رواية نبضات الصخر الجزء الثامن عشر 18 بقلم هاجر سلامة نبضات الصخررواية نبضات الصخر الحلقة الثامنة عشر
مر اليومان التاليان في المستشفى كأنهما تراتيل من السلام والعشق الصافي. غمر معاذ نايا بحنان واهتمام لم تشهده امرأة من قبل؛ فكان يرتب لها وسائدها، ويحرص على دفئها، ويطعمها الفاكهة بيده وهو يهمس لها بأبيات الغزل العذبة التي كانت تعيد النضارة وجهها الشاحب ذابت كل بقايا العاصفة الماضية ، وأصبح رحم نايا في حالة استقرار مثالية تحت الرعاية الطبية الصارمة والدعم النفسي الهائل الذي يحيط بها من رجلها ووطنها .
.وفي صباح اليوم الحاسم الذي يسبق عملية الولادة بـ 24 ساعة فقط، دخل “شاكر بيه” الغرفة ومعه محامي العيلة الخاص وسليم رئيس الحراسة كانت ملامح الأب بتشع بوقار وفخر شديدين وهو ينظر إلى معاذ الذي كان يجلس بجانب نايا ويمسك يدها بحب تنحنح شاكر
بيه وتحدث بابتسامة حنونة: “صباح الخير يا ولاد.. منورين ومجمعين في الخير دايماً. معاذ يا ابني، أنا جيت النهاردة ومعايا المحامي عشان أعمل حاجة كان لازم تتعمل من زمان، حاجة تليق بالراجل اللي صان بنتي وحمى شقى عمري بروح ودمه.” وقف معاذ باحترام وصافح حماه وتحدث بحترام: “صباح النور يا عمي.. خير في إيه؟ المحامي معاه ورق إيه؟ أشار شاكر بيه للمحامي بفتح
الملف الجلدي الفخم وتحدث : “هذا عقد تنازل رسمي وتفويض مطلق.. من رئيس مجلس إدارة مجموعة شركات السيوفي، إليك أنت يا معاذ بيه. من هذه اللحظة، أنت المدير التنفيذي العام ورئيس مجلس الإدارة الفعلي لكل الفروع والشركات داخل مصر وخارجها، ولك مطلق التصرف القانوني والمالي.. هذا حقك لأنك أثبتّ أنك درع هذه العائلة وسيفها في وجه الطامعين ”
صُعق معاذ ونظر إلى نايا التي اتسعت عيناها بفرحة وفخر شديدين بجوزها وحبيبها. تقدمت نايا وأمسكت يد معاذ وقالت بدموع الفرح: “امضي يا معاذ.. امضي يا حبيبي. أنت تستاهل تكون ملك في المكان ده، الشركة دي شقى أمي وأنا واثقة إنها في إيد أمينة هتكبرها وتحميها .. أنا فخورة بيك أوي.”
نظر معاذ في عيني نايا، ورأى فيهما ثقة مطلقة غسلت كل أوجاع الماضي. أمسك بالقلم ووقع على العقود التي تعكس نضوجه التام وهيبته الإدارية الكبرى، وتعهد أمام الله وأمام أبيها أن يظل خادماً لبيته وحامياً لممتلكات عائلته الصغيرة. بعد توقيع العقود ومغادرة المحامي وشاكر بيه الذي خرج وعلامات الراحة التامة على وجهه، عاد الهدوء للغرفة. التفت معاذ نحو نايا، وجلس بجانبها وضما بعضهما بقوة مفرطة.
