تحميل رواية «خارج المكتب» PDF
بقلم روان ابراهيم
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
اقرأ خارج المكتب بقلم روان ابراهيم.
رواية خارج المكتب الفصل الأول 1 - بقلم روان ابراهيم
م
"كان صوت رنين الموبايل مبيفصلش، والاسم اللي منور الشاشة كان كفيل يخلي أعصابي تتشد أكتر ما هي مشدودة.. "مستر محمود".
بصيت للموبايل ببرود وأنا برفع حاجب واحد، وبحركة سريعة ضغطت على زرار الباور وقفلت الفون خالص.. وانا بكلم نفسي: " هو مفكرني تحت امروا؟؟ يزعق ليا ويبهدلني على حاجه مش بايدي وبعد كدا عايزني
اتعامل عادي! دا بعينوا"
وقفت قدام المراية الطويلة، الأوضة كانت هادية بس جوايا كان فيه دوشة كبيرة. السنتين اللي قضيتهم في الشغل معاه مكنوش سهلين، سنتين من التحكمات، و، والوقوف على الواحدة. النهاردة بالذات، بعد خناقة الصبح والسم اللي سمعهولي عشان اتأخرت بسبب حادثه على الطريق اتاخرت بسببها خلتني اجيب آخري، هو ايوا كان متعصب بطريقه مريبه ودا مش طبعوا بس انا ميخصنيش مش من حقو يزعقلي بالطريقه دي
طلعت الفستان من الكفر بتاعه.. فستان أسود سهرة، بسيط بس ملفت. قماشته كانت ناعمة وبتاخد شكل الجسم، ومفتوح من عند الكتف بطريقة جريئة مش من طبيعتي ألبس كدا بس حسيت اني عايزه اعمل شوية تغيير، بدأت أجهز نفسي بكل هدوء.. رفعت شعري بطريقة احترافية سابت خصلات بسيطة نازلة على وشي، حطيت ميكب خفيف بعد شويه خلصت وبصيت على نفسي وانا برمي بوسه في الهوا مُزه وربنا
نزلت وركبت تاكسي وانا بفكر فيه يا ترى متعصب مني؟ ولا مش فارق أول ما التاكسي وقف قدام القاعة، شفته.. كان واقف ساند على عربيته السوداء لابس بدلة سودة كأنها متفصلة عشانه بعدت عيني بتوتر نزلت من التاكسي، اول ما رجلي لمست الأرض عينوا جت في عيني وكان باين عليه أن هو على آخروا بلعت ريقي بتوتر وانا مش محتاجه اسال مالوا إيده اللي كان بيضغط بيها على مفتاح العربية كانت كفيلة تجاوب. وقف قدامي، ريحة برفيومه القوية خبطت فيا وحسيت بجاذبية غريبة رغم الخوف، ميل عليا شوية وقال كلمة واحدة هزتني من جوايا رغم ثباتي:
- ورايا
"مشيت وراه وانا بحاول مبانش مهزوزه من نظراتوا ليا القاعة كانت تحفه جداً، النجف الكريستال والإضاءة الهادية والأغاني الكلاسيك في الخلفية.. كل حاجة كانت مثالية، إلا العلاقة اللي بيني وبين هولاكوا اللي ماشي قدامي ده.
دخلنا والأنظار كلها اتجهت لينا.. أو بالأصح "له". محمود ليه هيبة في الشركة محدش يقدر ينكرها، بس المرة دي الهمس زاد لما شافوني جنبه..مش اول مره اروح معاه حفله بس حاسه ان المرادي غير حاولت اهدي نفسي بس فشلت جدا وانا سامعاه بيكلمني بنبرة أمر:"
- تقعدي هناك وملمحكيش بتتحركي من مكانك
بصوت واطي بس حاد:
مستر محمود، أنا هنا بصفتي موظفة مدعوة للحفلة، مش عسكري في كتيبة حضرتك.. هقعد لما أعوز، وهتحرك لما أعوز.
شفت فكه بيتحرك بغضب، وعينيه لمعت بلمعة غريبة، كأنه كان مستني الرد ده عشان ينفجر، بس كتم غضبه بالعافية وقال من بين سنانه:
- روان.. متختبريش صبري النهاردة بالذات، قولت اقعدي يبقى تقعدي.
