليه ما واجهتيهاش؟
ابتسمت، ابتسامة فيها تعب أكتر ما فيها سخرية.
وحكيت.
عن الغيبوبة.
عن الذاكرة اللي سابتني ومشيت.
عن الفراغ اللي صحيت عليه.
كنت شايفة في عينه إنه مش مصدق.
فطلّعت له كل حاجة:
تحاليل.
أشعة.
أدلة مالهاش مزاج.
سكت شوية، وبعدين قال:
– يعني… إنتي عايزاني أعمل إيه؟
أروح أقتلها؟!
رجّعت ضهري لورا، ورفعت حاجب واحد:
– تؤ تؤ تؤ.
صوتي كان هادي زيادة:
– التسرّع مش في صالحي… ولا في صالحك.
أسهل حاجة عندهم ينكروا، ويقولوا الصور متفبركة، ونفضل نلف في دايرة ما بتخلصش.
بصّ لي:
– أمال؟
قرّبت منه.
قرب محسوب… يخوّف:
– هنفضحهم قدّام نفسهم، قبل ما نفضحهم قدّام الناس.
هنسيبهم يعيشوا في قلق، وريبة، وخوف.
كل حركة محسوبة، وكل نفس مراقَب.
وسكتّ لحظة، وبصّيت في عينه مباشرة:
– لحد ما ييجي الوقت الصح…
ونكشف كل اللي مستخبي.
لقيته لسه متردد.
الصدمة ما خلّصتش شغلها، ولسه جواه حتة بتقاوم الحقيقة، حتة رافضة تصدّق إن البنت اللي اختارها ممكن تعمل كده.
فقلت، وأنا قاصدة كل حرف:
– لو عايز تتأكد من كلامي… عندي طريقة.
رفع عينه وبصّ لي، الفضول غلب الشك للحظة.
فتحت الموبايل، ووريته شكل الـapp من غير ما أقرّب أكتر من اللازم:
– ده برنامج بسيط.
إنت اللي هتنزّله على فونها… بنفسك.
رفع حاجبه:
– أنا؟
– أيوه.
إنت خطيبها، ومفيش حد هتشك فيه.
وأكيد في يوم فونها هيبقى في إيدك لحظة عادية… ولا حاجة غريبة.
سكتّ شوية، وبعدين كمّلت بهدوء محسوب:
– ساعتها مش هتحتاج تصدّقني.
ولا تصدّق صور.
هتسمع بنفسك… وتشوف كل حاجة بعينك.
فضل باصص في الشاشة،
مش على الـapp قد ما هو باصص على الفكرة نفسها.
واضح إن القرار تقيل…
بس التردد بدأ ينهار واحدة واحدة.
قال بصوت واطي:
– ولو طلع كلامك صح؟
قفلّت الموبايل، وبصّيت له بثبات:
– ساعتها… ميبقاش في رجوع.
ولا أعذار.
وسبتله الاختيار،
عارفة كويس إن أكتر حاجة بتكسر الشك…
إنه يحس إن القرار قراره هو.
قام وقف، والتردد واضح في صوته:
– هفكّر… وأرد عليكي.
ابتسمت ابتسامة باردة، ما فيهاش أي تعاطف، وقلت:
– متتأخرش.
الوقت… مش في صالحنا.
سيبته يمشي، وأنا متأكدة إن الفكرة مش هتسيبه ينام.
بعض البذور… أول ما تتزرع، مفيش حاجة بتمنعها تكبر.
انا بدير شركات إنشاءات.
مش اسم على ورق، ولا شغل موسمي…
مشروعات سكنية كاملة بتطلع من الأرض، خطوة ورا خطوة.
رجعت على الشركة، والروتين حواليا ما تغيّرش،
بس أنا كنت دخلت مرحلة تانية.
قعدت على مكتبي، فتحت الملفات،
وبدأت أحرّك الخيوط اللي أعرفها كويس.
اتصالات مدروسة، مواعيد بتتحجز،
وكله تحت عنوان واحد: توسّع جديد.
كان طبيعي جدًا إني أدخل في تعاقد مع شركة زي اللي بيشتغل فيها “زين.”
مقاولات فرعية، توريد، تشطيب…
حاجات بتحصل كل يوم في شغلي.
ولا حد هيستغرب.
ولا اسم هيشد الانتباه.
بس الحقيقة؟
أنا ما كنتش ببني مشروع سكني وبس.
كنت ببني طريق…
يوصلني لكل حاجة هو فاكرها مستخبية.
والأحلى؟
إنهم وهم بيشتغلوا معايا،
ما يعرفوش إنهم بقوا جوّه لعبتي.
وفجأة، وأنا غارقة في شغلي، لقيت زين دخل.
قفلت اللابتوب بسرعة، وابتسمت ابتسامة مجاملة، هادية… كأن كل حاجة طبيعية.
