تحميل رواية «ملاك بوجه شيطاني (كاملة..)» PDF
بقلم آية محمد رفعت
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
عساك تعيش مع حقيقة تعرضك لخداع أحدهم، ولكن ماذا لو كنت أنت من خدع نفسك؟ ماذا لو كنت أنت الذي بدأ بإفتراض السوء لشخصٍ كان هو سبب نجاتك؟ خدعتك عينيك فصنعت ضبابها لتحجب عنك الحقيقة، ولم تعد ترى سوى الهلاوس التي أخضعها لك وساوس الشياطين التي تسعى لهلاكك... فعساك تعلم الآن بأن الملاك الذي ظننته يمتلك أجنحة ناصعة البياض ما هو الا شيطان لعين، يقفز بداخله سواد حالك سيبتلعك لا محالة.... ريثما بأن الشيطان ستجد بداخله ملاك ينجح دائمًا بالتخفي! ..... #ملاك_بوجه_شيطاني!....
ملاك بوجه شيطاني (كاملة..) الفصل الاول 1 - بقلم آية محمد رفعت
عزيزي القارئ، بالبداية واجب التنويه بأن أحداث تلك النوڤيلا حقيقية وحدثت بالفعل، وتم نقلها بناء على رغبة الفتاة (بطلة القصة) ، ولكن مع اضافة بعض التعديلات التي قد تخدم العمل...
وأخيرًا اتمنى أن تقضي وقت ممتع بالقراءة.... وأن ينال قلمي استحسانك..
آية محمد رفعت..
الفصل الأول..
محاولة جديدة لن تنقصه شيئًا، فمن المؤكد بأنه لن يستسلم بتلك السهولة التي تظنها هي، سيحاول للمرة التي تخطت حواجز ذاكرته بتذكر عددها، كل ما يعلمه بأنه سيظل يحارب حتى يحصل على قلبها النابض خلف قفصها الصدري، ما يعجز عن تقبله رفضها التام لحبه الصريح، أيعقل أن ترفض فتاة عشقٍ مازال يبوح به لها منذ التحاقهما للجامعة في السنة الأولى، وإلى الآن مازالت ترفضه بشكلٍ صريح، تنجح دائمًا بأن تخيب أماله حتى بعد محاولاته على ثلاث سنواتٍ لم يترك بها بابٍ الا وتركه، ذهب لوالدها وأخيها حتى أقربائها جميعًا، ولكن دون جدوى!
وكأن العالم بأكمله يرفض ارتباطه الصريح بها الا قلبه اللعين.. مازال يخلق التمنيات والأماني بأنها ستخضع له بنهاية المطاف، مازال يتذكر أخر لقاء جمعه بأبيها أقسم له بأنه فور تخرجه من الجامعة سيبحث عن أي عملٍ حتى يزيح حجته بهذا الشرط الغير مقبول، ولكنه أخبره بمللٍ ما يخفيه
«يا ابني هي مش عايزاك.. لا فارق معايا انك مش معاك صانعة ولا انك لسه بتدرس.. البنت رافضاك وأنت لسه مصر كل اسبوعين تيجي تقابلني وأنا مش في إيدي حاجة!»
مازالت كلماته تلاحقه كالشبح المخيف لتلاعب أوتار قلبه المرتعب من أن تكون لغيره بيومٍ ما، خاصة بأنهما بالسنة الأخيرة من الجامعة، عقله لا يستوعب بأنه لن يتمكن من رؤيتها مجددًا، فطوال تلك السنوات كان يحرص على الحضور باكرًا لأجل رؤيتها، حتى بعد أن كان يسبقها بعامٍ تعمد أن يرسب حتى يكون معاها في نفس الصف، ولم يكن بالمفاجئ له بالرسوب فمستواه كان دائمًا منخفض، ليفاجئ الجميع مجددًا بتفوقه الذي أذهل الجميع حتى أنه كان من أوائل الصف، وكل ذلك في سبيل اثارة اعجابها ولكنها الوحيدة التي لم يكن يعنيها أمره!
الجامعة بأكملها تعلم بأمر العاشق المجنون الذي قد يقترف جريمة دموية إن طال أحدهم بالنظرات تجاه ما يخصه، تعاطف معه الدفعات بأكملها الا هي لم يرأف به قلبها، تأهب بجلسته حينما رآها تهبط من سيارة الأجرة التي تقودها كل صباحٍ بصحبة صديقاتها، فنهض عن مقعد الاستراحة القريب من الرصيف ثم أسرع تجاهها، فتأففت أحدى صديقاتها بضجرٍ اتبع نبرتها المنفرة:
_اسطوانة كل يوم على وشك إنها تبدأ يا صبا.
استدارت "صبا" برأسها تجاه ما تعنيه صديقتها فوجدته يدنو ليصبح على قربٍ منها، فزفرت بحنقٍ:
_مش ناقصة على الصبح يا ربي!
وأسرعت بخطواتها وهي تشير لصديقاتها معللة:
_يلا من هنا بسرعة.
أوقفها ندائه:
_آنسة صبا.. دقيقة من فضلك.
لمعت حدقتيها بدمعٍ كاد بالانفلات عن عينيها، فتوقفت رغمًا عنها وهي تراقب أوجه المارة من حولها بحرجٍ، اقترب "مصطفى" منها فتمايل طرف خمارها الطويل ليلامس كتفيه، أغلق عينيه تيمننًا لتلك النسمة العابرة التي سمحت لحجابها الفضفاض بلمسه ولو لمرةٍ دون قصد منها، اقترب حتى أصبح يقف قبالتها فقال بهمسٍ خافت:
_أنتِ غيرتي رقمك؟
عينيها البنية كانت تفتش بأوجه المارة بخوفٍ من رؤية نظرة قد تدينها لوقوفها مع شابٍ هكذا، ولكنها مغلوبة على أمرها، فهي تعلم إن عارضته وأسرعت لبوابة الجامعة قد يناديها بصوت عال يجعلها وجهة للجميع، فربما ما يحاطهما مجموعة صغيرة عوضًا عما سيحدث هنا، تجاهلها له جعله يسرع بحديثه علها تنتبه لما يقول:
_صبا أنتي عارفة اني مش هسيبك.. أرجوكي اديني فرصة.. أنا مستعد أتغير عشانك والله.
سُلطت نظراتها الحادة عليه، وقالت بصوتٍ يكبت عصبية عظيمة حتى لا يرتفع فيصبح مسموعًا:
_أرحمني لوجه الله.. أنا معتش لقية حلول معاك.. سبني في حالي بقا الله يكرمك.
أسرع خلفها خطوتان قد اتخذتهما للفرار منه، ولكنه لم يمنحها تلك الفرصة:
_أرحمي أنتي قلبي اللي مش شايف غيرك.
قابلته بعصبية بالغة انهارت معها دمعاتها:
_الجواز مش بالعافية انا مش عايزاك.. أنت أيه مبتفهمش!
واسترسلت بصوتٍ متقطع من فرط بكائها:
_مش كفايا انك فضحتني بالجامعة كلها لسه عايز تفضحني بالشارع كمان... اعتقني لوجه الله يا أخي!
رق لدمعاتها التي جلدته بسواطٍ حادٍ، فرفع يديه وهو يشير لها:
_طب اهدي خلاص... أنا همشي بس متعيطيش.
وتركها واتجه لبوابة الجامعة وعينيه تستدير لمراقبتها بين الحين والآخر ولم تهدأ ويشتد خطاه الا حينما وجدها تزيح دموعها حينما التفت صديقاتها من حولها، أنكس"مصطفى"رأسه للأسفل حزنًا من خيبة آماله للمرة التسعة والتسعون، فاتجه لمقهى الجامعة وبالأخص للمكان المخصص له ولاصدقائه الملقبون ب"أشباح الجامعة" لما لهم من أعمال تمس المشاغبة والمشاكل التي قد تستدعي أفراد الآمن كل حينٍ والآخر، جلس مهمومًا والصمت يتراعب على وجهه، فحانت منهم نظرة خاطفة لبوابة الجامعة التي تدلف منها "صبا" وقد بات الأمر معتاد لهم، فقال أحدهم ساخرًا:
_والله ما أنا عارف عاجبك فيها أيه.. دي عادية جدًا!
أضاف الأخر بسخطٍ:
_أمال لو كانت بيضة وبعيون ملونة! دي لابسة الملحفة ليل نهار ومصدرة الوش الخشب كأنها من أيام أبو لهب!
احتقنت نظراته وكأن بندقية عينيه قد لسعتهما حرارة ستجعلها تنفجر لا محالة، فابتلع الاخير ريقه بتوترٍ جلي وأسرع بتصحيح حديثه:
_أنا أقصد يعني في بنات كتيرة بالجامعة والاهم من الجمال اللي عندهم انهم ساهلين يا عم بدل اللي طلعت عينك دي!
اخشونت نبرته التي تخبره بشكلٍ صريح:
_خليك في حالك يا عمار.. ومتتدخلش في اللي ميخصكش.
عاد بظهره لمسند المقعد بخوفٍ من تعصبه الشرس، فضغط صديقه المقرب على كتفيه وهو يشير له:
_خلاص يا مصطفى هدي نفسك.. أنت كل يوم تعمل خناق في الجامعة عشانها.
اتجهت نظراته اليه، فاضاف بنبرة شبه مستهزئة:
_عشان ست الحسن والجمال متتضايقش يا صاصا!
وجذبه تجاهه ليهمس إليه بمكرٍ بعيد عن مسمعهم:
_ما أنا قولتلك من الاول سكتها أيه.. انت اللي مش راضي تنفذ اللي قولتلك عليه!
هز رأسه نافيًا لعرضه الغير مقبول:
_لا مستحيل أعمل فيها كده... مقدرش
حاول أن يستميله تجاه مخططه، فقال:
_يا عم متقلقش دي صور متفبركة.. يعني أغلب الناس هتكون عارفة الكلام ده... بس ده الحل الوحيد اللي هيكسر شوكتها ويخليها توافق عليك.
أبعد يده عن كتفيه وهو يصيح بانفعالٍ:
_اللي يفكر يعمل كده هقطع رأسه قبل ما يعملها يا عمرو.
ختم تهديده بنظرةٍ شرسة قبل أن يغادر طاولتهم بتعصبٍ ينبض داخل أوردته، فراقبه "عمرو" ببسمةٍ ساخرة حتى تخفى من أمامه..
*****
وضعت كوب العصير من أمامها وهي تحثها بلطفٍ:
_اشربي ده يا حبيبتي هيهدي أعصابك.
أبعدته "صبا" عنها وهي تشير لها بالرفض، وقد عادت نوبة بكائها تستحوذ عليها من جديدٍ، فقالت وانفاسها تشق لتتحرر من كتمان شهقاتها:
_أنا زهقت يا شيماء ومعتش عارفة اعمل أيه عشان يبعد عني.. أنا مسبتش أي حاجة الا وعملتها.. فكرت اني اسيب الجامعة وابطل اجيها بس حرام أضيع تعبي كله عشان انسان زي ده.. اللي مهون عليا ان لسالي سنة واحدة بس وبدعي ربنا انها تعدي.
رفعت صديقتها يدها لتزيح دمعاتها عن بشرتها القمحية، ويدها الاخرى تربت بحنان على ظهرها:
_هانت يا صبا.. هانت وتخلصي منه.
ابتسمت ساخرة من وسط دمعاتها المنكسرة:
_حتى دي مش عارفة انها هتحقق ولا لا.. جوايا احساس انه مش هيسبني حتى لو خلصنا الجامعة.
وتعمقت بالتطلع إليها وهي تخبرها بما يضيق صدرها:
_أنا بقيت برفض أي عريس يتقدملي وبطلع فيه العبر عشان خوفي من ردة فعله!
واسترسلت بقهر:
_متخيلة وصلت لأيه؟
ادمعت عين "شيماء" تأثرًا بمعاناتها، فقالت بحزنٍ:
_والله ما عارفة أقولك أيه... هو اللي زرع الخوف ده جواكِ من عمايله.. مصطفى ده أساسًا معروف عنه انه بتاع مشاكل وحواراته مش بتتفض.. واللي زاد موضوعه معاكي ده!
عدلت من طرف خمارها الأسود الذي كاد بالسقوط عن كتفيها وهي تخبرها:
_مش عارفة هو عايز مني أيه.. أو أيه اللي عاجبه فيا! أنا وهو مختلفين عن بعض.. انا متدينة وفي حالي وهو دايمًا بيجري ورايا المصايب.. انا مش قادرة انسى الخناقة اللي حصلت في الجامعة من شهرين لما فتح دماغ واحد زمايلنا.. حقيقي انسان معندوش دم ولا عنده رحمة!
