الفصل 17 | من 20 فصل

الفصل السابع عشر

المشاهدات
18
كلمة
2,451
PDF
تحميل الفصل
التقدم في الرواية 85%
حجم الخط: 18

الفصل السابع عشر

ركضت نميس في ردهة المشفى بحثًا عن غرفة مراد ودموعها لم تجف لحظة منذ أن تم اختطاف شهد أمامها.

وجدت شهد التي أحمرت عيناها من البكاء، نظرت إليها وقد شعرت بالأطمئنان إنها بخير ثم نظرت من حولها وبدأت الظنون تهاجمها خاصة مع صمت شهد وبكائها.

تسائلت في خوف:-

-مراد فين؟

أحتضنتها شهد بقوة وقالت ببكاء:-

-مراد دخل في غيبوبه.

أجهشت نميس ببكاء عنيف يمزق نياط القلب وهي لا تنفك تردد:-

-لأ، لأ...مراد...

حاولت شهد أن تهدئها، ولكن كيف تفعل وهي نفسها تتألم فطفلها سوف يعاني من أثار ذلك اليوم طويلا، ومراد فقد تركها وحيدة تجابه تلك الصعاب.

***

أصرت والدة ليث أن تحضر لرؤية مراد رغم إنه لا يشعر بما حوله ولكنها أم يهفو قلبها للإطمئنان على ابنها، أخبرها ليث عن وجود طفله، وبرغم أعتراضها وغضبها إلا إن قلبها قد خفق لحفيدها فقد كان يشبه أبيه عندما كان صغيرًا.

كانت شهد تتجنب البقاء مع والدة ليث، وعندما تأتي الأخيره لرؤية مراد أو فارس تغادر الغرفة ولا تعود حتى تذهب ليس غضبًا منها ولكنها فقط لا تريد مضايقتها خاصة وإنها تدرك مشاعرها تجاهها.

***

مر يومان على ذلك اليوم تحسن فارس ولكن الطبيب يفضل بقائه قليلا تحت الرعاية بينما مراد فلم يتغير شيء مازال في غيبوبته.

نظر ليث إلى مراد الساكن وقد قتله الألم، هو لم يخبره بعد إنه سامحه ويدرك الآن إنه لم يتعمد إيذائه، فقط يرغب في عودته وسوف يخبره بكل هذا، يشتاق إليه.

بينما المعز فكان ينظر إليهما من خلف الزجاج، ربما يظن ليث إنه بارد المشاعر يحركه انتقامه فقط، ولكنه فقط أب يقتله الأسى لحالة ابنته، وزوج انكسر لفقدان زوجته. مراد ليس صديقًا فقط بل أخًا أيضًا فطالما وقف بجواره.

ربما أخطأ عندما أدخله في لعبة انتقامه، ولكنه فقط كان يريد العدالة من أجل زوجته.

خرج ليث من غرفة مراد ليجد المعز نظر إليه بكراهية وقال بغضب:-

-عايز إيه تاني؟ مش كفايه أخويا بيموت بسببك.

قال المعز بجدية، وربما لأول مره يرى ليث في نظراته الألم:-

-مراد مش بس صاحبي، كان دايمًا جنبي وورايا في كل حاجه. بس أنا أب، أنت شوفت ابنك صح؟ تعمل إيه لو حد فكر يأذيه أو يأذي حبيبتك أم ابنك؟

رد ليث بشراسة مدفوعًا بمشاعره:-

-ده أنا أقتله وأشرب من دمه.

قال بسخرية:-

-هوه ده اللي عملته، خليتهم يدفعوا تمن اللي عملوه في مراتي أم بنتي.

