الفصل 8 | من 20 فصل

الفصل الثامن

المشاهدات
15
كلمة
1,696
PDF
تحميل الفصل
التقدم في الرواية 40%
حجم الخط: 18

رواية حين يعاند القدر الجزء الثامن 8 بقلم إيمان حامد حين يعاند القدررواية حين يعاند القدر الحلقة الثامنة كان بيت راضي في تلك الليلة أشبه بمسرحٍ حيّ للاحتفال… الأضواء الملوّنة تتراقص على الجدران، والستائر مزينة بشرائط لامعة، وصوت الدفوف يملأ المكان بنبضٍ متسارع، كأن القلوب نفسها تشارك في الإيقاع. في منتصف الصالة… دخلت ليلى.

بفستانٍ هنديّ ملوّن، مليء بالتفاصيل والزخارف، ألوانه زاهية تتداخل بين الأحمر والذهبي، وأساور تملأ ذراعيها تصدر رنينًا مع كل حركة. شعرها منسدل، ومكياجها بسيط لكنه يبرز ملامحها الناعمة. ارتفعت الزغاريد. “يا عروسة يا قمررر! ضحكت ليلى بخجل وهي بتلف حوالين نفسها: “حلوة بجد؟ ولا بتجاملوني؟ واحدة من البنات ردت وهي بتسقف: “إيه ده! ده إنتِ هتكسّري الدنيا النهارده! وفي وسط الدائرة… كانت شمس. لا تقف. لا تهدأ.

كانت هي روح الليلة. ترتدي فستانًا واسعًا ملوّنًا، عملي وخفيف، يسمح لها بالحركة، ولمة شعرها، وخصلات هاربة حوالين وشها. كانت تمسك هاتفها، تضحك، وتصوّر ليلى من كل زاوية: “استني استني! اللفة دي تتصور! يا جماعة بصوا العروسة القمر! قربت منها، وقالت وهي بترقص حواليها: “إيه الجمال ده يا ليلى! دا عمار لو شافك هيتهبل ضحكت ليلى، وشدّتها: “تعالي هنا يا مجنونة! بدأت الفرقة تضرب بإيقاع أعلى… وشمس دخلت في النص. بدأت ترقص.

بخفة… بثقة… بروح. كانت تتحرك ، تضحك من قلبها، وتشد البنات حواليها. “يلا يا بنات! مش عايزين حد يقف! مسكت إيد ليلى وسحبتها معاها: “العروسة في النص! كله يوسّع! بعد قليل… اختفت ليلى لدقائق. ثم عادت. هذه المرة… بفستان إسكندراني. أبيض مزين بخيوط ملونة، وإيشارب على الرأس بطريقة تراثية، وخفة دم واضحة في حركتها. شهقت شمس بتمثيل مبالغ فيه: “إيه ده! دي بقت ست إسكندرانية رسمي! وضربت كف على كف: “طب استني بقى! ورمت

الهاتف لواحدة من البنات: “صوّري بقى… أنا داخلة! بدأت ترقص معاها رقصة إسكندراني خفيفة… حركات مرحة… لفّات سريعة… وضحك متواصل. ليلى كانت تضحك من قلبها… وشمس بتشجعها: “إيه يا بنتي! هو إحنا بنهزر؟! ركّزي! البنات حواليهم بيغنوا ويزغرطوا، والجو كله بقى طاقة فرح حقيقية. في لحظة… وقفت شمس فجأة. خدت نفس… وبصت لليلى. عينيها لمعت. قربت منها، ومسكِت إيدها بهدوء… وسط كل الدوشة. وقالت بصوت أوطى شوية، بس صادق: “إنتِ مبسوطة؟

ليلى بصت لها… وابتسمت: “أوي.” هزت شمس راسها… وابتسمت ابتسامة واسعة: “خلاص… ده أهم حاجة.” وبدون ما تدي لنفسها فرصة تتأثر… رجعت سحبتها تاني وسط البنات: “يلاااا! لسة الليلة طويلة! الدفوف علت تاني… والغُنا رجع أقوى… وشمس رجعت ترقص… تضحك… تصوّر… وتخلق فرح حواليها كأنها بتهرب من حاجة جواها… أو يمكن… بتخبّيها كويس أوي. لكن اللي كان واضح… إنها كانت أجمل ما في الليلة بعد العروسة نفسها ꧂꧂꧂꧂꧂ .كان المكان مليئًا بالصخب…

