تحميل رواية «حين يجمعنا القدر» PDF
بقلم رحمة رمضان
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
اقرأ حين يجمعنا القدر بقلم رحمة رمضان.
رواية حين يجمعنا القدر الفصل الأول 1 - بقلم رحمة رمضان
كانت أوضة ليل العامري هاديه شكل غريب…
إلا من صوت أنفاسها وهي نايمة، كأنها بتحاول تهرب من الدنيا حتى وهي مغمضة عينيها.
الشمس كانت داخلة من الشباك بخيط خفيف، بس ملامحها كانت مرهقة حتى في النوم.
فجأة…
صوت باب بيتفتح بعنف.
“قومي!”
الصوت كان عالي لدرجة خلتها تفزع في ثانية، وتفتح عينيها على الآخر.
قبل ما تستوعب، كان أبوها واقف قدامها، ملامحه مشتعلة غضب.
إنتي لسه نايمة لحد دلوقتي؟! قومي دوري على شغل بدل القعدة دي.
حاولت تقوم بسرعة وهي لسه مش مستوعبة، بس قبل ما تقف كامل…
كانت الضربة نازلة.
سكتت.
مش لأنها ما حستش بالألم…
لكن لأنها اتعودت إن الاعتراض ملوش نتيجة.
بصت له بعينين فيها دموع محبوسة، وقالت بصوت مهزوز: “حاضر… أنا هقوم أدور على شغل.
من وراها، أمها كانت صاحية على السرير، باين عليها التعب، بتحاول ترفع إيدها بس مش قادرة.
“يا بنتي… اهدي عليها…” قالت بصوت ضعيف.
ليل نزلت عينيها في الأرض، وبدأت تلبس بسرعة، كأنها بتحاول تهرب من المكان قبل ما تتكسر أكتر.
خرجت ليل من البيت وهي حاسة إن المكان وراها بيقفل عليها زي السجن.
وقفت لحظة على السلم…
أخدت نفس عميق، كأنها بتحاول تجمع نفسها قبل ما تنزل.
بصت في الشارع قدامها… زحمة ناس، كل واحد ماشي في طريقه، إلا هي.
“لازم شغل… لازم أجيب فلوس لعلاج ماما…” قالتها لنفسها بصوت واطي.
بدأت تمشي من غير هدف واضح، بتسأل في كل مكان تقابله: مفيش شغل.. أي شغل… حتى لو بسيط.
بس كل مرة كانت بتاخد نفس الإجابة: مفيش حاليا.
الساعات عدت عليها تقيلة…
الشمس بدأت تغيب، والشارع زاد زحمة وهي لسه مكانها ما اتغيرش.
رجليها بدأت تتعب، بس عنيها كانت لسه مصممة.
وقفت قدام محل صغير، بصت جواه، وبصت في الأرض…
وكأنها بتقارن بين حياتها وحياة الناس اللي جواه.
—
داخل المبنى الكبير، كان كل شيء مختلف تماما عن الشارع اللي برا.
هدوء… نظام… وفخامة واضحة في كل تفصيلة.
سفيان المالك دخل بخطوات ثابتة، من غير ما يبص يمين أو شمال.
كل اللي في المكان وقف احتراما له، بس هو ما كانش مهتم.
“الاجتماع بعد 10 دقايق يا فندم…” قال أحد الموظفين.
هز رأسه بس من غير كلام، وكمل طريقه على مكتبه.
قعد على الكرسي، وبص في الورق قدامه، لكن عينه ما كانتش مركزة.
كان في حاجة بتزن جواه…
مش شغل… ومش ضغط.
حاجة أقدم من كل ده.
سحب نفسه لورا في الكرسي، وبص للفراغ قدامه لحظة.
“لسه فاكر…” قالها بصوت واطي لنفسه.
وبعدين سكت.
و في نفس الوقت اتفتح الباب بدون ما يخبط.
سفيان بحده: مش تخبط ع الباب يا حيوان قبل ما تدخل.