"مرت نص ساعة، الحفلة كانت بدأت تسخن، والموظفين بدأوا يندمجوا ويضحكوا. كنت شايفة محمود من بعيد، واقف مع شوية رجال أعمال، بس الغريبة إن كل ما عيني تلمحه، ألاقيه بيبص في ساعته وبعدين يبص عليا.. كأنه بيعد الدقائق عشان الحفلة تخلص."
فجأة، لقيت ظل وقف قدامي، رفعت راسي ولقيته شادي زميلي في الشغل. شادي بملامحه الهادية وابتسامته اللي دايماً بتخليني أرتاح:
إيه يا بنتي؟ قاعدة لوحدك كأنك في عقاب ليه؟ دا الفستان النهاردة عامل قلق في القاعة كلها!
"ضحكت بخفة وحسيت نظرة محمود ليا كلها خنقه وغضب اتجاهلتوا وانا برد على شادي ببسمه:"
- عادي يا عمنا...حاسه بزهق اصلا
- تؤ تؤ ينفع تزهقي وانا موجود(مدلي أيدوا) ينفع تسمحيلي بالرقصه دي؟!
كنت لسه هرفض بس جه صوتوا من ورايا
- يا حنين!..معلش الآنسه مبترقصش
اتنرفزت واتكلمت بعند:
- لا مين قال كدا؟..بالعكس أنا حتى زهقانه
" بصيت بطرف عيني على محمود عروقوا برزت وكان بيضغط على أيدوا بعنف
خوفت بصراحه ولثواني كنت هتراجع بس افتكرت اني اصلا مش طيقاه"
"شادي مد ايدوا ليا وانا كنت رايحه معاه بس قبل ما ايدي توصلوا لقيت نفسي ملفوفه ناحية محمود وايدوا بقت على وسطي وثبت عينوا في عيني وهو بيكلمني"
- مش انتي زهقانه اوي كدا وهتموتي وترقصي؟..تمام تعالي معايا
" شدني معاه ومعبرش شادي حتى انا كنت مصدومه ومبرقه مش مستوعبه الموقف قلبي كان بيدق بعنف وهو بيحركني بين أيدوا شبه الفراشه!"
(محمود)
" كنت حاسس بنار بتحرق في روحي من مجرد تخيل أن هى تكون بين ايديه محستش بنفسي غير وانا بسحب الهانم معايا عايزه ترقص؟ ومالوا بس الاكيد مش مع حد غيري كفايه فستانها اللي مخليني اولع"
(روان)
"الموسيقى بدأت تعلى و محمود قربني منوا لدرجة اني حسيت بانفسوا السخنه بتضرب في وشي"
اتكلمت بلغبطه وغضب:
- أنت بتعمل إيه؟؟ سيب إيدي الناس بتتفرج علينا!
رد بابتسامة باردة وعينيه لسه مثبتة في عينيا:
مش أنتي اللي كنتِ زهقانة وعايزة ترقصي؟ أدينا بنرقص.. ولا هو الرقص مبيحلاش غير مع سي زفت؟
حاولت ابعد أيدوا عني بس كان ماسك فيا جامد
- انت مالك؟ بجد يعني انت مالك انت مجرد مديري في الشغل اكتر من كدا ملكش اي حاجه عندي
ضغط على خصري بخفة وهمس بصوت واطي ومبحوح:
في الشغل مديرك.. لكن برا الشغل، أنتي عارفة كويس يا روان إن مفيش راجل مسموح له يقرب منك طول ما أنا موجود، والفستان ده.. حسابك معايا عليه بعدين (روان):
"كنت حاسة إن الأرض بتلف بيا، كلامه كان صدمة ومكنتش عارفة أرد أقول إيه! غضبي اتبخر وحل محله توتر مريب.. وفجأة، النور هدي أكتر والموسيقى بقت أهدى، ومحمود مكنش ناوي يسيبني.. بالعكس، ده وترني اكتر لما همس في ودني:
- 'الحفلة خلصت بالنسبة لك يا روان.. يلا بينا.
مستنش ردي، وسحبني من إيدي وسط ذهولي وذهول الكل وخرجنا للهواء الساقع برا القاعة.. وأنا ماشية وراه كنت بسأل نفسي: اي معنى كلاموا دا؟ واي التحول الغريب اللي بقا فيه؟
رواية خارج المكتب الفصل الثاني 2 - بقلم روان ابراهيم
"مستناش ردي وسحبني من ايدي وسط ذهولي وذهول الكل خرجنا للهوا الساقع برا القاعه وانا ماشيه وراه كنت
بسال نفسي: اي معنى كلاموا دا؟ واي التحول الغريب اللي بقا فيه؟
كنت بحاول ألحق خطواته السريعة والواسعة، لدرجة إني كنت شبه بجري وراه والكعب العالي مكنش مساعدني نهائي.
