تحميل رواية «قلبي عدوك» PDF
بقلم رباب حسين
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
اقرأ قلبي عدوك بقلم رباب حسين.
رواية قلبي عدوك الفصل الأول 1 - بقلم رباب حسين
ن
الحب؛ كلمة صغيرة تحمل الكثير من المعاني، فحين يسكن الحب القلب يؤسس دولة عشق بداخله، ينبت الزهور بألوانها الزاهية، تنسدل شلالات من الحنان تروي جسدًا غاب عنه نبض القلب، ينسج خيوط تربط القلوب ببعضها بميثاق العهد الدائم، وعود تليها الأخرى؛ وبالنهاية تكتمل الصورة داخل قلب ينبض بالحياة.
فماذا إن كان الكره هو من دخل القلوب أولًا، هل يتحول ذلك القلب العدو إلى قلب يعبق بالحب، أم يظل الإنطباع الأول للقلوب لا يتغير.
عن قصة حب بدأت بظروف لا تنبأ بحب على الأطلاق، لنبدأ رحلة... قلبي عدوك.🔥
____________________
عند نهاية سطر قديم، نضع ختامه بأيدينا ونبدأ سطرًا جديدًا.
وفي هذا اليوم، كان هناك قلب ينبض بحبه الأول، حب بدأ بنظرات بريئة، خطفت قلبها من بين الضلوع، رسخ بذلك العقل يستحوذ عليه، ترَ صورته ترتسم أولًا أمامها حين تستيقظ من نومها، وآخر وجه تراه قبل أن تغفو هو وجهه.
عامين... تراه من بعيد، تتابع نظراته إليها التي تزداد إعجابًا يومًا بعد يوم، تذهب كل صباح إلى جامعتها كي ترَ نظرته التي تروي دولة العشق التي بقلبها حتى فاض العشق عليها، لاحظها كل أصدقائها، وأصبح عشقها له حديثهن الدائم.
حتى ذلك اليوم... اليوم التي صدع ذلك الحب بما سمع عن لسان صديقتها (صافي)، حين اقتربت منها وهي تنظر إليه على استحياء، وجلست أمامها لتقطع تلك النظرات، فالتفتت إليها أنين وقالت: فيه إيه يا صافي! خضتيني.
صافي: بحاول ألحقك يا هانم وإنتي واقعة على الآخر كده في حب أستاذ زياد.
أنين بخجل: بس يا صافي بقى، إنتو مش وراكم غير الكلام عني وعنه؟
صافي: كنا بنتكلم وبنهزر عادي، وأنا مكنتش معترضة عليه لأنه شبهك، مؤدب ومحترم ومش بتاع لف ودوران زي شباب اليومين دول، لكن لما عرفت وشفت بعيني قلت لازم أقولك وأفوقك من الوهم اللي إنتي عايشة فيه ده.
تبدلت ملامحها ونظرت لها بتعجب وقالت: وهم إيه؟!
تنهدت صافي بضيق وقالت: إمبارح كنت سهرانة مع أصحابي، وإنتي عارفة أنا بروح يعني أماكن كلاس شوية.
أنين بتهكم: قصدك بار يا صافي، مش قولتلك تبطلي تروحي الأماكن ديه، بجد مش عارفة إيه اللي عجبك هناك أوي كده!
صافي: حاضر حاضر، بس خليني أكمل، المهم... لما رحت مع أصحابي لقيت بقى مين هناك؟! أستاذ زياد، عمال يرقص ويضحك، حد تاني خالص غير الوش اللي مصدره ده.
أنين بصدمة: إنتي بتقولي إيه؟! لأ طبعًا زياد مش كده، هو أنا أول مرة أعرفه، ده صاحبنا من سنتين وعمرنا ما شفنا عليه حاجة، وبصي كده؛ مفيش ولا بنت بتقف جنبه.
صافي: طيب ما أنا مش بقف مع شباب في الجامعة خالص، وعلى طول معاكي إنتي والبنات، هل ده يمنع إني ليا أصحاب برا غيركم
وبعدين متنسيش إن بابا زياد شريك في الجامعة ديه، وأكيد العين عليه عشان كده راسم الشخصية ديه قدام الناس، فهمتي.
نظرت بشرود أمامها، عقلها يصدق ما تقوله صافي، فحديثها به شيء من المنطق، ولكن قلبها يأبى ذلك. فقالت بحزم: لأ يا صافي، ما يمكن كان فيه مناسبة وراح بس يحتفل هناك، أو حد عزمه وراح، أكيد يعني مش ديه أخلاقه.
صافي: ما أنا قلت زيك كده بالظبط، لحد ما سألت الويتر هناك، قالي ده هنا كل يوم.
فتحت عينيها بدهشة، لا تصدق ما تسمع ثم قالت بصوت مرتعش: معرفش، بس لأ، مش مصدقة.
صافي: خلاص، تعالي معايا النهاردة وشوفيه بنفسك.
أنين باندفاع: أجي فين؟! عايزاني أدخل بار يا صافي؟! لأ طبعًا، ده لو بابا عرف يموتني.
صافي: وبابا هيعرف منين، قوليله عيد ميلادي وجاية معايا على البيت مش هيعترض، وتيجي معايا بعد الجامعة وننزل سوا، وأصلًا مش هنقعد، مجرد ما تتأكدي أنا هاخدك وأمشي على طول، تمام؟
أنين: مش تمام، أنا مش هروح الأماكن ديه، استحالة أقبل.
صافي: طيب، خليكي بقى عمالة تحبي فيه وهو داير مع البنات برا، أنا قولتلك الحقيقة ومش مصدقة، بقولك هثبتلك مش راضية، قولي بقى إن إنتي اللي مش عايزة تصدق.
أنين بحزن: إنتي عارفة لو كلامك صح ده معناه إيه؟
صافي بحزن: عارفة يا حبيبتي، بس بجد مقدرش أشوف حاجة زي ديه ومقولكيش، ولو مش هتصدقي غير لما تشوفيه بعينكي تعالي معايا، مجرد ما هتشوفيه هنمشي على طول، ماشي؟
صمتت أنين تفكر قليلًا، ومع هذا الصراع الذي نشب بين عقلها وقلبها؛ قررت أن تذهب من صافي.
اتصلت بوالدها الذي تلقى المكالمة بعد عدة محاولات، فهو يملك سلسلة فنادق كبيرة، ودائم الانشغال عنها، وبعد وفاة والدتها منذ سنوات وهي تقبع داخل منزلها وحيدة معظم الوقت، وحين تلقى المكالمة وأبلغته أنها ستذهب إلى منزل صافي وربما تتأخر وافق على الفور، فهي قليلًا ما تخرج من المنزل، ويثق بها بشدة.
أنهى عادل المكالمة، والتفت نحو سلوى التي تنظر إليه بهيام، مساعدته الشخصية والملازمة له بكل مكان، ومنذ وفاة زوجته ليلى وهي تحاول أن تكسب قلبه، كان يعارض فكرة الزواج مرة أخرى بعد وفاتها، فقصة حبهما كانت مثال للوفاء والأخلاص، وأنجبت له تلك البريئة أنين، وهي تشبه أمها كثيرًا، وهذا ما جعل حبه لها أضعافًا، لهذا أبى أن يتزوج بعد وفاة ليلى حتى لا تتأثر أنين بالأمر.
وبعد سنوات من محاولات سلوى التي لا تتوقف، رضخ ذلك القلب الذي خاف الوحدة بعد أن كبرت أنين وأصبحت في سن الزواج، بل ويتهافت عليها الخطاب.
التفت إلى سلوى وقال: معلش كان لازم أرد.
سلوى بدلال: دايمًا حاجة كده وخداك مني.
عادل: وبعدين معاكي بقى يا سلوى!
سلوى: ما أنا زعلانة منك، كل مرة توعدني هتقولها، ومجرد بس ما اسمها بيجي على التليفون بتقلق ووشك يتغير، هو أنا وحشة أوي كده عشان تخاف الناس تعرف اللي بينا.
عادل: الموضوع ملوش علاقة بإنتي وحشة ولا حلوة، الفكرة إني خايف أجرحها.
سلوى: بس أنين مبقتش صغيرة، وأكيد مستوعبة إنك حرمت نفسك من كل حاجة بعد وفاة والدتها عشانها، وإنك ضيعت سنين من عمرك لوحدك عشان بس متجيبش مرات أب تأذيها، بس أنا غير أي حد، أنين عرفاني كويس وإنت متأكد إنها زي بنتي، وكمان ابني هيبقى أخوها يعني مش هتفضل لوحدها ولا تخاف عليها بعد كده، إيه بقى اللي يمنع جوازنا دلوقتي؟!
تنهد عادل ولم يجيب، فقد نفد لديه الأعذار، ويرَ أن سلوى محقة بكل ما تقوله، ولا ينكر أن الوحدة قد أهلكته، وأصبحت الليالي طويلة وحزينة، فمهما يظل خارج المنزل ليؤدي عمله إلا أنه أصبح يكره العودة إلى منزله.
فأردفت سلوى بضيق: خلاص يا عادل، متضغطش على نفسك أكتر من كده، أنا عرفت جوابك على الموضوع كله.
كادت تذهب فأمسك يدها وقال: استني بس رايحة فين؟!
سلوى: ماشية، ومش هتشوف وشي تاني، عشان كرامتي اللي عمال تدوس عليها ديه، خلاص مبقتش قادرة استحمل.
عادل: ليه بس؟ أنا دوست على كرامتك؟!
سلوى: اه، ما لما أقعد أتحايل عليك عشان نبقى مع بعض ونتجوز وإنت مش موافق يبقى دوست على كرامتي، وجدًا كمان.
عادل: إنتي عارفة إني بحبك يا سلوى، واللي مخليني خايف من الجواز هو أنين وبس.
سلوى: أنين ذات نفسها محتاجة أم يا عادل، محتاجة أسرة حواليها تدعمها وتقف جنبها، السن ده خطر وأنا خايفة حد من صاحبتها يضحك عليها بكلمتين وهي مفيش حد يوجهها، ده غير إن أنين طيبة وممكن يضحك عليها بسهولة، وبعدين أنا مش هديك فرص أكتر من كده، يا نكتب الكتاب النهاردة يا تقبل استقالتي النهاردة، ها... قلت إيه؟
عادل: إنتي بتلوي دراعي يعني؟!
سلوى: مقدرش حبيبي، بس فكر فيا شوية زي ما بتفكر فيها، أنا كمان محتاجة أبقى معاك، كل يوم ببقى عايزة أرجع البيت معاك إنت، مش أقعد لوحدي وشي في وش الحيط، كفاية بعد بقى يا عادل، واسمع كلامي ويلا نتجوز، يا إما همشي بجد وعمرك ما هتشوفني تاني.
تنهد عادل، وضعته سلوى بين اختيارين هما الأصعب، فهل سيرضخ أم لا؟
حل الليل، داخل منزل صافي، تقف أنين أمامها وتتحدث بحدة: إنتي عايزاني ألبس البتاع ده؟!
صافي: ده دريس حلو أوي يا بنتي، وهيبقى عليكي قمر.
أنين: لا لا، أنا مش هلبس ده أبدًا، ده هيكشف جسمي كله، أنا مش هلبس كده، أنا هروح زي ما أنا بلبسي ده.
صافي: مش هينفع، لازم تلبس سواريه، اسمعي الكلام بقى.
أنين: طيب هاتي دريس مقفول شوية عن ده.
صافي: استني عندي واحد بكم شكله شيك.
أنين: أيوة كده.
التفت صافي ودخلت غرفة الملابس، ثم عادت تحمل ثوب آخر، فتحت أنين عينيها بصدمة وقالت: ده مقفول؟!
صافي: بكم أهو.
أنين: وفوق الركبة يا صافي!
صافي: كده بقى تلبسي الملبص ده، ده اللي ناقص.
أنين: اسمه ملص يا حبيبتي.
صافي: وات أيفر، خلصي هنتأخر، وبعدين إنتي أقصر مني شوية، فا ممكن يجي على ركبتك بالظبط.
أنين بتهكم: يا فرحتي، يا هنايا، يعني ركبتي بس اللي هتبان؟!
صافي: على فكرة هنتأخر وترجعي تقوليلي بابا هيزعق، فا خلصي وأدخلي غيري هدومك ديه، بسرعة.
زفرت أنين بضيق، وأخذت الثوب من يدها وبدلت ثيابها، ثم اقتربت منها صافي لتضع على وجهها بعض مساحيق التجميل فقالت أنين بحدة: لا... كله إلا ده، بقولك إيه كفاية أوي كده، ولا مش هيرضو يدخلوني غير وأنا حاطة ميك أب؟!
زفرت صافي وقالت: حاضر، بلاش، اتفضلي قدامي.
صعدت داخل سيارتها، وقادتها صافي سريعًا، بعد وقت، صفت السيارة أمام الملهى، ثم ترجلا منها وأنين تحدق بكل مكان بذعر، تسمع صوت الضحكات المرتفعة، الشباب يتوافدون أمامها وهي ترتعش من الداخل، عقلها يرفض ما تفعله ولكن عليها أن تراه وتجعله يراها، حتى تُسقط ذلك القناع الذي يرتديه أمام الجميع.
جذبتها صافي من يدها وقالت: يلا بسرعة عشان نلحق نرجع وتغيري هدومك.
أومأت لها والخوف جالي على ملامحها، فأردفت: متخافيش، أنا معاكي مش هيحصل حاجة.
دخلا معًا، وبدأت أنين تبحث عن زياد بكل مكان، وصافي تنظر بالأركان وساحة الرقص ولكن لم يجداه.
التفتت أنين وقالت: مش موجود، يلا نمشي.
امسكت صافي يدها لتجذبها وقالت: اصبري هيجي دلوقتي، تعالي بس نقف في حتة بعيد كده عشان محدش يضايقك.
تمسكت أنين بذراعها بقوة، وذهبت خلفها إلى أحدى الطاولات، وما أن وقفت حتى اقترب منهما شاب وقال بابتسامة: صافي! إيه القمر ده، شكلك عسل بجد.
صافحته صافي بابتسامة وقالت: حازم! إنت فين مختفي يعني؟
حازم: موجود، بس كان عندنا إمتحانات وآسر إنتي عارفة بقى.
صافي: أيوة طبعًا لازم يطلع الأول من غير نقاش، هو فين صحيح؟
أشار حازم بيده عليه وقال: أهوة واقف هناك، استني هقوله يجي هنا.
ذهب حازم وجذبت أنين يدها على الفور وقالت: أنا مش عايزة أقف مع حد.
صافي: ولا أنا، بس هعمل إيه يعني؟ معلش شوية وهنمشي.
أنين بضيق: هما خمس دقايق لو مجاش زياد همشي.
اقترب حازم ولحق به آسر، وما أن اقترب ووقعت عينيه على أنين، حتى عقد حاجبيه بتعجب، من يرَ ملامح وجهها يظنها بريئة للغاية، ولكن تلك الثياب لا علاقة لها البراءة، ثم ابتسم متهكمًا وقال لنفسه: براءة إيه اللي بتدور عليها في بار يا آسر.
قاطع شروده حديث صافي: طيب بدل ما تضحك لوحدك ضحكنا معاك.
نظر آسر لها، ثم التفت إلى أنين التي لم تنظر إليهما على الأطلاق، عيناها تجوب بالإرجاء وكأنها تبحث عن أحدٍ ما، ثم قال: لا أبدًا افتكرت موقف كده، عاملة إيه يا صافي؟
صافي: تمام، إنت إيه.
آسر: كله حلو، مش تعرفينا.
صافي بتردد: اه... طبعًا، أنين صاحبتي.
جذبت يدها كي تنظر إليه، وحين التفتت إليه تعلقت عينيها به للحظة ثم قالت: أهلًا.
تحدث حازم وهو يشير إليه وإلى صديقه: حازم... آسر.
أنين: اتشرفت.
آسر: اسمك غريب أوي.
أنين: اه دايمًا بسمع كده.
آسر: بيقولو كل واحد ليه نصيب من اسمه، إنتي مش باين عليكي النصيب ده خالص.
أومأت له وقالت: اه جدًا.
ثم التفتت ورأت زياد يدخل المكان، وبصحبته فتاة من الجامعة، وحين وقعت عينيها عليه حلت الصدمة ملامح وجهها، كانت تظنه مختلف... مثلها، كم نسجت من أحلام في خيالها عن وجودهما معًا، كم تعلقت به، كم تمنت أن تكون له، أن يكون هو الحب الأول والأخير، ولكن ما تراه الآن ليس حبيبها، وإنما نسخة مشوهة منه، كذبة عاشت بها وارتطمت بصفعة الحقيقة.
لاحظ آسر نظراتها له، وسرعان ما تلاقت أعينهما معًا، وحين رأها تقف أمامه وآسر يحدق بها بهذه الطريقة، تحولت ملامحه إلى الغضب، واقترب منها دون أن يشعر، ثم صاح: بتعملي إيه هنا؟!
وضع آسر يده على صدره كي يمنعه من الاقتراب وقال: إيه يا معلم، بتعمل إيه؟! مش فيه رجالة واقفة؟ عيب تدخل تتكلم كده.
نظر زياد إليه باشمئزاز وقال: وإنت مالك، هو أنا وجهتلك كلام.
صافي: خلاص يا جماعة مش هنتخانق أكيد، ده زياد يا آسر زميلنا في الجامعة.
آسر: ماشي ما كلنا أصحاب، ليه بقى يتكلم كده معاها؟
زياد بغضب: عشان تخصني، ومينفعش أشوفها واقفة مع أشكال زي ديه واسكت.
اقترب آسر منه بغضب ووقف حازم بينهما سريعًا، فآسر سريع الغضب للغاية وبعد ذلك الحديث من الممكن أن يتفاقم الأمر وقد ينتهي بالمشفى أو بقسم الشرطة، فقال سريعًا: بس يا شباب، يا زياد صح؟ زياد... عيب كده، وبعدين إنت بتغلط فينا إحنا ليه، ما هي اللي جاية هنا يعني مش عاجبك إمنعها هي، ولا هي تغلط وإنت تيجي تغلط في الرجالة.
كانت أنين تتابع ما يحدث وهي لا تزال تحت تأثير صدمة وجود زياد هنا مع فتاة أخرى، ولكن حين تحدث حازم انتبهت إليه وقالت: مين يمنع مين؟ ومعلش أنا أخصك إنت في إيه يا زياد؟ كنت خطيبي ولا حاجة، وأنا أقف مع اللي أنا عايزاه ومش من حقك ولا أنت ولا أي حد هنا يتدخل.
ثم التفتت إلى صافي وقالت: يلا يا صافي.
زياد: مش هتمشي غير لما تفهميني، إيه اللي جابك هنا، ومين دول اللي إنتي واقفة معاهم.
وقف آسر أمامه وقال: ما قالتلك ميخصكش، مش شايف إن شكلك وحش أوي قدام الناس ديه كلها، هي خلاص خلعت منك وبتشوف غيرك.
أنين بغضب: احترم نفسك إنت كمان، إنت إزاي تتكلم عني كده؟!
آسر: عايزاني أتكلم على حضرتك إزاي، ما كلنا هنا في الهوا سوا، إنتي واقفة في بار وجاية ولابسة بالشكل ده هيكون ليه يعني؟ ما أكيد جاية تشوفي واحد كده ولا كده تقضي معاه يومين.
رفعت يدها أمامه وكادت أن تصفعه، ولكنه أمسك يدها بقوة ونظر إلى داخل عينيها بغضب وقال: إياكي تفكري بس بينك وبين نفسك تعملي حاجة زي ديه.
ظلا ينظران إلى بعضهما البعض بغضب، حتى جذبتها صافي من يدها وخرجت من المكان على الفور.
تتبعهما آسر بعينيه حتى خرجا معًا، ثم قال حازم: يلا يا آسر، كفاية كده مشاكل، خلينا نشوف مكان تاني.
آسر: أنا هروح، ماما أصلًا عمالة تتصل بيا، هشوف عايزة مني إيه.
ذهب آسر، وجذبت تلك الفتاة زياد من يده كي يذهب معها، وهو ينظر أمامه بصدمة.
دخلت أنين السيارة، لم تتحدث بكلمة واحدة، وقادت صافي السيارة بصمت، حتى قطع ذلك الصمت بكاء أنين، حزنت صافي على هيئته وقالت: أنا آسفة يا أنين، مكنتش أعرف أن كل ده هيحصل.
أنين: اللي اسمه آسر ده إزاى يتكلم عني كده؟! خلى شكلي قدام زياد وحش جدًا، كنت رايحة عشان أكشفه على حقيقته، جيه الحيوان ده وخلى صورتي قدامه زي الزفت، أنا رايحة أدور على حد أمشي معاه يا صافي؟!
صافي: هو آسر عصبي جدًا، ولما بيتعصب بيقول أي كلام، وزياد بصراحة غلط فيهم جامد، بس خلاص متزعليش، هو يعني إنتي هتشوفي آسر ده تاني، ما خلاص.
أنين: مش فارق معايا آسر ده، لكن شكلي إيه قدام زياد دلوقتي.
صافي: ما يولع زياد، ما هو كمان داخل البار ومعاه بنت تانية وجي يعمل فيها راجل ويقول ديه تبعي، طيب واللي واقفة وراك ديه تبع مين يعني؟ بقولك إيه إنسي الواد زياد ده خالص، ويفهم زي ما يفهم، كده كده هو الخسران.
ظلت تبكي حتى وصلت إلى منزل صافي، ثم أحضرت لها كوب من العصير حتى تهدأ، وبعد أن شربته قالت: لازم أمشي، إتأخرت وبابا هيقلق عليا.
صافي: ماشي حبيبتي، أجي أوصلك؟
أنين: لا هرجع بعربيتي.
ربتت صافي على كتفها وقالت: حقك عليا متزعليش.
أنين: وإنتي ذنبك إيه؟! إنتي كشفتيه على حقيقته قدامي.
تركتها وذهبت إلى المنزل، صورته وهو غاضب ويتحدث معها بغضب كانت عالقة في ذهنها، وحديث آسر الذي يشعل بقلبها الغضب كلما تذكرته، تزفر بضيق ولا تشعر بأنها على ما يرام، حتى وصلت إلى المنزل وصفت سيارتنا بالحديقة، ثم ترجلت منها واقتربت من الباب لتفتحه، وما أن دخلت ووجدت عادل وسلوى وبعض الرجال، وبالمنتصف يجلس رجل يرتدي جلباب وقفطان يبدو وأنه مأذون، اقتربت بتعجب تنظر لما يحدث، ثم وجدت سلوى تجلس بجوار عادل والابتسامة على وجهها، وعادل يضع يده بيد شاب والمأذون بالمنتصف، ويقوما بمراسم الزواج.
حدث ما توقعته منذ فترة، فهي كانت ترَ محاولات سلوى تجاه عادل، وكم حاولت أن تتقرب منه منذ وفاة والدتها، كان ترَ رفض عادل للأمر ولكن كان هناك يقين بداخلها أنه سيرضخ لها بالأخير، وقد بدا عليه مؤخرًا تعلقه بها، كانت تحاول أن تقنع نفسها بأن هذا حقه، وهي لن تقف في طريق سعادته بعد أن قضى سنوات حزنًا على فراق زوجته، وها قد جاء الوقت الذي كانت تتوقع حدوثه، ولكن ليس بهذا اليوم بالتحديد، فهي تحت تأثير صدمتها في حبها الأول زياد، وها هي الصدمة الثانية.
قاطع شردوها صوت المأذون وهو يقول: بارك الله لهما وبارك عليهما وجمع بينهما في خير.
تعالت الأصوات والمباركات، ثم احتضن عادل ذلك الشاب الذي كان يضع يده بيده، يبدو وأنه ابن سلوى الذي لطالما سمعت عنه، ثم انتبه عادل إلى أنين التي تقف عند الباب تشاهد بصمت فقال: تعالي يا أنين.
التفت ذلك الشاب سريعًا، وها قد استقبلت الصدمة الثالثة.
"آسر!" تفوهت باسمه بصدمة، وهو يحدق بها أيضًا.
سلوى: تعالي يا حبيبتي، تعالي يا أنين في حضني.
اقتربت منها وعينيها متعلقة بآسر، ثم أحتضنها وقالت: مفيش مبروك يا نونة.
أنين: مبروك يا طنط، مبروك يا بابا.
عادل: الله يبارك فيكي حبيبتي، معلش الموضوع جيه بسرعة، بس قلت خير البر عاجله.
أنين: لا مش بسرعة ولا حاجة، إنتو باين عليكو من بدري يعني إن فيه إعجاب متبادل.
سلوى: مش قولتلك يا عادل، نونة ذكية وأكيد واخدة بالها. اه صح.... نسيت أعرفك، ابني آسر، من هنا ورايح بقى خلاص اعتبري إن ليكي أخ، وهنعيش كلنا أسرة مع بعض في بيت واحد.
عادل: آسر ده ممتاز، شاب في منتهى الأدب.
أنين بتهكم: اه... طبعًا.
آسر: من بعض ما عندكم يا أنسة.
نظرت له بضيق ثم قال عادل: وكمان آسر هيتنقل عندك في الكلية، عشان كمان ياخد باله منك، أنا كان حلمي يبقى ليكي أخ اطمن عليكي معاه.
نظرت له أنين ولم تتحدث، تجمدت الكلمات على شفتيها، سيأتي إلى الجامعة، تحت نظرات زياد؟!
نظرت إليه ولمحت تلك الابتسامة المتهكمة على وجهه، يبدو وأن هناك صراع جديد سيبدأ في حياة أنين.
رواية قلبي عدوك الفصل الثاني 2 - بقلم رباب حسين
ن
الأنطباع الأول يدوم.
جملة قد تصيب البعض باليأس والآخر بخيبة الأمل.
كم من القلوب تأذت حين حكمت بعد أول نظرة... فخُدعت!
فالأنطباع الأول خداع... وأول نظرة كانت كفيلة تخط حكاية قلب صدق وعين شافت.
نكره الصورة وليس الشخص في حين نحب الإحساس وليس المضمون، واتضح أن الوهم زور الحقيقة وخدع الروح.
قد أصدرت العين حكمها حين رأتها بتلك الهيئة، في ذلك المخور؛ في مكان لا يشبه حقيقتها، وحين علم من هي حقًا كانت صدمته... أكبر.
كم سمع عنها وعن أخلاقها وهدوءها، ولما لا... فهذه الملابس التي ترتديها الآن أمام الجميع تجعلهم يظنون أنها ملاك، ولكن هيهات؛ فا أنا بت أعرف كل شيء وأراكِ حقًا كما يجب أن أراكِ.