عدي بمرح: مالك يا سيفو شكلك مش طايق حد علي صبح كده.
سفيان: اخرس يا زفت.. و كمل برفعه حاجب. خلصت شغل اللي وراك ولا لسه.
عدي بتوتر: احم قربت اخلص.. و قبل ما يكمل كلمه.
قطعه سفيان بصوت عالي: نعممممم كل دا و لسه مخلصتش.. علي مكتبك و شغل كله يتسلم انهارده.. و كمل بتهديد و الا انت عارف هعمل اييه.
عدي بخوف: لا خلاص خلاص ساعه بظبط و كل حاجة هتكون قدامك.
و خرج من مكتب.
اما سفيان ف كمل شغل.
—
ليل كانت قاعدة على رصيف قدام محل صغير، رجليها خلاص تعبت.
النهار خلص، والليل بدأ يدخل بهدوء تقيل.
في إيدها ورقة فيها أرقام أماكن شغل، وكلهم رفضوها.
“مش محتاجين حد دلوقتي…”
“رجعي بعدين…”
كل كلمة كانت بتكسر جزء جواها.
بصت للسما، وعيونها دمعت غصب عنها.
“أنا مش عايزة حاجة… أنا عايزة بس امي تبقي كويسه.
ليل فضلت ماشية…
خطواتها بقت أبطأ، كأن الشارع نفسه بدأ يضغط عليها أكتر من تعب رجليها. الإضاءة كانت خافتة، والهدوء اللي في آخر الليل بيخلي أي صوت صغير يبان أعلى من الطبيعي.
لفت في شارع جانبي… أهدى من اللي قبله، وفيه مباني أعلى، شكلها مختلف عن باقي المنطقة.
رفعت عينيها بتعب…
وفجأة وقفت.
قدامها مبنى كبير، واجهته زجاج فخم، وإضاءة ناعمة طالعة من جوه. فوق المدخل لوحة واضحة مكتوب عليها:
“شركة المالك”
لحظة سكون…
ليل بصت للاسم كأن الزمن وقف عنده.
حاجبها ارتفع شوية، ونفسها اتقطع فجأة من غير سبب واضح.
“المالك…”
همستها خرجت تلقائي، كأن الاسم مش غريب… كأن عقلها لمس حاجة مدفونة من زمان.
حست بدوخة خفيفة.
مسكت طرف هدومها لا إرادي، وقلبها بدأ يدق بسرعة غريبة… دقات مش مفهومة، مش مرتبطة بتعب اليوم ولا الجوع ولا الإرهاق.
لكن بحاجة تانية… إحساس قديم، كأنه ذكرى مش كاملة.
رجعت خطوة لواره
معقول.. معقول يكون هو أكيد لا لا.
سؤال طلع منها بصوت واطي.
بصت تاني على المبنى… النور اللي جواه كان دافئ، بس بالنسبة لها كان فيه حاجة تقيلة، كأنه بيشدها ناحيته وبيخوفها في نفس الوقت.
حست بريحة غريبة من الذكريات… مش واضحة، بس مألوفة.
صورة سريعة مرت في دماغها:
صوت باب بيتقفل بعنف…
وشخص واقف قدامها…
وكلمة “المالك” متقالة بنبرة مختلفة تماما.
هزت راسها بسرعة كأنها بتطرد الفكرة.
“لا… أكيد تشبه أسماء”.
بس قلبها ما كانش مصدقها.
فضل يدق أسرع…
وقفت قدام المبنى ثواني طويلة، مش عارفة تقرب ولا ترجع.
وفي اللحظة دي… باب الشركة الزجاجي اتفتح من جوه، وخرجت إضاءة أقوى شوية خلت ظلها يقع على الأرض قدامها… وكأنها اتسحبت غصب عنها ناحية حاجة هتغير كل اللي جاي.
ليل واقفة مكانها، قلبها لسه بيدق بسرعة غريبة من غير سبب واضح…
وباب شركة “المالك” لسه مفتوح قدامها شوية.