– خلصت شغلك؟
هز راسه وقال بابتسامة بسيطة:
– آه… قولت أعدي عليكي عشان نروح سوا.
هزّيت راسي، ابتسمت، وخدت شنطتي بهدوء.
– يلا.
خرجنا، والهدوء ده كان سطحه ناعم…
______________
يعقوب
دماغي كانت هتتفرتك من الصداع.
التفكير كان بياكل فيّ، واحدة واحدة، من غير رحمة.
إحساس إن الإنسانة الوحيدة اللي حبيتها ممكن تكون بتخوني…
إحساس بيحرق، ما بيسيبش حتى رماد.
قعدت ساعات ألفّ في نفس الدايرة،
لحد ما القرار خدني غصب عني.
اتصل بيها.
فتحت الموبايل، جبت رقمها، وضغطت اتصال.
ثواني عدّت تقيلة…
وبعدها ردّت.
– أيوه يا يعقوب.
صوتها كان عادي.
هادئ زيادة عن اللزوم.
حاولت أتماسك، أظبط نبرة صوتي، وما يبانش إن فيّ حاجة:
– كنت عايز نتقابل.
مخنوق شوية… ومحتاج أفك.
سكتت لحظات.
الصمت ده كان أطول من اللازم.
وبعدين قالت:
– أكيد طبعًا.
خلاص نتقابل في المكان اللي بنتقابل فيه دايمًا.
قفلت المكالمة،
وأنا حاسس إن المقابلة دي…
مش زي أي مقابلة قبلها.
يمكن تكون آخر مرة أشوفها بعين الحب،
أو أول مرة أشوفها بعين الحقيقة.
بعد ساعة تقريبًا، وصلت.
قعدنا على الترابيزة، طلبنا حاجات، وبدأنا نتكلم.
بس دماغي كانت هتتفجر من التفكير… كل ثانية كنت بحس فيها بحرارة في صدري، إحساس حارق إن الإنسانة الوحيدة اللي حبيتها ممكن تكون بتخوني.
قلبى بيخبط بسرعة، إيدي بتتعرّق، وعيوني ما بتفارقهاش… كل حركة صغيرة عندها كنت بحاول أفهمها، أقرأها، أخمن نواياها.
كنت مستني على أحر من الجمر إنها تقوم… تدخل الحمام… أي فرصه…عشان امسك فونها وأنزل الapp
بس ده ما حصلش.
مسكت الموبايل، إيدي بتترعش شوية، وبعت رسالة للفجر:
– قاعدة قدامي ومش عارف اخد
الفون منها
بعد دقائق، وصلني الرد:
– ادلق عليها العصير… خليك حرك كده.
“حرك”… حسيت بالقرف والريبة، إني داخل لعبة مش متهيأ لها.
“حرك؟… بيئه!” قلتها لنفسي، وحسيت برعشة خفيفة في إيدي.
مريم لاحظت نظراتي، وسألت بفضول:
– في حاجة؟
ابتسمت، حاولت أخفي كل شعوري، بس الصوت خرج متوتر:
– لا… ولا حاجة.
حلو العصير؟
هزت راسها وقال:
_اه تحفه
ابتسمت برضه، لكن عيني سرحت… كل خط في وشها كنت حافظه كويس… الابتسامة، طريقة نظراتها، ضحكتها الصغيرة…
الخوف والسيطرة على أعصابي كانوا في صراع داخلي…
لو كلام فجر صح… مش عارف هاعمل إيه، قلبي بيصرخ وجسمي متوتر.
عملت نفسي بشرب العصير، ووقعته على التيشيرت بتاعها…
شهقت مريم بصدمه:
– يلهوي… بجد التيشيرت!
حاولت أتنفس بهدوء، أحاول أرجع رباطة جأشي وقولت بأسف:
– معلش… مكنتش أقصد.
طب… روحي الحمام واغسليه.
هزت راسها وراحت بسرعة للحمام.
اتنهدت بصوت خفيف، أخذت نفس عميق… لكن الخوف، الشك، إحساس الحرق جوايا ما راحش.
كل ثانية كانت كأنها شمعة بتولّع جوّا…
وكنت عارف إن أي خطوة جاية لازم أحسبها مليون مرة… عشان ما أغلطش.
ودلوقتي هعمل اللي اتقالي عليه …!
رواية وهم الحياه الفصل التاسع 9 - بقلم خديجه احمد
رواية وهم الحياه – الفصل التاسع
البارت التاسع
يعقوب
أول ما دخلت الحمّام، حسّيت إن الدنيا سكتت فجأة.
الضحك، الأصوات، المكان كله بقى بعيد…
ما بقاش في غيري أنا، والفون اللي على الترابيزة.
مدّيت إيدي عليه.
إيدي كانت تقيلة، كأني بسرق حاجة مش من حقي.