ظهرت ابتسامة متهكمة على وجهه وهو ينظر داخل عينيها، وكأنه يعلن أمامها: لقد عرفت حقيقتك الصادمة.
ثم نظر إلى عادل وقال: متقلقش يا عمي، أنين في عينيا، ديه أختي، وبعدين مفيش حد غيري هيخاف عليها ويعلمها الصح من الغلط.
شعرت أنين بالضيق من حديثه فقالت: مش محتاجة حد يعرفني الصح والغلط، أنا عارفاهم كويس.
تعجب عادل من حديثها فقال: مالك يا أنين بتتكلمي كده ليه؟ متضايقة من حاجة؟
هدأت أنين حتى لا يظن والدها أنها تعترض على الزواج، فقالت: لا يا حبيبي، خلينا في فرحتكم النهاردة، أنا فرحت أوي إنكم إتجوزتو بجد.
أمسك عادل يد سلوى وابتسم لها وقال: الصراحة القرار إتأخر كتير، بس قلت كفاية كده، وأكتر حاجة شجعتني إن آسر هيبقى معاكي وجنبك، مع إني عرضت عليه يدخل الكلية معاكي من بدري بس هو مقبلش، دلوقتي بقى مفيش مجال للرفض، أن زي والدك ولازم تسمع كلامي.
آسر: من زمان يا عمي بعتبرك أب ليا، خصوصًا إنك الوحيد اللي كنت بتهتم بيا من وأنا صغير، بس أعذرني أنا مكنتش قابل أدخل الكلية مع أنين عشان حسيت إن مصاريفها غالية شوية.
عادل: مفيش حاجة تغلى عليك يا آسر، كفاية أخلاقك، وبعدين أنت شاطر ومستواك حلو جدًا، لما تنقل في كلية أنين هتستفيد أكتر، وده أهم حاجة عندي مش مهم الفلوس.
سلوى: ربنا يخليك لينا يا حبيبي، بس أنا برده شايفة إن المصاريف كتير زي آسر.
عادل: خلاص بقى، ويلا نحتفل شوية، اطلعي يا أنين غيري هدومك والبسي حاجة تليق بالمناسبة عشان نتصور سوا.
أومأت له وصعدت إلى الطابق العلوي تحت نظرات آسر الذي قال همسًا: أما نشوف هتلبسي إيه يا شيخة أنين.
بدأت أصوات الموسيقى تتعالى، وأصدقاء سلوى وعادل يحتفلون بهما وهما يتمايلان معًا على نغمات الموسيقى.
وفي ظل ذلك الصخب، كانت تبدل أنين ثيابها وهي تشعر بقبضة قلبها الحزين، تتذكر نظرته لها، لم تكن فقط غضب بل كانت خيبة أمل. يحاسبها وهو المخطئ، وذلك المتعجرف، يقف أمام والدها ولا يزال يتحدث عن أخلاقها، يا له من متغطرس.
في لحظة تحول ذلك الحزن إلى غضب بسبب آسر، نفضت تلك الأفكار من رأسها وارتدت ثوب أنيق وهادئ.
وحين نزلت إلى أسفل؛ تعلق نظر آسر بها وهي تهبط أمامه، وارتسمت بسمة متهكمة على وجهه حين رأى ثوبها التي ترتديه، ثم اقترب منها ووقف أمامها بثقة وهو يضع كلتا يديه في جيبه وقال: يا سلام على البراءة، بس بجد عايز أهنيكي على قدرتك في التمثيل، أنا عرفت دلوقتي ليه ماما كانت بتتكلم عليكي كده، مسكينة ماما متعرفش حاجة.
زفرت أنين أمامه بضيق وقالت: بص يا شاطر، عشان بس قعدتنا مع بعض مطولة شوية، خليك في حالك وأنا في حالي، وحتى لو جيت الجامعة عندي متتعاملش معايا خالص، خليك بعيد عني. اتفقنا.
آسر: اه طبعًا، عشان مش عايزة حد يعرف البلاوي اللي بتعمليها برا، بس بعينك، عمي عادل موصيني عليكي، ومن هنا ورايح إنتي تحت وصايتي ولو عملتي أي حاجة مش على مزاجي هتلاقيني في وشك، ومن هنا ورايح مفيش بار ولا ديسكو، ولو عرفت إنك لسه بتروحي هناك استحملي بقى اللى هيجرالك، أنا مش طيب وغلبان زي عمي عادل خالص، تمام يا شاطرة.
أنين: لأ مش تمام، والزم حدودك معايا، إنت صدقت إنك أخويا بجد ولا إيه؟!
انتبهت سلوى لهما، ولاحظت ملامح آسر وأنين غاضبة، فاقتربت منهما سريعًا وقالت: مالكم يا ولاد؟! فيه إيه؟
أنين: مفيش حاجة يا طنط، عن إذنكم.
ابتعدت عنهما تحت نظرات آسر ثم قالت سلوى: حصل حاجة يا آسر؟
آسر: البت ديه مستفزة جدًا، أنا مش فاهم إنتي كنتي بتشكري فيها قدامي كده إزاي؟!
سلوى بتعجب: أنين! ليه عملت إيه؟ وبعدين إنتو لحقتو! ده أنت لسه شايفها من ربع ساعة، لحقت تعرفها!
آسر: ربع ساعة إيه يا ماما بس، إنتي مش عارفة حاجة.
عقدت سلوى حاجبيها وقالت : حاجة إيه اللي مش عرفاها؟
تنهد آسر وقال: هقولك بس عشان تبقي عارفة هي بتعمل إيه كويس وتحاولي تلحقيها من القرف ده، أنا لسه شايفها في ديسكو مع صاحبتها، وكمان كانت لابسة فستان مفتوح وقصير، وفيه واحد جيه أتخانق معاها وشكله كده كان صاحبها وسابته.
كانت تستمع سلوى لما يقول وهي تفتح عينيها من الدهشة، ثم قالت: إنت متأكد؟!
آسر: طبعًا، بس متقلقيش، أنا هعلمها الأدب، بجد عمي عادل ميستاهلش كده خالص، ومتقوليش حاجة لعمي مش عايزه يتضايق من حاجة.
سلوى: لأ طبعًا، معقول أقول حاجة زي ديه.
ربت آسر على كتفها وذهب يتابع أنين من بعيد، أما سلوى فتبدلت نظرتها سريعًا وقالت بهمس: ده أنا هقول وهقول، ديه فرصتي وجات لحد عندي.
كانت أنين تمسك بيد عادل وتحتفل معه، وبالرغم من ابتسامتها التي زينت وجهها البريء؛ كانت نظرتها حزينة، كانت كالمغيبة لا تشعر بما يدور حولها، تتذكر فقط زياد وهو ينظر إليها بتلك النظرة، وما يشغل عقلها الآن هو كيف تتعامل غدًا مع زياد وفي وجود آسر أيضًا، لتمتعض ملامحها فور تذكرها آسر، فالتفتت لتراه يراقبها من بعيد.
أما هو، فبرغم ذلك الظن تجاهها إلا أنه لايزال يراها جميلة، وملامحها تستحوذ على عقله مسيطرة عليه بالكامل.
انقضى اليوم، ورحل كل من بالمنزل، ثم صعد عادل مع آسر إلى الطابق العلوي، ووقف أمام أحد الغرف وقال: ديه أوضتك، جنب أوضة أنين وتقريبًا زيها بالظبط، العفش كله جديد، بس لو حابب تغير أي حاجة فيه قولي طبعًا.
آسر بإعجاب: لا ديه حلوة جدًا يا عمي، بس لو هتضايق من وجودي أنا ممكن أرجع البيت وأقعد لوحدي عادي.
عادل: إيه اللي بتقوله ده؟! هتضايق منك في إيه يا آسر، إنت ابني اللي أنا مخلفتوش، مش عايز اسمعك بتقول كده تاني.
آسر بخجل: حاضر يا عمي.
ربت على كتفه وغادر الغرفة، وحين أغلق الباب التفت ليجد أنين تدخل غرفتها، فاقترب منها وضمها إليه ثم قال: زعلانة مني يا حبيبتي؟
أنين: لأ طبعًا يا بابا، هزعل منك ليه؟ ربنا يسعدك يا حبيبي.
عادل: عشان كمان الموضوع حصل فجأة.
أنين: لا خالص يا بابا، أنا كنت واخدة بالي يعني من بدري.
عادل: طيب ليه حاسس إنك زعلانة؟
أنين: لا... أنا بس تعبانة واليوم كان طويل أوي وبكرة عندي جامعة.
عادل: خلاص يا حبيبتي، أدخلي نامي وارتاحي.
ثم قبل جبهتها ودخلت أنين غرفتها، بدلت ملابسها وجلست بالفراش، وكان هذا الوقت الذي بدأت تستوعب به ما حدث اليوم، فلم تستطع أن تكبح دموعها أكثر من ذلك، الحب الذي تمنت أن يكون أبد الدهر؛ انتهى بيوم واحد، بل لحظة واحدة كانت كفيلة بأن تزرع بينهما مسافات وحدود من الصعب تجاوزها.
بعد وقت، نامت أنين ودموعها تملء وجهها.
________________
في الصباح، داخل غرفة عادل وسلوى، استيقظ ونظر إليها وهي لا تزال نائمة بين ذراعيه، تأمل ملامحها بهدوء، ثم مرر أنامله على وجهها.
فتحت عينيها ونظرت إليه، ثم ابتسمت وقالت: صباح الخير.
عادل: صباح النور يا عروسة.
نظرت سلوى نحو الساعة ثم قالت: صاحي بدري ليه؟! إوعى تقولي رايح الشغل!
عادل: لأ طبعًا يا حبيبتي، أنا بس هعمل كام مكالمة عشان نقل آسر، وبعدين هاخد حمام وأنزل نفطر مع الأولاد، آسر وأنين لسه ميعرفوش بعض كويس، وعايزهم يحسو إنهم بقو عيلة واحدة، عشان كمان أنين تتعامل معاه على الأساس ده.
نظرت سلوى إلى أسفل ثم قالت بتردد: بمناسبة أنين، أنا.... كنت عايزة أقولك حاجة.
عادل: قولي يا روحي.
سلوى: هحكيلك بس توعدني من غير عصبية ولا تعمل مشكلة معاها.
اعتدل عادل ونظر لها بتعجب وقال: هي قالت حاجة ضايقتك ولا إيه؟!
سلوى: لأ... الصراحة...
قصت له سلوى ما قاله آسر بالأمس بخصوص ذهابها إلى الملهى الليلي ولكن لم تخبره بشأن زياد، وبعد أن سمع عادل ما قالت ظهرت الصدمة على ملامحه، بل نهض وظل يجوب بالغرفة ويحدث نفسه بعدم استيعاب، ثم قال: أزاي؟! أنين بتعمل كده من ورايا؟! بنتي اللي بحلف بتربيتها تعمل كده؟
وقفت سلوى بجواره وأمسكت بيده برجاء وقالت: إهدى بس يا عادل، أنين لسه صغيرة، وإنت عارف إنها طيبة وساذجة، وأكيد واحدة صاحبتها ضحكت عليها وخليتها تروح معاها، وأنا قولتلك من بدري إنها لوحدها ومفيش أم بتوجهها، فا لو سمحت سيب الموضوع ده عليا أنا، مش عايزين البنت تفلت مننا ولا تفكر إنك اتغيرت معاها بعد ما أتجوزنا.
عادل: ده الحمد لله إنك موجودة، وآسر كمان أنا مطمن إنه هيبقى جنبها، معقول أنا قصرت في حقها بالشكل ده؟! إزاي مخدتش بالي ولا اهتميت بيها؟! ده غلطي من الأول.
سلوى: متلومش نفسك يا حبيبي، وبلاش تفكر كده خالص، مش إنت بتثق فيا؟ إدخل بس خد الشاور بتاعك وأنا هتصرف معاها بطريقتي، بنتي بقى وهعرف أرجعها لعقلها.
أومأ لها بحزن، ودخل إلى المرحاض، وتحولت ملامحها مرة أخرى وقالت لنفسها: كده المهمة سهلة خالص.
بعد وقت، نزلت أنين من غرفتها، ونظرت نحو طاولة الطعام، وجدتهم جميعًا يجلسون معًا، فاقتربت منهم وقالت: صباح الخير.
لم ينظر إليها عادل، وقال بضيق: صباح النور.
تعجبت أنين من هيئته فقالت: مالك يا بابا فيه حاجة مزعلاك؟
نظر إليها فوجد عينيها منتفخة، فقال: إنتي اللي مالك، كنتي بتعيطي؟!
أنين بتوتر: لأ... أنا بخير.
جلست بجوار سلوى، ثم رفعت عينيها نحوها وقالت: مبروك يا عروسة.
سلوى: الله يبارك فيكي يا نونة.
نظرت إلى آسر بضيق ولم تتحدث.
عادل: صحيح يا آسر، أنا كلمت عميد الكلية بتاعتك، وقولتله على موضوع النقل ووافق، وتقدر تروح تسحب الملف.
آسر: معقول؟! أصل الترم فات منه وقت كنت فاكر أن الكلية مش هتقبل.
عادل: ما هو قالي كده، بس أنا وهو أصحاب فا عمل استثناء عشاني يعني، وكمان كلمت خالد العامري، هو شريك في الجامعة عند أنين، وقالي يجيب الملف النهاردة وأنا هكمل الإجراءات.
آسر بسعادة: مش عارف أقولك إيه يا عمي، بس أوعدك ابقى عند حسن ظنك.
أنين: أنا همشي عشان ألحق المحاضرة.
عادل: هتخلصي إمتى؟
عقدت حاجبيها قليلًا متعجبة من سؤاله، فهو لم يسألها من قبل، قالت: هخلص آخر سكشن الساعة ٥.
عادل: ٥ ونص تبقي في البيت.
أنين: أكيد يا بابا، ما أنت عارف إني بخلص وبرجع على طول.
لمحت ابتسامة آسر المتهكمة، ثم قال عادل: اللي بقول عليه يتنفذ من غير ردود كتير، ٥ ونص هكلمك لو لقيتك لسه برا متزعليش من اللي هعمله.
تعجبت أنين، ونظرت إلى آسر بشك، ثم أومأت له وذهبت.
ثم ذهب آسر إلى جامعته وقام بسحب أوراقه وذهب مباشرة إلى جامعة أنين، وحين دخل المكتب عند خالد العامري وقدم نفسه له، قام خالد بأخذ الملف منه، ثم أخبره بجدول المحاضرات الخاص به، وقبل أن يغادر وجد زياد يدخل المكتب، نظر له نظرة تحمل الكثير من الكبر، ثم سمع خالد يقول: تعالى يا زياد.
زياد: معلش يا بابا بس كنت عايز أخد عربيتك وأنا مروح عشان عربيتي عطلت الصبح.
خالد: البطارية برده.
زياد: اه، وبعت للتوكيل خدها من هنا، وأنا عندي مشوار تبع الشغل وعايز عربية.
خالد: خد المفتاح، وأنا هبقى أخد تاكسي.
ثم نظر زياد إلى آسر الذى بدا عليه الدهشة حين علم أنه زياد هو ابن أحد ملاك الجامعة، فقال: هو الأستاذ بيعمل إيه هنا؟
خالد: ده آسر الصفطي، طالب جديد معاكم وفي نفس شعبتك.
نظر له زياد وقال بضيق: اه أهلًا.
أومأ له آسر وقال: هستأذن أنا لو تسمح.
خالد: اه اتفضل يا آسر.
خرج آسر ولحق به زياد، ثم أوقفه قائلًا: إيه جي وراها الجامعة كمان.
نظر له آسر بثقة وقال: اه، عشان بقت تخصني.
ظهر الغضب على ملامحه، ولم يتحدث، ثم غادر من أمامه، وتوجه نحو المدرج، وجد صديقه يزن ينتظره وقال: يلا يا زياد، الدكتور هيدخل.
زياد بضيق: طيب جي.
أمسك ذراعه وقال: مالك يا زياد، من الصبح شكلك متضايق.
زياد: مخنوق أوي يا يزن.
زفر يزن وقال: لسه برده كلام البت سالي ديه مضايقك، ما أنا قولتلك البت ديه كدابة، وأنين بنت محترمة وكلنا عارفينها كويس، وأنا متأكد إن البت ديه عينها منك عشان كده بتحاول توقع بينكم.
زياد: بس سالي طلع كلامها صح، أنا شفتها بنفسي يا يزن، رحت المكان الزفت اللي قالتلي إنها بتروح تسهر فيه، وكمان لقيتها واقفة مع شباب، أنا مصدوم من إمبارح، إزاي قدرت تخدعني كل ده، وليه بتعمل كده بجد؟!
يزن بصدمة: مش ممكن، أنا مش مصدق لأ، أنين تطلع كده؟! هو مفيش غير البت صافي ديه هي اللي غيرتها كده.
زياد: اه هي، كانت معاها هناك فعلًا.
يزن: طيب تعالى بس يا صاحبي نحضر المحاضرة ومتزعلش نفسك، الحمد لله إنك عرفتها على حقيقتها قبل ما كنت تتعلق بيها أكتر من كده.
زياد بحزن: ما اتعلقت واللي كان كان، يلا نحضر المحاضرة.
دخلا معًا، وتلاقت أعينهما حين دخل المدرج، وأشاح كلًا منهما بنظره عن الآخر بضيق.
بعد قليل، دخل آسر المدرج، وحين رأته صافي اقتربت من أنين التي لم تتحدث بكلمة واحدة منذ أن دخلت الجامعة وقالت: إيه ده؟! هو آسر بيعمل إيه هنا؟!
أنين: اتنقل كليتنا.
صافي بصدمة: وإنتي عرفتي إزاي؟
أنين بضيق: بعدين يا صافي، الدكتور دخل.
جلس آسر خلفها مباشرة، وكأنه يراقب ما يحدث من بعيد، وزياد يجلس بالجهة المجاورة لها، وابتسم حين وجد أن كلًا منهما لا ينظر إلى الآخر.
لا يعلم أنهما بريئان مما حدث، لا يعرف أن حبهما لبعضهما هو أنقى أنواع الحب، وقد هُزم على يد من لا يستحقون كلمة الصداقة.
انتهت المحاضرة، وخرجت أنين وصافي، فلحق بهما آسر ووقف من بعيد يطالعهما وهما يجلسان بالخارج في انتظار موعد المحاضرة القادمة.
قصت أنين ما حدث بالأمس لصافي، التي نظرت لها بصدمة تلو الأخرى حتى قالت: أنا حاسة إن آسر قال لبابا حاجة، بابا متغير معايا وبيكلمني وحش، ده مضحكش في وشي حتى.
صافي: وليه يعمل كده؟
أنين: عشان شايف إني بكدب وإني مش كويسة، مش فارق معايا أصلًا آخر همي، أنا كل اللي مضايقني دلوقتي هو بابا.
مر زياد من أمامها وحين رأته زفرت بضيق، ولاحظت صافي نظرته لها فقالت: هو بيبص كده ليه بجد؟!
أنين بغضب: حقه، بجد حقه يشوفني أسوء بنت في الدنيا، وكله من البيه اللي عمال يراقبني من كل حتة ده.
صافي: طيب، أنا هروح أتكلم مع آسر، يمكن يهدى ويفهم.
ذهبت صافي نحوه، وقالت: مبروك النقل يا عم آسر.
آسر: الله يبارك فيكي، مجتش من صاحبتك.
صافي: ما تخف شوية يا آسر، وياريت متقولش لباباها حاجة.
آسر: اه، هي بعتاكي عشان أعمل نفسي مش شايف اللي بيحصل صح، وبعدين أنا كفيل بيها من غير ما أقول لحد، وقوليلها لو غلطت حسابها عندي، وده كلام عمي عادل بنفسه.
اقتربت منهما صديقة لصافي وقالت: المحاضرة اتلغت يا صافي.
صافي: أحسن برده.
تركها آسر وذهب نحو أنين وقال: يلا عشان أروحك.
نظرت له أنين بضيق وقالت: لسه في محاضرة.
آسر: اتلغت، واتفضلي على البيت معايا.
وقفت أمامه بغضب وقالت: مش هرجع معاك على البيت، ملكش دعوى بيا.
وصل صوتها إلى زياد، الذي كان يراقب بصمت والغيرة تنهش صدره، فاقترب منهما وأمسك آسر من ذراعه وقال: هو إنت بتتكلم معاها كده ليه.
نفض آسر يده وقال: وإنت مالك، قولتلك بقت تخصني فا ملكش فيه.
أنين: أنا مخصش حد، ولو سمحتو أمشو إنتو الاتنين مش عايزة مشاكل.
آسر: هو يمشي لكن إنتي هتيجي معايا، وإلا إنتي عارفة أنا هعمل إيه.
زفرت أنين بضيق ولم تتحدث، فنظر لها زياد بحزن وقال: يا خسارة يا أنين، كنت فاكرك حاجة كبيرة أوي بس طلعت مغفل.
تركهما وذهب، والحزن خيم على وجه أنين، وانسابت دمعة من عينيها، وحين رأى آسر دمعتها رق قلبه تجاهها دون أن يدرك السبب، لم يكن يعلم أنه يساعد في فراقهما، في جرح قلبها دون أن يشعر، وهذا بسبب ظنه السيء بهما.
ترى... هل سيبقى ذلك الحب مواجهًا تلك المصاعب، أم أن هناك للقلب رأي آخر؟
رواية قلبي عدوك الفصل الثالث 3 - بقلم رباب حسين
ن
هناك قلوب تُعاقب بذنبٍ لم ترتكبه وأخرى تُدين دون أن تسمع، فتُكتب النهاية قبل أن تبدأ الحكاية.
وفي المنتصف يقف قلبٌ حائر، لا يعرف إن كان عليه أن يقاتل أم يستسلم، لا يدرك بحقيقة مشاعره التي بدأت تترعرع بداخله.
فهل يُنصف القدر قلبًا ظُلم؟ أم يتركه يتخبط بين الحقيقة والوهم؟
كلمات... يا لها من سيل من الطعنات، ليست بحروف عادية خرجت من بين شفتيه وإنما نصل حاد قطع قلبها نصفين.
أُدان أمام عينيه وهو المجرم الحقيقي، لم تتحدث ولكن عينيها باحت بما في قلبها، وبعد أن غادر زياد من أمامها تابعته بعيون حزينة، لمح ذلك الحزن آسر، لا يعلم لم شعر بالحزن، هل لأن نظرتها ألمته؛ أم لأنه شعر بصدق مشاعرها تجاه زياد.
لم يعبر عن ذلك الحزن سوى بالغضب، فصاح بها كي تنتبه إليه ويشتت ذهنها المسروق على يده فقال: يلا بقول، اتحركي.
نظرت إليه بضيق ثم ذهبت من أمامه، تحت نظرات صافي المتعجبة، فما يفعله آسر غير مبرر.
وصلا إلى سيارتها ثم التفتت إليه وقالت: إنت مش معاك عربية؟!
آسر: لأ... معنديش بابا يجبهالي، وبعدين لما أحب أجيب عربية هجيبها بفلوسي.
أنين: هو أنت ليه حاد في الكلام معايا كده؟! أنا سألتك سؤال عادي عشان أشوف هوصلك معايا ولا هتيجي ورايا.
آسر: ما هو لو تسمعي نفسك بتقولي إيه هتعرفي أنا بتكلم معاكي كده، "هوصلك، تيجي ورايا" هو أنا شغال عندك!
أنين بضيق: لأ فعلًا التعامل معاك صعب بجد، أنا مش قصدي كده خالص.
آسر: يبقى تجيبي مفتاح العربية وتركبي الناحية التانية، أنا اللي هسوق.
أنين: لأ مش بحب حد يسوق عربيتي.
آسر: طيب بصي عشان أنا بتعصب بسرعة ومش هتستحملي عصبيتي، هاتي المفتاح ومسمعش حسك طول الطريق.
زفرت مرة أخرى ووضعت المفتاح بيده، ثم تحركت وصعدت بجواره.
قاد آسر السيارة وهو يتابعها بين الحين والآخر، هناك سؤال يلح بداخله يريد أن يطرحه عليها ولكن التردد يمنعه.
نظرت له أنين وقالت: ريح نفسك، حتى لو سألتني عن حاجة مش هقول.
آسر: مش عايز أسأل عن حاجة.
أنين: لأ، عينيك باين عليهم جدًا وعمال تبصلي كل شوية.
آسر: أنا بس هتجنن، إزاى قدرتي تخدعي عمي عادل كده وتبيني قدامه إنك كيوت وهادية، ده مش عمي بس؛ ده كل الناس تقريبًا.
أنين: مش يمكن إنت اللي شايفني غلط.
ضحك آسر وقال: اه صح، أنا اللي غلط، بس ليه سبتي زياد، باين عليه كان بيحبك قبل ما يعرف حقيقتك.
أنين: ممكن تسكت.
زياد: ماشي، بس بصراحة ربنا نجده، كان يا عيني بيحب الهيئة ديه وتلاقيه كان بيفكر في جواز وكده، سبحان الله ربنا فتح عينيه في الوقت المناسب.
أغمضت عينيها بضيق، لا يعلم ماذا يفعل بهذا الحديث بقلبها، ويبدو أنه لا يرغب في تصديق أيًا ما تقول، لذلك فضلت الصمت، فمع الوقت سيعرف الحقيقة، ولن تسمح له بأن يستفزها كي تتحدث ويذهب إلى والدها ويقص له ما قالت.
أما هو، فكان يرغب أن يسمع أي مبرر منها كي يصرف تلك الصورة التي تكونت في ذهنه عنها، ولكن لم تتحدث، وكأنها تؤكد ما يفكر به.
بعد وقت، وصلا إلى المنزل، وحين ترجلت من السيارة دخلت المنزل على الفور دون النظر إليه، نظر لها عادل وقال: جيتي بدري يعني؟
أنين: المحاضرة الأخيرة اتلغت.
سلوى: يبقى نتغدى سوا، كويس إن آسر معاكي كمان.
أنين: اه معايا، هو مسبنيش لحظة بصراحة.
ابتسم عادل وقال: آسر ده مفيش زيه، ابني اللي مخلفتوش.
سلوى: تعالي معايا يا أنين نحضر الأكل.
دخلا المطبخ وجلس آسر بجوار عادل، فهمس له: هو فعلًا كان فيه محاضرة واتلغت؟
آسر: اه، مالك يا عمي قلقان عليها كده ليه؟
عادل: لا بس بطمن يعني، لازم أخد بالي منها.