الهواء اللي خارج من جوه كان مختلف… أهدى، أنضف، كأنه عالم تاني.
هي أخدت خطوة صغيرة لقدام، عينيها راحت جوا المكان تلقائي.
إضاءة بيضا ناعمة، رخام لامع، موظفين ببدل أنيقة، كل حاجة منظمة بشكل يخوف.
لكن…
في اللحظة اللي عينيها دخلت أكتر جوا الصالة…
اتجمدت.
هو.
سفيان.
كان واقف في النص تقريبا، بيكلم موظف قدامه وهو ماسك ملفات في إيده، ملامحه حادة، ووقفته كلها هيبة.
ليل ما شافتش غيره.
كأن كل الموجودين اختفوا فجأة من حوالينه.
عينها ثبتت عليه، واتسعت ببطء.
قلبها ضرب بقوة أكتر، بس المرة دي مش خوف… حاجة تانية.
سفيان كان بيكمل كلامه عادي جدا، بتركيز، بيوقع ورق ويدي أوامر ببرود واضح…
لكن ما رفعش عينه ناحية الباب أصلا.
ما شافهاش.
ما حسش بيها.
ليل فضلت واقفة عند المدخل، متجمدة، بتبص له كأنه مشهد من حياة مش حياتها.
انأ لازم امشي لازم امشي… قالتها لنفسها بصوت واطي.
رجعت خطوة صغيرة لورا، كأن وجوده نفسه تقيل عليها.
في اللحظة دي، موظف جنبها عدي بسرعة وهو
شايل أوراق، خبط كتفها خبطه خفيفة من غير ما يقصد.
“آسف”
بس هي ما ردتش.
عينها مازالت عليه.
سفيان لف ضهره أخيرا ودخل ناحية مكتبه وهو بيتكلم في التليفون، صوته واثق وقاطع.
والباب الزجاجي بدأ يقفل ببطء…
وقبل ما يقفل كامل—
ليل كانت بتمشي بسرعه رهيبه..
سفيان كان واقف مكانه جوه المكتب، ماسك التليفون في إيده، بس تركيزه فجأة اتقطع.
في حاجة غريبة…
سكون مش طبيعي جواه.
حط التليفون على المكتب ببطء، وبص ناحية باب الشركة الزجاجي.
المكان فاضي.
بس هو… كأنه شاف حاجة لسه معدية من ثواني.
حاجبه اتشدد، ونفسه اتغير من غير ما يحس.
“غريبة…”
همسها لنفسه وهو بيبعد عينه، ويحاول يرجع يركز في الورق قدامه.
لكن قلبه…
كان بيخبط.
بشكل مش مبرر.
ضغط على صدره بإيده لحظة، وكأنه بيحاول يفهم الإحساس ده.
“إيه ده؟”
سكت شوية…
وبعدين فجأة، خرج الاسم من بُقه بهدوء غريب، كأنه طالع لوحده من غير إذن:
“ليل…”
وقف.
رفع عينه بسرعة كأنه اتفاجئ إنه قالها أصلا.
“ليل”
كررها تاني، أبطأ.
حس بقشعريرة خفيفة في جسمه، وملامحه اللي دايما ثابتة اتغيرت لحظة.
قرب خطوة ناحية الزجاج، وبص بره.
الشارع قدامه عادي… مفيش حد واضح.
بس هو حاسس بحاجة مش مفهومة.
إيده على صدره، ونبضه أسرع من الطبيعي.
“معقول…”
سكت لحظة طويلة، وبعدين همس بصوت أخف، كأنه بيكلم نفسه:
هي كانت هنا؟
وبعدها، بحدة بسيطة على نفسه كأنه بيستغرب رد فعله:
“ليه قلبي يدق كده”
رجع خطوة لورا، وبص للفراغ قدامه، بس المرة دي ملامحه ما كانتش باردة زي الأول.
فيه حاجة اتكسرت جواه… أو اتفتحت.