_فتحت دماغه عشان كان بيتكلم عنك وعينه منزلتش من عليكي!
انتفضت في جلستها بفزعٍ حينما استمعت لصوته الذكوري الذي يقتحم جلستها السرية الصغيرة برفقة صديقتها المقربة، فاستدارت بعنقها للخلف لتجده يقف على مقربةٍ منهما، حملت "صبا" حقيبتها وكتبها برعشةٍ كادت باسقاطهما أرضًا، فانحنى ليحمل كتابًا سقط جوار قدميه ثم قدمه لها، منحت يده الممدودة بالكتاب نظرة نارية، وتركته له وغادرت دون أن تعبأ به، وكأن كل ما يهمها الفرار منه، احتضن "مصطفى" كتابها بين لائحة يدها، وعينيه تراقب رحيلها بنظرةٍ يحوم حولها الوجع لينغز صدره بألمٍ إعتاد على مذاقه!
........ يتبع............
ملاك بوجه شيطاني (كاملة..) الفصل الثاني 2 - بقلم آية محمد رفعت
الفصل الثاني.
الليل يزحف بجلبابه الأسود المظلم، حتى خيم بجناحته فلم يعد هنالك سوى ضوء القمر وإنارة المصابيح المتناثرة على طرفي أعمدة الحارة التي تعج بالمارة، الضوضاء من حوله والصمت مازال يقتله من الداخل، قبع محله بشرفة غرفته لأكثر من خمسةٍ ساعات متتالية ومازال لا يشعر بالوقت، جفائها يجعل ما حوله كالغبار الذي لا يشعره سوى بالإختناق فيعجز حتى عن التقاط أنفاسه بصورةٍ طبيعية، عالمه يتوقف على كلمة منها تمنحه بها الأذن للبوح عن مشاعره التي لم تمنحه فرصة سماعها، ليته كان يتمكن من اختطافها عله يحظى بوقت اضافي يرغمها به على سماعه، انتبه بجلستها لصرير باب غرفته المزعج، فحانت منه التفاتة جانبية، فوجد والدته تقتحم غرفته، علم دون الحاجة لسؤالها سبب وجودها فقال بجفاءٍ:
_ماليش نفس.
انقشعت ابتسامتها وحلت غيمة الحزن بعينيها، فجذبت أحد المقاعد الموضوعة بشرفته، وقربتها لتجلس جواره، وقالت بحنانٍ:
_لحد أمته هتفضل على الحال ده يا حبيبي.. حرام عليك نفسك.
لانت معالم وجهه الداكن، ذو الندبة التي تحتل أعلى حاجبيه، وربما ما يميز وجهه المخيف بعض الشيء عينيه التي تشبه حبات البندق، التقط "مصطفى" نفسًا مطولًا قبل أن يخرج ما يعذب روحه:
_لحد ما ينفذ الصبر مني.. ويمكن وقتها تشفق عليا وتديني الفرصة اللي بتمناها منها.
تدفقت دمعاتها على وجهها المسن الذي يكسوه بعض التجاعيد، ومع ذلك لم تزيحها علها تستعطفه، فأمسكت يده وقالت ببكاءٍ:
_يا حبيبي أنت مش في ايدك حاجة تعملها، سبق واتقدمتلها اكتر من مرة وروحنا انا وابوك لاهلها، بس مفيش نصيب.. لازم تستوعب ان مستحيل تتجوز واحدة غصب عنها وهي رافضاك!
منحها نظرة حملت معنى القهر والحسرة، فتغلب عليه الصمت لدقيقةٍ قطعها حينما قال بشرودٍ يسحقه بتفكيرٍ مقبض:
_يمكن خايفة من الندبة اللي عندي في وشي.. أكيد محسساها اني مجرم!
بكت الأم بصوتٍ مكتوم، فمن الواضح بأنه يرفض سماع واستيعاب أي شيء قد تخبره به، فتحملت ذاك الألم الطاعن لقلبها وهي تستمع اليه يستطرد بخفوتٍ:
_أنا ممكن اقولها الحقيقة.. هقولها ان الندبة دي كان سببها ولد في ٢اعدادي هو اللي ضربني بالمطوة.. أنا كنت بحاول ادافع عن نفسي مش أكتر.. انا مش مجرم والله.
انتبه من غفلته على صوت بكاء أمه، فتألم لأجلها، جذبها مصطفى لاحضانه بوجعٍ مازال يقتص منه لما يتسبب به لمن حوله، فقال بصوتٍ يجاهد ليبدو ثابتًا لا يصاحب تأويهاته:
_غصب عني والله... أنا بحبها ومش قادر أخرجها برة تفكيري.
ربتت بيدها على كتفيه وهي تخبره بتفهمٍ:
_عارفة.. حبها غيرك للأحسن أنا وأبوك عملنا المستحيل عشان تهتم بدرستك وهي قدرت تعمل كده من غير حتى ما تتدخل!
واستكملت بصوتٍ واهن:
_كنت أتمنى إنها توافق تكون موجودة في حياتك.. بس ده نصيب يا حبيبي ولازم تتقبله... ادعي ربنا يعوضك بالاحسن منها ويعوضها بالاحسن منك.
أبعدها عن أحضانه وكأنها تفوهت بجريمة هزت عرش قلبه المسكين، تطلعت لوجهه فوجدته يبرق بحدقتيه بشرٍ، ومن ثم صاح غاضبًا وهو يبتعد عنها:
_عايزاني ادعيلها تكون مع غيري!!!
نهضت خلفه وهي تحاول تبرير موقفها:
_لا أنا بقول إنك لازم تفوق لنفسك ولمستقبلك وآآ...
قاطعها حينما اتجه لفراشه وتصنع حاجته للنوم.. فقال:
_انا تعبان وعايز ارتاح... من فضلك اخرجي.
تطلعت له بحزنٍ، فلم تعد تمتلك أي وسيلة قد تساعده بها، لذا انسحبت وتركته عله يتقبل ما لا يحتمل سماعه!
*****
انتهت "صبا" من جمع الأطباق، ثم اتجهت للمطبخ لتبدأ بغسلهم من بقالها طعام العشاء، فإذا بوالدها يناديها ويحثها على ترك كل شيء، وبالفعل تركت عنها الاطباق واتجهت للصالون، فتساءلت وهي تجفف بالمنشفة المياه عن يدها:
_أيوه يا بابا.
أشار لها على الأريكة المقابلة له:
_اقعدي يا بنتي.
انتابتها ربكة لما سيخبرها به أباها، خاصة بأنها باتت تعتاد على تخمين ما يود قوله لها، فالتقطت نفسًا مطولًا قبل أن تلقي بجسدها على جسد الأريكة، لتجده يبدأ بمقدماته المتكررة عن كل عريس يأتي به إليها ولكن تلك المرة أضاف بإصرارٍ:
_الولد كويس ومتعلم وابن حلال.. والاهم من كل ده اني عارفه من وهو عيل صغير.. وزي ما انتي كنتي حابة ان الخطوبة تستمر سنة واحدة والفرح بعد امتحاناتك يعني مالكيش حجة يا صبا.
تهدلت معالمها بيأسٍ من اللجوء لمحاولاتها التي باتت لن تجدي نفعًا بالهروب، لذا ردت عليه باستسلامٍ:
_اللي حضرتك تشوفه يا بابا.
اتسعت ابتسامته بفرحةٍ، بعدما تمكن من نيل مراده دون عناء مثل كل مرة:
_ خليكي واثقة يا صبا اني مش عايز غير مصلحتك.. الولد متربي واخلاقه عالية.. ان شاء الله يكون الخير ليكي.
هزت رأسها وببسمةٍ مصطنعة قالت:
_إن شاء الله.
ونهضت وهي تشير له بأدبٍ:
_هروح أنضف المطبخ.. عن أذن حضرتك.
أشار لها بودٍ:
_روحي يا حبيبتي..
تركته يخبر والدتها بحماسٍ عن مكالمته لصديقه ليحدد اليوم الذي سيأتي به لرؤيتها، واختفت داخل المطبخ، جذبت "صبا" كوبًا من المياه الباردة، ارتشفته مرة واحدة عله يسكن نيران صدرها المهتاجة، لا تعلم لما يتنابها خوفًا مبالغ به مثل كل مرة يتقدم شابًا لخطبتها، وضعت الكوب عن يدها وهي تعنف ذاتها بحديثها المنفرد:
_انا هفضل خايفة منه كده لحد امته.. انا لازم أعيش حياتي واختار الشاب اللي يناسبني.. هو مش هيتحكم فيا!
وبدأت بجلي الاطباق وهي تردد بعض الأذكار ولسانها لم يتوقف بالاستغفار والتسبيح مثلما اعتادت..
*******"
لم ترأف به حتى بأحلامه، رآها تمنحه ابتسامة خفق قلبه طربًا لها، وكأنه يشفق لحاله فيجاهد لزرعها بمخيلاته حتى وإن كانت تمنحه حبها بخيال أحلامه الوردية، فتح"مصطفى "عينيه ومازالت ابتسامته محفوفة على طرفي شفتيه، فدث يده اسفل وسادته وأخرج تذكارها الغالي، احتضن الكتاب الذي يخصها بحنان عجيب، حتى أنه كاد بتصفح صفحاته بحبٍ يلمع لرؤية خطها المنمق، فإن كان يعشق كل ما يخصها حتى ما تدونه يدها فإلى أي حد ستصل درجة حبها بداخل أوردته اذن؟
ظل مستيقظًا على فراشه حتى سطوح شمس اليوم التالي، وغمس آذان الفجر، فاحتضن كتابها بين يده وهو يردد بتمني:
_بحبها يا رب.
وانكس رأسه لتتحرر دمعات عاجزة كحاله البائس، نهض"مصطفى" عن سريره ثم اتجه للحمام الملحق بغرفته، فتوضئ وذهب ليلح على ربه بطلبها، ربما لا يداوم على الصلاة مثلما تفعل هي، ولكنه يجاهد ويبذل قصارى جهده لأن يصبح مثلها بيومٍ ما، انتهت اولى ركعاته ومع ثانٍ ركعة له أطال بالسجود وهو يناجي ربه بما أصبح علنًا للجميع فقال:
_يا رب تكون من نصيبي.. مش هستحمل انها تكون لغيري ولو ده حصل لقدر الله أقبض روحي قبل ما عيني تشوفها مع راجل تاني... يا رب اعمي عيني عنها لأني كل ما بشوفها بتعلق بيها أكتر وأكتر..
تقهقهرت دمعاته لتلامس سجادة الصلاة، فتابع وهو يتأوه من ذاك الألم الذي يطعن صدره بقسوةٍ:
_يا رب لو مش هتكون ليا إنزع محبتها من قلبي!
ونهض تلك المرة ليستكمل صلاته إلى أن انتهى، فحتى بصلاته استحوذت على دعواته باكملها مثلما تستحوذ عليه!
*******
على الرغم من أن يومها ممتلئ بالمحاضرات الهامة الا أنها لم تحبذ الذهاب للجامعة اليوم، يكفيها بأنها ستجمع المحاضرات من صديقتها "شيماء"، أردت أن تبتعد تلك الفترة عن الجامعة حتى يتم موضوع خطبتها على خير، بعيدًا عن أعينه، ظلت بالمنزل ثلاث أيام وطوال تلك الأيام كانت تتلاقى رسائل على صفحتها الشخصية من صفحاتٍ مجهولة، وحينما فتحتها علمت بأنه هو، فكان يكتبلها
«مش بتيجي الجامعة ليه؟
طمنيني انتي كويسة؟
أرجوكي ردي برسالة واحدة بس انك بخير!!»
سئمت من حظر عدد مهول من الصفحات المنشأة حديثًا، وأخرهم كانت رسالة جعلتها تبتسم بسخريةٍ على هذا الأحمق المجنون
«أنتي زعلانه مني صح.. صدقيني معتش هكلمك قدام أي شخص.. أنا آسف... ارجعي الجامعة وأنا وعد مش هضايقك تاني!...»