آسر: اه.... طبعًا.
اقتربت سلوى من أنين التي تقوم بإعداد السلطة وقالت: مالك يا حبيبتي شكلك متضايق ليه؟
أنين بغضب: ابنك يا طنط فظيع بجد، أنا معرفش ماله ومالي، بيراقبني في كل حتة وماشي ورايا ومش مخليني عارفة اتنفس، وبعدين بيحاول يعرف أي حاجة عني عشان يقولها لبابا، هو مش محتاج يعمل كده بجد عشان يكسبه، بابا زي ما انتي سامعة بيحبه جدًا، ليه بيعمل كده معايا؟!
سلوى: يا حبيبتي هو خايف عليكي مش أكتر، أنا هكلمه ميضايقكيش تاني.
ضمتها بين ذراعيها فقالت أنين: ياريته كان زيك يا طنط، بجد إنتي طيبة جدًا وأنا بحبك.
سلوى: وأنا كمان يا حبيبتي.
أعدا الطعام مع الخدم وتناولوه معًا، ثم صعدت أنين إلى غرفتها لتذاكر.
وبعد وقت، أمسكت هاتفها واتصلت بصافي، وتلقت المكالمة على الفور فقالت: إنتي فين يا صافي؟ إيه الدوشة ديه؟
حاولت صافي أن تبتعد عن الصخب الذي يحيط بها، ثم قالت: أنا في حفلة في النايت كلاب، إنتي كويسة؟
أنين: اه، بس كنت عايزة أسألك هو زياد عندك؟
صافي: اه عندي، مقضيها هنا مع البت سالي.
أغمضت عينيها بحزن وقالت: طيب، بعدين هكلمك عشان الصوت ده.
أنهت صافي المكالمة ونظرت إلى حازم الذي ابتسم بتهكم وقال: ده إنتي مصيبة، بقى زياد مع سالي ها؟
صافي: ما خلاص لازم أموت الحوار خالص.
حازم: مش عارف بتعملي كده ليه يعني، كل ده عشان زياد رفضك؟!
صافي: ما هو مش قصة زياد خالص، الحوار كله إنه رفضني إزاي، يعني لما أقوله معجبة بيك يبصلي بقرف ويقولي أنا عمري ما أفكر ارتبط بواحدة زيك بلبسك ده، ديه بجد حرقت دمي، وفي نفس الوقت ألاقيه معجب بصاحبتي، وكأنه بيقولي ديه أحسن منك، وأنا مفيش حد أحسن مني، فا خليته يشوفها زيي عشان أحرق دمه هو كمان، ده أنت مشفتش منظره النهاردة لما آسر كان واقف مع أنين.
حازم: لما آسر حكالي أصلًا مكنتش مصدق، قلت لأ لازم أشوف صفصف عشان أفهم.
صافي: الصراحة، آسر هو اللي بوظ الموضوع على الآخر، بس أنا مكنتش أعرف إنك مش حكيله حاجة.
حازم: آسر لو عرف بالحوار ده أصلًا ممكن يقطع معايا عشان عارف وساكت، تفكير آسر غير تفكيري خالص، بس أنا برده مستغرب هو بيعمل معاها كده ليه، وليه أصلًا يقول لأبوها.
صافي: يمكن شايفها بقى مش كويسة وعايز يرجعها يعني.
غمز حازم بعين واحدة لها وقال: وإنتي؟ مش عايزة حد يرجعك؟
ضحكت صافي وقالت: لأ أنا عايزة حد يلمني، بس الظاهر مفيش.
حازم: ألمك أنا، وماله.
صافي: حبيبي إنت عايز تتلم أصلًا، المهم، هات الصورة بتاعت زياد اللي عملتها بال AI عشان أبعتها لأنين.
حازم: ده إنتي شيطان.
فتح هاتفه وأرسل لها الصورة، ثم أرسلتها صافي لها على الفور، وما أن رأتها حتى نظرت لها بحزن، زياد يتراقص مع سالي بين الشباب، وهي تتمايل عليه.
أغلقت الهاتف، ونزلت إلى أسفل وجلست بالحديقة.
كان آسر يقوم بعمله على الحاسوب، فهو يعمل كمصمم بوقت فراغه، ثم اقترب من النافذة ووجد أنين تتجول بالحديقة، ظل يراقبها بهدوء، هيئتها دائمًا تجذب عينيه، ولكن معرفته بما تفعل جعله ينفر ذلك الانجذاب عنه.
بعد منتصف الليل، كانت صافي تخرج من الملهى وهي تضحك بشدة، فقال حازم وهو يمسك بيدها: هتقعي يا مجنونة.
صافي: لا متخفش، مش بقع بسهولة.
حازم: ما أنا عارف، مش هتوافقي بقى؟!
صافي: تاني يا حازم؟ قولتلك مليش في العرفي ده.
حازم: ما أنا قولتلك ده مؤقت، لسه بدري على ما أجي أتقدملك رسمي، لسه هنستنى كل ده؟
صافي: اه عادي، ويلا باي عشان عايزة أروح.
ذهبت إلى سيارتها وأومأت له مودعة وذهبت، فنظر لها حازم وقال بهمس: بكرة تقبلي، الصبر حلو.
كان زياد بسيارة والده يقوم بتوصيل يزن إلى المنزل بعد أن انتها من العمل، فهو يملك مكتب تصميمات صغير يديره مع يزن، وبعد أن صف السيارة قال يزن: طيب بلاش تروح وإنت كده، تعالى عندي شوية نقعد وأتكلم معايا.
زياد بضيق: أنا مش قادر أتكلم في حاجة، ولا عندي حاجة أقولها، أنا أصلًا لسه مش مستوعب اللي بيحصل ده كله.
يزن: معاك حق، أنا كمان اتصدمت فيها، وكلمت ماهي تبعد عنها خالص هي وصافي ديه، مش هستنى لما تجرها زي أنين وتبقى زيهم.
زياد: إنت ليك كلام عليها وتقدر تبعدها أو تتحكم فيها عشان خطيبتك، لكن أنا وقفت قدام آسر ده وهو بيقولي تخصني ومقدرتش افتح بقي.
يزن: خلاص بقي يا زياد، الحمد لله إنك عرفت الحقيقة بدري بدل ما كنت تفضل تحبها وإنت أعمى كده.
زياد: هو الظاهر إن اللي زي آسر دول هما اللي بيكسبو، والبنات مش عايزين المحترم، عايزين اللي يزعق قدام الناس ويعاملهم بقلة أدب عشان يحترموه، بس بسيطة؛ اللي فات مش هيتكرر تاني.
يزن: مش كلهم كده يعني.
زياد: إنت حظك حلو، ربنا وقع في طريقك بنت كويسة، لكن أنا حظي وحش، أنزل يلا وسيبني أروح.
تنهد يزن وتركه وصعد إلى منزله، ثم عاد زياد إلى منزله، وجد خالد لايزال مستيقظًا، فاقترب منه ووضع أمامه مفتاح السيارة وقال: شكرًا يا بابا على العربية.
خالد: خد العربية الصغيرة بكرة معاك لحد ما عربيتك تتصلح.
زياد: حاضر.
كاد أن يذهب ولكن عاد مرة أخرى وقال: هو إزاي آسر اتقبل نقله بعد الترم ما بدأ؟
خالد: عادل هو اللي طلب مني وبصراحة مردتش أقوله لأ، هو دايمًا بيساعد الكل.
زياد: هو إيه علاقته بعمي عادل؟
خالد: مش عارف، بس بتسأل ليه؟
زياد: أصل شايفه قريب من أنين، بس كده فهمت شوية يعني هو قريب منها ليه.
خالد: إنت غيران عليها ولا إيه؟
صمت زياد ولم يتحدث فأردف قائلًا: خلاص يا زياد كلها سنتين تخلص جامعة ونروح نخطبها زي ما اتفقنا.
زياد بحزن: لأ يا بابا، أنا شيلت الموضوع من دماغي.
خالد بتعجب: ليه؟!
زياد: لأ بس هي مش شبهي، مش هي ديه اللي تنفع تبقى مراتي للأسف.
خالد: يا ابني هو فيه في أخلاق أنين!
زياد: فيه يا بابا، وأحسن كمان، معلش يا بابا نقفل كلام في الموضوع ده. هي ماما نامت؟!
خالد: اه، وأختك كمان.
زياد:طيب هطلع أنام عشان عندي جامعة بكرة.
أومأ له خالد وصعد زياد إلى غرفته تحت نظراته المتعجبة، ما سر هذا التحول الذي حدث بينهما يا تُرى؟
________________
صباح يوم جديد.
استيقظت أنين وهي تشعر بألم في رأسها، لقد راودها الكثير من الأحلام المزعجة وألم قلبها لا يتوقف، تتذكر تلك الصورة دائمًا لا تبتعد عن مخيلتها، زفرت بضيق ونهضت لتأخذ حمام دافئ، ثم نزلت إلى الطابق السفلي، ولحق بها آسر الذي اقترب منها وقال: كاتمين على نفسك صح؟
أنين بإرهاق: مش فاهمة.
آسر: يعني إمبارح طول الليل قاعدة في الجنينة برا، كان زمان بتقعدي في الشارع براحتك لكن دلوقتي مش عارفة تخرجي وتروحي الأماكن ديه، مش قادرة يا عيني تتحبسي طول النهار في أوضتك.
أنين: بص أنا مصدعة ومش فيقالك، بقولك إيه إعتبرني مش موجودة، وبطل تراقبني عشان زهقت.
تركته وذهبت نحو طاولة الطعام، وألقت تحية الصباح وجلست معهم، لا يزال عادل يتجنب التحدث معها، أما سلوى فتهتم بها كثيرًا وهذا ما لاحظه عادل، لذا فضل أن يترك الأمر كليًا إلى سلوى.
بعد وقت، غادرت أنين وآسر بالسيارة، وأصر آسر على قيادة السيارة بنفسه.
نظر عادل إلى سلوى وقال: مقولتليش اتكلمتو فيه إيه إمبارح في المطبخ مع بعض؟
تنهدت سلوى بحزن وقالت: أنا بحاول أكسب ثقتها يا عادل، أكيد مش هتحكيلي كل حاجة عنها كده مرة واحدة، بس الغريب إنها طلبت مني إني أخلي آسر بعيد عنها، وإني أكلمه بيني وبينه بس من غير إنت ما تعرف، حسيت إنها متضايقة من اهتمام آسر، متضايقة إنه مراقبها في كل حتة ومش بيسيبها.
عادل: طبعًا، مش عارفة تهرب منه ولا تعمل اللي كانت بتعمله من ورايا.
قاطع حديثهما اتصال خالد، فتلقى المكالمة على الفور، وسمع خالد يقول: صباح الخير يا عادل.
عادل: صباح النور.
خالد: كنت بكلمك عشان أقولك إن خلاص ملف آسر إتقبل واسمه نزل في الملفات.
عادل: شكرًا كلك ذوق، مش عارف أشكرك إزاي.
خالد: مفيش بينا الكلام ده يا عادل، بس كنت عايز أقولك حاجة، أنا طبعًا كنت قولتلك على إن زياد عايز يخطب أنين وكده، بس مش عارف حصل إيه بينهم وزياد متغير جدًا من ناحيتها، هي أنين قالتلك حاجة؟
عادل: لأ، هي أنين متعرفش الكلام اللي بيني وبينك، بس ليه زياد متغير، هي أنين عملت حاجة؟!
خالد: معرفش، بس شكله زعلان منها جدًا، بيقولي مينفعش تبقى مراتي، أنا مش فاهم قال كده ليه، عشان كده اتصلت أفهم منك يمكن البنت في دماغها حد تاني.
زفر عادل بضيق وقال: لأ، مش عارف السبب، على العموم الجواز قسمة ونصيب يا خالد، ولو ليهم نصيب في بعض هيحصل إن شاء الله، زياد شاب ممتاز وألف بنت اتمناه.
خالد: اتمنى تبقى أنين من نصيبه.
أنهى المكالمة وظهر الضيق على وجه عادل، فقالت سلوى: مالك يا حبيبي؟!
وقف عادل وقال بصدمة: الولد اللي كان عايز يخطبها رجع في كلامه، تفتكري ليه؟! أكيد شاف حاجة وبعد عنها، بيقول لأبوه متنفعش تبقى مراتي، هيكون إيه السبب غير السرمحة اللي بتعملها برا البيت يا سلوى؟!
وقفت سلوى وأمسكت يده وقالت: إهدى بس، معلش حتى لو الولد ده بعد عنها مش ده المهم، المهم نلحق البنت من الوحل اللي هي فيه ده، وأهم حاجة نداري على اللي بيحصل عشان سمعة البنت متتأثرش.
عادل بحزن: ما خلاص، سمعتها بقت في الأرض، الله يسامحك يا أنين.
ماذا فعلت تلك البريئة كي تتهم بكل هذه الإتهامات؟ ومن أقرب الناس إليها، حتى هذا الشاب القابع بجوارها بالسيارة، ينظر إليها نظرات تملئها الإتهامات، تنهدت بضيق، تحارب ذلك الألم الذي يعتصر قلبها، حتى وصلا إلى الجامعة، وحين ترجلت من السيارة وقعت عينيها على زياد الذي يسير أمامها وبجواره سالي، التي ما أن رأتها أمسكت بذراعه واقتربت منه وهمست داخل أذنه: مش مصدقة إنك كلمتني إمبارح وقولتلي إنك عايز تقابلني.
زياد: مفيش داعي أعاملك بشكل وحش، ده من غيرك كان زماني لسه مغفل.
كانت تتابعهما بحزن، كانت تهرب من تلك الصورة بمخيلتها ولكن ما زاد الأمر حزنًا، أنها رأتهما الآن وجهًا لوجه.
لاحظ آسر الحزن الذي خيم على وجهها، وكالعادة قاطع شرودها بهذا الصياح قائلًا: هنقعد طول النهار في الشارع، يلا.
نظرت له ولم تتحدث، فقدت شغفها وقدرتها على الحديث، فأومأت له وذهبت أمامه بخطى حزينة، تحولت نظرات آسر إلى الحزن على هيئتها، ثم لحق بها وصار بجوارها.
داخل المدرج، لاحظت أنين أن ماهي تجلس بعيدًا عنهن، فمالت نحو صافي وقالت: هي ماهي قاعدة بعيد ليه؟
صافي: معرفش، حتى نونة قالتلها تيجي تقعد مردتيش.
أنين: غريبة، يمكن زعلانة مننا في حاجة، لما تخلص المحاضرة نبقى نتكلم في الكافتيريا.
انتهت المحاضرة، وغادرت ماهي سريعًا كما طلب منها يزن، لحقت بها أنين وصافي وكالعادة لحق بهن آسر.
وقفن معًا وآسر يراقب من بعيد، ثم تلقى مكالمة من عادل وأخبره أن لا يترك أنين أبدًا، وهي عهدة لديه ويجب أن يحافظ عليها.
أما أنين فقالت: مالك يا ماهي، زعلانة من حاجة؟
ظهر التوتر على وجهها، ثم التفتت فوجدت يزن يطالعها من بعيد، ينتظر أن تنفذ أوامره، وبجواره زياد وسالي، ثم عادت النظر إلى أنين وأغمضت عينيها بحزن وقالت: أنا مش هينفع أبقى صاحبتكم تاني.
نظرت أنين تجاه يزن ثم عادت النظر إليها وقالت: ويزن اللى طلب منك ده؟
أومأت بالإيجاب، فقالي صافي بغضب: وإنتي إيه؟ لما خطيبك يقولك حاجة بتنفذيها كده من غير نقاش، إيه معندكيش شخصية؟
ماهي: عيب يا صافي تكلميني كده، أكيد عندي شخصية بس هو معاه حق، أنا مكنتش أعرف إن أنين بتروح بارات وتلبس عريان، كنت فاكرة إني عارفاكم كويس بس طلعت غلطانة، عشان كده لما يزن طلب مني أبعد مقدرتش أدافع عنكم، إزاي يا أنين تعملي كده في زياد، وكمان مين آسر ده اللي عامل فيها بودي جارد.
كادت صافي تتحدث بغضب، ولكن وأمسكت أنين يدها لتمنعها وقالت: هو العيب مش على يزن ولا زياد، العيب عليكي إنك معرفتيش تردي عني وإحنا أصحاب بقالنا سنتين مع بعض، بدل ما تقفي في صفي وتمنعي أي حد يتكلم عني كده تقومي تسمعي كلامه وتنفذيه كمان.
صافي بغضب: ديه مش هتفهم بالذوق يا أنين، يلا خليها تسمع كلامه بعيد عننا، مش قولتي مش عايزة نبقى أصحاب؟ خلاص، ولا إحنا عايزينك، روحي اتفضلي.
ثم دفعتها بكتفها، فدفعت ماهي يدها وقالت: متمديش إيدك عليا، إنتي أصلًا السبب في اللي بيحصل ده كله.
هنا ولم يتحمل يزن، فاقترب منهن وأمسك يد ماهي وجذبها خلفه وقال: إياكي تمدي إيدك عليها، فاهمة؟
وقفت أمامه بثقة وقالت: هتعمل إيه يعني؟! هتضربني!
تحدثت أنين بألم، لم يكن فقط ألم رأسها الحاد بل قلبها أيضًا فقالت بضعف: خلاص يا صافي، يلا نمشي.
صافي: لأ مش همشي، بص يا بابا إنت تعمل راجل عليها هي بس لكن إحنا لأ.
صاح يزن وقال: أنا راجل غصب عنك، بس إنتي اللي مفيش راجل في عيلتك يلمك.
انتبه آسر إلى صوت يزن المرتفع، فأنهى المكالمة سريعًا وركض نحوهم، ثم أمسك يد أنين وقال: فيه إيه؟! بيزعقلك ليه ده؟
أنين: لا مفيش حاجة خلاص، يلا يا صافي بقى، أنا تعبانة ومش قادرة أتكلم.
صافي: إنتي عايزاني أمشي بعد الكلام اللي قاله ده؟!
يزن بغضب: هتعملي إيه يعني؟!
آسر: بس يا عم إنت، بتزعقلها ليه؟!
يزن: وإنت مالك؟ إنت مين أصلًا؟ من ساعة ما جيت وإنت عامل فيها صاحب الجامعة، ما تخليك في حالك.
كاد يقترب منه بغضب، ولكن تمسكت أنين بذراعه سريعًا وقالت بوهن من شدة الألم: خلاص يا آسر بقى، مش كل يوم مشكلة، خلاص يا يزن، خد خطيبتك وإمشي، وأنا أوعدك عمري ما هكلمها تاني، كده إنت مرتاح.
يزن: اه مرتاح، وحقي أطلب من خطيبتي تبعد عن ناس مش كويسة، ولا ده كمان عيب؟!
آسر: ما تبعدها، وأتكلم بأسلوب عدل يعني، خد يا عم خطيبتك زي ما قالت، مش شايف إن هي الكيوت اللي مينفعش تعرف البنات ديه، خلاص خدها وأمشي.
يزن: أنا نفسي أفهم إنت بتدخل ليه؟!
حاول آسر السيطرة على غضبه ولكنه فشل، فقال: إنت مستفز بجد، ما بقولك خدها وإمشي، وخلصنا من الرغي ده.
أنين: خلاص يا آسر.
آسر: ما كله بسببك، خليتي واحد زي ده يجي يتكلم معاكي كده، ما لو كنتي على حق كنت عرفت أرد.
نظرت له بغضب وقالت: كفاية بقى كلامك ده، خليت شكلي زي الزفت قدام الناس، وبدأت أخسر صحابي بسبب كلامك، كفاية بقى أنا تعبت.
ثم وضعت يدها على رأسها بألم وفقدت وعيها، فأمسك بها آسر على الفور، وظهر القلق جاليًا على وجهه، ثم حملها بين يديه وقال بلهفة: أنين... أنين فيه إيه؟
انتفض قلب زياد خوفًا عليها، كاد يقترب ولكن أمسكت سالي يده ومنعته، أما آسر فركض خارج الجامعة وهو يحملها، ولحقت بهما صافي تحت نظرات ماهي الحزينة.
رواية قلبي عدوك الفصل الرابع 4 - بقلم رباب حسين
كانت تغرق... غرقٌ صامت لا يُرى بالعين لكنه يفتك بالقلب ببطءٍ لا يُحتمل.
كأن روحها تُسحب منها خيطًا خيطًا، دون أن يلاحظ أحد ذلك النزيف الخفي. تقف بينهم تبتسم أحيانًا... تردّ أحيانًا لكنها لم تكن هناك. جسدٌ حاضر وقلب تائه في مكانٍ لا يصل إليه أحد. كل كلمة تُقال عنها... كل نظرة تُرمى نحوها كانت تثبت مسمارًا جديدًا في نعش ثقتها بنفسها.
أُدينت دون أن تُسمع واتُهمت دون دليل؛ فأصبحت غريبةً في عيون من كانوا يومًا وطنها.
حتى هو الذي كان يومًا أقرب من نبضها، نظر إليها وكأنها شخصٌ آخر وكأن قلبه لم يعرفها يومًا.
كانت تحاول أن تتماسك... أن تقنع نفسها أن الصمت قوة، وأن الحقيقة ستظهر دون شك، ولكن الصمت أصبح كسجنٍ ضيق تُحبس فيه صرخاتها، وتُدفن فيه حكاية لم تُروَ بعد.
أنين… لم تكن ضعيفة لكنها كانت وحدها وسط من تحبهم وظنت يومًا أنهم يحبونها.
______________
ذلك النبض الحائر، هل ينبض خوفًا عليها... أم نبض مجهول لم يصدع بذلك القلب من قبل؟
بدأ صراع جديد داخل قلبه، أهي حقًا بريئة كما يشعر قلبي بذلك؛ هذا القلب الذي يصدقها دون حتى أن تدافع عن نفسها، أم هي كما رأها أول مرة؛ ماكرة... كاذبة؟
ظل يكبت تلك المشاعر، يقنع نفسه بأنها تحت مسئوليته الآن لذا هو يشعر بذلك القلق عليها.
ركض بها نحو السيارة، ثم قادها حتى وصل إلى المشفى، وفي الطريق اتصل بعادل على الفور وأخبره أنها ليست على ما يرام.
بعد وقت، كان يقف آسر خارج الغرفة ينظر إلى بابها المغلق بقلق، ثم وجد عادل وسلوى يركضان نحوه، وقال عادل بفزع: فيه إيه يا آسر؟ جرالها إيه؟
آسر: مفيش يا عمي هي مرة واحدة أغمى عليها فجبتها على هنا فورًا.
سلوى: خير إن شاء الله، لسه الدكتور مقالش أي حاجة عن حالتها.
آسر: خدها دكتور الطوارئ وبعد ما كشف عليها طلب دكتور تاني، والاتنين عندها جوا.
عادل بقلق: يارب خير يارب، يارب أنا مليش غيرها.
خرج الطبيبان من الغرفة وتقدم منهما عادل سريعًا ليسأل عن حالتها، كاد آسر يقترب منهما ولكن قبضت سلوى على ذراعه لتوقفه وقالت: حصل إيه فهمني؟
آسر بضيق: مش وقته يا ماما، أنا عايز أعرف مالها.
سلوى: الدكتور هيقول لعادل، فهمني بقى إنت.
تنهد آسر وقال: مفهمتش الموضوع أوي، بس واضح إن خطيب صاحبتها منعها عنها عشان اللي بتعمله، واضح إن حوار الديسكو ده أتعرف، خصوصًا إن خطيبها يبقى صاحب زياد ده.
اقترب عادل منهما، فسمع ما قاله آسر بالأخير، فقال: ماله زياد؟
نظر له آسر بصدمة وقال: إيه؟! لأ مفيش حاجة، طمني بس الدكتور قال إيه يا عمي؟
نظر له بشك وعلم أنه لن يخبره، فلم يسأل أكثر وقرر أن يسأل سلوى لاحقًا، ثم أجاب: بيقول ضغط نفسي، وياريت نحاول نخفف من عليها أي ضغط.
آسر: طيب هينفع تروح معانا؟
عادل: اه، هو كتبلها أدوية، خد أصرفها من الصيدلية، وخد الفيزا ادفع حساب المستشفى.
ذهب آسر ثم سألها عادل على الفور: فيه إيه حصل؟
سلوى بحزن: بيقولي موضوع الديسكو إتعرف في الكلية، وأصحابها بدأو يبعدو عنها، وده تقريبًا سبب إن زياد مش عايز يكمل الجوازة.
تنهد عادل بثقل، وكأن الهواء يأبى أن يغادر صدره، ثم قال: البت ضيعت نفسها، أنا اللي قاهرني إني كنت بحلف بتربيتها، بقول مفيش حد زي بنتي أبدًا، طلعت مغفلاني يا سلوى.
سلوى: لسه صغيرة يا حبيبي وبتتعلم، بكرة تعقل ولما تلاقينا جنبها أسرة واحدة مش هتغلط تاني.
عادل: ياريتني إتجوزتك بدري عن كده، كنت فاكر إني بعمل الصح عشانها طلعت بضيعها وأنا مش حاسس.
ثم التفت ودلف إلى الغرفة، ولحقت به سلوى سريعًا.
كانت تجلس شاردة، الحزن جالي على وجهها، تُعاقب بذنبه هو، تخسر كل شيء، ولا تريد حتى الدفاع عن نفسها، وكأنها ترى أن ما يحدث سوف يكشف أمامها من يستحق أن يكون بجوارها ومن لا يستحق.
جلس عادل بجوارها وحاول أن يسيطر على غضبه وقال: مالك يا أنين؟
أنين: مفيش حاجة يا بابا.
عادل: ليه الدكتور بيقول إن عندك ضغط نفسي طالما مفيش حاجة؟ فيه حاجة مخبياها عليا؟
نظرت إلى سلوى التى أومأت لها بالرفض حتى لا تخبره بشيء، فقالت: لا مش مخبية حاجة.
زفر عادل وقال: لآخر مرة هسألك.
أنين: مفيش حاجة، هو بس ضغط الدراسة اليومين دول مش أكتر.
سلوى: خلاص يا عادل مش وقته، الدكتور قال بلاش ضغط عليها، سيبها أنا هتكلم معاها.
عادل بانفعال: لا مش هخرج، ما هو مش هبقى عارف إنها بتكدب واسكت.
أنين: كدبت في إيه بس؟
عادل: عشان أنا عرفت إنتي متضايقة ليه، عشان صاحبتك بعدت عنك، ويا ترى بعدت عنك ليه بقى! ممكن أعرف.
