الفصل 50 | من 50 فصل

قصر آل الزيني الفصل الخمسون 50 - بقلم Salma Khaled

المشاهدات
25
كلمة
30,357
PDF
تحميل الفصل
التقدم في الرواية 100%
حجم الخط: 18

ازيكم عاملين ايه؟؟
في كام نقطة لازم نتكلم فيهم، بلاش تتجاهلوا كلامي دا علشان هرد فيه على معظم اسئلتكم علشان مرجعش الاقي أسئلة انا المفروض جاوبتها.

١_ القصص دي حقيقية، معظمها قصتين او اكتر لنفس الشخص او قصة واحدة لشخصية واحدة على حسب، معظمها اشتهر وبعضها لا نظرا لانها حصلت مع ناس اعرفها.
في النهاية لو فيه هكتب لكم اسماء القواضي كلها دا لو محدش خمنها طول الأحداث الجاية يعني.

٢_ هرجع امتى للجزء التاني مش عارفة، بس احتمال اغيب اسبوعين ودا هيتحدد على حسبكم انتوا، لو لقيت تشجيع منكم هرجع أسرع بجد لان حماس الكاتب بيجي من القارئ اللي مستني روايته.
من حقي حاليا بقا اشوف ريفيوهاتكم على الجزء الأول مش بس في كومنت لا، كمان على الجروبات بتاعت الرواية زي حكاية ورواية ورشحلي رواية، معظمكم هناك.
نزلوا ريفيو عن الرواية وقولوا رأيكم واعملولي منشن علشان اشوف كلامك عن العمل ♥️
كل ما زاد التشجيع، كل ما زاد نسبة إننا نرجع أسرع بجد
وعايزة ناس مختلفة حتى لو مش بتعرفوا تعملوا ربفيو، يكفي اي كلمتين في حقي وفي حق الرواية مع منشن وبس كدا
طب الناس اللي بتتكسف؟
اعملوا البوست مجهول الهوية او باسم مستعار.
المهم عايزة اشوف همتكم معايا، صورة الرواية مع اي كلمتين وخلاص مش محتاجة تحليل أدبي يعني.
دا هيشجعني ارجع اما اشوف تعبي اترجم لشكر عسول منكم.

٣_ الرجوع هقول امتى على صفحتي على فيس بوك او على الجروب الخاص بيا مش هنا على الواتباد.

٤_ في عندنا جروبات واتس وفيس وصفحة تيك توك كل دي حاجات خاصة بالرواية، تقدروا تنضموا وتابعوا معانا واللينك برا بتاع صفحتي ومن صفحتي تقدروا توصلوا لباقي الصفح والجروبات.

٥_ محتاجة منكم صبر وهدوء عليا علشان اللي جاي مختلف خالص عن اللي راح، احنا دخلنا في الجد وانتوا بنفسكم هتقدروا تشوفوا ايه اللي حصل للشخصيات دي وهينفع تتعاطفوا معاها ولا لا زي ما حصل في الحقيقة.
في تغيرات كتيرة انا عملتها علشان منوهش بشكل مباشر عن الشخصيات الحقيقية.

٦_ مش عايزة استعجال مش عايزة استعجال مش عايزة استعجال في مفاجآت كتيرة موت جاية.
عايزاكم بس تفكروا وترتبوا الاحداث وتربطوا الخيوط ببعض وكل واحد يبقى محقق في نفسه ويحاول يوصل لوحده للي مستخبي قبل ما اقوله.

٧_ اكيد في آخر البارت هبقى حابة اشوف رأيكم والفوتس بتاعتكم بس دا ميمنعش إني هستنى الآراء دي على الجروبات الخاصة بالروايات.

٨_ اخيرا وليس اخرا، رسالة شكر خاصة من كل قلبي، لجميع القراء الغاليين على قلبي اللي كانوا معايا من اول الرحلة لحد دلوقتي، دايما كومنتس وفوتس وتشجيع.
كنت كتبت عن الناس القريبة مني جدا الداعمين الاولين على جروبات الفيس والواتس وغيره والنهاردة هخص بالذكر بس، قراء الواتباد.
كل الشكر والامتنان لحبايب قلبي


[ fofo, naira Ahmed, ranon Yasser, roro " areej asad, walaa elnasser, asmaa, monaa mokhtar, Fatma boba, ام خالد الخطيب، roon, asmaa abdo, marwa, rony Mohammed, آية الشرقاوي، seham Ahmed, hend Abdelhamid, Ghada, غدير وليد، zainab Ibrahim, nossa Mustafa, زينب حسن، basmala Yasser, Mahmoud Mohammed, Jana khader, Fatma gaming, sujuod wredat, mena Ayman, mayada Mohammed, سجاد وسام، rawan Mohammed, gehad Ahmed, سهام محمد، fozzta " foz", princess ghaza, " ghazal" , roqii " roquia mabrouk, Lucas agha, Jana Mahmoud, sanar hfff, أمنية " vetvet", Jana taher, rerry " ranon " , suo eljitany, jenna tharwat, miritta miro, bassant Mohamedd, Alabd AlAa, asma souma, loma eltantawy, shemo hema, BOo, إيمان التكريتي، strong soul " mariam" , zeina Waleed, aml yousef, hamed silam , أحمد طه، walaa fathy, آية حمدي، shahd ashraf, doaa Mahmoud, الرميساء، naira, reham Ahmed, Elsaid fouda, Yasmeen hosam, Sara elbaz, Eman Ahmed, nour Moustafa, nourhan elsisy, hawaa , merna, nada alksas, doaa Amer, روضة المحبين، alaa khalifa, Asd Asd, sahar khamis, hayam nabil ]

بصوا انا مش عارفة فيه اسماء صح ولا غلط بس انا نقلت أسماء الاكونتات اللي عيني حفظتهم من اول يوم كل واحد يتأكد من اكونته بقا بجد شكرا ليكم كلكم♥️
عارفة ان فيه اكتر بس جايز لسه بس محتاجة شوية واحفظهم هما كمان، افضلوا سيبوا كومنتس علطول علشان عيني تفضل فاكرة والمرة الجاية هيكون فيه اهداء ليكم ♥️

اخيرا بقا، جاهزين؟؟
يلا نبدأ
الفصل الخمسون " الأخير من الجزء الأول " [ الصدمة]
سلمى خالد احمد
***************
نظر إليه جياد وتصنع اللامبالاة ولما أراد الآخر أن يدخل، منعه على الفور قائلًا:
_ إيه يا باشا، هي زريبة ولا إيه، فيه ست جوا!

توقف باسم حينها ورد:
_ مقصدتش أكيد...

ثم أشار بيده نحو الداخل وتابع:
_ اتفضل خدلي طريق

تنهد جياد ثم دخل وقال لزوجته:
_ روحي ادخلي التويلت، اما اشوف الحيوان دا عايز ايه وسافر ورايا ليه

ردت في سرعة:
_ جياد بالله عليك ما تتخانق معاه ولا تبين له ان فيه اي حاجة خالص، تمام؟

هز رأسه موافقًا، ثم اتجه نحو باب الغرفة، بينما هي سحبت فستانًا يناسب الخروج ودخلت سريعًا المرحاض كي تبدل ملابسها وتستطيع الخروج وسماع ما سيقال بينهما.

دخل باسم والتفت حوله ثم ابتسم.
بينما جياد عقد ذراعيه أمام صدره وسأله:
_ إيه يا باسم سامعك

التفت إليه الشاب وعلق:
_ هو ايه النبرة اللي انت بتكلمني بيها دي يا جياد، هو انت زعلان مني ولا إيه؟

سكت الشاب قليلًا... ثم رد في نبرة عتاب:
_ آه الصراحة شوية
_ ليه؟
_ يعني، اما فوقت سألت يزيد عن مين اللي سأل عني وكدا وقالي الكل تقريبا بس ماعدا انت.. توقعت إني هلاقيك أول واحد واقف جمبي

عقد حاجبيه في حزن مصطنع ورد:
_ لا لا لا انا مقدرش على زعلك يا جياد طبعا... انا كنت مسافر برا مصر أساسا واول ما سمعت انك فوقت، جتلك حالا اهو لحد عندك مستنتش حتى أما ترجع.

وداخل المرحاض كانت هانيا قد اتصلت على روني واخبرتها بأن باسم هنا وأنها خائفة من وجوده، وطلبت منها روني أن تخرج لهما في الحال وتسمع ما يقال وتبقيها معهم على الاتصال حتى تسمع هي الأخرى.
وافقت وبالفعل خرجت وهي تمسك الهاتف بيدها تاركة أختها معها في المكالمة، ولما رآها باسم ابتسم وقال لها:
_ عاملة إيه يا هانيا؟


هزت رأسها بالايجاب ثم التفتت إلى زوجها لتحدثه ولكنها تفاجأت به يترنّح لا يستطيع أن يتوازن.
يفتح عيناه ويغلقهما بصعوبة ثم سقط على الأرض فجأة مغشيًا عليه.
التفتت إلى باسم في خضة ولكنها سرعان ما شعرت بنفس الأعراض.. أصبحت الرؤية مشوشة أمامها، لا تراه بوضوح تحاول أن تتوازن ولكنها باتت تترنح، تحاول أن تصمد وهي تراه يبتسم وكأنه ينتظر سقوطها.
اقترب منها بينما تراجعت للخلف حتى التصقت بالحائط وأخذت تستند عليه تأبى السقوط.
اقترب منها حتى حاصرها هناك وقال لها في ابتسامة:
_ طبعا انتي مش فاهمة هو فيه إيه!
احب اقولك ان السبب ببساطة هي التورتة اللي أكلتوها.
اول ما دخلت لاحظت ان فيه طبق خلصان وطبق فيه نصه، ودلوقتي أدركت ان جياد هو اللي أكل الكمية الأكبر علشان كدا وقع بسرعة على عكسك.
الموضوع كلفني شوية وقت بس.. حد راقبك من ساعة ما وصلتي ألمانيا، قالي إنك دخلتي محل حلويات فضلت افكر شوية ليه يا ترى، لحد ما افتكرت عيد ميلاد جياد.
الراجل دخل وراكي استنى لحد ما طلبتي، شاف طلبتي ايه وطلب زيك.
واما الدليفري اتحرك، عطلناه وجالك دليفري تبعنا إحنا بنفس التورتة اللي طلبتيها.

تنهد في ارياحية وتابع:
_زمان بتاع الدليفري الحقيقي في الطريق.

كانت تحاول الصمود بكل ما أوتيت من قوة ولكنها سقطت في النهاية.

نظر إليها ثم ابتسم ابتسامة النصر.

بينما روني قد شعرت ان هناك شيئًا ما يحدث وأن الأمور ليست على ما يرام عند أختها، وذلك بعدما سمعت باسم يتحدث مع هانيا بكلمات لم تفهمها وخاصة عندما سمعت صوت سقوط جياد ثم سقوط اختها، لذا انهت المكالمة من جانبها حتى لا يلاحظ باسم ثم اتصلت على زوجها في الحال والذي بمجرد أن استجاب قالت له في سرعة ونبرة بها الخوف:
_ انت فين

اختض الشاب من طريقة تحدثها ورد:
_ أنا.. أنا في العربية بتاعتي يعني..

قاطعته في سرعة مليئة بالخوف والقلق:
_ جياد وهانيا في خطر، يتلحقهم يا متلحقهمش
_ في إيه بس!
_ بسرعة يا يزيد بسرعة، وخد معاك امن الفندق متتطلعش لوحدك، ارجوك اتحرك يلا يلا حالا

اختض الشاب للغاية وقذف الرعب في قلبه وعليه تحرك بالسيارة صوب الفندق وكان يقود بسرعة عالية للغاية وهو لا يفهم شيئًا سوى أن أخاه وزوجته في خطر وهو وحده من يمكنه إنقاذهما.

قال لزوجته أثناء القيادة:
_ في إيه ها؟
صفوت؟
_ هتروح الفندق وهتفهم هناك، بسرعة بس، اما توصل كلمني خليني معاك على اتصال.

****

وهناك، انحنى باسم نحو الأرض ثم حمل هانيا الغائبة عن الوعي.. نظر إلى ملامح وجهها قليلًا.. ثم قال لها في نبرة بها الضيق:
_ انتي اللي منعتيني احط سم في التورتة.
كان نفسي اسمم جياد بس لولا عارف إنك هتاكلي معاه، كنت مترددتش.
لسه مش عايز احرق قلب اختك بالجامد اوي كدا.. لسه عايز اسويها على كل الجوانب ومش انتي البداية لا.
دلوقتي هاخدك معايا علشان انتي اللي هتجبيلي روني وجياد راكعيين قدامي، ووقتها هاخد حقي من كل واحد فيهم بطريقتي.


اتجه بها نحو السرير ثم وضعها فوقه.
بدأ يلتفت حوله كأنه يبحث عن شيء ما، حتى وقع بصره على أقلام الروج خاصتها الموضوعة فوق التسريحة.
اقترب إلى هناك ثم التقط واحدًا، ثم تحرك حتى جياد الواقع أرضًا وانحنى نحوه وفتح قميصه ثم كتب على صدره بقلم الروج الأحمر:
" Don't mess with me "
[لا تعبث معي ]

ثم قال في ابتسامة:
" سوري بقا هاخد معايا روج المدام علشان عليه بصماتي بس يا جيدو يا اخويا. "

وبالفعل وضع قلم الروج في جيبه وتحرك نحو السرير الذي فوقه الفتاة.
اثناء اقترابه، صدح صوت هاتفه، أخرجه من جيبه ورد قائلًا:
_ إيه؟
_ على غير المخطط نهائي، يزيد الزيني دقيقتين وهيكون قدام الفندق

رد في ضيق شديد:
_ يعني إيه يعني؟
عرف منين؟
مش انت اتصلت بيه وقولتله احنا من المستشفى وفيه إجراءات تانية لازم تيجي حالا تخلصها؟
_ عملت كدا وقال جاي بس معرفش فجأة غير اتجاهه مش عارف ليه!

التفت حوله ليفهم ما الخطأ حتى لاحظ وقوع هاتف هانيا على الأرض.
سحبه سريعًا واستخدم اصبع يدها في فتحه، فوجد آخر مكالمة منذ دقائق مع أختها لذا غضب غضبًا شديدًا ومن شدة الغضب، ألقى الهاتف على الأرض في قوة فتحطمت الشاشة في الحال، وبدأ يضغط على أسنانه بقوة حتى كادت تنكسر من شدة الغيظ، وبرزت عروق رقبته بشكل كبير وأحمر وجهه للغاية وهو يلفظ اسمها:
" روني... روني..."

اتجه نحو هانيا سريعًا وحملها رافضًا الاستسلام ولكنه سمع صوت السيارة لذا اتجه بها وهو يحملها نحو نافذة الغرفة وأطل بعينيه من الزجاج دون أن يفتحه فلاحظ يزيد وهو يصف سيارته في سرعة فائقة ثم خرج منها.

تحرك باسم حينها بالفتاة ثم فتح باب الغرفة ولم يغلقه خلفه بل تركه مواربًا.
أخذ يلتفت حوله يفكر أيستخدم المصعد الكهربائي أم السلم؟
ولكنه سمع حينها صوت عالي يأتي من الأسفل.
نزل درجتين وأطل برأسه إلى الأسفل ليرى ماذا يحدث، ليسمع صوت يزيد وهو يصرخ في الأمن ويطلب منهم الحضور معه لوجود مشكلة مع أخيه.
لذا هز رأسه شاعرًا بفقدان الأمل وعليه صعد نفس الدرجتين في سرعة رهيبة ودفع الباب برجله ودخل.
ألقى الفتاة بجانب زوجها ثم عاد يركض مرة أخرى وصعد إلى الأعلى باستخدام السلم.
وبمجرد أن صعد، وصلوا هم في الحال وخرج بعضهم من المصعد وبعضهم من السلم ثم اقتحموا جميعهم الغرفة.

وبعدما رأى باسم انهم قد دخلوا، حتى استخدم المصعد الكهربائي ونزل في الحال.
وبمجرد أن وصل الدور الأرضي حتى اعتدل في مشيته وخطواته إلى أن خرج من الفندق وسريعًا وقف راجله بالسيارة أمامه ففتح الباب ودخل ثم قال له وهو يلتقط أنفاسه:
_ على Hamburg بسرعة يلا

واختار تلك المدينة بالذات لأنها تبتعد عن العاصمة برلين بحوالي ٣٠٠ كم، وذلك لوجود جياد وأخيه في العاصمة.


سأله الرجل بعدما قاد السيارة ليتحرك حيث طلب منه:
_ مجبتهاش معاك ليه؟
_ فيه شوشرة جامدة في الفندق بعد اللي يزيد عمله طبعا، خفت انزل بيها حد من الأمن يوقفني ويدخلني في سين وجيم.

_ يا باشا الكاميرات هتجيبك، احنا كدا محتاجين نسافر على برا ألمانيا مش نهرب على مدينة تانية!

هز رأسه متفقًا ثم قال:
_ متخافش.. مش هيبلغوا عني، انا متأكد من دا.

ثم أخرج هاتفه واتصل على صفوت وقال له بمجرد أن استجاب:
_ يلا الخطة اللي بعدها، لازم اضمن إني هرجع مصر بالسلامة وروني تحترم نفسها.. جاهز؟
_ كلنا جاهزين يا فندم..

*********
دخلت منى على ماهي الغرفة، فوجدتها لا تزال تبكي، تأففت ثم اتجهت نحوها في سرعة وقالت لها في ضيق على حالها:
_ هو في إيه يا ماهي بجد!
مش قلنا كفاية كدا يا حبيبتي؟
خلاص يا ماهي بقا ما انتي لقيتي الحل وقولتلك هتعملي إيه!

ردت وهي تنهج وتشهق اثر البكاء :
_ بردو يا منى بردو.. اللي حصل مش سهل

ضمت رأسها إلى بطنها حيث كانت تقف امام السرير بينما الفتاة كانت جالسة، وردت في نبرة بها الحنان:
_ عارفة يا حبيبتي عارفة، بس هنعمل إيه يعني!
عملنا كل اللي علينا بجد!
_ انا خايفة اوي يا منى خايفة
_ لا يا قلبي متخافيش..

لاحظت منى حينها وجود شريط برشام موضوع خلف الفتاة بين ظهرها والوسادة، فالتقطته سريعًا وأخذت تقلبه بين أصابعها وهي تقول:
_ ايه دا؟ برشام إيه دا؟

ابتلعت ماهي ريقها ولم ترد، لتقرأ منى فتدرك سريعًا خطر الموقف وتصرخ في صديقتها:
_ مهدئ!
تاني يا ماهي مهدئات؟
مش قلنا كفاية والدكتور حذرك آخر مرة روحنا فيها زيارة وقال لك خطر على البيبي؟
قلنا ولا لا؟

ردت في صوت مبحوح للغاية:
_ مش عارفة اهدى.. مش عارفة أنام غضب عني والله غصب عني.
_ لا لا، احنا كدا لازم نروح زيارة للدكتور تاني يطمنا، انتي أكيد مجنونة

وفي تلك الأثناء، دخلت عليهما سحر والدة شهاب ولما لاحظت دموع الفتاة، قالت في خضة وهي تقترب منها:
_ إيه يا ماهي يا حبيبتي بتعيطي ليه؟

نظرت الفتاة إلى منى كي تنجدها، لتقول منى:
_ ولا حاجة يا طنط، الحمل بس تاعبها، اصلا كنا رايحين دلوقتي انا وهي زيارة للدكتور بسبب موضوع الحمل اللي بقا يتعبها دا

تضايقت سحر للغاية وعليه ردت:
_ أنا بسأل مرات ابني وعايزاها هي اللي ترد عليا

نظرت إليها منى في ضيق ولكن ماهي تدخلت في الحال وقالت:
_ ماما سحر منى مش قصدها نهائي.. انا بس مش قادرة اتكلم وتعبانة فعشان كدا هي ردت

ردت السيدة على الفور:
_ لو رايحة زيارة لدكتور فأنا كمان هاجي معاكي، طالما مش هتستني شهاب أما يرجع من الشغل


هزت رأسها موافقة ثم ردت:
_ تمام يا ماما سحر، تعالي معانا
_ ماشي، هروح البس وهكلم جوزك اقوله إننا رايحين

وبعدما تحركت قليلًا نحو الخروج، لاحظت وقوف منى مكانها وعليه توقفت وعلقت متسائلة:
_ إيه يا منى يا حبيبتي هتفضلي واقفة عندك كتير؟
ولا يكونشي هتلبسي معاها في نفس الأوضة!

زفرت منى في ضيق وهي تتمتم:
" استغفر الله العظيم يارب"

ثم ردت على مضض:
_ لا يا طنط خارجة اهو وحالا

ثم نظرت إلى ماهي وقالت:
_ البسي بسرعة يلا انا رايحة ألبس وخلينا نمشي

ثم تحركت للخروج.
انتظرت سحر حتى خرجت وحتى دخلت الغرفة التي تقيم بها، ثم خرجت هي الأخرى وقد ولّت شاهندا مهمة المراقبة حتى تنتهي من تغيير ملابسها.
***********
خرج الطبيب ليزيد الذي ينتظر في الخارج وقال له بالالمانية:
_ يبدو أن المريضين تعرضا لتناول مادة مهدئة أو منومة دون علمهما، يُرجح أنها وُضعت في الطعام الذي تناولا منه. وقد أدى ذلك إلى دخولهما في حالة من الخمول الشديد وفقدان الوعي.

قلق يزيد للغاية وتمتم:
" منوم! مين حط لهم منوم!
افتكرت انهم اتعرضوا لحالة تسمم مثلا بسبب حاجة فاسدة من التورتة!
لكن مين نيمهم وازاي وفين وليه وامتى؟؟

وبين كل تلك التساؤلات التي كانت تدور في رأسه، قال للطبيب يسأله:
_ متى سيفيقان؟
_ من الصعب تحديد الوقت بدقة، لكن إذا لم تحدث أي مضاعفات، فمن المتوقع أن يستعيدا وعيهما خلال عدة ساعات
_ كم ساعة تتوقع؟
_ قد يفيقان خلال 6 إلى 12 ساعة، لكن من الممكن أن يظل أثر الدواء موجودًا لفترة أطول، فيشعران بالدوار والنعاس حتى بعد استعادة الوعي.

هز رأسه موافقًا ثم شكر الطبيب.
راح يجلس في ساحة الانتظار وهو لا يفهم أي شيء.
أخذ يفكر قليلًا.. ثم اتصل على زوجته والتي قالت له بمجرد أن استجاب:
_ إيه اللي حصلهم؟ طمني عليهم، هما كويسين دلوقتي؟

قاطعها في نبرة مليئة بالانفعال:
_ هو فيه إيه؟ في إيه عمال يدور حواليا وانا مش فاهمه؟
انتي لازم تفهميني، انا لازم افهم دلوقتي.
انتي وجياد وهانيا مخبيين إيه عليا؟
من بدري وانا حاسس ان في حاجة.. اصلا ليه صفوت يعمل كدا وليه كل اللي عمال يحصل مع جياد دا، وفيه إيه اتكلمي!

ابتلعت ريقها وسكتت قليلًا.. ثم قالت له:
_ يزيد ممكن تخليك معايا شوية هحطك ويتنج، بابا بقاله شوية بيرن ومش عايز يسكت، هشوفه
_ ماشي

وبالفعل وضعته على الانتظار، ثم استقبلت مكالمة والدها قائلة:
_ ألو

رد الرجل في نبرة بها القلق قليلًا ولكنه كان يخفيه:
_ روني، اوصلي للمحامي بتاعي وتعالي انتي وهو على القسم بسرعة لاني بكلمه مش بيرد


شهقت في خضة وسألته:
_ قسم
قسم ليه؟
ليه محامي ليه، إيه اللي حصل؟

تنهد ثم رد:
_ مش عارف حاجة.. انا كنت بشتغل في أمان الله، جم خدوني وقالولي في تحقيق.. متهمني في قضية مخدرات

ضربت الفتاة على صدرها في خضة وهي تصرخ:
_ يالهوي يالهوي، مخدرات إيه دي بس!
_ روني، اهدي انا قلت انتي العاقلة واللي بتعرفي تتصرفي علشان كدا كلمتك، أكيد فيه غلط ما هيوضح متخافيش، اعملي بس اللي قولتلك عليه وتعالي يلا أنا مستنيكم.