أول ما مسكته، قلبي دقّ دقة وجعتني…
الدقة اللي بتحصل لما تكون عارف إنك داخل على حاجة مش هتعرف ترجع منها.
بدأت أنزّل الـApp اللي قالتلي عليه فجر.
كل ثانية كانت بتعدّي وأنا حاسس بالذنب بينهش فيا،
صوت جوايا بيصرخ:
“إنت بتعمل إيه؟ دي خطيبتك… إزاي تعمل كده؟”
بس صوت تاني كان أعلى… أوجع… أشرس:
“وإحساس الشك؟ وإحساس الحرق اللي في صدرك؟ هتسيبه يكمّل؟”
إيدي كانت ثابتة بالعافية،
قلبي بيدق بسرعة، ونفَسي مقطوع،
كأني بارتكب جريمة،
بس جريمة مجبر عليها.
خلص التحميل.
سيبت الفون بسرعة مكانه،
رجّعت كل حاجة زي ما كانت،
وكأني بحاول أمحي أثر اللي عملته…
بس الأثر الحقيقي كان جوايا.
قلبي كان بيقولي:
__غلط… اللي عملته ده غلط.
وعقلي بيرد ببرود قاتل:
__بس هو الصح.
وقفت لحظة،
حاسس إني واقف بين نارين…
نار الذنب،
ونار الشك.
والحقيقة المؤلمة؟ …نار الشك كانت أقوى هي اللي كسبت…وهي اللي خلّتني أكمّل، …حتى لو هتحرق في الآخر.
______________
كان زين بيعملي التمرينات اللي الدكتور قال عليها.
إيده ثابتة، حركته محسوبة، صوته هادي…
بس أنا؟
كنت تايهة جوا دماغي.
مش مركّزة معاه.
سرحانة في وجع مالوش صوت.
منكرش إن قلبي كان بيوجعني.
يوجعني بجد.
إزاي شخص بالحنيّة دي يقدر يعمل فيّ كل ده؟
إزاي يفضل واقف قدامي بالشكل ده، ولا كأن حاجة حصلت؟
وإزاي عنده الثبات الانفعالي الغريب ده؟
ولا…
هو مش ثابت؟
هو بيعرف يمثّل؟
السؤال ده وجعني أكتر من أي حاجة.
لأن لو بيعرف يمثل…
يبقى كل اللي بينا كان كذبة.
كنت باصة له وهو بيحرّك إيدي في التمرين،
براقب ملامحه، عينيه، نفسه…
بدور على أي شرخ، أي لحظة ضعف،
بس مفيش.
لاحظ نظراتي، وابتسم ابتسامة واثقة:
– عارف إني لا أُقاوم.
ضحكت.
ضحكة خفيفة… ملهاش طعم.
– نص ثقتك.
مسك إيدي وقعدني على أقرب كنبة.
الحركة دي كانت حنينة…
حنينة زيادة عن اللزوم.
– مالك يا فجر؟ بقيتي تسرحي كتير.
بصّيت له شوية.
إزاي قادر يبص في عيني كده؟
إزاي مش بيترعش؟
إزاي مش حاسس إن في نار بينا؟
ردّيت وأنا بحاول أبان هادية:
– حاسة إني تايهة…
وخايفة الذاكرة ما ترجعليش.
كان ده نص الحقيقة بس.
النص اللي ينفع يتقال.
ابتسم، قرب أكتر، وحط إيده على خدي:
– متخافيش…
أنا جنبك.
وهعمل كل اللي أقدر عليه عشان ترجعي فجر بتاعت زمان.
الكلمة وجعتني …فجر بتاعت زمان؟
طب وهو؟ ..زين بتاع زمان فين؟
بصّيت له في عينه، وسألت السؤال اللي كنت بخاف منه:
– هتفضل تحبني؟
ثواني سكون.
كنت مستنية أي حاجة… تردد، شرخ، ارتباك.
بس لا.
ردّ بثقة ثابتة:
– لآخر العمر يا فجر.
الكلمة كانت دافية…بس قلبي حسّها تقيلة …تقيلة أوي.
لأن أكتر حاجة بتوجع مش الخيانة نفسها…إنما إن الخاين يفضل يبين انه بيحبك ..وهو بيأذيك.
قطع اللحظة صوت فوني وهو بيرن.
الصوت جه فجأة… كأنه شدّني من حضنه.
بصّيت على الشاشة.
نوّارة.
مسكت الفون، ورفعت عيني على زين.
قال بهدوء مريب:
– ردي، وأنا هروح أعملنا حاجة نشربها.
ابتسمت وهزّيت راسي.
قام، وسابني…
وساب معاه الإحساس التقيل اللي كان مالي المكان.
مسكت الفون وردّيت.
نوّارة سألتني عن أحوالي، عن صحتي، عن حاجات عادية أوي…
زيادة عن اللزوم.