ضحكات عالية، موسيقى شبابية تضرب في الخلفية، وطاولة كبيرة مليئة بالأكل والمشروبات. ليلة “وداع العزوبية” لعمار. أصحابه ملتفين حواليه، كل واحد بيحاول يثبت إنه الأقرب، والأحب، والأجرأ في الهزار. عمار كان في النص… ضاحك من قلبه، خفيف، ووشه منوّر بفرحة صادقة. واحد من صحابه خبطه في كتفه: “إيه يا عريس! آخر ليلة حرية! ضحك عمار ورد: “حرية إيه بس… ده أنا داخل على النعيم يا عم! التاني قال وهو بيشاور:

“آه طبعًا… النعيم اللي فيه أوامر ونواهي! الضحك انفجر حوالينهم. في ركن قريب… كان مراد. قاعد، مش بعيد… لكن مش جوّا الدائرة. لابس قميص غامق، أزراره مفتوحة شوية، ودقنه مهملة، وعينيه بتراقب… مش بتشارك. في إيده كوباية، بيلفها بين صوابعه من غير ما يشرب. واضح إنه موجود بجسمه… بس مش بروحه. واحد من الشباب لاحظه، فنادى بصوت عالي: “يا مراد! إيه يا عم القعدة لوحدك دي؟ تعالى هنا! رفع مراد عينه، ابتسامة خفيفة

—مجاملة أكتر منها حقيقية. قام، ومشى ناحيتهم بعرجته الخفيفة… ، وقف جنب عمار. عمار ابتسم له، وربت على كتفه: “نورت يا ابن اخويا .” مراد رد بهدوء: “مبروك يا عريس.” الهزار رجع تاني… واحد قال وهو بيبص لعمار: “خلاص بقى… هنشوفك بعد الجواز ولا هنفتقدك؟ عمار ضحك: “هتشوفوني غصب عنكم! واحد تاني بص لمراد، وغمز: “وأنت بقى يا مراد؟ عقبالك يا عم! صوت خفيف من كذا حد: “آه والله… عقبالك! “نفرح بيك بقى! الكلام كان عادي…

لكن وقع على مراد ما كانش عادي خالص. سكت. ابتسامته خفتت. عينه… سرحت. الدوشة حواليه بعدت… الصوت بقى مكتوم. والصورة اتغيرت. شافها. شمس… رجع للحظة الحالية… لكن الإحساس فضل. بص في الفراغ قدامه، وصوته خرج واطي… كأنه مش موجه لحد: “يا نجمة…” سكت لحظة. ابتلع باقي الكلام… وبعدين همس، بوجع صافي: “وأنا مستهالهاش.” الصوت حواليه رجع فجأة. واحد من صحابه قال وهو بيضحك: “إيه يا عم؟ سرحت في مين؟! مراد هز راسه، وابتسم ابتسامة خفيفة،

سريعة: “ولا حاجة.” بس عينه… كانت لسه بعيدة. عمار لاحظه. نظرة سريعة… فيها فهم. بس ما علّقش. اكتفى إنه يقرب الكوباية منه ويقول بهدوء: “اشرب يا مراد… الليلة دي مش بتتكرر.” مراد بص له لحظة… وبعدين أخد رشفة. لكن لا الطعم… ولا الضحك… قدروا يغيّروا حاجة. لأن اللي جواه… كان أكبر من أي ليلة .هدأت الفيلا أخيرًا…

اختفت الضحكات، وانطفأت أغلب الأنوار، وبقيت الحديقة غارقة في سكونٍ ثقيل، لا يقطعه سوى صوت أوراق الشجر وهي تتحرّك مع نسمة ليلٍ باردة. كان عمار واقفًا في الجنينة، يفكّ ياقة قميصه، كأن الليلة —رغم فرحتها —كانت أثقل مما تبدو. رفع عينيه… فرأى مراد. واقفًا بعيد قليلًا، ساند على جذع شجرة، سيجارة بين أصابعه، ونظره غارق في الفراغ. تقدّم نحوه. وقف جنبه… من غير مقدمات. قال بهدوء: “مالك؟ مراد ما بصّش له. نفث دخان

