تحميل رواية «ملاذ الراوي» PDF
بقلم ديدي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
اقرأ ملاذ الراوي بقلم ديدي.
رواية ملاذ الراوي الفصل الأول 1 - بقلم ديدي
بتحبيه..!
رفعت رأسى لـ ” هنا ” بهدوء وأنا بقولها :
ــ “أوي.. كتاباته فى عالم موازٍ بهرب فيه من دوشة الدنيا، كل حرف بيكتبه بحس إنه طالع من حتة جوايا مكنتش أعرف إنها موجودة، بحس إنه الشخص الوحيد اللي فاهمني من غير ما يقابلني.”
“هنا” خبطت على الترابيزة بضيق وعصبية :
ـ حب إيه ده اللي من طرف واحد وبينه وبينك بلاد وقارات؟
إنتي مدركة إنتي بتحبي مين؟ ده ” بدر الراوي “.
الشاعر اللي نص بنات البلد شايلة صوره في موبايلاتها.
إنتي بالنسبة له مجرد رقم، مجرد (لايك) زيادة على بوستاته،
فوقي بقا وشوفي حياتك وبطلي تعيشي في الأوهام دي!”
رديت عليها بكل ثبات وهدوء، ومن غير ما نبرة صوتي تتغير وقولت :
ـ “المشاعر مفيهاش ‘فوقي’ و’نامي’ يا هنا..
المشاعر قلب اتهز من قصيدة لمست جرح مكنش حد شايفه غير صاحبها،
أنا محبتهوش عشان وسامته ولا عشان شهرته،
أنا حبيت ‘الاحتواء’ اللي حسيته في حروفه في ليلة كنت فيها محتاجة اللي يسمعني ومحدش كان جنبي غير كلامه..
الحب ده اتخلق جوايا من غير استئذان، وبقى هو النور اللي بيخليني أتحمل ظلمة أيامي
، فـ مش مستنية منه يعرفني عشان شعوري يكمل، شعوري كامل بيه وبحروفه لأبعد حد.”
كملت بضحكة وأنا بقرب منها وبميل راسي بدلع وهزار عشان أمتص غضبها ده، وقولت بلهجة حنينة :
ـ “وبعدين فكيها بقا يا هنون! والله عارفة إن كل الزعيق ده عشان خايفة عليا،
وعارفة إن قلبك بياكلِك من القلق لحسن صاحبتك تطلع بتهبل وتتوجع في الآخر..
بس صدقيني أنا فاهمة وواعية أوي لكل حاجة،
بس سيبيني أعيش اللحظة دي بطريقتي، وخليكي دايماً جنبي عشان لو وقعت ألاقي إيدك هي اللي بتسندني.”
ـ هنا نفخت بضيق وبدأت ملامحها تلين شوية وهي بتقول:
ـ “والله إنتي مجنونة وهتجننيني معاكي، أنا بس مش عايزة أشوفك مكسورة يا ليل .”
غمزت لها بضحكة صافية وأنا بلم آخر حاجة:
ـ “ارتاحي يا ستي، مفيش حد بيخاف عليا زيك، وعشان كدة أنا مطمنة..
يلا بينا بقا بلاش نكد، لحسن الحفلة تخلص وأنا لسه واقفة بسمع محاضراتك!”
“مشينا عشان نروح حفل التوقيع وانا فرحانة انى هشوفه عارفة أنه غلط وانا حتى ميعرفنيش بس عندى احساس اووى أنه هو عرفنى”
” نزلنا من التاكسى ووقفت قدام باب القاعة اللى فيها حفل التوقيع ،
قلبي كان بيدق دقات سريعة ومجنونة، كأنها طبول بتعلن عن بداية رحلة معرفش آخرها إيه.
الزحمة كانت مهولة، طوابير بنات وشباب، والكل ماسك في إيده ديوانه الجديد “تراتيل الروح” وعيونى فيها لمعة انتظار .
هنا همست في ودني وهي بتبص على الزحمة:
ـ “شوفتي؟ قولتلك آلاف.. تفتكري لما يوصل الدور عندك،
هيشوف في عيونك القصيدة اللي حكتي عنها، ولا هيشوف ‘رقم’ زي ما قولتلك؟”
قولتلها بصوت واطي وواثق:
ـ “مش مهم هو هيشوف إيه يا هنا.. المهم النهاردة أنا هشوف مين.”