كنت سامعاها بتتكلم،
بس حاسّة إن في كلمة محبوسة ورا صوتها،
حاجة عايزة تطلع ومش عارفة.
قطعتها وقلت بهدوء:
– حاسة إنك عايزة تحكي حاجة غير كل اللي قلتيه ده.
تحبي تيجي ونحكي شوية؟
سكتت.
السكوت ده كان تقيل… سكوت تفكير، مش تردد.
وبعدين قالت:
– ياريت…
بس بلاش أجي.
ممكن نتقابل في مكان أحسن؟
الجملة وقفتني.
ليه برّه؟
ليه مش هنا؟
ما فهمتش…
بس وافقت.
قفلت المكالمة، وأنا حاسة إن في حاجة مش مظبوطة.
زين كان طالع من المطبخ،
في إيده كبايتين عصير،
ووشّه هادي… أكتر من اللازم.
قمت وأنا بلبس شبشب البيت وقلت:
– نوّارة عايزاني أخرج أتمشى معاها شوية.
هروح ألبس.
بصّ لي باستغراب خفيف،
وصوته طلع متقطّع، كأنه بيختار كلماته:
– خدي بالك من نفسك… طيب.
الكلمة عدّت بسيطة.
بس قلبي ما حسّهاش كده.
خرجت ووصلت المكان اللي اتفقنا عليه، وقعدت أستناها.
الدقايق عدّت تقيلة… وكل واحدة فيهم كانت بتشدّني أكتر لفكرة إن نوّارة مش جاية عادي.
بعد شوية وصلت.
أول ما قعدت قدامي، عرفت.
التوتر كان باين في ملامحها، في إيديها اللي بتلعب في بعض، وفي نفسِها اللي مش منتظم.
سألتها بهدوء:
– في إيه؟
وليه ما حبّتيش نتقابل في البيت؟
اتلخبطت شوية، وبعدين قالت وهي باصة في الأرض:
– إنتي طبعًا مش فاكرة…
بس أنا من زمان مش بستريح لزين.
فما حبتش نتقابل في البيت وأقولك الكلام اللي عايزة أقوله… وهو موجود.
بصّيت لها شوية.
جوايا سؤال كبير:
أقولها إن الذاكرة رجعت؟
ولا أسيبها تحكي من غير ما تتأثر؟
اخترت السكوت.
مش علشان أخبي عنها…
علشان مفيش حاجة ينفع تعرقل اللي جاي.
كمّلت، وصوتها كان بيرتعش:
– أنا سبت مراد.
وفجأة، دموعها نزلت:
– إنتي كان عندك حق…
كل اللي قولتيه كان صح.
مراد طمّاع… وكان بيستغلني.
بس…
بس أنا كنت بحبه… ولسه بحبه.
قلبي وجعني عليها.
نوّارة أطيب حد في الدنيا،
بس الطيبة دي ساعات بتبقى نقطة ضعف في عين اللي ما يستاهلش.
مدّيت إيدي وطبطبت على إيدها:
– …دموعك غالية، وما تستاهلش تنزل على واحد زيه.
عارفة إن البُعد بيوجع،
بس لو كنتي فضلتي معاه… الوجع كان هيبقى أضعاف.
رفعت عينيها وبصّت لي، فكمّلت بهدوء:
– اختيارك صح.
ومش معنى إنك سبتيه إن حياتك تقف عليه.
إنتي لسه صغيرة…
وهتقابلي في حياتك ناس كتير،
فيهم الوحش… وفيهم الحلو.
مسحت دموعها وقالت بصوت مكسور:
– بس دول سنتين يا فجر…
سنتين مش سهل يتنسوا.
مش سهلة أعدّي كده.
طلّعت منديل واديتهولها:
– عارفة…
مش سهل خالص.
بس لما تفهمي نفسك إن ده القرار الصح،
وإنك عملتي كده علشان تحمي نفسك،
وإنه ما كانش يستاهل حبك…
صدقيني، كل ده هيعدّي.
سكتت شوية، وبعدين ابتسمت وسط دموعها:
– رغم إنك ناسية…
بس كلامك وطريقتك زي ما هي.
ابتسمت، وقلت بثبات:
– مش معنى إني نسيت…
إن شخصيتي تتغيّر.
أنا زي ما أنا.
فجر الرفاعي.
اتكلمت نوّارة وهي بتمسح دموعها، وصوتها كان لسه مكسور:
– كنت عايزة أشتغل معاكي…
بما إني خلاص قربت أتخرج، فحابة أتدرب شوية.
لو مش موافقة عادي يعني…
ابتسمت من غير تردد، وقلت وأنا حاسة إن القرار طبيعي جدًا:
– مش موافقة إيه بس؟
ده أنا ما صدّقت!
ده أنا ياما قولتلك تيجي تشتغلي معايا، وإنتِ اللي كنتي بترفضي.
سيبي الموضوع ده عليّا، وتعالي من بكرة.