أنهت مهزلة الرسائل التي لا حصر لها حينما أغلقت صفحتها لتحظى ببعض السكينة والهدوء، فمازالت تستعد هي ووالدتها للغد، بعدما حدد والدها مع العريس بالقدوم غدًا لرؤيتها، حملت" صبا" سلة الملابس المبللة وعقدت خمارها الطويل ثم خرجت لتوزعها على الأحبال، وإذ فجأة تهدمت معالمها الهادئة حينما وجدته يقف قبالتها بالأسفل، يتمعن بالتطلع إليها ليتأكد بأنها على ما يرام، ابتعدت عن السور الحديدي برعبٍ قرأه جيدًا، فهرولت للداخل ومازال هو بالخارج يراقب مكانها الفارغ بنظرة حزينة، يحدثها من مسافة ألف ميل وقلبه قريب لا يبالي بابتعادها!
يناجيها بشوقٍ حتى وإن وجد الجفاء يصده..
«حبيبتي لماذا أرى الخوف يرتاع بمقلتيكِ حينما تريني؟
أتظنيني قد أمسك بالسوء وكل ما اتمناه هو أنتِ.. أقسم لكِ بأنني على أتم الإستعداد بأن أضحي بحياتي لأجلك أنتِ.. تريني أحمقًا وما أنا الا عاشق متيم بحبكِ، وإن كنت مجنونًا فوالله قد جن قلبي بلوعة عشقكِ..»
أخفض عينيه عن شرفتها وغادر بصمتٍ يمزقه من الداخل قبل أن يطول معالمه، بينما هي جاهدت لاخفاء الخوف والتوتر الذي انهال ليبتلعها دون رحمة، خشية من أن يعلم أبيها بالأمر فيخلق المشاكل بينه وبين ذلك البلطجي المخيف مثلما تراه!
*******
ملاك بوجه شيطاني (كاملة..) الفصل الثالث 3 - بقلم آية محمد رفعت
الفصل الثالث.
كان يومًا طويلًا مملًا بالجامعة دون رؤياها، تلك اللحظة التي تحتضن عيناه طيفها كانت تمهل قلبه التعيس بالتعايش وتحمل تلك الآوجاع التي تضربه في مقتلٍ، تلك الهفوة كانت كفيلة بتطيب جروحه بأكملها، ولكن حتى تلك اللحظات القليلة بخستها وقطعتها عنه، فبات كالضائع الذي هجر منزله منذ عشرون عامًا، كاللاجئ الذي لا ينتمي لأي وطنًا ولا لأرضًا، فكيف سيهاجر وقلبها وطنه!
جلس "مصطفى" بالمقهى الجامعي، يتابع المارة بشرودٍ تعيس، وكأن لا وجهة له سوى تضيع بعض الوقت قبل عودته للمنزل، زفر بنفورٍ حينما وجد أصدقائه الثلاث يقتربون ليلتفون بالمقاعد من حوله، فباغته "عامر" بنبرةٍ ساخرة لا تغادر لسانه السليط يومًا:
_أيه يا عم روميو.. مفيش في الجامعة حديث غير عن حالة الحزن اللي داخل فيها بسبب الغندورة ولا أيه!
تطلع إليه "مصطفى" بصمتٍ قاتل، فأضاف صديقه الأخر "عمرو":
_يا صاصا قولتلك فكها شوية وشوفلك مزة تانية.. دي قفل!
وقال ثالثهم وكان يدعى" عثمان":
_انا اللي هموت وأفهمه انت شايفها من أي اتجاه!
وحانت منه نظرة جريئة لفتاةٍ تخطو من جوارهم، بملابس متحررة تكشف ساقيها وجزءٍ من ذراعيها، تاركة العنان لخصلاتٍ شعرها الطويل يتمايل خلف خطواتها المتغندجة بميوعةٍ تتعمد لها، فاسترسل حديثه وهو يلتهمها بنظراته:
_فتح وبص حواليك.. هتعرف انك ظالم جنس الحريم بعشماوي اللي متعلق بيها دي!
حمل مفاتيح دراجته النارية، ثم جذب محفظته السوداء وقبل أن يغادر مجلسهم الخبيث قال:
_انتوا مبتحبوش غير البضاعه الرخيصة اللي الف إيد لوثتها... انا ممكن أكون عملت كتير في حياتي غلط لكن دي الحاجة الوحيدة النضيفة اللي دخلت قلبي وحياتي ومستحيل هدنسها بكلامكم.
وتركهم وغادر على الفور قبل أن ينشب بيهم شجارًا قد يدينه نقطة إضافية بصفحته التي كادت بالميول للون الأبيض الناصع، غادر بدراجته وهو لا يعلم إلى أي وجهة يتجه، قاد دراجته بالشوراع لعدة ساعات، وحينما التاع قلبه شوقًا لرؤياها تعمد أن يمر من شارعها الجانبي، عله يلمحها مثلما تمكن من رؤيتها بالأمس، نغز قلبه بألمٍ حاد، وكأن نصل سكين نجح بالإيقاع به حينما استمع لصوت الزغاريد يعلو بداخل شقتها، وبالأخص من غرفة الضيوف التي سبق ودخلها أكثر من مرةٍ، بات يصبر نفسه بأنها ليست هي العروس المنشود، ربما تكون أختها الأصغر سننًا عنها، ولكن بعرفنا قلة من تتزوج قبل الكبيرة، إذن هناك احتمال تسعون بالمئة بأنها هي، وعلى الرغم من ذلك تمسك بالعشرة القليلة علها لا تكون هي، لمعت بندقية حدقتيه بالدموعٍ حينما سأل أحد جيرانها، فأخبره الرجل بتلقائيةٍ:
_النهاردة قري فاتحة صبا بنت الاستاذ محمد.. بنت طيبة وتستاهل كل خير.. ربنا يتمم عليهم بخير يا رب.
لم يستمع باقي كلمات الرجل المسن، يكفيه نطقه لاسمها، شعر بأن جسده يتمايل وكأنه ابتلع جرعة من المخدر لا ربما ذاك تأثير سمًا قاتل ابتلع جرعته فور سماعه لأبشع كوابيسه الذي تمنى أن لا تتحقق يومًا، كاد بالسقوط للخلف لولا يد الرجل التي تلقفته وهو يتساءل بقلقٍ:
_أنت كويس يا ابني؟
اكتفى بهز رأسه، وهو يعاود بالانتصاب بوقفته البائسة، وتركه واتجه لدرجته بخطواتٍ غير متزنة بالمرة، حتى انه كاد بالتعثر أكثر من مرةٍ، جلس على دراجته ثم دارها وقبل ان يغادر، رفع رأسه لشرفتها عاليًا وقد تمكنت دمعاته من التحرر من مقبض رجولته أخيرًا، ولسانه العاجز يردد بتثاقل:
_ليه؟
كل مرة كانت تنجح بافشاءٍ جرحٍ بداخله أكبر من السابق، وكان يحتمله بصدرٍ رحب، ولكن تلك المرة اصابته في مقتل، وهو على ثقة بأنه لن يستطيع النهوض مجددًا، يعلم بأنها ليست الملامة فهي لا تكن له أي مشاعر سوى الكره والحقد، هي مثل اي فتاة ملتزمة لا تحبذ وجود أي علاقة تربطها بأي رجل، وهو لم يطلب منها سوى فرصة بأن تقبل بخطوبة اولًا وإن لم ترتاح لذلك فسيحررها بنفسه، الأمر برمته لا يعتمد على القصر والقوة لاخذ مبتغاه، فاضاف للائحة صبره صبرًا وترقب لحظة أن يميل قلبها إليه ولو قليلًا، وبالنهاية لم يحقق أي شيئًا من انتظره الممل، غادر واتجه للمنزل، وسرعان ما ولج لغرفتهو، وقبل أن تدلف والدته من خلفه أسرع بقفل المقبض من خلفه، واتجه للمرآة المطولة التي تكتسح أحد حوائط غرفته، وقف قبالتها وهي يتطلع لانعكاس صورته بنفورٍ، تأمل الندبة التي تحتل جانبه الأيسر من الاعلى باشمىزازٍ، وظل يردد بجنونٍ:
_أكيد دي السبب.. أكيد دي اللي كرهتها فيا وخوفتها مني!
وصاح بصوتٍ جمهوري وهو يجذب المزهرية ويحط المرآة:
_دي السبب.
تهشم زجاج المرآة عدة أجزاء تناثرت على أرضية الغرفة مثل حال قلبه، خرت قواه وسقط جوارها يبكي كالطفل الصغير، ووالديه بالخارج يحاولان اقتحام الغرفة بكل ما يمتلكان من قوة، وبالأخير تحرر المقبض نتيجة لاندفاع اجسادهما تجاه الباب بكل عنفوانٍ، فاتجهت والدته إليه راكضًا وهي تحتضنه بدموعٍ شقت وجهها الحزين، وصوتها الحنون يهمس:
_يا كبد أمك يا ابني.
بينما تساءل أباه بقلقٍ:
_أيه اللي حصل؟
رفع عينيه الدامعتان إليه وهو يردد:
_صبا هتتجوز.
ارتخت معالمه ليحلاهما التعصب الشديد، فقد فاض به تحمل المزيد من جنون ابنه الوحيد، فانفجر صارخًا به:
_ما تغور يا أخي... فوق لنفسك بقااا نعمل أيه تاني عشان سيادتك تكون راضي عننا.. روحت لابوها بدل المرة أربع مرات.. فاضل اوطي على إيده وأبوسها عشان يرضى يجوزهالك.. أنت حقيقي مبقتش طبيعي!
وتركه وغادر دون ان ينبس بكلمةٍ واحدة، فأغلق عينيه تأثرًا لكلمات أبيه التي زادت من حجم جرح قلبه..
*******
تم الإتفاق بين كلا الاطراف بأن يكتفي كلًا منهما بقراءة الفاتحة وليؤجل الزواج وعقد القران لحين تنتهي صبا من امتحانات السنة الدراسية الأخيرة، وذاك لاقتراب امتحانات الصف الدراسي الثاني، رغبة من والدها أن تركز باختباراتها، وبالفعل تم قراءة الفاتحة على ما تم الاتفاق عليه، لتصبح الآن بمثابة خطيبته، وهي الآن تجلس بغرفتها بعد ان غادر الجميع، كانت تشعر بالفرحةٍ بعد أن شعرت بالارتياح للعريس المتقدم لخطبتها، يكفيها بأنه متدين وهذا ما ترغب به، تمددت "صبا" على فراشها لتستعد للنوم، فوجدت هاتفه يعلن بصوته الهادئ عن رسالة على حساب الواتساب الخاص بها، وجدتها صديقتها تخبرها
«صبا الدكتور مشدد أن ممنوع الغياب بكره، لازم تيجي الجامعة.»
ارتعب قلبها فور سماعها بضرورة الذهاب للجامعة التي عادت السكينة إليها حينما توقفت عن الذهاب إليها بالأيام الاخيرة، ضاق تنفسها وكأنها تذهب لأمقت مكان قد تستعد للذهاب إليه، كونها ستراه هو الاحتمال الأسوء بالنسبة لها، ومع ذلك ليس هناك مفر من ذلك!
*******
كان يعلم بأمر الدكتور الجامعي الذي شدد بضرورة حضور جميع الطلاب، فعلم بأن صديقتها ستخبرها بالأمر، لذا لم يفوت تلك الفرصة وكان أول الحضور، فجلس وعينيه تراقب الباب الذي سيلامس طيفها فور دخولها، فما هي الا دقائق معدودة حتى ولجت للداخل بصحبة صديقتها، كانت تتجه للداخل بخطوات متهدجة وكأنها تود بالتراجع والفرار، فجلست بالمدرج الأول حتى لا تتمكن من رؤيته، فقد عقدت العزم بحضور المحاضرة الاولى الخاصة بالدكتور ومن ثم ستغادر على الفور، وبالفعل دونت خلف البروفيسور معلوماته الهامة الذي ود منحها لهم قبل اقتراب الامتحانات، وما أن أعلن انتهاء المحاضرة وغادر حتى أسرعت خلف البنات لتغادر، فشعرت بقبضة قوية تحيط براسغها، استدارت "صبا" للخلف لتجده يقف قبالتها، فصاحت به بانفعالٍ:
_انت مجنون سيب ايدي.
صراخها جعل معظم الطلاب ينتبهون إليهما، فكفوا عن الخروج وظلوا محلهم يراقبون المحاضرة التي باتت حديث الجامعة بين روميو وجوليت، رد عليها مصطفى بعصبية بالغة:
_كنتي رافضاني طول الفترة اللي فاتت دي عشان تتخطبي لعريس الغفلة؟
جحظت عينيها بصدمةٍ لعلمه بالأمر، فلم تخبر أحدًا إلى الآن، كبتت خوفها بمزيد من الشجاعة الزائفة، فناطحته بعندٍ:
_وأنت مالك؟ أنت كنت الواصي عليا.. أنا اخترت اللي حسيته مناسب ليا، بني آدم محترم وعلى خلق مش ماشي يبلطج على خلق الله!