انحنى وقبل شفتيها قبلة طويلة مفعمة بالعشق، هربت معها وفي تمام الساعة الثانية ظهراً، دخل الطبيب الخاص بنايا ومعه ممرضتان لإجراء الفحص الأخير بجهاز السونار المطور قبل دخول غرفة العمليات غداً، للتأكد من وضعية الجنين ونبضاته وحالة جدار الرحم النهائية استلقت نايا على السرير الطبي، ووقف معاذ بجانبها كالعادة، يمسك كفها بقوة ويقبل أناملها برقة دافئة
وضع الطبيب الهلام الشفاف على بطنها البارزة الكبيرة ، وحرك الجهاز لتظهر الشاشة الإلكترونية الكبيرة أمام عيونهم بالكامل . تأمل الطبيب الشاشة لثوانٍ، وفجأة عقد حاجبيه بدهشة واستغراب، وظل يحرك الجهاز بزوايا مختلفة وعيناه تتسعان بذهول عارم. انخلع قلب معاذ وشاكر بيه الذي كان قد دخل الغرفة للتو، وتحدث معاذ برعب : “في إيه يا دكتور؟ أرجوك طمنا! فيه حاجة غلط في الرحم؟ ابني جرى له حاجة؟!
“التفت الطبيب إليهم، وكانت ملامحه قد تحولت من الدهشة إلى ابتسامة مبهجة وعريضة هزت أركان الغرفة، وتحدث بالطبية الرائعة: “اهدأ يا معاذ بيه.. لا يوجد أي خطأ، بل هناك مفاجأة طبية وقدرية باذخة لم نلاحظها في الأشهر الماضية بسبب تضخم جدار الرحم والتليف القديم الذي كان يخفي الرؤية الكاملة خلف الجنين الأول! “صاحت نايا بلهفة وقلق : “مفاجأة إيه يا دكتور؟ أرجوك قول عل طول!
أشار الطبيب إلى الشاشة، وبدأ يحدد نقطتين منفصلتين تماماً، تظهر فيهما نبضات دافئة وسريعة، وتحدث بصوت جهوري مبهج: “مدام نايا.. أنتِ لستِ حاملاً في جنين واحد! المعجزة مضاعفة.. أنتِ حامل في توأم! هناك نبض ثانٍ واضح تماماً وجنين آخر يختبئ خلف أخيه.. وبناءً على القياسات الحديثة، التوأم هما.. ولد وبنت! مبروك يا معاذ بيه، غداً ستستقبل في يديك الحفيد والوريث، وأميرة صغيرة ستملأ حياتكم سحراً وجمالاً!
سقطت الكلمات كالصاعقة المبهجة التي هزت كيان الجميع. تجمد معاذ في مكانه وعيناه تتسعان بذهول وفرحة عارمة جعلت الدموع تنهمر كالأمطار على وجنتي. التفت إلى نايا التي صرخت بفرحة ودموع جارفة لم تصدقها، وارتمت في أحضان معاذ وهي تبكي وتهز رأسها : “توأم يا معاذ! ولد وبنت! ربنا عوضني عن كل وجع عشته.. رحم المريض شال اتنين مش واحد! الحمد لله يا رب.. الحمد لله!
احتضنها معاذ بقوة وثبات كأنه يود أن يدخلها بين ضلوعه، وظل يقبل وجهها وعينها وشفتيها وعنقها بفيض من العواطف الجارفة والجنونية: “ولد وبنت يا قلب معاذ! هجيب لك الدنيا كلها تحت رجليكي يا نايا.. أنتِ مش بس ملكة، أنتِ معجزة حياتي وعمري كله.. الحمد لله يا رب على كرمك الفوق الخيال! ركض شاكر بيه نحو السرير، واحتضن ابنته وجوزها وعيناه تدمعان بفرحة طهرت قلبه تماماً من كل هموم الماضي،
وصاح بصوت قوي : “الحفيد والوريث.. ومعاهم الأميرة الصغيرة! يا فرج الله وكرمه يا بنتي.. رفعتي راسي، والبيت والقصر والشركة بقوا جنة بوجودكم.. مبروك يا معاذ يا ابني، مبروك يا سندي .”
في المساء، خيم الهدوء الدافئ والرومانسي على الغرفة الفخمة التي تزينت بأفخم أنواع الورود البيضاء والبالونات الزرقاء والوردية التي أمر شاكر بيه بإحضارها فوراً للاحتفال بالتوأم المنتظر.جلس معاذ على السرير، وأسندت نايا ظهرها على صدره العريض وهي تتنفس براحة تامة وأمان كامل .
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!