تحميل رواية «حين تخذلني عيناك» PDF
بقلم هاجر عبد الحليم
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
حين دفعت ليان الباب بيد مترددة، انفتح أمامها عالم لم تتوقعه داخل قلب القاهرة القديمة. كانت الشقة في الطابق الأخير من عمارة قديمة مطلة على النيل، واجهتها مزخرفة بنقوش حجرية اندثرت ملامحها بفعل الزمن، والسلالم تؤدي إلى باب خشبي ثقيل يئن مع كل لمسة . دخلت إلى المرسم. شقة بأكملها تحولت إلى مرسم غارق في الضوء والغبار. النوافذ الواسعة غير مغطاة، تسمح لأشعة الشمس أن تتسلل عبر زجاج، ترسم على الجدران لوحات من ظل ونور. الجدران نفسها كانت معرضًا مفتوحًا: لوحات ضخمة معلقة، أخرى مكدسة في الزوايا، وبعضها ممزق...
رواية حين تخذلني عيناك الفصل الأول 1 - بقلم هاجر عبد الحليم
حين دفعت ليان الباب بيد مترددة، انفتح أمامها عالم لم تتوقعه داخل قلب القاهرة القديمة. كانت الشقة في الطابق
الأخير من عمارة قديمة مطلة على النيل، واجهتها مزخرفة بنقوش حجرية اندثرت ملامحها بفعل الزمن،
والسلالم تؤدي إلى باب خشبي ثقيل يئن مع كل لمسة .
دخلت إلى المرسم.
شقة بأكملها تحولت إلى مرسم غارق في الضوء والغبار. النوافذ الواسعة غير مغطاة، تسمح لأشعة الشمس أن
تتسلل عبر زجاج، ترسم على الجدران لوحات من ظل ونور. الجدران نفسها كانت معرضًا مفتوحًا:
لوحات ضخمة معلقة، أخرى مكدسة في الزوايا، وبعضها ممزق، وكأنها صرخة توقفت في منتصفها.
الأرضية الخشبية تصدر صوت أنين تحت قدميها، وأصابع الغبار ترتفع مع كل خطوة. الهواء مشبع برائحة
الألوان الزيتية ممزوجة برائحة القهوة الباردة وسجائر منطفئة منذ زمن. كل شيء في المكان يوحي
بحياة صاخبة سكنت هنا، ثم رحلت فجأة دون وداع.
في المنتصف، طاولة طويلة يغطيها قماش أبيض ملطخ بألوان متداخلة، وفوقها أدوات رسم مبعثرة: فراش
ناعمة، أنابيب ألوان مفتوحة، ومسودات لوجوه حزينة وعيون تنظر وكأنها تعرف الكثير.
شعرت ليان أن المكان يراها قبل أن تراه... وأن كل شيء فيه ينتظرها منذ زمن.
....
في الزاوية البعيدة من المرسم، جلس شاب على مقعد خشبي قديم، عيونُه تتأمل في لوحته بحالة من التركيز
الشديد. شعره الأسود كان غير مرتب، ينساب بتكاسل فوق جبينه ليخفي بعض الملامح الحادة التي تظهر عندما
يرفع رأسه. عينيه كانت تلمع ببريق غريب، عيون داكنة كما لو أنها تغطي سرًا عميقًا لا يمكن أن يُحكى. كان
الجفن السفلي لعينيه منتفخًا قليلاً، كأن هناك شيء يضغط على ملامحه، وهو يحاول أن يطرده عن نفسه.
وجهه كان شاحبًا بعض الشيء، والملامح فيه تروي قصة من السهر والتفكير العميق. كانت عيناه تحملان شيئًا
من الألم، وكأن قلبه كان يحمل جرحًا قديمًا لا يلتئم. كانت زوايا وجهه حادة بشكل غير مألوف، تجعل هيئته
تبدو مألوفة، لكنها مشحونة بمشاعرخفية، يُخفيها خلف تلك النظرة الهادئة التي تبدو وكأنها ترصد كل شيء من
حوله.
يده اليمنى كانت ممسكة بفرشاة الرسم، وهو يحركها برشاقة على اللوحة أمامه، بينما كانت يده اليسرى
مسترخية على ساقه، يديه تحملان آثار ألوام زيتية مختلطة بين الأصابع.
وقفت ليان على عتبة المكان، قلبها لا يزال يخفق بتردد غريب، وعيناها تتفقدان أرجاء المدخل بصمت. كانت
الرائحة المميزة للألوان والزيت تعبق في الأجواء، تشير بأنها دخلت عالمًا خاصًا لا يُفتح لأي غريب. استجمعت
شجاعتها، وقالت بصوت خفيض:
ليان: "السلام عليكم..."
رفع قصي عينيه عن اللوحة التي كان منكبًا عليها، وفي ملامحه انزعاج ممزوج بدهشة، ثم قال بنبرة حادة:
قصي: "إنتي مين ودخلتي هنا ازاي؟"
ابتسمت بخفة رغم التوتر الذي يعلو وجهها، وأجابت محاولة كسرالحاجز:
ليان: "حضرتك قصي... مش كده؟"
رمقها بنظرة ساخرة، ورفع حاجبه ببرود :
قصي: "أنا مقولتش ليكي تعرفي اسمي ولا لأ انا مش بتعرف عليكي؟ سؤالي واضح انتي مين؟"
ابتلعت ريقها بصعوبة، وحاولت التماسك:
ليان: "أنا ليان، طالبة في كلية فنون جميلة، بدرس دراسات عليا حاليًا... وجيت أطلب مساعدة، بما إن حضرتك
متخصص في مجال الترميمات."
أسند ظهره إلى الكرسي، وكتف ذراعيه أمامه كمن يستعد لرفض قاطع:
قصي: "وأنا حاليًا لا فاضي، ولا دماغي جايباني أساعد حد زيك يدخل البيوت من غير ما يستأذن."
تنهدت ليان، تحاول أن تظل هادئة رغم نبرته المتحفزة: "أنا قريت عن شغلك في مجلة الفن الحديث... وسمعت عن شغلك في المتحف، خصوصًا ترميم القطع
الأثرية، وشغلك في تجديد اللوحات القديمة... وحقيقي محتاجة مساعدتك في مشروع التخرج بتاعي . المشروع
متعلق بلوحة من القرن العشرين، ولازم أشتغل عليها بمنهجية علمية، وأنا... بصراحة، معرفتي النظرية مش
كفاية. والباب كان مفتوح، صدقني لو كان مقفول، أكيد كنت هستأذن، ومكنتش هزعج حضرتك أبدًا. بس بعد كدا اقفله عشان محدش يكرر عملتي دي مرة كمان"
نظر إليها طويلاً، بنظرة فاحصة، كأنه يحاول أن يقرأ ما خلف كلامها، يدرس ملامحها كما يدرس لوحة قديمة
قصي: "وإنتي م تقدريش تساعدي نفسك؟ يعني ممكن بكل بساطة تدوري وتبحثي لحد م تكوني مستعدة تقدمي معلومات قوية تناسب
مشروع تخرجك ولا وجودي شيء أساسي طالما شايفة نفسك ف ورطة ومفيش غيري يقدر يقدملك إيده؟
رفعت رأسها بشيء من الإصرار، وعيناها تلمعان بصدق حقيقي:
ليان: "مش ورطة ولا حاجة... أنا مش طالبة مساعدة من أي حد، أنا طالبة من شخص فاهم، موهوب، ولو مش
هتساعدني، براحتك... همشي ومش هتشوف وشي تاني."
سكت قليلًا، ثم قام من مقعده ببطء، يتحرك نحوها بخطوات محسوبة، حتى وقف على بُعد خطوة واحدة فقط:
قصي: "عايز أعرف تفاصيل عن اللوحة بتاعتك ؟
تبدلت ملامحها من التوتر إلى لمحة أمل واضحة:
ليان: "لوحة اسمها لمسات قاتلة من أعمال فنان مغمور اسمه فارس الزهراني، ما فيش عنها مصادر كتير،
لكن حالتها محتاجة تدخل عاجل، ومش أي حد يقدر يشتغل عليها."
قصي: "لو حصل واشتغلنا مع بعض في شوية تفاصيل كدا هتساعدنا نعدي الحوار دا بكل رضا منا ومني...يفضل تلتزمي بقواعدي واللي هي واحد مفيش أسئلة زيادة عن اللزوم ..اتنين مفيش فضول منك ف حاجات معتقدش تكون مهمة ليكي وممنوع اعيد كلامي مرتين فاهمة ولا ترجعي مطرح م جيتي
قالت بصوت أقرب إلى الهمس :
ليان: "موافقة."
تراجع خطوة إلى الوراء، مد يده نحوها بحركة ثابتة:
قصي: "هاتي الملف بتاع المشروع... ونشوف شغلك ده يستاهل إني أحط إيدي فيه ولا لأ.؟
ناولت ليان الملف بهدوء، ومدت يدها إليه بثقة مترددة. أمسك به قصي دون أن يُخفي نبرته الجافة، وبدأ يتصفح
الصور بسرعة. بدا وجهه جامدًا، ولكن عينيه تحملان نظرة فاحصة دقيقة.
رفع قصي حاجبيه وهو يقلب الصور ثم تمتم بنبرة لا تخلو من السخرية:
"يا أستاذة دي صور عادية... أنا محتاج أشوف اللوحة نفسها. هي فين؟"
أجابت بنبرة هادئة، لكنها متوترة قليلًا :
"مش معايا حاليًا."
أغلق الملف فجأة، وأسند ظهره إلى الكرسي، ثم قال بحدة واضحة:
"أومال جاية لي ا؟ لما تروحي لحد وعايزة منه شغل، لازم يكون معاكي كل التفاصيل. بداية غير مبشرة بالمرة
في التعامل معاكي."
حاولت أن تشرح، بنبرة امتزج فيها الرجاء بالعزم :
"افهمني... هي موجودة في متحف تبع الجامعة، بس حالتها سيئة جدًا، متآكلة خالص، ومش هقدر ألمسها.
عايزاك تيجي معايا وتشوفها بنفسك."
أمال رأسه قليلًا، ونظر إليها بنظرة فيها شيء من التحدي:
"أعتبر دي ثقة فيا؟"
ابتسمت ابتسامة خفيفة، وقالت بيقين:
"طبعًا... واثقة في شغل حضرتك استحالة اراجع وراك أبدا"
هز رأسه ببطء، ثم قال بنبرة أعمق وأكثر جدية:
"بس انتي جاية من غير خطة واضحة. لازم تفهمي إن اللوحات مش مجرد ألوان وخطوط... دي أرواح،
وصرخات محبوسة من سنين
نظرت إليه بثبات، وردت بصوت أقرب إلى الهمس:
"وأنا جاية علشان أطلع الصرخات دي للنور... علشان تتسمع وتتشاف."
صمت قليلًا، ثم اعتدل في جلسته وقال :
"هاجي أشوف اللوحة... الساعة عشرة. لو اتأخرتي، مفيش اتفاق بينا واعتبريه لاغي."
رفعت ذقنها بتحد هادئ، وقالت دون تردد:
"هكون هناك قبلك. "
......
داخل قاعة جانبية في المتحف
ضوء خافت وصمت مهيب.
دخلت ليان أولًا، وخطواتها كانت تحمل رهبة المكان ومسؤولية ما هي مُقدمة عليه. تبعها قصي بخطوات ثابتة،
عيناه تتحركان في فضول صامت وهو يتفحص القاعة بعين الخبير
وقفت ليان أمام صندوق العرض الزجاجي، وأشارت إليه بهدوء.
ليان:
"كنت متخيلة إنك مش هتيجي..."
قصي: ينظر للوحة، ثم يرد دون أن يلتفت لها
"مش بخلف وعودي يا أستاذة."
ليان: بابتسامة خفيفة
"تقدر تقولي ليان."
قصي: بنبرة حاسمة وهو يقترب من الزجاج
"مش بحب أرفع الألقاب... اتفضلي."
مدت يدها نحو الصندوق، وأشارت إلى اللوحة.
ليان:
"اتفضل... دي اللوحة."
قصي: )بصوت منخفض فيه شيء من الانبهار
"لوحة كلها صمت وعذاب... حكاية حياة ماكملتش. حد فضل يرسم في عذابه وسابه يتسجن وراه."
ليان: )بنظرة فيها رجاء(
"أنا عايزة أنقذها... تقدر تساعدني؟"
قصي
"ترميمها صعب بقالها سنين، وغير دا كله، مش عايزة شطارة إيد، دي عايزة إحساس صادق ... لو حد
فينا قلبه مش صافي، اللوحة هترفض ترجع للحياة."
ليان بثقة
"أنا مصدقة فيها... وفيك."
....
في الكافيه، كان قصي جالسًا وهو يمسك بسيجارته ويشرب منها ببطء. بينما كانت ليان تجلس قبالته، وتكح
بشكل متكرر.
"لو سمحت، اطفي السجاير دي، بليز."
قصي: )بنظرة غير مكترثة(
"مش عاجبك؟ امشي."
ليان: )بدهشة
"إيه الأسلوب ده حضرتك؟ دي مش طريقة شغل."
قصي: )بصوت هادئ ولكن حاسم(
"إذا كان عاجبك، إنتي اللي جيتي، أنا مش جاي عريس عشان تشوفيه وتقيمي فيه إحنا هنا في شغل،
ميخصكيش اللي بعمله، المهم اللي بقوله."
ليان: )بغضب خفيف(
"بس الريحة مش طبيعية."
قصي: )بابتسامة ساخرة(
"عايزة نصيحتي؟ اهربي وشوفي حد تاني."
ليان: )بدهشة واستفهام(
"ليه بتقول كده؟ "
قصي: )بصوت منخفض، ينظر في عينيها بتركيز
"عشان هتعبك أوي."
ليان: )تنظر إليه باندهاش، وتحاول أن تقاوم شعورها بالتوتر(
"ممكن توضح بعد إذنك؟"
قصي: )يضع السيجارة في الطفاية ويبتسم ابتسامة غامضة(
"أنا شخص مركب أوي، عندي انفصام وكل ثانية بحال. عندي جانب مظلم، مظنش سهل تعاشريه حتى لو
علاقتنا مجرد شغل."
ليان: )بخوف خفيف، ولكن تحاول أن تظهر القوة(
"مش فاهمة... حضرتك بتخوفني ولا إيه؟"
قصي: )يقترب قليلا ويهز رأسه(
"أنا بس بقولك إنك لو دخلت في دايرتي، هتندمي. وده مش تهديد، ده تحذير يا أستاذة."
ليان: )تهز رأسها(
"لو سمحت نقي ألفاظك. لو كانت دراستي هتخليني أتعامل مع شخص زيك وأتحمل سخافته، فأنا همشي حالا ."
قصي: )ينظز إليها بتمعن، ثم يعود للابتسامة(
"بس عايزك تعرفي إنك لو عملتي كده، مش هتلاقي حد زيي."
ليان: )بصوت ثابت(
"وأنا مشرفنيش أقابل حد زيك، حتى لو قولنا للفشل يامرحب . ولو أني لازم اعاشر شخص محتاج مصحة، مش
يمشي في الشارع ويقابل بني آدمين طبيعيين عن اذنك."
.....
بعد أن خرجت ليان من الكافيه، تركت قصي وحيدًا في مكانه، يتأمل الباب الذي أغلق خلفها، كما لو كانت هي
كل ما تبقى له في هذا العالم . لكن كلماتها الأخيرة كانت تزعجه بطريقة ما، تعصر قلبه بمرارة لم يشعر بها من
قبل. هو لم يصرخ، لم يعبر عن غضبه أو عن أي شيء يخص مشاعره، بل ظل جالسًا، يشرب ما تبقى في
فنجانه البارد.
رغم سلوكه الخارجي القاسي والشرير، كانت هناك عاطفة كامنة داخله لا يمكنه إنكارها، قلبه مثل قلب طفل
ضاع في وسط عالم مظلم. كان يشعر بها الآن أكثر من أي وقت مضى، تلك الهشاشة التي يخبئها خلف ستار
من السخرية والتجاهل.
قصي )همس لنفسه بمرارة(:
" كنت عايز أعيش وبس عايزة ابقي مبسوط وفرحان وراضي بس الكل استخسر الأحساس دا فيا، بس كله كان بيشدني لتحت لحد م بقيت انا شخص مشوه مسخ وبس
مش قادر أطلع من دايرتي ... دايرتي اللي أنا اخترتها بنفسي حاولت مقدرتش رغم اني بهلك روحي يوم عن يوم."
أخذ نفسًا عميقًا، وسحب سيجارة أخرى من علبته القديمة. كان يعرف أنه سيظل يلتف حول نفسه في هذه
الدائرة، لكنه لا يستطيع أن يمنع نفسه من التفكير في ليان، في نظرتها القوية، في تلك الرغبة التي كانت فيها
للهرب من كل شيء. وفي أعماقه كان يبتسم، حتى لو كان قلبه ينفطر في الداخل.
ربما كان يجب عليه أن يغير شيئًا ما. لكنه لا يعرف كيف يبدأ.
....
رواية حين تخذلني عيناك الفصل الثاني 2 - بقلم هاجر عبد الحليم
م
استفاقت ليان من نومها فجأة، قلبها يخفق بقوة دون سبب واضح. كانت تشعر بعطش شديد، فنهضت من
السرير بخطى متثاقلة، وتوجهت نحو الحمام.
