رواية خلف الظلام الجزء الخامس عشر 15 بقلم عادل عبدالله خلف الظلامرواية خلف الظلام الحلقة الخامسة عشر تنزل أميرة بسرعة وتدخل المحل وتقف أمام أسامه وتقول له بحدة : أنت لسه هنا ؟ أنت فاكر نفسك ايه؟ اسمعني كويس يا أسامة ، وجودك هنا هيدمر كل حاجة ، لو مش مشيت و غرت من حياة رضوى ومن المحل ده دلوقتي ، أنا اللي هروح لطارق وأقوله على كل حاجة ، ومش هيهمني اللي هيحصل بعد كده فاهم ولا لأ ؟ في نفس الوقت …
كان طارق مازال يقف عند درج المنزل يفكر ، لماذا كانت أميرة عند رضوي ؟ ولماذا أخفت وجودها عنه ولم تلقي عليه التحية ؟ بالتأكيد أميرة تعلم بالسر الخفي لزوجته مع هذا الشاب ! يبدو أن خطته تسير بخطي ثابتة نحو النجاح . فلم يمر اليوم الثاني علي وصوله حتي بدأت تنفك عقد بعض الخيوط أمامه . عاود طارق النزول مرة أخري ، خرج من المنزل ودخل المحل ببطء متعمد يخبط بعصاه ، بينما عيناه تري ملامح أميرة الغاضبة ووجه أسامه العابس .
ينقطع مشهد المواجهة المشحون و تسكت فجأة أميرة في إرتباك ، فيسأل : صوت مين اللي كنت سمعه دلوقتي ؟ دي أميرة ، صح ؟ أميرة ” بأرتباك ” : أيوه ، كنت بشتري شوية طلبات للبيت . عيناه ترقب أرتباكها الظاهر ويقول : نورتي المحل يا أميرة . أميرة : بنورك يا طارق ، وتشير بطرف عينها لأسامة ، فيقول لها أسامة : أتفضلي يا مدام طلباتك . ثم يسأله : حضرتك نسيت حاجة هنا يا استاذ طارق ؟ طارق : لأ يا سمسم ، بس أفتكرت إني عايز علبة جبنة .
أسامة : كنت حضرتك قولتلي وأنا أطلعهالك لحد عندك فوق . طارق ” بحزم ” : لأ … ثم يخفض حدة صوته قليلاً : بلاش تطلع فوق ، علشان المحل ميكونش لوحده . يسجل طارق في عقله أن أميرة شريكة أو على الأقل تعلم السر الخفي بين رضوي و هذا الشاب وتتستر عليه .
في هذا الوقت كانت رضوي تبكي فلحظة كشفها باتت أقرب مما كانت تتوقع ، الآن أصبحت كمن زلفت قدمه في بحرٍ للرمال وشعر بالخطر ، وكلما حاول الهرب والنجاة بنفسه إزدادت أقدامه غوصاً و بات علي وشك الهلاك . الآن ليس أمامها سوي حل واحد ، لابد أن تدبر المبلغ الذي طلبه منها أسامة بأي شكل وفي أسرع وقت ممكن حتي يختفي من حياتها بشكل نهائي .
يصعد طارق لشقته ويدق الباب فتفتح له رضوي ويري من خلف نظارته السوداء وجهها غارقاً في بركة من الدموع ، فيتجاهل ذلك حتي لا ينكشف أمره . تحاول رضوي أخفاء حالة الحزن وتسأله بصوت واضح : طلعت علطول ليه ؟ كنت خليك في محلك تتابعه . طارق : هتابع ايه يا رضوي ؟ هو أنا شايف حاجة علشان أقدر أتابع ؟! رضوي : أسفة يا طارق مش قصدي ، تحب أجهزلك الغدا ؟ طارق : لأ مش دلوقتي ، أنا هقعد أسمع الراديو .