بدأنا نتحرك وسط الزحمة وندخل الطابور ببطء، وكل خطوة كانت بتقربني منه، كانت بتبعدني عن العالم كله. “هنا” كانت بتبرطم بكلام عن التعب والوقفة، بس أنا مكنتش معاها، كنت معا صوت “بدر” ” اللي بدأ يوصل لمسامعي وهو بيرحب بالناس بنبرة صوته الرخيمة اللي حفظتها من فيديوهاته.
“بعد ساعة من الوقفة، بقينا على أعتاب القاعة الداخلية، ولمحت طيفه من بعيد.. كان قاعد بهيبة، لابس قميص أسود بسيط، وشعره متمرد شوية على جبهته وهو بيميل يكتب الإهداءات”
همست “هنا” بتوتر وهي بتمسك إيدي:
ـ “ليل.. إنتي تمام؟ إيديكِ سقعت خالص!”
مرديتش عليها، عيوني كانت متعلقة بيه هو وبس. وفجأة، الشخص اللي كان قدامي مشي، ولقيتني واقفة قدام الطاولة بتاعته مباشرة.
بدر كان منزل راسه بيوقع في كتاب، وقال بآلية وهو بيمد إيده ياخد ديواني:
ـ “أهلاً بيكِ.. الاسم إيه عشان التوقيع؟”
لساني اتعقد لحظة، وكأن كل
الكلام اللي رتبته اتبخر، خدت نفس عميق وقولت بصوت واثق بس مليان شجن:
ـ “ليل..”
أول ما نطقت الاسم، حركة القلم في إيده وقفت فجأة.. رفع راسه ببطء، وعيونه السودة الساحرة قابلت عيوني، وفضل باصصلي لثواني وكأنه بيسترجع حاجة، أو كأنه سمع الاسم ده في حلم قبل كدة.
ابتسامته “الرسمية” اختفت وحل مكانها نظرة استغراب ممزوجة بإعجاب خفي وقال بنبرة هادية جداً:
ـ “ليل.. اسم شاعري جداً، وقليل لما بنقابله في الحقيقة. الاسم ده دايماً بيكون ملهم لينا ككتاب، لأنه شايل معاني كتير أوي من السكون والعمق.. لايق جداً على هدوئك.”
بصيت ليه بابتسامة هادية عكس اللي جوايا تماماً
ونبضات قلبي اللي كانت مسموعة ليا أنا شخصياً وكأنها بتجري سباق
وقولت بنبرة رقيقة وصافية:
ـ شكراً
“مشيت من قدامه بمنتهى الثبات والهدوء، ملامحي كانت واثقة جداً لدرجة إن مفيش حد من الزحمة اللي حواليا يصدق إن قلبي كان بيدق بعنف وكأنه عايز يخرج من مكانه ”
“هنا” كانت ماشية جنبي بذهول، وأول ما خرجنا برا القاعة في الهوا،
بصتلي بتقدير كبير وقالت بنبرة هادية:
ـ”برافو عليكي يا ليل.. بجد برافو.
ثباتك ده كان في مكانه جداً،
أنا مكنتش متخيلة إنك هتقدري تسيطري على مشاعرك قدامه كدا..
نظراته ليكي ولأسمك كانت فيها كمية احترام وانبهار بيكي وبحضورك مش طبيعية.”
بصيت لـ “هنا” بابتسامة صافية وقولت بنبرة مرتاحة:
ـ”الموقف مكنش محتاج أكتر من كدا يا هنا..
أنا روحت عشان أقول ‘شكراً’ بوجودي قبل كلامي،
والحمد لله إني سمعت منه اللي يطمن قلبي ويثبت لي إن إحساسي بيه كان في محله.. أنا دلوقتي حاسة بسلام داخلي ملوش وصف.”
هنا هزت راسها بتأكيد وقالت:
ـ “فعلاً، ردك عليه كان شيك ومختصر وسبتيله علامة استفهام كبيرة بجمال هدوئك ده.. يلا بينا نلحق نرجع عشان ترتاحي من تعب الوقفة دي.”
“هنا” سكت شوية وبعدين كملت :
ـ بس منكرش إن نظراته ليكي كانت غريبة.. كان بيبص كأنه لقى السطر اللي كان تايه منه بقاله سنين.”
“ابتسمت ليه وركبنا التاكسى ومشينا ”
ــــــــــــــــــــــــــــــ
في الناحية التانية، وبعد ما حفل التوقيع خلص بضجيجه وزحمته،
كان “بدر” قاعد في مكتبه مع أقرب صحابه “ياسين”، والهدوء رجع يسيطر على المكان تاني..
بدر كان ساند ضهره وسارح في الفراغ، والقلم في إيده عمال يلفه بحركة لا إرادية.