الهواء الساقع برا القاعة خبط في وشي فجأة، حسيت برعشة خفيفة مش بس من البرد، لكن من منظر ضهر محمود اللي كان ماشي قدامي وكأنه قنبلة موقوتة هتنفجر في أي لحظة.
قبضته على إيدي كانت قوية، مش لدرجة الوجع، بس كانت لدرجة إن مفيش مفر.. كأنه بيثبت حاجة للكل وبيتحداني أنا شخصياً
وصلنا عند العربيه وهو قالي
- اركبي
قالها بطريقه خلت قلبي يدق بعنف ف ركبت وانا متوتوره منوا
دور العربية وانطلق بسرعة جنونية، كنت بشوف أعمدة النور في شوارع اسكندرية بالليل وهي بتجري من قدامنا زي شريط سينما سريع. كنت ماسكة في حزام الأمان وإيدي بتترعش، حاولت أجمع شجاعتي وأبان قوية وقلت بصوت عالي عشان يعلو على صوت الموتور:
- مستر محمود... لو سمحت هدي السرعه احنا كدا هنعمل حادثه!
مردش عليا، فضل باصص قدامه وعينيه مثبتة على الطريق بتركيز مرعب، وعروق إيده اللي ماسكة الدريكسيون كانت بارزة وكأنها هتقطق. الصمت في العربية كان يخنق، مكنش فيه صوت غير أنفاسه العالية والمنتظمة بغضب، وصوت العربية وهي بتجري على الطريق السريع.
بعد حوالي عشر دقائق من السواقة المتهورة، فرمل فجأة بقوة على جنب الطريق في مكان هادي وضلمة شوية، لولا الحزام كنت هخبط في التابلوه.
اتكلم بهدوء مرعب:
- ممكن اعرف اي اللي كنتي ناويه تعمليه مع شادي؟؟
- وانت مالك؟؟ انت بجد مالك انا حُره اعمل اللي انا عايزاه انت ملكش اي حكم عليا نهائي كفايه اني مستحمله سنتين من القرف والتهزيق معاك انا بجد زهقت..كملت بصوت موجو...انا مش عايزه اكمل في الشغل دا كفايه إرهاق لاعصابي
سكت.. السكوت اللي جه بعد
جملتي كان أصعب من صوته وهو بيزعق. لمحته
في الضلمة وهو بيغمض
عينيه بقوة، وصوت أنفاسه كان بيعلى ويهبط وكأنه
بيحاول يفرمل الغضب اللي
جواه عشان ميتغاشمش
عليا.
فتح عينيه وبص لي، النبرة
الهادية المرعبة اختفت تماماً، وحل مكانها صوت
مبحوح وخارج بصعوبة:
- قرف وتهزيق يا روان؟ السنتين اللي فاتوا دول كانوا قرف بالنسبة لك؟
لف بجسمه كله ناحيتي، وقرب لدرجة إن المسافة بيننا انعدمت، وعينيه بقى فيها نظرة وجع أكتر وهو بيكمل:
- أنا اللي مخليني واقف على رجلي في الشغل ده هو وجودك، لما كنت بضغط عليكي كنت ببقى عايزك أحسن واحدة، ولما كنتِ بتغيبى يوم كنت بقلب الشركة ومبستريحش غير لما أسمع صوتك وأطمن إنك بخير.. تقوليلي إرهاق لأعصابك وعايزة تمشي؟
اتوجعت من نبرته، بس العند كان عاميني:
- واللي بيحب حد أو بيخاف عليه بيعمل فيه كدة؟ بيزعقله قدام الناس ويهينه عشان اتأخر نص ساعة بسبب حادثة برا إرادته؟ ويسحبه من وسط الحفلة كأنه عامل جريمة؟
ضحكت بسخريه في آخر كلامي
مسك الدريكسيون بإيد والإيد التانية ضغط بيها على الكرسي ورا ضهري وكأنه بيحاصرني:
- انا عملت كدا علشان مكنتش قادر أتخيلك وانتي بترقصي معاه ضحكتك ليه خلتني اولع اكتر...معاملتك البارده معايا وعدم ردك عليا خلوني اتجنن، عمري ما عملت حاجه ليكي الا وكان ليها سبب...يمكن كنت بقسى عليكي بس دا علشان انا شايف فيكي نفسي وانا في سنك...خايف عليكي تواجهي نفس الي انا واجهتوا انا ملقتش حد يوجهني علشان كدا اتوجعت كتير بس انا مش هسمحلك توجعي نفسك بسبب طيبتك الزايده وعِندِك.