كنت بتتكلم وأنا شايفاها باصة لي باستغراب،
نظرة وقّفتني.
نظرة مش فرح…
نظرة شك.
اتلخبطت لحظة، بس ما علّقتش.
لحد ما هي اتكلمت، وصوتها كان هادي بس تقيل:
– هو إنتِ…
إزاي فاكرة إنك دايمًا كنتي بتقوليلي أجي أشتغل معاكي؟
الجملة نزلت عليّا تقيلة.
مش صدمة…
أكتر حاجة شبه لسعة برد في القلب.
سكتّ ثانية.
ثانية واحدة بس.
بس دماغي اشتغلت بسرعة.
لو قلت الحقيقة؟
كل اللي بنيته ممكن يقع.
فابتسمت تاني، ابتسامة ثابتة، وقلت بثقة:
– أصل الحاجات دي ما بتتنسيش… حتى لو الذاكرة لسه ملخبطاني.
شوفت في عيونها نظرة شك، وعدم اقتناع حاولت تخبيه…
بس هي ما عرفتش.
وأنا؟
ما حاولتش أبين إني لاحظت.
اكتفيت بابتسامة هادية،
النوع اللي بيقفل أي سؤال من غير ما يجاوبه.
بس جوايا…
كنت عارفة إن النظرة دي
مش هتعدّي.
وإن اللي جاي
مش هيكون بسيط زي الابتسامة اللي سيبتها على وشي.
________________
يعقوب
كنت قاعد على السرير،
فاتح الـ app اللي براقبها منه…
ساعة، واتنين، ومفيش حاجة.
ولا حركة، ولا صوت، ولا حتى إحساس يطمني.
اتنهدت، ومدّيت إيدي أقفله،
وفي اللحظة دي…
رن.
فونها.
قلبي اتقبض،
الإحساس اللي بييجي قبل المصيبة بثواني.
مش عارف عدّى قد إيه
غير لما سمعت صوتها وهي بترد،
بصوت ناعم زيادة عن اللزوم:
— إيه يا روحي؟ عامل إيه؟
ساعتها حسيت
إن الهوا بيتسحب من صدري واحدة واحدة،
ومفيش نفس راضي يدخل.
سمعت صوته وهو بيرد،
صوت حاول يكون هادي،
بس القلق كان باين بين كلماته:
— الحمدلله…
بس أنا قلقان.
نوّارة تطلب تقابل فجر بره؟
مش مريحني.
خصوصًا إننا عارفين إنها مش بتحبني…
وممكن توقع بيني وبينها.
جسمي كله شد.
مستني ردها،
يمكن كلمة واحدة تطمني…
بس اللي جه كان العكس.
— وماله يا حبيبي، ما توقع.
دي مش أول مرة تعملها.
متقلقش.
فجر بعد فقدان ذاكرتها مش واثقة في حد…
لا فيك، ولا في نوّارة نفسها.
ريح بالك.
ضحكة سخيفة طلعت مني غصب.
سخرية موجوعة ..وأنا سامع كل كلمة
وقلبي بيتقطع حتت.
يبقى كده…بتخوني.!
قومت فجأة.
الغضب كان سابقني.
إيدي بتخبط في أي حاجة قصادي،
كأني بنتقم من الدنيا
مش منها.
الخذلان كان بينهشني،
والغضب كان أعمى.
إزاي؟إزاي البنت اللي حبيتها،
واللي كنت شايفها زوجتي،
تعمل فيّ كده؟
إزاي بعد الحب اللي ادتهولها وكل اللي بعمله عشانها يكون جزاكي كدا؟
هي دي اخرتها؟ هو دا اللي انا استاهله؟!!
كان سهل أروح أجيبها من شعرها،
أواجهها، أفضح كل حاجة وابوظ شكلها قدام ابوها.
بس صوت فجر ضرب في دماغي
زي تحذير أخير:
— التسرّع مش في صالحنا.
وقفت.
صدري بيعلى ويهبط وعرفت ساعتها
إن اللي جاي
مش مواجهة…
اللي جاي حساب.
وفي نفس اللحظة
مسكت الفون واتصلت بفجر.
ثواني…
دقايق عدّت تقيلة
لحد ما ردّت.
صوتها جه هادي،
زيادة عن اللزوم.
اتكلمت،
وصوتي كان حاد
بس متماسك بالعافية:
— أنا معاكي…
في أي حاجة هتعمليها.
سكتت ثانية.
وأنا كنت عارف
إن الجملة دي مش دعم وبس…
دي إعلان.
إعلان إني دخلت اللعبة معاها،
وإن مفيش رجوع.
يتبععع
رواية وهم الحياه الفصل العاشر 10 - بقلم خديجه احمد
رواية وهم الحياه – الفصل العاشر
البارت العاشر
فجر
صحيت تاني يوم.