ابتلعت ريقها محاولة أن تهدأ وهي تنطق بصعوبة:
_ حاضر يا بابا حاضر
_ في هدوء ها، من غير شوشرة خالص، متقوليش لحد حاجة دلوقتي لسه هنشوف الموضوع رايح بينا على فين ها؟
_ حاضر، حاضر

ثم تمتمت في خوف:
" باسم.. هو الله يحرقه مفيش غيره"

ومن شدة توترها وخوفها وقلقها أنهت المكالمة مع والدها ومع زوجها المنتظر دون أن تنتبه، كل ما كان في خاطرها وقتها، هو أن تخرج سريعًا من هنا لتبحث عن ذلك المحامي وتأتي به أينما كان وتذهب به في الحال إلى والدها.

وبعدما لاحظ يزيد أنها أنهت المكالمة معه، تضايق للغاية وبدأ يهز ساقه من فرط العصبية والغيظ وعليه تمتم:
" ماشي.. انا هعرف لوحدي مش عايز مساعدة حد.."

فكر أن يذهب ليكتشف ولكنه خاف كثيرًا على أخيه وزوجته، خاف أن يتركهما وحدهما فيحدث لهما أي سوء أثناء غيابه وهما غائبان عن الوعي لذا قرر أن ينتظر حتى يفيق أحدهما على الأقل.
***********
وداخل القصر، استدعت عبير، حورية طالبة منها أن تأتي لتتحدث معها في أمر ما.
وقد جاءت السيدة بالفعل واستقبلتها عبير، استقبالًا عاديًا.
وعندما تهيأ الأمر سألتها حورية:
_ خير يا عبير هانم، طلبتيني ليه؟

وضعت السيدة ساق فوق الأخرى وردت وهي تعود بجسدها إلى الخلف لتستند على المقعد:
_ بقى انتي معندكيش علم، انتي هنا النهاردة ليه يا حورية؟

تعجبت السيدة قليلًا ثم هزت رأسها بالسلب وردت:
_ لا فعلا معرفش، ولو اعرف هخبي ليه؟
_ طول عمرك خبيثة زي بناتك يا حورية.. بقى بنتك مقالتلكيش؟

ردت السيدة في نبرة جدية:
_ بدون غلط يا عبير هانم.
انا معرفش حاجة وبنتي مقالتش حاجة، ولو سمحتي ادخلي في الموضوع علطول!

_ الموضوع يا حبيبتي بخصوص بنتك مايا، الدكتورة الكبيرة العاقلة..

ابتسمت ثم تابعت:
_ يظهر دلوقتي بس عرفت، ليه بقت دكتورة بهايم، لانها شبهم وزيهم طبعا.

ردت حورية في غيظ:
_ انا سبق وقولتلك بدون غلط، افتكري اني حذرتك

تعجبت عبير للغاية وردت في استغراب شديد:
_ ايه دا ايه دا ايه دا!
هو انتي وبنتك هانيا طلعلكم صوت مع بعض وفي نفس الوقت؟ سبحان الله!


_ انا عندي صوت من زمان يا عبير هانم، بس تقدري تقولي كنت بحاول بكل الطرق مصعدش الأمور معاكي على قد ما اقدر، لكن هتسوقي فيها مش هسكت طبعا

صاحت السيدة في غيظ:
_ طبعا وشك الحقيقي دا ظهر بعد ما بناتك ركبوا على عيالي ودلدلوا رجليهم، بعد ما سحرتلهم وخلتوهم خواتم في صوابعكم

ردت حورية في ثقة:
_ والله انا مليش دعوة متجمعميش معاهم، كل بنت من بتاني قدرت تكسب جوزها بطريقتها، ومش كل واحد حب مراته وخايف على زعلها يبقى اتسحرله يا عبير هانم والا انتي كمان ساحرة للشيخ لانه برغم من انه غني ومرتاح جدا، مفكرش مثلا انه يتجوز عليكي زي ما رجالة كتير ما بتعمل!

_ جوزي معملش كدا لانه راجل محترم وانا طول عمري مكفياه يا عقربة انتي، إنما لو غلطت في مرة بيغلطني عادي وبيحاسبني وبيكاتبني، إنما عيالي ماشين مع بناتك على أي حاجة وأي تصرف بدون عقل وبدون مناقشة، يبقى دا اسمه إيه؟

ردت في ابتسامة:
_ اسمه عشق!
_ تصدقي إنك مستفزة زيك زي بناتك التلاتة بالظبط!
المعيوبة والزرافة وام بوز، هما دول اللي خدناهم منكم وهما دول اللي عيالي عاملين عليهم كل دا

ردت الأخرى في نبرة حادة:
_ فشر، انا بناتي زينة البنات كلها، مفيش عيب فيهم واحد يُذكر، وعلى رأي المثل ملقوش في الورد عيب، قالوله يا أحمر الخدين!

هزت رأسها بالايجاب بطريقة ساخرة وردت:
_ طبعا طبعا ماهو واضح من غير ما تأكدي.
ونعم التربية فعلا، التربية اللي تخلي بنتك الاولى تروح لدجال والتانيه تكلمني باسلوب زي الزفت والتالتة اللي بقت في منتهى قلة الأدب، واضح التربية فعلا!

صاحت حورية في غيظ:
_ بنتي مين اللي تروح لدجال يا ولية يا خرفانة انتي!
يظهر إنك كبرتي وبقيتي تخرفي كتير

لتصرخ عبير في غضب:
_ لا لا احترم نفسك، انتي في قلب بيتي!
_ لا يا حبيبتي انا في بيت بناتي يا عسولتي، انتي وجودك هنا اللي مؤقت، كل القصر دا بتاع بناتي وعيالهم فيما بعد

_ ايوا.
ايوا يا حورية اظهري على حقيقتك كدا وباني، اتأخرتي علشان تباني وتظهري بوشك الحقيقي
_ انا بقولك الحقيقة، انتي اللي موهومة، والا بناتي هيخرجوا برا القصر دا وهيعيشوا لوحدهم كل واحدة تقعد في فيلا ملكها أقل حاجة

لتصيح الأخرى في غضب أكبر:
_ فيلة مين يا معفنة انتي، هو انتي كنتي تطولي فلل ولا زفت، انتي شحاتة احمدي ربنا يا شحاتة يا جربوعة انتي على جوازات بناتك دي!

وقفت حورية فجأة وقفة واحدة مليئة بالانفعال وردت في نبرة قوية:
_ لا انتي شكلك اتجننتي على الآخر، انا أكيد مش هقف واسمع اكتر

ثم تحركت تاركة إياها تصرخ وتسب وتشتم.
خرجت حورية من الغرفة وظلت تسير في عجلة وخطواتها مليئة بالغضب تنادي في صراخ وهي تنظر إلى الأعلى:
"مايا، مايا.. مايا"


ثم اتصلت عليها وصاحت في نفس النبرة:
_ انزليلي حالا

لتأتي عبير خلفها وتصيح هي الأخرى:
_ وطي صوتك ومتصرخيش في قلب بيتي، انتي فاهمة؟
هنا تقعدي باحترامك

وعلى صوتهما، نزلت فاطيمة من غرفتها وهي تركض نحو عبير وتتساءل:
_ ايه يا عبير هانم خير، حصل إيه؟

ردت في عصبية:
_ استني يا فاطيمة أما اشوف الحسالة دي.

بدأت مايا تنزل الدرج في سرعة مليئة بالتوتر بمجرد أن لمحت الغضب على وجه أمها و حماتها أثناء نزولها.

وفي سرعة اتجهت نحو أمها وقالت:
_ نعم؟
_ لمي هدومك ويلا معايا، ملكيش قُعاد في البيت دا، بعد الاتهام دا

نظرت إليها مايا ثم ردت في خجل وبنبرة صوت منخفضة:
_ مش همشي يا ماما.. انا مش هسيب بيت جوزي، مش هتحرك بدون إذن فاتح
_ ملكيش دعوة بفاتح، انا هقوله ان انا اللي خدتك.
ملكيش إنك تقعدي في بيت واحدة اتهمتك إنك روحتي لدجال

علقت عبير حينها بسخرية:
_ يا سلام!
صدقت انا بقا المسرحية دي!

لم تعيها أي اهتمام بل ظلت تنظر إلى ابنتها حتى صاحت في وجهها:
_ ما تيلا يا بنتي اتحركي!

لترد الأخرى في نبرة اصرار واضحة:
_ مش همشي يا ماما مش همشي مش همشي
_ يعني ايه؟ عايزة تفضلي في بيت زي دا؟
بقولك اتهمتك بأنك روحتي لدجال، وجاية تتكلم معايا في الموضوع بدون احترام وغلطت فيا وانتي لسه عايزة تقعدي!

ابتلعت ريقها ثم ردت في نبرة بها الخجل وهي تنظر إلى الأرض:
_ ماما.. ماما.. أنا فعلا روحت لدجال

حملقت السيدة بها في عدم تصديق، لتضيف مايا سريعًا:
_ بس انا والله العظيم ما كنت اعرف انه دجال والله كنت فكراه شيخ..

ثم اشارت بيدها نحو فاطيمة الواقفة بجانب عبير واضافت:
_ هي اللي ودتني، هي اللي دلتني، هي اللي قالت لي عليه وقالت لي انه شيخ وانه هيفك لي السحر اللي عليا وهيخليني أحمل وفي الآخر طلع دجال مش شيخ.

استدارت حورية نحو فاطيمة لتصيح السيدة تدافع عن نفسها:
_ بطلي كدب وافترا بقا، هتروحي من ربنا فين يا مفترية انتي!
بقا انا؟
انا اللي وديتك عند الدجال دا انا؟
حسبي الله ونعم الوكيل فيكي يا شيخة وفي كل الظلم دا.

ثم نظرت إلى عبير وتابعت في نبرة بها الصعبانية والتمسكن:
_ بقا أنا؟
أنا يا عبير هانم تصدقي عليا إني روحت هناك؟
انا ممكن يطلع مني حاجة زي كدا بعد كل العمر دا؟

ردت عليها الأخرى:
_ اهدي يا فاطيمة كدا كدا احنا عارفين انها كدابة وان هي وأمها الحرباية دي اللي ورا كل دا، وقاعدين بيُحْبُكوا القصة علينا

قالت لها حورية موجهة سؤالها:
_ إلا قوليلي يا عبير هانم، عرفتي ازاي ان بنتي راحت لدجال؟
_ بقى هو دا اللي هامك؟
_ ايوا هو دا اللي هاممني، قوليلي بقا معلش؟
_ فاطيمة قالتلي انها كانت بتلاحظ خروجها كتير برا القصر في اوقات غريبة، ومشت وراها واحد قبل كدا وقالها على المكان دا وبقا يصورها وهي داخلة وهي خارجة


تدخلت مايا قائلة:
_ ماشي يا عبير هانم بس فيه فيديوهات ليا وانا جوا عنده، تقدري تقوليلي راجل مدام فاطيمة ازاي وصلها؟

ردت فاطيمة في الحال:
_ اما راجلي قالي طبعا، انا كنت عايزة اعرف مين دا وبتعملي عنده إيه، فخليته يدفع للست المساعدة اللي هناك مبلغ كبير، وهي اللي حطت الكاميرا اللي قولتله عليها بنفسي في اوضة الدجال فأما بقيتي تدخلي بعد كدا، بقينا نشوف لان الكاميرا متوصلة علينا دغري

ثم نظرت إلى عبير وتابعت في نبرة بها البراءة:
_ انا طبعا قلت يا عبير هانم لازم افهم هي رايحة فين وجاية منين الأول وداخلة عند مين قبل ما اتهمها بحاجة.
قلت في الأول جايز صاحبتها ولا حاجة بس حقيقي اللي خلاني أشك هو المكان، المكان مشبوه اصلا لا يشبهنا ولا نشبهه.
فقبل ما اثير البلبلة قلت لازم اتأكد الأول كله إلا اعراض الناس، حرام انا عندي بنت بردو!

هزت عبير رأسها بالايجاب وقالت:
_ صادقة من غير حاجة طبعا

ثم نظرت إلى حورية وابنتها بالتناوب وتابعت:
_ عرفتوا؟
إيه اللي اتغير بقا؟

قالت لها مايا في نبرة اقرب للبكاء:
_ عبير هانم، انا اقسم بالله ما عملت سحر ولا أي حاجة من دي لفاتح.
كل الموضوع إني كنت فكراه شيخ، انا بس كان نفسي عقدتي تتحل وأحمل، بس فكرت هو دا الحل والله.

ردت عليها في نبرة قاسية:
_ كان ممكن اتعاطف معاكي وأصدق ان اضحك عليكي فعلا لولا انك اتهتمي فاطيمة علشان تورطيها معاكي، دا اللي خلاني اتأكد انك كدابة وانك شيطانة فعلا وانك كنتي عارفة كل حاجة بس بتكدبي.
روحتي لدجال علشان ابني يفضل يحبك وميتجوزش عليكي لانك معيوبة ومش بتخلفي، عمري ما هصدق دموعك دي يا بنت حورية، خلاص شوشكم كلها بانت على حقيقتها.

تنهدت حورية وردت:
_ الإهانة دي أنا مش هسكت عليها وهوريكي يا عبير هانم قريب ازاي تتكلمي معانا بالاسلوب دا، وبيتك دا هخربهولك بالطريقة لو فكرتي بس مجرد التفكير انك تخربي على واحدة من بناتي.

_ إيه هتخربيه بالسحر؟

ردت ساخرة منها في ابتسامة:
_ تؤ خالص.
بعيالك.. عيالك هما اللي هيخربوا بيتك يوم بس ما تفكري تاخدي واحدة من بناتي منهم، وخاصة.. جياد.
_ اتكلمي على قد ما تتكلمي يا حورية كل دا كدب وبكرة تقعدي جنب عيالك المطلقين تصوتوا مع بعض.
_ اقسم لك ما حد هيصوت غيرك

ثم تحركت صوب الخروج في خطوات سريعة، لتقول عبير في صوت عالي كي يصل إليها أثناء سيرها:
_ بعونك يا حورية بعونك، بكرة بناتك يطردوا واحدة ورا التانية وهتشوفي، والله لتشوفي...

لكنها تجاهلتها تمامًا ولم ترد عليها بل ظلت تسير في طريقها نحو الخروج دون حتى النظر خلفها.

أما عبير فقد شعرت بنيران الغضب تأكل خلايا قلبها، تضرب الارض بقدمها في غيظ.
وقالت لها مايا في نبرة صوت ضعيفة:
_ كان نفسي بس تحبينا


ثم صعدت على السلم متجهة إلى غرفتها، ليصل لها صوت حماتها تقول:
_ مستحيل، سامعة، مستحيل.
انتوا شياطين وعمر الملايكة ما هتحب الشياطين ابدا

حزنت مايا للغاية ما إن شبّهتها بالشيطان وتوقفت لحظة متأثرة.. ولكن سرعان ما تابعت طريقها مرة أخرى.

قالت فاطيمة لتهدئ عبير:
_ اهدي اهدي وفكك، كلها تهديدات فارغة، هما ملهمش إلا الكلام انتي عارفة، اوعي تخافي منهم
_ حورية دي شيطانة لازم يتخاف منها أساسا.

تنهدت ثم تابعت في نبرة بها التوتر:
_ وجياد.. جياد خلاص اتاخد مني، اترمى في حضن حورية وبنتها، عرفوا يضحكوا على الواد اكمنوا شاب صغير لسه وخلوه يكتب لبنتهم شقة من بالم هيلز تساوي ملايين.
انا مش مصدقة ابدا، مش مصدقة، جياد طول عمره حريص وعمره ما يفرط في فلوسه بالشكل دا ابدا، ازاي يعمل كدا؟ ازاي!

_ اديكي قلتي بنفسك ان ابنك حريص.. ما يمكن الحيوانة اللي اسمها هانيا دي قالت كدا وخلاص بتكدب عليكي يعني!

هزت رأسها نافية ثم ردت:
_ لا ما انا عرفت انه سحب فلوس ودفع المقدم فعلا
_ طب ما يمكن شقته! اشتراها لنفسه يعني!

هزت رأسها نافية مرة أخرى وردت:
_ جياد لو هيشتري، كان اشترى من إعمار.. هو بيشتري منهم دايما، عمره ما جاب من بالم هيلز ولا بالم هيلز تفضيلاته أساسا.
وبعدين هي هتكدب ليه، ما هي عارفة إني هسأله وهعرف، البت دي مش بتكدب، البت دي عاملة حاجة لابني كبيرة اوي.
سحر أسود بقا ومنيل بستين نيلة شكله.

ثم تابعت في عدم تصديق:
الواد طول ماهو في البنج، بيقول هانيا، يصحى يقول هانيا، يفتح عينه يقول هانيا، يغمض يقول هانيا، فيه حاجة غلط والله فيه حاجة مش طبيعية، مش دا ابني لا مش دا جياد لا.

سكتت فاطيمة قليلًا شاعرة بالغيرة الشديدة ما إن تأكدت أنه بالفعل قد اشترى تلك الشقة لهانيا، كانت تطمح بأن ماله يذهب لابنتها واحفادها فيما بعد ولكن وجود هانيا قد أفسد كل شيء مما كانت تخطط له طيلة عمرها.
وتمتمت في غيظ:
" منك لله يا جياد انت ويزيد، بوظتولي كل أحلامي.
ومنك لله يا شهاب انت كمان، معرفتش تاخد منه المصيبة اللي اسمها هانيا دي وتغورها في داهية!
البت هتكوّش على كل حاجة والواد عادي ولا فارق معاه وعمال يدفع ويصرف ويفرتك ملايين عليها بدم بارد.. حسبي الله ونعم الوكيل فيكم كلكم. "
****************
خرج الطبيب من الغرفة التي تستلقي بها ماهي إلى أهلها الواقفين في الممر. كانت منى وحماتها تنتظران بقلق ظاهر على وجهيهما.
وبمجرد أن لمحته منى، أسرعت نحوه قائلة:
_ ها يا دكتور، طمّنا.

تنهد الطبيب تنهيدة طويلة قبل أن يجيب:
_ هي مش بخير بصراحة.

تجمدت ملامحهما، بينما أكمل هو بجدية:
_ إحنا محتاجين تدخل طبي سريع، ولازم تتنقل لمستشفى أكبر فيها حضّانة أطفال مجهزة وإمكانيات أعلى.


شعرت منى أن قلبها هبط في قدميها وقالت بخوف:
_ ليه؟ مالها؟ حصل إيه؟

أجاب الطبيب:
_ ضغط الحمل عندها مرتفع بشكل مقلق، وفيه ضعف واضح في نمو الجنين مقارنة بعمر الحمل. غير كده هي فقدت وزن كتير في فترة قصيرة وحالتها النفسية سيئة جدًا.

شهقت السيدة سحر وقالت:
_ يعني هي والبيبي في خطر؟

أومأ الطبيب برأسه قائلًا:
_ لو استمرت الأمور بالشكل ده، أيوة. علشان كده لازم متابعة دقيقة جدًا من دلوقتي.

_ يعني هتولودها في السابع؟

_ لا، إحنا هنحاول نحافظ على الحمل أطول فترة ممكنة. كل يوم الطفل بيفضل فيه جوه بطن أمه بيفرق معانا طبعا.
إحنا حاليا بس هنحجزها في المستشفى للمراقبة وهنشوف ايه الأفضل ليها، الجنين يتولد ولا يفضل لان انا شايف ان فيه مؤاشرات بداية تسمم حمل

_ امتى ممكن تضطروا تولدوها؟
_ لو الضغط استمر يعلى، أو الجنين بطل ينمو بالشكل المطلوب، أو ظهرت أي مضاعفات جديدة... ساعتها هنبقى مضطرين نولد حتى لو لسه في السابع.
هي عامة كويس في الأسبوع ال ٣٠
ساد الصمت لثوانٍ...

ثم عادت سحر تسأله في نبرة بها قلق أكبر:
_ بس مش كدا الطفل هيكون صغير وضعيف لو اضطرينا للولادة المبكرة؟

رد عليها:
_ آه، بس في نفس الوقت فرص نجاة الطفل في الطب الحديث جيدة جدًا.

تنهد ثم تابع:
_ على العموم إحنا هنحاول نحافظ على الحمل قدر الإمكان، لكن لو الاستمرار بقى خطر على الأم والجنين، لازم ننهي الحمل.

ثم أضاف بنبرة أكثر هدوءًا:
_ من اللحظة دي ممنوع أي مجهود، ممنوع أي ضغط نفسي، ممنوع أي زعل. الحالة النفسية عندها بقت جزء أساسي من العلاج، مش رفاهية.

ونظر إليهما نظرة جادة وهو يضيف:
_ لو عايزين ننقذ الأم والطفل، لازم تتعاملوا معاها على إنها مريضة فعلًا، لأن اللي هي فيه مش بسيط

انهى كلامه وانصرف تاركهما والقلق معًا.
وفي الوقت نفسه، أقبل نحوهما شهاب في خطوات سريعة للغاية وما إن وصل حتى سأل أمه:
_ في إيه طمنيني عليها، الدكتور قال إيه؟

وبعدما أخبرته بنبرة يائسة، دخل على زوجته فوجدها ممددة على السرير وجهها شاحب ولونها أصفر كأن الروح ليست بها.
لا أثر لأي حيوية ولا دموية في ملامح وجهها.
اقترب في هدوء ثم جلس على الكرسي الذي يوازي سريرها وظل صامتًا... فقط شاردًا بها وبما تعاني.. شاردًا إلى ما وصلت له، إلى تلك الحالة وذلك المنظر.
كانت مغمضة العينين، ساكنة بصورة أخافته أكثر من أي انهيار أو بكاء رآه منها من قبل.
أطال النظر إليها حتى ظن أنها نائمة، لكن بعد لحظات تحرك جفناها ببطء ثم فتحت عينيها التقت نظراتهما ولم تقل شيئًا، فقط ظلت تنظر إليه، أما هو فبقي مكانه لا يعرف ماذا يقول، للمرة الأولى بدت الكلمات عاجزة تمامًا.


مرّت عدة ثوانٍ في صمت ثقيل قبل أن تحرك شفتيها أخيرًا وتقول بصوت خافت متعب:
_ طمّني على زين يا شهاب

ارتبك من السؤال ثم أجاب سريعًا:
_ زين كويس

هزت رأسها ببطء وهي تنظر إلى بطنها المنتفخة قليلًا أسفل الغطاء
ثم همست:
_ لا... مش حاسة

شعر بوخزة في قلبه فمال بجسده نحوها قليلًا وقال:
_ زين كويس يا حبيبتي... متقلقيش.

أغمضت عينيها للحظة ثم فتحتها مجددًا:
_قولتلك مش حاسة بكدا.
_ ماهي...
_ والله مش حاسة بكدا.

بدأت دموعها تتجمع داخل عينيها وهي تتابع:
_ مش مطمنة عليه.
_ الدكتور متابع حالته.
_ بس أنا حاسة إنه تعبان بسببي.
_ متقوليش كدا.

هزت رأسها بالسلب عدة مرات وهمست:
_ أنا خايفة أوي يا شهاب.

ظل صامتًا فأكملت بصوت مرتجف:

_ إحنا قاعدين هنا ليه؟ يلا نمشي أنا خلصت

ابتلع ريقه ثم قال بهدوء:
_ احنا هنا لسه علشان الدكتور عايز يطمن عليكي أكتر.

_ ليه؟
_ علشان الحمل بقى محتاج متابعة.

نظرت إليه بقلق واضح وتساءلت:
_ متابعة إزاي؟

تنهد طويلًا ثم قال بحذر:
_ ممكن يحصل ولادة بدري شوية لو وضع الحمل متحسنش.

اتسعت عيناها فجأة وردت في قلق:
_ يعني إيه بدري؟

_ يعني لو الدكتور شاف إن دا الأحسن ليكي وللبيبي هتولدي و..

أخذت تتنفس بسرعة وردت في خوف:
_ لا...
_ ماهي اهدي.
_ لا لا لا...
_ بصيلي.

لكنها كانت تهز رأسها بعنف تقول دون توقف:
_ لا... هو لسه صغير.