ياسين لاحظ سكوت بدر اللي طول، فابتسم وقال بمزاج:
ـ “إيه يا بدر؟ الحفلة النهاردة كانت ناجحة جداً والعدد كان يخوف، بس شكلك مش معانا خالص.. رحت فين؟”
بدر سكت لحظة، وبعدين بص لياسين ونبرة صوته كانت متغيرة، فيها حيرة وذهول:
ـ “شوفتها يا ياسين.. شوفتها النهاردة فى حفل التوقيع .”
ياسين استغرب وعدل جِلسة وقال :
ـ مين دى اللى شوفتها ؟
“بدر غمض عيونه ثوانى وبعدين بدأ يفتح عينه ببطء، ونظرته كانت مليانة ذهول وكأنه لسه مش مصدق اللي حصل”
وقال بصوت هادي ومحمل بالدهشة:
ـ “شوفتها يا ياسين..
شوفت البنت اللي كنت برسم ملامحها في خيالي قبل ما أكتب أي بيت شعر ..
البنت اللي كنت فاكر إنها مجرد وحي بيجيلي بليل ويمشي مع أول ضوء شمس.”
ياسين ساب الموبايل وانتبه له أوي:
ـ “إنت بتتكلم بجد؟ هي مين دي؟”
بدر قام وقف وبدأ يتحرك في المكتب بتوتر وهو بيكمل:
ـ “ليل.. أول ما نطقت اسمها، حسيت إن فيه رعشة في قلبي ملمستهاش من سنين.
كانت واقفة قدامي بهدوء يخطف، ونظرة عينها فيها فيها حنيه و وقار غريب..
أنا كنت بكتبلها وهي متعرفش، كنت بحلم بملامحها وأنا مش متخيل إنها موجودة فعلاً
ياسين سأله بفضول :
ـ “وطبعاً مسبتهاش تمشي كدا؟ فتحت معاها كلام؟ أو على الأقل أخدت أي وسيلة تواصل معاها ؟”
بدر رجع قعد على مكتبه بتنهيدة طويلة وقال:
ـ”يا ريت يا ياسين.. دي مشيت قبل ما ألحق حتى أستوعب إنها حقيقية. رمت كلمة ‘شكراً’ بمنتهى الهدوء وسابتني واقف مكاني ..
إنت متخيل يا ياسين؟ البنت اللي بكتبلها من سنين، كانت على بُعد سنتيمترات مني،
ونظرتها كانت بتقول كلام كتير أوي رغم إن لسانها منطقش غير بكلمة واحدة.”
ياسين ضحك باستغراب:
ـ “بس دي حركة جريئة أوي منها، يعني عرفت تثبت الشاعر اللي الكل بيتمناه! طب والعمل؟ هتفضل كدة سارح في خيالك ولا ناوي تعمل إيه؟”
بدر رفع راسه وعيونه فيها إصرار غريب:
ـ مش هسيبها يا ياسين بعد ما لقيتها.
سكت لثوانى وبعدين و قال وهو غارق في تفكيره”. :
ـ أنا هعمل أمسية شعرية وهى اكيد هتيجى عليه .
بدر سكت تماماً وبص للورقة البيضا اللي قدامه، وكأنه بدأ فعلاً يكتب فيها ملامح ليل بخياله.. ياسين فهم إن الكلام خلص، فقام سابه بهدوء وخرج، وبدر فضل لوحده في سكون المكتب، غرقان في عالم تاني ملوش علاقة بالواقع.
ـــــــــــــــــــ
” رجعت البيت وانا فرحانة وطول الطريق كنت ماسكة ديوانه الشعري وحاضناه”
“دخلت أوضتي وقفلت الباب ورايا، كأني بقفل على نفسي عالم كامل ملوش علاقة بالواقع اللي برا”
“قعدت على السرير، قلبي رجع يدق تاني بسرعة”
وبإيد مرتعشة بدأت أفتح أول صفحة في الديوان.. عيني وقعت على خطه الجميل، المتمرد زيه، وكان كاتب:
إلى ‘ليل’..
التي عبرت من بين مئات الوجوه، فكانت هي القصيدة التي لم أجرؤ على كتابتها بعد.
شكراً لأنكِ منحتِ لليلِ ملامح، وللحروفِ وطناً يستريح فيه.
دُمتِ بكل هذا السكونِ والجمال.”
رواية ملاذ الراوي الفصل الثاني 2 - بقلم ديدي
*”مرت الشهور بهدوء، والحياة خدتنا في دوامتها العادية.. ”
“كنت قاعدة في أوضتي أنا و”هنا” في لحظة صفا،
كانت هي مشغولة بتنسيق شوية صور لينا،
وأنا كنت سرحانة في البحر من الشباك،
وبالي رايح لبعيد.. بفكر في حفل التوقيع اللي فات وكأنه كان حلم.”