ارتبكت أنين ولم تجيب، علمت أن آسر قد أخبره بالتأكيد بما حدث، والآن بات الأمر واضحًا، آسر يفعل كل شيء ليوقع بينها وبين والدها فقط ليحفظ مكانه بجواره ويصبح أهل لثقته.
أجابت أنين: عادي يا بابا، خناقة في الجامعة مع صاحبتي، أكيد مش هاجي اشتكيلك من كل حاجة، أنا مبقتش صغيرة وهعرف أحل مشاكلي بنفسي.
وقف عادل وقال: تمام، أما نشوف حضرتك هتحلي مشاكلك إزاي.
خرج عادل من الغرفة وجلست سلوى بجوارها، ثم ربتت على ساقها وقالت: متزعليش يا حبيبتي، اللي يبعد عنك هو الخسران.
أنين بضيق: بصراحة يا طنط ابنك زودها على الآخر، ليه يروح يقوله أصلًا، وأكيد قاله السبب، أكيد قاله كل حاجة من وجهة نظره طبعًا.
سلوى: إيه وجهة نظره؟!
أنين: إبقي إسأليه، يمكن تعرفي ترجعيله عقله ده. وقوليله ملكش دعوى بيا.
سلوى: خلاص طيب، أنا هكلمه بس إنتي إهدي، كفاية عصبية لحد ما تخفي، أنا هخرج أشوف عادل أهديه.
خرجت سلوى من الغرفة واقتربت من عادل وقالت بحزن مصطنع: البنت مش فارق معاها أي حاجة، بتقولي اللي تزعل وتبعد عني تغور، هما الخسرانين، أول مرة أعرف إنها بالغرور ده، واضح إن الموضوع محتاج وقت طويل عشان يتحل، والضغط والعصبية مش هيحلو حاجة، ممكن لو سمحت متتكلمش معاها خالص وسيبلي الحوار ده، أنا هتصرف معاها.
عادل: مش قادر أقف أتفرج عليها وهي بتدمر حياتها واسكت.
سلوى: ومين قال إنك ساكت، مش إنت متابعها، وأنا بتكلم معاها، وآسر معاها في كل حتة، يعني مش ساكت، بس كل حاجة بتتحسب بالعقل، هتسيبني أتعامل معاها ولا أبعد وتتصرف إنت مع بنتك.
عادل: لأ... خلاص مش هتدخل.
سلوى: ولا تزعق معاها وتعمل مشكلة تاني، ماشي.
أومأ لها عادل بصمت. عاد آسر وهو يحمل الأدوية وقال: خلاص يا عمي، نقدر نمشي.
سلوى: أنا هدخل أجيبها عشان نمشي.
دخلت سلوى الغرفة وبعد وقت خرجت معها، نظرت أنين إلى آسر بضيق، يبدو أنها غاضبة منه للغاية، تعجب آسر أولًا ولكن فكر أن كل ذلك بسبب تلك المشاجرة مع صديق زياد.
ثم عادو جميعًا إلى المنزل، وبعد أن دخلو جميعًا قال عادل: أنا لازم ارجع الفندق، عندي شغل كتير، خليكي إنتي هنا يا سلوى.
أومأت له وغادر المنزل، ثم صعدت أنين إلى غرفتها ولحق بها آسر كي يعطيها الأدوية، وسلوى تتابعهما من بعيد، لقد تمت مهمتها بنجاح، أبعدت عادل عنها كي لا يعرف حقيقة ما حدث، وأبعدت الشك عنها بعد ظن أنين بأن آسر هو من يوشي بأخبارها إلى عادل.
صعدت أنين غرفتها ولكنها تفاجأت أن آسر يدخل الغرفة خلفها، ووضع الأدوية على الطاولة، ثم أخذ يخرج علب الدواء ويخبرها بمواعيد الأدوية، وأنين تراقب تصرفاته بضيق، ثم رفع عينيه بعد أن انتهى من شرح مواعيد الأدوية وقال: وكل علبة مكتوب عليها المعاد بتاع الدوا، والدكتور نبه الراحة والبعد عن أي ضغط.
لاحظ نظراتها له فقال متعجبًا: بتبصيلي كده ليه؟
أنين: أنا مشفتش في بجاحتك، أنا نفسي أعرف إنت بتعمل كده ليه وإزاي؟ إنت من ساعة ما ظهرت في حياتي وأنا بخسر كل حاجة، كأنك جي تخرب حياتي كلها وتمشي.
آسر بضيق: كل ده عشان زياد بعد عنك، ولا عشان صاحبه منع خطيبته تكلمك؟ على فكرة كل ده مش ذنبي، ده بسبب عمايلك المنيلة، إنتي بس متضايقة مني عشان واقف في طريقك لا عارفة تخرجي ولا عارفة تقعدي مع حد، وريحي نفسك أنا على قلبك لحد ما تتعلمي الأدب.
أنين: وإنت مين أصلًا عشان تعلمني الأدب؟! حد عينك واصي عليا؟
آسر: اه، عمي عادل حطك تحت مسئوليتي، ومش هسيبك تعملي أي غلطة تاني، أظن كفاية اللي خسرتيه وفكري في نفسك شوية، إعقلي بقى وبطلي كدب وانتبهي لدراستك عشان خاطر أبوكي على الأقل، الراجل مش مخليكي محتاجة حاجة، إحمدي ربنا إن عندك أب زيه، وهو ميستحقش منك اللي بتعمليه ده.
أنين: عشان كده كل حاجة بتروح تقولهاله، كل ده عشان تكسبه في صفك، ولا عشان فرحان إن بقى ليك أب عايز تبعدني عنه ويبقى ليك لوحدك، لا يا أستاذ؛ هو بابايا أنا مش إنت، ومش هسمحلك تبوظ العلاقة بيني وبينه أكتر من كده عشان خاطر مصلحتك، فوق؛ إنت أبوك مات وبابا مش هيبقى بداله أبدًا.
نظر لها بحزن، لأول مرة لم يستطع أن يتفوه بكلمة أمام أحد، ولكن حديثها كان أسوء ما سمعه بحياته، فقال بصوت مكسور: لأ متقلقيش، أنا عارف إن أبويا ميت ومليش أب غيره، ربنا يخليلك عمي عادل، وأوعدك آخر مرة هتدخل في حياتك تاني.
خرج من الغرفة تحت نظراتها الحزينة، استوعبت ما قالته له، لم تشعر بما تقوله له وأنها جرحته بحديثها هذا دون شعور، جلست على الفراش ونظرت أمامها بضيق، ثم قالت لنفسها: يعني كمان هزعل على زعله وهو عمال يأذيني بس من ساعة ما عرفته، هو يستاهل بقى.
ثم نظرت إلى الأدوية وتذكرت وهو يخبرها بالمواعيد بعناية واهتمام، فتنهدت بضيق ونامت على الفراش ودثرت نفسها تحت الغطاء، فالنوم هو ملجأ هروبها الآن.
نزل آسر إلى الطابق السفلي واقترب من سلوى وقال: هو إنتي قولتي لعمي عادل حاجة؟
سلوى: قولتله عشان يفهم بنته حصل فيها كده ليه، وبعدين هو سمع اسم زياد وإحنا بنتكلم، فا أكيد سأل عشان يفهم.
آسر: وليه مهتم بزياد؟
سلوى: عشان عرف الصبح إن زياد صرف نظر عن الجوازة، فمكنش فاهم السبب بالظبط، فأنا قولتله إن تقريبًا إتخانقو وصاحبه زعل عشانه فا منع خطيبته تكلمها، بس.
تنهد آسر وقال: ممكن يا ماما متقوليش أي حاجة تخص أنين تاني لعمي عادل، عشان هي دلوقتي فاكرة إني بقول كل حاجة عنها وبفتن عليها، وأنا مش هينفع أقولها إنك إنتي اللي قولتي عشان متزعلش منك، إنتي لسه متجوزة أبوها ومش عايزها تحس إنك بتاخديه منها.
تنهدت سلوى وقالت: اه معاك حق، أنا مفكرتش كده خالص، إنت عارف إن ديه مش نيتي يعني.
آسر: عارف يا حبيبتي طبعًا، بس خلي بالك بعد كده، وأنا هعرف أراضيها. هو عمي عادل عمل إيه لما عرف؟
سلوى: هو شد معاها شوية بس، لكن أنا هديته يعني، ومتقلقش أنا هتصرف معاه.
آسر: طيب ممكن تطلعي تديها الدوا.
صعدت سلوى، وجلس آسر بالبهو وأخذ يفكر؛ إذن كان يريد الزواج منها، ولكن لم فعلت ذلك؟ وإن كانت لا تريده فلماذا تبدو حزينة؟! هل بسبب صديقتها أم بسببه هو؟
لم يجد إجابة لتلك الأسئلة التي تدور برأسه.
___________________
حل المساء، وذهب حازم إلى الملهى الليلي وجلس على البار، ثم اتصل بصافي وطلب منها أن تقابله، فأخبرته أنا في الطريق إلى الملهى، أنهى المكالمة وتحدث مع النادل وقال: عايزك تجهزلي عصير جديد، كوكتيل كده مشفتش قبله، بس زودلي فيه شوية ويسكي، تمام.
أومأ له النادل وقال: هعملك عصير مشربتش ولا هتشرب زيه.
ابتسم حازم، وظل يتابعه وهو يعد العصير، وحين قدمه له تذوقه وأعجب به كثيرًا، ثم أخرج حبة دواء من معطفه ووضعها داخل العصير، ثم ابتسم بمكر وقال: النهاردة هتوافقي يعني هتوافقي يا صافي.
عاد عادل إلى المنزل، فوجد سلوى تنتظره بالأسفل، وآسر وأنين كلًا منهما داخل غرفته، فجلس وقال: أنين عاملة إيه؟
سلوى: نايمة، الظاهر الأدوية بتنيمها، ياريت تكلم خالد وتقوله إنها تعبانة ومش هتقدر تيجي الجامعة عشان الدكاترا وكده.
عادل: هو أصلًا كلمني عشان يطمن عليها، زياد اللي قاله، أنا صعبان عليا إن الواد ده راح من إيديها، يا خسارة يا أنين.
سلوى: يعني مفيش غيره، بكرة تتجوز واحد أحسن منه، هي أنين وحشة ولا قليلة، كفاية إنها بنتك.
عادل: خايف تقل من نفسها ومني أكتر من كده، اسمعي؛ البت ديه متخرجش برا البيت لوحدها أبدًا، فاهمة.
سلوى: متقلقش، أنين في عينيا.
عادل: هطلع اطمن عليها وبعدين هنام.
سلوى بحزن: مش هتاكل؟
عادل: مليش نفس.
صعد إلى غرفة أنين، وجدها نائمة بعمق، يبدو على وجهها الحزن، رق قلبه الغاضب من هيئتها الحزينة المجهدة، فربت على رأسها بحنان، وظل يطالعها وهي نائمة.
وصلت صافي إلى الملهى وبحثت عن حازم، وحين اقتربت منه ابتسمت له وقالت: حزوم حبيبي.
حازم بإعجاب: قمر بجد، كل مرة بتبقي أحلى من اللي قبلها، براحة عليا شوية.
صافي: بس بقى، بطل كلامك ده.
حازم: بصي بقى العصير ده، تحفة، عملهولي مخصوص.
صافي: مفيهوش كحول صح؟
حازم: عيب عليكي، كله فريش.
أخذت صافي منه الكوب وطلب من النادل أن يصنع واحد جديد له.
شربت صافي العصير، وبعد وقت بدأت تشعر بدوار في رأسها، وطلبت من حازم أن تغادر، فأخبرها أنه سيقود السيارة خوفًا عليها.
في الطريق، غفت صافي بجواره، فتوجه حازم إلى منزله، ثم حملها وهي نصف واعية، وعندما صعد إلى منزله دخل بها إلى غرفة النوم، ثم وضعها على الفراش، نظرت حولها تجاهد أن تفتح عينيها، ثم قالت بصوت ناعس: أنا فين؟!
حازم: معايا يا حبيبتي.
ثم حاول أن يقترب منها، ولكن دفعته بوهن وقالت: لأ يا حازم، لما نتجوز.
فالتفت نحو الكومود، وأخرج عقد زواج عرفي وقال: ما أحنا إتجوزنا، ناقص إمضتك بس.
وضع القلم بيدها، وأسندها كي تجلس وتوقع العقد، وحين وقعته أخذ الورقة ووضعها بجواره، ثم اقترب منها لتصبح زوجته.
كلنا نختار طريقنا بأنفسنا، صافي من اختارت ذلك الطريق، وما فعلته مع أنين كان كفايًا أن يجعلها الآن تدفع الثمن.
رواية قلبي عدوك الفصل الخامس 5 - بقلم رباب حسين
ن
استفاقت ببطء، ثقلٌ غريب يطبق على رأسها... جسدها وكأنه لم يعد ملكها، أنفاسها متقطعة وعيناها تُفتحان بصعوبة، تتشبثان بأي ملامح مألوفة حولها، فلم تجد سوى السكون.
صمتٌ مخيف يحيط بها ليس كهدوءٍ مريح بل كهدوء ما بعد العاصفة حين يكون كل شيء قد تحطم بالفعل.
حاولت أن تعتدل فارتجف جسدها، ومرّ شعورٌ بارد في عروقها كأنها تستوعب أو تحاول ألا تستوعب.
نظرت حولها ببطء؛ غرفة لا تشبهها تفاصيل غريبة ورائحة تختنق بها روحها قبل أنفاسها. اتسعت عيناها فجأة وبدأ قلبها يخفق بعنف كأن صدرها لم يعد يتسع له.
شيءٌ ما ليس صحيحًا، شيءٌ ما انكسر ولا يمكن إصلاحه. حاولت أن تتذكر..
البار.. الضحك... الكوب.. ثم، هنا وتذكرت ما حدث، فظهرت الصدمة على وجهها، وظلت تنظر إلى الفراغ الذي يحيط بها، فراغٌ مرعب يبتلع كل شيء بعده، حاولت أن تنهض ووضعت يدها على رأسها بألم، ثم على صدرها كأنها تبحث عن نفسها، عن أي جزء منها لا يزال كما كان. لكن الحقيقة تسللت إليها ببطءٍ قاتل حين لمست جسدها العاري تحت الغطاء، فشعرت وكأنها تُسحب من قاع بحرٍ مظلم إلى سطحٍ لا ترغب في الوصول إليه، سطح الحقيقة التي لا يمكن الهروب منها... فقدت كل شيء.
انسابت دمعة ثقيلة من عينيها، وهي تهمس بصوتٍ مكسور: "أنا... عملت إيه... ؟"
وحينها وجدت الباب يُفتح ودلف حازم بابتسامة هادئة وقال: صباح الخير يا عروسة.
نظرت له بصدمة وقالت: هو أنت عملت إيه؟
جلس حازم بجوارها بهدوء، ثم وضع يده على وجهها وقال: مالك حبيبتي، مخضوضة كده ليه؟ معملتش حاجة خالص، إنتي مراتي دلوقتي ومفيش حاجة تخوفك.
نظرت له بعدم استيعاب، تشعر أنها بكابوس وكأنها تنتظر أن تستيقظ من نومها، فبدأت تضرب رأسها وتقول بصدمة: لأ... لأ ده مش حقيقي، أنا بحلم أكيد.
حازم: أنا اللي حلمي اتحقق إمبارح لما بقيتي ملكي، إنتي عارفة إني بحبك ومش عايز حد ياخدك مني، وعملت كده عشان اطمن إنك تبقي معايا على طول، وبعدين إحنا متجوزين والورقة أهيه عندك، معملتش حاجة ولا لمستك غير لما خليتك مراتي الأول، يعني لو كان في نيتي حاجة وحشة مكنتش كتبت الورقة ديه بيني وبينك عشان معملش حاجة غلط، وبعدين متقلقيش يا روحي أول ما نتخرج واشتغل هاجي اتقدملك على طول.
صافي ببكاء: كان لازم نستنى يا حازم، لكن اللي حصل ده غلط، إنت ضحكت عليا وكنت قاصد تعمل كده، ودلوقتي مبقاش عندي حلول، ليه عملت فيا كده؟!
ضمها بين ذراعيه وقال: متخافيش أنا مش هتخلى عنك ولا هسيبك، أنا أصلًا عملت كل ده عشان تبقي ملكي ومحدش ياخدك مني، إنتي بعيد عليا أوي يا صافي، أنا مليش حد ومش معايا فلوس زيك، كل شغلي مع آسر وبصرف على نفسي، خفت تبعدي عني وتسيبيني، وبعدين إنتي مش قولتي إنك بتحبيني، ليه زعلانة كده من اللي حصل بينا، ولا إنتي مش عايزاني وكنتي بتلعبي وبتتسلي بيا.
صافي: لا بحبك، بس مكنش ينفع ده يحصل.
حازم: مينفعش لو أنا مش عايزك أو بتسلى بيكي، لكن أنا عايزك وبحبك وهفضل جنبك، بس إنتي خليكي معايا.
هدأت، صدقت الوعود والحديث المعسول، تُرى... هل هو صادق أم هناك نوايا أخرى هي ما دفعته ليفعل ذلك.
كانت تعرف في أعماقها أن هناك خطأ لكن الخوف أجبرها أن تصدق.
____________
في منزل عادل، يجلس على الطاولة بجوار سلوى ثم انضم إليهما آسر، نظر إلى مقعدها الفارغ بحزن، بالرغم من شعوره بالغضب مما قالت له بالأمس إلا أن حزنه تغلب على ذلك الغضب، ولايزال السؤال يطرق داخل عقله، ما السبب في حالتها؟! وعندما يخبره عقله بالأجابة الوحيدة التي تفسر ذلك؛ وهي أنها تحبه، يرفض تصديق ذلك السبب، يقنع نفسها بأنها لم تحب من قبل، قلبها لم يتأثر مثل أفكارها، ومازال قلبها بكر لم يعرف للحب طريق.
قاطع تفكيره صوت عادل وهو يقول: إنت رايح الكلية؟
آسر: اه يا عمي وهجيب المحاضرات لأنين عشان ميفوتهاش حاجة في الدراسة.
عادل: طيب خد عربية أنين، بلاش مواصلات، لحد ما ننزل أنا وإنت نشتري عربية ليك.
آسر: لأ... مش عايز عربية، معلش يا عمي بلاش.
عادل: يعني نبقى كلنا معانا عربيات وإنت لأ؟! وبعدين مش أنا قولتلك أعتبرني زي أبوك.
آسر: وأنا فعلًا بعتبر حضرتك كده، بس عايز أجيب عربيتي بفلوسي، معلش سامحني.
عادل: طيب بص، هدفعلك مقدم وإنت تقسط الباقي، اعتبرها هدية مني، ومن غير رفض عشان مزعلش منك.
سلوى: خلاص يا آسر بقى، عمك متضايق متتعبوش زيادة.
آسر: حاضر، ومتخافش على أنين، بكرة ترجع زي الأول وأحسن كمان.
عادل: إن شاء الله، يلا يا سلوى عشان عندنا شغل كتير.
سلوى: حاضر، صحيح يا آسر متنساش حفلة تأسيس الفندق بكرة، لو هتعزم حد من صحابك ولا حاجة.
آسر: ماشي هعزمهم، إن شاء الله دايمًا في نجاح يا عمي.
ربت على كتفه بابتسامة وغادر المنزل ومعه سلوى، ثم ذهب آسر إلى المطبخ ووصى الخدم بمراعاة أنين حتى يعودو، وأن يعطوها الدواء في الميعاد.
في الجامعة، صف آسر السيارة، وعندما ترجل منها تفاجأ بوقوف زياد بجواره، ثم نظر زياد داخل السيارة يتفقدها، وقال بتعجب: هي أنين مجتش؟!
آسر: بتسأل عليها ليه؟
زياد: هي فين؟ وإزاي معاك عربيتها وهي مش موجودة معاك؟
آسر: عادي، خدتها منها النهاردة.
زياد بتعجب: أيوة إزاي يعني؟!
آسر: هو إنت متعرفش إننا عايشين مع بعض ولا إيه؟!
نظر له زياد بصدمة ولم يتحدث، ثم قاطع حديثهما سالي التي اقتربت منه وجذبته من ذراعه وقالت: زياد حبيبي، صباح الخير.
لاحظت شروده فنظرت له بدهشة وقالت: مالك يا حبيبي إنت كويس؟!
تركهما آسر وذهب إلى المدرج ليحضر المحاضرة، وبعد وقت لحق به زياد ويزن، كان زياد يرمقه بنظرات غاضبة، وحاول يزن أن يعرف سر غضبه ولكنه لم يخبر أحد بشيء، عقله يرفض ما سمعه منه الآن، أيعقل أن أنين قد تفعل ذلك؟! هل تزوجته بالسر؟ كيف يعيش معها؟!
انتهت المحاضرة وخرج آسر على الفور حتى يشتري قهوة قبل ميعاد المحاضرة التالية، ثم أخذ يتحول داخل الكلية، لاحظ أن صافي لم تحضر اليوم، فجلس على أحد المقاعد واتصل بحازم كي يخبره بأمر الحفل بالغد، ووافق حازم على الحضور، ثم التفت إلى صافي وقال: إنتي هتيجي الحفلة بكرة؟
كانت صافي تتفقد هاتفها بتوتر وقالت: اه، بابي أكيد رايح وهروح معاه.
حازم: قلقانة كده ليه؟!
صافي: مامي بتسألني إنتي فين، قولتلها إن روحت متأخر ونزلت بدري علشان الكلية، خايفة متصدقنيش.
حازم: طيب ردت عليكي؟!
تفاجأت صافي برسالة منها تقول:"أنا قولت اطمن عليكي عشان إمبارح كنت سهرانة برا ورجعت نمت محستش بأي حاجة."
فقالت صافي: لأ صدقت، أصلًا هي مش بتدقق معايا، بس أنا أول مرة أبات برا فقلقت.
حازم: وباباكي فين؟!
صافي: بابي المفروض يرجع النهاردة بليل من برا، فا مش في البيت يعني.
حازم: طيب خلاص يعني أمان، المهم هنروح الحفلة بكرة سوا، وبما إن بقى مفيش كلية النهاردة ليا وليكي؛ فا خلينا نخرج سوا ونقضي اليوم مع بعض.
صافي بسعادة: يلا بينا.
أنهى آسر قهوته ونهض ليعود إلى المدرج، وحين اقترب من المبنى سمع صوت مرتفع يأتي من الخلف، التفت ليرى ماذا يحدث فوجد زياد يتحدث مع يزن وشاب آخر لا يعرفه، وكان زياد يبدو عليه الغضب كثيرًا، فاقترب منهم حتى سمع الكلام بوضوح.
زياد: عشان قبل كده قولتلك كلهم زي بعض مصدقتنيش.
يزن: يا ابني مش كل البنات كده.
زياد: إنت بتقول كده عشان ماهي خطيبتك بس، أصلًا إنت اللي مسيطر عليها، يعني لو مكنتش إنت موجود كان زمانها رايحة مع صافي وأنين عادي.
يزن: أنا عارف الوضع اللي إنت فيه عشان كده مش هحاسبك على اللي إنت بتقوله، لكن أنا كل اللي بعترض عليه حاليًا إنك مع سالي، مش ديه يا زياد اللي تبقى معاها في الآخر.
زياد: طالما كلهم زي بعض مش فارقة، على الأقل ديه زي الخاتم في صباعي، مهما أعمل مش بتعترض، وبتترعب لما تحس إني هسيبها.
ثم تحدث صديقهما الثالث وقال(محمود) بابتسامة: المهم إني كسبت الرهان، وأنين طلعت شمال زي ما قلت، هات بقى الفلوس.
أخرج زياد الأموال من جيبه ووضعها بيد محمود وقال: كسبت للأسف.
فتح آسر عينيه بصدمة، هل كان يفعل ذلك فقط لكسب الرهان؟! نظر له باشمئزاز، وعلى الرغم من تعجبه لرفض أنين له ولكن الآن يحمد الله على أنها رفضته.
كان هذا بداية إنهيار الكذبة أمامه وعلم الآن أن زياد ليس كما يبدو عليه.
انتهى اليوم الدراسي وعاد آسر إلى المنزل، وحين دخل سأل عن أنين على الفور، وأخبرته الخادمة أنها لا تزال بغرفتها، صعد إلى الطابق العلوي وطرق باب غرفتها، فتحت أنين الباب وارتبكت حين رأته أمامها، فقالت: فيه حاجة؟!
آسر بحزن: خدي المحاضرات ديه، ذاكريها عشان متتأخريش عن الدراسة، ولو محتاجة حاجة قوليلي وأنا هشرحها.
أخذت الدفتر من يده وقالت بخجل: شكرًا.
آسر: على فكرة، كان معاكي حق ترفضيه، بس... يعني ديه الحاجة الوحيدة اللي صح في الموضوع، بس حبيت أقولك كده يعني.
أنين بتردد: هو... عمل حاجة؟
آسر: مش مهم، متشغليش بالك بيه تاني، واه صح، الحفلة بكرة، عارفة لو لبستي فستان قصير ولا مكشوف مش هتخرجي من البيت، كل زمايلنا جاين ومش عايز استهبال، فاهمة؟
أنين: هو أنت مش قلت مش هتدخل تاني؟!
آسر: إلا اللبس، ده مفيهوش نقاش عندي، اللي أقوله يتسمع.
تركها وذهب، زفرت بضيق من حديثه فهو لايزال يراها بصورة سيئة، وبعد أن بدأت تتعاطف معه أعادها إلى النفور منه مرة أخرى.
في المساء، كان حازم يقود سيارة صافي عائدًا إلى منزله، فنظرت صافي حولها وقالت: لأ... ده مش طريق البيت.
حازم: ده طريق بيتنا.
صافي: بيتنا ده لما نبقى متجوزين قدام الناس، لكن النهاردة لازم أروح بدري، مش عايزة ماما تشك في حاجة وكمان بابا هيرجع النهاردة لازم استقبله.
زفر حازم وقال: بس أنا مش عاجبني الوضع كده، إحنا لسه عرسان، معقولة اليوم الحلو ده يخلص وكل واحد لوحده؟!
صافي: معلش، نعوضها يوم تاني.
حازم: بكرة الحفلة وهتروحي معاهم برده، طيب أقعدي معايا ساعة وأمشي.