_ عارف، وأكيد الدكتور عارف حاجة زي كدا وهو طمنا عليه جدا وقال ان الطب اتحدث جدا وياما حالات من دي حصلت

_ هيعيش إزاي؟
_ هيعيش يا حبيبتي عادي ماهي ركزي معايا، اطلعي من التوهان اللي انتي فيه دا!

ابتلعت ريقها وقالت في خوف شديد:
_ وأنا.. أنا خايفة اوي يا شهاب، مش عايزة أولد انا خايفة

شعر وكأن أحدهم قبض على قلبه حينها فقال سريعًا:
_ متقوليش كدا يا روحي، ان شاء الله هتقومي منها انتي وهو بخير متخافيش

_ ولو مت؟

_ ماهي!
ماهي ماهي بصيلي يا روحي بصيلي

بدأت تلتفت له وهي تبتلع ريقها مرات متتالية حتى جفّ ريقها، فتابع:
_ مفيش موت، مفيش استسلام مفيش خوف.
انتي وزين هتقوموا بالسلامة وهتجولي، انتي وزين مش هيجرلكم حاجة حطيها حلقة في ودانك

_ أنا حاسة إني مش هقوم من اللي أنا فيه دا.

ازدادت دموعها وهي تتابع:
_ حاسة إني بتسحب مني واحدة واحدة.


في تلك اللحظة نهض من مكانه وجلس على حافة السرير ثم مد ذراعه حول كتفيها وسحبها نحوه برفق فاستقرت رأسها على صدره.
وأخذ يمرر يده بين خصلات شعرها في هدوء وقال:
_ بس... بس يا حبيبتي، بلاش الكلام دا خالص.
عادي جدا الدكتور طمني على الآخر وقالي حالات زي دي ياما والام بتطلع منها عادي جدا وهي شايلة ابنها في حضنها.

انفجرت دموعها أكثر وهي تقول:
_ خايفة أوي، مش عايزة أولد بدري لا
_ متخافيش يا روح قلبي متخافيش انا معاكي... ثم انه دا مش بدري يا حبيبتي ولا حاجة، انتي في الشهر السابع عادي جدا، ياما ناس ولدت في السابع ومن زمان كمان قبل ما الطب يتقدم كدا، وبيبقوا كويسين هما واولادهم، تخيلي بقا في العصر الحديث اللي احنا بقينا فيه!

وضعت يدها على قلبها وردت في رعب:
_ مش مطمنة، خايفة اوي حاسة ان فيه حاجة هتحصل قلبي مش مطمن خالص.

بدأ يضمها إليه أكثر فأكثر وهو يقول في نبرة هادئة مليئة بالطمأنينة:
_ وأنا هفضل أطمنك لحد ما تطمني، انا موجود طول الوقت معاكي، أنا جمبك وبأكدلك انك هتعدي دا بسهولة وهتولدي وهنعيش مع بعض وهنربي ابننا وهنفرح بيه، وهنشوفه وهو عريس وهتختاري معاه بدلة فرحه كمان يا ستي.

ثم أضاف مازحًا:
_ وكدا كدا هتملي عليا البيت عيال انا طماع وعايز اكتر من عيل

_ طب لو حصل حاجة؟

ضمها إليه أكثر وقال وهو يقبل أعلى رأسها:
_ مش هيحصل، مش احتمال اصلا مش وارد انه يحصل حاجة تمام؟
حطي دا في م
دماغك، انتي وزين هتقوموا منها عادي جدا

_ طب لو حصل؟

أغمض عينيه للحظة يهدأ لأنه في الحقيقة بدأ يقلق عليها من كلامها ذلك.. ثم همس:
_ تفائلي بالخير يا روحي وان شاء الله رب الخير لا يأتي إلا بالخير

شهقت باكية وهي تقبض على قميصه بكفيها.
أما هو فظل يربت على ظهرها في صمت، بينما قلبه يرتجف خوفًا مثلها تمامًا، لكنه كان يحاول أن يبدو أقوى منهما معًا..
********
_ هو أنا ممكن أفهم أنا بعمل إيه هنا يا فندم؟ يعني أنا راجل محترم وليّا سمعتي، وكنت قاعد بشتغل في أمان الله، وفجأة اتسحبت من وسط شغلي كده. ممكن أفهم في إيه؟

تحدث مجدي إلى الشرطي بعدما تم القبض عليه، وجاءت ابنته برفقة المحامي الذي كان حاضرًا معه داخل المكتب محاولًا فهم ما يحدث من الضابط حتى يتمكن من الدفاع عن موكله.
وحينها كانت روني تقف بجانب والدها تمسك كف يده تقول في همس:
_ اهدى يا بابا يا حبيبي ان شاء الله خير

فقال الضابط:
_ مستر مجدي، حضرتك متهم في قضية مخدرات.

هزّ مجدي رأسه قائلًا:
_تمام يا فندم، أنا فهمت دي. بس أنا راجل محترم، قضية مخدرات إيه اللي أنا متهم فيها؟ ممكن حضرتك تقولي الأدلة أو الكلام اللي عندك ويثبت الاتهام ده؟


تدخل المحامي قائلًا:
_أستاذ أيوب عبد الستار، محامي الأستاذ مجدي.

أومأ الضابط برأسه وقال:
_ ماشي يا أستاذ أيوب. الأستاذ مجدي متهم في قضية مخدرات، والأدلة كلها موجودة وواضحة.

_ ممكن أطلع عليها
_ حالا

ثم ضغط على الجرس، فدخل له العسكري فقال له:
_ هات المتهم يا ابني

تحرك العسكري في انضباط لينفذ الأمر.
دقيقة ودخل تارة أخرى وهو يصطحب رجل يبدو على ملامح وجهه السمعة السيئة وقال بمجرد أن دخل وهو يشير نحو مجدي:
_ اهو هو دا يا باشا، هو دا استاذ مجدي السلاب اللي كان المفروض يستلم مننا الشحنة

صاح مجدي وهو يشيح بيده:
_ هو مين دا يا حيوان انت، هو انا اعرفك اصلا ولا عمري شفتك!

ثم نظر إلى الشرطي وتابع:
_ يا باشا الراجل دا كداب، انا عمري في حياتي ما شفته أصلا والله

بدأت روني تتوتر قليلًا فقبضت على يد والدها رغمًا عنها.

سأل المحامي في هدوء:
_ هو ايه الموضوع يا فندم بالظبط؟
_ النهاردة، جالنا بلاغ على وجود الشحنة دي وروحنا وقبضنا على دا اللي كان سايق عربية نقل محملة أسماك وحاشي في بطن السمك أكياس المخدرات واما قبضنا عليه وحققنا معاه، رفض تماما في الأول يتكلم لكن بعد كدا قال على كل حاجة.
قال هو تبع مين وكان رايح يسلم الشحنة لمين

تساءل مجدي في استغراب شديد:
_ كان رايح يسلمهالي أنا؟
يا فندم انا في الشركة طول اليوم ونظرا لغياب الرئيس التنفيذي للشركة انا معنديش وقت أروح بيتي حتى!

هز الشرطي رأسه بالسلب ثم رد:
_ ماهو ماكنش رايح يسلمهالك انت، بل لناس تبعك ومعانا صورهم بس للأسف ملحقناش نقبض عليهم

_ ايه يا فندم الكلام دا؟

ثم نظر إلى محامية وتابع:
_ ما تقول حاجة يا متر!

سأله المحامي في ثبات:
_ ايه يا فندم اللي يثبت ان اللي في الصور دول اللي حضراتكم لسه مقبضتوش عليهم، تبع مستر مجدي السلاب؟

_ هقولك حالا

ثم ضغط على الجرس فدخل العسكري رفقة رجل آخر، وبمجرد أن رآه مجدي، اختض للغاية فقد كان موظفًا في الشركة في قسم الجودة.
تابع الشرطي وهو يشير إلى ذلك الرجل:
_ أكيد عارفينه، مستر ياسر معاكم في الشركة صح يا مستر مجدي؟

نظر مجدي إلى ياسر وسأله:
_ ايه الحكاية يا ياسر؟

لم يرد الشاب بل كان صامتًا ينظر بعيدًا فتابع الشرطي:
_ مستر ياسر هو اللي بلغ عن الشحنة، ودا أما كان في البريك بتاعه وشاف حركة غريبة لناس ملثمة حوالين الشركة.
لانه راجل شهم صورّهم وبلغ وبالتتبع قدرنا نتأكد انهم اللي كانوا في انتظار الشحنة و.. قول يا ياسر انت الباقي.


تنهد الشاب ورد في ثبات:
_ مستر مجدي طلبني الساعة ٢ ونص بالظبط لمكتبه وانا روحت وقولتله خير، كلمني بنبرة قوية جدا وقالي انت صورت ايه انت بضر نفسك اوعى تبعت حاجة زي كدا للبوليس وعرض عليا مبلغ علشان ولا من شاف ولا من دري بس انا ضميري مسمحليش وبلغت ومش خايف منه، انا في عرض الحكومة.

نظر الضابط إلى مجدي وسأله:
_ تفتكر لو فرّغنا كاميرات الشركة، هنلاقي ياسر جالك فعلا الساعة ٢ نص المكتب ولا هنلاقي الكاميرات متعطلة؟

بدأ الرجل يتصبب عرقًا ورد في توتر:
_ هو جيه يا فندم فعلا بس كان بيتكلم في شغل، قالي ان مفيش مشاكل، انا بس حاولت أحل معاه شوية وبعدها قولتله معنديش وقت وروح لمديرك وهو فعلا مشي هو دا كان محور الكلام

تدخل المحامي قائلًا:
_ يا فندم سؤال بس، هو دلوقتي موكلي هيشتري شحنة بالفعل زي ماهو متهم بالظبط، إيه اللي هيخليه يعمل شوشرة لنفسه ويخلي الناس اللي تبعه دول يكونوا حوالين الشركة يعني؟

_ حتى دي سألت فيها المتهم اللي اتمسك دا، وبما إنه قرر يتعاون في التحقيق معانا، قالي إن مستر مجدي رفض الشحنة بعد خروجها مباشرة لانه اختلف مع صاحبها شوية في السعر فهما عملوا كدا علشان يخوفوه وهو فعلا خاف وقال موافق فمشيوا و..

قاطعه المحامي قائلًا:
_ معلش يا فندم تعليق كمان، ايه الدليل ان موكلي خاف وقال موافق؟

تنهد الشرطي ورد:
_ الدليل ببساطة هو خروج عاملة النظافة من الشركة وهي شايلة الزبالة ورايحة تكبها في الصندوق المجاور للشركة وهما اول ما شافوها فهموا حاجة والدليل أول واحد فيهم جري على الصندوق وقلب فيه وبص في ورقه كدا وبعدها رماها تاني وبعدها مشيوا كلهم.
ولما احنا فتشنا لقينا الورقة دي فعلا.

مد الشرطي يده للمحامي وفي يده الورقة التالفة والمطوية بشكل عبثي، ليفتحها المحامي ويجدها ورقة مكتوب بها:
" تمت الموافقة "

سحبها مجدي من يده ونظر إلى ما هو مدّون بها وابنته بجانبه هلكها الذعر والرعب عليه.
صمت مصدومًا بمجرد أن تأكد أنه خطه، ليقول الشرطي بعدما شبك أصابعه في بعضهما البعض ووضع كفيه فوق المكتب:
_ ها يا مستر مجدي خطك دا ولا هنحتاج خبير خطوط؟

ابتلع الرجل جفاف حلق فمه وصمت لحظات... ثم رد في صعوبة شاعرًا بتعسر موقفه للغاية:
_ يا فندم اه خطي، بس انا بكتب في العادة رسايل زي دي عادي في الشركة، بوقع كدا دايما تحت على صفقة على اجازة على أي حاجة بتتقدم لي بحكم شغلي!

هز الشرطي رأسه ثم قال:
_ ليه كل حاجة ضدك كدا؟
المتهم والشاهد الوحيد والورقة، ليه الدنيا جاية عليك كدا؟

بدأت الفتاة تبكي على والدها في هدوء دون أن تصدر أي صوت اثر الخوف.

تنهد الشرطي وأضاف:
_ خد التقيلة بقا، وصل لحسابك صباح اليوم، مبلغ بقيمة ٦ مليون جنية من من جهة تجارية مشبوهة جاري فحصها
تقدر تقولي دا مرتبك يعني؟
ولا صدفة بردو إن يجيلك مبلغ كبير زي دا في الوقت دا بالذات من مكان مشبوه؟


نظر إلى المحامي وقال:
_ اعتقد كدا الأدلة بقت واضحة لحضرتك.
أول حاجة المتهم تاني حاجة التحويلات البنكية اللي دخلت حسابه. تالت حاجة شهادة شاهد عيان من داخل الشركة. وكل الأدلة اللي جمعناها حتى الآن بتشير إلى تورط الأستاذ مجدي في القضية وبالتالي هحوله للتحقيق.

وبمجرد أن سمعت الفتاة ذلك سقطت من هول الصدمة جالسة على الكرسي فلم تستطع أن تقف على قدميها أكثر...
**************
ذهبت حورية إلى الشقة التي يقيم فيها فاتح منذ أن تشاجر مع مايا وأضحى ينام بعيدًا عنها وعن القصر كله وذلك بعدما اتصلت عليه وسألته عن مكانه وهو من اعطاها عنوانه.

وبمجرد أن فتح لها الباب، قال:
_ اتفضلي يا مرات عمي.

دخلت على الفور، وما إن خطت بضع خطوات حتى قالت في غيظ:
_هو أنت مصدق كلام مامتك دا ؟ إيه يا فاتح، أنت فعلا صدقت ان مايا ممكن تكون عملالك سحر؟ بجد؟ إزاي تفكر كدا ؟ إزاي تسيب مايا بكل السهولة دي طول المدو دي من غير ما حتى تسأل فيها؟
بقا أكلمها أسألها عنك تقولي بقاله اسبوعين غايب عن البيت؟
دا من وقت ما كان جياد لسه تعبان دلوقتي جياد اتعافى وراجع وانت لسه سايبها كدا؟
أنت مصدق فعلًا إن مايا عملت لك سحر؟

تنهد الشاب وقال
_ تعالي بس يا مرات عمي، اقعدي واشربي حاجة ونتكلم.

هزت رأسها معترضة وقالت:
_ أنا مش عايزة أشرب حاجة يا فاتح. أنا دلوقتي بتكلم معاك بمنتهى الإنسانية والمنطقية. أنت تعرف عن بنتي الدكتورة مايا، الست المحترمة الخارجة من بيت محترم، كلام زي ده؟

رد فتح بهدوء:
_ بس في أدلة بتدينها فعلا يا مرات عمي، انا مش ظالمها وهي أكدت إنها راحت!

عقدت حاجبيها وقالت:
_ الأدلة اللي بتدينها دي، يا حبيبي، إنها راحت لواحد كانت فاكراه شيخ. هي كانت فاكرة إنه هيقرأ لها ويفك لها السحر أو العمل اللي كانت معتقدة إنه معمول لها، أو أيًا كان السبب اللي خلاها تروح له. لكن إنها تعمل سحر فعلًا وتتفق مع دجال علشان يأذيك... هل ده فعل ممكن يصدر من مايا يا فاتح؟
وبعدين انت ليه معلش يعني مكدب بنتي ومصدق عمتك اوي كدا؟

قبلما يرد، قاطعته متابعة:
_ بص يا فاتح انا كنت عندكم في القصر من شوية، مامتك استدعتني، ومقولكش بقا، شتيمة وقلة قيمة وقلة أدب وغلط فيا وفي بنتي عيني عينك واتهامات واضحة وصريحة.. لا يا فاتح لا، مش انا اللي أقبل ان دا يحصل مع بنت من بناتي.
انا زمان أما بنتي غلطت رجعتها بايدي لبيت جوزها وهي بتنزف ومفرقش معايا لانها كانت فعلا غلطانة وركبت حصان وهي حامل فحسيت انه معاه حق في زعله وغضبه وقتها، إنما انت قاعد بتفكر في إيه؟
بتحسبها لسه؟
لا متحسبهاش، طالما شايف ان بنتي دجالة ومشعوذة ومصدق دا من قلبك، رجعهالي، بنتا تلزمنا واحنا أهلها.
مايا قالت لك، عمتك اللي عملت كدا تبقى عمتك اللي عملت كدا، اصلها تكدب ليه؟
لو راحت لوحدها هتقولك روحت روحت لوحدي، ونفس السيناريو بس كنت فكراه شيخ وطلع دجال وسامحني، ايه لزمته تتهتم عمتك الا لو فعلا عمتك هي اللي دلتها؟


_ وعمتي تعمل كدا ليه؟
ماهو انا محتاج افهم بردو، ليه عمتي ممكن تعمل كدا؟

تنهدت وردت في هدوء نسبي:
_ بص يا حبيبي، لا أمك ولا عماتك بيحبوني لا انا ولا بناتي ودا من زمان اوي اوي من ساعة ما مجدي بدأ شغل مع ابوك وهما دايما مقتنعين إن إحنا طمعانين فيكم وان مجدي هيورط ابوك في مرة، الكلام دا اتقالي في وشي وفي ضهري واتقال في وش بناتي وضهرهم.
عايز تصدق، صدق مش عايز براحتك، بس كدا كدا الحقيقة مهما استخبت مصيرها تظهر، بس الفكرة كلها في حتة يا ترى هنكون خسرنا إيه وقد إيه لحد ما الحقيقة تظهر؟
امشي وراهم واخرب بيتك وسيب مراتك اللي بتموت فيك وتتمنى تبوس تراب رجليك.
فاتح اهلك مسميين بنتي المعيوبة انت متخيل!
مايا كانت بتجيلي كل زيارة معيطة وتشتيكيلي منهم واحد واحد واما عرفت انها ممكن تكون وراثة خالتها اللي حملت بصعوبة، جالها انهيار عصبي انت مش متخيل فكرة يعني ايه واحدة مش بتخلف والدنيا كلها ازاي بتبقى ضغط عليها، انت مش متخيل بنتي كانت بتمر بإيه كل شوية ولا أمك اللي كانت بتخوفها وتقولها هيتجوز عليكي منى جارتنا، كل الكلام دا ماكنش بينيم مايا ولا كان بيرحم عيونها من الدموع.

_ انا ياما طمنتها، ياما قولتلها لا، ياما قولتلها مش عايز غيرك ولا هخلف من غيرك، ليه الغباء بقا!

_ مهما إن كان، هي خايفة بردو مهما طمنتها، ممكن تخاف من فكرة الزن، ممكن تخاف من فكرة الزن وكبر سنك مثلا تفقد الأمل وتوافق زيك زي أي شاب مصري أصيل

تنهدت وتابعت:
_ انا عامة هتصل بالشيخ وهقوله كل حاجة

هز رأسه نافيًا ثم رد:
_ لا بالله عليكي مش دلوقتي بلاش بابا، بابا كان المفروض اصلا ينزل مصر من يومين بس عنده مشاكل في الشغل كتيرة جدا وراسه مشغول فوق طاقته، بلاش مشاكل ازيد، انا مش عيل صغير، انا هعرف أحل كل دا بإذن الله

وفي الوقت نفسه، سمع صوت هاتفه يرن، استقبل المكالمة:
_ إيه يا شاكر اخيرا!
_ إيه يا فاتح معلش والله، انا بقالي اسبوعين كل مرة بخلي ناس شكل تروح تهجم على البيت بتاعه مش لقيينه، واصلا مطلعش اسمه عطاالله ولا حاجة ودا اللي خلانا متلغبطين شوية بالأخص اما سألنا الجيران قالوا ان البيت دا لواحدة ست ارملة اسمها " روحية" وهما حتى ميعرفوش مين عطاالله دا.
بعد بحث وتفريغ كاميرات الشارع، قدرت اتعرف على ملامحه ومن صوره وصلت لاسمه وطلع اسمه " أسعد الصاوي " أكبر محتال ونصاب وكان مسجون وطلع من قريب اصلا

_ طب والست صاحبة البيت قالت ايه؟
_ مفيش ست في البيت، البيت كان فاضي تماما، الناس قالت هي صاحبة البيت وورونا صورتها انما ملقناش حد خالص في البيت وبقالي اهو اكتر من اسبوع حاطط البيت تحت المراقبة، ومحدش هوّب ناحيته.
عامة مستمرين في البحث عنه وعنها ولو فيه جديد هبلغك
_ تمام يا شاكر، تسلم لي


انهى المكالمة معه ثم نظر إلى حماته والتي سألته وأخبرها بكل شيء لتعلق ساخرة:
_ وهو بقا عرف منين ان البوليس بيدور عليه علشان كدا هرب؟؟
شغل دماغك بقا، هما يدوب كشفوا بنتي من هنا، وانت بلغت من هنا والراجل هرب من هنا.. صدفة يعني؟؟؟
************
بدأ وعي هانيا يعود إليها تدريجيًا، وكأنها تصعد من قاع بحرٍ عميق إلى السطح ببطء.
تحركت أصابعها أولًا حركة خفيفة بالكاد تُلاحظ، ثم عقدت حاجبيها في انزعاج وهي تشعر بثقل غريب يسيطر على جسدها كله.

تقلبت على الفراش بتعب، وحاولت أن تفتح عينيها، لكن الضوء الساطع المنبعث من مصابيح الغرفة جعلها تغمضهما مرة أخرى لثوانٍ. أخذت نفسًا عميقًا قبل أن تعاود المحاولة، لتتمكن هذه المرة من فتح عينيها ببطء.

رمشت عدة مرات وهي تحاول استيعاب ما حولها سقف أبيض، ورائحة مطهرات، وأجهزة طبية تصدر أصواتًا منتظمة لتدرك أخيرًا أنها داخل المستشفى.

في تلك اللحظة، انتبه يزيد إلى حركتها، فنهض من مقعده واتجه نحوها ودخل الغرفة سريعًا ثم سألها بقلق:
_ عاملة إيه دلوقتي؟

نظرت إليه للحظات قبل أن تجيب بصوت متعب:

_الحمد لله.

تنهد براحة وقال:
_ كويس إنك فوقتي.

أومأت برأسها وردت:
_ أيوة، الحمد لله فوقت.

هز رأسه ثم قال:
_ طيب خلاص، أنا رايح مشوار صغير.

نظرت إليه باستغراب:
_مشوار إيه؟

سكت قليلًا ثم رد:
_ خليكي جنب جياد وخلي بالك منه.

التفتت هانيا إليه ثم سألته:
_ جياد فاق؟

أجابها:
_ لا، وعشان كده خليكي جنبه.

عادت تنظر إليه وقالت:
_ وإنت رايح فين مقولتليش بردو؟

ابتسم ابتسامة خفيفة محاولًا طمأنتها:
_ رايح مشوار صغير وجاي، مش هتأخر. بس خليكي جنب جياد بحيث ما يحصلوش حاجة.

أومأت برأسها موافقة:
_ تمام.

وما إن غادر يزيد الغرفة حتى ظلت هانيا جالسة لثوانٍ تحاول استيعاب ما حولها. كانت تشعر بثقل شديد في رأسها، وكأن جسدها بأكمله لا يزال تحت تأثير ذلك المهدئ اللعين.

وضعت كفها على حافة السرير وتحاملت على نفسها ببطء حتى وقفت. ترنحت خطواتها في البداية، فمدت يدها تستند إلى الحائط القريب. أغمضت عينيها لثوانٍ وهي تحاول استعادة توازنها، ثم أخذت نفسًا عميقًا وبدأت تتحرك بخطوات بطيئة نحو الغرفة المجاورة.

دفعت الباب برفق ودخلت.

كان جياد حينها مستلقيًا على السرير بلا حراك، إلا أن أصابعه بدأت تتحرك حركة طفيفة، ثم عقد حاجبيه وكأنه يصارع ثقلًا هائلًا يجذبه إلى النوم من جديد.


حرك رأسه ببطء فوق الوسادة، ثم فتح عينيه تدريجيًا. ظل يرمش عدة مرات محاولًا التركيز فيما يراه أمامه، حتى استقرت عيناه أخيرًا على هانيا الواقفة قربه.

ارتسمت على وجهها ابتسامة صغيرة ممزوجة بالراحة وقالت:
_ الحمد لله على السلامة.

نظر إليها للحظات قبل أن يجيب بصوت متحشرج:
_ الله يسلمك.