هنا بصتلي بابتسامة حنينة وقالت بصوت هادي:
ـ “سرحانة في إيه يا لُيلو؟ بقالك ساعة باصة للبحر وكأنك بتدوري فيه على حاجة ضايعة.. قوليلي يا حبيبتي، فيه حاجة شاغلة بالك؟”
اتنهدت بهدوء ولفيت وشي ليها، حاولت أداري اللمعة اللي في عيني وقولت بنبرة هادية:
ـ “مفيش يا هنون، بس البحر النهاردة سكونه غريب.. بيفكرني بيا وبحاجات مكنتش فاكرة إنها لسه مأثرة فيا كدا. كنت بفكر في حفل التوقيع، هل معقولة فيه ناس بنقابلهم صدفة ويسيبوا أثر مبيتمسحش كدا ببساطة؟”
هنا طبطبت على إيدي وقالت بصوت كله حكمة ورقة:
ـ “يا حبيبتي، الأرواح الحلوة اللي شبهك طبيعي تحس بكدا..
بدر شاعر ومس بكلماته حاجة جواكي، وده مش عيب ولا غلط.
المهم إنك متبقيش حبيسة اللحظة دي.. عيشي حياتك يا ليل،
ولو فيه نصيب لصدفة تانية، القدر هو اللي هيرتبها، مش تفكيرنا.”
“وقبل ما أرد عليها، الموبايل اللي كان جنبي على الكومودينو “نور” فجأة بإشعار”.
“قلبي دق دقة سريعة وكأنه كان مستني اللحظة دي بفارغ الصبر. مديت إيدي ببطء وفتحته، وعيوني اتسمرت على الشاشة”
“كان بوست جديد من صفحة “بدر الراوي”..
” البوستر المرة دي كان لوحة فنية، عبارة عن مساحة شاسعة من اللون الرمادي الهادي، وفي وسطها ريشة حبر قديمة بتنقط نقطة سودة واحدة ”
كأنها “بداية الحكاية”، ومكتوب فوقيها بخط عربي أصيل فيه سحر خاص:
( مَـا بَـيـنَ الـسُّـطُـور )
وتحت الاسم، كتب جملة واحدة، غامضة وبتاخد العقل:
“الأمسية الكبرى.. ديوان (ما بين السطور).. حضوركم هو النص الناقص في قصائدي، وفيه مفاجأة خاصة جداً للحضور ”
“فضلت باصة للبوستر بذهول.. الاسم “ما بين السطور” لمسني أوي”
“كأنه بيتكلم عن الكلام اللي مش بنعرف نقوله،
عن المشاعر اللي بتعيش في المسافات اللي بين الكلمات”
” والسر اللي مخبيه في “المفاجأة” خلاني أحس بفضول رهيب خلط ضربات قلبي ببعضها.”
هنا سحبت الموبايل براحة وبصت للبوستر،
عيونها لمعت وقالت بصوت واطي ومليان انبهار:
ـ ليل.. بصي الاسم عامل إزاي، ‘ما بين السطور’.. تحفة ولا كمان ‘مفاجأة مخبية’..
بدر ده فنان في إنه بيشد الجمهور من غير ما يقول حرف واحد زيادة.”
رديت عليها وأنا لسه سرحانة فى اسم البوستر :
ـ “فعلاً يا هنا.. الاسم ساحر، والغموض اللي عامله المرة دي مختلف. تحسي إن الحفلة دي مش مجرد إلقاء شعر، دي رحلة تانية خالص.”
هنا لفت دراعها حواليا وطبطبت على كتفي وقالت بحنية:
ـ طيب وإيه رأيك يا لُيلو نروح
وكمان نعرف ايه هى المفاجأة دى .
سكت لحظة، على البوستر،
وقلت بنبرة هادية وواثقة :
ـ تمام يا هنون.. هنروح
“مر يومين والوقت كأنه واقف مبيتحركش،
الثواني بتمر بصعوبة وأنا عيني على التقويم..
مكنتش عارفة أنا مستنية إيه بالظبط،
بس كان فيه شعور جوايا بيقول إنه مش هيبقى يوم عادي ”
وجه اليوم الموعود..
“كنت واقفة قدام المرايا بجهز نفسي بهدوء.