نظرت صافي إلى ساعتها وقالت: طيب ساعة واحدة، وأنا هبعت لماما أقولها إني رايحة لأنين عشان تعبانة، وهتصل بأنين أقولها لو ماما اتصلت تقولها إني عندها.
أومأ لها حازم واتصلت صافي بأنين التي كانت تجلس بجوارهم على طاولة الطعام، تحولت أنظار آسر وعادل إلى هاتفها على الفور، فتلقت أنين المكالمة وقالت: أيوه يا صافي.
رفع آسر عينيه بضيق، ورمق عادل سلوى نظرة تحذيرية كي تنتبه.
أنين: تاني يا صافي؟! ماشي، بس آخر مرة بجد، خلاص روحي، باي.
أنهت المكالمة ونظر لها عادل بشك وقال: مالها صافي؟
أنين بتوتر: ها... لأ بتقولي على حاجة كده في الكلية.
آسر: حاجة إيه؟
نظرت له بضيق وقالت: حاجة حصلت في المحاضرة يعني، الدكتور طلب حاجة منهم وهي عايزاني أعملها أنا.
نظر لها آسر بضيق، فهو يعلم أن صافي لم تأتي لجامعتها اليوم ولكن لم يتحدث.
عادل: خليها تعمل حاجتها بنفسها، وإنت يا آسر، بكرة بعد الكلية تروح تختار العربية من المعرض ده.
ثم وضع أمامه بطاقة تعريف، وأردف: شوف العربية اللي تعجبك وخدها وأمشي، وأنا هتصرف معاهم بطريقتي.
آسر بابتسامة: شكرًا يا عمي، مش عارف أقولك إيه.
ربت عادل على كتفه بابتسامة.
بعد إن انتهو من الطعام صعدت أنين إلى غرفتها ولحق بها آسر، طرق الباب وفتحت أنين له، فقال: صافي كانت عايزة إيه؟
أنين: ما قلت.
آسر: صافي مجتش الكلية النهاردة، ومفيش دكتور طلب مننا حاجة نعملها، قولي بقى الحقيقة وكفاية كدب.
أنين: وجي تسأل ليه؟ ما تروح تقول لبابا عشان توقع بينا أكتر وتكسبه أكتر، يمكن المرة ديه يشتريلك المعرض كله.
نظر لها بخجل وقال: مش محتاج أعمل ده، بس لتاني مرة شكرًا على كلامك ليا، ولو فاكرة إن طريقتك ديه هتخليني أبعد ومسألش عن كل حاجة تخصك تبقي غلطانة.
أنين: لا بس إنت وقفت قلت عربيتي هشتريها بفلوسي ومعنديش بابي يجبهالي، بقى عندك أهوه.
زفر آسر وقال بحدة: انطقي صافي كانت عايزة إيه؟!
أنين: خارجة مع حازم وعايزاني أغطي عليها، خلاص ارتاحت؟
عقد آسر حاجبيه ثم عاد النظر إليها وقال: أنصحك بطلي تداري عليها، إنتي كده بتساعديها على الغلط أكتر، ولا بنصح مين أنا؟! هو فعلًا الأحسن إنك سبتي زياد وهو ربنا نجده منك.
تركها وذهب تنظر إلى أثره، ثم أغلقت الباب بعنف.
أما عادل فكان يجلس بالبهو ويشرب القهوة مع سلوى ثم قال: البت صافي ديه مش مريحاني، وكذا مرة أقول كده لأنين وهي تقولي معلش يا بابا بتغلط بس هترجع عن الغلط في يوم من الأيام، اكتشفت إن بنتي زيها.
سلوى: الصراحة يعني، صافي ضايعة بسبب بعد أبوها وأمها عنها، بس أنين لازم تقطع علاقتها بيها.
عادل: وده هيحصل إزاي وهما في كلية واحدة؟
سلوى: سيبها عليا ديه بقى، أنا هعرف أبعدهم عن بعض.
_________________
باليوم التالي، وقد حل المساء وبدأ الجميع بالاستعداد إلى الحفل، كان الحفل ضخم للغاية فهو العيد السنوي لافتتاح سلسلة الفنادق التي يملكها عادل، والتي ستصبح ملك إلى أنين يومًا ما.
كان عادل وسلوى بالفندق منذ الصباح، أما أنين فاستعدت وذهبت بسيارتها إلى هناك، وحين صفت سيارتها وترجلت منها، التفتت خلفها لتجد آسر يترجل من سيارته الجديدة، خطف أنظار من حوله بالكامل، حتى هي فأسر عينيها بطلته القوية والفريدة، وقبل أن تتحول نظرتها إلى أعجاب التفتت لتدخل إلى الفندق غير عابئة بوجوده، فصاح باسمها عاليًا كي تتوقف، فالتفتت له بضيق وقالت: نعم.
آسر: مش شيفاني؟! استني ندخل سوا.
اقترب منها ودخلا معًا، تحت نظرات زياد الذي اقترب بسيارته للتو، فتعجب من جراءتهما، فماذا ستخبر والدها بشأن علاقتها به؟ ثم تذكر ما قاله آسر بشأن إقامتهما سويًا، قشعر بالغضب مرة أخرى وترجل من سيارته، ولحق به خالد وقال: مالك متعصب كده ليه؟
زياد: مش عارف الواد آسر ده طلع منين بجد؟ ولازق لأنين على طول بشكل مستفز.
ضحك خالد وقال: إهدى مفيش حاجة، اللي عرفته إن آسر يبقى ابن سلوى مرات عادل، يعني هما دلوقتي في حكم الأخوات.
نظر له زياد بصدمة، وبدأ يفهم ما حدث بينهما منذ أن ظهرت معه، فهي كانت معه في البار، ولهذا يبقى معاها دائمًا ويعيش معها في منزل واحد.
قاطع شروده صوت سالي التي اقتربت منه وقالت: زياد.
نظر لها زياد وتعلقت بذراعه تحت نظرات خالد، فنظر لها وعقد حاجبيه، ثم نظر إلى زياد الذي بدأ يتهرب من نظراته، فقال خالد بضيق: هدخل وحصلني.
ذهب خالد ومعه زوجته حنان وابنته تالين، ثم جذب زياد سالي بقوة من ذراعها لتتبعه، تألمت من يده وتعجبت من اندفاعه، وحين دخل الفندق رأته سلوى وهو يبدو عليه الغضب، لذا اقتربت منهما بحذر لتسمع ما يقول.
ابتعد زياد عن الأنظار قليلًا وقال: إنتي عارفة إن آسر يبقى ابن سلوى مرات عمي عادل؟
سالي بألم: لأ معرفش، فيه إيه يا زياد؟!
زياد: فيه إن لو أنين راحت هناك معاه يبقى وجودها هناك مبرر، مش زي ما أنتي فهمتيني إنها بتسهر هناك على طول، وبعدين منطقي إنه يدافع عنها وكده أنا اللي غلطان مش هو، ده غير إن لو أنين بتروح الأماكن ديه من ورا أبوها زي ما قولتي فا إزاي رايحة مع آسر هناك وهو ممكن يقوله عادي جدًا؟
ارتبكت سالي وقالت: معرفش، أنا قلت اللي شفته.
زياد: يعني هي كانت بتروح هناك قبل كده من غير آسر ده ولا لأ؟
سالي: اه، مكنتش بتروح معاه، إهدى بس وافتكر هو قالك إيه وقتها، قالك إنها جاية تشوف حد غيرك، ده مش كلام واحد عن واحدة محترمة وتخصه زي ما قلت.
صمت زياد يفكر، حديثها يبدو منطقيًا ولكن هناك حلقة مفقودة، كل هذا تحت مسمع من سلوى، فنظر زياد إلى سالي وقال: متقربيش مني قدام بابا، مش عايز مشاكل معاه.
سالي بحزن: مش عايزني أظهر معاك، مستعر مني يا زياد؟
زياد: بقولك إيه اسمعي الكلام بدل ما اقولك متقربيش مني خالص.
تركها وذهب وهي تتابعه بحزن، واختفت سلوى من أمامه حتى لا يراها وحين غادر عادت لتسمع سالي وهي تتحدث عبر الهاتف قائلة: إنتي فين يا صافي؟
_ طيب بسرعة عشان عايزاكي، زياد بدأ يشك في حوار أنين ده، أنا مرعوبة يعرف حاجة، ساعتها هيبعد عني تاني وأنا ما صدقت.
_ طيب هستناكي، متتأخريش، لازم نشوف حل نخليه يفضل مقتنع إنها شمال.
ثم أنهت المكالمة ودلفت إلى داخل الحفل، تحت أنظار سلوى التي عرفت الآن سر ما يحدث، صافي هي من أوقعت أنين أمام زياد، والآن حان وقت أن تنضم إليها صافي حتى تستطيع أن تبعد أنين عن عادل نهائيًا، وتحصل هي وآسر على سلسلة الفنادق.
كيف ستجعل صافي مساعدة لها في تدمير أنين؟
رواية قلبي عدوك الفصل السادس 6 - بقلم رباب حسين
لم يكن يعلم أنه يزرع سم بطيء المفعول في منزله.
سلوى... ليست تلك المرأة الهادئة كما تبدو، ولا الحنونة كما تتقن التمثيل. فخلف ابتسامتها الرقيقة تختبئ حسابات دقيقة، وخلف كلماتها الدافئة نوايا باردة لا ترحم. هي تعرف كيف تقترب... كيف تحتوي... وكيف تُسقط ضحاياها دون أن تترك أثرًا. هي لا تهاجم بل تنتظر اللحظة المناسبة ثم تُحرك خيوطها بهدوء وكأنها لم تفعل شيئًا، واستطاعت بمكرها وصبرها على مدار سنوات أن تصل إلى مبتغاها، والآن بقي خطوة واحدة لتحصل على كل شيء.
بعد أن سمعت ما قالته سالي، لمع برأسها فكرة، ثم ذهبت لتقف بجوار عادل لتستقبل الحضور.
أما زياد فدخل إلى الحفل، وأول من بحث عنه بين الحضور هي أنين، وجدها تقف بجوار آسر فذهب نحوهما وقال: حمد الله على السلامة يا أنين، عاملة إيه دلوقتي؟
تعجبت أنين من حديثه معها ولكن آسر لم يترك لها المجال لكي تجيب فقال: كويسة، شكرًا.
تنهد زياد وقال: هو إنت متضايق مني ليه؟
آسر: عشان المفروض لما تدخل تتكلم مع بنت واقفة مع راجل تسلم على الراجل الأول، ديه أصول يعني، وبعدين ديه مش أول مرة تعملها.
زياد: أول مرة مكنتش أعرفك أصلًا عشان أسلم عليك، وبعدين كنا في ديسكو وأكيد مش هعتمد أصول في مكان زي ده، بس إنت من ساعتها وإنت كلامك رخم عشان كده مش بوجهلك كلام.
أنين بهدوء: وطالما مكان ميمشيش فيه أصول اللي وداك هناك؟
نظرا لها كليهما بتعجب، وقال آسر: وإنتي لو عارفة كده إيه اللي وداكي مكان زي ده؟
أنين: مش من حق أي حد فيكم يحاسبني بروح فين وباجي منين، ومش مضطرة إني أبرر موقفي قدامكم، وياريت يا زياد تروح تقف مع عيلتك وتبعد من هنا عشان مش عايزة مشاكل في الحفلة كمان، أو ممكن تروح تقف مع سالي اللي عمالة تبصلك من بعيد من ساعة ما جيت وقفت هنا.
تناول آسر المقبلات وقال بهدوء: أنا شايف كده برده.
ذهب زياد ووقف بجوار عائلته، ثم اقترب منه خالد وقال: مش عايز أشوف البت ديه جنبك تاني.
زياد: ديه صاحبتي عادي يا بابا.
خالد: ومن إمتى ليك صحاب بنات في الجامعة وبتقف معاهم، وكمان جاية تمسك فيك قدامي، مفيش أدب ولا أخلاق، أنا وافقت على كلامك عن أنين عشان عارف أخلاقها كويس، لكن البنات اللي زي سالي مش هوافق عليها نهائي، فاهم.
ابتسم متهكمًا، فهو يرى أن كل البنات سواء الآن، فقط مجرد أقنعة للشرف.
وبالجهة الأخرى كانت تالين تراقب آسر من بعيد بشغف، هناك فضول ارتسم داخل عقلها منذ وهلته الأولى أمامها، ولاحظ ذلك أمها حنان فقالت: مركزة مع أنين كده ليه؟
تالين: ها... لا مش أنين، هو مين اللي جنبها ده أنا أول مرة أشوفه معاها؟
حنان: معرفوش، بس اشمعنة يعني؟! ما أنتي طول عمرك بتبصي للشباب كلهم بقرف، اشمعنة ده؟
تالين: لا ما أنا قرفانة منهم عادي برده، أصلًا التنس واخد وقتي كله يا ماما ما أنتي عارفة، بس حاسة إني شفته قبل كده، عارفاه من مكان تاني، بس مش فكراه خالص.
أما آسر فكان ينظر نحو الباب منتظر وصول حازم صديقه، ثم نظر نحو أنين التي تنظر أمامها بشرود، وقال: مالك؟
أنين: مفيش حاجة.
آسر: على فكرة أنا بسمع حلو جدًا، وبحب اسمع جدًا، ومستعد في أي وقت تيجي تتكلمي معايا وتحكيلي اللي جواكي، صدقيني مش هتندمي لو جربتي تحكيلي.
أنين: أيوه فعلًا مش هندم، ده أنت أول واحد بيجري يقول لبابا كل حاجة عني مجرد ما يعرفها بس.
آسر: طيب خلاص، جربيني المرة ديه وأنا مش هقول.
تنهدت ولم تتحدث، فأردف: بتحبيه؟!
أنين: مبقاش فارق.
آسر: هو مش فارق فعلًا، بس ليه متضايقة دلوقتي؟
أنين: هو جي يسأل عليا ليه؟ مش خلاص ارتبط بسالي.
آسر: متشغليش بالك بيه.
أنين: ماشي، بس هو عمال يبصلي من ساعة ما جيه وموترني.
نظر آسر نحوه، فأبعد زياد عينيه على الفور، والتفت بالجهة الأخرى، ثم لاحظ نظرات تالين له، فقال: مش ديه تالين خالد لاعبة التنس؟
أنين: اه هي، تعرفها؟
آسر: اه، كان واحد صاحبي حاول يكلمها في النادي قبل كده، كان حوار بجد، واتدخلت أنا وحليت المشكلة ومن وقتها كنا بنسلم على بعض من بعيد كده، بس من ساعة ما بطلت أروح النادي مشفتهاش، بس بصراحة بت بمية راجل.
أنين: أيوه فعلًا، هي أخت زياد، وبنت محترمة جدًا وملهاش في حوارات البنات ديه.
آسر: عقبالك.
زفرت أنين بملل، وقالت: أنا هروح أقف مع بابا أحسن، مش ناقصة حرقة دم.
تركته وذهبت بجوار والدها، وندم آسر على ما تفوه به، فهو يراها جميلة وتثير فضوله، عدا ذلك الإحساس الذي يتخلله كلما رأها، يشعر بإنه لا يريد أن يبتعد عنها، ولكن يظل يفكر أن ذلك فقط بسبب مسئوليته تجاهها.
عاد النظر نحو تالين وابتسم لها، ثم أومأ برأسه ليحيها، فعقدت حاجبيها تحاول أن تتذكر من هو، ثم أومأت له لرد التحية.
وقفت أنين بجوار والدها، فنظر لها وقال: الفستان حلو أوي عليكي.
أنين: شكرًا يا بابا، أظن مفيش حد هيجي تاني، يلا عشان تقول كلمتك ونبدأ الحفلة.
ذهب عادل إلى المنصة ووقف أمام الحضور، وبدأ في إلقاء التحية وكلمة الترحيب بالجميع، ثم قال: طبعًا كل النجاح ده كان ليا فيه شركاء كتير عشان يوصل الفندق للمكانة ديه، أولهم كانت مراتي ليلى الله يرحمها، وتاني حد كان دايمًا بيشجعني ويستحمل بعدي عن البيت أوقات كتير هي بنتي أنين، بس النهاردة حبيت أعلن عن خبر يمكن مش ناس كتير تعرفه، عن أكتر حد وقف جنبي وساندني في شغلي، كانت دايمًا مصدر للقوة في وقت الضعف والثقة اللي عمرها ما بتنتهي، هي مراتي سلوى.
ابتسمت سلوى بسعادة، وبدأ الحضور بالتصفيق إليها، ثم اقتربت من المنصة وصعدت بجوار عادل، وأخرج من معطفه علبة قطيفة بها خاتم ماسي شديد الجمال، ووضعه بيدها وسط تحية الحضور، ثم أردف: حبيت ألبسها الخاتم قدام الناس كلها عشان عملنا فرح صغير كده، وأخيرًا، بحي بنتي حبيبتي وبتمنالها التوفيق يارب، وطبعًا بعلنها وريثة سلسلة الفنادق بالكامل، واتمنى تخلص دراستها وتبدأ تستلم مكانها الطبيعي كمالكة رسمية للمجموعة، ودلوقتي أحب أفتتح الرقص اليوم برقصة خاصة بيني وبين مراتي وحبيبتي سلوى.
مد يده لها وهي تحاول أن تخفي تلك الصدمة التي احتلتها حين أعلن أن أنين هي الوريثة للمجموعة بالكامل، فما كانت تخشى حدوثه قد حدث بالفعل، وهي الآن في خطر محقق.
مدت يدها وأمسكت يده وبدئا الرقص معًا.
ألتحق بهما الحضور في الرقص على أنغام هادئة، وفي تلك اللحظة توجه نظر زياد وآسر نحو أنين التي تشاهد والدها بسعادة، فكل ما يهمها هو راحته، لا تعبأ بميراث ولم تهتم بما قال بشأن العمل، هي فقط تريد أن تراه سعيد.
وفي تلك اللحظة، نبض قلبه لها، كانت جميلة هادئة، ابتسامتها خطفت أنظاره، فاقترب منها بلا وعي، ولكن قاطع ذلك زياد الذي مد يده لها وطلب منها أن ترقص معه، أبدت اعتراضها أولًا ولكن نظر لها عادل وأومأ لها أن توافق، فقد شعر بالسعادة حين رأى زياد يتقرب منها مرة أخرى، وافقت لأجل والدها تحت نظرات آسر الغاضبة.
بدأت تتمايل بين يديه، ينظر إليها داخل عينيها بجراءة، بداخله أسئلة كثيرة، لا يصدق ما رأى تلك الليلة، ويشعر أن هناك شيءً مجهولًا ويرغب بشدة في معرفته.
في هذه الأثناء دخلت صافي ووالدها عاصم الخولي وزوجته نرمين، ولاحظت ما يحدث فنظرت إلى سالي التي تشتعل غضبًا، فلم تتردد وذهبت وجذبتها على الفور لتتحدث معها.
ثم دخل حازم الحفل، وأخذ يشاهد ما يحدث بانبهار.
أما آسر فقد اشتعلت الغيرة بقلبه، لم يتحمل أن يراها بين يديه، وقد لاحظ موافقة عادل على الأمر، لذا ترك المكان على الفور وذهب إلى الخارج بجوار المسبح.
أخذ يتنفس بصعوبة، يحاول أن يهدأ من غضبه، يتحكم بمشاعره التي انهارت فجأة دون سبب، ثم سمع صوت بجواره يقول: أفتكرتك.
نظر إليها فوجدها تالين فقال: ليه هو إنتي كنتي نسياني؟
تالين: أنا قعدت أقول شفتك فين قبل كده لحد ما افتكرت، أصل إنت بقالك كتير مجتش النادي.
آسر: اه حقيقي، من ساعة ما بدأت الشغل وأنا مش فاضي خالص، الدراسة كمان واخدة وقتي، إنتي عاملة إيه؟
تالين: بخير، خرجت ليه من جوا؟
آسر: لا المكان زحمة فا قلت أخرج شوية.
تالين: ولا مش لاقي حد ترقص معاه؟! تيجي نرقص؟
آسر: أكيد.
عاد إلى الداخل وخرجت صافي وسالي التي تحدثت بغضب قائلة: بقولك زياد مش طبيعي، أنا متأكدة إنه بدأ يشك.
صافي: يا بنتي آسر لما كان معانا اليوم ده مكنش لسه أونكل عادل إتجوز، يعني مكنوش يعرفو بعض أصلًا.
سالي: لو كنتي قولتيلي كده من بدري كنت قولتله، أعمل إيه أنا دلوقتي وهو سايبني وبيرقص معاها؟!
صافي: تعالي بس ندخل وقوليله في أول فرصة.
دخلا معًا، ثم وجدت حازم يقف أمام الباب ينظر حول المكان، فاقتربت منه وقالت: حزومي.
نظر إليها وقال: حبيبتي، بدور عليكي.
صافي: كنت برا مع سالي صاحبتي.
في أثناء ذلك، كان زياد ينظر إلى آسر وتالين بتعجب، ثم قال: هي تالين بترقص مع آسر؟! ده حصل إزاي؟
أنين: آسر يعرفها من النادي، لسه حكيلي دلوقتي.
زياد: أنا مش عايز حد يرقص معاها، معلش هروح أخدها منه.
أنين: براحتك.
تركها وذهب نحوهما، ثم جذبها من يدها وقال: تسمحلي أرقص مع أختي؟
نظرت له تالين بضيق، عكس آسر الذي وجد أنين تقف وحدها بساحة الرقص، فقال: أكيد.
ثم ذهب نحو أنين، وقف أمامها بابتسامة لامعة، جعل أنين تلتفت إليه بقوة، هذه المرة لم تتجاهل إعجابها بهيئته، ثم نظر إليها بثقة وقال: تسمحيلي بالرقصة ديه؟
مدت يدها، ولكن انتهت الموسيقى، فتنهض بضيق، ولكن سرعان ما أختفى ذلك الشعور عندما بدأت الموسيقى من جديد، ولكن هذه المرة كانت موسيقى الفالس، فجذب يدها ولكنها أوقفته قائلة: مش بعرف أرقص فالس.
اقترب منها وهو ينظر داخل عينيها وقال بصوت هادر: سيبيلي نفسك، متخافيش.
ظلت تنظر داخل عينيه وهو يجذبها نحو منتصف القاعة، هدأت الأضواء عندما اقتربا منها، وبدأ آسر التحكم بالرقص، كانت تشعر بأنها تطير بين يديه في الهواء وهي كالفراشة تتراقص بين أصابعه، عينيها لما تفارق عينيه، وكأنها تستمد الثقة منه، وقف الجميع يشاهد هذا العرض السينمائي في مشهد لا ينسى، فتلك البريئة كانت كنغمة تنساب على أوتار قلبه، لا تشعر بمن حولها، فقط تراه هو. متناسية كل ما حدث بينهما، أما هو فكان قلبه يعزف معزوفة أخرى، نعم... ديوان عشق حقيقي لا ينتهي.
وزياد يراقب ما يحدث بغضب، حتى اقتربت منه سالي وهمست له: عرفت إنهم يعرفو بعض من زمان؟
زياد: ليه بتقولي كده؟
سالي: عشان سألت صافي وقالتلي إنها كانت واقفة معاه في الكلاب قبل ما أبوها يتجوز، يعني هو عرفها من هناك مش من بعد ما أتجوزو، عشان تبقى تصدقني، بس عمومًا براحتك خليك وراها لحد ما تعرف الحقيقة بنفسك، أنا اللي غلطانة إني حبيتك بجد، وفي الآخر لسه بتفكر فيها وهي زي ما أنت شايف، بص بترقص إزاي معاه، عرفت تعمل ده كله إزاى، فوق بقى من الوهم ده وأعرف إن كان مضحوك عليك.
ثم تركته يشتعل غضبًا، والتفت إليهما بعد أن انتهت الرقصة وقام الجميع بتحيتهما، نظرت أنين إلى آسر وهي تضحك، لأول مرة يرى ضحكتها، ثم قالت: تحفة، أول مرة أرقص كده.
آسر: يليق بيكي تطيري وسط الناس ديه كلها، أجمل فراشة رقصت معاها..
خجلت أنين من كلماته فهربت من أمامه، وهو يطالعها من بعيد، وقف حازم أمامه وقال: شفت، دروس الرقص نفعتك أهيه.
آسر: يمكن ديه أحسن حاجة عملتها في حياتك معايا، إنت فين وسايب الشغل على دماغي.
حازم: كنت بتجوز.
نظر له آسر بصدمة وقال: إيه؟! تتجوز!
حازم: اه، مالك مخضوض كده؟! صغير أنا على الجواز يعني؟
جذبه آسر وخرج من الحفل، ووقف بالحديقة.
أما زياد فاقترب من أنين بغضب وقال: تعالي معايا ثواني.
أنين: لأ مش عايزة.
قبض زياد على ذراعها وقال: هما خمس دقايق، تعالي ورايا.
خرجا من الحفل أيضًا، ثم التفت إليها وهي تتألم من قبضته وقال: أنا عايز أفهم، من حقي أفهم إيه علاقتك بآسر بالظبط.
نفضت يده عنها وقالت: وإنت مالك، بتحاسبني ليه، روح حاسب سالي بس، لكن أنا لأ.
زياد: غيرانة منها ليه؟ بتحبيني مثلًا فا غيرانة إنها معايا؟
صمتت، ظلت تنظر إليه فقط، فأردف: ردي عليا زي ما بكلمك، قوليلي حقيقة علاقتك بيه، أنا كنت فاكر إن إنتي معاه بس عشان يبقى ابن سلوى، لكن عرفت إنك تعرفيه من قبل كده، واللي شفته من شوية بيقول إن بينكم حاجة، طيب كدبتي عليا ليه؟ بتمثلي دور البراءة ليه وتخليني فاكر إن مفيش زيك وإنتي أصلًا أرخص واحدة شفتها في حياتي.
صفعته على وجهه، وقالت بغضب: إياك تقول كلمة واحدة غلط في حقي.
وصل صوتها إلى آسر الذي كان يستمع إلى حازم وهو يقص له أمر زواجه، ولكن قاطعه وقال: ده صوت أنين.
ركض نحوها على الفور، فوجد زياد يتحدث معها بحدة ويقول: إنتي بتمدي إيدك عليا؟! كل ده عشان بواجهك بحقيقتك اللي مخبياها عن الناس كلها، متضايقة إني بقول عليكي كده وإنتي اللي خليتي كل الناس تشوفك كده، إنتي كدابة ومنافقة، كلكم زي بعض، كلكم شمال.