رواية حين يجمعنا القدر الفصل الثاني 2 - بقلم رحمة رمضان
ليل كانت ماشية بسرعة، كأنها بتهرب من حاجة بتجري وراها.
أنفاسها كانت متقطعة، وقلبها لسه بيدق بعنف.
“مستحيل…”
همست لنفسها وهي تبص وراها للحظة.
ازاي؟ معقوله دي شركته..
اسم “المالك” هز جواها حاجة كانت فاكرة إنها ماتت من زمان؟
وصلت البيت بعد وقت طويل.
فتحت الباب بهدوء ودخلت.
أول حاجة شافتها كانت أمها نايمة على الكنبة بتعب واضح.
قربت منها بسرعة.
“ماما…”
ابتسمت الأم ابتسامة ضعيفة.
“لقيتي شغل يا ليل؟”
سكتت ليل ثواني، وبعدها هزت راسها بالنفي.
نزل الحزن في عيون أمها، لكن حاولت تخفيه.
“ربنا كبير يا بنتي.”
ليل ابتسمت بالعافية وقعدت جنبها.
لكن عقلها ما كانش هنا.
كان هناك…
قدام شركة المالك.
——-
في شركة المالك…
كان الوقت اتأخر.
الموظفين بدأوا يمشوا واحد ورا التاني.
أما سفيان فكان لسه قاعد في مكتبه.
قدامه ملفات كتير، لكن عينه مش عليها.
كان سرحان.
وسرحانه كله في إحساس غريب مش قادر يفسره.
رفع إيده وفرك عينيه بضيق.
“ليل…”
قال الاسم للمرة التالتة النهاردة.
وكأنه بيجربه.
وفجأة…
صورة سريعة عدت في دماغه.
بنت بتضحك.
عيون بني عسلي.
وصوت رقيق بيقوله:
“سفيان… استناني.”
انتفض من مكانه فجأة.
الصورة اختفت بنفس السرعة.
“إيه ده؟”
ضغط على راسه بإيده.
أول مرة من سنين يحس إن فيه ذكرى بتحاول ترجع.
ذكرى كان فاكر إنه نسيها.
وفي نفس اللحظة…
دخل عدي فجاه.
عدي: انت شكلك مش عجبني انهارده فيه ايه.
سفيان ببرود:مفيش و يلا عشان نمشي.
عدي بهمس: ياربي تلاجه مصاحب تلاجه.
سفيان: طب ورايا عشان مزعلكش.
عدي بضحك: لا و علي ايه جاي اهو.
—–
ليل فضلت قاعدة جنب أمها، ماسكة إيدها، وساكتة.
بس السكوت ما كانش مريح… كان مليان كلام متحجز جواهم من سنين.
الأم و التي تدعي هدي..
بصت لها بحنان، وبعد لحظة صمت قالت بصوت هادي:
“تعالي جنبي يا ليل…”
ليل عدّلت قعدتها وقربت أكتر.
هدي أخدت نفس عميق، كأنها بتجمع قوتها:
“إنتي فاكرة إني عمري ما تعبت ولا اتكسرت؟”
ليل هزت راسها بهدوء: “لا يا ماما…”
ابتسمت هدي ابتسامة صغيرة:
“أنا شُلت حاجات كتير… يمكن أكتر مما تتخيلي.”
سكتت لحظة، وبصّت للسقف كأنها بتفتكر.
“في وقت من الأوقات… كنت فاكرة إن الدنيا وقفت عندي.”
ليل بصّت لها باهتمام، قلبها بدأ يهدى شوية وهي بتسمع.
هدي كملت:
“بس اتعلمت إن أي وجع… مهما كان كبير، بيعدّي.”
مدّت إيدها ومسكت إيد ليل أقوى:
“إنتي شايلة همي في قلبك زيادة عن اللازم يا ليل.”
ليل بصوت واطي: “إزاي ما أشيلش يا ماما وإنتي تعبانة؟”
هدي هزت راسها:
“أنا تعبانة اه… بس وجودك جنبي كفاية يخليني أستحمل.”