غسلت وجهها وهي لا تزال نصف نائمة، لكن بينما كانت تمسحه بمنشفة صغيرة، أحست برطوبة مختلفة...
كانت دموعًا، لا ماءً فقط.
توقفت لحظة، تنظر لنفسها في المرآة وقد بدأت ملامح القلق ترتسم على وجهها.
– "إيه ده؟ أنا كنت بعيط؟!"
لكنها لا تتذكر شيئًا.
خرجت من الحمام ببطء، وما إن عادت إلى الغرفة حتى اخترق سكون الليل صوت بكاء مختنق، متبوعًا بنداء
أنثوي :
– "فااارس! لا يا فارس... آآه، متسبنيش لوحدي!"
تجمدت ليان في مكانها، نظراتها تمسح الغرفة كأنها تبحث عن شخص مختبئ، ثم تمتمت:
– "أنا مش بتهيألي اقسم بالله... أنا فعلا سمعت صوت صوت واحدة ست."
حاولت تهدئة نفسها وهي تضغط على صدرها المرتجف :
– "اهدي يا ليان اهدي... من إمتى وانتي بتخافي؟ قلبك جامد... متنسيش دا اكيد بتهيألك روحي ارتاحي ."
لكن عينيها سقطتا على شيء غير متوقع فوق السرير... منديل مبلول.
تقدمت ببطء، التقطته بأنامل مرتجفة، وحدقت فيه طويلا . آثار الدموع كانت واضحة، وكأن شخصًا ما كان
يبكي هنا منذ لحظات.
وفي تلك اللحظة، لمعت في ذهنها صورة ضبابية لرجل لا تعرفه، وصوت رجولي عميق يقول:
– "بحبك يا نيارا... بحبك أوي."
...
وقفت ليان أمام اللوحة داخل المتحف، تنظر إليها بيدين مرتعشتين، تحاول أن تفك رموزها. كانت اللوحة قديمة،
باهتة الألوان، تحمل في طياتها شيئًا مألوفًا وغريبًا في آن واحد .
همست بصوت خافت:
"فارس..."
استدارت لتغادر، لكنها وجدت قصي واقفًا أمامها فجأة، ينظر إليها دون تعبير واضح، وفي يده علبة سجائر.
قالت بتوتر:
"أستاذ قصي حضرتك بتعمل اي هنا؟..."
ابتسم بسخرية خفيفة، ثم قال:
"حبيت اجي واعملك مفجأة؟"
همت بالتحرك لتبتعد عنه، لكنه أوقفها بنظراته دون أن يلمسها.
قالت بحدة:
"عايزة أمشي، بعد إذنك عديني وروح شوف حالك بعيد عني."
رد بهدوء غير معتاد :
"أنا اسف"
نظرت إليه بدهشة، ثم قالت:
"معقول حسيت بالذنب طلع عندك دم زينا؟؟"
أومأ وهو يتنهد:
"آه طبعًا... أسلوبي وطريقتي معاكي مكانوش لطاف، بس صدقيني، دي شخصيتي. وأنا عارف إنك مش مُلزَمة
تستحملي، بس جيتلك أعتذر، وأكيد لازم تقدري ده ولا اي؟."
قالت وهي تشير إلى السيجارة:
"طب بعد إذنك... اطفي السجاير."
رفع حاجبه مستفهمًا، ثم قال بابتسامة ساخرة:
"ليه؟ ده حتى ريحتها حلوة أوي... تحبي تجربي؟"
نظرت إليه بحدة وقالت بجدية:
"عيب وحرام ! ولا إنت مش مسلم زينا ومتعرفش ربنا؟"
سكت قليلًا، ثم حول نظره نحو اللوحة وقال:
"تعرفي مين فارس زهران؟"
ردت وهي ترفع حاجبيها بدهشة:
"هو فنان مشهور... بس لما بحثت عنه، ملقتش أي معلومات تخصه."
أشار إلى اللوحة قائلا :
"هتلاقيها هنا... في اللوحة دي. عشان كده لازم أرممها. ومش هاخد وقت لو انتي ساعدتيني."
نظرت إليه مترددة، ثم قالت:
"وأنا هساعدك ليه؟"
ابتسم وقال:
"عشان إنتي الوحيدة اللي عارفة إنها مش مجرد رسمة... وإنها بتنادي على حد . كأنها بتوصل رسالة ولازم
نعرف انا وانتي هي اي وبأسرع وقت ممكن"
....
عادت ليان إلى المنزل مسرعة، وصوت قلبها يكاد يغلب على أنفاسها. ما إن دخلت غرفتها حتى أغلقت الباب
خلفها بتوتر، وأسندت ظهرها إليه كأنها تهرب من شيء يطاردها.
تقدمت ببطء نحو المرآة، عيناها متسعتان، ونبضها يتسارع. وما إن نظرت إلى انعكاسها، حتى تجمدت في
مكانها.
رأت نفسها تبكي، ووراءها قصي، لكن لم يكن كقصي الذي تعرفه. كان يقف عاري الصدر، يغطي جسده وشوم
داكنة، يتصاعد حوله دخان كثيف، وكان شريان يده مقطوعًا، يتدلى منه الدم في مشهد عبثي مفزع .
شهقت ليان وصرخت بفزع:
"آااااااااااااه
مدت يدها لترى إن كان ما تراه حقيقيًا، لكن المرآة لم تُظهر إلا انعكاسها وحدها.
تراجعت بخطوتين إلى الوراء، ثم جلست على طرف السرير، تحتضن رأسها بكفيها، وتهمس لنفسها:
"لا... كده الموضوع بقى بجد.
أنا شايفاها، والله العظيم شايفاها بعيني.
وبعدين؟ من ساعة ما شوفت اللوحة دي وكل حاجة قلبت،
أصوات، أحلام، شبح فارس، وقصي بيظهرلي في كل ركن، حتى في المراية!"
رفعت نظرها ببطء، تراقب انعكاسها بحذر، ثم قالت بصوت مرتعش :
"قصي... أنا لمحته، في المرايا... كأن في نسخة تانية منه، مش هو، بس هو...
إزاي يعني؟!
هو في إيه؟ هو قصي ده ليه علاقة بفارس
ولا أنا اللي فعلا بدأت أتهز نفسيا وقربت اتجنن؟ً"
سكتت لحظة، ثم قامت متوترة تتحرك في الغرفة ذهابًا وإيابًا، تهمس :
"أنا لازم أفهم... اللوحة دي مش عادية، فيها سر...
وفارس اللي بيظهرلي، وكلمة "بحبك يا نيارا"...
هي مين نيارا وليه اسم غريب كده؟
ومين اللي بيعيط في ودني بالليل؟!"
توقفت فجأة، نظرت للمرايا مرة تانية بنظرات متحدية، وقالت:
"خلاص... أنا هعرف .
هفضل ورا الموضوع ده، لحد ما أفهم كل حاجة.
بس قصي... لازم أعرف هو فين من ده كله،
...
دخلت ليان إلى مرسم قصي بخطوات مترددة، وقلبها يسبقها في الخفقان. وقع نظرها عليه فورًا، كان واقفًا أمام
لوحة كبيرة يرسم فيها بانسجام تام. اقتربت منه قليلًا، ثم تجمدت مكانها حين اكتشفت أن ملامح الوجه
المرسوم... هي ملامحها .
ليان )بدهشة وابتسامة خفيفة(:
"مكنتش أعرف إني حلوة كده؟"
قصي )من غير ما يرفع عينه عنها(:
"يبقى لازم تشوفي نفسك في عنيا أنا... أنا عمري ما شفتك وحشة."
ليان )بتحاول تخبي توترها(:
"أنا جيت عشان..."
قصي )مقاطعًا بنبرة هادئة( :
"قلبك كان عايز يطل عليا صح؟"
ليان )وهي بتبعد نظرها(:
"لأ... اللوحة، أصلي... كنت جاية عشانها."
قصي:
"آه، اللوحة. أنا جبتها هنا."
ليان )بانفعال(:
"جبتها إزاي؟ دي المفروض ممنوع تطلع من المتحف!"
قصي )بنبرة رسمية(:
"قدمت طلب رسمي لإعادة الترميم خارج المتحف، قلت إن في مواد لازم أستخدمها ومش موجودة هناك، وبعد
نقاش طويل جدًا، المدير وافق."
ليان )بإعجاب خفي(:
"طلعت مش سهل!"
قصي )بابتسامة خفيفة(:
"تعالي شوفي، اشتغلت فيها شوية."
اقتربت ليان من اللوحة بخطوات بطيئة، وفجأة، انطفأ النور، وساد الظلام. هب نسيم غريب حرك الستائر
بخفة، كأن شيئًا يستعد للظهور وقبل أن تنطق، انبعث من قلب اللوحة نور غريب .
ليان )بصوت مرتجف(:
"قصي! في نور... شوفته، يا قصي!"
قصي )مندهش وهو ينظر حواليه(:
"أنا مش شايف حاجة يا ليان !"
ليان )بحدة(:
"إزاي مش شايف؟ أهو، ياقصي أهو! استنى..."
قصي )برعب(:
"لأاا، ما تقربيش!"
ليان )بإصرار(:
"يعني إيه ما قربش؟ أنا مش خايفة!"
اقتربت من مصدر النور، وعيناها متسعتان من الذهول. هناك، داخل اللوحة، رأت صورة شاب يشبه إلى حد
كبير ذلك الذي رأته في المرآة... ويشبه قصي.
مدت يدها لتبتعد، لكنها شعرت بيد تمسك بها فجأة!
الصوت )من داخل اللوحة(:
"نيارا... أوعي تبعدي، خليكي جنبي... ساعديني أخرج للنور... لسه وقتنا مع بعض مخلصش... أنا كويس، مش
مشوه... يا نيارا، ثقي فيا... ثقي في فارس حبيبك..."
صرخت ليان بأعلى صوتها وارتدت إلى الخلف، سقطت على الأرض بعنف وهي ترتجف.
قصي )بقلق وهو بيقرب منها(:
"شُفتي إيه؟!"
ليان )بجسم بيرتجف، وإيدها بتشاور على اللوحة(:
"قالي... قالي يا نيارا، ناداني !، أنا حسيته... كان ماسكني، كان جوه اللوحة وانا كنت معاه ياقصي "
..
بينما كانا يسيران في الشارع ليلاً، قصي يحاول جاهدًا أن يبقي الأمور تحت السيطرة، رغم الشرر الذي بدأ
يتطاير في قلبه من شدة التوتر
قصي )بلهجة نصف مازحة تخفي ارتباكه(:
"انتي شكلك مجنونة."
ليان )بتوتر واندفاع(:
"مجنونة؟! بقولك لمسني! دي ماكنتش هلوسة، ولا خيال! كان شبهك بالظبط... بس جسمه كله وشوم، وكان
حواليه دخان... وكان بيقولي يا حبيبتي، ناداني نيارا!"
قصي )يتوقف فجأة، وعيناه تتسعان(:
"شبهي أنا؟! استني لحظة... اسم نيارا ده... مش غريب عني . حاسس إني سمعته قبل كده... بس فين؟!"
ليان )تمسك بذراعه وهي تتنفس بصعوبة(:
"قصي، لازم نعرف مين نيارا، وإيه قصة اللوحة دي قبل ما يحصل حاجة تانية. حاسة إن في أجزاء ناقصة...
وأنا المفروض أكملها. بس إزاي؟ إزاي أكمل حكاية مش فاكرة منها غير لمحات بسيطة كل م تيجي ع بالي
هتجنن؟!"
قصي )وقد بدا عليه التركيز(:
"مافيش حل غير إننا نبدأ من المصدر... نفتح أرشيف المتحف، أو ندور في أي مكتبة أثرية ممكن نلاقي فيها
تفاصيل عن اللوحة أو الاسم ده."
ليان )بعيونها المتسعة بالأمل والخوف معًا(:
"فكرة حلوة جدًا ياقصي... من بكرة نبدأ ندور، حتى لو اضطرينا نرجع سنين لورا..."
ومع كل خطوة كانا يبتعدان فيها عن مكان المرسم، كانت نسمات الليل الباردة تهمس بأن ما ينتظرهما، أكبر من
مجرد لوحة ... بل قصة قديمة تُصر أن تُروى من جديد.
...
في المكتبة الأثرية، كانت الأجواء ساكنة ومليئة بالهدوء الغريب، بينما كان كل واحد منهم غارقًا في البحث
وسط الأرفف المكدسة بالكتب القديمة. ليان كانت تشعر بالخوف يتسلل إلى قلبها مع كل لحظة تمر، وكلما
اكتشفت شيئًا جديدًا، زاد قلقها بشكل كبير.
ليان )بصوت مرتجف، وهي تقلب صفحات أحد الكتب القديمة(:
"أنا ابتديت أخاف، ياقصي..
قصي )يبتسم بتهكم، لكنه لا يخفي التوتر الذي بدا في عينيه(:
"لولا اني عارف لو عرفت سر اللوحة دي هيخليني معروف اكتر مكنتش كملت معاكي المشوار دا.
ليان )بنبرة ساخرة وبصوت عميق(:
"طبعا، عايز تعمل مؤتمر وتبقى معروف أكتر، صح؟"
قصي )يزفر بقوة ويحاول تغيير الموضوع( :
"وأي المشكلة؟ المهم دلوقتي إننا نعرف الحقيقة، يلا دوري."
ليان )فجأة توقفت، وعينيها تركزت على صورة في الكتاب، ثم نادت عليه(:
"قصي... تعال شوف كده."
قصي )يقترب بسرعة وهو ينظر بدهشة إلى الصورة(:
"دي صورتك؟!"
ليان )بعيون مرتعشة، لم تستطع أن تخرج من ذهولها(:
"أيوة، دي صورتي... بس مش أنا."
قصي )ينظر إليها بقلق، وعينيه ضيقت مع صدمته( :
"أومال مين؟"
بدأ قصي يدور حول نفسه وهو ينظر بقلق إلى ليان، وكأن الفكرة لم تصله بعد.
قصي )يقترب أكثر من الصورة وهو يشير إليها(:
"دي نيارا... بيقولوا إنها فنانة كبيرة جدا، بس إيه علاقتها بفارس؟ أكيد هي حبيته... لكن إزاي شبهك كده،
ياليان؟"
ليان )بصوت يتسارع، وقلبها ينبض بسرعة أكبر(:
"مش عارفة ... والصدمة الأكبر. إزاي فارس شبهك؟"
الاتنين نظرو لبعض بصدمة كبيرة، وكأنهم في لحظة تجمد الزمن، لا يستطيعان فهم ما يحدث حولهم، وكل
شيء أصبح غامضًا ومريبًا أكثر من أي وقت مضى.
..
وقفت ليان أمام فارس، الذي كانت صورته تتداخل مع صورة قصي بشكل غريب .
فارس )بصوت هادئ وغامض(:
"نيارا..."
ليان تجمدت في مكانها، ثم التفتت بسرعة لتجد قصي، نفس الشخص الذي تعرفه، يقف هناك أمامها.
ليان )بصدمة(:
"قصي؟!"
فارس )بصوت هادئ(:
"أنا فارس... يانيارا."
ليان كانت في حالة من الذهول، تتساءل عن ما يحدث، وكل شيء حولها أصبح ضبابيًّا .
ليان )بتساؤل وخوف(:
"إحنا فين؟"
فارس اقترب منها بخطوات ثابتة، ومد يده إليها بلطف.
فارس )بصوت هادئ(:
"تعالي معايا."
ليان، رغم خوفها، تبعته. دخلت معه إلى غرفة واسعة، وعندما رفعت عينيها، شعرت أن قلبها توقف. أمامها
كان قصي، في نفس الغرفة.
ليان )بصدمة وحيرة(:
"انتو ازاي؟!"
فارس نظر إليها بهدوء، ثم أجاب بلطف.
فارس )بصوت هادئ(:
"دا قصي، بس أنا فارس."
ليان )بذهول(:
"لا، انتو واحد!"
فارس اقترب منها أكثر، ثم سألها بابتسامة غريبة.
فارس )بفضول(:
"وعرفتي منين؟"
ليان )بشعور غريب(:
"حاسه..."
في زاوية الغرفة، كان قصي
يحاول الانتحار بنفس الطريقة التي رأته فيها في المرايا.
ليان )بصرخة عالية(:
"لاااااااااا!"
فارس أمسك بيدها بسرعة، محاولًا تهدئتها.
فارس )بصوت هادئ(:
"مش هتعرفي تتفذيه، يانيارا."
ليان ابتعدت عنه بسرعة، واتجهت لإنقاذ قصي، ولكن المفاجأة كانت أكبر. جسده كان مليئًا بالوشوم، تمامًا مثل
فارس، وشكله أصبح شبهه تمامًا.
ليان )بأنفاس متسارعة وبصوت متقطع(:
"اااااااااااه! "
فجأة، استفاقت ليان من حلمها، قلبها ينبض بسرعة، وأحاسيسها مضطربة. شعرت بشيء غريب يعتصر
صدرها، وفجأة سمعت رنين هاتفها.
ليان )بصوت خافت ومتوتر(:
"الو? "
قصي
"أنا عرفت مين فارس زهران، ياليان."
كان هذا هو التصريح الذي جعل ليان تشعر بالذهول، والمزيد من الأسئلة تتسلل إلى عقلها، وفي قلبها، بدأت
تتشكل صورة جديدة عن فارس زهران، وعن سر عميق يربطهم جميعًا.