اغرورقت عيناه بدموع غاضبة وهو يتابع:-

-بنتي هنا في المستشفى الدور اللي تحت فاقده النطق من ساعة اللي حصل لمامتها. بعد جواز مراد من شهد بحوالي أربع سنين كنت ساعتها بدأت أخرج من حالتي قابلته وساعتها مكنش قادر برضو يسامحك على اللي عملته في شهد وأنا للأسف استغليت ده، أنا بعترف إني استغليت حبه ليك وإنه عايز يبعدك عن الطريق اللي فضلت ماشي فيه...

أردف في صدق بينما يواجه نظراته:-

-بس أنا مش ندمان أبدًا، ولو كنت متورط مع عصام كنت حخليك تحصله ومكنتش حهتم أنت مين، أنا في الآخر أب وزوج، ومكنتش حسمح إن حق مراتي أم بنتي يضيع.

قال ليث ببرود:-

-ده مش مبرر لاستغلالك لأخويا.

ابتسم المعز وقال بسخريه:-

-لو كنت مكاني كنت هتعمل كده وأسوأ كمان.

أردف بعدما ظهر الأعتراض على ملامح ليث:-

-بلاش تنكر، فكر لو شهد اغتصبوها.

نظر إليه ليث بألم وغضب فتلك الصورة قد مزقته أربًا، فهو لا يستطيع أن يتخيل حياته القادمة بدون شهد وابنه الذي أحبه ما أن وقع نظره عليه لأول مرة.

ضحك المعز بسخرية مريرة وقال:-

-صورة! مجرد صوره خلتك بالشكل ده، موجوع! إنما أنا فده واقعي، حياتي، كابوسي اللي بشوفه علطول. أنا مش بقولك كده علشان أبررلك أو أخليك تشفق عليا. زي ما قولت أنا مش ندمان، وميهمنيش أصلا بتفكر فيا إزاي بس أنا حبيت أفهمك إن أخوك ملوش ذنب، هوه عمره ما فكر يأذيك أبدًا.

أعقب حديثه بأن تجاوزه إلى داخل غرفة مراد راغبًا في أن يطمئن عليه.

***

كانت نميس تجلس بجوار شهد حتى ينتهي ليث من زيارة أخيه، أصابها خوف عميق من أن تخسره فهي تحبه بل تعشقه فهو أثمن ما لديها، فقد منحها حنانًا وحبًا أغناها عن أي شيء آخر بل كان أحيانًا كأم حنونه تحتويها ثم زوجًا صالحًا على قدر عالي من المسئولية، وقبل كل هذا حبيب رائع يشعر بما يدور في باطنها بدون أن تنطق بحرف واحد.

ربتت شهد على يدها في مواساه بينما هي في أشد الحاجه إليها فطفلها لا تستطيع لقائه الآن طبقا لأوامر الطبيب، ومراد في سبات عميق أما ليث فنظرات اللوم في عينيه تقتلها وتمزقها أربًا، وكأنه يخبرها إنه أيضًا رغب في دور في حياة طفلهما.

أقبل ليث بسعادة يخبر شهد إن الطبيب قد سمح برؤية فارس، انتفضت سريعًا تهتف في لهفة:-

-بجد يا ليث؟!

-أيوه يا شهد حنشوف ابننا.

دخلت غرفة طفلها لتجده فوق فراشه ووجهه شاحب بينما جسده النحيل فقد أحاطته الضمادات.

أمسكت كفه برفق خوفًا من أن تؤلمه ليفتح عينيه ويبتسم ببهجة قائلا بطفولية وحزن:-

-ماما وحشتيني أوي بس أنا مش حعرف أحضنك علشان جسمي بيوجعني أوي بس أنا...

اغرورقت عيناه بالدموع وارتجف فمه متابعًا:-

-بس أنا عايز أحضنك.

نظرت إليه بأسى وقد تمزق قلبها حزنًا، حاولت أن تسجن دموعها في حصن عينيها وقالت بحب:-

-معلش يا حبيبي إن شاء الله حتبقى كويس وحترجع تنام في حضني زي زمان، وبعدين أنا جيبالك هديه حتعجبك أوي.