اقتربت منه قليلًا وسألته:
_ فوقت؟

أومأ برأسه قائلًا:
_ آه... الحمد لله.

ثم وضع كفيه على السرير محاولًا الاعتدال. بدا الأمر صعبًا في البداية، لكنه أصر على الجلوس حتى استقام أخيرًا وهو يسند ظهره إلى رأس السرير.

مرر يده على وجهه بإرهاق ثم سأل:
_ هو إيه اللي حصل دا؟ انا مش فاهم حاجة؟ آخر مرة كنا واقفين مع باسم وفجأة لقتني غبت عن الوعي

_ انت فاكر إيه بالظبط؟
_ كل اللي فاكره انه دخل وبعدها قعد يتكلم شوية وبعدها انا حسيت بدوخة كبيرة جدا، روحت حاولت امشيه لاني ماكنتش عارف اتوازن خالص، بس هو كان زي الحيطة مش بيتحرك وبعدين فجأة وقعت!

تنهدت هانيا طويلًا قبل أن تجيب:
_ باسم كان حاطط لنا منوم في التورتة.

اتسعت عيناه بدهشة وقال في خضة:
_ إيه!
المجرم!
طب.. طب دا حصل إزاي؟
ازاي عرفتي؟

جلست على المقعد المجاور له وقالت:
_ قبل ما أفقد الوعي، باسم اعترف لي بكل حاجة. قالي إنه كان متابعني، وبعت حد ورايا للمحل. الراجل شاف أنا طلبت إيه بالضبط وطلب نفس الحاجة، وبعدها عطّلوا الديليفري الحقيقي، وبعتوا واحد من طرفهم وكأنه المندوب، وهو اللي سلمني التورتة.

صمت جياد للحظة وكأن كلامها لم يستوعبه بعد، ثم اشتعل الغضب في عينيه فجأة، وقال بانفعال:
_والله العظيم لأربيه! والله لأأدبه! ولأوريه إزاي يعمل كده الوسخ دا!

وحاول أن ينهض من فوق السرير، لكن هانيا أسرعت تقول:
_ لا يا جياد!

التفت إليها وهو يغلي من الغضب

فقالت بجدية:
_إنت بتتعامل مع مجرم. واحد خطف وهدد وحط مهدئ في الأكل من غير ما يرف له جفن.
متهزرش احنا مش هنعمله حاجة ولا هنيجي جمبه حتى

ظل ينظر إليها وهو يضغط على فكه بقوة، بينما كانت هي تحاول تهدئته قبل أن يفكر في أي خطوة متهورة وتابعت:
_ جياد انت هتوعدني حالا إنك مش هتيجي جمب باسم تاني ولا هتتعامل معاه ولا هتردله اللي عمله دا ولا كل دا

هز رأسه رافضًا ثم قال:
_ لا طبعا انتي بتهزري ولا إيه!
يعني أعرف كل البلاوي والكوارث اللي عملها في حقنا دي واقعد عادي كدا وعلى قلبي مراوح؟

كادت أن تتكلم ولكنها لاحظت شيئًا ما، لذا تحركت أكثر صوبه وهي تشير نحو صدره وقالت:
_ إيه دا؟


أخفض رأسه نحو صدره وقال:
_ إيه؟
_ ايه الأحمر دا، استنى

بدأت في فك ازرار قميصه واحدًا تلو الآخر ثم شهقت قائلة:
_ يا نهار ابيض!
_ إيه خضتيني!
_ كتب على صدرك don't mess with me

نهض في سرعة ثم دخل المرحاض الخاص بالغرفة والتفت نحو المرآة وأخذ يتطلع على ما هو مكتوب على صدره وعلق في غيظ:
_ الحيوان.. دا كتبه بروج ثابت، اوف.. همسحه أنا ازاي دلوقتي!

_ والله! هو دا اللي همك؟ هو دا اللي لفت انتباهك؟
_ ايوا طبعا، امسحه أنا ازاي دلوقتي يعني!

تركته وعادت إلى الغرفة مرة أخرى ولحق هو أيضًا بها وقال:
_ دا اللي ها mess وهحبس أمه بس الصبر

التفتت إليه وقالت في نبرة بها الجدية:
_ اسمع يا جياد، لو قررت تعاديه وتحاربه، فأنا هرجع من هنا على بيت بابا فورا ومع نفسك بقا انت وهو

عقد حاجبيه في عدم تصديق ثم اقترب منها أكثر في خطوات سريعة بها الغضب ورد:
_ هو ايه الهبل اللي انتي بتقوليه دا؟
انتي بتهدديني؟
بتهدديني إنك هتمشي صح؟
هانيا، هانيا انا قولتلك مبحبش كدا مبحبش الاسلوب دا يا هانيا، هانيا متجننيش، متعصبنيش ..

قاطعته قائلة في نبرة جدية:
_ جياد، جياد افهمني صح مرة واحدة لوجه الله بقا
هو الحيوان دا كان ساكت وبعيد عننا أما فضلنا ننكش حوليه رجع لنا واحنا مش قده
_ لا قده
_ لا مش قده لا، دا مجرم فاهم يعني إيه مجرم؟
يعني مش هيتعامل معاك بأخلاقيات، يعني مفيش حاجة عنده ممنوعة، مفيش وسيلة مثلا هيستحرمها، انما انت عندك اخلاق ودين وضمير، تبقى المعادلة مش متوازنة نهائي.
يعني سوري يعني هو راح خطفني واغتصبني علشان مثلا يحرق قلبه، انت هتروح تغتصب مثلا خطيبته لو ماكنتش قريبتك؟

رد في سرعة دون تفكير:
_ هقتله أساسا هو انتي مفكرة إني هسيبه عايش على الدنيا كدا عادي لو عمل فيكي كدا؟

_ اللي وراه هيقتلوك، استفادنا إيه بقا؟
_ عادي جدا، مت بدافع عن شرفي!

صاحت في غضب:
_ جياد انا مش عايزة كدا، مش عايزة صراع مش عايزة قلق مش عايزة مؤامرات مش عايزة خطط مش عايزة دم مش عايزة حرب مش عايزة مش عايزة..

بدأ يهدأ قليلًا عم كان فيه، ثم وضع وجهها بين كفيه وقال في نبرة هادئة:
_ اهدي يا حبيبتي اهدي.. إحنا مضطرين
_ لا مش مضطرين ولا حاجة، لو بطلت تدور وراه لو بطلت تحاول توقعه او تكشفه علشان توديه في داهية، هيسكت.
يكفي تطرد عمتك دي من البيت وتعرف كويس ألاعبهم وتحذر منهم وبس.
اكشف اللي يخص عمتك وخلي الشيخ يطردها وخلاص و..

_ يا حبيبتي، هو انتي مفكرة اننا لو طردناها وخلاص هتسكت؟
الناس دي عايزة واقفة، مش عايزين تخاذل ولا خوف!

_ ايوا بس انت بتتعامل مع واحد مش سايب وراه دليل واحد حتى، وكل حاجة بيعملها صفوت وهو برا كل حاجة.
بتتكلم عن واحد اللي بيساعدوه كلهم برا البلد، اللي بيساعدوه كلهم مجرمين لا عندهم ضمير ولا دين ولا أخلاق ولا أي حاجة خالص.
جياد، انا عايزة السلام، عايزة الأمان وانت وعدتني إنك دايما هتحقق لي صح؟


ابتسم ابتسامة خفيفة، ثم وضع قبلة صغيرة فوق جبينها ورد في نبرة بها الحنان:
_ فعلا وعدتك ومازلت عند وعدي... مش عايزك تخافي مش هعمل حاجة انتي مش عايزاها.
بصي فيما يخص باسم مش هعمل أي حاجة الا اما ارجعلك واقولك واخد رأيك انتي وروني.
كمان لأزم بقا اقول لاخواتي علشان كدا بقا كتير لازم يحذروا من باسم الكلب دا، خاصة يزيد...

سكت برهة ثم تابع في تساؤل:
_ هو صحيح يزيد فين؟
_ قال رايح مشوار مش عارفة راح فين... تفتكر راح فين؟

رد في خضة:
_ تبقى مصيبة لو راح الفندق وفرغ الكاميرات وشاف كل اللي حصل دا؟

_ يلا يلا بسرعة لازم نلحقه قبل ما يشوف حاجة.

تحركا عبر ممرات المستشفى بخطوات سريعة، يكادان يهرولان من شدة التوتر. كانت هانيا تضم هاتفها بين يديها وتلتفت بين الحين والآخر نحو الأمام، وكأنها تخشى أن يضيع منهما الوقت قبل الوصول إلى يزيد.

أما جياد، فكان لا يزال يحاول استيعاب كل ما حدث منذ اللحظة التي تناولا فيها التورتة وحتى استيقظا داخل المستشفى فسألها:

_ طب تفتكري باسم كان عايز إيه أصلًا؟ وليه يحط لنا منوم في التورتة؟ وإحنا كنا غايبين عن الوعي عمل إيه؟ وإزاي اتنقلنا للمستشفى؟ كل ده حصل إزاي؟

هزت هانيا رأسها في حيرة وهي تواصل السير بسرعة وردت:
_ مش عارفة... والله مش عارفة حاجة.

تنهدت بتوتر ثم أضافت:
_ بس روني كانت معايا على التليفون وقتها، فمش بعيد تكون سمعته وهو بيهددنا.

التفت إليها جياد سريعًا وقال:

_ تقصدي إنها هي اللي بلغت؟

أجابت وهي تسرع من خطواتها أكثر:
_ احتمال. يمكن كلمت يزيد، خصوصًا إنه كان جنبنا طول الوقت.

عقد جياد حاجبيه مفكرًا، بينما تابعت هانيا بقلق واضح:
_ وعلى العموم هنسأله. المهم دلوقتي نوصله وبس.

ثم أسرعت من خطواتها أكثر، ففعل جياد المثل، بينما كان القلق يزداد داخلهما مع كل خطوة يقتربان بها من وجهتهما.

ما إن وصلا إلى الفندق حتى توقفت السيارة أمام المدخل مباشرة.

فتح جياد الباب على عجل وخرج مسرعًا، يكاد يركض من شدة توتره، بينما كانت هانيا تسرع خلفه محاولة اللحاق به.

وبمجرد أن دخلا إلى بهو الفندق، لمحا يزيد واقفًا أمام مكتب الاستقبال يتحدث مع أحد الموظفين.

اتجه إليه جياد بسرعة وهو يناديه:

_ يا يزيد!

التفت يزيد نحوهما، وما إن رآه حتى قال:
_ جياد! الحمد لله على السلامة. كويس إنك فوقت.

أجابه وهو يقترب منه:
_ الله يسلمك. إنت بتعمل إيه هنا؟

رفع يزيد حاجبه وقال:
_ واقف.


قطب جياد جبينه في عدم فهم.
_ واقف بتعمل إيه؟
_ واقف يا جياد، عايز إيه يعني؟

تنهد جياد بضيق وقال:
_ أيوه واقف بتعمل إيه؟ ما تقول.

نظر إليه يزيد طويلًا قبل أن يرد بجدية:
_ واقف هنا عشان أعرف الحقيقة اللي إنتوا عايزين تخبوها عني. إنت وهانيا وروني كلكم عارفين حاجة ومش عايزين تقولوهالي. واللي حصل لكم أصلًا مش طبيعي.

تبادل جياد وهانيا نظرة سريعة، ثم قال جياد:
_ هو إيه اللي حصل بالظبط؟

ضحك يزيد بسخرية قصيرة وقال:
_ إنت بتسألني أنا إيه اللي حصل بالظبط؟ يعني إيه منوم في الأكل؟ ومين اللي جابه؟ وإيه اللي بيحصل؟ وإنتوا عارفين مين ورا كل ده ومش عايزين تقولوا؟

تنهد جياد وقال:
_ طيب وإنت بتعمل إيه هنا وهتعرف إزاي؟

أشار يزيد نحو موظف الاستقبال وقال:
_ أخدت إذن من الإدارة، ومستني يفرغوا لي الكاميرات عشان أشوف بنفسي إيه اللي حصل.

هز جياد رأسه بالسلب ثم رد:

_ يلا يا يزيد نمشي إحنا كدا هنتأخر على الطيارة ولازم نرجع مصر طولنا اوي

هز يزيد رأسه بحزم ورد:
_ لأ. أنا مش ماشي من هنا قبل ما أشوف كل حاجة.

اقترب منه جياد أكثر وقال برجاء:

_ علشان خاطري يا يزيد.

_ لأ يا جياد.
علشان إنتوا من ساعة ما صحيتوا وإنتوا بتلفوا وتدوروا ومش عايزين تقولوا الحقيقة.
من بدري اصلا وانتوا مخبيين عليا حاجة كلكم ومراتك كلمتني وقالتلي هو في خطر وخلي بالك منه ودلوقتي روني تقولي روحلهم هما في خطر!
إيه إيه هو في إيه!
مش عايزين تقولولي ليه؟

تنهد جياد بعمق ثم قال:
_ والله العظيم، أقسم بالله هقولك كل حاجة أول ما نرجع مصر. بس بلاش دلوقتي وبلاش شوشرة وفضايح.

عقد يزيد حاجبيه وقال:
_ فضايح؟

أومأ جياد برأسه ورد:
_ أيوه يا يزيد. فعشان خاطري يلا نمشي دلوقتي، وأنا أوعدك إني هقولك كل حاجة بنفسي.

ظل يزيد ينظر إليه لثوانٍ طويلة، وكأنه يحاول أن يقرأ ما خلف كلماته.
ثم زفر بضيق، وأدار وجهه إلى الجانب وهو يتمتم باستغفار خافت.

تبادلت هانيا وجياد نظرة مرتاحة، قبل أن يهز يزيد رأسه أخيرًا ويستدير متجهًا نحو الخارج بصمت، ليلحق به الاثنان.
**********

وقف مجدي بجوار المحامي خارج المكتب، وقد بدا الإرهاق واضحًا على ملامحه. كان يحاول التماسك، إلا أن القلق الذي ينهش صدره كان أكبر من أن يخفيه.

مرر يده فوق وجهه وهو يقول بضيق:

_ هعمل إيه يا أستاذ أيوب؟ هو كده القضية لبستني لبستني ولا إيه؟ ده باللي عامله عايز يوديني في داهية.


حاول المحامي طمأنته فقال:
_ متقلقش يا مستر مجدي. كده كده أنا هشتغل على القضية، وهحاول أبطل كل الأدلة دي واحدة واحدة. هحاول أظهر أدلة جديدة وأثبت إن في حد مدبر الموضوع من أوله لآخره.

تنهد مجدي في ضيق أكبر وقال:
_ بس أنا مينفعش أنام في السجن. ده لا من مقامي ولا من مستوايا. أنا لازم أرجع الشركة في أسرع وقت. إنت عارف إن الشركة محتاجاني وإن في مشاكل كتير في الشغل والشغل كتير بجد والشيخ مش موجود!

أومأ المحامي برأسه وقال:
_ عارف يا مستر مجدي، وعشان كده لازم نشتغل بسرعة. أنا هحاول أثبت إن التحويلات دي مفبركة، وإن الموضوع كله وراه حد عايز يوقعكم طبيعي انتوا ناس مشهورة وناجحة وممكن كل دا يحصل من قِبل منافسينكم في السوق.
بس أهم حاجة دلوقتي... مين؟ مين ممكن يفكر يأذيك بالشكل ده؟

صمت مجدي للحظات وهو يحاول التفكير، إلا أنه لم يجد إجابة واضحة.

وفي الجهة الأخرى كانت روني تقف على مسافة قصيرة منهما، شاردة الذهن تمامًا.

كانت تستعيد في رأسها كل كلمة قالها باسم كل تهديد، كل وعيد.
كل نظرة كل مرة حاول فيها تخويفها.
وفجأة شعرت أن الصورة اكتملت أمامها.
اتسعت عيناها قليلًا قبل أن تتجه نحوهما بسرعة.

_ بابا.

التفت إليها مجدي.

_ نعم يا حبيبتي؟

نظرت إلى المحامي ثم قالت:
_ بعد إذنك يا أستاذ أيوب... ممكن آخد بابا دقيقة؟

أومأ المحامي موافقًا، فاصطحبت روني والدها إلى مكان أبعد قليلًا عن الأنظار.

نظر إليها مجدي باستغراب وقال:

_ في إيه يا روني؟

رفعت عينيها إليه وقالت بحزم:

_ باسم.

قطب جبينه في عدم فهم وعلق:

_ باسم ماله؟

_ باسم هو اللي ورا كل اللي حصل ده.

اتسعت عينا مجدي في صدمة وقال:

_ إيه؟!

ثم أردف بعدم تصديق:
_ ليه؟ وأنا عملتله إيه أصلًا؟

هزت رأسها وقالت بسرعة:
_ لأنه مجرم يا بابا. هو اللي تسبب في الكارثة الإدارية اللي حصلت من فترة. وهو اللي كان بيهددني طول الوقت. وهو اللي كان بيقولي إنه هينتقم من الشيخ بطريقته. وهو اللي مشغل صفوت تبعه.

ازدادت ملامح مجدي توترًا كلما استمع إليها.

فتابعت:
_ من فترة قلت لجياد حقيقته وجياد بدأ يدور وراه ويدوب هيوصل راح المستشفى وباسم عرف وجالي المكتب وهددني بأنه هيعيطني على حد غالي عليا..

صمتت لحظة ثم قالت بثقة:
_ وبعدها علطول تحصل قضية زي دي وتتلفق لك بالشكل ده؟ مين غيره يقدر يعمل حاجة زي كده؟


ضغط مجدي على أسنانه بقوة وهو يتمتم:
_ الله يخرب بيته... هو علشان كدا قدم استقالته؟

ردت في خوف:
_ هو قدم استقالته؟؟
_ ايوا، معرفش قلب علينا ليه كدا!

ثم تنهد في ضيق وأكمل:
_ شكلي هطول شوية هنا لحد ما المحامي يعرف يتصرف ويشوف حل للمصيبة دي.

رفع عينيه إليها وقال بجدية:
_ اسمعيني كويس يا روني.

_ نعم.

_ لازم تروحي لفاتح وتفهميه كل اللي بيحصل. الشركة مينفعش تفضل من غير حد متابعها.

أومأت برأسها فورًا:
_ حاضر.

_ وقولي لفاتح بردو لو تعرف توصل للشيخ بلغه لو فيه إمكانية يعني.

ثم وضع يده على كتفها وقال:
_ ومتخافيش عليا، أنا هتصرف طمني ماما وبإذن الله أنا هطلع منها مش هطول هنا

رغم كلماته، كانت عيناه تحملان قلقًا لم يستطع إخفاءه، بينما شعرت روني لأول مرة أن الأزمة أكبر بكثير مما كانت تتخيل ولكنها هزت رأسها موافقة على أي حال.
***********
في صباح اليوم التالي، كان باسم يجلس في حديقة فيلا فاخرة داخل أحد التجمعات السكنية الراقية. جلس أمامه رجل تجاوز الخمسين من عمره، تبدو عليه ملامح النفوذ والسلطة. كان ممسكًا بسيجارته بين أصابعه، ينفث دخانها ببطء وهو يتأمل الجالس أمامه.

ساد الصمت بينهما للحظات قبل أن يتحدث الرجل أخيرًا:
_ اتأخرت أوي عشان تاخد القرار ده يا باسم. من زمان وأنا بقولك سيبك من خالك وتعالى اشتغل معايا. الراجل ده عمره ما هيوديك لقدام، يا إما هيوقعك يا إما هيفقرك.

ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتي باسم وهو يرد بهدوء:
_ مفيش حاجة بتيجي متأخرة يا باشا. كل حاجة بتيجي في معادها بالظبط.

ثم اعتدل في جلسته وأضاف:
_ وبعدين للتوضيح بس... أنا بشتغل معاك، مش عندك. إنت عارف إن باسم ما بيحبش يشتغل عند حد.

أطلق الرجل ضحكة مرتفعة قبل أن يهز رأسه ورد:
_ عارف يا باسم، وعارفها من زمان. وعشان كده أنا مقدر دماغك. إنت الوحيد اللي لو قلبت على عبد الله الزيني هنقدر نجيبه الأرض، ورغم رفضك كتير، الا إني كان عندي أمل إنك في مرة هتقبل وهتسيبه وهيجي تشتغل معايا أنا

أخذ نفسًا من سيجارته ثم أكمل بنبرة امتزج فيها الحقد بالسخرية:
_ الراجل كل شوية شركة جديدة، ومشروع جديد، وفرع هنا وفرع هناك. لسه سامع إنه بيفتح توسعات برة مصر كمان. وأنا آخر حاجة عايزها إنه ينجح أو يكبر أكتر من كده. أنا عايزه كل يوم يصحى على مشكلة جديدة تشغله وتستنزفه.

ظل باسم يستمع إليه بصمت، بينما كانت ابتسامة خافتة ترتسم على وجهه. كان يعلم جيدًا طبيعة العلاقة بين ذلك الرجل وعبد الله الزيني. لم تكن منافسة أعمال عادية، بل عداوة قديمة تجاوزت حدود السوق والتجارة منذ سنوات.
لذلك كان أول شخص فكر في اللجوء إليه بعد استقالته هو ذلك الرجل تحديدًا.


وأخيرًا قال باسم:
_ وأنا أصلًا جاي لك علشان الحماية. آخر مرة عملتلهم مصيبة كبيرة جدًا، وخسرتهم ملايين، فأكيد هيردوا يعني بالأخص إنهم اكتشفوا إنه كان أنا

لوح الرجل بيده في استهانة ورد:
_ متقلقش.

ثم أشار إلى أرجاء الفيلا من حوله وتابع:
_ طول ما إنت معايا محدش هيقدر يقرب منك. إحنا هنا في التجمع، والمكان ده كله يعتبر تحت عيني. الأمن هنا يعرفني كويس، والناس اللي شغالة معايا أكتر من كفاية.

أطفأ سيجارته في المنفضة الزجاجية ثم تابع بثقة:
_ ومن النهارده إنت مش هتمشي لوحدك. هيبقى معاك رجالة مخصوص للحراسة. رايح جاي معاهم، ومفيش خطوة هتتحركها إلا وهما وراك

ثم مال للأمام قليلًا ونظر إليه مباشرة واضاف:
_ وطول ما إنت تحت حمايتي عامة، اعرف إن مفيش حد في البلد دي هيقدر يزعلك بس.

رفع باسم حاجبه مبتسمًا في رضا، بينما عاد الرجل إلى مقعده وارتسمت على وجهه ابتسامة تحمل الكثير من المعاني، وكأن كلٌ منهما وجد أخيرًا ما كان يبحث عنه لدى الآخر.

أعاد الرجل ظهره إلى المقعد وأشعل سيجارة جديدة، ثم نظر إلى باسم نظرة طويلة قبل أن يقول:

_ يا باسم، أعتقد إن خطة مجدي ماشية كويس، صح؟

ارتسمت ابتسامة رضا على وجه باسم وهو يجيب:
_ آه، تقريبًا. المفروض دلوقتي يكون بيتعرض للتحقيق. القضية فيها أدلة كتير، والخروج منها مش هيبقى سهل.

هز الرجل رأسه بإعجاب وقال:
_ حلو. أعتقد إنك بدأت تقرب مني وتفهم إن لما تطلب مني حاجة، هتلاقي عندي الحلول.

ابتسم باسم وقال:
_ هو ده العشم برضه يا توفيق باشا

ضحك الرجل بصوت مرتفع ورد:

_ أيوه طبعا، هو دا أي حد؟
دا مجدي السلاب حبيب قلبي، يكفي إنه الدراع اليمين لحبيب قلبي الأكبر عبدالله الزيني.

ثم أخذ نفسًا عميقًا من سيجارته قبل أن يضيف بنبرة أكثر جدية:
_ بس الدور الجاي بقى عليك إنت.

رفع باسم حاجبه منتظرًا أن يكمل حديثه.
فقال الرجل:
_ إحنا لازم نهد عبد الله الزيني. الراجل ده بيتوسع أكتر من اللازم، وكل يوم نفوذه بيزيد وشركاته بتكبر. وأنا مش مستعد أسيبه يكبر أكتر من كده والباشا الكبير زعلان.