يجلس طارق في مكانه المعتاد ويعبث بالراديو بينما عيناه تراقبها ، يلمح رضوى وهي تفتش في دولاب الملابس أو تحاول أخذ شيء في الخفاء ، فيتركها تفعل ذلك وكأنه لايراها ، حتي يلملم كل خيوط جر,يمتها في يديه . في المساء في شقة عماد يجلس عماد يتابع تسجيل الكاميرا وفجأة تظهر أميرة علي الشاشة حين دخلت منزل رضوي ثم نزلت بعدها للمحل ، ثم يري دخول طارق خلفها ! لم يعد قادراً على الصمت !! ينادي أميرة بصوت حاد عالٍ ،
ثم يواجهها : تعالي قوليلي ايه اللي حصل النهاردة ؟ طلعتي عند رضوي وبعدين دخلتي عند الولد اللي شغال في المحل وبعد منك علطول دخل طارق !! قوليلي ايه اللي بيحصل من ورايا يا هانم ؟ ايه السر اللي كلكم عارفينه ومخبيينه عني ؟ صراع محتدم داخلها ، تريد أن تحسمه في ثوانٍ معدودة ، هل تحافظ علي سر رضوي لتعطيها فرصة أخيرة أم تبوح بكل شئ بعد محاصرة عماد لها . فقالت له : أهدا بس يا عماد وأنا هقولك كل حاجة .
عماد ” بعصبية ” : أنطقي ، أتكلمي علطول . أميرة : أنا شايفاك علطول مشغول و قلقان من ناحية الشاب اللي أشتغل في المحل ، فقولت أروح لرضوي وأحاول أسحبها في الكلام وأفهم منها ، لكن فضلت أرن عليها الجرس كتير ومفيش حد فتح ، قولت اكيد هي في المحل ، علشان كده نزلت أشوفهم بيعملوا ايه في فلوس أخوك وهو مش حاسس . عماد : وبعدين ؟
أميرة : نزلت مكنتش رضوي موجودة ، كان سمسم ده واقف لوحده قولت فرصة أحاول أوقعه في الكلام يمكن نعرف أي حاجة . عماد : وعرفتي حاجة ؟ أميرة : ملحقتش ، يدوب أنا دخلت وبكلمه أخوك طارق دخل ورايا ومعرفتش أتكلم . ظل عماد ينظر إليها وكله شك وريبة ، كلامها يبدو منطقياً ولكن لغة جسدها وملامحها تخبره بقوة بكذبها . اغلق عماد الشاشة ونزل وهم بالنزول سريعاً ، فسألته أميرة : رايح فين يا عماد ؟ لم يلتفت لها وفتح الباب ونزل مباشرة .
دخل المحل ليجد أخاه يجلس جانباً وسمسم يقف يبيع للزبائن . تفاجئ طارق بدخول عماد بهذا الشكل ! حتي كاد أن يكلمه ، لكنه تماسك سريعاً قبل أن ينكشف أمره . عماد يقف أمام أسامة مباشرة قائلاً : أنت بتعمل ايه بالظبط ياض أنت هنا ؟ يشتاط أسامة غيظاً حتي كاد أن ينفجر في وجهه ولكنه تماسك قائلاً : بشتغل ، ببيع للزباين زي ما أنت شايف . يتدخل طارق : فيه ايه يا عماد ؟ عماد : الواد ده لازم يمشي من المحل دلوقتي حالاً .
أسامة ” يحاول تمثيل البراءة ” : أنا عملت ايه علشان عايز تقطع عيشي ؟ طارق : أهدا يا عماد وفهمني هو عمل ايه ؟ عماد : الواد ده فيه مصيبة وراه . طارق : ايه المصيبة دي ؟ وضح كلامك يا عماد . عماد : مش هينفع أقول أكتر من كده ، علشان الناس اللي واقفين . ينصرف الزبائن ويخلو المحل إلا منهم . طارق : أتكلم يا عماد ، ايه المصيبة اللي ورا سمسم ؟ يستشعر سمسم الخطر ، فيمسك بسكين الجبن من خلف الثلاجة .
عماد : الواد ده فيه حاجة بينه وبين رضوي مراتك . أسامة : ايه اللي بتقوله ده ؟! أنا مفيش بيني وبينكم كلكو إلا أكل العيش . طارق : تقصدك ايه يا عماد ؟ ايه اللي بينه وبين رضوي ؟ عماد : معرفش بالظبط فيه ايه ، لكن أنا متأكد أن ….. يقاطعه طارق : يعني أنت متعرفش ومفيش في ايدك دليل وجاي تعملي شوشرة في المحل وتسوأ سمعة مراتي وتقطع عيش الواد الغلبان ده كمان . عماد ” بدهشة ” : أنا يا طارق ؟! أنت بتقول الكلام ده لي أنا ؟!