ازداد من غرس أظافره بيدها، فتأوهت ألمًا والبكاء بات يسيطر عليها، فتداخلت صديقتها تدفعه للخلف وهي تحذره:
_أبعد عنها والا والله العظيم اناديلك أمن الكلية أو حد من الادارة.
اندفعت بعض الطالبات للدفاع عن زميلتهم، حتى بعض الشباب الصالحين لم يقبلوا بما يحدث هنا، وبالفعل نجحوا بتشكيل حاجز بشري بينهم، حتى أصدقائه الثلاث تدخلوا ليمنعوا الشباب من إلحاق الآذى به، فحاولوا دفعه للخارج فصاح بصوتٍ عالٍ لتتمكن من سماعه:
_ماشي يا صبا... شوفي مين هينجدك مني.. أنتي مش هتبقي لغيري مهما حصل سامعاني.
وأكد على جملته مجددًا بصوتٍ رج الجامعة بأكملها:
_مش هتكوني لحد تاني... سامعاني يا صبــا!
كلماته ختمت آذانها بصقعة رعدية كادت باصابتها بالصم، جسدها بات هزيل بين أيديهم فعاونها على الجلوس على الاريكة المطولة، انفجرت بالبكاء الذي لاقى شفقة البعض منهن، لا تعلم بتلك اللحظة بالتحديد أي ذنبٍ إرتكبته حينما رفضت الغير مناسب لها واختارت ما يناسبها!
وُلد بداخلها الخوف مجددًا، ولكن تلك المرة ازداد أضعافًا مما ينوي ذلك البلطجي فعله، انصاعت صبا ليد شيماء التي أجبرتها على الخروج ومن ثم استلقوا سيارة أجرة وغادروا معًا بعيدًا عن الاضطراب الحادث بالجامعة، فاتجهت لاحد المطاعم التي اعتدن البقاء بها بين المحاضرات.
******
أبعد أيدهم عنه بغضبٍ شديد لحق نبرته:
_إبعدوا عني!
تركوه ليتحرر من قبضتهم، فقال عامر بضيقٍ:
_قولنالك علم عليها عشان تحرم ترفع رأسها قدامك أنت اللي مخك تخين ومبتفهمش!
اتجهت نظراته الغاضبة إليه وصاح باندفاع:
_هتكون ليا يا عامر وهتشوف.
وتركهم وغادر فتأمل "عثمان" رحيله بنظرة ماكرة اتبعها حديثه الغامض:
_مصطفى ناوي على الشر، واحنا لازم نمهدله الطريق يمكن ينوبنا من الحب جانب!
علت البسمة الخبيثة وجوه الثلاث، وكلًا منهم يرسم مخطط دانيء للاحداث القادمة على يديه!
*******_____*******
ملاك بوجه شيطاني (كاملة..) الفصل الرابع 4 - بقلم آية محمد رفعت
الفصل الرابع..
مازالت يدها تحتفظ بعلامات أظافره، وكأنها تتعهد بأن تذكرها بحديثه ووعده المخيف، حُرمت من أن تعيش حياتها بصورة طبيعية، كأي فتاة ترتبط حدثيًا بخطبة جمعتها بشخصٍ تود استكشاف شخصه قبل أن يصبح زوجها رسميًا، فقدت رغبتها بالحياة بأكملها، وباتت تحسب الأيام المتبقية لها بالجامعة لتحظو بنجاةٍ آمنة بعيدًا عن هذا البلطجي ذو الوجه الشيطاني، عساها لا تعلم بأنه سيكون الملاك الحارس لها من تلك اللعنات القاتلة التي ستواجهها، باتت تعد خطواتها جيدًا، وتختار أيام ذهابها للجامعة بعنايةٍ، إلى أن مضى على ذهابها للجامعة أسبوعًا كاملًا ولم تشهد فيهم أي مما يضيق صدرها، والغريب لها هو عدم رؤياه فمنحها الشعور بالسلام بأنه لربما استسلم وتقبل بالأمر، وباتت تقضي وقتًا أطول برفقة صديقاتها بالجامعة، حتى وإن كان بداخلها همسات خافتة من القلق والرعب تجاه ما قد يفعله، وخاصة بعد انتشار تلك الحادثة الشهيرة التي تخص "نيرة" الحادثة التي هزت كيان العالم العربي بأكمله ووسائل التواصل الاجتماعي، باتت تربط مصيرها بها، خشيت أن تكون نهايتها على يديه ولن يتوصى هو بذلك، فلطالما كانت تعانده ولم تترك فرصة الا وأهانته بها، ولكن عدم رؤيته بالجامعة منحها نوعًا من السكينةٍ..
انتهت "صبا"من جمع كتبها، فحملتهم واتبعت صديقتها" شيماء" بالخروج بعد الانتهاء من الكورس، وقفت الفتياتين بالخارج يتبادلان الحديث، فاقترحت شيماء عليها:
_الساعة لسه ٧ تعالي نتمشى شوية يا صبا.
أجابتها بتعبٍ بدى على ملامحها المجهدة، بعد يومًا طويلًا:
_مش قادرة والله يا شيماء... أنا يدوب أرجع أغسل وأصلي وهنام على طول.. اليوم النهاردة كان صعب من الجامعة للكورس وبعدين يدوب الحق ارجع قبل ما الدنيا تليل أكتر من كده عشان حتى القى مواصلات.
لم تحبذ أن تضغط عليها والارهاق على معالمها يخبرها بما تشعر به، لذا ودعتهت بابتسامة مشرقة:
_خلاص يا قلبي... أشوفك بكره بإذن الله.
بادلتها البسمة وهي تشير إليها بمحبةٍ وامتنان لتفهمها الأمر، وافترقتا الفتياتان بوجهتهما، غادرت كلًا منهما باتجاه معاكس للأخر، بحثًا عن سيارة أجرة تقلهما لمنزلهما..
قضت "صبا" أكثر من ثلاثون دقيقة تبحث عن حافلة تنقلها للمنزل، وحينما لم توفق بحثت عن سيارة أجرة الخيار البديل لها، ظلت محلها لدقائقٍ أخرى وحينما لم تجد قررت أن تمر من الشارع الجانبي حتى تصل للشارع الرئيسي المتفرع بالناحية الشمالية، فاتخذت أحد الشوارع الجانبية وحينما أصبحت بمنتصفه شعرت بحركةٍ غريبةٍ تتبعها، انقبض قلبها وباتت ضرباته كدفوف المعارك، فاحتضنت كتبها بين ذراعيها وكأنها تستعد للفرار من تلك الهلاوس التي تطاردها كلما اشتد الصوت، وقبل أن تسرع بخطواتها لتلوذ بالركض كانت أنفاسها تسلب منها رويدًا رويدًا، حينما اندفع جسد رجالي من خلفها يشل حركتها بتحكمٍ، وقبل أن تقاوم أو حتى تصيح لأن ينجدها أحدًا، وجدت من يقترب منها ويقرب قطعة من القماش الأبيض لأنفها، كانت ملامحه مبهمة لها بذاك الضوء الخافت، فحاولت أن تحرر لسانها الثقيل من خلف مرقده ولكنه لم يكن الوحيد المنصاع لتخديرها السريع، فحتى جسدها وقع فريسة صائغة للمخدر الذي استحوذ عليه، فانهارت بين يد خاطفها فاقدة للوعي، وأخر ما التقطته عدستها صورة للسيارة الملاكي التي حملتها وانطلقت مسرعة بعيدًا عن منطقة الاسكان، وخاصة بنواحي الأراضي الزراعية الغير مؤهلة لوجود حياة سكانية على أرضها، وكأن مصيرها المجهول فرض عليه أن يكون قرار مصيري بذاك المكان الذي سيكن قالب للمواززين... يملك قدرها بين أجنحة ليله المظلم، وسواد ضي قمره المعتم، وفحيح أصوات الكلاب والضفادع المقبض، هنا مصيرها مؤجل، عله بين يد من ظنته ونعتته دائمًا بالشيطان!
******
عاد هاتفه لضجيجه مجددًا، وتلك المرة لم تكن الأخيرة، مرة تلو الأخرى وكأن المتصل يحمل له خبر نهاية العالم، وبالرغم من ذلك مازال مصر على عدم الرد، وخاصة حينما رأى إسم المتصل، وذلك لم يخلق استسلام لمن يحاول التواصل معه، فأرسل له رسالة نصية، فتحها الاخير وقرأها بفتورٍ
«في موضوع مهم لازم تعرفه... هبعتلك العنوان تعالى حالًا.. صدقني الموضوع يهمك!»
إتكأ "مصطفى" على فراشه بمللٍ، ومع ذلك لم ينال آماله بالرد على المتصل، ألقى هاتفه بإهمال على الفراش وهو يتمتم بسخطٍ:
_عايز أيه ده كمان.. ناقصك أنا!
واسند رأسه على حافة الفراش ليسترخي بجلسته وهو مغمض العينين، فعاد هاتفه ليزعجه مجددًا، فحمله وهو يجيب بتعصب كاد بكسر الهاتف بين يده:
_عايز أيه!
اتاه صوت عثمان يجيبه:
_الموضوع اللي عايزينك فيه مينفعش في التليفون... تعال حالا والا هتندم.
وأغلق الهاتف ثم قام بإرسال الموقع لهاتف "مصطفى" ، فجذب ملابسه وارتدائها على مضضٍ، وهو يقسم إن كانت مجرد مزحة أو مقلب سخيف سينال منه حتمًا، فحمل مفتاح دراجته النارية وانطلق للموقع المرسل له.
********
تملكته الحيرة والدهشة من الطريق الشبه منعزل الذي سلكه اتباعًا للموقع، لوهلةٍ ظن بأنهم يرتبون لسرقته وقتله هنا دون أن يدري به أحدًا، فابتسم ساخرًا مما يتوغل بعقله، فاصدقائه الثلاث من ذوات الطبقات المخملية، ليسوا بحاجة لدراجته المتهالكة ولا لما يحمله بمحفظته من مبلغٍ باخسٍ، لذا تابع طريقه على أملٍ أنه ولابد من أن هناك أمرًا هامًا مثلما ذكر عثمان، وأخيرًا وبعد طول الطريق تمكن من الوصول للنقطة المشار إليها الموقع، هبط "مصطفى" عن دراجته ثم اقترب مشدوهًا مما يرأه، حيث كان يتوسط أحد الأراضي الذراعية دوائر من القش الخشن وأعمدة الخشب مصفوفة فوق بعضها البعض فصنعت فجوة مغلفة كالغرفة، ومن خارجها عدد من دوائر القش تتشكل على هيئة مقاعد حيث يعتليها اصدقائه الثلاث، يحتمون بنيران الأخشاب الصغيرة التي قد شعلوا بها النار لتمنحهما الضوء في وسط هذا الليل الكحيل، تنقلت نظرات مصطفى المتفحصة على وجوههم، فالتقطت ما يحملوه من زجاجاتٍ من الخمر، ودون أن يدقق بالتفاصيل أكثر من ذلك، سألهم بوضوحٍ تام:
_خير.. عايزني في أيه؟
ضحكوا جميعًا بمكرٍ مخيف، فأزاح احدهم حبات الخمر المتناثرة على شاربه الصغير وهو يجيبه:
_انا اللي طلبت من عثمان انه يرن عليك.. لاني ميخلصنيش ان تفوتك اهم لحظات حياتك.
ضيق عينيه بعدم فهم:
_لحظات أيه... أنت شاكلك شارب ومش في وعيك وانا روحي في مناخيري ومش طايق حد.. عن اذنكم.
وكاد بالمغادرة، ولكنه توقف حينما نهض عامر ليقترب منه بخطواتٍ شبه مترنحة وهو يردد:
_قولتله بلاش نرن على مصطفى ونقوم احنا بالليلة بس عمرو مصمم انك تكون أول واحد يخش على المحروصة... لزوم جو العشق الممنوع اللي كنت عايش فيه طول السنين اللي فاتت دي..
عجز عقله عن ربط ما يخبره به هذا المخمور، وإن تسنى له بأن ما يفكر به صحيح كان قد فقد عقله بتلك اللحظة، فلم يعبئ بحديثه لانه أكثرهم تيهة وأكثر من تناول الخمر، لذا سأل عثمان بجدية:
_بيقول أيه ده أنا مش فاهم حاجة؟
دنا منه الاخير بنظرة شيطانية تلهو داخل جحيم عينيه، وغمز بعينيه تجاه الغرفة الصغيرة المقابلة لهم:
_قررنا ناخد بتارك... حبيبة القلب متربطة جوه.