صمت لحظة قبل أن يتابع:
_ عايزه يفضل طول الوقت غرقان في المشاكل. كل ما يحاول يقف على رجله نوقعه تاني. كل ما يحاول يتوسع نرجعه خطوة لورا. لازم نرهقه لحد ما يبدأ يخسر بنفسه كل حاجة ويقعد في البيت كفاية اوي عليه لحد هنا

ظل باسم يستمع إليه باهتمام، بينما كانت ابتسامة خافتة ترتسم على شفتيه.
وأضاف الرجل:
_ وعشان كده الدور الجاي عليك. إنت دلوقتي عارف الشركة من جوه، وعارف أسرارها وعارف الناس اللي فيها، يعني تقدر تساعدني أكتر من أي حد تاني.


ابتسم باسم وهو يهز رأسه قائلًا:
_ ولا يهمك يا باشا. أنا تحت أمرك. ومعاك في أي حاجة.

ثم أضاف بثقة:
_ وعندي الذكاء والخطط والتكتيك وانت عارف دا كويس وعندي الناس اللي لسه شغالة تحت إيدي في الشركة وبرا الشركة وبرا البلد كلها كمان.
الموضوع محتاج شوية ترتيب بس.

اتسعت ابتسامة الرجل وهو يستمع إليه ورد:
_ كنت عارف إني مختارتش الشخص الغلط.

نهض من مقعده واتجه نحوه، ثم ربت على كتفه قائلًا:
_ إحنا هنعمل شغل حلو أوي مع بعض يا باسم.

وقف باسم بدوره، وبادل الرجل الابتسامة نفسها ورد:
_ أكيد يا باشا، دا كدا كدا...
**********
في صباح اليوم التالي، كان شهاب قد استعد للذهاب إلى الشركة بعدما قضى ليلته بين الذهاب والإياب على المستشفى للاطمئنان على ماهي.

وقبل أن يغادر نهائيًا، قرر أن يمر على الطبيب للمرة الأخيرة.

أوقفه الطبيب قبل أن يبتعد وقال بجدية:
_ مستر شهاب، محتاج أكلمك.

شعر شهاب بانقباض في صدره وهو يقترب منه ورد:
_ خير يا دكتور؟

تنهد الطبيب وقال:
_ للأسف إحنا عملنا كل اللي نقدر عليه عشان نحافظ على الحمل لأطول فترة ممكنة، لكن الوضع مبقاش يسمح أكتر من كده والاستمرار بالشكل ده بقى فيه خطر على الأم وعلى الجنين.

شحب وجه شهاب قليلًا ورد:

_ يعني إيه؟

_ يعني هنضطر نعمل ولادة مبكرة خلال الساعات الجاية. إحنا دلوقتي بنجهزها وبنجهز كل الإجراءات اللازمة.

ابتلع شهاب ريقه بصعوبة قبل أن يسأل:
_ طيب... في خطر عليها؟ أو على البيبي؟

هز الطبيب رأسه قائلًا:
_ حاليًا لا، والحمد لله الأمور مستقرة، علشان كده لازم نتصرف بسرعة قبل ما تحصل أي مضاعفات.

أومأ شهاب برأسه في صمت، ثم شكر الطبيب واتجه نحو غرفة ماهي

دفع الباب بهدوء ودخل.

كانت ماهي حينها مستلقية على الفراش، بينما كانت منى تجلس بجوارها. وما إن رأته حتى ابتسمت ابتسامة هادئة.

اقترب منها وجلس إلى جوارها وقال:

_ عاملة إيه يا حبيبتي؟

ابتسمت وهي ترد:
_ الحمد لله... أحسن من امبارح بكتير.

ربت على يدها بحنان ثم قال:
_ الدكتور لسه مكلمني.

تلاشت ابتسامتها قليلًا وهي تنظر إليه بترقب سألته:

_ وقال إيه؟

تنهد بهدوء ورد:
_ غالبًا هتولدي النهاردة. في أي وقت خلال الساعات الجاية.

ظلّت صامتة لثوانٍ وهي تستوعب الخبر، ثم أخذت نفسًا عميقًا.

وعلى غير المتوقع، لم تبدُ خائفة كما كانت بالأمس.


بل ارتسمت على شفتيها ابتسامة صغيرة وردت:

_ خلاص... الحمد لله.

نظر إليها شهاب باستغراب ورد في ابتسامة صغيرة:
_ يعني مش خايفة خلاص الحمدلله؟

هزت رأسها برفق نافية ثم قالت:
_ كنت خايفة أوي، لكن دلوقتي حاسة إني مستعدة.

ثم وضعت يدها فوق بطنها وقالت بابتسامة دافئة:
_ نفسي أشوف زين اوي، نفسي أخده في حضني وأطمن إنه بخير طالما وجوده في بطني خطر عليه، خلاص أنا مستعدة لأي حاجة علشانه.

ابتسم شهاب رغم القلق الذي يعتصر قلبه وقال:

_ هتاخديه في حضنك إن شاء الله وهنفرح بيه كلنا

رفعت عينيها إليه وقالت بثقة أكبر:
_ حاسة إني هبقى كويسة علشانه حتى.. حاسة إني هعيش وهرجع البيت أنا وهو وانت يا حبيبي

أمسك يدها بين يديه وضغط عليها برفق ورد:

_ أكيد هتبقي كويسة يا روحي، وهنرجع كلنا وهنربي ابننا مع بعض

ثم مال نحوها قليلًا وأضاف:
_ و مستنيكم تخرجولي بالسلامة كلكم

ابتسمت وهي تشعر أن الخوف الذي ظل يطاردها منذ الحادث بدأ يتلاشى شيئًا فشيئًا وكأنها أخيرًا استسلمت للأمر الواقع.
نعم ستلد اليوم، ولم يعد أمامها سوى أن تستقبل صغيرها بكل ما تملك من أمل.

ابتسم شهاب وهو يربت على يدها مجددًا وتابع:
_ أنا هكلم أهلك ييجوا يقعدوا معاكي شوية لحد ما تدخلي العمليات.

أومأت برأسها وردت:
_ ماشي.

ثم عادت تنظر إلى بطنها وابتسامة هادئة ترتسم على شفتيها، بينما أخذت مخاوفها تتراجع تدريجيًا لتحل محلها رغبة واحدة فقط، أن ترى زين بين ذراعيها أخيرًا...
*********
كان فاتح جالسًا داخل مكتبه، يحدق في الأوراق الملقاة أمامه دون أن يقرأ منها حرفًا واحدًا.

منذ الصباح وهو يحاول استيعاب المصائب التي تتساقط فوق رأسه الواحدة تلو الأخرى.

مجدي محتجز وتحيط به قضية خطيرة قد تدمر سمعته وسمعة العائلة بأكملها. والشركة تعيش حالة من الارتباك بعدما فقدت أحد أهم مسؤوليها. والأسوأ أن الخبر لا يزال مكتومًا حتى الآن، ربما يصل إلى الصحافة في أي وقت، فهو كان يعلم جيدًا أن الأمر لن يظل سرًا طويلًا.

أرسل أكثر من محامٍ للاطمئنان على سير القضية، وحاول متابعة العمل قدر استطاعته، لكنه كان يشعر بأن كل شيء ينهار من حوله.

أما عبد الله الزيني والده، فلم يكن يريد إشغاله بما يحدث. كان الرجل غارقًا في مشكلات الفرع الجديد في تشيلي، ويكفيه ما يعانيه هناك.

مرر فاتح يده فوق وجهه بإرهاق.

ولم تكن أزمة مجدي وحدها ما يشغل باله.


فكلما حاول التركيز في العمل، عادت إلى رأسه مشكلة مايا وذلك الدجال اللعين، والأسئلة التي لم يجد لها إجابة حتى الآن.

زفر بضيق، ثم التقط هاتفه واتصل بجياد.

جاءه الرد بعد لحظات:

_ أيوه يا فاتح.

_ إنتوا فين؟

_ في المطار. خلاص بنخلص الإجراءات وراجعين مصر.

تنهد فاتح براحة بسيطة وقال:

_ كويس.

صمت لثوانٍ قبل أن يسأل:
_ إيه حكاية مايا والدجال؟ مايا قالت إنك عارف كل حاجة، وأنا محتاج أفهم.

ساد الصمت للحظة في الطرف الآخر.

ثم قال جياد:
_ لما أرجع هتكلم معاك في كل حاجة.

_ ياريت.

أنهى المكالمة وهو يشعر أن الأسئلة تزداد أكثر فأكثر، بينما الإجابات لا تأتي أبدًا.

ظل ممسكًا بالهاتف للحظات قبل أن ينظر إلى اسم مايا تردد كثيرًا
أسبوعان كاملان مرا دون أن يتحدث إليها.
أسبوعان من الغضب والشك والخذلان.
لكن قلبه كان أضعف من أن يستمر أكثر من ذلك.
ضغط على زر الاتصال وبعد ثوانٍ قليلة جاءه صوتها المرتجف ونبرتها المتلهفة:
_ ألو؟

أغمض عينيه للحظة بمجرد أن سمع صوتها وقال:

_ عاملة إيه؟

ساد الصمت بينهما لثوانٍ طويلة.

ثم أجابت بصوت خافت:

_ أكيد مش كويسة

تنهد وقال بهدوء:
_ وانا ميخلصنيش إنك تبقي مش كويسة...

_ لا هونت عليك عادي يا فاتح

هز رأسه رغم أنها لا تراه واجاب:
_ لا صدقيني والله...

ثم قال بهدوء:
_ سمعتي اللي حصل لأبوكي؟

ارتجف صوتها قليلًا وردت:
_ أيوه وحقيقي من ساعتها وانا بقيت أسوأ

_ متقلقيش، إن شاء الله هيبقى كويس وهيخرج من الموضوع ده قريب

لم تتمالك نفسها أكثر من ذلك، فانهمرت دموعها بصمت.

أما هو فأكمل:
_ وبالنسبة للي حصل بينا...

حبست أنفاسها وهي تنتظر ما سيقوله فقال:

_ أنا مصدقك يا مايا

أغلقت عينيها بقوة وكأن حملًا ثقيلًا سقط أخيرًا عن صدرها وردت في فرحة:
_ بجد؟

_ أيوه... مصدقك.

ثم أضاف بهدوء:
_ لكن في نفس الوقت لازم أوصل للحقيقة كاملة. لازم أعرف إيه اللي حصل بالظبط، علشان الحقيقة متضيعش وسط كل اللي بيحصل.


مسحت دموعها سريعًا وقالت:
_ وأنا مستعدة أساعدك تعرف أي حاجة.

ابتسم للمرة الأولى منذ أيام وعلق:
_ المهم دلوقتي تبقي قوية. اللي حصل لأبوكي مش سهل.
عارف إنك عايزاني جمبك دلوقتي ودا واجب عليا اصلا، بس اعذريني انا حرفيا بايت في الشركة من امبارح.
يزيد وجياد بس يجوا وهيحلوا أزمة كبيرة جدا

أومأت برأسها رغم أنه لا يراها وردت:
_ خير إن شاء الله

ساد الصمت بينهما للحظات.
ثم قالت بصوت ممتلئ بالشوق:

_ فاتح...

_ نعم؟

_ أنت وحشتني أوي.

أغمض عينيه وتنهد ببطء وقال:

_ وإنتي كمان.

ازدادت دموعها وهي تهمس:
_ أنا مبحبش حد في الدنيا قدك.

ابتسم رغم كل ما يحيط به من أزمات وقال:

_ وأنا كمان

_ ونفسي تيجي بسرعة، نفسي أحضنك وألاقيك جنبي، فاتح انا فعلا محتاجاك جمبي

أسند ظهره إلى المقعد وقال بحنان:
_ هاجي، وهبقى جمبك وكل حاجة هتتحل

ابتسمت وسط دموعها وردت:
_ بجد؟

_ أيوه يا مايا

ثم أكمل بنبرة دافئة:
_ وإحنا هنعدي كل ده. كل اللي حصل ده هيعدي وكل اللي غلط هيتحاسب..

تنهدت براحة وكأن قلبها بدأ يستعيد الطمأنينة المفقودة وردت:
_ يا رب.

ابتسم فاتح وقال:
_ طول ما إحنا مع بعض، الدنيا هتبقى أحسن من اللي إحنا متخيلينه.

أغلقت عينيها وهي تستمع إلى صوته، بينما بدأت مخاوفها تتراجع شيئًا فشيئًا، لتحل محلها راحة افتقدتها منذ وقت طويل وقالت:
_ طول ما انا معاك، انا مش خايفة ولا قلقانة من حاجة اصلا

ابتسم ابتسامة عريضة ورد:
_ هضطر اقفل دلوقتي ورايا شغل كتير، بس الأكيد إني هجيلك قريب
_ وانا مستنية يا حبيب عمري..
***********

مع اقتراب موعد الولادة، بدأ التوتر يفرض نفسه على الجميع داخل المستشفى.

كانت عبير تجلس على أحد المقاعد القريبة من غرفة الانتظار، لا تكاد تستقر في مكانها.
تارة ترفع يديها بالدعاء، وتارة أخرى تنظر نحو باب القسم وكأنها تنتظر أن يخرج أحد ليطمئنها.

أما فاطيمة وحليمة، فكانتا تتحركان ذهابًا وايابًا في الممر دون توقف. لم تكونا تبدوان في حالة انهيار أو ذعر، لكن القلق المصطنع كان موجودًا وواضحًا في نظراتهما وكل حركة تصدر عنهما.

وفي الجهة الأخرى كانت سحر تقف بصمت، إلا أن ملامح التوتر كانت مرتسمة على وجهها بوضوح. كانت تحاول التماسك قدر الإمكان، لكن فكرة أن تكون زوجة ابنها داخل غرفة الولادة في ظروف كهذه لم تكن سهلة عليها أبدًا.
وكذلك منى كانت في حالة من الرعب والذعر على صديقتها التي بدأوا في تجهيزها لدخول غرفة العمليات


أما شهاب، فكان الأكثر اضطرابًا بينهم جميعًا.
لم يستطع الجلوس لأكثر من دقيقة واحدة.
كان يخرج من غرفة ماهي ثم يعود إليها يلقي نظرة على تلك التجهيزات ثم يخرج مرة أخرى، وكأنه يبحث عن أي شيء يبدد ذلك القلق الذي ينهش قلبه.
وفي كل مرة كان يقف أمام باب الغرفة يتمتم:
_ يا رب... يا رب تقوم بالسلامة هي والبيبي، يارب تعدي على خير

ثم يعود للمشي من جديد.

وفي أثناء ذلك لم تتوقف الهواتف عن الرنين.
أقارب وأصدقاء وأشخاص علموا بالأمر ويريدون الاطمئنان.

وكانت عبير ترد أحيانًا، بينما تتولى فاطيمة او حليمة الرد أحيانًا أخرى.

_ أيوه يا حبيبتي، الحمد لله بخير، ادعوا لها بس.

_ لسه بس بتجهز اهي، أول ما تخرج هنبلغكم ونطمنكم

_ إن شاء الله تقوم بالسلامة.

وبين كل مكالمة وأخرى، كانت الأنظار تعود من جديد إلى باب القسم المغلق.

وفي تلك الأثناء كانت كاميليا تتابع كل شيء من خلال مكالمات الفيديو.

ظهرت على شاشة الهاتف أكثر من مرة وهي تسأل بقلق:
_ طمنوني... ماهي عاملة إيه دلوقتي؟

فتجيبها والدتها:
_ الحمد لله يا بنتي، كويسة. ادعيلها بس.

وكانت كاميليا تحاول إخفاء توترها قدر الإمكان، لكنها لم تستطع منع نفسها من الاتصال مرة بعد أخرى للاطمئنان على شقيقتها.

وبين دعوات الأهل، وقلق شهاب، وانتظار الجميع للحظة الحاسمة، كانت الساعات تمر ببطء شديد وكأن الزمن نفسه قرر أن يتوقف أمام باب غرفة الولادة..

أما كاميليا فندمت أنها ليست في مصر وأن أختها ستلد في تلك الظروف دون أن تكون بجانبها، وبين قلقها وخوفها، قالت لها نهلة صديقتها:
_ اهدي يا كاميليا مش كدا!
عادي يا بنتي ستات كتير بتولد في السابع!
_ انا قلقانه عليها عامة يا نهلة بجد، حتى لو كانت هتولد في التاسع بردو كنت هكون قلقانة، كنت عايزة ابقى جمبها، خايفة عليها
_ متخافيش يا حبيبتي ان شاء الله هتكون كويسة وهتفرحوا بيها هي والبيبي

ساد الصمت للحظات، حتى تنهدت نهلة وقالت بجدية:
_ في حاجة عايزة أتكلم معاكي فيها.
رفعت كاميليا عينيها نحو الشاشة وقالت:
_ إيه هي يا نهلة؟

ترددت نهلة قليلًا قبل أن تقول:
_ موضوع الحمل.

صمتت كاميليا على الفور.
فأكملت نهلة:
_ لحد النهارده مقولتيش لأي حد إنك حامل. لا أبو البيبي نفسه يعرف، ولا حتى أهلك. وده غلط يا كاميليا.

تنهدت كاميليا وهي تنظر بعيدًا وردت:
_ أنا فاهمة.

هزت نهلة رأسها معترضة وقالت:
_ لا، واضح إنك مش فاهمة. إنتي داخلة في الشهر الرابع، وكمان شوية هتعرفي نوع الجنين. الموضوع مينفعش يفضل مستخبي أكتر من كده.


تنهدت كاميليا ببطء وقالت:
_ طب وإنتي عارفة إني مخبية ليه؟
_ ليه؟

أطرقت برأسها لثوانٍ قبل أن ترد:
_ لأني كنت عايزة أطلق.

تنهدت نهلة وقالت ببساطة:
_ ما إنتي خلاص اتطلقتي!

صمتت قليلًا ثم أضافت:
_ الموضوع انتهى. وبعدين العدة أصلًا لحد ما تولدي يعني كده كده أبو الطفل لازم يعرف.

ظلت كاميليا صامتة للحظات طويلة.
كانت تعلم أن نهلة محقة مهما حاولت الهروب من المواجهة، فلن تستطيع إخفاء الأمر إلى الأبد.

أخيرًا سألتها بتردد:
_ تفتكري أكلمه وأقوله؟

ابتسمت نهلة ابتسامة خفيفة وردت:
_ آه لازم تكلميه.

ظلت كاميليا تحدق في الهاتف لثوانٍ طويلة قبل أن تفتح قائمة الأسماء وتتوقف عند اسم أمجد.
شعرت بتوتر شديد وهي تضغط زر الاتصال.

رن الهاتف مرة ومرتين وثلاثة
لكن دون رد.

زفرت بضيق وكادت أن تنهي المكالمة، لكنه استجاب في آخر الثالثة.

تجمدت للحظة قبل أن ترد.
_ ألو؟

جاءها صوته هادئًا:

_ أيوا يا كاميليا.

ازدادت ضربات قلبها وقالت:
_ عامل إيه؟

ساد الصمت لثوانٍ ثم قال:
_ تمام.

ترددت قبل أن تسأله:
_ إنت كويس؟
_ الحمد لله.

ثم أضاف مباشرة:
_ قوليلي، في حاجة؟

ابتلعت ريقها وردت:
_ أيوه.
_ خير؟

أغمضت عينيها للحظة تجمع شجاعتها وأجابت:
_ أنا... كنت مخبية عليك حاجة.

قطب أمجد حاجبيه في الجهة الأخرى وسألها:
_ حاجة إيه؟

ترددت ثانية، ثم قالت دفعة واحدة:
_ أنا حامل.

ساد الصمت، صمت طويل لدرجة أنها ظنت أن الاتصال انقطع.
ثم جاءها صوته أخيرًا، ممتلئًا بالصدمة:
_ إيه؟

أغلقت عينيها بقوة وكررت:
_ أنا حامل يا أمجد.

وجاءها صوته هذه المرة أكثر ذهولًا:
_ يعني إيه حامل؟!

تنهدت كاميليا في توتر وهي تضم الهاتف إلى أذنها وردت:
_ يعني حامل يا أمجد... يعني حامل.

ساد الصمت لثوانٍ، قبل أن يأتيها صوته مصدومًا:
_ حامل إزاي؟! إحنا متطلقين بقالنا تلات شهور يعتبر!

أغمضت عينيها وقالت:
_ أيوه... بس أنا كنت حامل من قبل الطلاق.
_ والله؟
_ أيوه والله!

_ وإيه اللي خلاكي مقولتيش؟

تنهدت في إرهاق وأجابت:
_ علشان كنت خايفة.
خفت أتعرض لضغط من أي نوع، أو يحصل أي حاجة تخليني ماخدش قرار الطلاق.


ضحك بسخرية أزعجتها وقال:
_ والله؟ طب والمفروض أثبت الكلام ده إزاي؟

عقدت حاجبيها في عدم فهم وعلقت في خضة:
_ يعني إيه؟

جاءها صوته قاسيًا بصورة لم تعهدها منه:
_ يعني روحي شوفي الواد ده من مين، ومتجيش تلبسيهولي.

تجمدت في مكانها للحظات من هول ما سمعت، ثم انفجرت غاضبة:
_ اخرس يا قليل الأدب يا حيوان يا قذر

ارتفع صوتها أكثر:
_ أنا أشرف منك ومن اللي جابوك! إنت إزاي تفكر فيا بالطريقة دي أصلًا؟!

قال بحدة:
_ واحدة غايبة بقالها أسابيع في أمريكا، ومطلقة بقالها تلات شهور تقريبا وفجأة تتصل تقولي أنا حامل! عايزاني أفهمها إزاي يعني؟

_ أفهمها إنك راجل محترم ومتعرفش تشك في أعراض الناس!

_ لا، أفهمها إن في مصيبة وإنتي عايزة تلبسيني فيها.

شهقت من شدة الصدمة وردت:
_ مصيبة؟!

ثم صاحت بغضب:
_ مصيبة لما تاخدك يا حيوان
إنت تجننت يا أمجد؟! إنت بجد شايف إني ممكن أعمل حاجة زي دي؟!
أمجد انت بتقول إيه انا مش مصدقة وداني!
انت بتشكك فيا وفي شرفي؟

لكن أمجد بدا وكأنه لم يعد يسمع شيئًا وقال ببرود:
_ ماشي ماشي.

_ ماشي إيه؟

_ هو ابني تمام اتفقنا.

قطبت حاجبيها في عدم فهم.

فأكمل بنفس البرود المؤلم:
_ بس أنا مش عايزه.

شعرت وكأن أحدهم صفعها بقوة وتفوهت:
_ إيه؟

_ وأكيد مش هتجيبيه يشوف أبوه وأمه متطلقين ويكره حياته.
نزليه وريحينا كلنا.

اتسعت عيناها في ذهول ولم تستطع إخراج حرف واحد.

أما هو فأنهى المكالمة دون انتظار رد.

انخفض الهاتف من يدها ببطء.

ثم سقط على الأريكة بجوارها وظلت جالسة مكانها لا تتحرك لا تصرخ لا تبكي فقط تنظر أمامها بصدمة كاملة غير مصدقة أن الرجل الذي أحبته يومًا، والذي كان والد طفلها، قال لها للتو بكل بساطة، أن تقتل ابنهما....
***********
بعد ساعات طويلة من السفر، وصل جياد وهانيا ويزيد أخيرًا إلى القصر.

ترجلوا من السيارة واتجهوا إلى الداخل، لكن ما إن دخلوا حتى تبادلوا النظرات في استغراب.
كان المكان هادئًا على غير العادة
ولا أحد هنا من أفراد العائلة.
قطب جياد حاجبيه وهو يتلفت حوله وتساءل:
_ هو فين الناس كلها؟

في تلك اللحظة ظهرت نادية، رئيسة الخدم، فاقترب منها قائلًا:
_ يا نادية، فين الكل؟

ابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت:
_ الكل راح المستشفى.


اتسعت عينا هانيا وقالت:
_ مستشفى؟ ليه؟
_ ماهي هانم هتولد.

شهقت هانيا بينما ابتسم جياد فورًا وقال:
_ بجد؟!

ثم عاد الاستغراب إلى وجهه واضاف:
_ استني... هتولد إزاي؟ ماهي لسه مش في التاسع أعتقد!

تنهدت نادية وقالت:
_ ولادة مبكرة. الدكاترة قالوا لازم تولد النهارده.