صاح بلهفة:-

-إيه هيه؟

-مش أنت كان نفسك تشوف بابا؟

أومأ مرارًا وتكرارًا في لهفة فقالت وهي تنظر إلى السرور واللهفة على ملامحه:-

-بابا واقف بره وعايز يشوفك، إيه رأيك أدخله ولا إيه؟

صاح بلهفة:-

-دخليه يا ماما، دخليه بسرعه.

ثم أوقفها قبل أن تغادر الغرفة متسائلا في قلق:-

-بس تفتكري بابا حيحبني وأنا كده، فيه علامات كتير في جسمي وكمان مش حيعرف يحضني.

ترقرقت الدموع في عينيها وأكدت بحب:-

-أكيد حيحبك يا حبيبي، وبعدين الدكتور قال كام يوم كمان وترجع زي الأول.

خرجت من الغرفة لينظر ليث إليها في فزع عندما لم تستغرق وقتًا طويلا، تسائل في لهفة وقلق:-

-حاجه حصلت لفارس؟

بدون أي مقدمات انفجرت باكية وقالت:-

-خايف متحبهوش؛ علشان العلامات اللي في جسمه.

برقت عيناه بالدموع وقال بمشاعر أيقنت شهد من صدقها:-

-ده ابني وأنا بحبه أوي ومستعد أعمل أي حاجه علشانه حتى لو مش هتصدقي ده.

صمت برهة ثم أردف:-

-عارف إنك موجوعه من إنه حيشيل نتيجة اليوم ده على جسمه، بس ده نصيب ومشاعرنا تجاهه مفيش حاجه حتغيرها.

أومأت شهد ولأول مرة تلمس التغير في ليث، وقد نضجت شخصيته كثيرًا.

***

دخل ليث غرفة طفله شاعرًا بالتوتر للقاء ابنه لأول مرة، ولكن كل ذلك قد تبدد عندما نظر إليه فارس في سعاده متسائلا:-

-أنت بابا بجد؟

اقترب منه يمسك كفه بلطف ثم ابتسم في حنان قائلا بحب:-

-أيوه يا حبيبي أنا بابا.

قال فارس بغضب طفولي:-

-أنا زعلان منك علشان أنت مكنتش بتيجي تشوفنا، وماما لمه عمو مراد سافر كانت علطول بتعيط قبل ما بتنام.

نظر إلى طفله بندم على ما جنته يداه وقال في حزن:-

-آخر مره يا حبيبي، بابا غلط غلطه كبيره أوي وأوعدك إنه حيصلحها.

-يعني مش حتسيبني أنا وماما تاني؟

ابتسم قائلا بتأكيد:-

-أبدًا.

ضحك بسعاده وقد اختفى كل قلقه وقال:-

-أنا بحبك أوي يا بابا، لمه أرجع المدرسه حوري أصحابي صورتك علشان يعرفوا إن أنا كمان عندي بابا زيهم.

لمس شعره بحنان والذنب يقتله؛ فقد دفع ابنه ثمن أنانيته وقلة نضجه غاليًا من طفولته، ولكنه سوف يحرص على تعويضه عن كل لحظة مضت.

***

نظر المعز بأسى إلى طفلته النائمه، قبل جبينها هامسًا بحزن واشتياق:-

-وحشني صوتك أوي يا حبيبتي.

منذ مقتل والدتها أمام ناظرها ولم تنطق بحرف. يتذكر عندما أبعدوه عنوة عن جثمان زوجته ثم أخرجوه من الغرفة لينتبه حينها إلى ابنته الجالسه أرضًا لا تتحرك، ومنذ ذلك اليوم وهي على ذلك الفراش.

طفلته الصغيرة...قد أشتاق لرؤية عينيها الجميلتين التي تشبه عين والدتها، وسماع ضحكتها الطفولية العابثه.

يتملكه خوف عميق من أن يفقدها كما فقد والدتها، فحينها سوف يكون ذلك موته.