رواية حين تخذلني عيناك الفصل الثالث 3 - بقلم هاجر عبد الحليم
م
كانا واقفين أمام الكوبري، والهواء يعبث بخصلات شعرها.
ليان، وقد نفد صبرها:
هتفضل ساكت كده؟!
قصي لم يرد، عيناه شاردة في اللاشيء.
ليان بحدة أكثر:
أنا ما جيتش أقعد معاك علشان تسكت وتبقي شبه ابو الهول كدا والله ثانية وهضربك ف مناخيرك وتبقي زيه من كله
التفت إليها فجأة، صوته مبحوح:
أنتي عيلتك مين يا ليان؟
خفضت بصرها وردت بهدوء:
معرفش.
نظر إليها بدهشة وشيء من الغضب المكبوت:
بتهزي كتافك وانتي بتقوليها كأن الموضوع م يفرقش معاكي!
ابتسمت بسخرية حزينة:
عشان اتعودت عليه... اتولدت لقيت نفسي لوحدي، من غير أم ولا أب. حتى ماعرفش شكلهم إيه، ولا
أسمائهم. بس ساعات بيجيلي تهيؤات كده... بسرح، وأتخيل لو كان عندي عيلة.
نظرت إليه بجدية، ثم همست:
أقولك على سر؟ محدش يعرفه عني... حتى اسمي اللي في البطاقة، راجل ابن حلال هو اللي إداهولي. مراته
كانت هي اللي ربتني، لحد ما كبرت وبقيت أعتمد على نفسي، و سبت البيت والمحافظة كلها، وجيت هنا.
محدش من صحاب الحارة فكر يسأل أنا مين... يمكن عشان دايمًا ف حالي، بروح وباجي من الجامعة بسكوت،
محدش بيحس بيا.
سكتت قليلًا، ثم نظرت إليه بترقب:
عينك، كل ما أشوفها يا قصي... بخاف، وعايزة أهرب. بس ساعات بحس إن جواك لمعة بتشدني ليك.
كان على وشك أن يهم بالرحيل، لكنها مدت يدها وأمسكت بيده فجأة. اتسعت عيناه من الصدمة، ونظر إليها في
ذهول.
قالت بصوت خافت:
سيبني اعرفك ياقصي
رد دون أن ينظر إليها:
مفيش حاجة في حياتي تهمك اصلا
فاجأته بكلماتها:
إنت كلك على بعضك تهمني
وقبل أن يجيبها، تجمد مكانه. نظر بجوارها، فوقع بصره على فتاة جالسة بجانبها... كانت نسخة مطابقة من
ليان.
اهتزت يده، وارتعشت نظراته.
ليان التفتت نحو المكان الذي ينظر إليه، لكنها لم تجد أحدًا .
شايف حاجة؟
همس كمن رأى شبحًا:
نيارا...
ابتسمت نيارا له، لكنها لم تكن ابتسامة، بل كانت تنهيدة ألم. كانت الدموع تنهمر من عينيها، وعلى وجهها
كدمات واضحة... ثم اختفت فجأة.
قال وهو يلهث:
إحنا لازم نبعد عن بعض. امشي يا ليان... حاولي متشوفينيش تاني. يمكن لو كل واحد فينا راح ف طريق،
اللي بنشوفه ده يختفي.
نظرت إليه بعتاب، ولم تنطق بكلمة.
استدارت... ورحلت.
...
في غرفة شبه مظلمة، جلس قصي على طرف السرير، سيجارته تشتعل بين أصابعه، والدخان يتصاعد في
الهواء كأفكاره المضطربة. وضع يده على صدره فجأة، شعر بوخز مؤلم في قلبه.
همس لنفسه:
"أنا متضايق ليه؟ عشان قلتلها تبعد عني يعني؟ ولا عشان هي فعلا مشيت بسرعة... من غير ولا كلمة كأنها م صدقت تبعد؟
كنت مستني منها إيه يا قصي؟"
زفر بضيق، واقترب من المرآة أمامه. وفجأة...
ظهر فارس خلف زجاج المرآة، يبتسم له ابتسامة شيطانية، باردة كأنها خارجة من كابوس .
أشار إليه قصي بإصبعه، متوترًا:
"إنت... فارس ايوة انا قريت عنك؟"
أجابه بابتسامة ثابتة:
"وعرفتني كويس؟. "
قصي، بعصبية :
"مش كفاية مطاردات بقا؟!"
ابتسم فارس بسخرية:
"أنا مش بطاردك محدش يقدر يجري ورا نفسه."
قصي، بصوت مهزوز لكنه متحدي:
"أنا مش وحش زيك."
فارس، بصوت منخفض لكنه مليء بالتهديد:
"هتبقى... لو مسمعتش كلامي."
وفجأة... بدأت المرآة ترتج، وتتحول أمام عيني قصي إلى مشهد من الماضي...
فلاش باك
كانت الغرفة غارقة في الصمت، إلا من صوت أنفاس فارس الثقيلة . نظر إلى نيارا بنظرات غاضبة، بينما
كانت هي تقف على بعد خطوات، تجلس على حافة السرير، وتشد قبضتها بغضب. حاول أن يهدئ من نفسه،
لكنه لم ينجح. اقترب منها فجأة، وصوته يخرج من بين أسنانه.
فارس:
"هاتيهم يا نيارا، متغلبنيش."
لكن نيارا، التي كانت قد ضاقت ذرعًا بتصرفاته، رفضت أن ترضخ . رفعت رأسها، وأجابت بصوت حازم،
وهي لا تخفي امتعاضها من سلوكه وتخفي البرشام بين يديها
نيارا:
"لا، يعني لا. مش هديك القرف ده. انساه تمامًا. روح بقى شوف شغلك. بقالك شهر قاعد في البيت، لا شغلة ولا
مشغلة. وأنا خلاص مليت منك. حياتنا بتضيع بسببك. الديون تراكمت فوق دماغنا، والناس كل شوية بتخبط
علينا عايزة حقها. وأنا مش قادرة أجل اكتر من كدا ده شوية هيرمونا في الشارع."
فارس، الذي شعر بتزايد الضغط، كان واضحًا في توتره. مسح جبهته بأصابعه، وأجاب بعصبية.
فارس بصريخ
بلاش وجع دماغ. أنا مصدع، وقولك حاجة . شكلي كده هطلقك قريب.و تحلي عني شوية. من ساعة ما دخلتي
حياتي، ما شفتش يوم حلو."
لكن نيارا كانت قد تجاوزت حدود التحمل . شعرت أن الوضع قد وصل إلى نقطة لا عودة، فأجابته بغضب كان
يشتعل في قلبها.
نيارا:
"بتقول الكلام ده ليا يا فارس؟ أنا اللي صبرت على قرفك، وحياتك اللي مش بتسر حد . خنتني مع طوب
الأرض، واستحملت، سافرتني بعيد عن أهلي، وقلت: 'معلش، بتحبيه ضيعت عليا هواياتي وأحلامي وشغلي،
وقعدتني جنبك.' وقلت: 'ماشي، بيحبك وبيغير عليكي' لكن دلوقتي، انت عديت كل حدود صبري"
فارس، الذي كان يبدو أنه في حالة من الغضب الشديد، اقترب منها فجأة وأمسك بشعرها بقوة، وهو ينطق
بكلمات قاسية.
فارس:
"هاتيه! "
نيارا )بتحدي(:
"سكوتي هو اللي بوظك يا فارس. وجي الوقت اللي أصلح فيه ده."
ثم حدث ما لم تكن تتوقعه. رفع فارس يده وضربها على وجهها بقوة. كانت الصدمة تعكس نفسها على ملامح
نيارا، التي هربت منه نحو الباب، محاولة فتحه لكنه كان أسرع منها مما جعل نيارا تشعر باليأس.
نيارا )بصوت متوتر(:
"أنت مش واعي، محتاج تفوق. دماغك لسعت على الآخر."
فارس )بغضب(:
"انتي واقفة قدام واحد مجنون، ومش خايفة على نفسك؟"
نيارا )بتحدي، وكأنها تبحث عن مخرج(:
"عايز تاخدهم؟ تمام، لكن قبلها موتني."
فارس، الذي لم يعد يراعي أي شيء، اقترب منها بسرعة . حاولت الهروب، قفزت إلى السرير، لكن فارس
أمسك برجليها بقوة وثبتها في مكانها. بدأ في محاولة أخذ الأقراص التي كانت بحوزتها.
فارس )محاولًا تهدئتها(:
"اهمدي بقا "
لكن نيارا كانت قد بلغت أقصى حدود التحمل . دفعته بعيدًا عنها، فقال لها في لهجة تهديدية.
فارس )بعصبية(:
"هقتلك، هقتلك يا نيارا."
وبالفعل حاول خنقها بيديه فتألمت بشدة واعطته الأقراص
نيارا )بصوت ضعيف، (:
"فارس انت حاولت تقتلني."
أخذ فارس الأقراص منها، جلس بجانبها وهو يشمها ببطء، وبعد لحظات من الصمت المطبق، هدأ، لكنها ظلت
في حالة من الاضطراب. رفعت يديها إلى رقبتها، غير قادرة على تصديق ما حدث لتوها.
ثم قفزت نيارا فجأة، محاولة الهروب، لكن فارس لم يتركها. أمسك بيدها بقوة مرة أخرى، وحاول أن يهدئ من
نفسه
نيارا )بغضب شديد(:
"إيدك القذرة دي لو لمستني تاني، ياويلك مني. أنت حيوان و ضعيف."
فارس، الذي شعر بحالة من الغضب المتفجر، قال لها بنبرة تهديدية.
"عايزة تمشي صح بس خليني أقولك حاجة. جسمك ده مش هيخرج من هنا غير جثة يا نيارا ."
ولكن نيارا، التي كانت قد أضحت في حالة من اليأس التام، دفعته بعيدًا عنها بعنف.
نيارا )بشدة(:
"يبقى اقتلني يا فارس."
فارس، الذي شعر بشيء من التردد في قرارة نفسه، ابتسم ابتسامة باردة وقال في هدوء:
فارس:
"مقدرش أذيكي."
نيارا:
"مش بقولك مجنون؟ أنت كنت هتخنقني."
فارس )بهدوء(:
"إنتي اللي عصبتيني، بس دلوقت هديت. خلاص، مش هزعلك تاني."
نيارا )بدموع(:
"مفيش منك أمل. مفيش منك فايدة والله العظيم انا تعبت والله تعبت هخلص من دا كله امتى بس ياربي؟"
لكن فارس، الذي كان قد فقد صوابه تمامًا، شدها إليه مرة أخرى. قال لها بعصبية واضحة:
فارس:
"بقولك مش هتمشي."
نيارا )بإصرار(:
"همشي، يا فارس."
ثم، في لحظة لا يمكن لها أن تتحمل أكثر، رفعها فارس بقوة ودخل بها إلى غرفة مظلمة، حيث أغلقت الأبواب
خلفه.
نيارا )بجزع(:
"لا، يا فارس! انت هتعمل إيه؟ بلاش الأوضة دي يا فارس ."
دخل بها إلى الغرفة وأغلق الباب وراءه قائلا بصوت عميق:
فارس:
"لما تعقلي، هخرجك."
ولكن نيارا لم تتمكن من الرد، فقط أطلقت صرخة يائسة، وكان الصوت الوحيد الذي يعبر عن معاناتها.
نيارا:
"فاااااااااااااارس!"
باك
في تلك اللحظة، كان قصي يجلس في مكانه، عيناه مليئة بالدموع. فجأة، نظر إلى المرآة، ولكنه لم ير فارس
أمامه. بدأ يرتعش فجأة وجلس ع السرير، وفي تلك اللحظة، شعر بشيء ناعم على جلده. اذ بها لمسة يد فتاه
نظر إلى يده، ثم وجد نيارا. كانت قد عادت، ولكن كان وجهها مشوهًا بالكدمات.
نيارا )بصوت منخفض(:
"ازيك يا قصي؟"
....
كانت ليان تغط في نوم هادئ، حين شعرت فجأة بأنامل تعبث بخصلات شعرها برفق. فتحت عينيها بسرعة،
لتجد أمامها وجه قصي يحدق بها. اتسعت عيناها رعبًا، فانتفضت من السرير بذعر، وسحبت اللحاف لتستر به
جسدها.
فارس )بصوت منخفض(:
"متخافيش مني."
ليان )بدهشة(:
"قصي؟!"
فارس )بنبرة باردة(:
"مش هتفرق."
حدقت ليان في عينيه، ولاحظت السواد الغريب الذي يكسوهما، حاولت أن تقترب منه في حذر، ثم رفعت يدها
نحوه.
ليان )بقلق(:
"إيدة؟"
فارس )متراجعًا بخوف(:
"ابعدي."
ليان )تراقبه بذعر(:
"عينك سودا أوي… ليه كده؟!"
فارس )بصوت ثقيل ومرهق(:
"من كتر الشرب ."
ليان )بصوت مرتجف وهي تتراجع(:
"فاااارس…؟
...
عند قصي:
انتفض قصي مبتعدًا عن نيارا وقد بدا عليه الذهول والخوف. لم يكن يتوقع ما حدث لتو
نيارا )بابتسامة مريرة(:
"ليك حق تعمل أكتر من كده… طب لو شُفت شكلي"
وفجأة، أمام عينيه، تحولت ملامح نيارا بالكامل إلى ليان!
قصي )مذعورًا(:
"بسم الله الرحمن الرحيم… أعوذ بالله من الشيطان الرجيم !"
لم يتردد لحظة، ركض خارج الغرفة، بل خرج من الشقة بأكملها وهو يلهث رعب
....
عند ليان:
أسرعت نحو الدولاب وسحبت إسدالها بيدين مرتجفتين، فيما كان هو – الغريب – يرمقها بابتسامة هادئة، كأنه
يعلم ما ستفعله بالضبط.
بمجرد أن ارتدت الإسدال، نظرت إليه وابتلعت ريقها ثم قالت بارتباك:
ليان )بخوف(:
"ف الله خير حافظا وهو ارحم الراحمين
وفجأة، قفزت من مكانها وركضت خارج الشقة وهي تصرخ!
.....
في لحظة غريبة، وكأن الزمان اختل والمكان تبدل، كانت ليان تندفع في الشوارع بجسد مرتجف، تنظر خلفها
بخوف، لا تدري أين تجري، وكل طريق تدخله لا يُشبه الذي قبله.
وفي ذات الوقت، كان قصي يركض في الجهة الأخرى، أنفاسه تتلاحق، ووجهه شاحب، كأن شيئًا يطارده دون
أن يراه.
البيوت تغيرت، الألوان بهتت، والإضاءة انطفأت تدريجيًا. الشوارع التي يعرفانها، تحولت إلى متاهة. ومع
ذلك، كأن قوة خفية تسحب كلًّا منهما نحو نقطة واحدة.
وفجأة، في أحد المنعطفات، اصطدم الاثنان ببعض بقوة، فتراجع كل منهما خطوة للخلف، مذهولين.
ليان )بدهشة، وهي تنظر إلى قصي(:
"آه يخربيتك! في إيه؟ داخل عامل زي الطور!"
قصي )بفرحة، يلمس خدها بيديه(:
"ليان ليان حبيتي انتي جيتي بجد؟!"
ليان )تخجل وتبتعد عنه بسرعة(:
"يا قصي عيب ..!"
قصي )بتصميم، بنبرة جادة(:
"من بعد اللي حصلي، مش هخطي أي خطوة غير وانتي معايا، ما تسبنيش لوحدي تاني!"
ليان )بخوف شديد، تهز رأسها(:
"فارس! انا شوفته! لمسني والله كان قاعد على السرير جمبي في بيتي، يا قصي..
قصي )بإصرار، يحاول تفسير ما رآه(:
"أنا شوفتك، بس مش إنتي كانت نيارا! اتحولت وبقت نسخة كربون منك!"
ليان )تنظر حولها بخوف، وتبدأ تشعر بالقلق(:
"إحنا فين؟ إزاي جينا هنا؟ ده مش مكاننا، مش شارعنا!"
قصي )ينظر حوله باضطراب، يكتسح المكان بعينيه(:
"دي غابة، يا ليان...!"
وفجأة، سمعوا صوت بومة تصرخ في الظلام، مما جعلهم يقفزان في رعب . وتشبثوا ببعضهم البعض،،
وقد تجمدا من الفزع .
.....
كانا يسيران في صمت ثقيل حتى سمعت ليان صرخة مدوية.. صرخة نيارا.
توقفا فجأة، وقصي رفع رأسه كأنما يرى شيئًا غير مرئي للعين البشرية. أمامهما بدأ المشهد يتشكل كأنه شاشة
سينمائية، عرض حي من ماضي مؤلم... كانوا داخل قصر "فارس".
فلاش باك
نيارا )بصوت مختنق(:
"أنا عايزة أشوف أمي، يا فارس..."
فارس، جالس على الأريكة بيده كأس خمر، قال ببرود:
" امك ماتت خلاص ابقي شوفيها لما تحصليها."
نيارا )بانكسار(:
"أنا مش طالبة غير أودعها… دا النهاردة هيدفنوها… حرام عليك، خليني أروح."
فارس )وهو يرتشف من كأسه(:
"قلتلك لأ انتي حمارة مش بتفهمي ليه؟."
في لحظة غليان، قامت وسحبت زجاجة الخمر من يده، كسرتها على الأرض، ثم جمعت أقراصه المخدرة
ورمتها من الشباك.