وقف آسر بينهما على الفور وقال: عشان كده كنت بتراهن عليها مع أصحابك؟
نظر له زياد بصدمة، ولم تقل صدمة أنين عنه، بل وقفت بجواره ونظرت له وقالت بصوت مكسور: يتراهن؟!
آسر: أيوه، البيه كان عامل رهان عليكي مع واحد صاحبه، وكسب الرهان لما قاله إنك طلعتي شمال، زي ما هو لسه قايل دلوقتي.
نظرت إلى زياد الذي يفكر كيف عرف آسر بهذا الأمر؟! فقالت: إنت كنت مراهن عليا أنا؟! وجي تديني حصة في الأخلاق، ده أنت مشفتش تربية في حياتك، وأنا اللي زعلانة عليك! ده أنا ربنا نجدني منك.
زياد: إنتو فاهمين غلط، أنا هفهمك.
آسر: أنا شفتك بعيني وأنت بتديله الفلوس، وكمان سمعت كل حاجة إمبارح، أظن كفاية كدب كده، ومش عايز أشوفك جنبها تاني.
لم يذهب وظل ينظر إلى أنين يطلب منها أن تعطيه فرصة ليشرح لها ما حدث، ولكنها رفضت، فدفعه آسر بعيدًا عنها كي يذهب.
غادر زياد والتفت آسر إليها بغضب وقال: عجبك كده؟! خليتي واحد زي ده ميسواش يقول عليكي شمال، أنا نفسي أفهم عملتي في نفسك كده ليه؟! ليه مثلتي عليه وعلى الناس كلها، فهميني.
إنهارت أنين، لم تتحمل تلك الاتهامات أكثر فقالت: أنا مش بمثل على حد، كفاية بقى ظلم.
آسر: متكدبش عليا، أنا شفتك بعيني هناك.
أنين: كنت رايحة عشان أكشفه، عشان عرفت إنه بيروح هناك مع بنات ووقتها مصدقتش، رحت هناك عشان أشوف بعيني ومظلموش، بس إنت ظهرت قدامي فجأة وبدأت تتكلم عليا وحش وهو صدقك، إنت السبب في اللي حصل ده كله، لو مكنتش قابلتك هناك كنت عرفت أخرس لسانه، كان هو اللي هيبقى قدامي غلطان، وفي الآخر طلع كل ده رهان، حبي ومشاعري اللي اتدست تحت رجليه عشان يكسب رهان، كفاية بقى ظلم فيا حرام عليكو، أنا مش بمثل، ديه أنا، أنا أنين، مش بتغير ولا حد يقدر يغيرني للوحش، مش عايز تصدق إنت حر، بس سيبوني في حالي بقى.
أخذت تبكي، وهو ينظر إليها بصدمة، هل هي محقة أم لا؟!
وفي لحظة توقف العقل، دموعها أضعفته، فأمسك رأسها ووضعها على صدره حتى تبكي وتخرج ما بقلبها، ثم كسر قلبه تلك الجملة التي قالتها وهي تبكي: أنا تعبت من إني دايمًا بتفهم غلط.
لمست حواسه بالكامل، ندم على ما قاله، والآن قد عرف آسر الحقيقة كاملة، والآن أصبح يراها بقلبه وليس عقله، واختفى ذلك الأنطباع السيء.
رواية قلبي عدوك الفصل السابع 7 - بقلم رباب حسين
ن
لم يعد كما كان... كان يظن أن ما يشعر به مجرد مسئولية أو قلق عابر، وربما شفقة لا أكثر. كان يختبئ خلف تلك الأعذار ويضع بينه وبين قلبه حاجزًا صلبًا، يخشى أن يعترف بما لا يريد مواجهته.
ولكن في لحظة انهار كل شيء.
حين بكت بين يديه، لم يرى ضعفها فقط بل رأى نفسه فيها. رأى وجعًا يشبه وجعه وخوفًا لم يستطع تجاهله وقلبًا لم يعد قادرًا على إنكاره.
اختفى ذلك الصوت الذي كان يقنعه بأنها لا تعنيه، وسقطت كل المبررات التي كان يتشبث بها. لم تعد تحت مسئوليته فقط إنما أصبحت داخل قلبه في مكان لم يصل إليه أحد من قبل.
أصبح قلقه عليها مختلفًا ونظراته لها أثقل، وصمته بجوارها يحمل ما لا يستطيع قوله. وأنفاسها الباكية تحرق صدره من الداخل لا الخارج، لم يعد يستطيع أن يراها تتألم دون أن ينكسر.
والآن آسر لم يعد يقاوم برغم المخاوف التي بدأت تتغلل إلى عقله أكثر، وأسئلة تجاهل إجابتها، وأعلن ذلك القلب المتمرد عن الحقيقة... لقد أحبها.
وبالجهة الأخرى... عيون تراقب، خرجت صافي من الحفل تبحث عن حازم، ثم رأته يتطلع من بعيد على شيءٍ ما، فاقتربت منه وفتحت عينيها بصدمة عندما رأت أنين بين ذراعي آسر، قالت بصدمة: ده الموضوع كبر أوي.
التفت إليها حازم سريعًا ووضع يده على فمها كي تصمت وقال: بس... صوتك عالي هيسمعونا.
نظرت إلى عمق عينيه، فارتبك على الفور وقال: لأ البصة ديه هتخليني أخدك وأمشي.
صافي: ياريت يا حزومي، أنا مش قادرة أبعد عنك، عملت فيا إيه؟!
حازم: حبيتك، قعدتي جوا قلبي وقفلت عليكي.
صافي: وأنا كمان حبيتك أوي، وعايزة أقول لكل الناس إني مراتك وأروح معاك.
حازم: أنا كمان فرحان بيكي، أنا من فرحتي كنت لسه بقول لآسر.
فتحت عينيها بخوف وقالت: لأ... إوعى تقوله.
حازم بتعجب: ليه؟!
صافي: عشان آسر تفكيره زي أنين، لو عرف إني متجوزاك عرفي هيبدأ يبصلي إني حد مش كويس وكده، وأنا مش بحب حد يبصلي كده، وإنت شفت عملت إيه في زياد عشان قالي إنه لا يمكن يرتبط بواحدة زيي، وفي الآخر ارتبط بسالي اللي هي شبهي بالظبط، فا خلينا بعيد عن آسر وأنين، بجد مش هستحمل كلامهم ولا نظراتهم.
حازم: هو أنا... قولتله إني إتجوزت بس مقولتلوش مين العروسة، بس لو ديه رغبتك خلاص مش هقوله.
ابتسمت صافي وقالت: حبيبي إنت، أنا هدخل بقى عشان بابا مياخدش باله من حاجة وإنت إدخل بعدها بشوية، وبطل تتجسس على صاحبك.
حازم: حاضر يا روحي.
التفتت صافي، وحين ابتعدت عن أنظاره جذبتها يد من الجهة الأخرى، فتحت عينيها بصدمة، وحين انتبهت إلى سلوى، رفعت يدها أمام فمها سريعًا وقالت: هششش، وطي صوتك واسمعيني من غير ولا كلمة.
صافي بارتباك: فيه إيه يا طنط؟!
سلوى: تعالي معايا وأنا هقولك في إيه.
أما أنين، فابتعدت ونظرت إلى آسر، كانت تبكي ولم تنتبه لتلك النظرة التي ارتسمت على وجهه، فكانت عينيه تبوح بالمشاعر التي لم يعد يهرب منها بعد الآن، فما كان يمنعه عن حبها هو فقط ذلك الأنطباع السيء الذي ترسخ بذهنه، ولكن انتبه لما تقوله أنين: هو إزاي يحكم عليا كده وهو قدامي بقاله سنتين وباين من تصرفاتي إني بحبه بجد؟! لو كنت مش كويسة زي ما بيقول كنت على الأقل حاولت أعمل معاه زي اللي سالي بتعمله، لكن ده أنا حبيته من بعيد، دعيت إن ربنا يجمعنا في الحلال، في الآخر يفكر فيا كده ليه؟ ويحكم عليا بالشكل ده وهو أصلًا اللي غلط في حقي من ورايا، أنا مش فاهمة مين المفروض يحس إنه مظلوم! أنا اللي حبيته واتصدمت فيه وطلع مراهن عليا، ولا هو؟!
وفي الوقت الذي كاد يبوح بمشاعره، صفعته بذلك الحديث، هي تحبه...
حاول أن يخفي كل الألم الذي اعتلى قلبه بتلك اللحظة، وكأنه يدفن روحه داخل جسده، وفي تلك اللحظة تمنى أن يختفي نبض ذلك القلب العاشق، فإن كان إخفاء ذلك العشق بإرادته أدمى قلبي، فالآن أصبح إخفاء مشاعره كالقتل البارد. وأصبح نبض قلبها له عدوه.
ولم يعد لي سوى أن أراقبكِ من بعيد وأجمع ما يتساقط منكِ من كلمات ليست ملكي... بل ملك غيري، وإن كان هو لا يعلم نعمة حبكِ له، فأنا بنقمة حبكِ معذبٌ، وكأن فُتات حبك لغيري أصبحت هي ما أقتات عليها.
أقف واسمع كلمة أحبه، وأمني قلبي بأنها له، عسى أهون عليه لوعة الحب البائس.
لم يتحمل بكائها أكثر فقال كي يهون عليها: يمكن ميستاهلش حبك ده، عشان كده ربنا كشفه قدامك، الأهم دلوقتي إنك تظهري الحقيقة قدام الناس عشان محدش يتكلم عليكي تاني.
أنين: هصلح صورتي قدام بابا إزاي بعد ما قولتله عني كل الكلام ده؟! وتفتكر حتى لو حاولت هيصدقني؟
نظر آسر إلى الفراغ أمامه، وفكر بأن يتحدث مع سلوى كي تساعده بهذا الأمر فقال: عارف إني غلطت بس أنا هساعدك، والكلام اللى بيتقال في الجامعة لازم ينتهي برده، أنا مش هسمح لحد يتكلم عليكي كده تاني، تعالي نرجع الحفلة وبطلي عياط.
جففت دموعها وعادت إلى الحفل معه، كان آسر يبحث عن سلوى بالمكان ولكن لم يجدها، فكانت تقف مع صافي بالخارج، ثم قالت: إيه اللي حصل يا طنط؟!
سلوى: اسمعيني كده كويس وركزي في اللي هقوله، عشان أنا لو اتهورت ورحت قولت لزياد أو عادل على اللي إنتي عملتيه في أنين هتبقى الليلة ديه أسود ليلة تشوفيها في حياتك.
ارتبكت صافي وقالت: أنا... أنا معملتش حاجة.
سلوى بحدة: لأ عملتي، خليتي أنين تروح الديكسو معاكي ووقعتي بينها وبين زياد عشان رفضك، ده غير جوازك العرفي من حازم... صح؟!
فتحت صافي عينيها بصدمة وقالت: إنتي.... عرفتي منين؟
سلوى: مش مهم، وبعدين متقلقيش، أنا مش هقول حاجة لحد، ده إنتي خدمتيني خدمة كبيرة، ووفرتي عليا مجهود كبير جدًا، وكل اللي طلبته منك إنك تكملي اللي بدأتيه.
صافي: مش فاهمة.
سلوى: يعني إنتي خليتي سمعة أنين زي الزفت، وزياد طار من إيدها وراح لصاحبتك، أنا بقى عايزة أطير أنين خالص من جنب عادل، لو عملتي اللي هقولك عليه أوعدك يبقى ليكي نسبة في الفندق ده بعد ما أنا أورثه من عادل، ده غير إن سرك هيبقى في بير، ها قولتي إيه؟!
صافي: أنا مش فاهمة برده إنتي عايزاني أعمل إيه؟
سلوى: هقولك.
يراقب من بعيد، أصبحت نجمة بعيدة يستمتع بجمالها عن بعد ولا يستطيع لمسها.
اقترب حازم منه ورأى نظراته إلى أنين التي تقف بجوار والدها شاردة، ثم قال: مالك يا آسر؟
آسر بحزن: مفيش حاجة. قولي صحيح إيه حوار الجواز ده؟
حازم: مفيش واحدة يعني حبتها وإتجوزتها.
آسر: ده إيه السهولة ديه؟ وبعدين هما أهلها وافقو عليك وإنت لسه بتدرس كده إزاي؟
حازم: لأ... ما أهلها ميعرفوش.
آسر بصدمة: نعم! يعني إيه؟
حازم: براحة بس، أنا بحبها وهي كمان، وبدل ما نعمل حاجة في الحرام إتجوزتها، ولما أموري تظبط هروح أتقدم رسمي.
آسر بغضب: إنت إتجننت يا حازم! وده يبقى جواز أصلًا؟ ده سرقة، وحرام، إنت بتزين الحرام بس لكن في الآخر هو مازال حرام، وياريت طالما إتجوزتها وإنت بتحبها تطلع راجل وتروح تقول لأهلها وتكتب عليها رسمي، بدل ما الموضوع يكبر ويدخل في متاهات إنت مش قدها.
حازم: ما لو ينفع كنت عملت كده من زمان ومكنتش لجئت للحل ده، بس أنا لو رحت أتقدمت لأبوها دلوقتي هيرفض، ومقدرش أستغل موضوع الجواز اللي حصل ده كوسيلة ضغط لأنه ساعتها مضمنش هيعمل إيه فيها، إنت بس إدعيلي شغلنا يكبر كده وساعتها هروح بقلب جامد حتى لو لسه بدرس.
زفر آسر وصمت، فهو لا يوافق على ما فعله حازم ولكن ليس لديه سلطة لكي يعطيه أمر بالتنفيذ، هو فقط نصحه وهذا كل ما عليه فعله الآن.
ثم رأى سلوى تدخل إلى الحفل فذهب إليها على الفور، ودلفت خلفها صافي التي بدت شاحبة الوجه، لاحظ ذلك حازم وتعجب من الأمر، حاول أن يذهب إليها ولكن وجد والدتها تقترب منها، فتوقف مكانه ورفع هاتفه وأرسل لها رسالة يسألها عما حدث.
أما آسر فجذب سلوى من يدها وقال: ماما، عايز اتكلم معاكي.
اقتربت منه سلوى وقالت: خير.
آسر: أنين طلعت مظلومة، ومش بتروح ديسكوهات ولا حاجة، ولازم عمي عادل يعرف الحقيقة.
تصنعت سلوى السعادة وقالت: بجد؟! طيب كويس جدًا، إنت مش متخيل أنا كنت زعلانة قلقانة عليها أد إيه. بس أنا لو رحت قولت لعادل حاجة زي كده هيفتكر إني كنت بكدب عشان أوقع بينهم.
صمت آسر قليلًا، فهو لا يرغب بأن يتسبب في مشكلة بينهما، فقال بحزن: طيب وبعدين؟!
سلوى: أنا شايفة إن هو بعد كده لما يلاقيها ملتزمة وكويسة هيقول غلطة وعدت ومش هتتكرر وخلاص، لكن لو رحت اتكلمت دلوقتي شكلي أنا هيبقى وحش، وفي الآخر هي بنته هيسامحها لكن أنا لا، و مكن ده يعمل مشكلة بينك وبينه كمان. فنصبر شوية بس والأمور هتتصلح لوحدها.
آسر: ماشي، مع إني مش حابب ده، بس ممكن تكلميه مثلًا إن هي كويسة ومش بتعمل حاجة وبتروح جامعتها وترجع عادي، يعني نمهد للموضوع عشان يبدأ يتعامل معاها زي الأول.
ربتت سلوى على وجنته بحنان وقالت: حاضر يا حبيبي.
ثم تركته وذهبت نحو عادل، واقتربت منه تالين وقالت: آسفة على اللي زياد عمله، معرفش عمل كده ليه.
نظر إليها آسر وابتسم لها ثم قال: هو مش بيحبني، عادي مش مستغرب ولا زعلان، مفيش داعي تعتذري.
تالين: خدت بالي، بس ليه مش بيحبك؟ عشان أنين؟
آسر: اه، شايف إني خدتها منه لكن في الحقيقة هو ميستهالهاش.
تالين بتعجب: ليه بتقول كده؟! زياد مش عشان أخويا يعني بس هو بجد شاب محترم وبيحبها.
آسر: شكلك متعرفيش حاجة.
تالين: يعني إيه؟
آسر: يعني متعرفيش أخوكي بيعمل إيه.
تالين بقلق: إيه ده؟! بيعمل إيه يعني، فهمني.
آسر: بلاش عشان مش بحب أعمل مشاكل.
تالين: لأ قولي ومتقلقش، أنا وزياد متفاهمين ولو عرفت حاجة هتكلم معاه هو من غير مشاكل، بص مش هينفع الكلام هنا دلوقتي، هات رقمك وأنا هبقى أكلمك.
أخرج هاتفه وأعطاها رقمه، لاحظت أنين ما يحدث وتعجبت من الأمر، ثم تذكرت رأيه عنها ورقصهما معًا منذ قليل، فاعتقدت أن آسر معجب بها.
أما زياد فغادر الحفل على الفور بعد المشادة بينه وبين آسر، وحاولت سالي أن تلحق به ولكن لم ينتظر وغادر على الفور.
انتهى الحفل، وعاد الجميع إلى منازلهم. كان الليل طويل جدًا بالنسبة إلى آسر، حزين بالنسبة إلى أنين، أما زياد فلم يستطع النوم، فقد أصبح يبدو أمام أنين كشخص حقير، وكل ذلك بسبب آسر، لذا قرر أن يتحدث مع أنين ويبلغها بالحقيقة كاملة.
__________
في الصباح، ذهبت أنين إلى جامعتها باكرًا، أما آسر فقد تأخر عن موعد استيقاظه فذهبت أنين وحدها، ولحق بها آسر بسيارته.
حين صفت سيارتها ودخلت الجامعة، تفاجأت بزياد يقترب منها سريعًا وقال: أنين، لو سمحتي استني.
التفتت إليه ثم تجاهلته وكادت تذهب ولكن وقف أمامها وقال برجاء: اسمعيني بس أرجوكي.
أنين: مفيش داعي.
زياد: أنا عارف إن من حقك تزعلي، بس إنتي فاهمة موضوع الرهان ده غلط، الحكاية كلها إن محمود لما سمعني بتكلم عنك وعن أخلاقك قعد يقولي إنت مضحوك عليك، ومفيش بنت كده، أنا وقتها إتضايقت ودافعت عنك، فا هو استفزني وقالي تراهني إن كلامي هيطلع صح وأنا من غبائي وافقت، أصل أنا كنت متأكد من رأيي فيكي، لحد ما شفتك في الليلة ديه، من وقتها وأن مصدوم فيكي، ولما محمود عرف قالي كسبت الرهان فطلعت الفلوس وادتهاله، لكن أنا متراهنتش عليكي زي ما آسر قال بالظبط، وبعدين لو فيه حد المفروض يتحمل اللوم في اللي حصل فهو إنتي مش أنا.
أنين بتعجب: ليه؟ هو أنا اللي قولتلك إتراهن عليا؟!
زياد: لأ، بس إنتي اللي ضحكتي عليا وخلتيني أصدق إن مفيش زيك وفي الآخر طلعت مغفل، الناس كلها اللي كنت بقف قدامها وأقول عليكي قصايد شعر شكلي قدامهم دلوقتي زفت، وكل ده بسببك، عشان خدعتيني، وجاية دلوقتي بتلومي عليا إني راهنت على إنك محترمة وخسرت؟
أنين بغضب: أخرس، أنا محترمة غصب عنك.
كان آسر يدخل الجامعة ركضًا حتى يصل إلى المدرج قبل بدأ المحاضرة، ووقعت عينيه على هيئة أنين الغاضبة وهي تتحدث مع زياد، والطلاب يقفون حولهما وانتبهو للمشادة بينهما، فركض سريعًا وذهب إليهما، ثم دفع زياد بعيدًا عنها وهو يقول لها: براحة بس كده عشان أنا شفت بعيني كل حاجة.
فوقف بينهما آسر وقال: هو أنا كل شوية هاجي أمنع خناقة بينكم، لو سمحت يا زياد إبعد عنها ومش عايز أشوفك قريب منها تاني.
دفعه زياد بغضب وقال: وإنت مالك أصلًا بتتدخل ليه، إوعى تفتكر نفسك أخوها بجد، إنت ابن مرات أبوها بس، وملكش إنك تتدخل في الحوار، وبعدين هي لو مش عايزاني أتكلم معاها هتقول ده بنفسها.
نظر آسر إليها وقال: عايزاه يكلمك؟
أنين: لأ.
فدفعه آسر بعيدًا عنها وقال: أظن كده الإجابة وصلتلك، إبعد عنها ومش عايز أشوفك واقف قدامها تاني.
صاح زياد قائلًا: أنا أصلًا ميشرفنيش أقف معاها، بس أنا مش بحب حد يفهمني غلط عشان كده كنت بوضح الأمور، لكن لو عليا أنا أقدمهالك بإيدي وأقولك إلبسها عادي.
ظهر الغضب على وجه آسر وكاد يضربه، ولكن قبضت أنين على ذراعه بقوة وقالت: متردش عليه يا آسر، مش حد مهم عشان يعرف حاجة عني، ولا فارق معايا رأيه فيا، هو أقل من إني أشغل دماغي بيه.
فصاح آسر بغضب: هو فعلًا أقل منك بكتير، يكفي إنك عرفتيه على حقيقته وإنه خاين وبتاع بنات، وكمان بيتراهن على البنات المحترمة، ولما واحدة قالتله لأ ماشي يتكلم عليها مع اللي يسوى واللي ميسواش، وخلى شوية عيال يتكلمو عليكي وإنتي أنضف واحدة فيهم.
ثم التفت إليها وقال: وهو اللي خسران الجوهرة اللي قدامي ديه، بس في يوم من الأيام هيجي اللي يقدرها ويستحقها، أما أنت بقى يا زياد، أحب أقولك إلبس إنت سالي، ديه اللي شبهك ومقامك.
كاد يذهب إليه بغضب ولكن منعه يزن حتى لا يتسبب في مشكلة مع والده، ثم أمسك آسر يد أنين وذهبا معًا إلى المدرج، تحت نظرات زياد الغاضبة، والغيرة تزداد داخل قلبه كلما وجدها معه، تُرى هل ستعرف الحقيقة أم لا؟!
رواية قلبي عدوك الفصل الثامن 8 - بقلم رباب حسين
ن
محظوظٌ من حظى بقلب من يحب.
كم من قلوب تعلقت بعشق لا أمل له، حرقت بلهيب الغيرة، تألمت بصمت كمن يحمل جمرة بين أصابعه؛ يحاول أن يخفيها بعيدًا عن الناس ولا يشعر بلهيبها سواه.
ويظل السؤال: لماذا تعلق القلب بمن هو ليس لنا؟
وفي ظل ذلك الألم أصبح هو درع الحماية لها، يدافع عنها أمام الجميع، وأخرس ألسنتهم جميعًا عنها. هل سيتحمل ذلك العذاب ويضحي لأجلها بكتمان مشاعره أم يحاول أن يجعلها ملكه؟
جذبها آسر من يدها كي تتبعه، وقبل أن يدخلا المدرج توقف عند سماع رنين هاتفه، ثم تلقى المكالمة وقال: أيوة يا تالين، صباح الخير.
نظرت له أنين بتعجب، فالمعروف عن تالين أنها لا تهتم سوى بدراستها ورياضة التنس، وتسائلت بداخلها: ما سر هذه التغيير؟ هل بينها وبين آسر علاقة؟
ابتعد آسر قليلًا وتحدث قائلًا: إنتي قلقانة كده ليه؟ الموضوع مش مستاهل القلق ده كله.
تالين: بصراحة أنا قلقت من طريقتك إمبارح، بس الكلام مش هينفع في التليفون، لو تعرف تيجي النادي النهاردة أنا هبقى هناك بعد العصر.
آسر: تمام وأنا هخلص محاضرات وأجيلك.
أنهى المكالمة ودخل المدرج، وجد أنين تبحث عن أحد، فاقترب منها وقال: بتدوري على مين؟
أنين: صافي، إمبارح شكلها كان مرتبك وعايزة اطمن عليها، بس شكلها مجتش.
دخل الدكتور وتوجه كلًا منهما إلى المقاعد.
أما عادل فكان يجلس على مكتبه ويتابع أخبار المجلات والصحف حول الحفل الخاص بالفندق، وصورته مع سلوى وخبر زواجهما متصدر العناوين، اقتربت منه سلوى وقالت بسعادة: الحفلة كانت تحفة.
عادل: فعلًا، يمكن أحلى حفلة عملناها للفندق.
ثم صمت وظهر الحزن على وجهه، فقالت سلوى: ليه زعلت بقى؟
عادل: أنين، حاسس إن فرحتي مكسورة بسببها، إمبارح أكتر الوقت كانت زعلانة، وحسيت إنها كانت بتعيط، نفسي أعرف إيه اللي بيحصل.
سلوى: البت صافي ديه مصيبة، بجد لازم تبعد عنها، تصرفاتها مش طبيعية، وبعدين فيه حاجة أكبر من حوار الديسكو ده، أنا خايفة تكون بتشرب مخدرات وتجر أنين معاها.
عادل بصدمة: لا لا... مخدرات إيه؟! إن شاء الله متوصلش لكده.
سلوى: أنا عايزة أبعد عنها البت ديه وخلاص، شايفة إن علاقة آسر وأنين بقت أحسن، أنا هطلب مساعدته يبعدها عنها.
عادل: آسر ده ربنا بعتهولي نجدة، مش عارف من غيره كنت هبقى مطمن على أنين إزاي وهي برا البيت، كنت هسيب شغلي وكل حاجة وهركز معاها هي بس.
سلوى: متخافش عليها يا حبيبي، وبطل زعل بقى، مش بحب أشوفك زعلان كده.
ظهرت ابتسامة على ثغره مكسورة وقال: حاضر.
أما صافي، فكانت تجلس بالفراش شاردة، لا ترغب بفعل أي شيء، تفكر فقط بحديث سلوى معها، ثم أغمضت عينيها وأومأت برأسها برفض.
انتبهت إلى مكالمة من حازم، فتلقتها وقالت: ألو.
حازم بغضب: بكلمك من إمبارح مش بتردي، ورسايل مش معبراني، فيه إيه؟!
صافي: معلش حبيبي دماغي مش مركزة.
حازم: حصل إيه إمبارح فهميني.
صافي: مش هينفع في التليفون، هو أنت فين؟
حازم: في الكلية وبعدين هروح أخلص شغل متأخر في شركة صغيرة كده، آسر مش راضي يعمله هو عشان بقالي يومين مش بشتغل.