جحظت عينيه بصدمة جعلته عاجز كليًا عن الحديث، وخاصة حينما نهض عمرو واقترب منه ليضع يده على كتفيه الاخر وهو يخبره:
_عشان تعرف اني صديقك الصدوق مخلتش حد فيهم يقربلها الاول غيرك.. بس وحياة ابوك تنجز عشان زي ما انت شايف في غيرك تلاتة!
واضاف عثمان بصوت كفحيح الافاعي:
_عندنا فضول نعرف ايه المستخبي تحت الخمار يا خدع!!
وكأنه أصيب بصاعقة خطفت حواس جسده للاسفلين، فقد القدرة على الحديث.. الحركة.. كل شيء فقده، انصاع مصطفى خلفهم حتى ولج للغرفة التي اختصوها للحديث، فسقطت عينيه على تلك التي تتوسط سرير صغير مصنوع من القفص الخشبي، يديها مربوطة معًا بأعمدة من الخشب وقدميها منفصلة عن بعضها البعض برباط يمنعها من ان تضمهما معًا لحماية عفتها، ناهيك عن وجهها الممتلأ بالكدمات والدم الذي يسيل من فمها المكمم، وما يؤلم القلب ميول رأسها تجاه يدها التي تحاول اخفاء خصلات شعرها المتدلي من خلف خمارها الملقي من خلفها بفوضوية، وألف آه تكلم القلب لرؤية تلك الدمعات المتدفقة كنيران تتحرر عبر خندق من جحيم مستعار، اهتز جسد مصطفى الفاقد للحس على دفعه يد عثمان وهو يشير له على الكاميرا المنصوبة باحد اركان الغرفة ولجوارها كشاف ضخم يكشف جميع جوانب الغرفة كأنها قاعة سينما تتاح لما بداخلها للمشاهدة، فأشار له بغمزة حقيرة:
_لا الكاميرا دي لزوم الدلع والذكريات.
واتجه للخارج فاتبعه عمرو وهو يشير له وعينيه تتابعها برغبة لعينة:
_احنا بره.. انجز.
وتركه وغادر ليغلق من خلفه ذاك الباب الخشبي الذي يلحق به بالكد وكأنه يعود لآلآف الاعوام، ليت جسد مصطفى خنع له مثلما خنع الباب لزقة يد عمرو، وأخيرًا عملت حواسه بشكلٍ منتظم، فانخضعت دمعة من عينيه وهو يحاول تقبل ما يحدث هنا، ركض بكل سرعته تجاه السرير، فابتعدت "صبا" برأسها للخلف وهي تحجر عينيها بدموع تمزق نياط القلب، وضع يده على خدها وهو يردد بهستريةٍ وكلمات متلاحقة تدافع عنه وعن اسطورة حبه المقدس:
_أنا وقسمًا بالله ما أعرف باللي بيعملوه الكلاب دول.. والله العظيم ما أعرف حاجة.
أجبرها على التطلع له وهو يسترسل بدموعٍ:
_انا اتفاجئت حالا قدامك.. صبا بوصيلي انا عمري ما أفكر أني أذيكي أقوم أعمل فيكي كده!!
واسترسل بدمعاته الحارقة:
_انا ما اتمنتش اشوفك من غير حجابك حتى في أحلامي! ... انتي طول عمرك صورة نقية بالنسبالي ومحافظ عليها حتى بيني وبين نفسي.
إنخفض اصبعه ليزيح دمائها المنسدلة من فمها وهو يخبرها بتشدد:
_أنا مستحيل هسمح لمخلوق إنه يأذيكي حتى لو كان بطلوع روحي..
استعطفته نظراتها وكأنه القشة التي تستنجد به، رأها تتوسل بنظرة احتضنت بؤبؤ عينيه بأن ينجدها من هؤلاء الشياطين، عله الآن ملاكها الحارس المتمسد بوجهه الشيطاني، ها هو الآن يمنحها أجنحته لتطير بعيدًا عن ملجئ الشياطين، هو بذاته من أقسم لها بحمايتها من شر ظنته هو من أوقع بها انتقامًا منها.
أسرع مصطفى بحل وثاق يدها، ثم أسرع لقدميها يحل وثاقها، فنزعت صبا عنها الرباط الذي يحيل بفمها، وحينما كادت بالنهوض من الفراش وجدته ينحني ويجذب خمارها الذي سقط عنها، قدمه لها وعينيه لا تفارق الارض، ليتها كانت بحالة غير التي بها الآن كانت ستحسب كل ذلك بداخل عقلها الأحمق، التقطته منه وارتدته باهمال، ثم لحقت به فوجدته يشير لها بالوقوف خلفه، بينما فتح هو الباب وأخذ يراقب ما يحدث بالخارج، فوجد عامر يتسطح أرضًا ويبدو بأنه فاقد ادراكه تمامًا بينما كان عثمان وعمرو يجلسون بالخارج ويبدو بأنهم مازلوا يمتلكون قوتهم لمنعه من ان يساعدها، حاول مصطفى التفكير سريعًا فلم تكن تلك اول مشاغبه ولكن حرصه الشديد الآن أن تغادر صبا ذلك المكان بأمانٍ وليحتمل هو عواقب تصدره له، حانت منه نظرة متفحصة لارجاء الغرفة، فوجد فأس متوسط الحجم بأحد جوانب الغرفة، جذبه بهدوءٍ ثم عاد يقف جوارها خلف باب الغرفة بالتحديد، فأشار لها بأن تقترب لتستمع لما يود قوله لها:
_هتروحي تقفي بالجنب ده ولما اشاورلك تجري على بره.. واوعي ترجعي هنا أو توقفي... اجري على بره سمعاني..
انسدلت احدى دمعاتها على خديها، فجاهدت لخروج صوتها المبحوح:
_وانت؟
خلق قلبه قصة عتيقة من عشقها فور سماعها لكلمتها المختصرة، ولكنه اجابها بصلابة:
_مالكيش دعوة بيا يا صبا انا هعرف أتعامل وأخلص نفسي... انفدى بروحك قبل ما يأذوكي...
هزت رأسها عدة مرات بخوف ورعشة جعلتها تعيش أسوء لحظات عمرها القصير، وبالفعل إشرأب مصطفى برأسه وهو ينادي بعجلةٍ:
_عثمـان... تعالى عايزك.
ردد بذهول:
_في أيه؟!
بينما تعالت ضحكات عمرو ليشير له باستهزاءٍ:
_قوم شوف ماله؟ شكله محتاج درس محترم.. وعاملنا فيها حريف!
نهض عثمان ليتجه للداخل وهو يتساءل بحيرة:
_خير يا شبح؟
وما أن استدار حتى تلقفه الفأس فجعل سيل رأسه يغزو كالنفورة، فصاح بتأويهات جعلت عمرو يندفع تجاههم كالثور الهائج، ليدفع مصطفى بلكمة حادة اصابت أنفه الذي نزف بغزارة، وصاح به بغضب:
_ده جزاتي اني خليته يكلمك.. انت مستحيل هتتغير وتستاهل انها تعمل فيك أكتر كده.. انا بقى هوريك اللي زي دي بتتعامل معاها ازاي.
وتركه ينزف بغزارةٍ ثم أسرع تجاهها، ارتجف جسد "صبا" رعبًا لما قد تعيشه هنا، وخاصة حينما جذبها عمرو عنوة ثم انهال عليها بالصفعات وهو يحاول أن يمزق عنها فستانها، حاولت دفعه بعيدًا عنها ولكن فرق الاجساد كان واضحًا، وفجأة شعرت بجسده الثقيل يتهاوى عنها ووجدت مصطفى ينقض عليه كالذئب الجامح، يكيل له الضربات التي نجحت بأن تفقده الوعي، وما أن أغشي عليه حتى عاونها مصطفى على الوقوف ثم جذبها واتجه بها ليغادروا معًا الكوخ، وحينما كانوا يركضون معًا ويده تحتضن يدها المستسلمة لآمانه، ارتخت يده عن يدها ومن ثم سقط جسده ليجلس أرضًا، استدارت صبا للخلف ففشلت بأن تحدد ما أصابه الى أن سقط أرضًا فتمكنت من رؤية من يقف خلفه بالسكين الغارق بالدماء، تيقنت بأن السكين قد اخترق كتفيه والاخر يقف قبالتها به، تراجعت خطوتين للخلف بخوفٍ، وقبل أن يمسها عثمان عركل مصطفى طريقه وركله بقوة أسفل بطنه حتى ابتعد عنه من شدة ضرباته، زحف مصطفى للخلف وهو يحتضن جرحه النازف، فحانت منه نظرة جانبية لعامر الذي بدأ باستعادة وعيه، فصرخ بها بكل ما أوتى من فوةٍ:
_صبــا اهربـــــــــــي..
نهضت عن الأرض وهي تسأله بدموعٍ لا تتوقف عن ذرفها:
_وأنت!... جرحك بينزف.
نطقتها مرة أخرى... مرة أخرى تهبره بأنه يعنيها حتى وإن كان واجبًا لما فعله هو لأجلها، سيطر مصطفى على كتفه ليبتر ذاك الوجع القاتل وهو يجاهد لخروج صوته:
_قولتلك مالكيش دعوة بيا.. امشي عشان خاطري من هنا.. امشي واوعي ترجعي مهما حصل سامعة؟
هزت رأسها عدة مرات تؤكد له بأنها لن تفعل، وعلى الفور حملت نفسها وركضت بكل ما اوتت من قوة، كأنها تفر من وحوش قاتلة تود تمزيق لحمها وإلتهامها بين أنيابها، لا تعلم كم ساعة قضتها بالركض.. فالطرقات جميعها تنتهي بالاراضي الزراعية، فلجأت لطريقٍ كان يحمل دعسات للسيارات فعلمت بأنه طريق المارة، سلكته حتى اتضح لها معالم الطريق بعد رؤية عدد لا بأس به من المارة، فاختارت أقرب كشك صغير قابلها واستأذنته بضرورة استخدام الهاتف، لذا منحها الرجل هاتفه الجوال وسمح لها بالمكالمة بعد تردد لحالتها التي تثير الريبة والشكوك، رفعت "صبا" الهاتف لاذنيها وهي تترقب سماع صوت أبيها بفارغ الصبر... والأخير كان قد بدأ عقله بالجنون بعد أن تأخرت بعودتها وما زاد ريبته حينما اتصلت والدتها بصديقتها شيماء فأخبرتها بأنها غادرت وأصرت على العودة باكرًا للمنزل، فبالطبع اختفائها كان كارثي للجميع، إلى أن استقبل هاتف أباها مكالمة الرقم المجهول، ليستمع لصوت ابنته تردد بخفوت:
_بابا!!
............ يتبع.............
ملاك بوجه شيطاني (كاملة..) الفصل الخامس 5 - بقلم آية محمد رفعت
الفصل الخامس.
لم يستغرق الأمر سوى ثلاثون دقيقة حتى وصل أبيها لمحلها بعد أن علم منها عن مكانها، كان صوتها الباكي يكفي ليخبره بالكارثةٍ التي تواجهها ابنته، لذا اسرع بصحبة ابن شقيقه للكشك الصغير، فوجد ابنته تجلس على جانبي الطريق والخوف يجلد جسدها المرتجف، وخاصة حينما رأت سيارات الاسعاف والشرطة تمر من الطريق الرئيسي، فاختبأت خلف احدى الاشجار، وكأنها تخشى أن يرأها أحدًا فيعلم بأن هناك صلة تجمعها بتلك الجريمة، وما أن تأكدت من رحيلهم حتى عادت تجلس على جانبي الطريق، حمدت الله كثيرًا حينما وجدت أباها يدنو منها وهو يتساءل بقلقٍ:
_أيه اللي حصل ومين اللي عمل فيكِ كده؟
بصوت مرتعش وكلمات غير منتظمة قالت:
_عايزة ارجع البيت.. خدني البيت يا بابا.
احتضنها والقلق يكاد ينهش قلبه، فرؤيتها بتلك الحالة بدأت تثير شكوكه، فظن بأن ما تقوله هو الاسلم، حتى تختبئ عن الأعين بهيئتها تلك، عاونها على الصعود للسيارة وانطلقوا سريعًا للمنزل، ومازال أبيها يراقبها من جوار مقعد السائق ويود الاطمئنان عليها فما أن ولج للمنزل حتى سألها بلهفة:
_أنتي كويسة حد قربلك؟
انهارت صبا بالبكاء ووالدتها تحاول تهدئتها، الجميع يكرر نفس السؤال دون توقف إن كان أحدٌ قد اعتدى عليها، إلى أن قررت أخيرًا بالحديث، فأخبرتهما بايجازٍ شديد:
_مصطفى مسمحش لحد فيهم يقربلي.