تبادل جياد وهانيا النظرات بقلق.

وسألها يزيد هذه المرة:
_ طيب هي في أنهي مستشفى؟

هزت نادية رأسها بالسلب وردت:
_ والله ما أعرف.

أخرج يزيد هاتفه فورًا واتصل بوالدته.

وبعد لحظات جاءه الرد.

_ أيوه يا حبيبي.

_ ماما، إحنا وصلنا، بس عرفنا إن ماهي هتولد، هي عاملة إيه؟

_ الحمد لله، لسه جوه دخلت من شوية.

_ طب إحنا جايين لكم.

جاءه صوتها معترضًا:
_ لا يا يزيد.

_ ليه؟
_ مفيش داعي. إحنا عددنا كبير أصلًا، والدكاترة مش سامحين بحد يدخل، أول ما تولد هكلمكم وأطمنكم.

تنهد في استسلام ورد:
_ تمام، بس اوعي تنسي ها؟

أنهى المكالمة، بينما كانت هانيا تفكر في شيء آخر تمامًا.

أخرجت هاتفها سريعًا واتصلت بروني.

ردت الأخيرة بعد عدة رنات.

_ ألو؟

_ روني! طمنيني، ماهي عاملة إيه؟ هي كويسة؟ إيه اللي خلاها تولد بدري؟

ساد الصمت للحظة ثم قالت روني بصوت متردد:

_ والله يا هانيا مش عارفة.

عقدت هانيا حاجبيها في استغراب وعلقت:
_ يعني إيه مش عارفة؟

_ أصل أنا مش هناك.

ازداد استغرابها وقالت:

_ مش هناك؟!
ليه مش معاهم؟

ثم سألت بسرعة:

_ أمال إنتي فين؟

صمتت روني لثوانٍ وكأنها مترددة في الإجابة ثم قالت بصوت منخفض:
_ أنا مع بابا.
_ مع بابا؟

_ أيوه.

_ طب معاه فين؟

أغمضت روني عينيها قبل أن تخرج الكلمات أخيرًا:
_ بابا متهم في قضية مخدرات.

شعرت هانيا وكأنها لم تسمع جيدًا وردت في صدمة:
_ إيه؟!

_ قضية مخدرات.

اعتدلت واقفة من شدة الصدمة وصاحت في نبرة عالية لا تصدق ما سمعته:
_ إزاي يعني قضية مخدرات؟!


ثم تابعت بانفعال:
_ بابا ؟!
بابا ازاي يعني؟!

_ زي ما بقولك كدا... هو أكيد باسم الكلب.

_ مستحيل!

وضعت يدها فوق رأسها في ذهول وتساءلت:
_ إيه اللي حصل؟! وليه محدش قالي؟!

بدأ صوت روني يختنق بالبكاء وأجابت:
_ والله ما عارفة يا هانيا، كل حاجة حصلت فجأة.

شعرت هانيا بانقباض في قلبها، فمهما حاولت تصديق الأمر، كانت تعرف والدها جيدًا، ويصعب عليها تخيل تورطه في شيء كهذا
لذلك قالت بسرعة:

_ اهدي يا روني. اهدي بس.

ثم أضافت بحزم:
_ ومستحيل بابا اصلا يعمل حاجة زي دي، أكيد هنلاقي حل، أكيد هنتصرف.

أغمضت روني عينيها وهي تحاول منع دموعها
فأكملت هانيا:
_ أنا هاجي لك. ابعتيلي مكانك حالًا.

_ لا، مفيش داعي، انتي لسه راجعة اصلا وكفاية اللي كنتي فيه

_ روني، اخلصي
_ حاضر

تنهدت هانيا في قلق شديد، بينما كانت تشعر أن المصائب تتساقط فوق العائلة واحدة تلو الأخرى دون أن تمنحهم فرصة لالتقاط أنفاسهم.

وحينها اقترب منها جياد ما إن لاحظ توترها وخوفها وسألها في استغراب:
_ في إيه مالك؟
إيه اللي حصل؟

ألقت كلامها في وجهه دفعة واحدة:
_ بابا، بابا يا جياد، متهم في قضية مخدرات...
**********
مرت الدقائق ثقيلة على الجميع أمام غرفة العمليات.

كان شهاب يتحرك ذهابًا وايابًا في الممر للمرة التي لا يعلم عددها، بينما كانت عبير تجلس تدعو الله دون توقف، وإلى جوارها فاطيمة وحليمة ومنى، وكل واحدة منهن تحاول إخفاء قلقها بطريقتها الخاصة.

وفجأة انفتح باب غرفة العمليات.

التفت الجميع في اللحظة نفسها.

خرجت الطبيبة وهي تخلع الكمامة عن وجهها.
أسرع شهاب نحوها قائلًا بلهفة:
_ خير يا دكتورة؟ طمنينا.

ابتسمت الطبيبة ابتسامة مطمئنة وقالت:
_ الحمد لله، الولادة تمت على خير.

أغمض شهاب عينيه للحظة وهو يزفر أنفاسًا طويلة وكأن جبلًا كاملًا انزاح عن صدره.

أما عبير فرفعت يديها إلى السماء قائلة:
_ الحمد لله... الحمد لله يا رب.

تابعت الطبيبة:
_ ماهي بخير، والعملية عدت بسلام.

تنهد الجميع براحة واضحة.
ثم سألت عبير بسرعة:
_ والبيبي؟

ابتسمت الطبيبة مجددًا.
_ زين بخير الحمد لله.

كادت الدموع تفر من عيني شهاب من شدة فرحته.
لكن الطبيبة أكملت:
_ هو مولود مبكر، فهنحطه في الحضانة تحت الملاحظة والاحتياط بس. مفيش حاجة خطيرة إن شاء الله.


هز شهاب رأسه عدة مرات وهو يحاول استيعاب الخبر وردد:
_ الحمد لله... الحمد لله..

ثم سأل:
_ أقدر أشوف ماهي؟

_ دلوقتي لا، هي تعبانة ونايمة تحت تأثير الأدوية، أول ما تفوق وتستقر أكتر هنبقى نسمح لكم بالدخول.

شكرها الجميع، ثم غادرت الطبيبة.

وبمجرد أن ابتعدت، استدار شهاب نحو والدته كانت الدموع تلمع في عينيها.

فاندفع نحوها واحتضنها بقوة وهو يقول:
_ الحمد لله يا ماما.

ربتت سحر على ظهره وهي تبتسم من بين دموعها وقالت:
_ الحمد لله يا حبيبي، ربنا طمنا عليهم.

أما منى فوضعت يدها فوق فمها وهي تضحك باكية في الوقت نفسه تتفوه:
_ أخيرًا بقى عندنا زين، اخيرا بقيتي أحلى مامي في الدنيا يا ماهي يا روحي.

ضحكت فاطيمة وقالت:
_ الحمد لله إن كل حاجة عدت على خير.

وبدأت الأجواء تتغير تدريجيًا.

اختفى القلق الذي سيطر على المكان لساعات طويلة، وحلّت محله الراحة والفرحة.
أخرجت عبير هاتفها على الفور وهي تقول:
_ لازم أطمن الناس.

وبدأت تتصل واحدًا تلو الآخر.

_ أيوه... الحمد لله، ماهي كويسة.

_ الحمد لله، زين بخير.

_ العملية عدت على خير.

وفي كل مرة كانت تسمع دعوات وفرحة من الطرف الآخر.

وفي القصر، بدأ الخبر ينتشر بين أفراد العائلة.

"ماهي ولدت."

ومع كل شخص يعرف الخبر، كانت البهجة تكبر أكثر.

أما شهاب فوقف أمام زجاج الحضانة بعد قليل، ينظر إلى صغيره للمرة الأولى.
ابتسم رغم الإرهاق الذي يملأ وجهه ورفع يده يلامس الزجاج برفق ثم همس بصوت لم يسمعه أحد:
_ الحمد لله على سلامتك يا زين... نورت الدنيا يا بطل، نورت الدنيا يا قلب بابا

ولأول مرة منذ الحادث، شعر أن قلبه عاد ينبض بالطمأنينة من جديد.
وتابع:
_ يلا يا زين بقا، اتحسن أسرع عايز اخدك في حضني وانيمك جمبي، يلا ارجع معانا ونورلنا البيت وأملاه علينا سعادة وحب.

ثم تنهد في راحة وابتسامته تتسع شيئًا فشيئًا...
***********
وصلت هانيا وجياد إلى المكان الذي كان مجدي محتجزًا فيه، وما إن وقع بصر هانيا على والدها حتى أسرعت نحوه دون تفكير.

ألقت نفسها بين ذراعيه وهي تحتضنه بقوة وهي تقول:
_ بابا حبيبي..
أنت حصل لك كده إزاي يا بابا؟

ربت مجدي على ظهرها بحنان محاولًا تهدئتها ورد:
_ اهدي يا حبيبتي... أنا كويس.

رفعت رأسها تنظر إليه وعيناها ممتلئتان بالدموع وعلقت:
_ كويس إزاي بس؟


ابتسم لها ابتسامة مطمئنة رغم الإرهاق الواضح على وجهه ورد:
_ متخافيش، إن شاء الله خير.

اقترب جياد بدوره وقال بثقة:
_ متقلقش يا عمي. معاك أكتر من تلات محامين شغالين على القضية، وإن شاء الله الموضوع هيتحل.

هز مجدي رأسه قائلًا:
_ والمحامي طمني برضه. قال إن في احتمال كبير أخرج على ذمة القضية لو قدر يبطل جزء من الأدلة اللي ضدي وهو فعلا قرب يعمل كدا ويثبت ان المكان المشبوه دا هدفه تورطي مش أكتر

تنهد جياد براحة وعلق:

_ الحمد لله متقلقش

ثم أضاف:
_ يبقى خير إن شاء الله.

صمت للحظات قبل أن يقول:

_ أنا متأكد إن باسم هو اللي عمل كده.

ثم نظر إلى هانيا وتابع
بحزم:
_ هو الوحيد اللي عنده مصلحة. وآخر مرة جيه ورانا على ألمانيا، وهو اللي كان ورا موضوع التورته والمنوم، وكل دا اصلا حصل أما عرف أكيد اني كنت بدور وراه، ها لسه عايزاني ارحمه؟

ضغط مجدي على أسنانه بغضب ورد:
_ وأنا كمان مقتنع إنه هو، روني أكدتلي بأكتر من طريقة.

سألته هانيا في استغراب:
_ هي فين روني أصلا!
_ راحت تجيب لنا قهوة، دماغنا هتتفرتك من الصداع

ثم أضاف بانفعال:
_ الحيوان باسم دا، أخ منه أخ

ليرد عليه جياد في نفسه النبرة:
_ يا ويله مني يا عمي

تنهد مجدي محاولًا أن يهدأ بعدما شعر بالقلق حيال ذلك وقال:
_ حتى لو هو ، لازم نفكر بعقل.

ثم نظر إلى هانيا وتابع:
_ إنتي بالذات خدي بالك من نفسك.

أومأت برأسها فأكمل:
_ وبالنسبة لباسم، متفتكروش إنه شخص سهل. الراجل ده ذكي وخطير، وقدر يعمل كل ده من غير ما يسيب وراه دليل مباشر.
وقدم استقالته كمان ومبقاش في القصر فالموضوع بقى معقد أكتر

عقد جياد ذراعيه أمام صدره وقال في ضيق:
_ مش قادر أصدق إنه قدم استقالته في الوقت ده بالذات. الشركة كانت محتاجاه، وفجأة يختفي ويعمل كل المصايب دي.

ثم تمتم:
_ الكلب، ولا حرام اقول عليه كلب اصلا، هظلم الكلب معاه، على الأقل الكلب اوفى منه.
قدر كدا بكل بساطة يطعن في أهله وناسه ويعض الايد اللي اتمدت له.

نظر إليه مجدي بحزم وقال:
_ يا جياد.

فسكت الأخير.

فأكمل مجدي:
_ الغضب مش هيحل حاجة. لو فعلًا هنواجهه، يبقى لازم نواجهه بذكاء، مش هينفع نخسر قدامه ومفيش مجال اصلا

ثم أردف:
_ هو مش سهل، وعشان كده لازم نبقى إيد واحدة. أي حد يشتغل لوحده هيخسر.

هز جياد رأسه في صمت، وإن كان الغضب لا يزال واضحًا على ملامحه.
وفي تلك اللحظة بالذات، عادت روني وهي تحمل أكواب القهوة


اقتربت منهم وقالت لجياد:
_ حمدلله على السلامة
_ الله يسلمك

بحثت فيما بينهما ثم سألت:
_ اومال فين يزيد؟
_ كنت عارف إننا هنجيب سيرة باسم وانه اللي وراها وهو لسه معندوش علم فمقولتلوش، هو مش عارف اللي حصل لعمي.

هزت رأسها بالايجاب ثم احتضنت أختها في صمت.
ثواني وقالت:
_ جياد خلاص انا غيرت رأيي مدورش ورا باسم، ملكش دعوة بباسم خالص وسيبك من أي حاجة انا قولتها قبل كدا، كفاية اوي لحد كدا

نظر إليها ولم يرد في الحقيقة كان مصرًا على موقفه ولن يتنازل ولكنه سكت حتى لا يحدث مشاكل معهما، هي وأختها.
**********
بعد عدة أيام، تحسنت حالة ماهي بصورة ملحوظة، وسمح لها الأطباء أخيرًا بمغادرة المستشفى.

ورغم فرحتها بالخروج، إلا أن الجميع كان يتعامل معها وكأنها قطعة زجاج قابلة للكسر في أي لحظة.

أصرت عبير على أن تعود معها إلى القصر حتى تستريح هناك تحت أعين الجميع، خاصة أن زين ما زال داخل الحضانة ويحتاج إلى متابعة مستمرة.

وبمجرد وصول السيارة إلى القصر، نزل شهاب أولًا وساعد ماهي على النزول بحذر يقول:
_ بالراحة يا حبيبتي.

ابتسمت ماهي وهي تقول:
_ يا شهاب والله أنا بقيت كويسة.

_ وأنا مش مصدقك.

فعلقت عبير قائلة:
_ هو عنده حق، امشي بالراحة وعلى مهلك

دخلوا القصر، وساعدها شهاب على الجلوس فوق الأريكة لبعض الوقت قبل أن تصر عبير على نقلها إلى غرفتها.

وبعد دقائق كانت ماهي جالسة فوق الفراش مستندة إلى الوسائد، بينما التف أفراد العائلة حولها.

ابتسمت حليمة وهي تربت على يدها وقالت:
_ حمد لله على السلامة يا بنتي.
_ الله يسلمك يا عمتي.

وقالت فاطيمة:
_ خوفتينا عليكي والله.

ابتسمت ماهي وردت:
_ الحمد لله عدت على خير.

أما عبير فجلست إلى جوار ابنتها ولم تترك يدها للحظة واحدة.

كانت تنظر إليها كل دقيقة وكأنها تتأكد بنفسها أنها بخير فعلًا.

ودخل عندها أخواتها الشباب، فاتح وحسان ويزيد وجياد واطمأنوا عليها وعلى صحتها وشاركوها الضحك والمزح لبعض من الوقت بينما كانت روني ومايا تترددا عليها من وقت لآخر حتى تطمئنا عليها وتقدما المساعدة إذا احتاجت إلى ذلك.
أما هانيا فلم تأت إلا مرة واحدة واطمأنت عليها وعلى مولودها بابتسامة ولم تأت مرة أخرى من بعدها.

وفي أثناء ذلك كان شهاب يتردد على المستشفى أكثر من مرة يوميًا للاطمئنان على زين.
وفي كل مرة يعود فيها، كان يحمل معه أخبارًا جديدة.
" الدكتور بيقول إنه كويس وزنه بدأ يتحسن"


وكانت تلك الأخبار كافية لترسم الابتسامة على وجه ماهي في كل مرة.

وفي الجانب الآخر، كانت أزمة مجدي لا تزال مستمرة.

صحيح أن المحامي تمكن من إثبات وجود تلاعب في أحد الأدلة المقدمة ضده، وهو ما ساعد على خروجه على ذمة التحقيق، إلا أن القضية نفسها لم تُغلق بعد.
خرج مجدي من محبسه، لكنه لم يخرج من أزمته.
فما زالت التحقيقات مستمرة وما زال اسمه مرتبطًا بالقضية وما زال يبحث مع المحامين عن الشخص الذي دبر له كل ذلك.

ولهذا عاد إلى منزله وهو يحمل فوق كتفيه عبئًا ثقيلًا.
وبمجرد أن دخل، استقبلته زوجته العائلة بارتياح واضح.

فمهما كانت الأزمة قائمة، كان وجوده معها وفي بيته أفضل كثيرًا من بقائه خلف القضبان.
************
كانت تالية تجلس أمام نزار في أحد المقاهي الهادئة، بينما وضع النادل المشروبات التي طلبها لهما قبل أن يبتعد.

ساد بينهما صمت قصير.

كانت تالية تعبث بكوبها بين يديها، بينما كان نزار ينظر إليها وكأنه يحاول جمع شجاعته لقول شيء ظل يؤجله طويلًا.

وأخيرًا تنهد وقال:

_ تالية... أنا محتاج أتكلم معاكي بصراحة.

رفعت عينيها إليه وقالت:
_ اتفضل.

ابتسم ابتسامة متوترة قبل أن يهز رأسه ورد:
_ بصراحة أنا تعبت من إني مش فاهم إحنا إيه.

عقدت حاجبيها قليلًا.

فأكمل:

_ بقالنا شهور بنتكلم وبنتقابل وبنقضي وقت مع بعض، وأنا مبسوط جدًا معاكي يمكن أكتر مما تتخيلي.

صمت لحظة ثم تابع:
_ بس كل شوية بسأل نفسي سؤال ومش لاقيله إجابة.

_ سؤال إيه؟

نظر مباشرة إلى عينيها وقال:
_ أنا بالنسبالك إيه؟

شعرت تالية بالتوتر فجأة.

أما هو فأكمل قبل أن تقاطعه:
_ أنا مش هكدب عليكي. أنا بحبك يا تالية

اتسعت عيناها قليلًا.

فابتسم بحرج وأردف:
_ أهو قولتها.

ثم تنهد وتابع:
_ ولو إنتي مش شايفاني بالطريقة دي، أو مش قادرة تحبيني، قوليلي. والله هزعل شوية وخلاص، اهو أحسن ما أنا مش فاهم حاجة كدا.. حددي موقفي، قوليلي شيفاك مجرد friend أو ممكن يبقى فيه بينا علاقة رسمية مثلا.. حددي وضحي

ضحك بخفة محاولًا تلطيف الأجواء وتابع:
_ على الأقل أبقى فاهم أنا واقف فين وبعمل إيه!

ثم أضاف بجدية أكبر:
_ مش عايز أفضل متعلق بحاجة مش موجودة أو أوهام انا بس اللي عايش فيها واحلام انا بس اللي بحلمها.


ظلت تاليا صامتة.

وكانت تنظر إليه بينما يدور داخلها صراع كبير نزار رجل محترم وطيب ويعاملها بطريقة لم يسبق أن عاملها بها أحد.

لكن المشكلة لم تكن فيه، المشكلة أن جزءًا من قلبها ما زال عالقًا عند جياد.
ذلك الجزء الذي رفض حتى الآن أن يقتنع أن كل شيء انتهى وأن جياد اختار طريقه بالفعل.

أخفضت رأسها قليلًا وهي تفكر..ثم رفعت عينيها نحوه وجدته ينتظر ردها بقلق حقيقي فابتسمت ابتسامة صغيرة ابتسامة لم تكن كاملة، لكنها كانت صادقة.
وقالـت:
_ أنا مش هكدب عليك بردو يا نزار.

حبس أنفاسه منتظرًا فتابعت:

_ أنا محتاجة وقت.

هبطت عيناه قليلًا لكنها أكملت بسرعة:
_ وقت علشان أدي نفسي فرصة اشوفك زي ما انت شايفني

نظر إليها باستغراب فابتسمت أكثر هذه المرة واضافت:
_ بس معنديش مانع إننا ناخد الفرصة دي مع بعض.. معنديش مانع عامة مع مشاعرك ولا مضايقة منها.
عادي عايزة ابدأ أوجه مشاعري كلها ناحيتك وقريب هيحصل.

ساد الصمت لثوانٍ.

ثم استوعب كلماتها أخيرًا.
واتسعت ابتسامته بصورة واضحة وقال:

_ يعني افهم من كلامك، اننا دلوقتي بقينا في وضع المرتبطين مش صحاب بس صح؟

ضحكت بخفة وردت وهي تهز رأسها بالايجاب:
_ بالظبط

أطلق زفرة طويلة وكأنه تخلص من حمل ثقيل فوق صدره وقال:
_ والله كنت هتجنن من كتر التفكير يا شيخة

ضحكت تالية رغمًا عنها أما هو فكان يبدو سعيدًا بصورة لم يحاول إخفاءها.
بينما كانت هي تراقبه في صمت.
لم تكن تشعر بذلك الحب الكبير الذي شعرته يومًا تجاه جياد، لكنها كانت تشعر بالراحة والاطمئنان.

وربما للمرة الأولى بدأت تقتنع أن الحياة لا تتوقف عند فرصة ضاعت. وأن بعض الأشخاص يستحقون على الأقل أن تمنحهم فرصة حقيقية...
*************
كان يزيد يقضي معظم يومه داخل الشركة.

الملفات فوق مكتبه لا تنتهي، والاجتماعات تتوالى واحدة تلو الأخرى، والمشكلات تتساقط فوق رؤوسهم دون توقف.

غياب باسم ترك فراغًا كبيرًا داخل قسم التصميم.

وغياب مجدي _مساعد المدير التنفيذي_ بسبب القضية زاد الأمور تعقيدًا.

أما عبد الله الزيني فكان منشغلًا بمشكلاته في الفروع الخارجية.

ولهذا وجد يزيد نفسه يحمل مسؤوليات أكثر بكثير مما اعتاد.

وفي ذلك المساء، عاد إلى القصر متعبًا بصورة واضحة.

وما إن دخل غرفته حتى وجد روني جالسة تنتظره.


ابتسمت فور أن رأته.

أما هو فما كاد يغلق الباب حتى اقتربت منه في سرعة وارتمت بين ذراعيه.
احتضنها تلقائيًا وهو يزفر بتعب ثم دفن وجهه في شعرها للحظات.
همست روني:
_ وحشتني يا يزيد وحشتني اوي اوي ووحشني وجودك جمبي

ابتسم رغم إرهاقه وقال في نبرة بها اشتياق واضح:
_ وإنتي كمان وحشتيني فوق ما تتخيلي

رفعت رأسها قليلًا ونظرت إليه وقالت:
_ حاسة إني مبقتش بشوفك.

تنهد وهو يمرر يده على شعرها وقال:

_ غصب عني يا روحي

_ عارفة... والله عارفة الله يكون في عونا، بقيت بتفضل بعد مواعيد العمل بكتير، ربنا معاك، بس وحشتني فعلا

ثم عادت تستند إلى صدره من جديد وبقيت صامتة للحظات تستمتع فقط بوجوده أما هو فشدها إليه أكثر وكأنه هو الآخر كان يحتاج تلك اللحظة من الهدوء.

همست بعد فترة:
_ خليك معايا شوية.
ابتسم وقبّل أعلى رأسها.

_ أنا جنبك أهو ومعاكي يا نفرتيتي

تنهدت في راحة وقالت:
_ الله، اخيرا!
بقالك كتير مش بتقولهالي

أغمضت عينيها وتابعت بصوت خافت:
_ طمني.

فهم فورًا ما تقصده، تنهد ثم قال:
_ متخافيش يا روحي

رفعت رأسها تنظر إليه.
فأكمل بثقة:
_ عمي هيعدي من الأزمة دي على خير إن شاء الله، هو في بيته حاليا الحمدلله و المحامين مش راحمين نفسهم من الشغل على القضية

_ بجد؟

_ بجد.

ثم أمسك يدها بين يديه وأضاف:
_ وفي أدلة كمان بدأت تبان بالفعل.

تنهدت روني براحة بسيطة.
فابتسم يزيد وأردف:
_ وكل حاجة هتتحل، انا مش عايزك تخافي خالص ولا تقلقي ولا تشيلي هم
_ يارب.