اخترت فستان أسود سادة، طويل وواسع، بيدي إحساس بالغموض والشياكة في نفس الوقت،
ولبست عليه طرحة “بينك” طويلة، لونها هادي وناعم، كانت مدياني طلة رقيقة”
بصتلي بابتسامة وقالتلي :
ـ “شكلك رقيق أوي يا لُيلو النهاردة.”
ابتسمت لها ونزلنا على طول. وصلنا قدام القاعة والزحمة كانت مش طبيعية،
طبيعى دا حفلة “بدر الراوى ” اهم شاعر فى الوطن العربى ”
“أول ما دخلنا من باب القاعة، الهيبة زادت.. الإضاءة كانت هادية جداً، وريحة المكان بتفكرك بالكتب القديمة والأناقة.”
” قعدنا في مكانا، و”هنا” كانت عيونها بتلمع وهي بتبص على خشبة المسرح اللي مكنش عليها غير كرسي واحد،
ترابيزة صغيرة، وصندوق خشبي مقفول بس شكل تصميمه “شيك” أوي”
“بدأت الأمسية، والأنوار خفتت تماماً، ومبقاش فيه غير ضوء واحد مسلط على “بدر” اللي قاعدة على الكرسي بكل هيبة ”
وبدأ يلقي بصوته اللي كان بيخترق الروح :
ـ “يقولون إنَّ السطورَ هي الحكاية..
وأقولُ إنَّ الحقيقةَ في الفراغاتِ التي بينها..
هناك.. حيثُ يسكنُ الصمتُ المليءُ بالكلام،
وحيثُ تنبتُ المشاعرُ التي لم يجرؤ الحبرُ على لمسِها.”
“سكت بدر لحظة، والقاعة كلها كانت في حالة “تنويم مغناطيسي” من سحر الكلمات.”
” وبتدأ الناس تسقف وهى فرحانة من تأثير كلماته ”
“وانا كانت حاسة انى سامعة دقات قلب وسط التصفيق العالى والدوشة ”
” “الناس بدأت تهدى تدريجياً، وبدر لسه على وشه الابتسامة اللي تخطف القلب، كانت ابتسامة هادية بس فيها ثقة غريبة.”
” رفع عينه وبدأ يوزع نظراته على القاعة، وكأنه بيشكر كل واحد موجود بكلمة مكتومة.”
“وفجأة، لفت عينه ناحيتنا.. ووقفت.
عيونه اتسمرت عليا لثواني حسيت فيها إن الهوا حواليا اتسحب،
وكأن القاعة دي مفيهاش غيرنا.
ثبت نظره عليا بوضوح خلى كياني كله يترعش،
وبعدين وبحركة بطيئة مليانة هيبة،
قام وقف.”
“سحب المايك من الحامل بتاعه، ووقف في نص المسرح وهو لسه باصص لي،
وبعدين بص للناس وقال بنبرة صوت عميقة مالت ليها القاعة كلها:”
ـ “في ديوان (ما بين السطور).. كتبتُ قصيدةً عن الليل،
فـفي سكونِ الليلِ تولدُ الحقائقُ التي يَعجزُ ضجيجُ النهارِ عن قولِها.”
“سكت لحظة، ولف بعينه على وشوش الناس بتركيز وكأنه بيستجمع إحساس الأبيات،
وبعدين رجع بص لي أنا..
وبدأ يلقي أول بيت وهو مثبت عينه في عيني:”
“وَإِذَا السُّكُونُ طَوَى المَدَى بِجَنَاحِهِ
أَبْصَرْتُ طَيْفَكِ فِي الدُّجَى يَتَبَدَّى”
“شال عينه من عليا وبص للجمهور وهو بيكمل بصوت مبهور :
“يَا لَيْلُ قُلْ لِلْعَاشِقِينَ أَمَا كَفَى
أَنَّ الهَوَى فِي الصَّدْرِ جَاوَزَ حَدَّا؟”
“وفضل كدة.. يلقي للناس، ومع قفلة كل بيت يخطف نظرة لروحي، كأنه بيتأكد إن الكلام بيوصل لي أنا..
لحد ما وصل لآخر بيت، ورجع وقف ، وثبت نظره في عيني وقال بنبرة خلت القاعة كلها تحبس أنفاسها:”
“عَيْنَاكِ مِعْرَاجُ القَصِيدِ لِخَاطِرِي
مَا خُطَّ حَرْفٌ.. دُونَ أَنْ أَتَرَدَّى”
“بدر فضل واقف مكانه لثواني في صمت مهيب وعينه لسه عليا،
وبعدها القاعة انفجرت بتصفيق ملوش آخر،
وهو ابتسم ابتسامة خفيفة جداً ورجع المايك لمكانه.”