قد مر أكثر من عام وهي ماتزال على تلك الحالة، لا يملك إلا هي فها هو حقق أنتقامه وسوف يتعفن الأوغاد في السجن مدى الحياة، وقد تفرغ الآن من أجل رعاية أميرته الصغيرة، وتلك الأنفاس لا تخرج إلا في سبيلها.

***

خرج ليث من غرفة طفله الذي خلد إلى نوم عميق بعدما أطمأن إن أبوه لن يفارقه.

وجد شهد تجلس أمام غرفة مراد التي تقع بجوارغرفة فارس، وقف بعيدًا يتأملها. كان الحزن قد وضع علاماته بكل وضوح على وجهها والألم في نظراتها.

تذكر ما أخبره فارس به عن بكائها كل ليلة، هذا ما جنته يداه, هو من فعل بها هذا، جعلها ذلك الحطام، حولها من فتاة بريئة لا ترغب إلا في رعاية والدتها وأشقائها إلى أمرأه حزينة لا تفارقها الدموع أبدًا وكأنه قد كُتب عليها الحزن.

جلس بجوارها في صمت ثم قال بدون أن يملك الشجاعة الكافية لمواجهة نظراتها:-

-عارف إن اللي عملته فيكي مكنش هين وإنك صعب تسامحيني بس أنا ندمان، والله العظيم ندمان, صدقيني من ساعة اللي حصل معايا وأنا اكتشفت مشاعري الحقيقية اللي كنت بتجاهلها لفترة طويلة، أنا بموت في كل يوم، في كل لحظه، وأنتِ مش جنبي. عارف إني المفروض مقولش كده بس أنا بحاول أفهمك اللي أنا حاسه. أنا أسف أوي يا شهد، أسف على كل حاجه عملتها فيكي، وأسف علشان اضطريتي تتجوزي مراد علشان فارس.

صمت برهة ثم نهض من مكانه قائلا:-

-عارف إني مليش الحق إني أطلب منك ده، ومش حلومك لو رفضتي بس ممكن تحاولي تسامحيني وتقبلي ترجعيلي؟ أنا محتاجك أنتي وفارس في حياتي. أنا اتغيرت صدقيني، مبقتش ليث الفاسق اللي مش بيهمه حد. بقيت حد تاني، حد بيحب وبيهتم...أنا مش حضغط عليكي، ووقت لمه تاخدي قرارك قوليلي.

غادر ليطمئن على أخيه بينما هي فقد اضطربت مشاعرها لا تعرف ماذا تفعل، أتوافق؟! فقلبها مازال يخفق من أجله ولكن ماذا عن والدته؟ فهي لن تتقبلها رغم حبها لفارس فسوف تظل في نظرها الزانيه الفاسقه، ولن تفرق توبتها كثيرًا معها.

نهضت لتذهب إلى غرفة فارس فقد أشتاقت إليه كثيرًا ولعل وجودها معه يخلصها من تلك الحيره.

خلال تلك الفترة المؤلمة كان مراد تحت رعاية نميس التي لم تفارقه إلا عندما يزوره ليث أو المعز ثم تعود إلى مكانها بجواره مرة أخرى تهمس له بكلمات الحب التي تاق ليسمعها منها، تنتظر الرد منه، تشتاق إلى مداعباته وحبه الذي يبثها إياه في كل مرة يقابلها.

***

جلس ليث بجوار فراش أخيه ثم قال:-

-النهارده اتكلمت مع شهد، طلبت منها تسامحني وترجعلي. أنا خايف أوي متوافقش، عارف في اليوم اللي قولتلي فيه عن نميس وإن شهد زي أختك، ساعتها فرحت أوي وكأنك ادتني تصريح بأني أحبها، أحلم بيها من غير إحساسي بالذنب اللي كان بيقتلني. أرجع يا مراد أنا تايه أوي من غيرك. أنا محتاجلك أوي فبلاش تغيب كتير،عارف نميس مش بتفارقك خالص عرفت تختار صح، بتحبك أوي.