صافي: طيب أنا هجيلك بعد الشغل واحكيلك، عشان محتاجة أعرف رأيك في موضوع ضروري.
حازم: ماشي، على بليل كده نتقابل، تعالي على البيت هستناكي.
أنهت المكالمة وتفاجأت بدخول نرمين الغرفة، ثم قالت: هو إنتي مخبية عليا إيه؟
زفرت صافي ونهضت من الفراش وقالت: مش مخبية حاجة يا ماما.
نرمين: لأ مخبية، إمبارح سبتك بمزاجي عشان أبوكي مياخدش باله، بس أنا شفتك واقفة مع سلوى وشكلك كان متوتر، ومن ساعتها وإنتي مش طبيعية، فهميني فيه إيه.
عقدت صافي ذراعيها وقالت باستهزاء: ده إيه الاهتمام المفاجئ ده كله؟!
نرمين: ليه هو أنا مش مهتمة بيكي؟
ضحكت صافي بقوة وقالت: ماما إحنا آخر مرة قعدنا نتكلم فيها مع بعض كانت من سنتين تقريبًا، لما كنا بنختار هدخل كلية إيه وجيت خدت رأيك، وفي الآخر قولتيلي كالعادة اللي يريحك يا حبيبتي إعمليه، وأنين هي اللي قالتلي ساعتها ندخل نظم ومعلومات، يعني حتى تفكير في مستقبلي محاولتيش تتعبي نفسك وتفكري معايا. أنا بس نفسي أسألك سؤال، إنتي خلفتيني ليه؟
نرمين: أبوكي اللي كان عايزني أخلف، وبعدين مش ده موضوعنا...
قاطعتها صافي وقالت بصدمة: بس! يعني إنتي خلفتيني عشان بابا عايز كده وبس؟!
نرمين: ما إنتي عارفة إن بسبب الحمل بطلت لعب البالية، وديه المشكلة اللي حصلت بيني أنا وأبوكي، أنا وافقت وضيعت حلمي مني عشانك، عشان تيجي للدنيا.
صافي: وبقيت دورك فين كأم؟! هو الأم بتخلف بس! أنا فين من حياتك اللي كلها سفر وشوبنج بس؟ يا ماما أنا بقعد بالشهر والاتنين مش بشوفك، ده أنا كلت مع الخدامين أكتر ما كلت معاكم، إنتو مش شايفني ولا مهتمين بيا لا إنتي ولا بابا، بابا بس كل أما يشوفني؛ وصدفة كمان، يقولي "لأ خلي بالك من دراستك، أنا عايز مهندسة شاطرة وأنا هفتحلك شركة عشان تاخدي مكاني." كل واحد فيكو فاكر إن ده دوره بس، لكن في الحقيقة أنا عايشة لوحدي، فا ياريت متجيش دلوقتي تعملي دور الأم اللي بتحاول تهتم وتسأل بنتها مالك، عشان أنا خدت إني أحل كل مشاكلي لوحدي ومش عايزة حد منكم يحل معايا حاجة ولا يعرف عني حاجة، ولو سمحتي سيبيني ألبس عشان نازلة.
نظرت لها نرمين بتعجب، فحديثها كان مثل الانفجار، وكأنها كانت تنتظر لحظة مناسبة لكي تتحدث بكل ما في قلبها، ولم تجد نرمين عذر لما تفعله معاها، فتركت الغرفة بهدوء أما صافي فجلست تبكي وحيدة.
ما يزرعه الأباء يحصده الأبناء.
أما سلوى، فخرجت من مكتب عادل وتوجهت إلى مكتبها، وبعد وقت تلقت مكالمة على هاتفها وقالت: ألو.
حسن: ست الكل.
عقدت سلوى حاجبيها وقالت: مين معايا؟!
حسن: معقول نسيتي صوتي! أنا حسن يا ستهم.
نظرت سلوى حولها بتوجس، ثم قالت بهمس: بتتصل ليه تاني؟!
حسن: لما شفت صورتك في الأخبار وإنتي منورة جنب عادل كده قلت لازم اتصل وأبارك، لأ والخاتم اللي في إيدك يجنن، ولما شفته افتكرت فلوسي اللي مخدتهاش منك لحد دلوقتي، فقلت أفكرك بيهم.
سلوى بضيق: يوووه، فاكرة، وفاكرة برده إني قولتلك لما أخد الفندق هديك أد المبلغ ده ٣ مرات وإنت وافقت، بتتصل ليه دلوقتي؟!
حسن: ما أنتي خلاص إتجوزتي الراجل وخطتك نجحت، إديني فلوسي بقى.
سلوى: يا بني آدم إفهم، أنا إتجوزته مش ورثته.
حسن: وماله، ما أنا في الخدمة وممكن أخليكي تورثيه من بكرة.
سلوى بغضب: إنت إتجننت! ملكش دعوى بيه خالص، وفلوسك هتجيلك زي ما اتفقنا.
حسن: خلاص، بيعي الخاتم الحلو ده وإديني فلوسي.
سلوى: لأ طبعًا.
حسن: يا ستهم ده أنا خدمتك خدمة عمرك، ده كفاية إن الحكومة معرفتش تمسك دليل واحد عليا، وإنتي وصلتي للمكان ده بسببي أنا وبس، مستخسرة تراضيني.
سلوى: طيب، هبعتلك مبلغ كده لحد ما أقدر أجيبلك المبلغ على بعضه.
حسن: وماله، بس ده برا الحساب.
زفرت سلوى وقالت: حاضر، هبقى أكلمك لما أجهزهم وأقولك نتقابل فين.
أنهت سلوى المكالمة وهي في غاية التوتر، حاولت أن تتنفس بانتظام حتى تهدأ، ولكن الخوف تملك من قلبها.
انتهت المحاضرة وخرجت أنين مع آسر من المدرج، ثم رأت ماهي تنظر إليها من بعيد وعينيها حزينة، كانت تشتاق لحديثها مع أنين كثيرًا ولكن لم تستطع أن تقترب منها بسبب يزن؛ الذي حين رأى نظراتها جذبها من ذراعها على الفور، فنظرت له وقالت: فيه إيه؟
يزن بحدة: هو إنتي بتكلميها من ورايا ولا إيه؟
زفرت ماهي وقالت: لأ، ده حتى الحفلة رفضت تخليني أروحها.
يزن: وكويس إن مروحناش، مش شايفة زياد عامل إزاي؟!
نظرت له، فوجدت سالي تحاول التحدث معه وهو يبدو عليه الضيق بشدة ويرفض الحديث، ثم وقف أمامها بغضب وقال: خلاص يا سالي، قولتلك كنت عايز أتأكد بس من اللي حصل عشان كده كلمتها.
سالي: وإتأكدت ولا لسه.
زياد: لأ، فيه حاجة جوايا مش مرتاحة، عارفة يا سالي لو طلعتي كنتي بتكدبي عليا هوريكي أيام أسود من شعر راسك.
تركها وذهب، ولاحظ آسر نظرات أنين إلى ماهي فقال: متزعليش، بكرة كل حاجة تبان.
أنين: فاكر لما الحقيقة تتعرف هرجع أنا وهي أصحاب تاني؟! أنا عرفت قيمتي عندها بعد الموقف ده، مكنش المفروض تبعد عني وتصدق كلامهم، كان المفروض تدافع عني أصلًا وتقف قدام خطيبها وتقوله لأ أنين متعملش كده.
آسر: خلي بالك هي بتحبه، والاختيار بينكم صعب، يمكن عارفة إن اللي بينكم هيرجع في يوم من الأيام، لكن لو كانت خسرت يزن مكنتش هتعرف تكسبه تاني. معلش لما الحقيقة تبان سامحيها، البت ديه باين عليها كويسة فعلًا.
نظرت له أنين وضيقت عينيها وقالت: بتحب إنت البنات اللي زيها وزي تالين، صح؟
آسر: اه بصراحة، أهم حاجة في البنت عندي إنها تبقى محترمة.
أنين: عشان كده مكنتش طايقني؟
آسر: ما هو غصب عني برده، أول مرة شفتك مع صافي في ديسكو ولابسة قصير، أكيد هفهمك غلط.
أنين: هي كانت غلطة فعلًا، الله يسامحها صافي بقى.
آسر: طيب يلا بقى نروح عشان عندي معاد ولازم أمشي.
أنين: مع تالين؟
آسر: اه، عرفتي منين؟!
ضحكت وقالت: ده الموضوع كبير بقى.
آسر: لأ متفهميش غلط، إحنا أصحاب عادي.
تحركت من أمامه وقالت: أيوه طبعًا مصدقاك.
ثم أخذت تضحك وهو يتبعها ويحاول أن يعدل تفكيرها عن الأمر. كل ذلك تحت نظرات زياد الذي اشتعل بالغيرة عندما رأها تضحك معه.
عادت أنين إلى المنزل وذهب آسر إلى النادي، بعد وقت اقتربت منه تالين وجلست أمامه على الطاولة، ثم قص لها آسر ما حدث، وأخبرها أن زياد يسهر بالبار وقد تشاجر معه هناك.
تعجبت تالين من الأمر وقالت: بس زياد عمره ما أتأخر برا البيت، ومش بتاع سهر ولا بنات.
ضحك آسر وقال: إذا كان دلوقتي مرتبط بسالي ديه، وإنتي أكيد عارفاها يعني، ده غير حوار الرهان اللي عمله على أنين، مش بقولك إنتي متعرفيش حاجة.
تالين بصدمة: لأ... مش ممكن، زياد مش كده أبدًا، أنا عارفة تفكيره كويس، أنا متأكدة إنك فاهم غلط.
آسر: بصي أنا عارف إن ده أخوكي ومن حقك تدافعي عنه، بس أنا من رأيي تقعدي معاه وتفهمي منه كل حاجة، يمكن يحكيلك هو وساعتها هتصدقي.
تالين: أنا فعلًا هقعد معاه، ولما أفهم كل حاجة هكلمك وأبلغك بالموضوع.
ثم تحولت نظراتها إلى إعجاب، فتعجب آسر من نظراتها وقالت: أنا أول مرة أخد بالي من لون عينيك.
آسر بابتسامة: اه، بتبان في الشمس أكتر.
كانت عينيه تبوح بالكثير، فجذبت انتباه تالين لأول مرة، وهذا ما أثار فضولها على عكس طبيعتها، فقالت: هو إنت مرتبط؟
آسر بارتباك: لأ.
تالين: بص، أنا طول عمري مليش في جو الارتباط والكلام ده، ويمكن عشان عمري ما حد لفت انتباهي أو كده، بس بصراحة، أنا شكلي هحبك.
ثم نهضت على الفور وركضت من أمامه وهو ينظر إلى أثرها وتجمدت حركته، ولكن أوقفه قلبه الذي تذكر محبوبته التي لا تشعر به، وكأنه يذكره بألمه في كل مرة يسمع فيها كلمة حب، فلم تكن أنين مجرد معشوقة، بل ملخص لتعريف الحب داخل قلبه، وسطور عشق حفرت بداخله بسك ملكية طويل الأمد.
في المساء، ذهبت صافي إلى منزل حازم، وما أن رأها ولاحظ الحزن والأرهاق على ملامحها، ضمها إليه سريعًا وبكت بإحضانه فقال بقلق: مالك يا حبيبتي؟
صافي: أنا في مصيبة يا حازم ومش عارفة أعمل إيه.
جذبها حازم إلى الداخل وأجلسها على الأريكة وجلس بجوارها وقال: براحة فهميني حصل إيه؟
صافي: طنط سلوى عرفت كل حاجة، موضوع زياد وإني وقعت بينه وبين أنين، وكمان موضوع جوازنا، وأنا هتجنن من إمبارح عايزة أعرف عرفت منين.
حازم بفزع: عرفت؟! إزاي؟
صافي: أكيد سمعتنا في الجنينة، مش لاقية طريقة تانية تعرف بيها غير كده، بس المصيبة الأكبر إنها بتساومني، يأما أنفذ كلامها يأما تروح تقول لبابا.
حازم: بتساومك على إيه؟!
صافي بارتباك: عايزاني أوقع أنين في مصيبة أكبر.
حازم: ليه؟! عايزاكي تعملي إيه مش فاهم؟
صافي: هقولك.
كانت أنين تجلس بغرفتها، ثم وجدت رسالة على هاتفها من زياد، فتحتها فوجدته أرسل:" أنا مش عارف إحنا وصلنا لهنا إزاي؟ أنا صدمتي فيكي مش قادر أوصفها، ومع ذلك عايزك تعرفي إني مراهنتش عليكي بحاجة وحشة، أنا راهنت إنك أحسن بنت في الدنيا، ودلوقتي بتمنى لو كنت كسبت الرهان، عشان مش عارف أحب غيرك ولا عارف أنساكي، الله يسامحك."
قرأتها والدموع تتلألأ داخل عينيها، كادت تخبره بالحقيقة ولكن تراجعت، فثأرها هو أن يتجرع من نفس الكأس، أن يشعر بأنها كانت تخدعه مثل ما كان يفعل هو، فتركت الهاتف وقبضت على ملابسها، وأخذت تبكي بصمت، فإن كان هو لا يستطيع أن ينساها فهي فقدت معنى الحياة بدونه.
أما زياد فكان يقود سيارته بعد أن أرسل لها تلك الرسالة، مرهق القلب، الغيرة تأكل صدره، والحزن أصبح كأس يتجرعه كل ليلة وحيدًا، حاول كثيرًا أن يتوقف عن التفكير بها، ولكن كل محاولاته باءت بالفشل، وفي ظل ذلك التخبط أخذ قرار بتغير مساره ولم يعد إلى منزله، بل ذهب إلى البار الذي وجدها تسهر فيه، وقرر أن ينساها ولكن بطريقة أخرى.
تُرى سينسى أم يخط أول خطوة نحو خسارتها إلى الأبد.
رواية قلبي عدوك الفصل التاسع 9 - بقلم رباب حسين
ن
حين نتعرض إلى صدمة ممن نحب؛ يصبح ألم القلوب لا مهرب منه، في ذلك الوقت الذي نتألم فيه بصمت، لا يعلم أحد ذلك الجرح الذي يقطع أرواحنا من الداخل، فهو ألم يبدل أحوالنا؛ نصبح مشوهين، لا نرى بوضوح، لا نحكم بمنطق، فقط نريد أن ننهي هذا الألم.
الصدمة؛ هي أسوء ما يتعامل معه الإنسان، منا من ينطوي على نفسه مبتعدًا عن الأخرين، ومنا أن يصيب التشوه روحه من الداخل فتتغير السلوك والطباع، نتحول إلى أشخاص لا نعرفهم، وبالنهاية نحتاج إلى من يذكرنا بمن نحن، من يعيدنا إلى الطريق الصحيح، من يجعلنا نثق بأنفسنا وبالأخرين مجددًا.
يا من تتألم بصمت؛ لا تداوي جراحك وحيدًا، هناك أحد بالخارج يمد إليك يد العون، فلا تترك نفسك مشوهًا، فلا زال هناك شيءٌ جميل بداخلك.
أما زياد، فكان من الذين تشوهت روحهم، فقد الثقة بجميع النساء، فبعد أن ظن أنها ملاك وليست من البشر؛ صدم بإنها من أسوء البشر.
قاد سيارته وهو عازم الأمر على تنفيذ قراره؛ سوف يتغير. فأصبح هذا الزمن لا يعترف بالحب الصادق، ولم يعد هناك من يحب دون مقابل، فذهب إلى ذلك المكان الذي عرف فيه الحقيقة، أخذ يشرب الخمر حتى اختل توازنه، وفجأة ظهرت أمامه قمر، سيدة أعمال في العقد الثالث من عمرها.
نظرت إليه بتعجب وقالت: مشمهندس زياد! آخر حد كنت متوقعة إني أشوفه في مكان زي ده.
نظر لها زياد ورؤيته مشوشة ثم قال: مدام قمر... إزيك؟
ضحكت قمر على هيئته المختلفة، فهو يبتسم بدون وعي عكس طبيعة شخصيته الجادة، ولاحظت أنه مخمور، فقالت: أول مرة أعرف إنك بتشرب.
نظر زياد إلى الكأس أمامه وقال: أنا مش بشرب.
قمر: امممم، طيب نبعد الكاس ده كده، ونطلب قهوة، لو سمحت... عايزة قهوة سادة هنا.
بعد قليل أحضر النادل لها القهوة وقدمتها له، بدأ يشربها وهو يمسك برأسه بألم، فقالت قمر: ها... إحكيلي بقى، إيه اللي حصل خلاك في الحالة ديه؟
زياد: عرفت إنها متستاهلش.
قمر: ولو طلعت متستاهلش فعلًا، إنت كمان متستاهلش تبقى حالتك كده بسبب أي حد، أنا من أول مرة شوفتك وأنا عارفة إنك شخص محترم، ويمكن أكتر حد اشتغلت معاه على مدار ١٢ سنة حسيت إنه هيبقى رجل أعمال ناجح، ولما عرفت إنك ابن الدكتور خالد إتأكدت إن ده السبب في تكوين شخصيتك ديه، لكن دلوقتي زعلانة عليك جدًا.
زياد: كان لازم أتغير عشان اللي زيي ملوش مكان وسطهم، كان لازم أبقى زيهم، بصي كده عليهم، هي كانت هنا معاهم، كانت شبههم، لبسها زيهم، وأنا اللي كنت فاكرها شبهي، قبل ما أشوفها هنا؛ كنت فاكر إنها زيي نفس تفكيري، حبيتها من بعيد، خفت أقرب منها عشان متتغيرش، عشان أحافظ على طاهرة ونضيفة، كنت ناوي أتجوزها، وعشان أبقى جدير بيها اشتغلت وفتحت الشركة ديه، بدأت من الصفر ومردتش أعتمد على بابا، وفي الآخر فضلت واحد تاني عليا، كل ده ومش عايزاني اتغير؟!
قمر: زمان، كنت فاكرة زيك كده، مفيش حد كويس، لحد ما قابلت ياسر، كان مختلف جدًا وقلت خلاص هو ده، إتجوزنا وخلفنا، بس طلع عنده عيب للأسف ملوش علاج، كل أما يحصل مشكلة بينا يطلقني، لحد ما طلقني من ٤ شهور الطلقة التالتة، وحياتي باظت مرة واحدة، والأولاد بينا مش عارفين يقعدو مع مين فينا، وساعة العدة ما خلصت جيه يطلب مني أشوف محلل، تخيل عايزني أتجوز واحد تاني لمدة يوم عشان أرجعله، رفضت طبعًا، عشان ده مش طبعي ولا أخلاقي، وعمري ما هعمل كده، بس الأولاد وهو مش ساكتين، وبقالي شهر مش عارفة أعمل إيه، لحد النهاردة طلب مني نتقابل هنا، وكالعادة أو لما شافني قالي إتصرفي، كأن هي غلطتي والمفروض أتحملها، بس أنا رفضت عشان مش هتغير بسبب حد، حتى لو اللي بينا خلص ومش هيرجع مش هعمل حاجة ضد مباديء.
وإنت كمان، المكان ده مش شبهك، ولا أنت شبه الناس اللي فيه، إوعى تخسر نفسك ومبادئك عشان حد، لو واحدة طلعت وحشة في ألف غيرها كويسين، أخرج منها وكمل حياتك وبكرة هتلاقي اللي تستاهلك.
نظر لها زياد وكأنها كانت الصوت الأخير الذي أعاده إلى الطريق الصحيح، إشارة تعيد كل شيء بداخله إلى مكانها، فقال: شكرًا يا مدام قمر.
ابتسمت قمر وقالت: العفو، دلوقتي بقى تعالى أوصلك عشان مش هينفع تسوق وإنت كده، وكمان مش عايزة أقعد في المكان ده، لو حابب نكمل كلامنا في مكان تاني.
زياد: ياريت، أنا محتاج أتكلم مع حد.
أمسكت ذراعه وخرجت من الملهى، ثم ذهبت نحو السيارة وقادتها نحو أحد المطاعم.
أما آسر، فكان يعمل بغرفته، وقطع تركيزه صورة أنين التي احتلت عقله، ابتسم دون أن يشعر، ثم خرج من غرفته ينظر إلى باب غرفتها المغلق، يود لو تخرج قليلًا ليراها ولكنها لا تزال بالداخل منذ أن تناولو العشاء معًا.
اقترب من الباب بحذر، حتى تفاجأ بصوت نحيبها يعلو من خلفه، شعر بالقلق عليها فطرق الباب على الفور وقال: أنين، افتحي.
هدأ صوتها، ثم انتظرت قليلًا وفتحت الباب، نظر لها بفزع وقال: بتعيطي ليه؟!
رفعت هاتفها أمامه ورأى رسالة زياد، قرأها ثم نظر إليها بحزن، تتألم من الحب... هذا هو ألمي أيضًا حبيبتي، ليتني أتألم وحدي ولا أرى مكروه يصيب قلبكِ، ليت نبضه لي، ليت حبه لي، فبرغم حبي لكِ فلازلت أكره قلبكِ الذي يملكه غيري.
حاول أن يخفي ألمه وقال: عايزاني أروح أقوله الحقيقة؟
أنين: هو المطلوب مني أدافع عن نفسي في الموقف اللي حصل وهو أصلًا السبب في إني أروح المكان ده؟! أروح أقوله إني حبيته ورحت هناك عشان مكنتش مصدقة إنك بالأخلاق ديه وقلت لازم أتأكد بنفسي إنك مش بتحبني ولا حاجة؟ إستحالة هعمل كده، ومتعودتش أدافع عن نفسي وأنا مش غلطانة، خليه يفتكر زي ما هو عايز، أنا اللي واجعني هو اللي عمله فيا وحقيقته اللي شفتها بعيني.
آسر: وموضوع الرهان؟ هو بينكره جدًا وأنا مش هقدر أقولك هو كداب ولا لأ، أنا كل اللي سمعته قولتهولك.
أنين: خلاص يا آسر، مش فارق معايا حاجة، أنا بس محتاجة أقعد لوحدي شوية.
آسر: لأ، تعالي ننزل نقعد تحت شوية، الجو حلو أوي برا.
ثم جذبها من يدها ونزلا معًا إلى الحديقة.
كان حازم يستمع إلى صافي وهي تقص عليه ما طلبته سلوى منها، الدهشة لما تفارق وجهه، حتى قال: معقولة أم آسر بتفكر كده؟! إزاي بجد؟ ده آسر دماغه صعب ومش بيعدي الغلط، ده لو عرف اللي هي بتخططله هيقلب الدنيا، وبالنسبالك إنتي بقى تنسى الحوار ده خالص.
صافي: يعني إيه؟! إفرض نفذت تهديدها وراحت قالت لبابا وماما على جوازنا، أعمل إيه أنا ساعتها؟
حازم: ولا تقدر تعمل كده، ولو كلمتك تاني في الحوار ده أنا اللي هتصرف معاها، وبعدين أنا مش بتسلى بيكي ولو فرضًا أبوكي عرف أنا هكتب عليكي رسمي، لكن تعملي في أنين كده لأ.
صافي بغيرة: وإنت مهتم بأنين ليه؟
حازم: عشان آسر شكله بيحبها، أنا شفت نظرته ليها في الجنينة يوم الحفلة، آسر عمره ما بص لواحدة كده، وأنا مش هخلي آسر يتكسر بسبب أمه، تخيلي لو عرف إن هي اللي مخططة ده كله بعد كده وبعد ما أنين مستقبلها يضيع هيعمل إيه، ولو عرف إني عارف وساكت هيقطع علاقته بيا، وأنا وآسر مش أصحاب بس إحنا إخوات.
صافي: أنا كمان مش عايزة أعمل فيها كده، كفاية موضوع زياد بجد، أنا عملت كده بس عشان زياد عاملني بطريقة وحشة، لكن مكنتش أعرف إن أنين هتتأذي بالشكل ده.
حازم: حبيبتي اللي حصل حصل، كلنا بنغلط عادي، بس المفروض تصلحي غلطك، فكري هتعملي ديه إزاي؟
صمتت صافي ونظرت إلى الفراغ بشرود، وبعد وقت عادت إلى منزلها.
وصل زياد وقمر إلى أحد المقاهي، وبعد وقت استعاد زياد وعيه قليلًا، ثم نظر إلى قمر بابتسامة هادئة، فهي هادئة وذات شخصية قوية، أعجبه كثيرًا تمسكها بمبادئها، وأيضًا استطاعت ببعض كلمات أن تعيده إلى نفسه، والأجمل أنها اسم على مسمى، فهي جميلة للغاية، ثم قال: أنا مش عارف أقولك إيه على اللي عملتيه النهاردة.
تنهدت قمر وقالت: أنا ليا نظرة في البني آدمين اللي بتعامل معاهم، لما شفتك هناك عرفت إنك في مشكلة لأن حالتك مش طبيعية ومش شبه شخصيتك أبدًا، على الرغم من إن سنك صغير بس كاريزمتك مختلفة.
زياد: أنا فعلًا مش بحب الأماكن ديه.
قمر: ولا أنا.
زياد: طيب ليه روحتي هناك؟
قمر: من ساعة أنا وياسر ما اطلقنا وهو بيروح يقعد في المكان ده، شكله بيعيش مراهقة متأخرة.
ضحك زياد وقال: هو إنتي بجد عايزة محلل؟
قمر: أنا تعبت من الموضوع ده جدًا، الولاد هما اللي مظلومين في النص بيني وبينه، وشايفين إني مقصرة في حقهم عشان مش عايزة أوافق على الحل ده ونرجع لبعض تاني، أنا ممكن أعمل أي حاجة عشانهم لكن مش قادرة أعمل خطوة زي ديه، أصل إزاي بجد أوافق على كده.
زياد: طيب ما لو فيه مثلًا حد كنتي معجبة بيه ممكن تعرضي عليه الفكرة.
نظرت له بصدمة وقالت: معجبة بيه؟! وأنا ليه أعجب بواحد تاني غير جوزي معلش؟! إنت بتقول إيه بالظبط! أنا مش بالإخلاق ديه يا بشمهندس.
زياد باندفاع: لأ أنا مش قصدي كده خالص، أنا قصدي يعني تبقي متقبلاه، يعني مش تروحي تتجوزي واحد مفيش أي حاجة بينك وبينه وفجأة تبقي مضطرة إنك تتجوزيه ليلة واحدة، الموضوع بجد صعب ومش أي واحدة تقبله.
هدأت قمر قليلًا وقالت: ما ديه المشكلة فعلًا، وأنا عمري ما بصيت لواحد تاني غير ياسر ولا تخيلت حد مكانه في حياتي، عشان كده حاسة إني بعمل حاجة غلط مش صح.