سكتِتْ الحروف كلها جوه دماغي.. الكلمات نزلت عليا زي الصدمة، جمّدت العند اللي كان ساير في عروقي وخلتني أبص له بذهول. الملامح الحادة المرعبة اللي كانت بتغلي من شوية، ظهر وراها إنسان تعبان، إنسان دارى خوفه ووجعه القديم ورا قناع المدير القاسي السنتين اللي فاتوا.
حاولت ألاقي صوتي الضايع وسط دقات قلبي اللي بقت مسموعة في هدوء العربية، بس مكنتش قادرة أنطق ولا كلمة. كلامه مكنش مجرد تحكم، ده كان اعتراف مشحون بمشاعر تقيلة أوي مكنتش مستعدة ليها.
رجع ضهره لورا وسند راسه على الكرسي وأخد نفس طويل كأنه بيريح صدره بعد ما طلع السر اللي حابسه من سنين، ودور العربية تاني من غير ما يضيف كلمة واحدة. المرة دي مشي بسرعة هادية وقاتلة، كأنه بيحاول يمد في وقت السكة، أو يستوعب الاعتراف اللي طلع منه غصب عنه في لحظة غيرة.
طول الطريق كنت باصة من الشباك، شوارع إسكندرية بالليل بقت هادية، والأسئلة بدأت تتكاثر في دماغي.. هو أنا بجد كنت ظالماه؟ وهل الخوف ده حب، ولا رغبة في حمايتي كإنتداد لشخصيته؟
العربية وقفت تحت بيتي، والصمت رجع يسيطر على المكان. كنت لسه بفتح الباب عشان أنزل وأهرب من التوتر اللي مالي الجو، بس لقيت صوته بيوقفني، نبرته كانت رجعت لهدوئها بس فيها حنية مستخبية:
- اطلعي يا روان.. وافتحي تليفونك.
نزلت وقفت على الرصيف، وبصيت للعربية وهي بتحرك وتبعد وسط ضلمة الشارع لحد ما اختفت. طلعت السلم وأنا حاسة إن رجلي مش شايلاني من كتر الصدمات اللي ورا بعض في يوم واحد.
دخلت شقتي بكل هدوء عشان محدش يحس بحاجة، ودخلت أوضتي وسندت ضهري على الباب وأنا باخد نفسي بالعافية.
مشيت لحد المراية الطويلة.. نفس البنت اللي كانت واقفة من كام ساعة وبترمي بوسة في الهوا ومبسوطة بشكلها، دلوقتي واقفة مبرقة، الروچ النبيتي اتمسح شوية من التوتر، وعينيا فيها علامات استفهام ملهاش أول من آخر.
فجأة تليفوني نور في إيدي بعد ما فتحته، وجتلي رسالة منه:
- ريحي اعصابك ومتفكريش كتير...اشوفك الساعه 9 على مكتبك عندنا شغل كتير بكرا
قفلت التليفون ورميته على السرير، وأنا باخد نفس طويل وابتسامة غريبة، دافية، أترسمت على وشي غصب عني..يمكن علشان اول مره احس أن في حاجات بدأت توضح
صحيت الصبح على رنة المنبه...كنت بفتح بالعافيه طبيعي ما انا منمتش ساعتين على بعض، كنت كل ما اغمض عيني يظهر في خيالي قمت وقفت قدام الدولاب وانا حقيقي مش في مود يسمح لي افكر في اي حاجه طلعت بنطلون اسود فورمال وشميز ابيض ساده رفعت شعري كحكه منظمه حطيت ليب جلاس ونزلت.
وصلت قدام باب الشركة والساعة كانت 8:50 دقيقة.. يعني قبل الميعاد بعشر دقائق كاملة. أول ما رجلي عتبت صالة الاستقبال، حسيت بنظرات الموظفين كلها اتصوبت عليا.. الهمس بدأ، والبنات في الحسابات بيبصوا لبعض ويتوشوشوا. طبعاً.. ما هم شافوا "هولاكو" وهو بيسحبني امبارح من الحفلة كأني عاملة مصيبه!.