ده أنا بعمل كده علشان خايف عليك وعلي عرضك وفلوسك . يشعر أسامة بالأنتصار وتتبدد مخاوفه فيترك السكين ويضعها مكانها ثم يستكمل تمثيله : حسبي الله ونعم الوكيل ، هو أنا عملت حاجة علشان عايز تقطع عيشه بالشكل ده يا أستاذ عماد . طارق : سمسم لغاية دلوقتي مشوفتش منه حاجة وحشة ، ومراتي مشوفتش منها غير كل خير ، وهي الوحيدة اللي واقفة جنبي وهتبقي أم ابني بعد كام شهر .
أنف،جرت الكلمة لتطيح بعماد أرضاً ويسقط أخر جدار من جدران العقل ، فيصيح له بجنون : هي كمان حامل ؟ طارق : أيوه حامل . عماد : و عايز دليل أكتر من كده ايه ؟ مراتك حامل من مين يا طارق ؟ طارق : أوعي تزود كلمة واحدة ! رضوي حامل مني أنا طبعاً . عماد : أنت عقيم يا طارق ، أنت نسيت ولا ايه ؟! أنت أزاي تبقي عارف إنها بتخونك وبتلبسك عيل مش ابنك وتفضل ساكت ؟! طارق بحركة طبيعية لا إرادية يرفع كفه ويصفعه علي وجهه .
يصاب عماد بالذهول !! يتدارك طارق الموقف ويطيح بيده يمينا ويساراً وكأنه يحاول صفعه مرة أخري . يمسك عماد كف أخيه ويبعده عنه وقائلاً : أنت علشان أخويا الكبير بس مش هحاسبك علي اللي عملته ده دلوقتي ، لكن خليك فاكر هيكون ما بينا حساب لما الحقيقة تبان . ينصرف عماد في غضب بينما يلاحظ طارق من خلف نظارته السوداء علامات السعادة علي وجه سمسم ! يريد أن يفتك به ، لكن ينقصه الدليل !
لا يملك الآن الدليل ولكن يشعر بأنه قد بات قريباً . صعد عماد إلي أميره يكاد أن ينف،جر غضباً ، وما أن دخل المنزل حتي أمسك بيد أميرة بقوة قائلاً : صحبتك حامل . فتتسع حدقات عينها لأخرها ! ثم يكمل : عايزة تلبس طارق عيل مش ابنه ! زي ما كنت متوقع بالظبط ، عايزة تلبسه عيل ومش بعيد بعدها تتخلص منه علشان تورث كل فلوسه ! أميرة : مين اللي قالك إنها حامل ؟ عماد : يعني أنتي مش عارفة ؟ أميرة : والله أبداً .
عماد : طارق بنفسه اللي قالي ، والمصيبة إنه مقتنع إن الحمل ده منه ! أميرة : اهدا يا عماد ارجوك ، أنا بكره الصبح هروح لرضوي وأفهم منها كل حاجة ، أكيد فيه حاجة غلط . عماد : عايزة تفهميني إنك مش عارفة كل حاجة ؟ أميرة : والله أول مرة أعرف منك دلوقتي إنها حامل . عماد : وأنتي فاكرة إن الحية دي هتقولك الحقيقة ؟ ده أنتي بتحلمي ، إذا كانت خبت عليكي خبر حملها !
أميرة : أديني فرصة لحد بكره الصبح ، وبعد كده أعمل كل اللي نفسك فيه . في شقة طارق يفاجئ طارق بصوت دقات جرس الباب ، تفتح رضوي ويري أميرة تدخل وتتكلم معها بصوت خافت ! طارق : مين يا رضوي ؟ رضوي : دي أميرة مرات أخوك عماد . طارق : أتفضلي تعالي يا أميرة . أميرة : صباح الخير يا طارق . طارق : خير ! هييجي منين الخير ! جوزك قالك علي اللي حصل أمبارح ؟ أميرة : معلش ، ياما بيحصل بين الأخوات .