صمت برهة ثم ابتسم بخفة متابعًا:-

-أنا كمان اتكلمت مع فارس، فرح أوي لمه عرف إني باباه، تعرف أنا اتصدمت لمه شوفته شبهي أوي لمه كنت صغير صح؟ بس طالع ذكي زيك.

ضحك بمرارة ثم دمعت عيناه وهو يقول:-

-أنا أصلا مش عايزه يبقى زيي، غبي ومش بيتعلم إلا بعد ما يدوق العذاب، عايزه زيك بيتحمل المسئوليه وعارف يعني إيه حب، يعني إيه تحب واحده وتبقى راجل قد كلمتك معاها وتحافظ عليها.

أردف بمرح زائف:-

-بس مش عايزه يبقى متسرع وياخد قرارات بسرعه مدفوع بمشاعره.

انهمرت دموعه وقال:-

-أنا السبب في كل ده، رغبتك في إنك تساعدني خليتك تاخد قررارت سريعة منها تورطك مع الحسيني، واللي وصلك لهنا. اتمنى إنك تصحى علشان أعتذرلك بنفسي.نيب

جفف دموعه التي سقطت سهوًا أثناء حديثه ثم نهض مغادرًا الغرفه يتمتم:-

-يا رب نجيه، بلاش تعاقبني بإنك تاخده مني...أنا طمعان في رحمتك يا رب.

***

جلست بجوار فراشه تحتضن كفه بحنان والدموع تنهمر فوق وجنتيها، همست في حب:-

-وحشتني يا مراد، إيه أنا موحشتكش ولا إيه؟!

أردفت في حزن:-

-أنا تايهه من غيرك، لا عارفه أذاكر ولا أعمل أي حاجه، عارف أنا ممكن بتلامض معاك شويه بس أنت أصلا أماني، أنا مليش غيرك...اه بابا ربنا يخليه بس أنت غير، أنت حياتي كلها، أنا من غيرك ولا حاجه. أنت الوحيد اللي دايمًا بتخليني واثقه من نفسي. دايمًا بتقولي ذاكري كويس، مستقبلك أهم حاجه أهم مني شخصيًا، لازم طبعًا تشتغلي هوه أنتِ آخده الشهاده علشان تقعدي في البيت أنا أصلا عايزك في أعلى مكانه علشان اتباهى بيكي وسط الناس.

اجهشت بالبكاء بينما تتابع:-

-دايمًا بتقولي إنك فخور بيا بس أنا نسيت أقولك إني فخوره بيك أوي، فخوره إنك أخترتني أكون مراتك...ارجعلي يا مراد أنا من غيرك ممكن أموت.

***

بعد عدة أيام لم يتغير شيء مازال مراد في غيبوبته، ولكن فارس قد تحسن كثيرًا فلم يعد يشعر بتلك الآلام في جسمه برغم سعادة شهد بهذا إلا إنها تتألم كثيرًا عندما تجد علامات الضرب على جسده.

***

قرر ليث أن يذهب إلى غرفة ابنة المعز ليطمئن عليها، وفي صمت شعرت شهد بالإعجاب تجاه موقفه رغم دهشتها، وقد كان شعور المعز مماثلا فلم يستطيع إخفاء دهشته عندما دلف ليث إلى غرفة ابنته يمسك كف ابنه وشهد تجاوره.

قال ليث:-

-كنا عايزين نطمن عليك وعلى بنوتك.

ابتسم المعز ثم احتضن ليث في مبادرة سلام.

ابتسمت شهد بسعادة وهي تفكر إن مراد عندما يستيقظ من غيبوبته سوف يسعد بهذا كثيرًا.