طنشت لاني حقيقي مكنتش في مود يسمح لي باي جدال او نقاش حتى
حطيت شنطتي على المكتب وقعدت، وبصيت في ساعة الموبايل.. كانت 8:59.
دقيقة واحدة.. دقيقة واحدة ويوصل، أو يمكن هو جوه أصلاً؟
الفون بتاع المكتب رن رديت برسميه
- صباح الخير، قسم الإدارة، مع حضرتك روان
جالي صوتوا الهادي عكس عصبية امبارح تماما!
- روان تعالي
قالها ونبرته كانت هادية بس فيها ثقل يخلي الواحد يقلق. قفل الخط من غير ما يستنى ردي، وأنا فضلت ماسكة السماعة لثواني باصة لها بذهول. التحول بتاعه ده بيوترني أكتر من عصبيته، بحسه زي الهدوء اللي قبل العاصفة.
قفلت السماعة وأنا باخد نفس طويل عشان أهدي ضربات قلبي اللي بدأت تزيد غصب عني. قمت بسرعة، أخدت الفولدرات والملفات المطلوبة، وظبطت الشميز الأبيض بتاعي ورفعت راسي.. مش عايزة أبان مهزوزة قدامه ولا قدام الموظفين اللي بره.
مشيت في الممر بخطوات سريعة وواثقة لحد ما وصلت قدام باب مكتبه. وقفت ثانية، بلعت ريقي، وخبطت خبطتين خفاف..
سمعت صوته من جوه:
- ادخل.
فتحت الباب ودخلت. المكتب كان غرقان في السكون، والستائر الكبيرة كانت مفتوحة ومخلية نور الشمس مالي المكان. محمود كان قاعد ورا مكتبه الخشب الكبير، لابس قميص أسود فورمال ومرفع كمامه لحد نص دراعه، وساند ضهره لورا وعينيه مركزة في اللاب توب قدامه بكل هيبة.
أول ما دخلت وقفت قدام المكتب، رفع عينه وبص لي. نظراته امتدت من الكحكة المنظمة اللي لمة شعري، للشميز الأبيض، لحد البنطلون الفورمال الأسود.. نظرة سريعة وخاطفةنزل عينه للملفات اللي في إيدي ورجع ساند ضهره لورا بكل برود، وكأن الضعف والوجع اللي شوفتهم في عينيه امبارح بالليل في العربية اتمسحوا وبقوا مجرد سراب.
حطيت الفولدرات قدامه على المكتب، وحاولت أخلي صوتي طالع جاف وثابت على قد ما أقدر:
- الملفات اللي طلبتها يا فندم.
سحب الملفات من غير ما يفتحها، وفضل باصصلي بنظرة هادية ومركّزة خلتني أتحفز تلقائياً مستنية هجومه أو تعليقه على امبارح، بس هو فاجأني لما شبك صوابع إيده الاتنين فوق المكتب وقال بنبرة واطية ومبحوحة:
- منمتيش كويس صح؟
السؤال خطفني للحظة، وحسيت إن قناع البرود اللي كنت بحاول ألبسه بدأ يتشقق. رفعت راسي ورفعت حاجبي بعناد:
- أظن ده ملوش علاقة بالشغل يا مستر محمود.. حضرتك طلبت الملفات وهي قدامك دلوقتي، في حاجة تانية مطلوبة مني؟
متنرفزش..بالعكس ظهرت ابتسامه خفيفه على وشوا وهو بيسند ضهروا وبيرجع بالكرسي لورا وهو بيتكلم بثقه بتخليني اشيط
- عارفه كل مادا بتثبتيلي أن وجهة نظري فيكي صح...و انك عيله صغيره بتحب تعاند وخلاص لكن لو اتسابت لوحدها تغرق
خلص كلاموا وهو بيقوم من على الكرسي وبيقرب مني رفعت صوبعي وانا بتكلم وحاسه أن وشي كلوا احمر من الغيظ
- مسمحلكش
نزل صوبعي وهو بيضحك
- نزلي صوباعك دا كدا بس
اتكلمت بذهول
- هو حضرتك كويس
رواية خارج المكتب الفصل الثالث 3 - بقلم روان ابراهيم
- كويس.. وجداً كمان.