رضوي : معلش يا طارق ، أميرة عايزاني في حاجة خاصة . طارق : سر بينكم يعني ولا ايه ؟ رضوي : حاجات ستات يا راجل ، بلاش تكسفنا . تدخل أميرة مع رضوي أحدي الغرف وتغلق بابها جيداً … أميرة : ايه اللي أنا سمعته ده ! أنتي صحيح حامل ؟ رضوي : أيوه ، أنتي ملاحظتيش بطني ؟ أميرة : أزاي يا رضوي ؟ أزاي ؟! طارق جوزك عقيم ! رضوي : مش عقيم ، كان بيتعالج وخف والحمد لله . أميرة : أنتي بتكدبي عليا يا رضوي . رضوي : وحياتك مبكدبش .
أميرة : أنتي كل كلامك كدب في كدب ، أنا كده خلاص مفيش ذرة ثقة فيكي . رضوي : أنتي كمان هتظلميني ؟ ده أنتي الوحيدة اللي حساكي زي أختي بالظبط . أميرة : لأ ، أنسي الكلام ده ، أنا جاية أقولك إن الوعد اللي وعدتك بيه خلاص أنتهي و النهاردة هقول لعماد كل حاجة . رضوي : أوعي يا رضوي ، أوعي تقولي حاجة . أميرة : أنا خلاص مش هينفع أستر علي سرك أكتر من كده . رضوي : أرجوكي متتكلميش ، أنا النهاردة هخلص كل حاجة . أميرة : أزاي ؟
رضوي : هبيع حاجة من الدهب بتاعي وادي الفلوس لأسامة علشان يغور بعيد عني . أميرة : يعني النهاردة أخر يوم لأسامة في المحل ؟ رضوي : أيوه ، ولو بكره شوفتيه في المحل ابقي اعملي اللي انتي عايزاه . أميرة : رغم إني مش موافقاكي علي اللي بتعمليه ده ، لكن دي أخر فرصة ليكي ، ولازم كمان تثبتيلي إن اللي في بطنك ده ابن طارق . تنصرف أميرة ثم ينزل طارق إلي المحل بصحبة رضوي . رضوي : هسيبك أنا بقي وأروح أشتري شوية طلبات .
طارق : أحنا رجعنا لمشوار كل يوم تاني ! المحل عندك أهو خدي اللي ناقصك وأي حاجة تحتاجيها خلي سمسم يجيبها . رضوي : لأ ، أنا أتخنقت من قعدة البيت ، هروح أشتري الطلبات ومش هتأخر . طارق : ماشي يا رضوي ، خلي بالك من نفسك وبلاش تتأخري . تنصرف رضوي ويظل طارق في المحل يرقب تصرفات سمسم من خلف النظارة السوداء ، حتي يلاحظ أنه أستغل خلو المحل من الزبائن وأخذ بعضاً من أموال المحل ووضعها في جيبه !
كاد أن يقف ويواجهه ولكنه تماسك وأجل المواجهة ، فالخيوط أصبحت أكثر تشابكاً والمواجهة أصبحت حتمية وفي أقرب وقت .
مر أكثر من ساعتين حتي لاحظ دخول رضوي متسللة إلي المحل ، لم تنطق بكلمة ، بل أخرجت كيس أسود صغير وبدأت تتهامس مع سمسم أمامه ، وتلتفت إليه لتتأكد أنه لم يشعر بوجودها ، ثم فتحت الكيس الأسود الصغير وأخرجت منه خمسة حزم كبيرة من المال ، بينما كانت تلمع عيون سمسم وهو يري الأموال قبل أن يلمسها ، فمدت يدها لتعطيه أياها … فنهض طارق واقفاً ورفع نظارته السوداء عن عينيه وطرحها أرضاً ، لتحدث رنيناً حاداً شق صمت المكان كطلقة رصاص .
التفتت رضوى بجسدها لكن قدميها تجمدتا في الأرض ، وترنحت ركبتيها حين رأته ينظر في عينيها ! لم تكن عينا طارق تائهتين كالمعتاد ، لم تكن نظرته باهتة ، بل كانت عيناه حادتين ، وكانت كلماته كطلقات رصاص حين سألها : : فلوس ايه اللي بتديهاله دي ؟ حاولت رضوى أن تنطق ، لكن لسانها قد سكن مكانه عاجزاً عن الحركة !
ماتت الكلمات بين شفتيها و تراجعت خطوة للوراء لتصطدم بالرفوف ، وهي تنظر للرجل الذي كانت تظنه غارقاً في الظلام ، فإذ به يغمرها بنور كاشف يفضح كل شئ ، فسقطت الأموال من يدها و سقطت كل الأقنعة في لحظة واحدة .
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!