جهزت نفسي بعناية… جيب جلد أسود، بلوزة حمراء، شعري معمول كحكة، ورُوج خفيف، وكعب أسود.
اخدت شنطتي ونزلت، ومستعدة لكل حاجة اليوم ده هيجيبها.
لكن اتفاجئت.
زين كان موجود… قاعد، صوته وصورته كلها هدوء، وبيفكر كأنه في عالمه الخاص.
ابتسم لي وقال:
— صباح الخير يا روحي.
بصّيت له باستغراب، لكن بسرعة سيطرت على نظرتي، وابتسمت ورديت بصوت هادي:
— صباح النور… ما روحتش الشغل؟
ابتسم هو برضه وقال:
— قولت أستنى… نفطر سوا.
جوايا كان فيه شيء غريب…
بين الفضول والخوف، بين الرغبة في التحديق فيه والتريث…
حاسه انه هو كمان بدأ لعبته بس هنشوف مين اللي هينتصر ف الآخر
قعدت أفطر معاه.
كان محضر أكل بسيط: بيض، توست، ومشروب.
مد إيده بالعصير وقال:
— عملتو ليكي مخصوص.
بصيت له لحظة…
إيدي خدت الكباية منه وأنا حاسة حاجة غريبة، حاجة مش مريحة.
حطيته قدامي على الترابيزة، قلبي بيخفق بسرعة،
بس حاولت أبان عادية قدامه.
لما كرّر بإصرار:
— اشربي… أنا عاملها مخصوص ليكي.
حاولت أبتسم، وأخدت الكباية وشربت شوية.
لكن الإحساس اللي جوّايا…
كان بيصرخ:
__في حاجة مش مظبوطة.
حسيت إن كل حركة منه… وكل كلمة بتطلع منه،
بتخلي الريبة تكبر جوايا،
بس ما كنتش عايزة أي حاجة تظهر على وشي.
ابتسامتِي كانت هادية،
لكن قلبي…
كان عارف إنه اليوم ده مش هيمر عادي،
والأحداث اللي جاية… أكيد هتكشف أكتر من اللي باين.
خلصنا الفطار،
وزين أصر إنه يوصلني معاه.
طبيعته إنه يساعدني في شغلي جنب شغله،
فمش غريب إنه ييجي معايا الشركة.
وصلنا، وودعته وهو بيتحرك عشان يروح شغله.
اتنهدت بعمق، وكنت حاسة بالهواء بيرجع لي بعد الزحمة…
بس في نفس الوقت، إحساس غريب بيضيق صدري.
العربية بتبعد، وقلبي بدأ يدق أسرع،
مش قادر أتخلص من التفكير:
زين ومريم… في نفس المكان دلوقتي…
وجودهم سوا بيخنقني.
بيسحب مني أي شعور بالراحة أو الاطمئنان،
وبيخليني أحس إن أي لحظة ممكن تتحول لكابوس.
وقفت شوية وأنا بتنفس ببطء،
محاولة أسيطر على نفسي،
لكن ريحة الغموض والريبة لسه معلّقة في الجو.
ودخلت الشركه عشان اكمل اللي بدأته
__________________
نواره
صحيت الصبح،
وقومت أجهّز نفسي عشان أروح الشركة.
بصراحة، قلت أروح أشغل وقتي.
القاعدة في البيت بقت تقيلة،
وـالـ overthinking اللي مسيطر عليّ من ساعة ما سبت مراد
مبقاش بيرحمني.
كل تفصيلة بسيطة كنت بعملها
كانت محاولة إني أهرب من أفكاري،
من الذكريات اللي بتيجي فجأة
ومن إحساس الفراغ اللي سابُه وراه.
لبست وأنا بحاول أقنع نفسي
إن الشغل يمكن يهدّي دماغي شوية،
حتى لو مؤقتًا.
وصلت الشركة.
وقفت لحظة قدام المبنى،
أخدت نفس عميق كأني بسيبه عند الباب كل اللي جوايا.
دخلت.
المكان كان واسع، منظم، وكل واحد ماشي في حاله،
وده خلاني أحس إني غريبة شوية… بس مرتاحة.
كنت ماشية وعيوني بتلف في كل حتة،
مش عارفة أركز،
ولا حتى عارفة أنا داخلة أبدأ إزاي.
في اللحظة دي حسيت إن الخطوة دي
مش مجرد تدريب أو شغل،
دي محاولة بداية جديدة…
محاولة إني أطلع من اللي فات، حتى لو بخطوة صغيرة.
شدّيت نفسي،
وكمّلت مشيي جوه الشركة
وأنا بقول لنفسي:
__يمكن المكان ده يكون بداية أهدى… ويمكن لا.
وفي وسط تشتّتي،
الفون رن.
كانت فجر.
ردّيت عليها.
قالت بتساؤل:
— وصلتي ولا لسه؟
ردّيت بهدوء، وأنا ببص حواليا:
— وصلت قدّام الشركة… بس مش عارفة أروح منين.