قال الكلمة دي وعينيه لسه مثبتة عليا بنظرة هادية وغريبة، نظرة أول مرة أشوفها فيه من سنتين كاملين.
الابتسامة الحنينة اللي اأترسمت على وشه خطفت دقات قلبي للحظة، وحسيت بنوع من الأمان المستخبي ورا شخصيته الصارمة.
بس كبريائي وعنادي لحقوني في آخر ثانية قبل ما قناعي يقع بالكامل.
سحبت إيدي بسرعة وخطيت خطوة لورا، وأنا بحاول أجمع شتات نفسي
- طب عن إذن حضرتك.. هروح أشوف الشغل.
لفيت وضهري ليه ومشيت ناحية الباب بسرعة، وقبل ما أحط إيدي على الأوكرة عشان أهرب من التوتر اللي مالي الأوضة، جالي صوته الرزين الهادي وهو بيرجع يقعد ورا مكتبه:
- الساعة 11:30 يا روان.. الملفات تكون متراجعة وجاهزة بالكامل. تقدري تتفضلي.الساعتين اللي وراهم كانوا عبارة عن سباق كتمت فيه أنفاسي مع الزمن. قعدت على مكتبي ودفنت راسي وسط الأوراق والملفات بتاعة فرع أكتوبر، بحاول بكل طريقتي إني أفصل دماغي عن اللي حصل جوه. الموظفين رايحين جايين، والهمس لسه شغال في الصالة برا، بس أنا كنت في عالم تاني.. عالم فيه الكلمة اللي قالها جوه برقة وحنية "يا صُغنن" بترن في ودني ومش عايزة تسكت.
على الساعة 11:25 دقيقة بالثانية، كنت خلصت مراجعة كل الميزانيات، وطلعت الأخطاء الحسابية بدقة عالية. وقفت، ظبطت الشميز الأبيض بتاعي، وأخدت نفس طويل عشان أثبت لنفسي وله إني قد المسئولية. رحت للبوفيه وعملت القهوة المظبوطة بتاعته اللي طلبها، وشيلت الصينية وباقي أوراق التقارير، واتحركت بثبات ناحية مكتبه.
خبطت ودخلت علطول. كان واقف بيلبس ساعته وبيتفحص جاكيت بدلته الأسود الشيك اللي ساند على الكرسي. حطيت القهوة على المكتب وحطيت جنبها الملفات وقلت بنبرة رسمية وجافة:
"الملفات جاهزة يا فندم، وكل الأخطاء اتعلم عليها."
بص للملفات، وبعدين بص لي وأخد رشفة سريعة من القهوة، وهز راسه بإعجاب مستخبي:
"تسلم إيدك.. يلا بينا على قاعة الاجتماعات."
مشينا في الممر ورا بعض لحد ما دخلنا القاعة الكبيرة. الوفد الجديد كان قاعد مستني، ومعاهم مهندسين الشركة.. ومن ضمنهم شادي. أول ما دخلنا، شادي عينه جت عليا فوراً، ملامحه كان باين عليها القلق والفضول، كأنه كان مستني اللحظة دي عشان يطمن عليا بعد سحبة امبارح من وسط الحفلة.
محمود لقط النظرة دي بسرعة.. شفت فكه بيتحرك بغضب مكتوم، بس سيطر على نفسه وثبت بكل احترافية، وقعد في صدر الترابيزة وشاور لي أقعد على الكرسي اللي جنبه بالظبط كالعادة.
الميتنج بدأ، والتصاميم بدأت تتعرض على الشاشة الكبيرة. كنت مركزة جداً وبكتب كل النقط في النوت بوك بتاعي، لحد ما جه دور شادي عشان يعرض الجزء بتاعه من المشروع. شادي وقف وبدأ يشرح، بس كل شوية عينه كانت بتفلت وتبص لي أنا، كأنه بيوجه الكلام ليا مش للوفد.
في نص الشرح، شادي ساب القلم وبص لمحمود وقال بنبرة فيها تحدي مستخبي وعينيه عليا:
"أظن يا مستر محمود إن التصميم ده محتاج لمسة مرنة، مش كل حاجة بتمشي بالقوانين الناشفة والتحكمات الصارمة.. أوقات المساحة الحرة هي اللي بتطلع أحسن ما فينا.. ولا إيه رأي باشمهندسة روان؟"
القاعة كلها سكتت فجأة.. الجو اتكهرب في ثانية، والكل بقى بيبص لي ومستني الرد بفضول. شادي مكنش بيتكلم عن الشغل، شادي كان بيقصف جبهة محمود تلميحاً على اللي عمله امبارح في الحفلة وقدام الكل.