السيجارة وقال باقتضاب: “مفيش.” سكت عمار لحظة… وبعدين قال : “طول عمرك مش بتخبي عليا حاجة يا مراد.” لفّ له أخيرًا. عينه كانت مرهقة… بس فيها حذر: “مش بخبي.” ابتسم عمار ابتسامة خفيفة، فيها عدم اقتناع: “طب بصلي كده وقولي.” الصمت نزل بينهم. مراد بص له… ثواني… وبعدين لفّ وشه تاني. وهنا… عمار قالها مباشرة: “إنت معجب بشمس.” الجملة خرجت هادية… بس قاطعة. مراد اتجمّد. ثانية… اتنين… وبعدين ضحك ضحكة قصيرة، ناشفة: “إنت بتقول إيه؟

عمار هز راسه: “بقول اللي شايفه. نظراتك ليها… نظراتها ليك… أنا مش عيل صغير.” مراد سكت. السيجارة اتحرقت بين صوابعه وهو مش واخد باله. عمار قرب خطوة: “في حاجة بينكم… حتى لو إنتوا مش معترفين.” مراد ضغط السيجارة في التراب بعنف… كأنه بيطفي حاجة جواه. وبص له أخيرًا. صوته خرج أوطى… بس تقيل: “مينفعش.” الكلمة دي… كانت نهاية قبل ما تكون بداية. عمار عقد حواجبه: “مينفعش ليه؟ مراد أخد نفس عميق… وقال ببطء، كأنه بيعد أسباب عشان

يقنع نفسه قبل ما يقنعه: “هي لسه صغيرة… الحياة قدامها.” سكت لحظة… وبعدين أكمل: “وأنا أكبر منها بـ 12 سنة.” بص بعيد… وكأن الرقم نفسه تقيل عليه. “غير كده…” وقف. صوته هبط أكتر: “إنت عارف اللي حصلي.” عمار ما اتكلمش. مراد كمل، بنبرة فيها مرارة مكبوتة: “إصابتي… واستغنوا عني… وطلعوني معاش مبكر . أنا خلاص خلصت.” قالها ببساطة… بس المعنى كان جارح. “هديها إيه؟ واحد بيعرج؟ ولا واحد حياته وقفت؟ الصمت وقع. لكن عمار ما سكتش.

قال بثبات: “هتديها نفسك.” مراد ضحك بسخرية: “نفس إيه؟! عمار قرب أكتر، صوته بقى أهدى… بس أعمق: “نفس الراجل اللي طول عمره سند. نفس الراجل اللي أنا شخصيًا بتعلم منه. إنت شايف نفسك أقل… بس هي شايفاك حاجة تانية خالص.” مراد بص له… نظرة فيها صراع. عمار كمل: “وبعدين إنت بتقرر عنها ليه؟ يمكن هي عايزاك كده.” مراد هز راسه بسرعة، كأنه بيرفض الفكرة قبل ما تدخل قلبه: “لأ.” سكت لحظة… وبعدين قال بحسم: “أنا واخد قراري.”

الكلمة دي… كانت نهائية. عمار زفر بضيق: “قررت تهرب يعني.” مراد رد فورًا، بعناد واضح: “مش هروب.” “ده عقل.” عمار بص له… طويلًا. وقال بهدوء فيه تحذير: “لأ يا مراد… ده خوف.” مراد شدّ فكه… وما ردش. الصمت رجع تاني. بس المرة دي… كان تقيل. عمار هز راسه، وقال وهو بيبعد خطوة: “إعمل اللي إنت عايزه… بس فاكر إنك بتتحكم.” وقف لحظة… وبص له نظرة أخيرة: “بس اللي بيعاند قلبه…” سكت ثانية… ثم أكمل بهدوء عميق: “القدر بيعلّمه بطريقته.”