_ أنا معاكي في كل خطوة وكل دقيقة وكل ثانية وطول الوقت وطول العمر

ابتسمت أخيرًا ابتسامة عريضة مطمئن فعاد يحتضنها من جديد.

وفي تلك اللحظة، وسط كل الأزمات والمشكلات التي تحاصر العائلة من كل اتجاه، لم تكن روني تحتاج أكثر من ذلك، فأن تشعر بوجوده معاها و بجوارها كان هذا ما يكفيها....
************
في ذلك المساء، استغلت عبير أخيرًا وجود أبنائها جميعًا داخل القصر.
فخلال الأيام الماضية كان فاتح بالكاد لا يعود إلى المنزل، إذ كان يقضي معظم وقته بين الشركة والمحامين ومتابعة أزمة مجدي.

أما جياد فكان منشغلًا هو الآخر في العمل لذلك ما إن رأتهما يدخلان إلى القصر حتى قالت بحزم:
_ تعالوا يا ولاد، عايزاكم في موضوع.

تبادل الشقيقان النظرات قبل أن يتجها نحوها وفي تلك اللحظة كانت مايا تنزل الدرج ببطء، لكنها توقفت في منتصفه حين سمعت الحوار وقررت الاستماع بصمت.


جلست عبير أمامهما ثم قالت:
_ دلوقتي الحمد لله الأمور بدأت تهدى شوية.

وأشارت بيدها وهي تكمل:
_ ماهي بقت أحسن، ومجدي خرج على ذمة التحقيق، والشغل بدأ يستقر. فعايزة أفهم بقى ناوي تعملوا إيه في المصيبة اللي فوق دي؟

عقد فاتح حاجبيه وتساءل:
_ مصيبة إيه يا ماما؟
_ مراتك طبعًا.

زفر فاتح ببطء وهو يعلم إلى أين يتجه الحديث أما عبير فأكملت بانفعال:
_ اللي راحت للدجالين والسحرة وعملت اللي عملته. أكيد السحر والقرف ده هو اللي وصلنا لكل اللي إحنا فيه، مصايب بالكوم نازلة ترخ!

ضحك جياد ساخرًا وساد الصمت لثوانٍ

ثم قال فاتح بهدوء:
_ يا ماما مفيش حاجة اسمها كدا

_ نعم؟!

_ مايا معملتش حاجة.

نهضت عبير من مكانها وهي تنظر إليه بعدم تصديق وقالت:
_ يعني إيه معملتش حاجة؟

رد فاتح بثبات:

_ مايا قالت بنفسها إنها كانت فاكرة الراجل شيخ. وهي راحت علشان كانت مصدقة إنه بيساعد الناس.

_ بيساعد الناس؟!

_ أيوا.

ثم أكمل:
_ ولو في حد غلط في الموضوع فهو حضرتك

نظرت إليه عبير بغضب واضح وأشارت إلى نفسها تقول في عدم تصديق:
_ أنا؟

أما فتح فأردف:
_ ايوا يا ماما، ماكانش ينفع حضرتك تروحي تهيني حماتي بالشكل ده وتقللي منها قدام الناس في قلب بيتك وتغلطي فيها هي وبنتها.
انا لولا ضيق الوقت بس والأزمات الأخيرة دي كلها، ماكنت هسكت كل دا لانها جت واشتكت لي من بدري

_ كمان؟

_ أيوه.

وأشار بيده نحو في الفراغ وتابع:

_ هي كمان كانت عايزة تقول لبابا من أول يوم.

عقدت عبير حاجبيها.

فأكمل:
_ وأنا اللي منعتها.

اتسعت عيناها دهشة
وتابع هو:
_ قولتلها اصبري ومتقوليش دلوقتي حاجة واهدي، لأن بابا أصلًا كان غرقان في مشاكل الشغل ومشاكل الفرع الجديد.

وصمت لحظة قبل أن يضيف:
_ ولو كان عرف وقتها كان هيشيل هم جديد فوق همومه كلها ومش بعيد كان رفع السماعة ورمى عليكي اليمين مثلا لانه ياما قالك بلاش غلط

ارتفع صوت عبير:
_ يعني إيه؟!

ثم أشارت إلى نفسها بانفعال وتابعت:
_ يعني دلوقتي بقينا إحنا اللي غلط؟!

_ أنا مقولتش كده.

_ لا قولتها!

ثم أضافت بغضب أكبر:
_ يعني عايز تفهمني إن إحنا بنكدب؟


تحرك فاتح من مكانه ورد وهو يقترب منها:

_ يا ماما...

لكنها قاطعته:
_ يبقى عمتك كمان كدابة؟

وأكملت وهي تشير بإصبعها نحوه:

_ مايا بنفسها قالت إن عمتك هي اللي ودتها هناك!

تنهد فاتح وهو يشعر أن الحوار بدأ يخرج عن السيطرة.

_ أنا مش بقول إن حد كداب.

_ أمال بتقول إيه؟

_ بقول إن في حاجة ناقصة في الموضوع كله.

ثم أضاف:
_ وإننا حكمنا على مايا قبل ما نفهم الحقيقة كاملة وندور في المستخبي

اشتعل الغضب أكثر داخل عبير وعلقت:
_ الحقيقة واضحة وضوح الشمس!

وفي تلك اللحظة تحديدًا، كانت مايا لا تزال تقف على السلم تستمع إلى كل كلمة وعيناها تمتلئان بالدموع لأنها للمرة الأولى منذ بداية الأزمة تسمعه يدافع عنها.

تابعت عبير في نفس الانفعال:
_ انت اللي مش عايز تصدق بس الحقيقة واضحة.
لو كان اتنصب عليها فعلا وكانت فاكرة انه شيخ زي ما قالت، ليه تتهم عمتك بحاجة زي كدا!
ليه تقول ان عمتك اللي ودتها ليه تكدب؟

ثم نظرت إلى جياد واضافت:
_ ما تقول حاجة، ما انا يعتبر مفهماك الموضوع كله امبارح!

تنهد ثم نظر إلى فاتح وقال:
_ فاتح انت تعرف عنوان الدجال دا؟
_ ايوا.. ليه؟
_ كنت عايزه
_ ليه بردو؟
_ كنت هروح له اخليه يعمل لهانيا سحر علشان تموت فيا ومتشفش غيري

ردت أمه في نبرة حادة:
_ دا وقته هزار دا؟
شوف احنا بنقول إيه وانت بتعمل ايه!

_ ماما ماما روّقي ها؟
انا بتريق، اصل انتوا بتصدقوا حاجات غريبة، ما يمكن عمتي فعلا كدابة وعايزة توقع، ولا هي فاطيمة القديسة مش بتغلط؟

وقفت فجأة وصاحت:
_ دا اللي كان ناقص كمان، تنصروا بنات السلاب على عماتكم وتتريقوا وتشككوا فيهم.

ثم تركتهما وذهبت في غضب

وبعدما ذهبت، اقترب منه فاتح وقال له:
_ انا عايز اعرف فيه انت تعرفه، قولتلي أما ارجع واديك رجعت اهو من بدري!

تنهد جياد ورد:
_ لا لا، فيه كلام كتير اوي واحداث اكتر محتاج اكلمكم فيها
_ تكلمنا؟
_ ايوا.. انت ويزيد عايز اتكلم معاكم وبشكل ضروري جدا
_ قول
_ لا مش دلوقتي
_ اشمعنى؟
_ لانه كلام كتير ومش هقوله في القصر دا... يوم الجمعة، كمان ٣ تيام يعني على الساعة ٤ العصر انا وانت ويزيد هنتجمع في شقتي اللي في المعادي وهنتكلم.. هنتكلم كتير اوي وهكشفلكم بلاوي كتيرة جدا.. خلي بس ايام الشغل والضغط دي تعدي على خير ونتقابل يوم الجمعة الساعة ٤ زي ما قولتلك.


انهى كلامه ثم ذهب تاركًا الشاب يفكر...

عاد إليه صوت أخيه يقول مازحًا:
_ ألحق مراتك واقفة على السلم اهي زي الحرامية

رفع فاتح رأسه سريعًا للأعلى ثم ابتسم ما إن رآها وفتح ذراعيه كي يستقبلها.
أسرعت نحوه تنزل السلم في ركض يشوبه فرحة، ثم ارتمت داخل حضنه.
كانت تضمه إليها في اشتياق واضح وكذلك فعل الآخر، كان يضمها إليه أكثر فأكثر وهو يمسح على رأسها في حنان وقال:
_ هانت.. قريب الحقيقة هتبان وهتكلم قصاد ماما والكل بدليل...

******

بعد انتهاء الحديث مع فاتح، خرج جياد من الممر متجهًا إلى غرفته وما إن لمحته عبير حتى نادته:
_ جياد... تعالى يا حبيبي، عايزة أكلمك شوية.

التفت إليها فورًا ثم اتجه نحوها. ابتسمت له ما إن اقترب، ثم فتحت ذراعيها تحتضنه بقوة تفاجأ قليلًا، لكنه بادلها العناق مبتسمًا وسألها:
_ مالك يا ماما؟
تنهدت وهي تربت على ظهره:
_ وحشتني.

ابتسم جياد ورد:
_ وإنتي كمان وحشتيني.

ثم أضاف بمزاح خفيف:
_ بس إحنا بقالنا كام يوم في نفس البيت!

ضحكت عبير رغم توترها وقالت:
_ أيوه، بس كل واحد فينا كان غرقان في ألف مشكلة.

ثم نظرت إليه بحنان واضافت:
_ أنا كنت قلقانة عليك يا جياد.
_ متقلقيش، الحمد لله بقيت أحسن.
_ راسك بتوجعك؟
_ لا يا حبيبتي، رأسي زي الفل وانا كمان بخير الحمدلله

_ طب الحمد لله..
ابتسمت وهي تمسك يده واضافت:
_ تعالى معايا.

أخذته إلى غرفتها وأغلقت الباب خلفهما.
جلس جياد على الأريكة بينما جلست هي أمامه.
وبعد لحظات من التردد قالت:
_ في موضوع شاغلني.

_ خير؟

تنهدت وتابعت:
_ أنا سمعت إنك اشتريت شقة لهانيا صح؟

ابتسم جياد تلقائيًا ورد:
_ أيوا!

_ وشقة غالية جدًا كمان من بالم هيلز!

هز رأسه في رضا كامل واردف:

_ أيوا

سكتت عبير للحظات قبل أن تقول:
_ أنا خايفة عليك يا ابني.. جياد متعملش فيا كدا، انت عارف كويس اوي معزّتك عندي انت بالذات عاملة ازاي

اختفت الابتسامة من وجهه وسألها:

_ خايفة عليا من إيه؟

_ من هانيا.

عقد حاجبيه فورًا وعلق:

_ هانيا؟!

_ أيوه.

ثم أضافت بقلق:
_ خايفة تكون بتستغلك.. بتنهب، بتاخد فلوسك وانت مجرور ومعمي تحت مسمى الحب

اتسعت عيناه وهز رأسه رافضًا ورد:
_ مستحيل يا ماما

_ يا جياد، الدنيا مليانة ناس بتعرف تمثل وتاخد اللي هي عايزاه، والبت دي واضحة زي الشمس، بتتمسكن لحد ما تتمكن وتاخد اللي وراك واللي قدامك


ثم تابعت:
_ وأنا شايفة إنك بتصرف عليها كتير جدًا وبقلب ميت، كأن الملايين دي جبتها بالساهل كدا او لقتها في الشارع!

_ يا ماما...

_ اسمعني للأخر.

وأكملت:
_ الشقة دي تمنها كبير جدًا وأنا خايفة تكون مستغلة حبك ليها وبتخليك تعمل اللي هي عايزاه

هز جياد رأسه بقوة تلك المرة وقال:
_ مستحيل.

_ ليه مستحيل؟

_ لأن هانيا مش كده.

ثم اعتدل في جلسته وقال بثقة:
_ هانيا عمرها ما طلبت مني حاجة.

صمتت عبير.

فأكمل:
_ الشقة دي أنا اللي جبتها من نفسي.

_ بس...

قاطعها:
_ هانيا مش مادية يا ماما.

ثم ابتسم وهو يتذكرها وتابع:
_ بالعكس، دي أكتر واحدة شوفتها بسيطة ومش فارق معاها الفلوس أصلًا ولا كل المظاهر دي

تنهدت عبير.

أما هو فأردف:
_ لو كانت بتدور على فلوس كانت طلبت مني مليون حاجة قبل كده، انا نفسي تطلب مني حاجة اصلا!

_ وإنت ضامنها اوي كدا؟

_ أيوه.

ثم أضاف بحزم:

_ ضامن وابصم بالعشرة كمان

نظرت إليه عبير في صمت.

فأكمل بابتسامة خفيفة:
_ هانيا بنت جدعة ومحترمة وطيبة جدًا.

ثم نظر إلى والدته مباشرة وأكمل:

_ ومش زي ما إنتي متخيلة عنها خالص.
ظلت تنظر إليه غير مقتنعة بكلمة واحدة مما يقوله ثم هزت رأسها وقالت:
_ لا يا جياد، انت بس بتحبها، وعشان كده مش شايف الحقيقة.

تنهد جياد في إرهاق وقال:

_ يا ماما...

قاطعتْه وهي تشير بيدها:
_ أكيد البنت دي بتستغلك.

_ لا

_ أكيد.

_ لا يا ماما.

زفرت عبير بضيق وقالت:

_ ما هو دا نفس اللي حصل مع حورية وجوزها، اتمسكنوا لحد ما مجدي بقا دراعه اليمين وهما ماكنش حيلتهم حاجة!

هز جياد رأسه بقوة وقال:
_ ماما، انتي محتاجة تغيري نظرتك عن هانيا وعن أهلها.

عقدت ذراعيها أمام صدرها وقالت بتحدٍ:
_ ليه يعني؟ ليه كل الثقة دي؟

ثم نظرت إليه مباشرة وقالت:

_ اثبتلي.. اثبتلي بما إنك واثق اوي كدا فيها هي وأهلها

_ أثبتلك إيه؟

_ اثبتلي إن ده كله مش خطة.

صمت للحظة.


فأكملت:
_ اثبتلي إن مايا متجوزتش فاتح علشان فلوسه وإن روني متجوزتش يزيد علشان فلوسه وإن هانيا متجوزتكش علشان فلوسك.
اثبتلي انها مش خطة من حورية وبناتها علشان يوقعوكم انتوا التلاتة.
معقول صدفة!

ساد الصمت داخل الغرفة وأطرق جياد برأسه يفكر للحظات ثم رفع عينيه إليها وقال بهدوء:
_ هثبتلك.

نظرت إليه عبير في انتظار.

فقال:
_ بس بعدها عايزك تصدقي إن هانيا مش كده.

_ قول.

تنهد جياد طويلًا قبل أن يبدأ:
_ هانيا أصلًا ما كانتش بتحبني.

اتسعت عينا عبير وسألته:

_ نعم؟

ابتسم ابتسامة خافتة ورد:

_ زي ما سمعتي.

ثم أكمل:

_ هانيا كانت بتحب واحد تاني.

تجمدت عبير في مكانها فتابع:

_ وكانت هتتخطبله كمان.

حدقت فيه غير مصدقة أما هو فأردف:
_ واليوم اللي أنا روحت فيه بيتهم علشان اطلبها، هو نفس اليوم اللي المفروض الشاب التاني دا كان رايح فيه، بس عمي مجدي قبلني أنا وشافني فرصة لبنته.. عادي كأي أب بيفكر في مصلحة بناته

كانت في اندهاش مما تسمعه فضحك بخفة وهو يتذكر الموقف وتابع:

_ حتى أول ما دخلت وشافتني انا ارتبكت ورمت الصنية من إيدها... أكيد انتي فاكرة الموقف دا، انتي كنتي معانا.

ظلت عبير تنظر إليه بذهول.

فأكمل:
_ هانيا ما كانتش عايزاني أصلًا.

_ مستحيل.

_ دي الحقيقة.

ثم أضاف:
_ أنا تقريبًا اقتحمت حياتها.. هما وافقوا عليا لاني قريت فاتحتي عليها

ردت في عدم تصديق:
_ وانت كنت عارف إنها بتحب غيرك؟

هز رأسه مؤكدًا ثم رد:
_ كنت عارف... بس كان عندي أمل إنها هتبقى ليا أنا، لاني من أول ما شفتها، وانا اتخطفت خطف بطريقة مش طبيعية.
هي انثى.. انثى كاملة متكالمة بكل مع تحمل الكلمة من معنى.
هي اللي كنت بدور عليها، فأكيد كنت هعمل أي حاجة علشان أوصلها

ضحك رغمًا عنه واردف:
_ وبعد الجواز بدأت المشاكل كلها، وبدأت تقولي إنها مش مرتاحة.

سكت برهة ثم نظر إلى والدته وأكمل:
_ انتي نفسك كنتي شايفاها.

سكتت عبير.

فأردف:
_ فاكرة لما كنتي دايمًا تقولي إن في حاجة غلط بينا؟
وانها نكدية وام بوز.. فاكرة اما قولتلك عايز اتجوز عليها؟
فاكرة شكلها في الفرح طيب كان عامل ازاي؟


هانيا فعلًا ماكنتش عايزاني.

شعرت عبير بالصدمة تتسلل إليها شيئًا فشيئًا.

أما جياد فأكمل:
_ أكتر من مرة طلبت الطلاق...

_ طلبت الطلاق؟!

_ أيوه.

ثم ابتسم ابتسامة حزينة وتابع:

_ ولحد وقت قريب كانت عايزة تمشي وتسبني عادي جدا.
فلا تقوليلي عملالك سحر ولا زفت مش هصدق اصلا، أنا اللي خدتها وانا اللي خططت وانا اللي كنت حاططها في دماغي من زمان أوي، فلو تعرفي طريقة اعملها بيها سحر وأضمن انها تفضل معايا طول العمر، أكون شاكر جدا يعني.

خفضت عبير عينيها قليلًا وهي لا تزال لا تصدق

فقال عقب ثوان:
_ كل ده يثبت إيه؟

صمتت.
فأجاب بنفسه:
_ يثبت إنها لا كانت عايزاني ولا عايزة فلوسي ولا كانت شيفاني اصلا ولا كانت بتحاول تتقرب مني بأي شكل يُذكر

ثم أضاف بثقة:
_ هانيا كان كل اللي نفسها فيه إنها تبعد عني وقتها أو إني أحل عنها واسبها في حالها.

ساد الصمت لثوانٍ طويلة.

ثم ابتسم جياد وهو يتذكر الأيام الأخيرة وقال:

_ وأخيرًا...

رفع عينيه نحو والدته وتابع:

_ أخيرًا أقدر أقول إن علاقتنا بقت حقيقية وبقت أحسن

ارتسمت على وجهه ابتسامة هادئة لم تستطع عبير تجاهلها وتابع:

_ لأول مرة أحس إنها معايا بإرادتها.

ثم أردف بصوت خافت:
_ مش كارهة مش عايزة تخلص مني ولا أي حاجة من دي

وضع يده فوق قلبه واضاف:

_ علشاني أنا، بقت بتحبني... بقت عايزاني وعشان كده مستحيل أصدق عنها أي حاجة وحشة.

تنهد بعدما انتهى من حديثه الطويل وظل ينظر إلى والدته لثوانٍ قبل أن يعود للحديث ويقول بهدوء:
_ أعتقد إني وضحتلك كل حاجة.
إحنا أخيرًا بقينا مستقرين يا ماما.

ثم ابتسم ابتسامة صغيرة وتابع:
_ بالعافية وصلنا للي إحنا فيه دلوقتي.

وأردف:
_ وأنا مش هسمح لأي حاجة في الدنيا تبوظ علاقتي بهانيا تاني.

خفض عينيه قليلًا ثم قال:
_ أنا مصدقت إن هانيا بقت كويسة معايا، وان علاقتنا وصلت لهنا.

ثم نظر إليها مباشرة وقال:

_ وده لا عيب ولا حرام، دي مراتي وانا مبسوط وانا بضيع فلوسي عليها علشان ابسطها وأحقق لها كل اللي كان نفسها فيه

وأضاف بثبات:
_ أنا مرتاح كدا مرتاح وأنا بصرف عليها ومبسوط
وأنا راجع البيت مبسوط
وأنا شايف نفسي معاها مبسوط.


صمت لحظة ثم ابتسم بحنان.
_ وإنتي أكتر واحدة عارفة إني طول عمري بدور على واحدة أحس معاها بالراحة.

لم ترد عبير.

أما هو فأكمل:
_ وأنا عارف إنك بتحبيني وعارف انا إيه بالنسبالك.. أكيد بتتمنيلي السعادة، صح؟

نظرت إليه عبير دون أن تتكلم.

فقال:
_ لو بتحبيني فعلًا، حبي هانيا.

اتسعت عيناها قليلًا.

فأضاف:
_ حبيها عشان أنا بحبها وحبيها عشان أنا سعيد معاها.. حبيها علشان ابنك وسعادته واعتقد دا لوحده كفاية

ثم تابع بنبرة صادقة:
_ وطالما هتحبيها هتلاقيني أنا مبسوط وسعيد وساعتها كلنا هنكون مرتاحين.
انتي وأنا وهي.

تنهد ثم أكمل:
_ لكن طول ما إنتي شايفة فيها الوحش بس، وطول ما إنتي بتعامليها على إنها متهمة لحد ما يثبت العكس، أنا اللي هتضايق وأنا اللي هبقى مش مرتاح وأعتقد إنك مش عايزة تشوفيني بالشكل ده.

أطرقت عبير برأسها قليلًا.

فقال جياد بهدوء:
_ يا ماما أنا مش صغير.

ثم ابتسم ابتسامة خفيفة وأكمل:
_ أنا مش ساذج كمان.

رفع حاجبه وهو يتابع:
_ عندي من الذكاء والخبرة اللي يخلوني أعرف اللي قدامي عايز إيه مني بالظبط... بيحبني ولا طمعان فيا وأعرف إذا كان عايزني أنا ولا عايز اللي معايا

ثم أضاف بثقة كاملة:
_ وأنا فاهم هانيا كويس جدًا عارف هي بتفكر إزاي وعارف هي بتحب إيه وبتكره إيه وعارف إنها لا طمعانة في فلوسي ولا في اسمي ولا في أي حاجة أملكها.

ابتسم وهو يتذكرها واضاف:
_ كل اللي هانيا عايزاه إنها تعيش في سلام... تاكل وتفضل مع حصانتها وتبقى مرتاحة وتحس بالأمان وبس.

ثم نظر إلى والدته نظرة مليئة بالرجاء وقال:
_ علشان كده، أرجوكي حاولي تغيري نظرتك عنها حاولي تتعاملي معاها بطريقة أحسن حاولي تديها فرصة حقيقية.

وصمت لحظة قبل أن يبتسم ابتسامة دافئة وأكمل:
_ حاولي تحبيها... حاولي تحبيها عشان خاطري.. عشان خاطر ابنك اللي نفسه يشوف الناس اللي بيحبهم متفاهمين ومبسوطين مع بعض.

ثم مد يده وأمسك يد والدته برفق واضاف:
_ صدقيني يا ماما، لو فتحتي قلبك ليها، هتكتشفي إن هانيا أحسن بكتير من الصورة اللي رسمتيها عنها في دماغك.