سكتت لحظة، وبعدين قالت بهدوء أعمق:
“الماضي مش لازم يكسرك يا بنتي… لازم يعلمك.”
ليل نزلت عينيها، دموعها بدأت تتجمع:
“بس أنا حاسة إني تايهة…”
هدي مسحت على شعرها بلطف:
“التوهان مش ضعف… ده بداية الطريق.”
ليل سكتت، بس جواها كان في حاجة بتتهز لأول مرة من وقت طويل.
كأن كلام أمها فتح شق صغير في قلبها… دخل منه نفس جديد.
——–
بعد يوم طويل…
وصل سفيان البيت أخيرًا.
أول ما دخل، رمى مفاتيحه على الترابيزة وفك رابطة عنقه بضيق.
لكن قبل ما يطلع أوضته…
سمع صوت معروف.
“يا جماعة الحقوني!”
رفع حاجبه باستغراب.
“الله…”
اتجه ناحية الصالون.
فلقى أخته الصغيرة، ليان، قاعدة وسط كمية ورق وكتب كبيرة بشكل مرعب.
وشعرها مرفوع بأي كلام، وعلامات الزهق مرسومة على وشها.
أول ما شافته، قامت بسرعة.
“سفيان!”
سفيان بص للكتب وقال ببرود:
“فيه إيه؟ فاتحة مكتبة؟”
ليان رمته بالمخدة.
“بذاكر يا رخم.”
سفيان قعد على الكنبة وهو بيضحك:
“بتذاكري إيه”
ليان زفرت:
“مشروع هندسة.”
سفيان عمل نفسه متعاطف:
“ربنا يعينك.”
ليان ضيقت عيونها:
“بتتريق؟”
“أبدًا.”
“والله بتتريق.”
“وأنا هتريق ليه؟ ده أنا بشفق عليكي.”
ليان شهقت بصدمة تمثيلية:
“يا نهار أبيض! سفيان المالك بيشفق على حد!”
سفيان ضحك غصب عنه.
ليان بصتله بشك.
“استنى…”
“خير؟”
“إنت ضحكت.”
“وبعدين؟”
“يعني مزاجك حلو.”
“انا مزاجي حلو”
قالها سفيان بسخريه.
قربت منه وهي بتضيق عيونها أكتر.
“في حاجة.”
“مفيش.”
“في.”
“مفيش.”
“فييي.”
سفيان خد المخدة وضربها بيها.
“روحي ذاكري.”
ليان ضحكت بصوت عالي.
“أهو اعترفت إن في حاجة.”
“ليان…”
“نعم يا سيفوو يا حبيبي”
“قبل ما أغير رأيي.”
“خلاص خلاص.”
قامت وهي بتجمع ورقها بسرعة.
لكن قبل ما تمشي وقفت وبصتله.
“على فكرة.”
“إيه؟”
ابتسمت بمكر.
“لما تبقى عايز تحكي… أنا موجودة.”
وسابته وطلعت جري قبل ما يرمي عليها المخدة تاني.
أما سفيان ففضل قاعد مكانه.
وابتسامة خفيفة ظهرت على وشه لأول مرة من فترة.
وجود ليان كان دايما بيخفف عنه.
لكن الغريب…
إنه رغم الضحك والهزار…
كان حاسس إن الأيام الجاية مخبية حاجة كبيرة.
حاجة هتغير حياته كلها.
——–
كان عدي راجع بيته وهو بيدندن بصوت عالي، غير مهتم بنظرات الناس ليه.
أول ما دخل البيت صاح:
“يا أهل البيت الكريم!”
محدش رد.
اتلفت حواليه باستغراب.
“هجروني ولا إيه؟”
وفجأة…
طلع صوت والدته من المطبخ:
“وطي صوتك يا عدي!”
عدي ضحك ودخل المطبخ.
“مساء الخير يا ست الكل.”