قال فارس فجأة بينما ينظر إلى الطفلة النائمه:-

-عمو، هيه اسمها إيه؟

ابتسم المعز بحب، ورمق طفلته في حنان قائلا:-

-إيمان.

ردد فارس اسمها وكأنه يتذوقه:-

-إيمان.

انشغل الكبار بالحديث فقد كان هناك الكثير للتحدث عنه سواء عن قضية الحسيني أو عن ذكريات قديمة جمعت مراد والمعز أو مراد وليث، ولكنهم لم يلاحظوا فارس الذي تشبث بكف إيمان الصغير، وقد أقترب بوجهه من أذنها هامسًا بطفولية:-

-لمه تصحي يا إيمان حخليكي تلعبي معايا بلعبي، وحشتريلك شيكولاته كتير.

ألتفت إلى والدته التي تناديه استعدادًا للرحيل قائلا:-

-حاضر يا ماما.

ثم خطف قبله من الطفلة الصغيرة وأسرع راكضًا إلى والديه بينما المعز فقد قرر أن يذهب معهم ليطمئن على مراد.

خرجوا جميعًا بدون أن يلحظوا جفن إيمان الذي ارتجف وأصبعها الذي تحرك حركة بسيطة تكاد لا تلحظ.

***

ظهر القلق على ملامح شهد بعد عودة ليث وأخبارها بإنه بإمكان فرس المغادرة فبرغم سعادتها بخروج ابنها إلا إنها لا تستطيع مغادرة المشفى بدون مراد.

أقترحت نميس والتي كانت تجلس معهم في غرفة فارس في انتظار خروج المعز من عند مراد:-

-شهد، لو تحبي فارس يقعد مع بابا لغاية لمه مراد يقوم بالسلامه، أنتِ عارفه بابا بيحب فارس إزاي.

أجاب ليث سريعًا بدلا من شهد:-

-فارس حيقعد مع والدتي، شكرًا يا نميس.

ثم نظر إلى شهد وأردف مطمئنًا إياها قبل أن تنطق بالإعتراض الصامت في نظراتها:-

-هيه بتحبه وحتاخد بالها منه أكيد.

أومأت شهد بالموافقه ثم أخذت تتأمل طفلها في حنان وقد بدى عليه التركيز الشديد في اللعبه بين يديه.

***

بعد دقائق أقبل المعز قائلا:-

-ليث عايزك ثواني.

خرج ليث معه، ولكن كان القلق قد استولى بالفعل على كلا من شهد ونميس فخرجا خلف ليث ليلاحظا التوتر المفاجأ في المشفى وهرولة الطبيب تجاه غرفة مراد.

صاح ليث في قلق:-

-إيه اللي حصل لمراد؟

أخفض المعز نظره أرضًا في صمت حتى خرج الطبيب من غرفة مراد قائلا في أسف بارد:-

-أعتذر، لقد توفى المريض.

صرخت نميس بشدة وأجهشت ببكاء عنيف يرج الأوصال بينما شهد فقد انهمرت دموعها ببطء فوق وجنتيها ولم تعد قدماها تتحمل الوقوف فانزلقت تجلس أرضًا.

شعر ليث وكأن الزمن قد توقف، لا يشعر بما حوله، بكاء شهد...انهيار نميس...لا شيء، فقط ألم يمزق قلبه أربًا. مراد قد مات! تكررت مرارًا و تكرارًا في ذهنه لعله يستوعب معناها، كيف له أن يموت وقد توسل إليه أن يعود؟!

ركض إلى خارج المشفى شاعرًا بالأختناق وكأن الهواء قد نفذ، أخذ يشهق وتسارعت أنفاسه كأنه كان يجري أميالا ثم سقط أرضًا على ركبتيه يبكي بحرقة... لقد انتهى الأمر، فأخيه قد مات بدون أن يعرف كم يحبه، وكم يحتاج إليه كما فعل دومًا.

نهاية الفصل السابع عشر

#رحلات_قلم

#روان_محمد_بركات

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...