فارس نظر إليها بجنون، عروقه منتفخة، عيونه تشتعل:
"وحشتك أوي علقة كل يوم… صح بقت بتكيفك؟ !"
اندفع نحوها وأمسك أقرب شيء ف ه، وبدأ يضربها به بعنف.
ليان صرخت وركضت محاولة الوصول إلى نيارا، لكن المشهد اختفى فجأة كأنه لم يكن.
تجمدت لثوان، ثم عادا للسير، فإذا بمشهد جديد يتكون أمام أعينهم…
فلاش باك
كانت نيارا جالسة تبكي بصمت، خلف با ب مغلق طرقه "فارس"، ثم دخل .
نيارا )بتوتر(:
"فارس… لأ."
لكنه لم يهاجمها هذه المرة. اقترب منها بعينين دامعتين، وقال بصوت متهدج:
"أنا آسف..."
نيارا )بصو ت مخنوق(:
"كفاية بقى… جسمي مبقاش فيه حتة سليمة من كتر الضرب… ليل ونهار!"
جلس إلى جوارها، وضع رأسه على رأسها، وبدأ في البكاء بصوت مرتجف.
فارس:
"أنا مش قادر أبطل…"
نيارا:
"لازم تبطل… عشان نفسك… وعشاني ."
فارس:
"في وجع جوايا… مش بيهدى غير لما أشرب ."
نيارا )بحنو وانكسار(:
"خلاص… تعال نروح المصحة، وأنا هكون جنبك… مش هسيبك."
رفع عينيه إليها، وقال بصوت خافت:
"إنتي مسامحاني… صح؟"
فأجابت، وهي تُقبل رأسه :
"قدري إني أكون معاك."
ثم تلاشى المشهد فجأة، كما بدأ.
باك
ليان )بهمس مذهول(:
"عشان كده نيارا كانت بتظهر بكدمات… صح؟"
قصي )بصوت حائر(:
"إحنا لازم نعرف إيه اللي حصل لها بالظبط… هي ماتت؟ !"
وفجأة، سمعت ليان صوتًا في أذنيها… صوت "فارس" نفسه، يتحدث بألم:
فارس )بصوت داخلي مرتجف(:
"نيارا اتقتلت… ماتت بسببي… لما ضربتها بالسكينة…"
ترددت الكلمات على لسان ليان، كأن روح نيارا تتحدث من داخلها:
"نيارا اتقتلت… فارس قتلها!"
ثم...
استفاقت ليان فجأة، مفزوعة، تنظر حولها، تلهث، وجسدها يرتجف. كانت لا تزال في غرفتها!
صرخت ونهضت بسرعة لتأخذ هاتفها، فوجئت باتصال من "قصي".
أجابت، وصوتها يتهدج:
"ألو؟"
وبينما تسمعه يتحدث، اتسعت عيناها من الصدمة… لقد حلم الاثنان بنفس الحلم… بكل تفاصيله.
....
قصي يقف في المطبخ يعد كوبًا من الشاي، وعقله شارد بعيدًا عن كل شيء حوله. أنهى إعداد الكوب،
وعاد ليجلس على الأريكة، يقلب القنوات بتململ، وكأن شيئًا داخله يأبى أن يتركه في هدوء.
وفجأة، لم يعد وحده.
التفت ببطء... كانت نيارا بجواره.
لم يصرخ، لم يتحرك، فقط حدق فيها، ورغم الخوف الذي يعتريه كلما ظهرت، إلا أن عينيه امتلأتا بالقلق، لا
الرعب.
نظرت إليه بعينين تغرقان في الألم، وهمست بصوت مكسور:
نيارا:
"متخليش اللي حصلي يحصل ليها، يا قصي... أرجوك، لازم تحميها منه"
ثم اختفت.
قام على الفور، التقط مفاتيحه وهاتفه، واندفع خارجًا نحو سيارته. قلبه يخفق بقوة،
ضغط على زر الاتصال:
قصي:
"ألو؟"
في الجهة الأخرى، كانت ليان تضع آخر قطعة من ثيابها في الحقيبة.
ليان:
"أنا مسافرة."
قصي: )بصوت متوتر(
"رايحة فين؟!"
ليان:
"همشي من البلد كلها، ياقصي"
قصي: )بحزن عميق(
"وتسيبيني يا ليان؟"
ليان: )تتنهد(
"أنا لو عليا، عايزة أسيب الدنيا كلها."
قصي: )بوجع يخترق صدره(
"أموت قبلك عشان أكون مرتاح... ومش أعيش في الدنيا لوحدي."
ليان: )بصوت مكسور(
"أنا مش عارفة أبقى بخير هنا، يا قصي."
قصي: )بعصبية وحزن دفين(
"هتروحي مني... زي ما هي راحت من فارس؟ !"
ليان: )بتوتر
"بس إيه دخل حياتنا بحياتهم؟!"
ساد الصمت.
ليان: )بقلق(
"مخبي عني إيه؟"
أخذ نفسًا عميقًا، ثم بدأ يروي لها ما قالته نيارا، وكل ما رآه.
ليان: )بدموع على الخد(
"أنا عايزة أعيش يا قصي... مش عايزة أموت! هو قتلها؟ مين هيقتلني أنا؟! أنا مش فاهمة حاجة !"
قصي: )بحنان موجوع(
"حطي وجعك وهمك جوا قلبي... وأنا أشيله بدالك. أوعدك، اللي حصل في الماضي مش هيتكرر تاني. المهم،
خليكي مكانك، أنا جايلك."
ليان:
"لا، أنا هنزلك... عيب تطلعلي."
قصي: )بهدوء فيه حب(
"اللي يريحك يا ليان."
ليان:
"مستنياك، يا قصي."
قصي:
"مسافة السكة."
....
كان الليل قد بسط عباءته السوداء فوق السماء، والهواء العليل يداعب أطراف الأشجار، حاملا معه وعدًا بمطر
قريب.
وقفت ليان عند باب منزلها، تضم ذراعيها إلى صدرها، كأنها تحتضن رعشة قلب تائه، وعيناها لا تزالان
تبحثان في عتمة الطريق عن نور تعرفه.
وما إن لمحت أضواء السيارة، حتى تسارعت أنفاسها، وارتجف قلبها بين الخوف والرجاء.
توقفت السيارة، وخرج منها قصي كأن الزمن استعجل خُطاه، ركض نحوها، وما إن وقف أمامها حتى بدت كأن
المسافة بينهما اختُصرت لعناق لا يُقال.
تأمل ملامحها التي طغى عليها الحزن، وخرج صوته حاملا كل قلقه
"كنت هموت من القلق عليكي يا ليان."
ليان )بصوت مهزوز وعيون دامعة(:
"قلبي مربوط في الأرض يا قصي... روحي بتتسحب مني ومش قادرة أتحرك، رجلي بترتعش من كتر
الخوف."
قصي:
"أنا شايلك جوا قلبي... واللي بيوجعك بيوجعني. ومش هسمح لحد يقربلك ولا حتى يلمس شعرة منك.
أنا بحبك... بحبك أوي يا ليان."
ليان )بهمس ودموع تغلب صوتها(:
"أنا كل يوم بصحى على خوف... بخاف أنام وأصحى مش لاقية نفسي... بخاف أعيش اللي عاشته نيارا من
تاني."
قصي:
"بس إنتي مش هي... وأنا مش فارس.
أنا هنا، ومش هخلي كابوس من الماضي ياخدك مني، ولا حتى يلمس نورك."
ليان:
"هتفضل تحبني حتى لو موت؟"
قصي
"لو مشيتي... قلبي هيمشي معاكي.
بس بالله عليكي، متسيبنيش.
ووعد من قلبي لقلبك... هنفضل نحمي بعض لحد ما نفهم هما عايزين مننا إيه."
سكنت الكلمات، وسكنت هي خطوة أقرب إليه، نظرت في عينيه وهمست:
ليان:
"أنا تعبت... بس وجودك بيهون كل حاجة.
خليك جنبي... متسبنيش."
قصي: )بصوت ثابت ودافي(
"أنا مش ناوي أبعد.
إنتي أماني يا ليان... وإنتي الحياة اللي بستناها كل يوم."
....
كانت ليان جالسة في الغرفة، تغرق في صمت الليل، حتى قررت أن تمسك بكتاب قديم كان موجودًا على
الطاولة أمامها. فتحته، ولكن بمجرد أن قلبت الصفحة الأولى، وقع نظرها على رسالة مكتوبة بخط غير مألوف:
"انقذي نفسك. أنا مقدرش. قصي هيروح في سكة فارس. احميه يا ليان، احميه."
ليان صرخت فجأة، ويدها اهتزت بينما رمت الكتاب بعيدًا
ليان: "مش فاهمة... أنا مش فاااااهمة!"
كانت تصرخ، وترتعش بشدة، كما لو أن شيء ما كان يضغط على صدرها، يقيد حركتها.
...
تاني يوم
كان الليل يلف المكان بصمت ثقيل، وفي ركن من غرفة المعيشة جلس قصي أمام لوحته، يحاول أن يُفرغ ما
بداخله من شتات. أنامله أمسكت بالريشة، لكنها لم تعد طوع أمره.
فجأة، تحركت يده من تلقاء نفسها، كأن قوة خفية تقودها. الخطوط تشكلت سريعًا على الورق: رجل منهك،
رأسه منكس، يجلس في بار موحل، بينما في الخلفية تظهر امرأة تُحاصر من ثلاثة رجال. ملامحها تصرخ،
عيناها تطلب النجدة... والدماء على الأرض تشهد على جريمة لا تُغتفر.
شهق قصي بصوت مرتجف حين اكتملت اللوحة، ثم سمع الصوت خلفه، دافئًا وموجوعًا:
نيارا:
تفتكر اللوحة دي بتصرخ بوجع مين المرة دي يا قصي؟
استدار بسرعة، وعيناه تتسعان بالدهشة. وجدها تقف خلفه، متجسدة كطيف مألوف، تحمل الوجع في قسماتها.
قصي )بصوت مبحوح(:
مش أنا اللي رسمت دا! إيدي كانت بتتحرك لوحدها... نيارا! فهميني، دا معناه إيه؟!
نيارا )بهدوء وحزم(:
ليان في خطر دلوقتي... لازم تروحلها، حالًا .
إحساسك هيعرفك مكانها، بس ما تتأخرش... الوقت بيخلص، والقدر لازم يتحقق.
اقترب منها خطوة، لكن الهواء حوله تغير، وحين مد يده نحوها... اختفت كما ظهرت، بلا أثر.
تجمد في مكانه لحظة، ثم قفز واقفًا، يلهث، وقلبه يدق بعنف. لم يكن يعرف إلى أين يذهب، لكن شعورًا داخليًا
كان يجره بقوة... كما لو أن روحه تعرف الطريق
.....
كانت ليان تحت تأثير الرسالة الغامضة، وقلبها يدق بسرعة، وذهنها تائه.
لم تكن تدري لماذا، لكن شيئًا ما كان يُشعرها بضرورة الذهاب إلى قصي، كأن القدر يجرها إليه.
خرجت من بيتها، تمشي بسرعة، عيونها تبحث عن أي مارة في الشارع، لكن فجأة سمعت صوت بكاء طفلة
ضعيف ومؤلم، يتردد في الهواء.
اقتربت ليان بحذر، ثم رأتها، جالسة على الرصيف، عيناها مليئتان بالدموع، ويدها ترتجف بينما تشير إلى
مكان بعيد.
ليان: "إيه ياحبيتي، مالك؟"
الطفلة )بصوت خافت، ويدها تشير نحو البار(:
"الحقيني... ماما جوه... محبوسة... مش عارفة أخش."
ليان )بتوتر(:
"طب استني، يمكن نلاقي شرطي يساعدنا؟"
الطفلة )باليأس(:
"لا... مفيش شرطة هنا... مفيش حد، بصي حواليكي! انتي الوحيدة اللي تقدري تساعديها... المكان هيتحرق !
هينفجر!"
نظرت ليان حولها، وكان الشارع خاليًا، كأنها كانت الوحيدة الحية في هذا العالم.
شعرت بشيء غريب يسحبها نحو البار، قدمها تتحرك رغم إرادتها، كان قلبها ينبض بشدة، كأن هناك خطر
يقترب.
ليان )بتنهيدة متوترة(:
"طيب، حاضر... استني هنا."
لكن حين استدارت لتطمئن على الطفلة...
لم تجدها.
استبدلت الطفلة بهيئة نيارا، التي ظهرت أمامها، كأنها جزء من الظلام، عيونها تدمع، وأشعتها الخافتة تكاد
تلتهمها .
نيارا )بصوت متألم، وكأن الوجع يمزقها(:
"هنشوف... قصي هيقدر يوصلك ويحميكي منهم؟
ولا التاريخ هيفضل يعيد نفسه يا ليان؟
مش عايزة أصرخ... من جوه قلبي الميت، وأنا شايفة ليان بتمشي نفس الطريق اللي مشيته.
بس القدر عنيد... والروح لما تتكسر، لازم حد يصلحها
فارس... ماعرفش ينقذني. كان ضعيف، كان تايه...
لكن قصي... هو ممكن يقدر.
لو اختار الطريق الصح لو قدر يحميكي
يمكن أنا أرتاح، ويمكن هما يعيشوا.
أنا بدي لروحي فرصة جديدة...
مساعدتك يا ليان هو الطريق لنهاية صح... النهاية اللي أنا ماعرفتش أوصلها.
عشان كده... وديتك للمكان دا ... نفس المكان اللي تأذيت فيه...
يلا يا قصي، روح... انقذها... ومتتأخرش زي ما هو اتأخر عني."
ثم اختفت، تاركة خلفها فراغًا غامضًا، وصوت قلب ليان الذي كان ينبض بإيقاع مختلف تمامًا .
...
في داخل السيارة، كانت الأنوار لخافتة تومض وسط الظلام، والهواء داخل السيارة يبدو ثقيلا . كان قصي يقود
سيارته بسرعة، قلبيًا لا يعرف إلى أين يقوده، لكن إحساسًا غريبًا كان يضغط على صدره، وكأن شيء ما يتدفق
داخل روحه. وفجأة، شعر بشيء غريب يغزوه، وكأن شخصًا ما يجلس بجانبه، غير مرئي ولكن قوته واضحة.
ثم، في لحظة مفاجئة، روح فارس السكران تجسدت داخل قصي. كان فارس أمامه، لكنه لم يكن هو نفسه، بل
كان نسخة مشوهة من فارس الذي فقد السيطرة على نفسه بسبب السكر والإدمان. عينيه كانت غائبتين، وجهه
مشوه من الذنب والحزن، وأصابعه ترتجف كما لو أنه ما زال غارقًا في الماضي.
روح فارس )بصوت مشوش، يتخلله الإحساس بالإدمان(: "أنت مش هتقدر... مش هتقدر تنقذها... زي م
اقدرتش انا كمان. ليان مش هتكون ف امان مهما عملت...أنا ضيعت كل حاجة... مش هتقدر انت فاكر نفسك
مين انت انسان وسخ زيي بالظبط."
قصي )بصوت متوتر، يحاول أن يتمالك نفسه(: "انا خلاص هبطل شرب مخدرات مش هحط سجاير ولا
حشيش ف بقي تاني اكيد لو فضلت كدا هتحول وابقي زيك انسان ضعيف بيجري ورا شهواته بيأذي اقرب الناس ليه"
روح فارس )يضحك ضحكة مجروحة، متسائلة(: " انت هتشيل نفس الحمل ونفس الوجع ياقصي لأنك انت
نسخة مكررة مني انا جواك وهفضل طول عمري جواك!"
قصي )غاضبًا، يصر على المضي قدمًا(: "لا، مش هعيش زيك. مش هكرر نفس الغلط. أنا مش ههرب زيك
ورا الشرب والقرف اللي بسببه ضيعت حب عمرك منك.
فجأة، تحول الجو داخل السيارة، وبدأ جسد قصي يشعر بثقل، كأن روحه مغلولة بيد فارس السكران . لكنه قاوم،
محاولًا أن يتحرر من قبضته.
روح فارس )بصوت هادر، يتردد في أذنه(: "هتقف عاجز قصاد القدر انا لو كنت فايق كنت انقذتها لازم تعرف
شعوري عشان متغلطنيش"
ثم شعر قصي بشيء غير مرئي يعصف بجسده. شعر أن قدميه تتحرك بشكل غير إرادي، وهو لا يستطيع
إيقاف نفسه. كانت روح فارس تحاول السيطرة عليه، وكأنها تجره إلى الماضي المظلم، حيث لا أحد يستطيع
الخروج.
لكن، في لحظة ما، شعر قصي بشيء داخلي أكبر من كل هذه الظلال. كما لو أن روحه تفجرت بمقاومة جديدة،
تحررت من سيطرة فارس .
قصي )بصوت قوي، وهو يحاول التخلص من تأثير فارس(: " لا، مش هخليك تمنعني. أنا مش فارس! أنا قصي
قصيييييي."
اختفت روح فارس فجأة، وكأنها تبخرت في الهواء، تاركة قصي وحيدًا في السيارة، لكن إحساسه كان أقوى.
شعر بالحرارة تتدفق في جسده، كأن روحه تجد طريقها للحرية.
رغم ما حدث، كانت السيارة تندفع بسرعة نحو البار، وقلب قصي كان يتسارع مع كل ثانية. وهو يعلم أن
الوقت قد ضاع، ولكن قد تكون من لديه فرصة واحدة فقط.