والدته بصتله وهي بتقلب الأكل:
“جاي متأخر ليه؟”
عدي قعد على الكرسي وسحب حتة خيار من الطبق.
“شغل يا أمي.”
ضربت إيده بخفة.
“سيب الأكل.”
“طب دوقيه الأول.”
هزت رأسها بيأس منه.
وفي اللحظة دي…
نزلت أخته من أوضتها وهي ماسكة كتاب.
“الله! عدي رجع.”
عدي فتح دراعاته.
“تعالي يا أختي الحبيبة.”
ندي ضحكت:
“أكيد عايز حاجة.”
“هو أنا كده؟”
“آه.”
عدي حط إيده على قلبه بتمثيل.
“جرحتيني.”
جلسوا كلهم يتكلموا ويضحكوا كعادتهم.
لكن بعد فترة…
طلع عدي أوضته.
رماه نفسه على السرير بتنهيدة طويلة.
وبص للسقف.
افتكر سفيان.
من أكتر من عشر سنين وهم أصحاب.
وكان حافظه أكتر من أي حد.
وعشان كده…
عرف إن في حاجة مضايقاه فعلًا.
“يا ترى مالك يا سفيان؟”
همس بيها لنفسه.
ثم أمسك هاتفه وبعتله رسالة:
“متنساش إنك لو مخنوق أنا موجود.”
بص للرسالة ثواني.
وضغط إرسال.
وبعدين رمى الموبايل علي سرير.
كان سفيان لسه قاعد في أوضته.
الإضاءة خافتة، والهدوء مالي المكان.
قدامه اللابتوب مفتوح، لكن تركيزه ما كانش مع الشغل.
فجأة…
رن هاتفه.
مد إيده أخده.
ولما فتح الشاشة لقى رسالة من عدي:
“متنساش إنك لو مخنوق أنا موجود.”
ابتسامة خفيفة ظهرت على طرف شفايفه.
وهز راسه بيأس.
“رخم…”
همسها وهو بيقفل المحادثة.
لكن بعد ثواني رجع فتحها تاني.
وفكر يرد.
كتب:
“نام يا عدي.”
وبعتها.
في أقل من دقيقة…
وصل الرد.
“أهو ده الكلام اللي كنت مستنيه.”
سفيان ضحك بخفة.
عدي كمل:
“يعني فيه حاجة فعلا.”
سفيان كتب:
“مفيش.”
عدي:
“كداب.”
سفيان:
“تصبح على خير.”
عدي:
“يعني كداب وبتقفل الحوار كمان؟”
سفيان قفل الهاتف كله المرة دي.
ورماه جنب السرير.
قام وقف قدام الشباك.
الجو برا كان هادي.
لكن جواه؟
العكس تمامًا.
حاسس إن فيه حاجة بتقرب.
حاجة مش قادر يفهمها.
تنهد بضيق.
ورجع قعد على السرير.
وبعد دقائق…
بدأ النعاس يغلبه.
قفل عينيه واستسلم للنوم.
لكن نومه ما كانش هادي.
—
كان واقف في حرم الجامعة.
الشمس ساطعة والطلبة رايحين وجايين.
وهو ماشي وسط الزحمة.
وفجأة…
سمع صوت ضحكة مألوفة.
استدار تلقائيا.
فشاف بنت واقفة بعيد.
لابسة فستان سماوي بسيط، وشعرها بيتحرك مع الهوا.
ملامحها كانت مشوشة وكأن ضباب خفيف مغطيها.
لكن الإحساس؟
الإحساس كان واضح بشكل غريب.
البنت كانت بتبصله وهي مبتسمة.
وفي إيدها كوباية قهوة.
وفجأة…
خبطت فيه بالغلط.
القهوة اتسكبت على قميصه.
شهقت بخضة:
“يا نهار أسووود! أنا آسفة والله.”
ساعتها سمع نفسه وهو بيضحك.
ضحكة حقيقية…
ضحكة نسي إنه كان بيعرف يضحك زيها.