سابه… ومشي. بقي مراد لوحده. واقف في نفس مكانه. نفس السكون… بس جواه عاصفة. رفع عينه للسماء… وبعدين غمضها. كأن الجملة علقت جواه… اللي بيعاند قلبه… القدر بيعلّمه.كان الليل قد هدأ… والهدوء هذه المرة لم يكن ثقيلًا، بل دافئًا… كأن العالم يتهيأ لليلةٍ مختلفة. في غرفتها… كانت ليلى جالسة على سريرها، تتأمل يديها المزخرفتين بالحنّة، تمرّر أصابعها فوق النقوش وكأنها تلمس بداية جديدة. هاتفها في يدها. تنتظر. وقلبها يعرف… أنه سيتصل.

وفعلًا… رنّ الهاتف. اسم عمار. ابتسمت فورًا، وردّت بسرعة: “ألو؟ جاء صوته هادئًا… لكنه محمّل بشوق واضح: “وحشتيني.” ضحكت بخفة، سكت لحظة… ثم قال بنبرة أصدق: “بقالى يومين مشوفتكيش يا ليلى.” الكلمة دي… وقفتها. ما كانتش مدة كبيرة… لكن إحساسه بيها كان أكبر. كمل بصوت واطي: “اليومين دول كانوا أطول من الطبيعي.” ابتسمت، وقلبها دق أسرع: “إنت مكبر الموضوع أوي.” رد بهدوء: “لأ… أنا بس بقيت بحس بغيابك.” سكتت لحظة… وبعدين قالت بهمس:

“بكرة يا عمار…” ابتسم، وكأن الكلمة دي رجّعته: “بكرة.” سكت ثانية… ثم قال بنبرة أعمق: “عارفة؟ أنا طول عمري كنت فاكر إني قوي… وإن مفيش حاجة ممكن تهزني.” ضحكت: “آه طبعًا… إنت بتاع الكلام الكبير ده.” رد بهدوء: “لحد ما إنتِ جيتي.” سكتت. الكلمة نزلت في قلبها بهدوء… لكن بعمق. كمل: “بقيت أستنى صوتك… وأعدّ الساعات عشان أشوفك… وحاسس إن يومين دول سرقوا مني حاجة.” دمعت عينيها من غير ما تحس. قالت بصوت واطي: “أنا كمان يا عمار…”

سكتت… ثم كملت بصدق: “أنا حاسة إني رايحة لحاجة أمان… مش بس جواز.” تنفّس ببطء، وكأن كلامها وصل لقلبه مباشرة: “علشان كده أنا مطمّن.” سألته بهدوء: “ليه؟ قال بثقة دافية: “عشان أنا وعدت نفسي قبلك… إني عمري ما هخليكي تحسي بالغياب ده تاني.” سكتت. قلبها بيدق بسرعة. كمل، بنبرة فيها وعد حقيقي: “أنا مش هبقى جوزك بس… أنا هبقى سندك… وبيتك.” دمعة نزلت منها، ومسحتها بابتسامة: “أنا مش عايزة أكتر من كده.” قال فجأة، بخفة:

“طب اسمعي بقى…” ضحكت: “إيه؟ “بكرة… هتبقي أجمل عروسة في الدنيا.” ضحكت وهي مكسوفة: “ده إنت بتجامل بقى! رد فورًا: “لا والله… أنا بقول الحقيقة. وأنا ماسك إيدك بكرة… هبقى عارف إني كسبت الدنيا كلها.” سكتت. الكلام كان أكبر من رد. قال بهمس: “متوترة؟ ردت بصراحة: “شوية…” قال بهدوء مطمّن: “خلي التوتر ده عليّا… وإنتِ بس عيشي اللحظة.” سألته بخفة: “طب إنت؟ ابتسم:

“أنا مستني بكرة من زمان… بس اليومين اللي فاتوا دول خلّوني أتأكد إني مقدرش أستنى أكتر.” ساد صمت قصير… صمت دافئ. قالت بهدوء: “بحبك يا عمار.” رد فورًا، كأنه كان مستنيها: “وأنا بحبك أكتر يا ليلى.” وقبل ما يقفلوا… قال: “نامي كويس… عشان بكرة يومك.” ابتسمت: “وأنت كمان.” سكت لحظة… ثم همس: “تصبحي على حبي.” ضحكت بخجل: “تصبح على خير يا جوزي.” وأُغلق الخط… لكن الاشتياق… فضل

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...