جالي صوتها، والفرحة واضحة في نبرة كلامها:
— تمام، خليكي مكانك… أنا نازلة آخدك.
قفلت معاها،
وحسّيت لأول مرة من فترة
إن في حد مستنيني،
وإن الخطوة دي… يمكن تطلع أرحم مما كنت متخيلة.
خدتني، وفضلنا نتكلم وإحنا ماشيين
لحد ما نوصل للقسم اللي هشتغل فيه.
وسط كلامنا،
كان في سؤال شاغل بالي ومش عارفه أسيبه.
إزاي بتشتغل طبيعي
وهي فاقدة الذاكرة أصلًا؟
مقدرتش أقاوم، فسألتها.
بصّتلي وردّت بصوت واثق، كأنها كانت مستنية السؤال:
— الدكتور قال إني ناسية الأشخاص والأحداث…
بس مش ناسية شغلي.
كمّلت وهي بتبتسم ابتسامة هادية:
— الحاجات اللي اتعلمتها وبقت جزء مني،
لسه موجودة…
كأن عقلي محتفظ بيها في حتة أعمق.
هزّيت راسي وأنا بحاول أستوعب كلامها،
بس جوايا كان في إحساس غريب…
إن فجر دي
فاكرة أكتر ما باين،
أو يمكن…
بتخبي أكتر ما بتقول.
وصلنا المكان.
فجر وقفت بثقة، زي عادتها دايمًا،
وبصّت للفريق وقالت:
— نواره جديدة هنا، هتشتغل معاكم.
ياريت تعرفوها على الشغل وتساعدوها،
وتعتبروها واحدة منكم.
بصّولي بابتسامات ترحيب،
وأنا حاولت أبتسم وأخبي توتري.
وقفت جنب فجر،
وحسّيت إن وجودها جنبي مديّني أمان،
كأني مش داخلة مكان غريب قوي…
طالما هي موجودة.
قعدت على مكتب من ضمن المكاتب اللي جنب بعض.
قربت مني واحدة وشّها بشوش،
ومدت إيديها لي وقالت بابتسامة:
— أنا منى، معاكي هنا، ولو احتاجتي أي حاجة متتردديش.
ابتسمت، ومدّيت إيدي أنا كمان وقلت:
— اتشرّفت بمعرفتك.
قرب منّا واحد تاني،
ومد إيده وقال:
— أنا تميم.
بادلته الابتسامة ومدّيت إيدي:
— نواره.
في اللحظة دي حسّيت
إن المكان بدأ يفقد غرابته شوية،
وإن الخطوة اللي كنت قلقانة منها
يمكن تطلع أسهل مما توقعت.
_________________
فجر
أخدت شنطتي وركبت العربية.
رايحة أمضي عقد أورييون مع الشركة اللي زين بيشتغل فيها.
الهدف ماكانش شغل وبس…
كان إني أزرع جواه توتر.
أخليه حاسس طول الوقت إن في عين عليه،
إنه متراقَب،
وإن الأمان اللي متخيله حوالين نفسه… وهم.
كنت عايزة أعيّشه في قلق،
نفس القلق اللي حاول يدفني فيه من غير ما أحس.
وأنا سايقة،
كنت هادية من برّه، ثابتة،
بس الحقيقة إني كنت لابسة قناع…
مش قناعي.
قناع الست الواثقة،
اللي بتتكلم بالأرقام والعقود،
مش الست اللي جواها نار،
ولا اللي كل خطوة بتاخدها محسوبة
علشان لحظة الحساب اللي جاية.
وصلت تحت المبنى.
بصّيت قدّامي بهدوء، عكس العاصفة اللي جوايا،
وشلت نضارة الشمس ودخلت.
أول ما دخلت، المدير استقبلني بحفاوة واضحة،
وقال وهو بيبتسم:
— نوّرتي الشركة كلها يا فندم.
بصّيت له،
واكتفيت بابتسامة قصيرة، محسوبة،
من غير ولا كلمة زيادة.
دخلنا الأسانسير سوا،
أنا وهو، ومعانا شوية موظفين.
الهواء كان تقيل،
وصوت الأسانسير وهو بيطلع
كان كأنه بيعدّ الثواني
لحد ما أبدأ أول خطوة حقيقية
في لعبة كل واحد فيها فاكر نفسه مسيطر…
_____________
زين
كنت قاعد على مكتبي، رجلي بتتهز جامد، وأنا بكلم مريم اللي قاعدة قدامي:
— شوفتها بعيني يا مريم… فجر هنا!
ردّت، وهي بتحاول تهديني:
— إزاي بس يا حبيبي؟ إيه اللي هيجيبها هنا؟ وإزاي هيعرفها إنها بتشتغل هنا أصلاً؟
حطيت إيدي على راسي، وقلت وأنا حاسس بالجنون:
— معرفش… ده اللي هيجنني.