وقال لها:لا عادي ولا يهمك..و بعدين بص علي هدومه بحسره.”
“طب انا همشي ازاي كدت كده بقا هو يوووم كله كوارث من اوله.
البنت ضحكت أكتر.
وكان صوت ضحكتها مريح بشكل غريب.
غريب لدرجة إنه حس إن قلبه ارتاح لمجرد سماعه.
المشهد اتغير بسرعة.
بقى شايف نفسه قاعد معاها على مقعد في الجامعة.
هي بتتكلم بحماس عن أحلامها.
وهو ساكت، بس مركز في كل كلمة بتقولها.
كأنه كان بيحب يسمعها وبس.
بدأ كل شيء يختفي.
الجامعة.
الصوت.
الضحكة.
وهي.
فجأة.
فتح سفيان عينيه بفزع.
وقعد على السرير بسرعة.
مسك الكوباية اللي ضغط عليها بعنف لحد ما اتكسرت بين
همسها وهو بيغمض عينيه بقهر.
“ليه بعد كل السنين دي؟”
كان حاسس إن ذكرى قديمة بتحاول ترجع غصب عنه…
وده آخر شيء كان عايزه يحصل.
قبض على حافة السرير بعصبية.
“مستحيل…”
قالها بصوت خافت.
“أنا دفنت كل ده من زمان.”
—
في صباح اليوم التالي…
صوت خبط عنيف على الباب خلا ليل تفتح عينيها بالعافية.
“ليل! قومي!”
عرفت الصوت فورًا.
والدها.
اتنهدت بتعب وقامت من السرير.
فتحت الباب.
فلقى والدها واقف وملامحه متجهمة.
“لحد إمتى هتفضلي قاعدة كده؟”
ليل نزلت عينيها.
“بدور على شغل يا بابا.”
رد بعصبية:
“بتدوري بقالك قد إيه؟ البيت مش ناقص مصاريف أكتر من كده.”
خرجت هدى من أوضتها بسرعة.
“سيب البنت في حالها.”
لكن والدها رد بحدة:
“لا مش هسيبها. كل يوم نفس الكلام.”
ليل حسّت بغصة في حلقها.
بس ما ردتش.
دخلت أوضتها وأغلقت الباب بهدوء.
وقفت قدام المراية.
وعيونها بدأت تلمع بالدموع.
لكنها مسحتهم بسرعة.
“لا… كفاية.”
همست لنفسها.
بدلت هدومها بسرعة.
وأخذت ملف أوراقها.
وخرجت من البيت.
—
بعد ساعات طويلة…
كانت ليل ماشية من مكان لمكان.
شركة ترفض.
ومكتب يرفض.
ومحل يقولها هنكلمك.
لحد ما بدأت تحس باليأس.
وقبل ما تستسلم…
لفت انتباهها مطعم كبير جدًا ومشهور.
الناس داخلة وخارجة منه باستمرار.
وكان فيه إعلان توظيف معلق على الباب.
وقفت تتأمله للحظات.
ثم أخذت نفسًا عميقًا ودخلت.
—
بعد حوالي نصف ساعة…
كانت قاعدة قدام مدير المطعم.
الرجل كان بيقلب في أوراقها.
ثم رفع عينه ناحيتها.
“عندك خبرة؟”
ليل هزت رأسها بتوتر.
“بسيطة… لكن أقدر أتعلم بسرعة.”
فضل يبصلها ثواني.
ثم قال:
“محتاجة الشغل؟”
ابتلعت ريقها.
“جداً.”
سكت لحظة.
ثم ابتسم ابتسامة بسيطة.
“خلاص… تقدري تبدأي من بكرة.”
ليل اتجمدت مكانها.
“بجد؟”
ضحك الرجل.
“آه بجد.”
عيونها لمعت من الفرحة.
ولأول مرة من فترة طويلة…
حست إن الدنيا ابتسمتلها.
—
خرجت من المطعم وهي مش مصدقة نفسها.
أول حاجة عملتها إنها طلعت موبايلها.