تنهد ثم تابع في نبرة أكثر هدوءًا:
_ هتعملي كدا علشاني؟
هتعملي كدا علشان سعادة ابنك؟
علشان ابنك المجنون بيها؟ ها؟

ابتسمت فجأة وهي تهز رأسها بالايجاب ثم ضمته إلى صدرها في سرعة وقالت وهي تربت على ظهره:
_ آه يا حبيبي هعمل كدا... انا مستعدة اعمل أي حاجة في الدنيا علشان خاطرك وانت عارف كدا كويس يا جياد.
طالما دي البنت اللي بتريحك، طالما بتحس معاها بالراحة والسعادة طالما هي دي اللي خدتها غصب عن الدنيا، هتقبّلها، بس علشان خاطري أمسك ايدك شوية في المصاريف معاها، انتوا لسه مدخلتوش دنيا يعتبر ومحتاجين كل قرش علشان مستقبلكم ومستقبل ولادكم بعد كدا


ابتسم ابتسامة عريضة ثم قبل رأسها وقال:
_ تسلميلي.. تسلميلي يا احلى أم في الدنيا كلها...
**********
كانت ماهي جالسة فوق سريرها داخل غرفتها بالقصر، مستندة إلى الوسائد خلف ظهرها.
منذ عودتها من المستشفى وهي تشعر بتحسن ملحوظ، وإن كانت لا تزال بحاجة إلى الراحة.
لكن أكثر ما كان يشغل تفكيرها في تلك اللحظات هو صغيرها " زين "

اشتاقت إليه بشدة رغم أنها رأته منذ وقت قصير ولكن هي تعرف جيدًا سبب اشتياقها له، ربما لأنهم لم يسمحوا لها بالدخول فقط رأته من خلف الزجاج وما جعلها متحمسة أكثر للذهاب أن الطبيب وعدها في المرة السابقة بأنها ستدخل له في الزيارة القادمة حتى تكون استقرت حالته أكثر وتحمله لدقائق من الوقت.
أخرجها من شرودها رنين هاتفها فالتقطته بسرعة، وما إن رأت اسم شهاب حتى ابتسمت وأجابت:
_ ألو.

جاءها صوته الدافئ:
_ عاملة إيه يا حبيبتي؟

ابتسمت أكثر وردت:
_ الحمد لله، أحسن بكتير.

ثم سألت:
_ انت فين، مجاتش ليه لحد دلوقتي؟

تنهد شهاب على الطرف الآخر من الخط ورد:

_ لسه في المكتب.

عقدت حاجبيها في ضيق وقالت:

_ لسه؟

_ أيوه.

_ ليه كدا؟
طب هترجع إمتى؟

_ غالبًا مش هرجع النهاردة.

اعتدلت في جلستها قليلًا وقالت في ضيق:

_ ليه؟

زفر شهاب بتعب ورد:
_ عندي شغل متراكم بشكل مش طبيعي.

ثم تابع:
_ الفترة اللي فاتت كلها كنت مركز مع الشركة ومشاكلها، وسايب شغلي الشخصي تقريبًا، فبقى عندي كم شغل مش طبيعي ومتأخر جدا عليه

_ ممم.

_ وعندي أوردرات كتير جدًا محتاجة تتسلم، فهبات هنا علشات أخلص أكبر قدر ممكن.

هزت رأسها بتفهم رغم أنه لا يراها وقالت:

_ تمام، ربنا يعينك يا حبيبي.

ابتسم تلقائيًا لسماع دعمها وقال:

_ تسلميلي.

_ وإن شاء الله تخلص كل حاجة بسرعة.

_ يارب.

ساد الصمت لثوانٍ قبل أن تقول ماهي بتردد:

_ شهاب؟

_ نعم يا قلبي؟

_ أنا بقيت أقدر أمشي شوية.

ابتسم وقال:

_ طب الحمد لله.

_ فكنت بفكر يعني...

تنهدت وقالت بحنين واضح:


_ عايزة أشوف زين.

أغمض شهاب عينيه مبتسمًا فقد كان يعلم أنها ستطلب ذلك عاجلًا أم آجلًا.

وأضافت بسرعة:

_ وحشني أوي، هتجنن واخده في حضني

_ عارف... أنا كمان هتجنن واخده في حضني

ابتسمت ابتسامة عريضة وقالت:

_ ممكن نروحله؟

ضحك بخفة ورد:

_ أكيد

اتسعت ابتسامتها فورًا وعلقت:

_ بجد؟
امتى طيب؟ ياريت بكرة

_ بكرة الصبح بدري، قبل ما أنزل الشغل، هعدي عليكي ونروح المستشفى سوا

_ ونشوفه؟

_ ونشوفه ونطمن عليه كمان.

تنهدت براحة كبيرة وردت:

_ الحمد لله، طمنت قلبي، الدكتور وعدني إني هشيله المرادي حتى لو لدقايق قليلة بس

ابتسم شهاب وهو يستمع إلى سعادتها ثم قال:
_ أهم حاجة دلوقتي تريحي نفسك ومش عايزين زعل وعياط ووجع قلب تاني

_ حاضر.

_ ومتتعبيش نفسك في الحركة.

ضحكت بخفة وردت مازحة:

_ حاضر يا دكتور.

ضحك هو الآخر وقال:

_ شاطرة.

ثم أضاف بحنان:

_ يلا نامي شوية وارتاحي.

ابتسمت وهي تشعر للمرة الأولى منذ أيام أن قلبها اطمأن وقالت في ابتسامة:

_ حاضر.

_ تصبحي على خير يا ماهي.

_ وإنت من أهله يا نبض قلب ماهي

وأغلقت الهاتف وهي تحتضن الوسادة الصغيرة بجوارها.

تنتظر الصباح حتى ترى صغيرها أخيرًا..
*************
حلّ الليل، وكانت أسيل تتحرك داخل الغرفة في صمت وهي ترتب بعض الأشياء قبل النوم.

أما حسان فقد كان في الخارج مع قططه.
دخل الغرفة ثم جلس على السرير وبدأ ينظر إليها وهي ترتب نفسها ظل صامتًا لوقت...

كان يحاول منذ فترة أن يفتح أي حديث لطيف معها، لكنها كانت ترد باقتضاب أو تتجاهل الكلام تمامًا.

لذا كان مترددًا قليلًا في التحدث معها.
عقد حاجبيه وهو يراقبها، كان يشعر أن هناك شيئًا ما يضايقها منذ وقت
وأخيرًا قال:

_ أسيل مالك؟

لم تجبه بل واصلت تجهيز فراشها وكأنها لم تسمع شيئًا.

تنهد حسان واقترب منها قليلًا وقال:
_ بكلمك يا أسيل.

رفعت عينيها إليه للحظة ثم عادت إلى ما تفعله وردت:
_ مفيش.


_ لا فيه.

صمتت، فأضاف:

_ من بدري وانتي متغيرة وساكتة ومتجاهلاني من بدري اوي وانتي متجاهلاني ولا كأننا متجوزين!

وضعت الوسادة في مكانها ثم قالت ببرود:
_ عادي.

نظر إليها غير مقتنع وسألها:
_ عادي إزاي يعني؟

_ عادي يعني عادي

بدأ الضيق يتسلل إلى صوته فخرجت نبرته بها الضيق:
_ أسيل، أنا مش فاهمك.
_ ومش لازم تفهم.

اتسعت عيناه بدهشة وتساءل:
_ نعم؟

استدارت نحوه أخيرًا وردت:

_ قلت مش لازم تفهم.

حدق بها لثوانٍ غير مستوعب طريقتها ثم قال:

_ هو أنا عملت حاجة؟

_ اسأل نفسك.

_ والله ما فاهم.

هزت رأسها وهي تتجه نحو السرير

أما هو فاقترب أكثر وقال:

_ لا، استني. إحنا مش هنفضل كل شوية نوصل للمرحلة دي.

تنهدت أسيل بضيق واضح وقالت:

_ وأنا مش عايزة أتكلم.

_ بالعكس، لازم نتكلم.

ثم تابع بنبرة امتزج فيها الاستغراب بالضيق:
_ من ساعة ما جوازنا بقا رسمي وانتي بتتجنبي الكلام معايا وبتتعاملي معايا برسمية، في إيه بالضبط؟

أخيرًا التفتت إليه وقالت:

_ لما أكون جاهزة أتكلم، هتكلم.

ثم تنهدت وتابعت:
_ كمان الشغل وقرفه واللي اسمها روني دي خنقاني على الآخر.
جوزها يسافر رحلة مع اخوه وهي كل شوية بابا بابا وسيبالي أنا الشغل كله يضرب يقلب!
وكل ما اكلمها تقولي عندنا مشاكل وشيلي، وانا أقسمت بالله اني ما هشيل وخلي الشغل يولع بقا علشان انا مش شغالة عند اللي جابوها.
وانت لا بتحل ولا بتربط ولا بتعرف تتكلم مع اخوك ولا أبوك ولا بتجبلي حقي، فسبني بقا في حالي ولا تسألني مالك ولا زفت

ساد الصمت للحظات.

ثم مرر يده داخل خصلات شعره بإرهاق وقال:

_ طيب... انا متفهم كل دا بجد بس انتي شفتي بنفسك الفترة اللي فاتت دي كانت صعبة على الكل والكل شال فوق طاقته.

تنهد وتابع:
_ وبعدين انا مش بتكلم عن الفترة بتاعت الشغل والضغط اللي فات دا، انا بتكلم عن فترة قبل كدا بكتير.. حاسك مش طيقاني.. مش عايزة تبصي في وشي.. حاجة كدا..
ردي انا عملت إيه؟
متسيبنيش واقف محتار كده.

نظرت إليه للحظة، لكن ملامحها ظلت متحفظة بينما أدرك هو أن وراء هذا الصمت كلامًا كثيرًا لم تقله بعد.
فاقترب منها أكثر وقال في ابتسامة:
_ تعالي نامي في حضني النهاردة.. الحب والمودة هيدوّبوا أي نزاع بينا
_ والله!
دا الحب الافلاطوني دا ولا إيه!


تنهد ثم اقترب منها أكثر وقال في هدوء:
_ انا مقدر زعلك جدا.. في نفس الوقت مش عارف انا عملت ايه قبلها زعلك علشان حتى اعتذر عليه
_ قولتلك ولا حاجة

أنهت كلامها ثم تسطحت على السرير وتابعت:
_ انسى مفيش حاجة، ضغط شغل مش أكتر

اقترب منها ثم جلس على طرف السرير بالقرب من موضع نومها وانحنى برأسه قليلًا نحو وجهها وقال في ابتسامة:
_ وحشتيني اوي.. أنا عايزك

دفعته بكلتا يديها فجأة فاختض من رد فعلها وتفاجأ، فصاحت محذرة إياه:
_ اوعى تفكر تقرب مني تاني، سامع ولا لا؟
مش علشان مرة قربت مني تفتكر إنه دا العادي، هي كانت مرة وخلاص خلصنا متحلمش إني هسييك تقرب مني تاني إلا أما تبقى راجل مالي مركزك وهدومك وتملى عيني.
خليتك تقرب مني على أساس يكون ليك مركز ولّا أي زفت في الشغل أو على الاقل اشوف تطور لكن مفيش خالص، مفيش تحرك مفيش طموح مفيش أي جديد مفيش حاجة خالص.

نظر إليها بنظرة بها الخذلان وقلة الحيلة فقد عادت إلى طريقتها تلك مرة أخرى بعدما ظن أنها اختارته وأحبته، ها هي بدأت تهينه وتقلل منه ومن شأنه ورجولته مرة أخرى.

وقال لها في نبرة صوت ضعيفة :
_ انتي رجعتي تعملي معايا الحركات دي تاني؟

ردت في صوت عالي:
_ تاني وتالت وعاشر كمان.
فوق لنفسك يا حسان ها، فوق لنفسك علشان أنا صبري بدأ ينفد.
خليك راجل زي اخواتك وامسك قسم وابهرني وانا أقبل بيك زوج والا هنتطلق انا خلاص جبت أخري...

أنهت كلامها بتلك اللهجة الحادة شديدة القسوة ثم نامت واغمضت عيناها.
رماها بنظرة باردة ساكنة خالية من أي مشاعر و أحاسيس ثم قام من مكانه وقرر أن يخرج إلى الحديقة ليستنشق الهواء بعدما خنقته كلماتها...
************
جلست ماهي على طرف السرير ترتدي ملابسها ببطء شديد.

كانت قد انتهت من معظم ما تفعله، لكنها ظلت تنظر إلى الفراغ أمامها دون أن تشعر شاردة.. بعيدة.
وكأن عقلها في مكان آخر تمامًا.
منذ أن عرفت ذلك الأمر وهي عاجزة عن استيعابه تعيد التفكير فيه مرة تلو الأخرى تحاول أن تجمع الخيوط أن تفهم متى بدأ كل شيء وكيف مرت تلك التفاصيل دون أن تنتبه لها أحد؟

هل كان الأمر موجودًا منذ البداية؟
أم حدث لاحقًا؟
وهل كانت ساذجة لهذه الدرجة؟
أم أن هناك أشياء لم تكن تراها أصلًا؟

أغمضت عينيها للحظة.

ثم تنهدت ببطء:
لا...

لا بد أن هناك جزءًا ناقصًا شيء لا تعرفه بعد لأن ما اكتشفته وحده لم يكن كافيًا.

هبط بصرها إلى الأرض وهي تغرق أكثر في أفكارها حتى اهتز هاتفها فجأة انتفضت من شرودها ونظرت إلى الشاشة كانت رسالة من شهاب.
"أنا تحت."

رمشت عدة مرات وكأنها عادت إلى الواقع للتو ثم أغلقت الهاتف ونهضت من مكانها.

بعد دقائق قليلة كانت تجلس بجوار شهاب داخل السيارة.


التفت إليها مبتسمًا وقال:

_ صباح الخير.

ابتسمت ابتسامة خفيفة وردت:
_ صباح النور.

نظر إليها للحظات ثم قال:
_ مالك؟

التفتت إليه سريعًا وردت:
_ مالي؟

_ سرحانة.

حاولت التهرب من السؤال قائلة:
_ عادي.

ابتسم وهو يهز رأسه وقال:

_ أنا عرفتك خلاص، كلمة عادي دي معناها إن في حاجة.

تنهدت وهي تنظر من نافذة السيارة وردت:

_ مجرد تفكير مش أكتر.. يعني ماكنتش متخيلة إني هبقى أم بالسرعة دي، او مش مصدقة إني بقيت أم.. مش عارفة

ابتسم ثم مد يده وربت على يدها برفق وقال:

_ متفكريش كتير وتتعبي نفسك، انتي بقيتي أم ومش أي أم، بل بقيتي أعظم أم لأجمل طفل في الدنيا.

نظرت إليه وقالت:
_ بجد؟ انت فعلا شايف إني هكون أم كويسة لزين؟
_ طبعا يا روح قلبي، دا كفاية حنية قلبك بس عليه وحبك ليه

ابتسم ابتسامة دافئة وتابع:

_ انسي أي حاجة تدايق بقا النهاردة لأن النهاردة عندنا مهمة أهم.

سألته في ابتسامة رغم أنها تعرف الإجابة:

_ إيه هي؟

_ هنروح نشوف ابننا.

ولأول مرة منذ استيقظت ذلك الصباح اختفت كل الأفكار من رأسها دفعة واحدة.

وارتسمت ابتسامة حقيقية على وجهها.
وردت:
_ حقيقي متحمسة اوي اوي.
تعرف ان بابا كلمني النهارده الصبح قبل ما ألبس علطول؟
_ بجد؟
_ اه، اطمن عليا وعلى زين وقالي انه قد ايه مشغول جدا وكان نفسه يقدر ينزل بس في الغالب لسه هينزل الأسبوع الجاي بسبب مشاكل في الشغل
_ اه هو كلمنا وقال، حقيقي ربنا يكون في عونه، الموضوع مش سهل.
هو اصلا شايل الهم من غير ما يعرف اللي حصل هنا تخيلي له عرف؟
_ محدش قاله؟
_ لا، فاتح رفض وقال احنا هنحل مشاكلنا بنفسنا، اصلا الشيخ مش ناقص هم فوق همه.

شردت قليلًا... ثم قالت في نبرة بها الحزن:
_ وحشني اوي... عايزة بابا يرجع بسرعة يا شهاب.
كنت مخبية عليه زعلي إنه مش جمبي طول المدة دي، طول الكول لاني عارفه هو في ايه، بس اعمل ايه غصب عني، محتاجاه جمبي!

رد عليها في اهتمام:
_ في إيه يا حبيبتي طيب؟
محتاجة إيه وانا اوفرهولك؟

هزت رأسها بالسلب ثم ردت:
_ عايزة بابا.. عايزاه جمبي وبس
_ انا مقصّر في حاجة؟
_ لا يا حبيبي خالص ربنا يخليك ليا.. كل الموضوع إني اشتقت لبابا مش أكتر

نظر إليها في استغراب فمنذ وقت طويل وهو يتعجب منها ومن ردود أفعالها ولكنه لم يرد أن يضغط عليها أكثر لذا سكت...


وبمجرد وصولهما إلى المستشفى، شعرت ماهي أن قلبها بدأ يخفق بسرعة سارت بجوار شهاب حتى وصلا إلى قسم الحضانة
اقتربت من الممرضة وقالت في شيء من التوتر:
_ صباح الخير... الدكتور كان قالي المرة اللي فاتت إن ممكن أشوف زين النهاردة.

ابتسمت الممرضة فورًا وردت:

_ أيوه يا مدام ماهي، وحالته الحمد لله مستقرة جدًا.

شعرت ماهي وكأن حملًا ثقيلًا انزاح عن صدرها.

ثم تابعت الممرضة:
_ اتفضلي معايا.

تبادلت النظرات مع شهاب قبل أن يدخل خلفها.

ما إن وقعت عيناها على زين حتى توقفت خطواتها.
كان صغيرًا للغاية أصغر مما تخيلته فشعرت بعينيها تمتلئان بالدموع فورًا.

اقتربت أكثر وأكثر حتى وقفت أمامه تمامًا.
ابتسمت الممرضة وقالت:

_ تحبي تشيليه دلوقتي؟

التفتت إليها ماهي بسرعة وقالت:
_ أه أه جدا

ساعدتها الممرضة بحذر حتى حملته بين ذراعيها وفي اللحظة التي استقر فيها زين داخل حضنها، شعرت أن العالم كله اختفى لم تعد تسمع شيئًا ولا ترى أحدًا، كل ما كانت تشعر به هو دفء ذلك الجسد الصغير بين يديها.

انهمرت دموعها بصمت وضمته إلى صدرها بحنان شديد ثم أغمضت عينيها واستنشقت رائحته.
رائحة طفلها رائحة ابنها، رائحة صغيرها.

قبلت رأسه الصغيرة برفق ثم قبلته مرة أخرى.
وابتسمت وسط دموعها وتفوهت:

_ حبيبي... حبيب قلب ماما.. روح قلبي وحبيب عمري

رفعت رأسها نحو شهاب وقالت وعيناها قد امتلأت بالدموع:
_ بص يا شهاب؟
ابننا، ابننا أهو.. اخيرا بقيت شايلة حتة منك بإيديا.
أرته الصغير وهي تملي عيناها منه فهي لا تشبع من رؤيته ابدًا واضافت:
_ شوفه يا شهاب...
شوف زين.

اقترب شهاب منهما أكثر وقد بدت السعادة واضحة على وجهه ثم حمل زين بحذر شديد وذلك بعدما ساعدته الممرضةوظل ينظر إليه لثوانٍ طويلة دون أن يتكلم، فقط يبتسم.

أما ماهي فكانت تراقبهما والدموع لا تزال تلمع في عينيها.
تشاهد زوجها يحمل ابنهما للمرة الأولى وتشعر أن تلك اللحظة وحدها تستحق كل ما مرت به.
لكن الوقت مر سريعًا فاقتربت الممرضة بلطف قائلة:
_ معلش... لازم يرجع الحضانة دلوقتي.

تعلقت عينا ماهي به فورًا وكأنها لا تريد تركه لكنها كانت تعرف أن ذلك لمصلحته لذلك سلمته للممرضة بهدوء وظلت تتابعه بعينيها حتى عاد إلى مكانه.
ثم وقفت خلف الزجاج تنظر إليه طويلًا.

قبل أن تهمس بابتسامة صغيرة:

_ استنى بس شوية يا زين، هانت يا حبيبي هانت وهتبقى في حضن ماما على طول...
***********
وعقب مرور ثلاث أيام، وكان يوم الجمعة المنتظر.
كانت هانيا تقف أمام المرآة تعدل شعرها بعدما تحممت للتو.
أما جياد فقد كان يتجهز ويرتدي ملابسه وهكذا حتى يخرج لمقابلة أخويه " فاتح ويزيد " ليتحدث معهما عم يحدث في القصر وعم صدر من أهلهم في شقته في المعادي مثلما قال لهم.
اقترب من زوجته حينها ثم ضمها من ظهرها وطبع قُبلة على عنقها وقال في ابتسامة:
_ انا خارج دلوقتي اهو يا بطاطتي يدوب جهزت
_ تمام.. بس متنساش، الكلام هيكون في حدود اللي اتفقنا عليه انا وانت وروني
_ حاضر متقلقيش

عدلها من كتفيها ليجعلها تنظر إليه واضاف في ابتسامة:
_ ساعة زمن بس بالكتير اوي وراجعلك هوا، علشان بتوحشيني كل ثانية ومقدرش افضل بعيد عنك كتير.

تنهد وتابع:
_ النهاردة اجازتي هقضيها معاكي كلها باستثناء الساعة دي، هفضل لازق فيكي اليوم كله.

ابتسمت وردت:
_ ماشي يا عم، يلا روح بقا مضيعش وقت

وضع قُبلة على خدها وقال:
_ يلا انا رايح، سلام
_ سلام

وبعدما ذهب علقت في ابتسامة:
" مجنون "
*************
دخل شهاب مكتب الشرطي بعدما سمح له والجدير بالذكر أنه قد جاء بناء على استدعاء الشرطي له.
جلس الشاب بأمر الشرطي وقال في قليل في التوتر:
_ نعم يا فندم؟
حضرتك طلبتني
_ مستر شهاب، انت من كام اسبوع كدا، كنت قدمت بلاغ إن أختك مخطوفة وقدمت صور العربية اللي اتخطفت فيها وقدمت صورها هي شخصيا، مظبوط؟

هز رأسه مؤكدًا فهو من فعل ذلك بالضبط بعدما نصحته هانيا بأن يقدم بلاغًا.
وقال:
_ ايوا يا فندم مظبوط

تنهد الضابط ورد:
_ رجال الأمن خلال بحثهم، عثروا على جثة بنفس المواصفات اللي انت قلت عليها بالظبط علشان كدا كنت حابب إنك حضرتك تبص عليها وتتعرف وتشوفها هل هي أختك الآنسة وعد يحيي مظهر ولا لا...

اختفت معالم ملامح الشاب وفقد النطق تقريبًا للحظات...
*************
كانت روني تصعد السلم واذ بها فجأة تسمع صوت صراخ مصدره من الخارج ثم ارتطام قوي بالأرض جعل قلبها ينتفض مكانه.
لم تتابع الصعود بل ركضت في سرعة مذعورة تتجه إلى الخارج، إلى خارج القصر حيث الصوت وبمجرد أن خرجت من الباب، وجدت ماهي مرمية على البسطة الرخامية العريضة أمام مدخل القصر، غارقة في دمائها.

شهقت شهقة طويلة، شهقة بها ذعر ورعب واضح.
التف جميع أفراد الأمن نحو الفتاة الملقية.
خرجت أسيل في عجلة هي الأخرى في خضة وبمجرد أن رأت الفتاة الملقية، صرخت صرخة عالية.
ثم صرخت صرخة أخرى:
_ يالهوي يالهوي، هانيا قتلت ماهي...

وفي لحظتها، رفعت روني رأسها إلى الأعلى، فوجدت أختها هانيا تقف على طرف سطح القصر، تنظر إلى الأسفل على ما حدث وقد شكّل الذعر ملامح وجهها واحتل الرعب جفونها.
توقف الزمن عند تلك اللحظة ولا تسمع منها أي همس أو حركة فقط صمت.. فقط تجمدت مكانها... ألتقت عيناها بعيني أختها الناظرة إليها في عدم تصديق.. بينما لم يسد في ذلك الوقت على الجميع إلا..... الصَّــــــدْمَــــــة.
************
البارت دا خد مني وقت ومجهود جبار بجد وكتبته رغم انعدام تام في الشغف، فلو وصلت لاخره سيب فوت و كومنت برأيك في البارت بصفة خاصة وفي الجزء الأول كله بصفة عامة.

للي هيعمل ريفيو زي ما اتفقنا فوق في التعليمات، ياريت بدون حرق للأحداث علشان الناس اللي مش بتحب الحرق وياريت يا جماعة متحرقوش الأحداث خالص لأي حد يتكلم عن الرواية ولا في الكومنتات خليهم يستمتعوا بالقراءة هما ويكتشفوا الأحداث.

بس كدا دمتم بخير
في لقاء قريب إن شاء الله
سلمى خالد احمد ♥️

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...