” التصفيق بداء يهدأ ، وبدر لسه واقف مكانه، الهيبة مسيطرة على كل ركن في القاعة. مسح جبينه ببطء، وعيونه لسه فيها لمعة القصيدة اللي قالها وهو باصص لي.”
” مشي خطوات رزينة ناحية الترابيزة الصغيرة اللي عليها الصندوق الخشبي ‘الشيك’.”
“القاعة كلها سكتت تماماً، حتى النفس كان مسموع
بدر حط إيده على الصندوق ببطء،
وبص للجمهور وقال بصوته اللي لسه فيه أثر الشجن:”
“بدر كمل كلامه وهو لسه ساند إيده على الصندوق،
ونبرة صوته بقت أوضح:
ـ ‘زي ما قولت في البوستر.. حضوركم هو النص الناقص في قصائدي.
والنهاردة،
فيه سبعة القدر اختارهم عشان يكملوا السطور دي معايا.’
“الناس بدأت تتبادل نظرات الدهشة،
وأنا مكنتش فاهمة المفاجأة دي عبارة عن إيه،؟”
بدر كمل وهو بيمسح على غطا الصندوق بوقار :
ـ “الصندوق ده فيه سبع نسخ خاصة جداً من ديوان (ما بين السطور)..
نسخ مش موجودة في أي مكتبة ولن تُطبع أبداً،
لأنها مكتوبة بخط إيدي أنا.. وفي كل نسخة فيه قصيدة ناقصة (بيت واحد) بس،
البيت ده اللي هيكسب النسخة هو اللي هيكمله بإحساسه.”
سكت لحظة، وعينه لمعت ببريق خاص وكأنه بيعلن عن المفاجأة الأكبر:
ـ “أما صاحب النسخة السابعة والأخيرة..
فالمفاجأة ليه مختلفة.
النسخة دي مش بس هيكملها، لا.. أنا هكتب له فيها (قصيدة خاصة باسمه)
بخط إيدي في اللحظة دي.. والأهم،
إن القصيدة دي هتكون هي (مسك الختام) في ديواني الجديد ”
“أول ما قال كدة، القاعة انفجرت بذهول وحماس مش طبيعي !
‘هنا’ مالت عليا وهي مبرقة عيونها ومش مصدقة وقالت بصوت مبهور:
ـ”ليل! إنتي سامعة؟ قصيدة باسمه؟ وفي الديوان الجديد؟ يا نهار جمال ..دا يبخته والله”
“بدر بدأ يسحب الأرقام من الصندوق الخشبي اللي كان مليان ورق لدرجة إنه مكنش بيبان آخره.. ”
“وكل واحد فينا حاطط إيده على قلبه ومستني رقمه يطلع من وسط الزحمة دي.
سحب أول واحد، والثاني، والثالث..
والقاعة في كل مرة كانت بتتقلب من التصفيق والحماس.”
“وصل للسادس، والتوتر وصل لقمته.. الكل كان مستني ‘الضربة الكبيرة’،
النسخة السابعة اللي بدر قال إنها هتبقى باسم صاحبها وهتتحط في ديوانه الجديد. ”
“أنا كنت قاعدة مكاني، حاطة إيدي على رقم الكرسي بتاعي (25) وكأني بتمسك بآخر أمل عندي.”
“بدر مد إيده في الصندوق للمرة الأخيرة، وبدأ يقلب في الورق الكتير أوي ده ببطء..
كان صوته وهو بيقلب الورق طالع في المايك ومخلي القاعة كلها حابسة أنفاسها ”
“غرز إيده لتحت خالص وكأنه بيدور على رقم معين،
وفجأة سحب ورقة واحدة وقفل الصندوق بوقار.”
“فتح الورقة ببطء، وعيونه نزلت للرقم.. للحظة شفت ابتسامة غريبة على وشه، ابتسامة حد القدر جاوبه على اللي كان بيتمناه.”
“رفع عينه ولفها على الجمهور
لحد ما عينه جت عليا.. وثبتته.”
قرب من المايك و
قال بصوت قوي هز كيان القاعة كلها:
“ودلوقتي.. نعلن عن صاحب النسخة الأخيرة..
النسخة اللي هكتب فيها قصيدة باسم صاحبها
وهتتخلد (ما بين سطوري) في ديواني القادم..
كمل هو بيحاول يوتر الجمهور :
ـ يا ترى مين هو صاحبُ المقعدِ الذي سَيختمُ مَعي هذهِ الحكاية..