جحظت أعينهم حينما بدأت بقص ما حدث على مسماعهما، وما أن انتهت حتى قال الأب وهو يكبت غضبه تجاه هؤلاء الاوغاد:
_لازم نبلغ.
اعترضت زوجته على اقتراحه هذا وأخبرته:
_بلاش فضايح يا صالح.. البنت مستقبلها هيضيع.
رد عليها بحزمٍ:
_كده أو كده الحكومة هتعرف اللي حصل بعد التحقيق..
واسترسل بغصة ضربت صدره دون رحمة:
_الأول لازم أعرف الولد ده أيه اللي جراله... أنا مش ممكن أسيبه بعد ما صان عرضي وشرفي.
وأشار لزوجته على ابنته وهو يخبرها:
_خدي صبا جوه ترتاح.. لحد ما أرجع.
هزت رأسها بموافقةٍ، وعاونت ابنتها على الوقوف ومن ثم توجهت بصحبتها للداخل.
********
كان يصارع الموت بعد أن فقد نسبة كبيرة من الدماءٍ، وبعد ساعتين متتاليتين بغرفة العمليات تمكن الأطباء من انقاذه باعجوبةٍ، ومع ذلك تم وضع "مصطفى" بالعناية المشددة حرصًا على متابعة حالته الغير مستقرة، ومازال أفراد الشرطة ينتظرون افاقته لمعرفة أقواله فيما هو منسوب إليه، بينما إصابة الباقية كانت كدمات واصابات سطحية لذا نقلوا ثلاثتهم لحبس المنفرد التابع للشرطة للتحقيق بالواقعة وخاصة حينما تم تفريغ ما التقطته الكاميرا من مقطع ابدى براءة المتهم الرابع، بعدما تقدم والد المجني عليها بتقديم بلاغ للشرطة التي حرصت على استجواب المتهمين على الفور.
******
بخارج غرفة العناية المركزة.
كان يجلس على أحد المقاعد بانتظار خروج الطبيب المعالج، لم يترك والديه للحظةٍ منذ أن دخل "مصطفى" للعمليات إلى أن استقر بالعناية المركزة لأكثر من سبعةٍ ساعات متواصلة، والآن خرج الطبيب يخبر والده ببسمته المهنية:
_الحمد لله اتخطى مرحلة الخطر.. ونقدر ننقله غرفة عادية من بكره.
ارتخى جسد والدته على أحد المقاعد وهي تردد براحةٍ:
_الحمد لله الف حمد وشكر ليك يا رب.
بينما ردد اباه بلسان مؤمن صبور:
_اللهم لك الحمد حتى ترضا.
ثم شكر الطبيب ببسمة امتنان:
_ربنا يجازيك خير على تعبك معانا يا دكتور.
مسد الطبيب على كتف العجوز وهو يجيبه بود:
_معملتش غير واجبي.. ربنا يقومهولكم بالسلامه.. استاذنكم.
وغادر ليستكمل عمله، استمع "صالح" والد صبا لحديث الطبيب من البداية، فاقترب منهما ثم قال بحماسٍ لما سمعه من الطبيب:
_ربنا يقومه بالسلامة ويباركلك فيه يا رب.
بالرغم من شعور الاستياء الذي يحمله تجاهه وتجاه ابنته التي كانت سببًا رئيسيًا لما تعرض له ابنه، ولكنه لم يفارقه منذ الصباح فيخجل هذا الشهم من رد كرم هذا الرجل، لذا استكفى بكلمته المقتصرة:
_تسلم يا حاج.
واسترسل حديثه المبهم قائلًا:
_تقدر تتوكل على الله.. انت تعبت معانا من الصبح كتر خيرك .
اعترض على ما ابداه الأخير، فقال باصرارٍ:
_مش قبل ما يفوق وأشكره بنفسي.
وبدمع صادق لمع بعينيه وصوتًا مهزوز نجح في سبك مشاعر أبوة من يقف قبالته:
_أنت متعرفش ابنك عامل أيه؟ ابنك انقذ عيلة كاملة مش بنتي بس.. صدقني أنا لو عشت عمري كله عشان أسددله دينه ده مش هعرف.
رفع والد مصطفى يده ثم طبطب على ذراعيه بتفهمٍ، ومن ثم عاد ليجلس جوار زوجته، يحاول أن يقنعها بالعودة للمنزل والعودة غدًا للإطمئنان عليه.
*******
انتهى هذا اليوم المشئوم بعد تحقيقات متواصلة لأكثر من خمسة ساعات، تمكنت "صبا" أخيرًا من العودة لمنزلها بصحبة عمها وابن عمها الذي وكلهم أبيها بأمرها حتى يحرص على عدم ترك والد مصطفى بمفرده، فما أن ولجت للمنزل حتى أسرعت لغرفتها دون أن تجيب والدتها على أسئلتها الفضولية، وسؤالها يلحق بمن تغلق الغرفة، فقالت بحزن:
_طب قوليلي طيب عملتي أيه؟
أشار لها عمها قائلًا بضيقٍ من الحاحها عليها وهي بتلك الحالة:
_سبيها ترتاح يام صبا والصبح هتحكيلك هي هتروح منك فين؟!
اتجهت لغرفة الضيافة المقابلة لغرفة ابنتها، فجلست على الاريكة باهمالٍ، ثم قالت بصوتٍ مبحوح من فرط بكائها:
_طمني يا حاج عملتوا أيه؟
رد عليها ابنه الجالس لجواره على نفس الأريكة :
_مفيش خدوا أقولها.. وقالت ان مصطفى ده هو اللي فكها وساعدها تهرب من المكان.. وحظها الحمد لله ان الكلاب دول كانوا مركبين كاميرا عشان يصورها.
استطرد أباه بغضب برز بصوته المحتقن:
_شياطين.. الله أعلم كانوا هيعملوا أيه بالفيديو...يا كانوا هيبتذونا بيه يا يفضحونا.. بس الحمد لله ربنا وقعها في الواد ده بصراحة راجل ومن ضهر راجل.
هزت رأسها وهي تهمس بصوتها الشبه مسموع:
_الحمد لله..
اختلى الصمت بهم لدقائق معدودة مزقه ابن عمها حينما تساءل بدهشةٍ:
_بس اللي مش قادر أفهمه ايه اللي خلى الكلاب دول يعملوا كده.. وازاي مصطفى ده عرف المكان المهجور ده وراحلهم؟
أجابه أبيها بعد أن تذكر سريعًا بعض الأحداث:
_سمعت من الظابط أن في واحد منهم اعترف وقال انهم اصحاب، وهما اللي اتصلوا بيه وجابوه.
تابع الشاب بإعجابٍ:
_ومطلعش شبهم في الوساخة اللي بيفكروا فيها..
ردد أبيه بحبورٍ:
_ده لأن ربنا بيحب عمك وعارف انه ميستحملش حاجة زي كده أبدًا... ربنا لطف بينا يا ابني!
*******
يظنون أن نجاتك من الأمر السييء هو انتصار لك يتمجدون به حمدًا، لا يعلمون كم من خسائر تهزم روحك من الداخل، فتهترى حتى تكاد تلفح ضرام اللهيب!
أيظنون أن النجاة هي المكسب الحقيقي، عساهم يعلمون بما تراه وتشعر به في تلك اللحظة، وبالأخص لحظات الرعب التي قضتها داخل ذلك الكوخ الملعون، جمارة من النيران لم تكف عن تأجج لهيبها داخلها، فلم تجد سوى ملاذها الذي سيطيب كافة جروحها، من يستمع لها ولما بداخلها وهي تعلم بأنها حينما ستلقي ما يزعجها سينجيها مثلما يفعل كل مرة، اغتسلها لم يعنيها الا حينما شرعت بالوضوء فشرعت بدفقة من المياه الباردة تطفيء كل جروحها وتلك الشعلة التي ولدت بين صدرها، ومن ثم أسرعت لسجادتها تناجي ربها، تطيل بالسجود وهي تشكو له خبث البشر ومكرهم الشيطاني، وتارة تشكره على نجاتها لما قد تتعرض له أي فتاة، والغريب بالأمر أنها تذكرته بالدعاء، فدعت من كل قلبها أن لا يمسه السوء وأن يشفيه الله كرمًا لما قدمه في سبيل حمايتها، انتهت "صبا" من صلاتها، وجلست على سجادتها تبكي بصمتٍ ومازال لسانها يسبح بأعذب كلمات ذكر الله التي تؤنس ظلمتها، وبعد ساعة كاملة حملت قرآنها وجلست تردد الآيات بصوتٍ باكي، يتمزق مع كل حرف تتلوه بخشوعٍ، جفاها النوم رغمًا عنها فأغلقت عينيها على سجادتها ولا تعلم لما غاصت سريعًا باحلامها فعادت لتراه مجددًا، وصوتها يتردد على مسمعها:
_أنت بتنزف!!
جمل غير مرتبة تتردد بعقلها دون انتظام، فاخذت تسمع لصوته يردد:
_اهربي من هنا ومترجعيش تاني.
_متخافيش أنا هعرف اتعامل.. اهربي..
وجملة اخرى مازال لقلبها ذكرى خفقه لها:
_أنا متمنتش أشوفك من غير حجابك حتى في أحلامي!
_أنا مستحيل هسمح لمخلوق إنه يأذيكي حتى لو كان بطلوع روحي..
فتحت عينيها لتجد تلك الدمعات تنهمر على خديها، وكأنها لم تحظو بغفوةٍ صغيرة لتو، التقطت آذنيها صوت لباب شقتهم يفتح، وصوت أبيها يتسرب لها وهو يردد:
_السلام عليكم.
على الفور نهضت عن الأرض وهرعت ركضًا للخارج، بعدما ظل بابها مغلق لساعاتٍ طويلة، سارعت اليه وهي تسأله بلهفة وخوف من سماع ما قد يهلكها:
_طمني يا بابا.. عايش؟
تفهم الأب ما يجول بخاطر ابنته تجاه هذا الشاب الذي انقذ حياتها، فأجابها حتى يطمئن بالها:
_آه يا بنتي الحمد لله.. مسبتهمش الا لما نقلوه اوضة عادية والدكتور طمنا الحمد لله..
رددت الأم بفرحة لسماع ما قاله:
_الف حمد وشكر ليك يا رب.. ربنا يقومه لاهله بالسلامة ويباركله على اللي عمله معانا.
ارتسمت بسمة صغيرة على شفتيها، وغادرت بخطواتٍ متهدجة لغرفتها بعدما اطمئنت لسماع خبرًا سعيدًا كذلك، تمددت "صبا" على فراشها وعقلها يوازن بعض الأمور، فنشب بينهما حوار غامض:
_معقولة ده نفسه الشاب البلطجي اللي كنت خايفة منه طول الوقت.. هو اللي يحميني بالنهاية من اللي توقعت انه يعمله!
اجاب عقلها ليبرر فعلتها:
_هو اللي كانت مشاكله كتيرة واكيد كل الجامعة مفكراه كده بسبب افعاله!
رددت بحيرةٍ:
_أيوه بس انا كنت مزوداها معاه أوي!
=وكنتي هتعمليله أيه يعني ما هو اللي كان بيضايقك في الرايحة والجاية! اللي حصل ده كان متوقع بسبب طباعه هو!
_واهو حصل العكس.. ويمكن ربنا عمل كده عشان يوريني ان بعد الظن اسم.
=وهو عشان عمل شيء كويس هتنسي اللي كان بيعمله معاكي.. ده كان مشوه سمعتك في الجامعة بجريه وراكِ!
_للاسف حبه طلع حقيقي وصادق.. وده شوفته بعنيا..
وتنهدت وهي تردد بصوتٍ مسموع:
_ربنا هو اللي هيرشدني للصح زي ما بيعمل دائمًا!
*******
غيمات سوداء تحيط بهما، ومن خلفهم ثلاث ذئاب بشرية يحاولان افتراسها وهو يحاول تخبئتها خلف جسده، كان ينجح كل مرة بتحاول رتوش أنيابهم، وكل ما يتمناه عدم قدرتهم للوصول إليها، حتى لم يعد جسده الهزيل يحتمل المزيد من الضرباتٍ فسقط صريعًا، ابتلت رقبته بعرقه الذي ينسدل على وجهه كالشلال، وجفن عينيه يحارب تلك الرؤية الغير محببة له، الى أن أفاق عن رؤية المزيد وصوته الصاخب يصرخ:
_صبـــــــا!