واتصلت بوالدتها.
أول ما هدى ردت…
قالت ليل بفرحة وهي بتحاول تمسك دموعها:
“ماما…”
“خير يا حبيبتي؟”
“اتقبلت.”
سكتت هدى ثواني.
ثم قالت بصوت متأثر:
“بجد يا ليل؟”
ابتسمت ليل وسط دموعها:
“آه… أخيرا ”
—-
في شركة المالك…
بعد انتهاء اجتماع طويل، كان سفيان خارج من القاعة بخطوات ثابتة.
وعدي ماشي جنبه وهو بيقلب في ملفاته.
فجأة قال عدي وهو بيبص في الموبايل:
“آه صحيح بالمناسبة… اجتماع بكرة مع الأسيوطي هيكون في مطعم ****”
سفيان وقف لحظة وبصله:
“مطعم؟ ليه مش في الشركة؟”
عدي هز كتفه:
“حمزة الأسيوطي هو اللي طالب كده، بيقول إنه عايز الاجتماع يبقى بعيد عن جو الشركات الرسمي.”
سفيان سكت ثواني.
وبعدين قال بهدوء:
“غريب… بس ماشي.”
عدي ابتسم:
“المطعم مشهور أصلًا، اسمه كبير في السوق، شكلها تجربة مختلفة.”
سفيان ما ردّش، بس إحساس غريب مرّ جواه تاني.
نفس الإحساس اللي بيجيله كل ما حاجة تخص المستقبل تقرّب منه.
—
في اليوم التالي…
في المطعم المشهور.
كان المكان متجهز بشكل راقي جدًا.
طاولة كبيرة مخصوص للاجتماع، وموظفين واقفين بتنظيم كامل.
الإضاءة هادية، والجو رسمي رغم إنه مطعم.
ليل كانت داخلة من باب الخدمة وهي لسه مكسوفة شوية من أول يوم شغل رسمي ليها.
كانت لابسة يونيفورم المطعم، وبتحاول تركز في اللي مطلوب منها.
“ركزي يا ليل… ده شغل مهم.”
همست لنفسها وهي بتاخد نفس عميق.
—
بعد وقت قليل…
بدأت وفود شركة الأسيوطي توصل.
حمزة الأسيوطي دخل المكان بهدوء وهيبة واضحة.
وراه مساعدينه.
والمطعم كله اتقلب فجأة لجو رسمي بالكامل.
ليل كانت بتعدي بين الطاولات وهي شايلة طلبات تدريبية، من غير ما تاخد بالها من أي حاجة.
لحد ما…
وصلت عربية فخمة وقفت قدام المطعم.
—
سفيان نزل منها.
بدلته السوداء، ونظراته الهادية الحادة.
وعدي جنبه بيبص حواليه:
“المكان تحفة بصراحة.”
لكن سفيان ما ردّش.
عينه كانت بتفحص المكان كله.
ولحظة ما دخل المطعم…
قف.
مشهد غريب ضرب إحساسه فجأة.
صوت ضحك بعيد…
ريحة قهوة…
وشعور مش مفهوم.
—
وفي نفس اللحظة…
ليل كانت ماشية بسرعة وهي مش شايفة قدامها كويس لأنها شايلة صينية.
وفجأة…
خبطت في حد.
الصينية اتأرجحت.
“آسفة أنا—”
رفعت عينيها بسرعة.
وسكتت.
والعالم كله وقف في لحظة واحدة.
قدامها كان واقف سفيان.
وهو كمان كان باصصلها بنفس الصدمة.
نظرة مش غريبة…
نظرة كأن حاجة قديمة جدًا اتفجرت فجأة من غير إنذار.
عدي كان ورا سفيان بصدمه.
“ليل”
همس باسمها عدي
و هو مش مصدق انهم شافوها بعد السنين دي.
لأن اللحظة دي…
كانت أكبر من أي كلام
وفي قلب سفيان…
نفس الصوت القديم رجع يرن:
“سفيان… استناني.”