وصاحبُ الرقمِ الذي سيُخلدُ اسمُه في ديواني القادم..”
“سكت ثانية واحدة كانت أطول ثانية في حياتي وقال :
ـ صاحب المقعد رقم (25)
“أنا حسيت إن جبل وقع عليا من الصدمة.
بصيت للرقم اللي على طرف كرسيي (25) وكأني بشوفه لأول مرة. ”
هنا شهقت وفتحت بوقها بذهول وهي بتهزني وبتقولى :
ــ “ليل!
إنتي رقم 25 يا ليل!
قومى !
“قمت وقفت ، “الجمهور كله لف عيونه عليا، اتحول المشهد لحاجة سينمائية . ”
“النور انطفى بالتدريج في القاعة كلها،
ومبقاش فيه غير سبوت لايت واحد بس،
نور أبيض قوي وواضح،
اتثبت عليا وأنا واقفة.”
“مشيت والناس كلها بتبص لي بذهول،
و’هنا’ كانت مبرقة وعيونها مش نازلة من عليا.
طلعت السلم وقلبي بيدق تدفقات سريعة ،
ووقفت قدامه على المسرح.. المسافة كانت قريبة بس الهيبة اللي حواليه كانت عاملة زي سور عالي.
بدر بصلى بأبتسامة هادية عشان يخفف توترى
وقال بنبرة صوت رخيمة:
ـ ‘مبارك يا آنسة ليل.’
“أنا في اللحظة دي حست إن الهواء اختفى. ”
“ليل؟ هو عرف اسمي منين؟ معقول لسه فاكر من حفل التوقيع ؟”
“الصدمة خلتني معرفش أنطق ولا حتى أسأل،
كنت واقفة زي التايهة وهو متلفتش لذهولي،
سحب نسخة الديوان الأخيرة وبدأ يكتب فيها بسرعة وبتركيز .”
“بدر قفل القلم ببطء وهدوء مستفز،
وكأنه بيدي فرصة للقاعة كلها إنها تستوعب اللحظة.
وفجأة، وبحركة مليانة فخامة، قام وقف.”
“حسيت إن القاعة كلها اتنفضت مع وقفته دي،
طوله وهيبته تحت كشاف النور اللي متسلط علينا خلتني أحس إن الزمن وقف.”
” الكاميرات بدأت تتحرك علينا، والمصورين قربوا من خشبة المسرح عشان يلقطوا (الكادر) اللي هيقلب الدنيا.”
” لما وقف بدر ساب الديوان على الترابيزة، وخطى خطوة واحدة ناحيتي خلت المسافة بيننا تتلاشى.
ثبّت عينه في عيني بنظرة عميقة، حادة، ومليانة غموض ، كأنه عايزة يفصلنى عن الدوشة ولاحظات الدهشة والعيون والكاميرات اللى مركز علينا ”
“وبصوته الرخيم اللي طالع من المايك ومالي كل ركن في القاعة،
بدأ يلقي الأبيات اللي كتبها دلوقتي حالا باسمي،
وهو لسه مثبت نظره في عيني بتحدي غريب :
ـ”مَا كَانَ لِلْبَدْرِ أَنْ يَبْدُو لَنَا أَلَقاً
لَوْلَاكِ يَا (لَيْلُ).. مَا ضَاءَتْ مَعَانِينَا”
“أَنْتِ السُّطُورُ الَّتِي أُخْفِي مَفَاتِنَهَا
وَمَا تَبَقَّى.. سَرابٌ فِي أَمَانِينَا”
” القاعة اتقلبت ما بين تصفيق حاد وتصفير وذهول.
الجمهور مكنش مصدق الذكاء في اختيار الكلمات ”
“الناس بدأت تقف على كراسيها عشان تشوف مين (ليل) دي اللي بدر الراوي
كسر بروده وهيبته ونطق اسمها مع اسمه بوضوح قدام العالم كله في بيت شعر زي ده!
“الكاميرات كانت بتصور كل رعشة في إيدي
وكل نظرة ذهول في عيني، وهو لسه واقف مكانه..
رزين، هادي، وعينه مش بتفارق عيني ثانية واحدة.”
” ابتسم ابتسامة خفيفة جداً، ومسك الديوان ومدهولي بإيد ثابتة،
وهمس لي بصوت محدش سمعوا غيري وسط دوشة الجمهور والتصفيق :
ــ اقرئي ما وراء السطور يا ليل.. الإجابة دايماً بتستخبى في الفراغات .