*******________******
ملاك بوجه شيطاني (كاملة..) الفصل السادس 6 - بقلم آية محمد رفعت
الفصل السادس!
أفاق من غفلته القصيرة، فأعاد الحياة لوالديه بعدما مروا بأصعب اختبار، فلم يرزقهما الله سوى به، وبعد صبر دام لعشر سنوات، ثمرة فؤادهما وما تمنوا يومًا هدايته بكل منى، تحسنت حالة "مصطفى" تدريجيًا وخاصة باليوم التالي، فتمكن الشرطي بأخذ أقواله، وأعترف بكل شيء فور أن اتصل به اصدقائه إلى لحظة مساعدته لصبا وتهريبها من الكوخ، فلم يكن هناك ما يدينه وخاصة بعد أن تطابقت أقوالها معه، وبوجود الدليل القوي (كاميرا هاتف أحد الجناة) لم يتهم بشيءٍ، اسند "مصطفى" رأسه للخلف براحة وامتنان كبير يشعر به تجاه ربه، فإن حدث لها سوء لم يكن ليسامح نفسه أبدًا، مازالت كلمات والدته تتردد على مسمعيه، فإن كان أصابها سوء أو فقدت حياتها سيكون المتهم الوحيد بالأمر، وخاصة لما حدث بالجامعة وتهديده لها أمام معظم طلاب الجامعه، وبعيدًا عن كل ذلك كيف سيحتمل رؤية خدش واحد يمسها، فوالله لأصابه الجنون حتمًا، وكان سيحول العالم لمحرقة تبتلعهم حيًا، احتضن "مصطفى" جرحه بيده وحاول النهوض عن فراشه، فتأوه بألمٍ جعل أبيه يقلق في منامته، فاسرع إليه وهو يسأله بلهفةٍ:
_رايح على فين يا ابني!
استند "مصطفى" على ذراع أبيه وردد بصوتٍ خافت:
_عايز أتوضا.. ساعدني يا بابا عايز أصلي!
التمعت عين اباه بالسعادة، للجوء ابنه وهو بتلك الحالة لربه، فسانده حتى خرجوا معًا للطرقة المطولة، ولم يتركه الا بعد أن أتم الوضوء على أكمل وجه، وعاد به لفراشه من جديدٍ، ففرش مقابله سجادة الصلاة، ليؤديها على فراشه بعذر حالته الصحية، وبالرغم مما أصابه الا أنه مازال يتذكرها في دعائه!
كان يدعو الله أن لا تتحطم نفسيتها بعد ما تعرضت له! استمر بالدعوات فأخذ يناجي ربه بأن يحفظها وأن تكون في أحسن حال، وضعف عن قوة تحمله فردد بداخله وتلك الدمعة تتدفق على خديه:
_متحرمنيش شوفتها يا رب.. حتى لو مرة واحدة ومن بعيد.. أنا عارف ان دي معصية بس أنت اللي عالم بقلبي وبحالي، أنت الأحن عليا.
دعوته الصادقة استجابت من فوق سبع سنوات، وكان تأثيرها غريبًا عليه بعض الشيء، لم يكن عقله مهيئ لاستقبال ما يحدث هنا، لوهلةٍ ظن أن من فرط شوقه لها يتوهم وجودها أمامه، الغرفة التي وُضع بها لم يكن بها وحيدًا، فكان يشاركه به أربعة من المرضى وكلًا منهم بصحبة فرد من عائلته، ووالدته الآن هي من تجلس به بعد رحيل زوجها للمنزل، رمش "مصطفى" بعينيه بدهشةٍ، وهو يحاول أن يهدأ من ضربات قلبه التي ستهلكه لا محالة، فحانت منه نظرة جانبية لوالدته فوجدها تتطلع لها ببسمةٍ صغيرة أكدت له بأنها بالفعل هنا، فعاد ليتطلع لها مجددًا بصدمة.
كانت تقف على مقربةٍ من سريره ويبدو عليها الارتباك بقرار قدومها، تقدم قدمًا وتؤخر الأخرى، حانت منه نظرة فابتسامة داعبت شفتيه حينما رأى خمارها الوردي يرفرف من خلفها كمعتاد نقائها الطاهر، وإن يكن وجهها يكسوه بعض الإرهاق الا أنها مازالت تمتلك هالة تفرض سلطانها على عقله وقلبه وجسده وكل ما يمتلك!
اقتربت منهما "صبا" وعلى استحياءٍ رددت:
_السلام عليكم.
أجابتها والدته بترحابٍ شديد:
_وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
وتمعنت بالتطلع إليها وهي تهمس بصوتٍ كان مسموعًا لها بالرغم من انه منخفض:
_دي صبا!
حذرها بنظرةٍ خاطفة منه، فنهضت عن المقعد ثم قالت:
_اتفضلي يا حبيبتي.
بخطوات مضطربة اتجهت "صبا" للمقعد، وطال بها الوقت ومازال الصمت يستحوذ عليها، كانت تفرك أصابعها بتوترٍ لقرارها بالمجيء للاطمئنان عليه بنفسها، فحتى ما يقال بمثل ذلك الموقف لا تعرفه، عاجزة عن اختيار ما ستقول، استأذنت والدته لتحضر شيئًا لها ولابنها المريض، ولم تبقى سوى هي لجوار فراشه بتلك الغرفة التي تعج بالناس من حولها، ومع ذلك كانت تشعر بأنها بمفردها معه، كانت تشعر بخجل شديد إلى أن قرر مصطفى رفع الحرج عنها حينما قال بصوتٍ رخيم:
_مفيش داعي احساسك بالذنب يجبرك تيجي لحد هنا.. أنا متفهم اللي حساه وبعفيكِ عن أي واجب ممكن تحسيه تجاهي.
رفعت عينيها المرتبكة إليه، ومازالت لا تعلم ماذا يقال وأي ستقول! ، لذا سألته بتوترٍ:
_أنت كويس؟
أومأ برأسه بابتسامةٍ هادئة، بينما يكافح بالأ يتجاوز بحديثه الحدود فعجز عن ذلك لذا همس بشيءٍ من المرح:
_بقيت زي الحصان لما شوفتك.
لم يروق لها حديثه الذي اربكها ربكة فوق ربكتها، خطف نظرة لما ترتديه بين أصابعها بحزنٍ جعل قلبه ينغز بقوةٍ، فمازالت ترتدي دبلة الخطبة بعد، بالرغم من أن خطيبها لم يشاركها بتفاصيل ما حدث وقد بدى غريبًا بالفترة الأخيرة، نظراته المفعمة بالحب جعلتها لا تطيق الجلوس، فنهضت وهي تحمل حقيبتها وأخبرته على استحياءٍ:
_أنا لازم أمشي.
أشار برأسه بتفهمٍ، وأرغمها بأمرٍ كان صارمًا بالرغم من أنه بصالحها:
_خدي بالك من نفسك واختاري الشوارع اللي تمشي منها.
اكتفت بإيماءة بسيطة من رأسها قبل أن تتحرك خطوتين وعادت بهما لتقف قبالته من جديدٍ، أمسكت طرف السرير الحديدي بين يدها، تخفف ضغط ما تشعر به، وتبذل مجهود لتخرج تلك الكلمات الثقيلة التي أتت خصيصًا للبوح بها:
_شكرًا على اللي عملته معايا.
تعمق بالتطلع إليها وهو يخبرها:
_أنا عملت كده عشان نفسي مش عشانك.
رفعت عينيها تجاهه بدهشة لجملته الغامضة، فاسترسل بنفس تلك البسمة:
_امشي يا صبا.. ومتحاوليش تفسري كلامي.. لانك عمرك ما حسيتي بيا ولا هتحسي.
ابتلعت ريقها بتوترٍ، وانسحبت تلك المرة حتى غادرت المشفى بأكملها، وبقى هو يتأمل المقعد تارة وحافة الفراش التي لامستها بيدها تارة أخرى، فقد منحته تلك الدقائق المعدودة سعادة جعلت لقلبه نصيب من الفرحة المسلوبة منه.
********
القلق كان يسيطر على وجهها، ومازالت تخطو بالردهة ذهابًا وإيابًا وهي تطرق بيدها بقلةٍ حيلة، تابعتها ابنتها الصغرى بشفقةٍ واقترحت عليها:
_هتلاقيها راحت مشوار هنا ولا هنا وراجعة... تعالي اقعدي عشان رجلك.
رددت بخوف يتبعها كالشبح:
_مشوار فين بس.. هي عمرها ما راحت أي مكان من غير ما تقولي!
واتجهت نظراتها المشككة تجاه زوجها الذي يقرأ الجريدة بهدوءٍ، فتساءلت بحيرةٍ:
_هي صبا قالتلك هي راحة فين يا صالح؟
قلب صفحة الجريدة بهدوءٍ جعلها تتأكد من شكوكها، وقبل أن تضيف كلمة أخرى كان باب شقتها يفتح وتدلف منه ابنتها، فاتجهت إليها وهي تصيح بغضبٍ:
_روحتيله المستشفى صح يا صبا؟
أخفضت عينيها أرضًا بخجل، فاستطردت والدتها بعصبية بالغة:
_نزلتي كده عادي من غير ما تقوليلي راحة فين ده انتي عمرك ما عملتيها!
أجابتها بتردد:
_لاني كنت عارفة ان حضرتك مش هتوافقي فاستأذنت من بابا ووافق.
ابتعدت نظراتها المحتقنة عنها واتجهت تجاه زوجها، لتنشب حربًا بينهما:
_أنت كنت عارف بنتك راحة فين وسبتها يا صالح! أنت مش عارف الواد ده كان بيضايقها ازاي والمشاكل اللي عملالها!
أبعد الجريدة عنه ثم استقام بوقفته وهو يشير لابنته بحنان:
_ادخلي اوضتك انتي يا حبيبتي.
أشارت له بوقارٍ واتجهت لغرفتها، بينما صاح هو بها بانزعاجٍ:
_كان واجب عليها ولازم تعمله.. الولد ده هو سبب نجاة بنتك ولو مكنتش عملت كده من نفسها كنت هطلب منها تروحله.. الواد كان بين الحيا والموت وكل ده عشان بنتك..
رددت بدهشةٍ مما يخبرها به:
_عمل الواجب وشكرناه وانت مسبتهوش لسه عايز أيه يا صالح!!
ابتسم وهو يقرأ ما يدور بعينيها، ثم قال:
_أنا منكرش اني نظرتي فيه اتغيرت واني ندمت اني رفضته واصريت على ده... الولد اثبتلي انه راجل وهيقدر يحمي بنتي بروحه لو حكمت وأنا مش هعوز أكتر من كده بس انا في نفس الوقت عاجز اني أجبر بنتي على خطوة زي دي.. هي اللي هتعيش معاه مش أنا..
جحظت عينيها في صدمةٍ بالغة.. فصاحت به:
_أنت ناسي إن بنتك مخطوبة ولا أيه؟
أخبرها باستهزاءٍ:
_هو فين خطيبها ده ، اللي اتخلى عنها وقت ما عرف باللي حصل ولا منه فاسخ الخطوبة ولا معاها، انا بنفسي هرجعله دهبه النهاردة، أنا بعد اللي شوفته اكتشفت ان المظاهر دي خداعة أوي، واللي تفتكرهم ولاد ناس وعلى خلق يضربوك الضربة تخليك تلف حولين نفسك.. الحمدلله اننا لسه على البر.
وتركها واتجه لغرفته وهو يستطرد بحذمٍ:
_من بكره هأخد دهبه وحاجته وهرجعهمله.. كل شيء قسمة ونصيب.
******
لأول مرة كانت تشعر بأنها تائهة في عدة دروب، تعجز حقًا عن رؤية طريقها، تخشى بأن ما يلامس قلبها ما هو الا الشفقة تجاه هذا العاشق المختل، تخشى أن تكون ضحية تقدير رد معروفه، فتظل تعاني عمرها بأكمله لدرجة تجعلها تتمنى أن يكون هذا اليوم هو نهاية لحياتها عوضًا عن العيش معه، مهلًا هل تفكر حقًا بمنحه فرصة!