....
دخلت ليان إلى البار، محاطة بالضباب الخفيف، وكأن الأجواء نفسها تراقب ما سيحدث . فور دخولها، وقعت
عيناها على ثلاثة رجال يتبادلوا الحديث بصوت منخفض، لكن سرعان ما توقفوا حين لمحوا وجودها.
الرجل الأول )مبتسمًا(: "إوعى، شايف البت الموزة دي؟"
الرجل الثاني )ممازحًا(: "صاروخ أرض جو، يا باشا ."
الرجل الثالث )بتعليق ساخر(: "لا، دا جسم مقسم، ومصروف عليه."
ثم اقترب الرجل الأول منها، وهو يبتسم ابتسامة مشبوهة، قائلا : "إيه يا موزة، رايحة على فين؟"
ليان )بتوتر، وهي تحاول الحفاظ على هدوئها(: "أنا آسفة، جيت غلط ."
لكن بينما كانت تحاول الخروج، أمسك أحدهم بذراعها بقوة، مما جعلها ترتبك للحظة. بسرعة، قامت برفع يدها
وضربته بالقلم على وجهه، ثم ابتعدت عنه.
الرجل الثاني )يضحك، بينما عينه تلمع بسخرية(: "قطة شرسة! إحنا بنحب النوع ده أوي."
...
كانت ليان تصرخ بأعلى صوتها، بينما الرجال الثلاثة بدأوا في محاولاتهم الشريرة. شعر جسدها بالضعف، لكن
روحها لم تستسلم.
ليان )بصوت متقطع، وهي ترفسهم(: "خرجوني!
الرجل الأول )بابتسامة خبيثة، وهو يحاول الإمساك بها(: "بس لما ناخد كيفنا منك، يا حلوة."
أمسكوا بها أكثر، ورموها على الأرض بعنف، وأخذوا يقتربون منها، لكن ليان لم تستسلم . كانت تصرخ، وتدافع
عن نفسها بكل قوتها، لكن في لحظة من اللحظات، شعرت بشيء غريب، إحساس كما لو كان قد مر عليها من
قبل. كان كأنها تعيش هذا المشهد مرة أخرى، وأن هناك شيئًا في ذاكرتها يربطها بما يحدث الآن.
......
في تلك اللحظة، كان قصي قد وصل إلى البار، فتح الباب بعنف، وعينيه تبحث عن ليان، وعقله مشوش بما
حدث. وما أن دخل، حتى صدم بالمشهد الذي أمامه. ثلاثة رجال يحاولون اغتصاب ليان، وهي على الأرض،
تصرخ وتقاوم.
وهنا ييدا الصراع الحقيقي بين الماضي والحاضر
.....
ما إن لمحها قصي، حتى اندفع نحوها بكل جوارحه، وكأن شيئًا داخله كان يصرخ لينقذها، لكن قوى خفية،
قدرية، منعته من التقدم. ظهر فارس أمامه فجأة، وقف في وجهه، وابتسم ابتسامة مشوبة بالألم، ثم... توقف
الزمن. توقفت الأحداث من حولهما، وكأن المشهد بأكمله تجمد في لحظة غامضة.
قصي )بحدة(: اوعى من سكتي!
فارس )بهدوء مشوب بالغموض(: انت ليه بتتعامل معايا كإننا مش واحد؟
قصي )بعينين مشتعلتين(: عشان فعلا احنا مختلفين! أنا عمري ما اسمح لنفسي أكون زيك. زمان، نيارا
اتغتصبت، وانت ولا كان على بالك! سمعت صريخها، كانت بتنادي عليك، بتتوسل تنقذها... بس انت، كانت
شهواتك أهم.
فارس )نبرة صوته مزيج بين الحزن والتحدي(: احنا واحد يا قصي... بس خد بالك، أنا مش ضدك. بس لو
حابب تغير الواقع، مفيش حل غير إن العدالة تحصل. ولازم أشوف اللي فيا... فيك. اتهامك ليا باطل، مكنتش
في وعيي، وهي اللي جت برجليها للبار... للمكان ده.
)ينظر حوله ويشير بيده(
بص حواليك يا قصي... المكان ده مؤذي من زمان. بس ليان جت هنا عشان الذنب والظلم اللي نيارا شافته.
ليان بتشيله عشان تريحها، عشان هما مرتبطين ببعض.
وطالما شايف نفسك شجاع، وبتقول إنك تقدر تحميها... يبقى لازم تواجه القدر اللي أنا واجهته.
قصي )بصوت مخنوق(: جيتوا لحياتنا ليه؟ عايزين تبوظوها ليه ؟
فارس )بابتسامة هادئة تتلاشى ببطء(: انتو... أمنية نيارا.
انتو... أمنية نيارا.
انتو... أمنية نيارا.
ترددت الجملة في الأجواء، بصدى كأنه ارتطم بجدران القدر نفسه، وكأن لغزًا قديمًا قد تم حله. وفي أقل من
ثانية... اختفى قصي، ووجد نفسه واقفًا في نفس المكان، لكن كل شيء تغير، كأن الزمن عاد، لكن على هيئة
أخرى.
...
الماضي
وجد قصي نفسه واقفًا أمام البار، لا يدري كيف وصل إلى هناك، المكان غارق في ظلال الليل، والهواء يعبق
برائحة الخطيئة.
وفجأة... لمح نيارا .
كانت تجري، ملامحها مذعورة، ودخلت البار بخطوات مضطربة.
قصي )بصوت مختنق(:
"لااا نيارا! امشي ! متروحيش هناك، أرجوكي… ابعدي!"
انطلق يجري خلفها، دخل المكان، مد يده إليها… لكنها مرت من بين أنامله كأنها بخار، كأنها ظل، كأنها ليست
من هذا العالم. لم تشعر بوجوده، ولم تلتفت.
نظر حوله مذهولًا… ورآه.
فارس، جالس على الطاولة، رأسه منكس، غارق في سُكر قاتل، كأنه جثة تتنفس.
قصي )بيهزه بعنف( :
"فارس! قوم ! فوق يافارس ! نيارا هنا! فوق بقى!"
لم يتحرك فارس، كأن روحه تاهت في العدم .
اقتربت نيارا منه… عيناها تلمعان بالدموع، ويدها تمتد ترتجف فوق وجهه.
نيارا )بصرخة محروقة(:
"قوم بقى! فوق! حرام عليك اللي بتعمله في نفسك دا! قوم!"
لحظة واحدة… لحظة فقط كانت كافية لانهيار العالم .
ثلاثة رجال ظهروا فجأة من الظلام، شدو نيارا بعنف، وبدأوا يجذبونها بعيدًا وهي تقاوم وتصرخ بجنون.
نيارا )بتصرخ بصوت يمزق الصمت(:
"فاااااارس!! فاااااارس!! الحقني! لاااااااااا! أبعدوا عني! حرااااام عليكم!!"
كان صراخها يضرب جدران المكان، لكن فارس ظل صامتًا، رأسه ما زال منكسًا… ويداه مثقلتان بالذنب.
وقصي… واقف في المنتصف، بين الماضي والحقيقة، بين الذنب والخلاص.
..
وقف قصي، مشوشًا، عاجزًا عن فهم ما يحدث. عينيه لم تفارق المشهد المروع أمامه: نيارا تُغتصب، وهو
عاجز عن فعل أي شيء.
في لحظة مفاجئة، شعر بشيء غريب يطرأ عليه. جسده ارتعش، وصدره امتلأ بشعور بالذعر، كأن هناك قوة
خارقة تجذب روحه إلى فارس . في لحظة لم يكن يتوقعها، لمس جسد فارس، وكأن الروح التي كانت تسكنه
أصبحت متشابكة مع روحه. شعر فجأة أنه يمكنه أن يدخل في جسد فارس، وبالفعل تلبسه
فجأة، وبدون أي تحذير، انتقل إلي
الحاضر
، حيث وجد نفسه جالسًا في نفس المكان، ولكن بعينين مختلفتين،
وعيون ملبدة بالكحول والضياع. لم يعد هو، بل أصبح فارس، وعقله مملوء بالضباب .
ثم، جاء الصوت الذي أفزعه، كان صوت ليان، لكنه لم يكن الصوت الذي اعتاده.
ليان )بصوت مفعم بالألم(:
"قصيييي! الحقني يا قصي! خليهم يبعدوا عني!"
قصي نهض بعنف، محاولًا مقاومة الواقع الذي أدخله فيه فارس. همس لنفسه، وهو في حالة من التوهان:
قصي )بصوت مرتجف(:
"أنا قصي، مش فارس... أنا قصي، مش فارس..."
لكن جسمه تحرك تلقائيًا، وكأن الخوف والرحمة اجتمعوا فيه، فركض نحو الرجال الذين كانوا يحيطون بها.
بيدين ملتاعة، بدأ يضربهم، وكأنها الضربات الأولى التي أخذت من جسده ما أخذته، ولكن هذه المرة كانت
معركة على الحياة والموت.
الرجال الثلاثة لم يستطيعوا الصمود أمامه، سقطوا أرضًا واحدًا تلو الآخر، وكأنهم انتهوا فجأة.
حين نظر إلى ليان، وجدها تغطي نفسها، تحاول الحماية من العالم الذي كان قد حولها إلى فريسة . جرى إليها
بأقصى سرعته، وقف أمامها، وهو يحاول أن يثبت نفسه في هذا الوضع الغريب.
قصي:
"ليان..."
ليان )بصوت مرتجف(:
"قصي..."
وارتميا في أحضان بعضهما البعض، كأن الزمن توقف للحظة، كأن الكون كله اختصر في هذا الحضن.
ضمها إليه بقوة، وكأنه يعانق روحه التي كادت تُسحق أمام عينيه. كانت دموعه تنهار بحرقة، يتنفس من خلالها
وجعه، تاريخه، ندمه، وكل ما لم يستطع إنقاذه في السابق.
شعرت ليان بدفء غريب يسري في عروقها، كأنها اختبأت أخيرًا في حضن حبيبها، كأ ن هذا هو ملاذها الذي
خُلقت له.
قصي )يبكي وهو يهمس(:
"خلاص يا ليان... خلاص، اهدي... الموضوع انتهى... أنا هنا معاكي."
ليان )تشهق باكية(:
"قصي... نيا..."
قصي )يمسح على شعرها برفق(:
"ششش ... اهدي بقولك... كل حاجة هتبقى تمام."
ليان )بهمس موجوع(:
"خرجني من هنا... بالله عليك يا قصي، خرجني ..."
نظر إليها، واحتوى نظرتها المنكسرة بعينيه، ثم انحنى قليلًا، رفعها من الأرض بين ذراعيه، كأنها أثمن ما
يملكه في الدنيا.
أسندت رأسها على صدره، وأغمضت عينيها بارتياح، كأنها قررت أن تثق به، أن تترك ألمها بين يديه.
في الخلف، كانت نيارا وفارس يشاهدان المشهد بدهشة وذهول، ممزوجين بالأمل.
مد فارس يده ولمس وجهه، فوجد أن السواد الذي كان يغمر عينيه قد اختفى.
نظرت نيارا إلى جسدها، ففوجئت أن كل آثار الألم ... كل الكدمات، كل العلامات، اختفت، وكأنها لم تكن يومًا
هناك.
نيارا )بصوت مرتعش(:
"في أمل... صح؟"
اقترب فارس منها واحتضنها بشوق عاشق خائف من الفقد، وهمس في أذنها:
فارس:
"أيوه... أيوه يا حبيبتي، في أمل...
....
في منزل ليان...
كان يحملها بين ذراعيه، وجسدها يرتجف من هول ما مرت به، فيما رأسها يستند إلى صدره كأنها تبحث عن أمان فُقد وانكسر.
أما هو... فكان يمشي بخطى مثقلة، لا يشعر بثقلها، بل بثقل الذنب الذي تراكم داخله، حتى وإن لم يكن ذنبه.
"الصورة دلوقت بدأت توضح... إن ليان تعيش اللي عاشته نيارا،
وفارس يخليني أعيش اللي شافه،
عشان أحس بيه كأنهم بيستنجدوا...
كأنهم عايزين مساعدة مننا..
ليهم... هما نفسهم...
إحنا... أنا وانتي، ياليان...
نسخة مكررة منهم،
بس الفرق..."
كان كل شيء داخله يصرخ:
" أنا مش فارس، وانتي مش نيارا!"
نظر إلى ليان بين ذراعيه، وعينيها المغلقتين، فشعر بقلبه يختنق، كأن الألم بداخلها يُسكنه هو.
"الزمن رجعني...
مش عشان أتفرج، ولا ألوم،
رجعني عشان أكون اللي ماقدرتش أكونه زمان، ياليان...
رجعني عشان أنقذها،
وأريحها من العذاب اللي هي فيه،
وفي المقابل...
تسيبك ليا،
عشان أعيش بيكي."
كان، مع كل خطوة، يرى وجه نيارا في ذاك الليل الملعون،
ووجه ليان الآن...
كأن القدر منحه فرصة جديدة ليُعيد كتابة النهاية، ولكن هذه المرة، بقلب مفتوح، ويدين لا ترتجفان.
"أنا عديت من النار...
عشان أطلعك منها، ياروحي."
ومع كل شهقة من ليان، كان قلبه يهمس:
"دلوقت لازم نعرف احنا فين من الماضي...
ياليان، لازم نتجوز بأسرع وقت."
..
في غرفة ليان ...
كانت ليان مستلقية على السرير، عيناها مغلقتان بإحكام، وكأنها تحاول الهروب من ماضيها الذي لا يمكن لها
نسيانه. لم تعد تستطيع التفرقة بين الواقع والكوابيس التي تقفز بين شرايينها. جسدها كان يرتجف وكأنها تخشى
حتى الهواء الذي يحيط بها، ولم تستطع أن ترفع رأسها، فكلما حاولت فعل ذلك، كانت ذكريات تلك اللحظات
القاسية تتسلل إليها، تلاحقها، تكاد تقطع أنفاسها.
كانت أنفاسها تتقطع مع كل همسة، وكأن كل نفس تأخذه هو عذاب جديد. والدموع كانت لا تتوقف عن السيلان،
ليست دموعًا عادية، بل دموع صنعتها آلام لا يمكن لأحد أن يدرك عمقها. كانت صرخات قلبها تنادي، لكنها لا
تستطيع إخراجها من حنجرتها. كل شيء فيها كان صامتًا إلا من صرخاتها الداخلية التي تكاد تملأ المكان.
وفي تلك اللحظة، قصي، الذي كان جالسًا على حافة السرير، شعر بشيء غريب يتفجر داخله. مشاعر اختلطت
في قلبه بين الغضب، والحزن، والعجز، والخوف. كان يقف عاجزًا أمام معاناتها، لا يعرف كيف يهدئها، كيف
يُجبرها على فتح عينيها كي يرى تلك النظرة التي طالما رآها فيهما قبل أن يُغرقها الظلام.
لكن فجأة، وفي لحظة ضعف تام، شعرت ليان بيده تبتعد عنها، فشدت يده بكل قوتها، وصرخت صرخة مريرة
كأنها تطلب الخلاص. كانت صرخة سلبت منه القدرة على التنفس، وكانت تشق قلبه إلى نصفين. كان الألم
يعتصره، وكان وجعه أعمق من أن يتحمله أي شخص.
ليان، بصو ت مخنوق، كانت الكلمات تكاد تنسل من بين شفتيها بالكاد:
"أنا مش قادرة.. تعبت ياااارب انا حاسة اني خلاص مش قادرة ياقصي ساعدني ونبي الرجالة دول مجرمين
انتهكوني ياقصي انا خلاص روحي راحت مني.."
كانت تلك الكلمات كالسكاكين التي تغرز في قلب قصي. كان يتمنى لو يستطيع أخذ كل آلامها، لو كان بإمكانه
أن يمحو تلك اللحظات المظلمة من حياتها. لكنه كان يعرف، في أعماقه، أن ما مرت به ليان لا يمكن أن يُنسى
هكذا، ولا أن يُمحى من الذاكرة، مهما حاول أن يخفف عنها فجاه شعر بملمس يد اصبح يعرفها جيدأ وهي لمسة
يد نيارا
نيارا بضحكة: "عايزني أساعدها؟"
قصي بأندفاع: "ياريت، يانيارا."
لم يكن قصي يعرف كيف يعبر عن شعوره، كيف يعبر عن الحاجة التي تمزقه بين كونه شاهدًا على معاناة ليان
وبين رغبته الشديدة في إنقاذها. لكنه شعر أنه في هذه اللحظة، نيارا هي الوحيدة التي تستطيع أن تفعل شيئًا.
نيارا، بنبرة مفعمة بالاطمئنان: "عشان انت ريحتني، أنا هعمل دا عشانك، ياقصي، بس متاخدش ع كدا."
قصي: "شكراً،"
نيارا: "أنا هنا مش بفهمك، ياقصي. أنا هنا عشان أديك لمحات، مش أكتر، وصدقني هتفهم لوحدك.
. وكلما نظرت نيارا إلى ليان، كانت يديها تتحركان بحذر حول قلب ليان، كأنها
تمسح آلامها وتعيد لها الحياة.
وبينما كانت نيارا تركز على قلب ليان، كانت تسحب منها كل الألم والخوف، كأنها تدخل إلى أعماقها لتحررها
من أغلال الماضي، لمساتها كانت كعلاج يشق الطريق إلى الفرج.