“أول ما نطق الجملة دي،
حسيت إن القاعة كلها اختفت،
ومبقاش فيه غير صدى صوته وهو بيخترق روحي. ”
“سحبت الديوان من إيده بسرعة وإيدي بتترعش بشكل مفضوح،
ومن غير ما أرفع عيني فيه ولا ثانية كمان، ”
“لفيت وشي ونزلت جري من على السلم..
ورايا كان صوت تصفير الجمهور وذهولهم بيملأ المكان، وأنا قلبي بيدق بجنون ووداني مفيهاش غير كلمته: ‘الاجابة دايما بتستخبى في الفراغات’..
كان يقصد إيه بكلامه أنا مش فاهمة حاجة”
“أول ما رجلي لمست أرض القاعة،
كنت حاسة إن الأرض بتهتز تحت مني.
مشيت وسط العيون اللي بتلاحقني والهمسات اللي زادت”
” لحد ما وصلت لـ ‘هنا’.. كانت واقفة مكانها، مذهولة بس ملامحها فيها اعجاب غريب.”
مسكت إيدها بضغط قوية، وقولت بصوت واطي ومخطوف:
ـ’ هنا ‘.. يلا نخرج من هنا، أرجوكِ.
” ‘هنا ‘ فهمت توتري فوراً،
لفت دراعها حواليا وبدأت تمشي بيا بهدوء وسط الزحمة، كانت زي الدرع اللي بيحميني من نظرات الناس”
” لحد ما خرجنا لبرا، في الهوا الواسع.
وقفت وخدت نفس طويل، وهنا لسه إيديها على كتفي ”
بصت ليا بابتسامة هادية عشان تخفف توتري وقالت:
ـ اهدي يا ليل.. خدي نَفَس طويل،
مفيش حاجة تستاهل كل الرعشة اللي في إيدك دي.
ـ أنا مش مستوعبة اللي حصل يا هنا
هنا مسكت إيدي وضغطت عليها بثبات وقالت بنبرة كلها سكينة:
ـ استهدي بالله يا حبيبتي
وقولي لا حول ولا قوة إلا بالله..
عارفة الكلمة دي معناها إيه يا ليل؟ معناها إننا بنرمي كل حمولنا وتفكيرنا وحيرتنا على ربنا،
وبنقر إن مفيش قوة في الدنيا، ولا تدبير، ولا مخرج من اللي إنتي حاسة بيه ده غير من عنده هو سبحانه.
طبطبت على كفي وكملت بنبرة هادية تريح القلب:
ـ الحوقلة دي كنز يا ليل،
بتشيل من على كتافك شتات العقل اللي إنتي فيه دلوقتي، وبتبدله بطمأنينة إن كل اللي حصل وكل اللي هيحصل هو في إيد كريم..
قوليها بيقين يا حبيبتي، وهتحسي إن قلبك هدي وبدأتي تستوعبي إن ربنا معاكي في كل خطوة.”
سكتت لحظة وهي بتدور العربية بهدوء وقالت:
ـ اذكري الله في سرك طول الطريق،
وقولي يا رب دبر لي فإني لا أحسن التدبير.. يالا بينا.
“أول ما دخلت أوضتي،
قفلت الباب ورايا وكأني بهرب من العالم كله..
السكون اللي حواليا كان بيخليني أسمع دقات قلبي وهي بتخبط في صدري بانتظام مرعب.”
” مشيت بخطوات تايهة وقعدت على طرف السرير، والديوان في حضني كأنه حاجة غالية خايفة اخسرها ”
“افتكرت كلام “هنا” عن السكينة وتفويض الأمر لربنا،
فغمضت عيني للحظة وأنا بحاول أهدي رجفة إيدي،”
” وبدأت أفتح الصفحات ببطء..
ففتحت أول صفحة بإيد بترتعش، وبدأت أفر الورق بسرعة”
” لحد ما صوابعي اتسمرت عند صفحة معينة..
صفحة مكنتش مطبوعة،
كانت مكتوبة بخط إيد أسود تقيل،
وكأن الحبر لسه منشفش.”
“الصفحة دي كان ليها ملمس مختلف، وكأنها اتفتحت مئات المرات قبل ما توصل لإيدي.”
“أول ما عيني وقعت على أول سطر،
ملامحي اتخضت تماماً..أنفاسي اتخطفت
وصدرى بدأ يعلى ويهبط بذهول مرعب ”
“والديوان وقع من إيدي على الأرض وهو مفتوح على نفس الصفحة”
“فضلت مكانى.. مبرقة للفراغ بصدمة،
ودموعي نزلت من غير ما أحس،
ولساني مكنش بينطق غير كلمة واحدة بهمس مرعوب :
ـ مستحيل !..