ردّت بنفس ثباتها الانفعالي:
— ممكن بس يكون بيتهيألك.
اشتعلت عصبيتي، وقلت بصوت عالي، مش قادر أخفيه:
— مش بيتهيألي! شوفتها بعيني، بقولك!
ولو مش مصدقاني، روح دلوقتي أوضه الاجتماعات، هتلاقيها هناك.
حاولت تهديني بصوت وهادي، لكن فيه قلق في كلامها:
— حاضر… بس انت هدي نفسك، وأنا هروح أتأكد بنفسي.
قلبي كان بيخبط بسرعة،
كل ثانية فيها شعور بالغضب والقلق
وعارف إن أي حركة ممكن تكشف الحقيقة قبل ما أنا مستعد.
___________
مريم
روحت بسرعة عشان أطمنه…
دخلت أوضة الاجتماعات، والصدمة وقعت عليّ.
أول مرة أشوفها من ساعة ما خرجت من المستشفى.
لسه زي ما هي… بهيبتها اللي بتطغي على المكان،
والقبول اللي محاصرها…
أنا دايمًا بغير منها! آه، بغير.
هي شايفة نفسها فوق الكل… ومش شايفة حد غير نفسها.
خدت صدمتي وحاولت أخرج…
لكن المدير بصلي وقال:
— في حاجة يا مريم؟ عايزة حاجة؟
لقيت الكل بيبصلي…
ومن ضمنهم فجر.
كانت بتبصلي ببرود،
ومع إنها ناسية…
قلبي كان مقبوض، مرعوب، وكأنها شايفة كل حاجة جوايا.
رديت بصوت متقطع، وعيني مش قادرة تبطل تتنقل بينها وبين المدير:
— كنت فاكرة… إن حضرتك لوحدك… هاجيلك وقت تاني.
خرجت من أوضة الاجتماعات وقلبي لسه مرعوب،
حاسّة إن التوتر ده مش هينتهي بسهولة،
وإن فجر… حضورها، نظرتها، كل حاجة فيها…
خليتني أحس إني في مواجهة مع شيء أكبر من مجرد شغل.
____________
فجر
شوفتها… البنت اللي بيخوني معاها!
وعلى الرغم من إنّي اظهر هادية،
قلبي كان بيتحرق نار.
كنت عايزة أقوم…
أمسكها من شعرها…
أو أعمل حاجة تخليها تدفع التمن بيها…
بس ما عملتش أي حاجة.
عارفة إن أي حركة غير محسوبة
ممكن تجرّ وراها عواقب وخيمة،
وإن اللحظة دي محتاجة صبر، مش اندفاع.
لكن لما بصيت لها…
وشوفت الصدمة على وشها،
والرعب اللي مالي عينها…
حسيت نار الغضب اللي جوايا…
بتطفي شوية.
شعرت بلذة غريبة،
إنها أخيرًا شايفة حاجه من الألم اللي سبّبته ليا …
وإن اللحظة دي…
مش كلها قوة بس، فيها توازن دقيق بين انتصار ونار جوايا.
خلصت توقيع العقد وخرجت من أوضة الاجتماعات.
طلعت بره، مسكت فوني… ولقيت missed calls كتير من يعقوب.
اتنهدت بصعوبة، قلبي دق بسرعة، وكان في إحساس ثقيل بيضغط عليا…
كنت هارجع أتصل بيه، بس قبل ما أقدر، لقيت زين واقف قدامي.
بصّ لي بعينين فيها صدمة صافية:
— أي دا… فجر؟ إنتي هنا بتعملي إيه؟
ابتسمت ابتسامة كدابة على وشي، حاولت أخفي كل التوتر والغيرة اللي جوايا:
— أنا بوقع مع الشركة دي عشان نعمل شراكة…
إنت بتعمل إيه هنا؟
ابتسم ببساطة، بريء كده:
— أنا بشتغل هنا…
وبعدين ضحك وقال:
__ صدفة حلوة أوي يا فيفو.
ابتسمت له برضه، بس قلبي كان واقف بين حب وكره
حسيت بالدفء اللي بيعطيه حضوره، وفي نفس الوقت… بخيانته اللي كانت بتقرصني من جوا.
كمل بأسف:
— كان نفسي أوصلك يا روحي… بس عندي شغل كتير.
مسكت إيده بسرعة، وبصّيت له في عيونه:
— عارفة… ربنا يقويك…
كدة كدة المسافة مش بعيدة، فمتقلقش.
ابتسم وقال:
— أول ما توصلي… كلميني.
قلت بهدوء، محاولة أسيطر على إحساسي:
— حاضر.
ومشيت، وسيبته ورايا…
قلبي كان بيخفق، ودماغي مليانه أفكار…
مزيج من الغضب… الترقب… والتوتر اللي مش قادره أهرب منه.