في لحظة واحدة، فجأة، وعندما تركزت يد نيارا على قلب ليان، حدث ما لم يتوقعه قصي: فتحت ليان عينيها
بشدة، شهقة خرجت من قلبها كما لو أنها خرجت من البحر بعد أن كادت تغرق، وكأن الحياة عادت إليها بشكل
مفاجئ.
وقصي، الذي كان يراقبها بصمت، شعر بارتياح عميق. كانت تلك اللحظة لحظة عودة الروح، وعندما أشرق
الأمل، أضاءت عيون ليان التي أصبحت الآن مستعدة أخيرًا للقتال من أجل نفسها.
ليان: "قصي...
ارتمت بين ذراعيه كأنها تبحث عن دفء يعيد لها الحياه
قصي بابتسامة خفيفة عاملة اي ياحبيبي؟"
لكن ليان لم ترد عليه بكلمات عادية، بل قالت بصوت غير مستقر:
ليان: "حلمت حلم جميل أوي يا قصي."
كان واضحًا من صوتها أنه كان شيء يُريحها قليلا وسط كل هذه المعاناة.
قصي بدهشة: "حلم جميل؟"
ليان: "أيوة والله، حذر فذر."
كانت كلماتها غير مفهومة بالكامل، لكنها أشارت إلى شيء يُشعرها بالراحة،
قصي بابتسامة خفيفة: "هي فذورة ولا إيه؟"
ليان: "مش هتتصور.. حلمت بنيارا وفارس."
كان حديثها مزيجًا من الحلم والواقع. كانت كلماتها متسارعة، ثم توقفت لتكمل:
"وفارس عرف ينقذها من الخطر اللي كانت فيه. تصور كان في تلاتة بيغتصبوها، بس رغم إنه كان تعبان،
قدر يضربهم، وايداهم حتة دين علقة كانت دما ر... ياريتك تشوف."
قصي بتساؤل: "آخر حاجة فاكرة كانت إيه يا ليان؟"
ليان: "الحلم بتاع الغابة صحيت كلت وقعدت اقرا شوية انت جيت هنا ازاي؟
قصي بابتسامة شبه حائرة: "المفتاح كان تحت السجادة."
ليان بدهشة: "بس أنا مش بحط مفاتيح تحت السجادة!"
هنا شعر قصي بحيرة شديدة، ولم يكن يعرف كيف يرد على ما قالته ليان
لكن في اللحظة التي كان قصي يهم بالحديث، شعرت نيارا بحاجة للقيام بشيء ما. اقتربت من ليان ووضعَت
يدها برفق على وجهها، وكأنها تُحاول تهدئتها. بالفعل ليان غطت ف سبات عميق
نيارا بصوت هادئ: "دلوقت لازم تمشي. هي هتصحي، ومش هتفتكر أي حاجة."
كانت كلماتها مريحة، وكأنها تحاول إرشاد قصي لما يجب فعله في تلك اللحظة.
قصي بقلق: "مش هتظهري تاني ؟"
نيارا: "استعد للخطوة الجاية يا قصي."
رواية حين تخذلني عيناك الفصل السادس 6 - بقلم هاجر عبد الحليم
استفاقت ليان من نومها، وأصابها صداع شديد جعلها تشعر بحالة من الارتباك. كان عطشها وجوعها يفوقان
المعقول، فتوجهت سريعًا إلى المطبخ، شربت بعض الماء بصعوبة، ثم أعدت لنفسها فطورًا سريعًا، لكنها لم
تكن تستطيع أن تنسى الشعور الغريب الذي كانت تمر به.
بينما هي جالسة تحاول استعادة هدوئها، رن هاتفها فجأة. نظرت إلى الشاشة، وكان الرقم غير معروف.
ليان: )بصوت متعب( ألو؟
الشخص: )بصوت رسمي( مدام ليان؟
ليان: )بتعجب وحيرة( مدام؟! لا، حضرتك أنا مش متجوزة أصلًا !
الشخص: )بدهشة( إزاي؟ ده مستحيل! حضرتك متزوجة من خمس سنين من المدعو قصي محمد خاطر
الجارحي .
ليان: )بتوتر، وقلبها يخفق بسرعة( متجوزة مين؟!
...
استفاق قصي على دقات عنيفة تهز باب الشقة، فهب من نومه مفزوعًا، وهرول نحو الباب دون أن ينتبه لكونه
عاري الصدر. فتح الباب على عجل، وإذا بليان واقفة أمامه، تنظر إليه بذهول.
قصي )مندهشًا(: ليان؟!
ليان )تصرخ بفزع(: ياااا حيوان!
أدارت وجهها بسرعة وهي تغلق عينيها، وقد احمر وجهها خجلًا
قصي )مضطربًا(: يا خبر أبيض! آسف، والله ما أخدت بالي! ثانية واحدة وأغير هدومي!
أغلق الباب وجَرَى إلى غرفته. أما هي، فدخلت إلى الداخل وهي تمسك صدرها من التوتر، أغلقت الباب خلفها
وقد بدا على وجهها الذهول والتشتت .
خرج قصي بعد لحظات وهو يرتدي قميصًا، شعره ما زال فوضويًا. نظر إليها باستغراب.
قصي )بنبرة مرهقة(: في إيه يا ليان؟ والله فزعتيني… يا ريت يكون الخبر يستاهل.
ليان )منفعلة(: لا دا اللي جاي متشوح في زبدة! أنا بقيت خلاص على وش جلطة… كل يوم مصيبة جديدة من
ورا لوحة النحس دي!
قصي )يتنهد ويحاول التخفيف(: طب استني كده… خليني أخمن.
ليان )مقاطعة بسخرية(: دماغك لا هتجيب ولا هتودي للحتة للي جاية عشان اوديك فيها!
قصي )يقترب منها مبتسمًا بخفة دم(: يا ستي، اصبري بس… هو إنتي ليه دايمًا شا كة في قدراتي؟ يمكن أبهرك،
وأكون عارف كل الحكاية من أولها لآخرها… قبل حتى م أنتي تلاحظي.
ليان )تتراجع بخوف خفيف(: إنت ليه بتلعب بكلامك كده؟ لو تعرف قول، لكن طريقتك دي مرعبة…
فجأة، جذبها من خصرها، فتفاجأت، وضعت يدها على كتفه، وعيناها ضاعت في عينيه.
قصي )بصوت خافت(: إيه يا ليان؟ مش هتبعدي المرة دي؟ ولا أخيرًا حسيتي بالأمان؟
ليان )بهمس مرتبك(: أيوه...
قصي )مرتبكًا(: مش فاهم... "أيوه" على إيه؟
ليان )تنظر له بثبات(: إنت جوزي يا قصي.
ساد الصمت... لم يرد قصي، ولم يظهر على وجهه أثر للدهشة.
ليان )بصوت مرتجف(: يعني… متصدمتش؟
قصي )بهدوء(: عشان أنا عارف... يا ليان .
ليان بغضب وحيرة، تزقه بعيدًا عنها
استدارت لتغادر المكان، لكنه أمسك بيدها فجأة.
قصي )بعينين تلمعان بالصدق(: ما تظلمنيش… أنا زيي زيك، ولسه عارف النهاردة.
ليان فتحت فمها لترد، لكن فجأة، اهتزت الأرض تحت أقدامهما! صرخت وهي تتشبث به، وقد ضرب زلزال
عنيف العمارة بكاملها، حتى تساقط شيء من السقف خلفهما، فاحتضنها قصي ليحميها، وقلوبهما تخفق بتسارع،
ليس فقط من الزلزال… بل من الحقيقة التي لم تعد قابلة للإنكار.
...
سكن الظلام فجأة أرجاء الشقة، والأتربة تتطاير من كل ركن بعد الاهتزاز العنيف. كانت ليان ترتجف، تحتضن
قصي بقوة، بينما هو يشدها لصدره، يحاول أن يهدئ رعشة الخوف التي تسكنها.
قصي، وهو يرمق الشقة بنظرات مضطربة:
– النور اتقطع...
ليان، بصوت مرتعش:
– قصي، في نور عندك في الأوضة؟
قصي:
– آه، علشان أنا حاطط اللوحة هناك، تعالي بسرعة .
ليان، تتراجع بخوف:
– لا، أجي فين؟ أكيد هنشوف تاني مشاهد من ماضيهم... ودي فتحة شكلها مش هتقفل تاني... أنا ماشية!
قصي، يشدها بعنف لكن عينيه فيها رجاء:
– يعني إنتي هتهربي من قدرك؟
ليان، على وشك البكاء:
– بس أنا مش عايزة أسمع اللي بسمعه دا تاني... بيكسرني يا قصي!
قصي، يحتضنها بقوة، يهمس في أذنها بثبات:
– مهما حصل... أنا مش هسيبك، يا ليان.
شدها من يدها ودخل بها إلى الغرفة، وهي ما تزال تحتضنه، ترتعش كطفلة في عاصفة. بمجرد أن وصلا إلى
اللوحة، شهقا معًا، إذ أن ملامحها قد تغيرت تمامًا.
شاب يمد يده بالنار تجاه امرأة تصرخ وتحاول الهرب ... كانت الصورة تحترق أمام أعينهم.
ليان، تقفز خطوة للوراء، تهمس بصدمة:
– الملامح مش واضحة... يا فارس!
قصي، يلتفت نحوها بذهول:
– أنتي قولتي إيه؟ قولتي "فارس"؟!
ليان تحبس أنفاسها، تدرك خطأها، وقبل أن تتحدث، اندفعت يد من لهب خارج اللوحة، أمسكت بها فجأة
وسحبتها بداخلها وسط صرخة عالية.
قصي، يصرخ بأعلى صوته وهو يركض نحو اللوحة:
– ليان!!
يحاول أن يمسك بها، لكن يده لا تمس سوى الهواء. اللوحة عادت إلى حالتها الأولى، ساكنة، كأن شيئًا لم يكن.
أمسك بها بجنون، ضربها، حاول تمزيقها، لكن بلا جدوى. جلس على الأرض يصرخ ويضرب الأرض بكفيه،
وعيناه تدمعان... ثم لمح شيئًا.
امرأة تقف على باب الغرفة، بردائها القديم، بعينيها الحزينتين، تنظر إليه بصمت.
قصي، بصوت متقطع :
– نيا... نيارا؟
.....
شعرت ليان بدوار خفيف، وفتحت عينيها ببطء لتتفاجأ أنها في غرفة واسعة ذات طابع قديم، جدرانها مزخرفة،
والأثاث مذهب الطراز. نظرت إلى ثيابها فتجمدت نظراتها، إذ لم تكن ترتدي ما اعتادت عليه.
ليان )بخوف وهمس(:
"دي مش هدومي... هدومي فين؟ أنا فين؟!"
تلفتت حولها لتتأكد من شكوكها، وارتعد جسدها حين عرفت المكان.
ليان )برعب(:
"دا نفس القصر اللي شفته قبل كدا مع قصي... لااا... لاااا أنا عايزة أخرج من هنا!"
قامت مسرعة لتجد الباب ينفتح بقوة، ويدخل منه شاب يبدو في حالة يرثى لها. ، يسيطر ببطء، في
يده سيجارة مشتعلة، وفي الأخرى زجاجة خمر تتمايل مع خطواته غير المتزنة. عيونه حمراء، ووجهه غائم
بالغضب والهوس.
ليان )بذهول(:
"قصي؟!"
لكن الشاب لم يكن قصي، بل فارس، النسخة الماضية منه، وقد بدت عليه علامات الانهيار النفسي.
فارس )يصرخ بجنون وهو يلقي بالإزار على الأرض بعنف(:
"فاكرة إنك هتهربي مني يا نيارا؟! إييييه! بتديني منوم؟! عشان تهربي من القصر؟! بعد كل اللي عملته
عشانك؟! بعد ما حبيتك واتعلقت بيكي؟! نهايتك تبقي الخيانة؟! تفضحيني وسط عيلتك الكبيرة؟!"
اقترب منها بخطوات مترنحة، والسيجارة لا تزال مشتعلة بين أصابعه، وعيناه تبرقان بجنون.
فارس )بغضب مكسو ر(:
"هتروحي تقوليلهم إيه؟ إنك عايشة مع واحد مدمن؟ بيضربك؟ ماسكك من شعرك؟! هتوريهم الكدمات؟... بس
صح يا نيارا، يمكن دا اللي نفسك فيه..."
ليان )بصرخة مليئة بالذعر(:
"أنا ليااااان مش نيااارااا!!"
توقف لوهلة، نظر إليها، وابتسم ابتسامة مائلة للجنون.
فارس )بصوت متهدج وهو يضحك(:
"هو أنا أشرب، وإنتي تتسطلي؟ ! ليان مين؟ ! إنتي عايزة تجننيني؟!"
اقترب منها أكثر، مد يده إليها، وحاول أن يضمها، لكنها أدارت وجهها بعيدًا وهي تبكي، متقززة من رائحة
الخمر والسجائر
ليان )ببكاء وتوسل(:
"بالله عليك، م شيني من هنا... إنت سكران ومش طبيعي!"
فارس )بصوت متهكم وبعين تلمع بجنون(:
"وإيه الجديد؟ دا الطبيعي بتاعي يا نيارا... الطبيعي اللي إنتي اخترتيه!"
....
شعر قصي بحرارة غريبة تشتعل في صدره، كأن نارًا انطلقت من أعماقه تحاول أن تفتك به. ارتعش جسده،
وخطواته بدأت تتمايل بعصبية. خلع قميصه كأن النسيج يؤلمه، وصرخة مدوية خرجت منه دون وعي.
دخلت نيارا فجأة، نظراتها تحمل مزيجًا من القلق والوعي التام بما يحدث
نيارا )بقلق(:
"مالك؟ فيك إيه؟
قصي )وهو يلهث، وعيناه تلمعان بجنون( :
"إنتي عارفة مالي…اي فاكرة نفسك جاهلة ومعندكيش وعي باللي بيحصل؟
اقتربت منه، وضعت يدها برفق على صدره، حيث تتوهج الحرقة.
نيارا )بصوت مرتعش(:
"أنا مش عارفة أساعدك… بس واضح إنك ابتديت تحس باللي جواه لأنك ببساطة… هو."
قصي )بحدة(:
"أنا مش هو قولتلك مليون الف مرة كدا ! اللي حبيتيه انسان مغفل هو حبه ضعيف بس انا بحبها… ووجعها
جوه قلبي! أنا سامع صوتها، حاسس بيها! وديني عندها… دلوقتي!"
نيارا )بعينين دامعتين(:
"مش بإيدي… اللي يخش اللوحة، يعيشها… يحسها… يفضل جزء منها. والليان اللي دخلت، واجهت روح
فارس، وانت… بقيت امتداد ليه، حتى لو أنضف… حتى لو قلبك لسه بيحب بس خد بالك فارس يستحق فرصة
تانية بجد وإلا انت مكنتش موجود دلوقت."
سكت قصي، صدره يعلو ويهبط بسرعة. ارتبك، وتاهت نظراته في الفراغ من حوله.
قصي )بهمس موجوع(:
"بس أنا بحبها… ونفسي أفهم… الصوت اللي جوايا دا… ليان ولا انتي؟ اتحشروا جوايا أنا بتقطع نصين
يانيارا
لم تجبه نيارا، بل رمقته بنظرة مؤلمة… ثم اختفت، كأنها لم تكن .
أخذ قصي يركض في الغرفة بجنون، يصرخ كأن صوته يمكنه أن يخترق الجدران، أن يصل إليها، أن يوقظها
من الظلمة.
قصي )بصرخة ألم(:
"ليان!!"
لكن لم يكن هناك رد… فقط صدى صوته، يتردد في الفراغ، كأنه ينادي من داخل كهف مغلق
وفجأة، خفتت الأنفاس، وسكن المكان كأن الزمن توقف.
برد مفاجئ لفح جسد قصي بعد لحظات من الحرارة الحارقة، عيناه تجمدتا على اللوحة المعلقة على الجدار…
نفس اللوحة اللي كانت دايمًا هناك، لكنه أول مرة يشوف تفاصيلها بالشكل دا .
قصي )بهمس مذهول(:
"انا اقوي من الحيرة دي لو فعلا انا فارس اللوحة لازم تخضعلي لازم تسمع كلامي
اقترب ببطء، كل ما يقرب، اللوحة تتغير… الألوان تتحرك… الصور تتنفس… وصوت بعيد بدأ يهمس في
ودنه
الصوت:
"رجعلي حقي احميني من نفسك يافارس انا نيارا حبيبتك خلصني انت لسة جواك نضيف
لسة حبك واعي ليا!"
ارتجف جسده، وصدره ضرب بعنف.
مد إيده… لمس طرف الإطار…
وفجاه
كل شيء حوالينه اختفى.
ضوء أبيض ساطع غمره، وصوت صفير عالي شق أذنه… وبعدها، سكون. غمض عينه ثم فتحها
وفجأة، وجد قصي نفسه داخل قصر غريب، جدرانه تنبض بعتمة مألوفة، وسكونه يئن من الذكريات. خطواته
كانت بطيئة، مرتجفة، وكل خطوة تقربه من شيء لم يكن مستعدًا لمواجهته… أو ربما، كان ينتظر هذه
المواجهة منذ زمن.
وفجأة، دوَّت في الأرجاء ضحكات رجُل… ضحكات مشبعة بالشهوة والشر، كأنها تأتي من جوف الليل . التفت
قصي سريعًا، لتقع عيناه على مرآة ضخمة تتوسط القاعة، لكن ما رآه لم يكن انعكاسه.