بصيت لشادي بذهول ومعرفتش أنطق، وقبل ما أفتح بوقي بحرف، شفت محمود ساند ضهره لورا بكل برود وثقة، وابتسم نفس الابتسامة المستفزة اللي بتخليني أشيط، وبص لشادي بثبات مرعب:
"بما إنك بتسأل روان يا باشمهندس.. فـ روان بالذات أكتر واحدة في الشركة هنا عارفة إن 'التحكمات الناشفة' دي هي اللي طلعت منها أحسن وأقوى مراجعة حسابية في فرع أكتوبر كله النهاردة الصبح.. روان مش محتاجة مساحة حرة عشان تنجح، لأنها ببساطة.. تحت حمايتي وتوجيهي أنا."
الكلمة نزلت زي القنبلة في القاعة. الموظفين كلهم بصوا لبعض بصدمة، وشادي ملامحه انطفت ومبقاش عارف يرد يقول إيه. الكلمة مكنتش مجرد رد في الشغل، ده كان إعلان ملكية رسمي وحماية قدام الشركة كلها. حسيت إن وشي بيغلي من الكسوف وبصيت في النوت بوك بتاعي وقلبي بيدق بطريقة هستيرية.
محمود كمل الميتنج بكل هدوء وااحترافية وكأن مفيش حاجة حصلت، لحد ما الساعة جت 2 وخلص كل حاجة. الوفد مشي، والموظفين خرجوا بسرعة البرق كأنهم بيهربوا من وسط حقل ألغام، وشادي خرج وهو بيبص لي بنظرة عتاب مكسورة.
فضلت قاعدة في مكاني، بقفل اللاب توب وإيدي بتترعش شوية. القاعة فضيت ومبقاش فيها غيري أنا وهو. قام من مكانه، ومشي ببطء لحد ما وقف ورا الكرسي بتاعي، وسند بإيديه الاتنين على ضهر الكرسي، وميل راسه شوية وبقى قريب مني:
"لسه شايفة إن وجودك معايا إرهاق لأعصابك وعايزة تمشي؟"
أخدت نفس طويل، ولميت حاجتي وقفت، وبقيت مواجهة ليه.. المسافة كانت قريبة، ونور الشمس كان مبين تفاصيل ملامحه الحادة اللي بدأت أحفظها:
"أنت بجد متعب يا محمود.. ومتعب جداً كمان."
ضحك ضحكته الرجولية الهادية اللي بتدوب أي زعل، وقرب خطوة أخيرة وهو بيبص في عيني بكل صدق:
"عارف.. بس أنا قولتلك امبارح، أنا ملقتش حد يوجهني فاتوجعت كتير، ومش هسمحلك تتوجعي.. العناد اللي فيكي ده أنا بحبه، بس لما بيكون معايا مش عليا. روان.. السنتين اللي فاتوا مكنوش مجرد شغل، أنتي من أول يوم دخلتي فيه المكتب ده وأنتي بقيتي بتاعتي.. ومفيش خروج من هنا، مفهوم؟"
بصيت لعينيه المليانة أمان مستخبي ورا القسوة، ولأول مرة العند بتاعي يختفي تماماً ويحل مكانه راحة كنت هربانة منها بقالي سنتين. ابتسمت ابتسامة خفيفة ودافية، وهزيت راسي براحة:
"مفهوم يا مستر محمود."
محمود رجع خطوة لورا، وملامحه ارتاحت تماماً وكأن جبل انزاح من على صدره، وشاور لي على الباب بهدوء:
"يلا على مكتبك.. ورايا تقرير عايز يخلص قبل الساعة 4.. يا صُغنن."
خرجت من القاعة وأنا حاسة إن الأرض مش شيلاني من الفرحة.. الأسئلة اللي كانت تعباني كلها اتجاوبت، وعلامات الاستفهام اتبخرت. دخلت مكتبي وقعدت، وبدأت أشتغل بابتسامة مش قادرة تفارق وشي.. الحكاية مع محمود بدأت بعناد وخناق، بس انتهت بأجمل بداية في حياتي.
انتهت احداث الرواية نتمني أن تكون نالت اعجابكم وبانتظار آراءكم في التعليقات