زياد: فاهمك، واحدة غيرك كانت استغلت الفرصة، بس أنا عارف إنك مش كده، أنا اتعاملت مع ستات كتير في شغلي وعارف إنك من الناس القليلة المحترمة بجد، مش عارف جوزك طلقك ليه!
قمر بحزن: عشان كان دايمًا بيشك فيا، أنا بحكم الشغل بكلم رجالة كتير لكن زي ما أنا بتعامل معاك بتعامل معاهم، كله في حدود الشغل وبس، هو بقى مش متقبل ده، ودايمًا يتصور حاجات مش حقيقية.
زياد: الصراحة أنا ضد إن مراتي تشتغل، يعني لو مكانه مش هخليكي تشتغلي أصلًا وهمسك أنا شغلك.
قمر: حاول وفشل، هو طيار إيه علاقته بشغل الكومبيوتر وكده، فا عشان كده أنا اللي مسكت شغل بابا بعد مات الله يرحمه.
زياد: بس سايب بنت بمية راجل.
ابتسمت قمر وقالت: شكرًا، أظن كده فقت، يلا بقى عشان ارجعك لعربيتك.
كان آسر يجلس بجوار أنين بالحديقة، الصمت يخيم على المكان عدا نبضات قلبه التي خشى أن يصل صوتها إليها وتفضح أمره.
كانت أنين تشاهد النجوم بالسماء وآسر يتأمل تلك النجمة التي بجواره، ثم انتبه إلى صوتها وهي تقول بسعادة: بص! شهاب.
نظر إليه آسر وقال: اه شكله حلو أوي.
كانت تطلع حولها بإعجاب ثم قالت: ياريت يظهر واحد تاني.
نظر إليها آسر بهيام وقال: مفيش غير واحد بس، الحاجات الحلوة مش بتتعوض بسهولة.
نظرت إليه بحزن وقالت: إنت بتفكرني ولا بتنسيني؟
آسر: أنا مش محتاج أنسيكي، كفاية إنك عرفتي إنه ميستاهلكيش، صدقيني يا أنين إنتي أجمل بكيتر مما تتخيلي، زياد ده هو اللي هيندم إنه بعد عنك مش إنتي، لأنك في يوم من الأيام هتلاقي اللي يحبك بجد ويعرف قيمتك.
أنين: يا ترى مين هو؟ مين اللي هيحبني بجد ويبقى مخلص ليا.
آسر: موجود، وبكرة تعرفيه.
نظراته كانت تحمل الكثير والكثير ولكنها لم تنتبه، لم ترى ذلك العشق الذي يتسلل بين نظراته إليها، ولكن لم تحاول أنين أن تلاحظ تلك النظرات، فهي تعلم أن آسر معجب بتالين، لذا لم تهتم.
كان عادل وسلوى يشاهدان ما يحدث بالحديقة، ثم قال عادل: أنين بدأت تتكلم زي الأول، آسر مش سايبها وبيحاول يخرجها من اللي هي فيه.
سلوى: أنا قلقانة لسه، خايفة عليها أوي يا عادل مش عارفة ليه.
عادل: وأنا كمان.
سلوى: قلبي مقبوض، يارب يحفظها ويخليها ليك وتفرح بيها.
عادل: أمين، ربنا يخليكي ليا يا حبيبتي.
ثم بدأت الأمطار تتساقطت بغزارة، فركضت أنين سريعًا لتدخل المنزل، فجذبها آسر ومنعها من الدخول، وقال بابتسامة: رايحة فين؟! تعالي نجري تحت المطرة.
أنين: لأ... بابا لو شافني هيزعقلي.
آسر: طول ما أنا معاكي متخافيش من حد.
مد يده لها فنظرت إليه وابتسمت ثم أمسكت بيده وبدأ بالركض بالحديقة وهي تركض بجواره، وعادل يشاهدهما من النافذة وشعر بالسعادة لرؤية ضحكتها بعد غياب طويل.
أما زياد، فكان بسيارة قمر وكاد يصل إلى الملهى ليأخذ سيارته، فنظر إلى قمر وقال: المطر شديد ليه كده؟
قمر: متقلقش بعرف أسوق.
نظر لها زياد وقال: مش عارف ليه حاسس براحة وأنا معاكي.
قمر: يمكن عشان فرق السن.
زياد: إنتي حاسة إني صغير يعني.
قمر: لأ خالص، ما شاء الله عليك دماغك وتفكيرك سابق سنك.
قاطع حديثهما صوت رنين هاتف قمر، فتلقت المكالمة وقالت: أيوة يا أحمد، عامل إيه يا حبيبي.
أحمد: برده يا ماما رفضتي، أنا نفسي أعرف إنتي مش عايزانا نرجع نعيش مع بعض ليه؟ ولا زي ما بابا بيقول إنك ما صدقتي خلصتي مننا.
قمر: يا حبيبي أخلص منكم إزاي، إنتو ولادي.
أحمد: يبقى تحاولي عشانا، كل الأمهات بتضحي عشان ولادها وإنتي مش عايزة تضحي ليه عشانا.
تنهدت قمر بضيق وقالت: عشان ديه تضحية صعبة أوي.
وصلت قمر وصفت السيارة بجوار سيارة زياد الذي يسمع المحادثة بينهما ويشعر بالضيق مما تمر به قمر، وانتظر حتى انهت المكالمة وتجمعت الدموع داخل عينيها، فقال زياد: الوضع صعب؟
قمر: ياسر بيضغط عليا بيهم، تخيل خلى الولد يقولي إني مش أم ومصدقت خلصت منهم.
زياد: ياااه، ده كده بيكره الأولاد فيكي.
تحكمت قمر ببكائها وقالت: متشغلش بالك يا زياد، إنزل إنت عشان تروح، وخلي بالك من المطر ده، وأنا هشوف هعمل إيه.
أومأ لها بحزن ثم ترجل من السيارة، وقبل أن يصل إلى سيارته توقف لبرهة، وشرد يفكر بأمر ما، ثم التفت إلى سيارة قمر مرة أخرى وجدها تبكي وحيدة، لا يعرف لما شعر بالمسئولية تجاهها، وكأنها شخص قريب منه للغاية، هل ذلك لأنها ساعدته وسمعت ألمه وحاولت أن تخرجه من تلك الحالة، أم انجذب إلى شخصيتها ولهدوئها، لم يعرف السبب الحقيقي لذلك الشعور، ولكن كانت النتيجة واحدة.
عاد إلى السيارة وطرق على الزجاج، انتبهت قمر إليه وفتحت الزجاج، فنظر لها ومياه الأمطار تغرق وجهه وجسده، وقال: تتجوزيني!
نظرت له بصدمة، تجمدت الحروف على ثغرها، وظلت تنظر إليه ولا تعرف كيف تتحدث، وكأنها نسيت الكلام.
رواية قلبي عدوك الفصل العاشر 10 - بقلم رباب حسين
قلبي عدوك.... الفصل العاشر
بقلم الكاتبة / رباب حسين
كان قرارًا مندفعًا، لم يفكر كثيرًا قبل أن يطلب ذلك الطلب منها، وبرغم ذلك لا يشعر بالضجر أبدًا. هل انجذب لتلك الشخصية المختلفة عن الفتيات اللاتي يعرفهن؟ أم لمس مشكلتها ورق قلبه على حالتها؟ فدموعها أضعفته.
تلك القطرات التي تساقطت من عينيها البريئة كانت أقوى سلاح لهزيمته، ثم أنذره عقله قائلًا: هل تهرب من حب أنين بزواجك منها؟
ولكن نفض تلك الفكرة سريعًا، فزواجهما ليس زواجًا بالمعنى المعروف، هو فقط سيساعدها.
نعم.... سيساعدها في حل مشكلتها كما ساعدته.
أخرس عقله، وطمئن قلبه، لن نحبها، لن تكون لنا زوجة، بل فقط ليلة واحدة وينتهي كل شيء.
أما هي؛ فنظرت له نظرة ثاقبة، وكأنها تقرأ أفكاره التي تدور بعقله الآن، بعد أن عاد داخل السيارة وجلس بجوارها، ثم ابتسمت وقالت: إنت اندفعت وندمت صح؟
زياد: لأ، أنا بس حبيت أساعدك، وزي ما قولتلك لو إتجوزتي حد إنتي متقبلاه هيبقى الموضوع أحسن، وأنا حاسس إن إحنا ارتحنا لبعض، لكن لو مش موافقة خلاص.
قمر: متهربش من حبك ليها بغلطة يا زياد، جوازك من واحدة تانية حتى لو محلل فهو هروب من اللي إنت بتمر بيه، يمكن معاك حق إن فتحنا قلبنا لبعض وكل واحد أتكلم عن مشكلته، ويمكن ده حسسنا إن فيه كيميا بينا، بس أنا مش هسمح إنك تدمر حياتك عشاني، وبعدين إنت أصغر مني بكتير ومش شايفة إن صح استغل وضعك لمصلحتي، أنا مش برفض عشان رفضي ليك أو إني مش متقبلاك أو فيك عيب مثلًا، لكن برفض عشانك.
زياد: وأنا بعمل كده عشانك، عايز أساعدك في حل مشكلتك، يمكن الطريقة غريبة بس أولادك محتاجين لأمهم، وأظن لو أتجوزنا مش هتحسي إنك بتضحي عشانهم، إعتبري اللي هيحصل بينا حلم وهينتهي.
قمر: ساعات بتحلم أحلام وتزعل إنك صحيت منها، يمكن كمان بنقعد نتخيل نهاية للحلم حلوة بعد ما بنفوق من النوم، وساعات بنصحى مفزوعين من حلم وحش، وفي حالتنا ديه هتصحى مش بس مفزوع؛ ده يمكن تصحى خسران حبك لأنين، أصل تخيل لو عرفت إنك سبتها بعد ما عملت حاجة غلط ورحت إتجوزت على طول، نظرتها ليك هتبقى وحشة جدًا.
زياد: أعتقد نظرتي ليها أوحش بكتير، بصي؛ أنا كده كده مش هرجع لأنين، الموضوع بينا بقى مقفول ومفيش سبيل للرجوع، فا خليني على الأقل أساعدك.
تنهدت ونظرت أمامها تفكر، هو قرار متسرع ولكن بالنهاية به حل لمشكلتها، ولن يتهمها أولادها بالتقصير بعد الآن، ثم نظرت إليه وهي تشعر بالأسف تجاهه، فقال: أنا اللي طلبت وأكيد هتحمل نتيجة طلبي، لو موافقة نطلع على المأذون حالًا.
قادت السيارة وذهبت إلى أقرب مأذون.
عاد آسر وأنين إلى داخل المنزل وهما يضحكان بسعادة، ثم اقترب منهما الخدم يحملون مناشف لهما، أخذ آسر منشفة ووضعها حول جسد أنين وقال: اطلعي غيري بسرعة عشان مترديش.
أومأت له وتوجهت نحو الدرج، وجدت قلبها يشعر بالراحة قليلًا وكل ذلك بفضل آسر، فالتفتت إليه وقالت بابتسامة: شكرًا، إنت فعلًا وجودك جنبي نعمة كبيرة، مع إن في الأول مكنتش بطيقك بس طلعت فعلًا حد جميل أوي.
آسر: أنا عارف إني ضايقتك كتير، بس كنت شايف إنك ماشية في طريق غلط، وبعدين لما شفتك مع صافي أول مرة ولابسة زيها قولت إنك شبها أكيد، حكمت عليكي غلط غصب عني، لكن دلوقتي إتأكدت إن الكلام اللي كنت بسمعه عنك صح، فا حقك عليا على كل كلمة قولتها في حقك.
أنين: أنا خلاص مش زعلانة، بالعكس أنا مبسوطة أوي إن بقى ليا أخ زيك.
كلمة كانت كافية بهزيمته، ارتسمت ضحكة تحمل الألم على ثغره، وحين التفتت لتصعد الدرج خيم الحزن على وجهه، نعم... أنا فقط أخ لها، هي لا تشعر بما أكن لها من مشاعر. نظر إلى الفراغ وتنهد بقوة وقال بصوت مسموع قليلًا: ده أنا أبعد من زون الصداقة، أنا في زون الأخوات، إحنا بعيد أوي يا أنين.
صعد إلى غرفته وبدل ثيابه، ثم رمى جسده على الفراش يهرب من تلك الحقيقة التي تلاحقه.
بعد وقت، كانت قمر تفتح باب منزلها وزياد خلفها، وحين أغلق الباب التفتت إليه وقالت: هشوف حاجة تلبسها غير الهدوم ديه عشان متبردش.
قال بصوت مرتعش: ياريت، أنا بردان أوي.
ركضت نحو الغرفة، ثم بحثت عن ثياب تناسبه وعادت إليه، ثم أشارت نحو الغرفة الأخرى وقالت: أدخل غير هدومك هنا بسرعة.
أخذ الملابس سريعًا، وذهبت قمر نحو المطبخ تعد له مشروب دافئ كي يساعده على التدفئة قليلًا، وبعد قليل طرقت الباب ودخلت الغرفة، وجدته بالفراش يدثر جسده تحت الغطاء ويرتعش بقوة، فقالت بقلق: شكلك داخل على دور برد شديد، ثواني هجيب غطا أتقل شوية.
ذهبت لتحضره وعادت سريعًا، كانت تحاول أن ترفع من حرارة جسده، وحين وضعت يدها على رأسه وجدت حرارته مرتفعة، نظرت له بفزع وقالت: إنت سخن، ثواني هجيب دوا ينزل الحرارة.
زياد: حاسس إن بطني بتوجعني.
كانت قمر تبحث عن دواء بأحد الأدراج بجواره ثم قالت: عشان اللي إنت شربته النهاردة ده، وديه أول مرة فا طبيعي يحصلك كده، خد بس الدوا وهتهدى.
زياد: سامحيني، مكنتش أعرف إني هتعب كده، ولا كان ينفع يحصل كده النهاردة.
قمر: متفكرش في أي حاجة دلوقتي غير صحتك، أي حاجة تتأجل عادي.
تناول الدواء والرعشة لاتزال تسيطر على جسده، ظلت قمر بجواره تحاول خفض الحرارة عن طريق الكمادات الباردة، وبعد وقت طويل غفى زياد وهو لايزال يرتعش، وظلت بجواره حتى هدأ ونام بعمق، ونامت قمر على الكرسي بجوار الفراش.
سطعت شمس الصباح، واستيقظ خالد وارتدى ثيابه ثم نزل ليتناول الفطار مع عائلته كالعادة، لم يجد زياد حول المائدة، فقال: هو زياد لسه نايم؟
نظرت حنان إلى تالين بتوتر وقالت: زياد... مرجعش من إمبارح.
عقد خالد حاجبيه وقال: يعني أيه؟ نام برا البيت؟ من إمتى ده بيحصل؟
حنان باندفاع: لأ أول مرة، معرفش عمل كده ليه.
خالد: اتصلي بالبيه شوفيه فين.
رفعت تالين الهاتف واتصلت به، كانت قمر متكأة برأسها على الفراش بجواره وهي جالسة على الكرسي، ثم انتبهت إلى صوت الهاتف، فأمسكت به دون أن تنظر إليه وتلقت المكالمة وقالت بصوت ناعس: ألو.
فزعت تالين ونظرت إلى الهاتف تتأكد من الرقم الذي اتصلت به، ثم أعادت الهاتف على أذنها وقالت: ألو... إنتي مين؟
قمر: إنتي اللي متصلة.
تالين بخوف: هو مش ده تليفون زياد.
انتفضت قمر على الفور ثم نظرت إلى الهاتف الذي بيدها، فتحت عينيها بصدمة حين رأت هاتف زياد، لم تعرف ماذا تقول فأنهت المكالمة دون رد.
نظرت تالين إلى خالد الذي يشتعل غضبًا وقال: هي واحدة اللي ردت عليكي؟
أومأت له تالين بالإيجاب وعينيها تدور بكل إتجاه كأنها تبحث عن ملجأ تختبئ به بعيدًا عن والدها الآن، فهي تعرف ما سيحدث.
وقف خالد وصاح عاليًا: ابنك باظ يا حنان، شايفة بقى بيعمل إيه؟! بينام برا البيت وستات، يا ترى مخبي إيه تاني؟
الصدمة احتلت وجه حنان، هل هذا هو ابنها زياد حقًا؟! كيف تغير هكذا؟
ثم أردف خالد قائلًا: أنا شكيت فيه من بعد ما قالي إنه مش عايز يتجوز أنين، استغربت هو إزاى مش عايز البنت المحترمة ديه، وشكي زاد لما لقيته مع البت اللي اسمها سالي يوم الحفلة.
ثم صمت قليلًا وأردف: أكيد البت ديه هي اللي معاه، أنا هعرف أجيبهم، وليلتهم مش معدية.
خرج من المنزل وغضبه مسيطر عليه، وحين وصل إلى الجامعة أمر بإحضار سالي إلى مكتبه وإن لم يجدوها يرسلو له رقم هاتفها، انتظر بمكتبه وهو يتنفس بصعوبة ولا يستطيع التحكم في أعصابه، بعد وقت طرقت سالي الباب ودخلت المكتب، ثم قالت: نعم يا دكتور.
وقف خالد أمامها وقال بصوت مخيف: فين زياد؟!
سالي بتوتر: مجاش.
خالد: وإنتي جيتي عشان تبعدي الشبهة عنك، صح؟
سالي: شبهة؟! يعني أيه؟
خالد بتهديد: بلاش لف ودوران بدل ما ارفضك من الكلية، فين زياد؟ نايم فين من إمبارح؟
سالي: صدقني يا دكتور معرفش.
خالد: عايزة تقولي إن مش إنتي اللي رديتي على تليفونه الصبح؟!
سالي بصدمة: لأ مش أنا، أنا معرفش حتى هو فين واتصلت بيه كتير إمبارح مردش عليا، هو حضرتك كلمته وفيه بنت ردت على تليفونه؟
خالد: اه، مين بقى ديه؟ وهو فين من إمبارح؟
نظرت له سالي بحزن وقالت: يعني زياد يعرف واحدة تانية، وكمان بايت برا البيت معاها، لأ مش ممكن، زياد ميعملش كده، ما يمكن في مستشفى وممرضة اللي ردت عليك.
خالد: ده بقى الحوار اللي متفقين تقولوه قدامي صح؟
سالي: يا دكتور أنا مش بكدب على حضرتك، وحقيقي معرفش هو فين.
خالد: لو نفترض فعلًا إن كلامك صح، ليه قفلت في وش أخته ومن بعدها عمالين نتصل ومحدش بيرد؟
سالي بتوتر: معرفش بجد، أنا معرفش عنه أي حاجة من إمبارح الصبح، لما كنا هنا في الجامعة.
خالد: اسمعي كلامي كويس ونفذيه أحسنلك، سواء إنتي اللي كنتي معاه أو لأ أنا مش عايز أشوفك حواليه تاني أبدًا.
سالي: لأ اطمن يا دكتور، لو فعلًا زياد عمل اللي حضرتك بتقوله ده فا أنا كده كده هبعد عنه فعلًا.
تركت الغرفة وخالد يجوب بداخلها، أما سالي فلم تعد إلى المدرج وظلت بالخارج تبكي على تلك الصدمة التي اختار قلبها، فبعد ما فعلت كي يصبح ملكًا لها؛ ابتعد عنها الآن أكثر.
انتهت المحاضرة وخرج أنين وصافي وآسر، كانت صافي تبحث عن سالي التي لم تعد منذ أن ذهبت إلى مكتب خالد، وعندما رأتها ولاحظت بكائها ذهبت نحوها فورًا، وظل أنين وآسر يشاهدان ما يحدث من بعيد دون تدخل.
كانت قمر تقف أمام الفراش وتنظر إلى زياد وهو نائم بتوتر، وهاتفه لم يتوقف عن استقبال المكالمات.
فتح زياد عينيه بإرهاق ولاحظ توتر قمر وهي تنظر إلى هاتفه، اعتدل في جلسته ونظر إلى النافذة فوجد أن الصباح قد حل، لقد قضى الليل خارج المنزل ومن المؤكد أن والده لن يجعل هذا التصرف يمر مرور الكرام.
أمسك هاتفه كي يستقبل مكالمة تالين، ولكن أوقفته قمر على الفور وقالت بتوتر: لأ... استنى متردش.
زياد: فيه إيه؟!
قمر: أنا... أنا رديت عليها وأنا نايمة بالغلط، إفتكرته تليفوني ومقدرتش أفتح عيني من كتر التعب، ولما قالت اسمك قفلت على طول.
تنهد زياد بضيق وقال: تبقى مصيبة لو بابا عرف بالموضوع ده.
قمر: فكر هتقولهم إيه قبل ما ترد.
زياد: هتكلم مع تالين أفهم الوضع الأول، يمكن بابا معرفش.
استقبل المكالمة وسمع صوت تالين الغاضب على الفور وهي تقول: أخيراً رديت.
زياد: في حاجة حصلت؟
تالين باستهزاء : لأ ولا حاجة، بابا عرف إنك بايت برا ومعاك واحدة، بسيطة خالص.
أغمض زياد عينيه وقال: مصيبة.
تالين: أنا بجد مش مصدقة، كل الكلام اللي سمعته عنك طلع صح، أنا مصدومة فيك يا زياد جدًا.
عقد زياد حاجيبه وقال: كلام إيه اللي سمعته عني؟
تالين: إنك مقضيها ديسكوهات وبنات، معقول يا زياد تعمل كده؟!
زياد: مين اللي قالك الكلام ده؟ أنا مش كده طبعًا.
تالين: ما هو بعد اللي حصل النهاردة مش هصدقك، وخصوصاً الهانم اللي ردت عليا.
زياد: يا بنتي إنتي فاهمة غلط، مين قالك كده أصلًا؟
تالين: آسر هو اللي قالي.
زياد: هو آسر ده ورايا ورايا! كدب طبعًا، إنتي عرفاني كويس أنا مش بتاع الهبل ده.
تالين: يعني أنين مشفتكش هناك؟! هو قالي إنك رحت واتخانقت معاها وكان معاك واحدة تانية، وإنك مرتبط بيها دلوقتي.
زياد: أنا رحت مع سالي بعد ما عرفت إن أنين بتسهر هناك كل يوم، هي اللي قالتلي على حقيقتها، عشان كده قررت متجوزهاش، واللي حصل إمبارح ملوش علاقة بالكلام اللي قاله آسر.
تالين: طيب مين اللي ردت عليا؟
نظر زياد إلى قمر بتوتر ثم قال: ديه... مراتي.
صاحت تالين بصوت وقالت: مراتك! إنت إتجوزت من ورانا يا زياد؟
تفاجأت بصوت حنان التي سمعت ما قالته تالين وقالت: مين اللي إتجوز؟
سمع زياد صوت حنان فأغمض عينيه بضيق وقالت تالين: أقفل دلوقتي يا زياد.
ثم أنهت المكالمة والتفتت نحو حنان وقالت: إهدي يا ماما، براحة عشان نعرف نتصرف.
حنان: نتصرف إيه؟ أخوكي إتجوز، هقول إيه لخالد؟!
تالين: خلينا نبص للجانب الإيجابي، يعني كنا فاكرينه عمل حاجة غلط وحرام، لكن دلوقتي هي حاجة غلط بس، والغلط بيتصلح عادي.
حنان: مع خالد؟! أبوكي مش بيعدي الغلطة الصغيرة، هيعدي غلطة زي ديه؟!
نظرت لها تالين ولم تجد ما تقوله.
أما زياد فنظر نحو قمر التي تبكي، ثم قالت: أنا آسفة يا زياد، أنا السبب، مكنش قصدي أعمل مشكلة زي ديه.
زياد: إهدي، مفيش لوم عليكي، كفاية إنك سهرتي جنبي طول الليل وأنا عيان.
قمر: هنعمل إيه؟
زياد: هو أي عذر هقوله مش مقبول، أنا هروح البيت.
كاد ينهض من الفراش فقالت قمر: إنت لسه تعبان، مينفعش تنزل وإنت في الحالة ديه، ده غير إن هدومك لسه مبلولة، ومش هخليك تلبسها تاني وتنزل بيها.
زياد: معنديش حل، لازم أنزل، بابا هيقلب الدنيا لو عرف الحقيقة.
شعرت بالذنب أكثر، فقد أوقعت زياد بمشكلة دون قصد، فالتفتت بعيدًا عنه حتى لا يرى دموعها، فوقف زياد وذهب نحوها، ثم وضع يده على شعرها بحنان وقال: متعيطيش، أنا هتصرف، هيحصل إيه يعني؛ هيطردني من البيت؟ هرجع هنا تاني، إعتبريني ضيف تقيل شوية.
فالتفتت إليه وقالت: حقك عليا، أنا غلطت لما وافقت على الجواز، لو كنت أعرف إني هبقى السبب في مشكلة زي ديه كنت بعدت عنك فورًا.
زياد: أنا اللي طلبت الجواز وكان قراري مش قرارك، وأنا هتحمل نتيجة قراري مهما حصل، معلش هنأجل الليلة كمان النهاردة.
قمر: مش مهم، متفكرش فيا خالص دلوقتي، المهم إنت.
ابتسم إليها وذهب ليبدل ثيابه التي لاتزال مبتلة، وبرغم جسده المرتعش إلا أنه أصر على العودة إلى المنزل.
أما أنين وآسر فكانا يجلسان معًا، ثم قالت أنين: من عياط سالي كده فا أكيد إتخانقت مع زياد، خصوصًا إنه مجاش النهاردة.
زفر آسر وقال: المفروض منهتمش باللي بيحصل بينهم، ولا إيه؟
أنين: هو مش اهتمام، بس فضول.
آسر بحزن: لسه بتحبيه.
لم تتحدث أنين، ثم اقتربت صافي منهما وقالت: مش هتصدقو، دكتور خالد طلب سالي عنده في المكتب عشان يسألها إنتي اللي كنتي مع زياد طول الليل ولا لأ، عشان زياد نام برا البيت إمبارح ولما اتصلو بيه من البيت واحدة اللي ردت عليهم.
نظر آسر إلى أنين التي ظهرت الصدمة على وجهها، كيف لذلك الشاب الذي كان مثال للأخلاق أن ينحدر إلى هذا الوضع؟! أم هي من كانت لا تراه على حقيقته؟
أما صافي فلم تعد تشعر بالندم مما فعلته معهما، فزياد أسوء مما تخيلت.