بل كان فارس.
نفس الملامح… نفس الجسد… لكنه مختلف، يحمل في عينيه سوادًا كثيفًا. سيجارة مشتعلة في يد، وزجاجة
خمر في الأخرى. ابتسم ابتسامة ملتوية، وقال بصوت ساخر تقيل:
فارس:
"اتأخرت أوي يا نُسخة يا نقية. فاكر نفسك قوي؟ ها؟!
هتقد ر تغير الزمن؟!
قادر تغير نفسك اللي كلها فُقر وظلمة وشهوات؟
اقترب من المرآة، ومد السيجارة ناحية قصي.
فارس:
"شايف دي؟ نفس النوع اللي إنت كنت بتشربه… مش كدا؟"
قصي )بهدوء ثابت(:
"كنت…
ودلوقتي بطلتها. "
فارس )بضحكة خبيثة(:
"عشانها، مش كدا؟"
قصي )نظرة عنيدة في عينه(:
"عشان هي تستاهل مني أبقى نضيف…
فارس )بصرخة مفاجئة، صوته مليان ألم(:
"هتأذيها
كلنا فينا نفس الوَجع… نفس السواد… ومهما هربت، هو جواك!"
قصي )بحدة وإصرا ر(:
"لا يا فارس، مش هأذيها…
أنا ما بخونش اللي بحبها،
ما بضربش،
ما بهينش،
ما بذلش اللي حطت قلبها في إيدي…
أنا مش إنت!"
فارس )بصوت خافت، متردد لأول مرة(:
"أثبتلي …
لو بتحبها بجد،
دخلني جواك…
عيش إحساسي…
خد وجعي…
من غير كدا، عمرها ما هتخرج من هنا!"
قصي )بتنهيدة ثقيلة( :
"هو إيه اللي حصل اليوم دا يا فارس وكفايا بجد؟
إنت عملت فيها إيه؟!"
عند تلك اللحظة، دق قلب فارس بعنف… نظراته اتكسرت، والمرآة ارتجت كأنها على وشك الانهيار
وفجأة…
دخل فارس إلى جسد قصي،
واتحد الماضي بالحاضر
جسد واحد… وروحين .
اللي اتنين بقوا كيانات متشابكة، تتصارع جوا جسد واحد… صراع الحقيقة والندم.
وقد حان وقت الاختبار الأخير…
هل سيعيد قصي كتابة النهاية؟
أم سيظل الماضي يسكنه… ويقيده؟
.....
"قصي" يدور حول نفسه بعنف، يشد شعره بأصابع مرتجفة، كأن النيران تشتعل في صدره.
الزمن انكسر في عينيه، وتدقق الماضي كالسيل…
وإذا به يرى – ويعيش – ما فعله "فارس" ذات ليلة سوداء.
.....
فلاش باك
كان الظلام كثيفًا، والجدران تختنق بالصمت.
حمل "فارس" "نيارا" بين ذراعيه، لكنها كانت كالمجنونة…
تعضه، تركله، تصرخ بأعلى صوتها، عيناها تتو سعان بخوف لا يُحتمل.
"أهذا هو فارس؟!"
ذاك الذي كان يحنو عليها كأنها نسمة؟
ذاك الذي كان ينكسر إذا بكت
أين اختفى؟!
أصبح جسدًا بلا عقل، وعقلًا بلا رحمة…
غرق في الدخان، وذاب في الإدمان… حتى تحول إلى ظل هائج.
صرخت وهي تتلوى بين ذراعيه:
"فارس نزلني!! بكرهك… بكرهك يا مجنون… يا اللي مش عارف ربنا!"
"خلاص، مكانك مستشفى مجانين! حلك تموت وتريحنا من شرك! بقيت شيطان ماشي على الأرض!"
اهتز جسده، كأن كلماتها سكاكين تنهش روحه…
اقترب منها، وصوته مبحوح:
"أنا بحبك والله… بحباااااك!"
لكنها تراجعت عنه، تقهقرت وهي تبكي:
"مش عايزة حبك! حبك ده لعنة… بيرعبني… بيخوفني… بكرهك! مبقتش قادرة أعيش معاك… خرجني!"
تجمد للحظة، ثم ابتسم ابتسامة مشوهة، كأن الجنون قد احتضنه:
"مين هيقبل بيكي بعدي؟ "
"بقايا واحدة أديت مشاعرك لواحد بكل جوارحك !ا انتي خلاص، مابقاش فيكي حاجة تقدميها لحد
سقطت على الأرض، وارتعش صوتها كأنها تنزف:
"بتعايرني بحبي ليك؟! دي آخرتها؟!"
اقترب منها، وعيناه تقدحان بجنون:
"حتى صريخك بقا ليا.
إنتي اتخلقتي عشان تبقي ليا…
فاهمة؟!"
ارتجفت "نيارا"، وهمست بدمعها:
"الحب… عمره ما كان كده…
وأنت… مكنتش كده."
لكنه تمادى… حتى انكسر كل شيء.
العتمة بلعت المشهد
...
فارس جلس على الأرض، جسده يرتعش، عيناه تتنقلان بين يديه الملطختين بالدم، وبين نيارا.
كانت ساكنة.
وجهها شاحب، شفتيها مزرقتين، وعينها مفتوحة، لكنها ما عادت ترى.
هو ابتعد عنها فجأة، مصدومًا من الشكل الذي أصبحت عليه.
كدمات مرعبة كانت تغطي جسدها، حيث كان قد انتزع منها براءتها دون رحمة.
لا شيء منها كان كما كان، وكأن الإدمان قد أدمى كل شيء فيها. كانت عارية، وقد انتزعت منها كل أمانها. من
حبيبها
"نياراااااااااااااا!!!"
ف الحقيقة انه انتهك حرمة جسدها دون رضاها
باك
قصي لم يقدر على تحمل الذكريات التي تجتاح عقله. قلبه يطير بين الماضي والحاضر، بين اللحظات التي
دفعته إلى الحافة. كان يدور حول نفسه بعنف، يمسك برأسه كأنما يهرب من الحقيقة.
وفجأة…
وقف فجأة.
رآها…
ليان كانت بين يديه، وحين نظر إليها، شعر وكأن الزمن عاد للوراء. كانت هي نفسها، عينها المصدومة، وجهها
المترقب… لكنها كانت ليان، تمامًا كما كانت نيارا . كان يراها كما لو كانت صورة طبق الأصل، لكن هذه المرة
هو من يحملها.
نفس الألم، نفس الارتباك، نفس النظرة في العينين… وشيء من الخوف الذي ملأ قلبه.
لحظة صمت قاتلة، ومعها كان يراها في عينيه تتبدل، وكأنها تحولت إلى نيارا. كأن الماضي عاد بكل ثقله
ليغمره مرة أخرى، وكل شيء كان يصرخ داخله: "أنت هو فارس".
ليان
ابعد عني يافارس بقا اعمل حاجة حلوة ف حياتك يااخي دمرت نفسك واللي حبيتك قرب من ربنا واعرف دينك
شوية اكيد بعدك عنه هو اللي دشمل حالك كدا!"
قصي:
)حركته سريعة ومباغتة، يدخلها الغرفة ويرميها على السرير بعنف، عيناه مليئة بالدموع، جسده يرتعش بشكل
غير قادر على السيطرة عليه. أصوات أنفاسه المتسارعة تغطي المكان(.
ليان:
"ارجوك! ابعد عني يافارس، نيارا بتحبك، متستاهلش اللي انت هتعمله فيها ده!"
)صرخت ليان وهي تحاول الابتعاد، لكن القصي خنقها بشدة، ثم رماها على السرير مرة أخرى. صرخت ليان
بعنف(.
)دموعها تسيل على وجهها بينما ينهمر من عينيه هو الآخر، وتوجهت أنظارها إلى وجهه الملطخ بالمعاناة(.
ليان:
دا انت ياقصي؟!!!.."
)اسم "قصي" يتردد في الهواء، يطوق المكان بشكل ثقيل، وكأن الصوت نفسه يبث فيه ألمًا لا يُحتمل(.
)قصي يغلق عينيه بعنف، محاولًا الهروب من هذا الجنون الذي يجتاح عقله وجسده، لكن لا مفر له سوى
اللجوء إلى الله. بيده المرتجفة، يبدأ في ترديد الآيات لتحصين نفسه، مُرددًا بصوت مرتجف(:
قصي:
"أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق..."
"بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم..."
"اللهم إني أسألك باسمك العظيم أن تفرج عني ما أنا فيه..."
"اللهم احفظني من الشيطان الرجيم، ومن كل عين وسحر، واجعلني في حفظك ورعايتك."
)شيئًا فشيئًا، بدأ السواد يختفي من عينيه، وعادت له قدرته على التحكم في جسده. كما بدأ يشعر بشيء من
الراحة في قلبه، لكن قلبه ما زال يدق بشدة، والذكريات الحزينة لا تفارقه(
.قصي )وهو يرفع يديه، يتلو الآيات بتركيز، وعينيه مملوءة بالعزيمة والإيمان، محاولًا الحماية من تأثير السحر
الأسود الذي لا يزال يسيطر على فارس المدمن(:
"أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم..."
)يأخذ نفسًا عميقًا، ويحاول استعادة قوته، بينما يلتفت نحو ليان التي كانت في حالة من الضياع(:
)يواصل ترديد الآيات بصوت مرتجف، بينما يحاول سد تأثير فارس المدمن الذي يقترب منهما(.
ليان )وهي تحاول فهم ما يحدث، لكن عينها تركز على قصي، وتحس أنها بدأت تتذكر شيئًا غريبًا، جزءًا من
الماضي يعود لها. تبدأ الدموع في التساقط من عينيها، وهي تشعر بهويته رغم ما يحدث(:
"قصي انت جيت الحمد الله يارب
قصي )وهو يتقدم نحوها بثبات أكبر، وعينيه مليئة بالعزيمة، متجاهلًا تأثير فارس المدمن الذي أصبح ضعيفًا
مع مرور الوقت، بعدما دخلت الآيات في أذنه(:
"اللهم إني أعوذ بك من شر ما نزل، ومن شر ما يعرج..."
)يستمر في ترديد الآيات، وكلما قالها، يتنفس بعمق، وكأن سحر فارس المدمن يتراجع شيئًا فشيئًا(.
ليان )وهي تذرف الدموع، تشع ر بطمأنينة غريبة في قلبها، وتحاول التماسك، لكن الإحساس بالراحة يدفعها
لتشكر الله(:
فجأة، خرج فارس من جسد قصي، واهتزت الأرض من حولهم. كان فارس يصرخ، تتساقط دموعه بغزارة،
وجسده يرتعش بعنف، وكأن روحًا ثقيلة قد خرجت منه فجأة. قلبه كان يخفق بسرعة غير طبيعية، وعينيه
مليئتان بالذهول .
قصي اقترب من ليان، يضع يديه برفق حولها( وهي ترمي نفسها داخل احضانه:
" الحمد الله ياحبيتي الحمد الله ربنا نجانا من اللي احنا فيه."
ليان )دموعها تتساقط بحرقة، مشاعر مختلطة من الفرح والخوف، وهي تنظر إلى قصي وكأنها تراه لأول
مرة(:
"نجحت يا قصي! نجحت ! الحمد لله، أنا كنت خايفة ومش قادرة أصدق إنك هتنقذني من اللي انا فيه بس دلوقتي
احنا مع بعض اوعي تبعد عني تاني ياقصي."
)تبتسم بصعوبة، لكن قلبها مليء بالسلام بعد العاصفة التي مرت بها (.
قصي نظر الي فارس ف وجده نسخة منه
فارس )يئن بصوت مكسور، عينيه مليئة بالصدمة، يحاول الوقوف بصعوبة، كل عضلة في جسده ترتجف كما
لو أنه عاد للحياة بعد موت طويل(:
فارس )صوت منخفض وكأنه يخرج من أعماق قلبه(:
"تعالوا معايا... لازم تروحوا معايا، هوريكوا إيه تأثير اللي عملتوه فيا.
قصي ينظر إلى ليان للحظة، ثم يمسك يد فارس بكل قوة، ويتنهد عميقًا، كأنما يقبل مصيره، ثم فجأة... في
لحظة لا يمكن أن تُصدق، اختفى الثلاثة معًا كما لو أن المكان ابتلعهم جميعًا، وأصبحوا في مكان آخر تمامًا،(.
.....
قصي وجد نفسه ممسكًا بيد ليان داخل نفس الغرفة، وفي نفس اللحظة اكتشف ما يحدث حوله. كانت نيارا
وفارس في وضع مأساوي، حيث كان فارس يحاول الاعتداء على نيارا. لكن، فجأة، أغلق فارس عينيه، وذكر
الله كما فعل قصي في لحظات سابقة، محاولًا إصلاح ما وقع، وكأن النهاية أخذت طابع العدالة. نيارا كانت في
قمة السعادة، إذ أخيرًا عاد فارس إلى وعيه.
قصي، في حالة من الصدمة، نظر إلى ليان، ثم احتضنها بشدة وهو يضحك بصوت مرتفع. رغم أن ليان كانت
مشوشة، إلا أنها شعرت بشيء غريب، كأنها كانت تعيش في قصة حب مختلفة تمامًا مع قصي.
نيارا )بقلق(:
"فارس... أنت كويس؟ في حاجة؟ مالك؟ احكيلي، حاسس بإيه؟"
فارس اقترب منها، وحضنها بقوة، وكان قلبه ينبض بشدة .
فارس )بصوت خافت وببكاء(:
"مش عارف ... أنا حاسس إني مكنتش بخير، حد عمل لي حاجة، يا نيارا... أنا متأكد . خديني في حضنك، بالله
عليكي، أنا ساقعان أوي."
نيارا احتضنته بقوة، ودموعها كانت تتساقط، لكن ضحكتها أيضًا لم تغب. كانت مشاعرها مختلطة بين الفرح
والحنين.
نيارا )وهي تبكي وتضحك(:
"ربنا هيشفيك يا فارس، والله هيشفيك، حسبي الله ونعم الوكيل في كل مؤذي."
وهنا تصدع اغنية تعبر عن الحنين والأمل بعد الفقد والضياع
"أيامنا بتودينا
تبعدنا وتجمعنا
مشوار ومكتوب لينا
ياخدنا ويرجعنا"
"لا لقانا كان بأيدينا
ولا حتى اخترنا وداعنا
وان ما قدرت إيدينا تاني تمسح دموعنا"
)الأغنية تستمر، وتعبر عن لحظات المأساوية التي حدثت ف الماضي من محاولة اغتصاب فارس لنيارا (.
"لسة الأحلام بتبان في عنينا
والحب هيفضل عايش فينا
يرسم على أيامنا وليالينا
ضحكة نونس بيها دموعنا"
:الاغنية تستمر وتعبر عن مشهد محاولة قصي لأصلاح ما فسد من الماضي وانقاذ ليان
فارس )وهو يمسح دموع نيارا(:
"الحب هيفضل عايش فينا يانيارا وهيرسم ع ايامنا وليالينا من تاني كل الضحك والسعادة اللي ف الدنيا بحالها."
نيارا تحتضن فارس وهو غارق في حبها، وكأنهم وجدوا أخيرًا طريقًا للسلام الداخلي بعد كل ما مروا به.
نيارا )وهي تحتضن فارس بحب(:
."ضحكة نونس بيها دموعنا
....
فجأة، استفاقا ليان وقصي مفزوعين، فوجدوا أنفسهم مستلقين على السرير. تبادلا النظرات للحظة، ثم انفجرا في
ضحك عفوي. ألقيَا بأنفسهما مجددًا على السرير، وظلا يضحكان وينظران إلى بعضهما البعض. ثم شبك قصي
يده في يد ليان، وقب لها بحب.
لكن السؤال الذي بقي في أذهانهما: هل هذه هي النهاية؟ أم أن هناك فصلا جديدًا ينتظرهما
الفصل السابع
وضعت ليان كوب الشاي أمامه برفق، وجلست مقابلة له، تتأمله بعينين يملؤهما الحنين، بينما كان الصمت
يتسلل بينهما كزائر مألوف.
ناولها قصي نظرة شكر، ثم مد يده نحو الكوب.
– تسلم إيدك، قالها بنبرة دافئة.
ابتسمت بخجل، ووضعت خصلات شعرها خلف أذنها، ثم تمتمت بصو ت خافت:
– تصدق؟ حظي طلع حلو أوي.
رفع حاجبيه في دهشة طفيفة، وأجاب بابتسامة جانبية:
– علشان اتجوزنا يعني؟
ضحكت بخفة، ثم هزت رأسها:
– أيوه… لأني من أول مرة شفتك فيها، عيني وقعت عليك… وقلبي ما ارتاحش لغيرك
نظر إليها طويلًا، كأنما يبحث عن إجابة في ملامحها، ثم سأل:
– فرحتك أكبر؟ ولا صدمتك لما عرفتي؟
ترددت قليلاً، ثم ردت وهي تشبك أصابعها ببعضها :
– يفرق معاك تعرف دا حصل إزاي؟
– طبعًا يفرق… هاتي رقم الراجل اللي كلمتيه وقالك على الخبر.
أشارت إلى الهاتف الموضوع بجانبها:
– تليفوني أهو، هتلاقي آخر رقم اتصل عليا كان هو
مد يده نحو الهاتف، بينما نظرات الحيرة بدأت تلون وجهه، وكأن شيئًا أكبر من كل التفسيرات ينتظر في الأفق.