ترى ماذا أصاب عقلها وقلبها الذي باتت كلماته تمتلك سحر التحكم به، عساه تغلب على كرهها بحبه وعشقه المجنون، عساه تمكن من اقناعها بمنحه الفرصة لتتعرف عليه من قربٍ، فما عجزت عن فهمه تلك الليلة جعلها واثقة بأن بداخل هذا البلطجي الشرس هناك ملاك يخفي أجنحته وعليها استكشاف الأمر بذاتها، خلعت "صبا" خاتم خطبتها من يدها ومازال عقلها شارد التفكير، وتلك المرة كعادتها ستترك القرار لمن يختار لها الصائب والأخير، فلجأت لربها تصلي استخارة وهي تناجيه بإلحاح بأن يرشدها لتجد دربها الضائع!
..... يتبع...........
ملاك بوجه شيطاني (كاملة..) الفصل السابع 7 - بقلم آية محمد رفعت
الفصل السابع..(والأخير..)
أحيانًا يحاربنا القدر بكل ما يمتلكه من قوةٍ، فتصبح في مقدمة صفوف معركة لطالما خشيت الدخول إليها، وما يثير دهشتك حينما تجد ذاتك قادرًا على إتخاذ أصعب قرار عجزت عن تقبله يومًا ما، حتى وإن كذبت كل تلك الاشارات التي تؤكد خضوعك له، وها هي الآن تستسلم لكل شيء، ليس لما رأته بإستخارتها مع الله فحسب، بل كل تلك التتابعات التي قادتها حلقة واحدة، اليوم هي من ستتخذ قرارها وبما ستود فعله، ربما لأن استخارتها كانت أعظم إشارة لما يجوب داخلها من أحاسيسٍ سبق وأنكرتها، وها هي اليوم ترتدي ثيابها وتعود لنفس المكان الذي تركته وهي على عهد عدم العودة إليه، لا تعلم ما الذي يدفعها لذلك ولكنها ترغب حقًا في رؤيته مجددًا، اتجهت "صبا" للمشفى، واتجهت للطابق الثاني بالتحديد، فما أن انتهى الدرج بها للطابق حتى تراجعت بارتباكٍ وتوتر يحارباها بكل قوةٍ، ومع ذلك تحدتهما واستمرت حتى وصلت للغرفة التي يقطن بها، فمالت برأسها على الباب لتراقب ماذا يفعل؟
وجدته يجلس بمفرده، فعلى ما يبدو بأن والدته لم تأتي من منزلها بعد، جمعت عزيمتها واتجهت لنفس مقعد جلستها بالأمس، حيث كان هو صافن به، فمازالت عينيه معلقة على كل شيء لمسته يدها، بداية من حافة فراشه ونهاية بمقعدها الذي إن استخدمه أحدٌ كان يود الصراخ به لينهض بالحال، حتى أنه فكر بكسر رجل المقعد حتى يضمن بالا يستخدمه أحدًا سواها، ولكنه بالنهاية بالمشفى وسيترك ذاك الفراش والمقعد، وبالرغم من أن ذلك يحزنه ولكنه يحاول التأقلم على حياة لا تحتويها ولا حتى تلامس طيفها، عاد نفس المقعد لها من جديدٍ، فظن لوهلة بأنه عاد للتوهم مجددًا، تمعن بالمقعد فوجدها ترمش بربكة تجتازها، فسألته بحرجٍ تود به تمرين لسانها على الحديث:
_عامل أيه النهاردة؟
ردد بعدم تصديق:
_صبا!
أخفضت عينيها عنه وعبثت بحبال حقيبتها، فقال بعدم تصديق:
_رجعتي تاني؟
هزت رأسها وهي تبرر له:
_مكنش ينفع مرجعش أنت عملت عشاني كتير.
تغلب على تلك الغصة المؤلمة وهو يخبرها:
_قولتلك متحمليش نفسك ذنب اللي حصل.. عيشي وكملي حياتك لانهم اخدوا الجزاء اللي يستحقوه.
رمشت بعينيها بتوترٍ وهي تجيبه:
_بحاول.
ثم قالت بعد مجاهدة بالحديث:
_على فكرة انا مش جاية هنا لاحساسي بالذنب بس لا.. أنا حبيت اطمن عليك.
اعتدل بجلسته وعينيه تبرقان في صدمةٍ، فتساءل بعدم استيعاب:
_بتقولي أيه؟
وقبل أن يستوعب احد صدماتها، باغتته بصدمة اخرى حينما قالت:
_هتيجي تكلم بابا أمته؟
انفرجت شفتيه على مصراعهما، وبعدها ابتسامة جعلت عينيه تدمعان فرحًا، وصوته بدى كالباكي من شدة رجفة أحباله:
_حالا هروحله..
منحته ابتسامة رقيقة واخبرته وهي تنهض من مقعدها:
_لما تخف أفضل.. أنا لازم أمشي.
تفهم مصطفى رغبتها بعدم الاختلاء به، وهذا ما يقدره ويقدسه بها، فإن كان الضيق يبرز على معالمه بتلك اللحظة ليس الا لحرمان عينيه من رؤيتها، ولكن سعادة قلبه ستكفيه للحظة التي ستكون بها زوجته شرعًا... ربما معركته لم تكن سهلة بالمرة ولكن نهايتها كانت مشرقة بانتصاره بعد محاولات سئم بعدها، ها هو الآن يحصل على من عشقها بإخلاص وتفاني بطيب خاطر وبسمة تزفها له بارادتها، بعدما اكتشفت سر خطير يجعلها تخشى الحكم على الناس دون رؤيتهم عن قرب، فمن ظنته شيطان مخيف كان ملاك رحيم بها في وقتٍ فقدت به أمل النجاة.. واليوم بات يمتلك قلبها قلبًا وقالبًا..
******
لم تكن بحاجة الا لبضعة أشهر قليلة حتى أحبته وحصل على قلبها بالكامل،وها هي الآن تزف إليه بفستانها الأبيض الملكي ومن فوقه خمارها الفضفاض الذي رفضت التخلي عنه في يوم هام كذلك، وكأنه جزء من تآلقها وجمالها الرقيق، يدها تستمد القوة من دفء أصابع والدها الذي يحتضن معصمها،القوة للمضي قدمًا بحياةٍ جديدة وزواج قد يكون تقليدي ولكن ليس بالدرجة، ربما عاشت قصة حب غريبة من نوعها ولكنها فريدة ولن تنسى، انتهت مهمة والدها حينما سلم يدها بيد من تلقفها بلهفةٍ وشغف وحرصًا واهتمامًا، كل الاحاسيس المتضاربة تهاجمه بتلك اللحظة دون رحمة منها، فبعد صبرًا عظيمًا هكذا ينال مكافأته، وهي أقيم مكافاة قد يحظى بها يومًا، حتى وإن كانت مجرد فتاة عادية ولكنها من تمكنت من السيطرة على قلبه، من استمدت حبه دون تراجع، فالحب ليس مرتبط بالجمال والحسناوات فحسب، بلى لكل جسد ينبض بداخله حياة، صعدوا معًا للمنصة ومازالت صبا تتهرب من نظراته، فراقبت أوجه المعازيم بتوترٍ ازداد تدريجيًا مع انتهاء الحفل السريع، حتى غلق عليهما باب واحد، فأول ما فعله كانت سجدة شكر ركعها لله ومازالت تقف وتراقبه بدهشةٍ، وما أن انتهى حتى قال:
_ده شكر طويل لربنا انه محرمنيش منك.. وإنه حققلي اعظم احلامي وانتصاراتي..
واقترب منها وهو يجاهد ذاك الشوق الغفير، ليمنحه بالا يزداد حينها ستخشاه لا محالة، فقال وهو يبعدها للغرفة:
_هنبدأ حياتنا بالصلاة.
أومأت برأسها ببسمة هادئة وعادت اليه بعد دقائق، ترتدي اسدالها الأبيض وتقف من خلفه بفرحةٍ وخشوع ازداد مع سماعها لصوته بتلاوة القرآن لاول مرة، فما ان انتهوا من الصلاة حتى قالت بإعجابٍ:
_صوتك جميل أوي ما شاء الله.
تعمق بالتطلع اليها، حتى اقترب ليقتبس من ريقها، واستند على جبهتها وهو يردد بهمسٍ حرق بشرتها الناعمة:
_هقرالك على طول.. أنا صوتي وكلي ملكك يا صبا.
أغلقت عينيها تأثرًا من قربه منها، فولد بداخلها رغبة غريبة حاولت أن تكافحها ولكنها سقطت ضحيتها، فما أعذب أن تسلم أمرها وقلبها بالحلال لمن اختارته، كل تلك الاحاسيس تنتقل اليها بشعور مميز كونها أول مرة، أول همسة، أول ضمة، أول قبلة، هي كالعذراء لم يمس قلبها أحدًا من قبل وكان هو أول من منحها الاحتواء ثم الحب، حتى باتت حياتهما شبه مكتملة باكتمال أخر طقوسها.. طقوس جمعت ليلى بمجنونها أخيرًا..
*********
المشهد الختامي!
العمر يفنى مع تلك السنوات التي تمر علينا كمرور ضيفًا عزيز لا يشبع من جلسته المحببة، وها قد حل على خريف حبهما العاشق سبع سنوات، رزقوا فيها بفتاة منحتها صبا اسم "عائشة" وولد منحوه اسم "محمد" نسبة لسيدنا محمد عليه افضل الصلاة والسلام، والآن يجتمعنا على طاولة الطعام المستديرة بعد اداء صلاة الجمعة بالمسجد، كعادتهم يتشاطران الاحاديث فيما بينهما، عما يخص عائلتهما الصغيرة، وضعت صبا صينينة الحلوى على الطاولة وهي تشير إليهم بفخر:
_البسبوسة جاهزة.
منحتها ابنتها نظرةٍ بائسة تحمل الشك بعينيها وخاصة حينما قالت:
_انتي مش بتعمليها حلو!
اتجهت نظراتها تجاهها، وقالت ببسمة صغيرة:
_اديني بحاول يا عائشة.. المفروض تحمسيني.
انحنى مصطفى على الطاولة، ثم جذب قطعه وهو يتذوقها بتلذذ:
_روعه يا حبيبتي.. تسلم ايدك.
منحته ابتسامة عاشقة وهمسة حنونة:
_تسلم يا حبيبي.. نفسي ولادك يجبروا بخاطري زيك كده صدقني مش هيكون في بينا مشاكل.
تعالت ضحكاته الرجولية وهو يعترض على أمنيتها:
_وانا كان هيرضيني انك تشوفي غيري يعني.. لا كده احسن بالنسبالي.
ورفع يدها اليه ليطبع قبلة حنونه على معصمها وهو يهمس بحب:
_مبحبش حد يحب فيكي غيري حتى لو كان الحد ده هو ابني او بنتي..
ضحكت وهي تشير له ساخرة:
_مين بس اللي قال اني هعمل اللي مش بتحبه بالعكس أنا دايمًا بدور على اللي يريحك... لان راحتك من راحتي.
ضمها مصطفى اليه وهو يردد بعاطفة:
_بأحبك وهتفضلي في قلبي لأخر العمر.
تساءلت بلهفة:
_أخره؟!
أتاه رده يوضح ليه، ما تعنيه:
_لحد ما انفاسي تفارق جسمي هتكوني أخر حاجة اشوفها في حياتي يا صبا!
استسلمت لدفء احضانه ولمساته الحنونة التي لم تبتعد عنها طوال تلك السنوات، كان رجلًا يحتمل ضغط مسؤولياتها على عاتقه، وفوق كل ذلك يحبها ويزداد تقديرلها له كل يوم عن الذي يسبقه.. ومازالت يدها تشدد على يده فحينما كادت بتركها مرة واجهتها الحياة بكل ما امتلكت من قوةٍ، وكأنها تخبره بأنها مخطئة حينما سحبت قوة أماني من بين أحضانك، فاشتقت لضمة قبضتك القوية التي تساندني حينما اتعرقل بين زقاق أوجاعي، عساك تعلم بأن تلك الفتاة البسيطة واجهت ما جعلها تتوق لوجودك لجوارها، ووجدتك مازلت تشدد من ضمة يدي مثلما كنت تفعل على الدوام.. وها أنا أختم قصتي بجملة أرغب في قولها... بأن الظنون ربما تكون ستار يخفى عنا شيءٍ هان، وجهه الشيطاني هناك ملاك مقيد ينتظر فرصة واحدة ليتحرر ويتغلب على شره وقد منحته هي تلك الفرصة ليتغلب على شيطانه ورغبات السوء بداخله... بعدما باتت زوجة، وحبيبة، ومعشوقة!
تمت بحمد الله ♥
*******________*******