قصي:.الو
محمود: أيوة، حضرتك قصي؟ أهلا بيك.
قصي)بنبرة مشوشة، مستغرب( – عرفتني منين؟
محمود:)بهدوء، مع بعض الفضول( – أيوة، أنا المأذون اللي كتب كتابك على مدام ليان من خمس سنين.
قصي:مندهش، محاولا استيعاب ما يسمع( – إزاي جينا عند حضرتك في اليوم ده؟
محمود:)يتنهد قليلاً، وكأنه يسترجع ذكريات قديمة( – بصراحة، اليوم ده كان غريب جد اً. اللي حصل إنه...
.......
فلاش باك
كان محمود جالسًا في مكتبه، يراجع بعض الأوراق، حينما فُتح الباب فجأة، ودخل قصي ممسكًا بيد ليان . كانت
الأجواء مشحونة بشيء غريب، إذ شعر محمود بشيء غير طبيعي وهو يراهما معًا، لكنه تمالك نفسه.
قصي، بنبرة حاسمة:
"أنا عايز أكتب كتابي ع اللي واقفة قدامك دي."
محمود، متفاجئًا:
"بس يا فندم، الوقت متأخر جدًا ومش هقدر أكتب كتاب في الوقت ده، وبعدين، أنا محتاج شهود."
ليان، بصوت منخفض، ولكن بإصرار:
"مش عايزين شهود، انا وهو كفاية. انت بس اعمل اللازم مش مطالب منك اكتر من كدا ."
محمود، وهو يحاول تهدئة الموقف:
"أنا آسف، مش هقدر أعمل ده دلوقتي."
قصي، وقد ارتفع صوته وهو يغضب امسكه من جلبابه وقال:
"أنا ظابط، ولو مكتبتش الكتاب دلوقتي هقتلك وأدفنك هنا. ومحدش هيدري عنك غير لما ريحتك تطلع!"
محمود، وقد بدأ يشعر بالتهديد:
"يا فندم، عيب كده. أنا ماذون محترم. ياريت تشيل إيدك عني، وإلا هبلغ البوليس."
ليان، بصوت مكسو ر وحائر:
"أرجوك، لازم تكتب الكتاب. أهلي ممكن يقتلوني لو عرفوا."
محمود، وقد ازدادت حيرته، محاولًا فهم الوضع:
"انتوا ايه حكايتكم بالظبط؟ "
ليان، وقد شعرت بالضغط النفسي قالت وهي تبكي
"أنا بحبه، وأهلي مش عايزيننا لبعض. ف للأسف حصل بينا..."
قصي، محاولًا كتمان غضبه، جذبها إليه وأغلق فمها بيده، متأثرًا بنبرة عالية:
"بلاش فضايح قدام المأذون. أنا صلحت غلطتي، خلاص."
محمود، وقد شعر بثقل الموقف، رد وهو يبتسم بحذر:
"ربنا يستر ع ولايانا. فهمت خلاص، أمري الله. هاتوا البطاقة."
وبعد لحظات من الصمت، كتبا عقد زواجهما في جو من الارتباك، وسرعان ما غادرا المكان دون أن يتبادلا
كلمات أخرى.
....
باك
)بعد أن أغلق قصي الهاتف مع المأذون، نظر إلى ليان بتركيز، كأن هناك شيء في ذهنه يعكر صفو الأمور.(
قصي )ينظر إليها، ثم يتكلم بجدية(:
– أكيد الراجل ده كداب.
ليان )بتوتر، تكاد تشعر بالحيرة(:
– دا بيقولك انه معانا عقد الجوازكمان ازاي دا؟ هو بيخرف ولا احنا اللي كنا مش واعيين؟
قصي )بصوت جاد، وهو يحاول فهم الموقف(:
– يبقى لازم نقلب الدنيا عليه لحد م نلاقيه ياليان .
ليان )وقد شعرت بالقلق، تنظر إليه بعيون مليئة بالشك(:
– لو دورت عندي، مش هتلاقي حاجة، صدقني
قصي )بثقة عالية، وهو يحاول أن يكون هادئًا(:
– لو مش عندك، هادور عليه عندي. هفتش كويس ف كل حتة وأقولك، ربنا يستر.
ليان )وبصوت مكسور، تتمنى أن تكون الأمور أسهل(:
– لا، يا قصي، خدني معاك. رجلي ع رجلك مش عايزة اكون هنا لوحدي واستحمل افكار زيادة فوق دماغي
)وأثناء حديثهما، قررا أن يخرجا من المكان ويتجهوا نحو السيارة. وبينما هما في طريقهما، حدث شيء مفاجئ
لا يتوقعه أحد.(
.....
سارت السيارة في صمت ثقيل، الطريق أمامهما بدا مألوفًا في بدايته، لكنه ما لبث أن انحرف بهم إلى منعطف
لم يعرفه قصي من قبل . يده كانت على عجلة القيادة، لكنها لم تكن تتحكم بها كما اعتاد . شي ء ما كان يجره إلى
وجهة لا يعرفها، كأن قوة خفية هي من تمسك بالمقود.
قصي كان يحدق في الطريق، جبينه يقطب، أنفاسه تتسارع.
ليان )بقلق(:
– انت هتودينا فين؟ دا مش طريق البيت!
قصي )نظرة متوترة وهو يحاول يثبت إيده على الدركسيون(:
– علمي علمك.
ليان )ترفع صوتها بخوف(:
– مش إنت اللي بتسوق دلوقتي؟ يعني في حد غيرك ماسك الدركسيون؟!
قصي )بهمس مش مصدق نفسه(:
– حد غيري... فعلا !
ضربت الريح نافذة السيارة، واهتز جسدها الصغير في مقعدها بجانبه، ارتعش قلبها.
ليان )بفزع(:
– طب بالله عليك وقف العربية! وقفها ياقصي!
قصي )يحاول يضغط فرامل ويتحكم في الاتجاه(:
– بحاول... بس مش قادر... مش قاد ر أتحكم فيها!
بدا الطريق ينحدر أمامهما تدريجيًا، ثم ظهر فجأة من الضباب برج ضخم كأنه فندق قديم، بلا أضواء، بلا اسم،.
السيارة توقفت فجأة أمامه. لحظة صمت خيمت. قصي وليان تبادلا النظرات، كانت عيونها تمتلئ بالتساؤل،
وعيونه بالذعز
ليان )بصوت متقطع( :
– إيه دا؟ إيه المكان دا يا قصي؟
قصي )يتنفس ببطء، يحاول يستوعب(:
–اكيد رسالة تانية منهم
فجأة، وبدون سابق إنذار، اهتزت السيارة بشدة وبدأت تتحرك بسرعة من تلقاء نفسها نحو الطريق الجبلي خلف
المبنى. صراخ ليان شق سكون الليل.
ليان )تصرخ(:
– قصييي!! العربية بتتحرك لوحدها!
قصي )يحاول يستعيد السيطرة وهو يضغط على المكابح دون فائدة(:
– امسكي في أي حاجة! ا
الطريق الجبلي كان منحدرًا حادًا، والصخور متناثرة على الجانبين، والموت يلوح من أسفله. قصي نظر من
النافذة، أدرك أن النهاية باتت وشيكة إن لم يتصرف.
قصي )يصرخ(:
– نطي! ياليان نطي بسرعة!
ليان )تبكي(:
– مش هسيبك! مش هعملها!
قصي )بعينيه دموع وخوف وهو يفتح الباب بصعوبة(:
– بقولك نطي يا ليان!! ماينفعش إحنا الاتنين نضيع !
وبدون تفكير، دفعها بقوة خارج السيارة... ارتطم جسدها بالأرض، تدحرجت بعيدًا. وقبل أن تستوعب ما حدث،
كانت السيارة تهوي من أعلى الجبل، تتلاشى وسط الظلام.
صرخت من أعماقها، بصوت كاد يُمزق قلبها:
– قصييييييي!!
ووقعت مغشي ا عليها
........
استفاقت ليان وهي مُلقاة على الأرض، رأسها يلف من أثر الصدمة، والغبار يملأ الهواء من حولها. رفعت
نظرها بتثاقل، وقلبها ينبض بعنف داخل صدرها... لوهلة، لمحَت شابًا يقف على بُعد خطوات. كان وجهه
مشوهًا، تغطيه آثار الحروق، والدم يسيل حول جسده كأنه خرج لتوه من حادث مروع . حاولت أن تر كز
ملامحه... لكنه اختفى فجأة وكأنه لم يكن.
شهقت من الذعر، ثم شعرت بيد دافئة تُمسك بكفها برقة. التفتت سريعًا، والدهشة تسبق الكلمات على لسانها.
كانت تلك هي المرة الأولى التي ترى فيها "نيارا" وجهًا لوجه.
كانت نيارا تجلس على كرسي متحرك، جسدها ضعيف، لكن عينيها تلمعان بشو ق وألم غائر
نيارا )بابتسامة حزينة(:
– إزيك يا ليان... وحشتيني أوي.
ليان )مصدومة(:
– نيارا؟... إنتي نيارا؟
نيارا )برأس مائل، ونظرة حنونة(:
– أيوه، أنا هي... نيارا اللي سمعتي عنها كتير.
ليان )عيناها تمتلئ بالدموع وهي تحدق في الكرسي(:
– إيه اللي عمل فيكي كده؟!
نيارا )بهمس وانكسا ر(:
– حادثة العربية...
ليان )بصوت متسارع وقلق(:
– وفارس؟... مات؟
نيارا )ته ز رأسها نفيًا، وصوتها يختنق( :
– لا... عاش، بس و شه اتحرق، واللي شُفتيه دلوقتي كان هو...
ليان )ترتجف(:
– طب مين اللي كان السبب؟... مين اللي عمل كده فيكم؟!
نيارا )تنظر بعيدًا، بنظرة غامضة فيها خوف وندم(:
– مش هينفع أقولك... لازم تعرفي بنفسك، أنا آسفة...
وفجأة... بدأ جسد نيارا يتلاشى، وكأن الريح حملته معها، ثم اختفت تمامًا، كما ظهرت، دون أثر.
شهقت ليان بقوة وهي تفتح عينيها من جديد كان حلم كالعادة، وكأنها فاقت من حلم مرعب. نظرت حولها
بجنون، قلبها يقفز بين ضلوعها.
فجأة، تذكرت قصي!
صرخت باسمه، وهرعت تجري نحو حافة الجبل ... تركض دون أن تشعر بالألم، تبحث عنه وسط الحطام،
والدموع تنهمر على خديها:
ركضت ليان على الصخور، رغم الألم، رغم كل شيء. كانت تصرخ باسمه، وعيناها تفتش المكان كالغريقة
التي تتشبث بأي طوق نجاة.
وفجأة، رأته.
قصي... ملقى قرب حافة الجبل، نصف جسده تحت الركام، ويده اليمنى تمتد لتقبض على صخرة يحاول أن
ينهض بها. وجهه مغطى بالغبار، لكن عينيه... كانتا تبحثان عنها.
اقتربت منه تتعثر، ثم سقطت جواره على الأرض، تلهث بأنفاس متقطعة:
ليان:
– قصي هات ايدك بسرعة
قصي )بصوت مجهد(:
– كنت عارف إنك هتيجي...
مدت ليان يدها تمسك يده المرتجفة، ولحظة التلامس...
توقفت الأرض.
تجمد الهواء.
الزمن انكسر.
صوت غريب بدأ يرن في الأفق، ووميض أبيض اجتاح المكان.
وفجأة... وجدا نفسيهما في عالم آخر.
.......
دفعت ليان باب الفندق، وكأن شيئًا يسحبها من عالمها إلى آخر مجهول. لم تكن تدري لماذا تسير، أو من يقود
خطاها، لكن كل شيء في الداخل بدا مألوفًا رغم أنها تراه لأول مرة.
اقتربت من مكتب الاستقبال، أنفاسها تتسارع، وصوت قلبها يعلو على خطواتها.
ليان )بصوت متوتر(: لو سمحتي... هو المكان دا إيه؟
موظفة الاستقبال )بابتسامة هادئة(: حضرتك في فندق ذا جريت إيست... أفخم فندق ف المنطقة دي. تحت أمرك .
ترددت ليان، لكنها وجدت نفسها تنطق دون وعي:
ليان: أنا جاية لأستاذ فارس... هو فين؟
نظرت لها الموظفة بتمعن، قبل أن تطبع على وجهها ابتسامة مصطنعة.
موظفة الاستقبال: ثانية واحدة...
أخذت تبحث في جهاز الكمبيوتر، ثم رفعت عينيها:
موظفة الاستقبال: أيوة، أستاذ فارس في أوضة رقم تلاتة، الدور التالت. بس حضرتك تبقي مين؟
ليان )بتلقائية(: مراته.
تغيرت ملامح الموظفة للحظة، لكنها أخفت دهشتها بسرعة :
موظفة الاستقبال: من فضلك أشوف البطاقة.
بدأت ليان تبحث في ملابسها بتوتر، غير متأكدة مما ستجده... لكن يدها وقعت على بطاقة غريبة. رفعتها،
قرأت الاسم، فاتسعت عيناها:
"نيارا؟!"
يدها ارتعشت وهي تمد البطاقة.
أخذتها الموظفة، قرأتها بهدوء، ثم أعادتها:
موظفة الاستقبال )بابتسامة باهتة(: تمام يا فندم... تقدري تطلعي. تحبي حد يوصلك للأوضة ؟
ليان )بتوتر(: لا... شكر اً.
قبل أن تستدير ليان للمصعد، لحظت شيئًا في عيني الموظفة... نظرة غريبة، كأنها تعرف أكثر مما تقول.
ليان )بتردد(: هو... أستاذ فارس لوحده فوق؟
ترددت الموظفة، ثم ردت بنبرة حيادية:
موظفة الاستقبال: معرفش يا فندم... إحنا ما بندخلش جوه الأوض.
ابتلعت ليان ريقها، وشعور بالقلق تسلل إلى قلبها وهي تتجه نحو المصعد. كأن هناك شيئًا يُنتظرها في
الأعلى... شيء لن يعود كما كان بعده أي شيء.
رواية حين تخذلني عيناك الفصل الثامن 8 - بقلم هاجر عبد الحليم
م
قصي مغمض العينين، وما إن فتحهما حتى وجد فتاة نائمة في حضنه. ارتبك على الفور، وحاول جاهدًا أن
يتذكر كيف انتهى به الأمر إلى هذا المكان، لكن ذاكرته خذلته.
استفاقت الفتاة من نومها وقالت بنعومة :
سميرة: صباح الخير يا روحي .
قصي )بتوتر(: إنتي مين؟
سميرة )بدهشة(: معقول يا فارس؟ نسيت كل اللي حصل بينا كده بسهولة؟ ولا لسه زعلان مني، فعشان كده
بتقول كلمتين زي دول؟
)قال قصي في سره باستغراب(: فارس؟!
قصي: طب بلاش "إنتي مين؟" أنا جيت هنا إزاي؟
سميرة )بضحكة خفيفة(: إنت اللي جيتلي برجليك، لما اتخانقت مع مراتك و سبتلها البيت ومشيت. كإنك كنت
عارف إن راحتك ف حضني وبس.
وفجأة، دوى طرق عنيف على الباب .
سميرة )بتوتر(: حبيبي، افتح إنت الباب، لأني مش هعرف أفتحه بالشكل ده.
قصي )بحذ ر(: طب ادخلي الحمام، وماتخرجيش غير لما أقولك.
اقتربت منه وقبلته على خده: حبيبي اللي بيغير عليا... يا ناس!
ثم مشت تتمايل، وقبل أن تُغلق باب الحمام، أرسلت له قبلة في الهواء.
قصي )وهو يزفر بامتعاض(: أما نشوف آخرة الفيلم اللي إحنا فيه ده!
وتقدم نحو الباب، وفتحه... ليجد ليان أمامه .
...
كانت روح "نيارا" تترقب من بعيد، متسمرة في مكانها، ونظراتها مشتعلة كأنها نار لا تهدأ. وما إن رأته يفتح
الباب، حتى شعرت بقوة خفية تسحبها، لتندفع داخل جسد "ليان" دون أن تملك الخيار، كأن الغضب هو من
قادها لا الإرادة.
تجمدت "ليان" في مكانها، جسدها انتفض للحظة، وعيناها اتسعتا بدهشة، قبل أن تتكلم بصوت خرج من بين
شفتيها مرتجفًا لكنه حاد:
ليان )بصدمة وعينين تلمعان(: إنت بتعمل إيه هنا يا فارس؟!
قصي )يتراجع خطوة للوراء، وعيناه تهربان منها(: ليان...
ليان )تصرخ وتندفع نحوه، تدفعه بكلتي يديها بقوة(: هي حصلت كمان بتغلط في اسمي؟ ابعد من وشي! مين
معاك هنا؟!
قصي )يرفع يديه كأنه يحاول تهدئتها(: محدش معايا.
ليان )تعقد ذراعيها بصدرها، وتطالع رجليه المرتعشتين باحتقار(: باين من رجلك اللي بتترعش ولسانك اللي
مبيعرفش يقول غير كدب!
قصي )يحاول الاقتراب منها بخطوة حذرة(: طب اسمعيني، خليني أشرحلك. والله أنا صحيت لقيت نفسي هنا،
ومش فاكر أي حاجة!
ليان )تقهقه بسخرية، ثم تصفعه بكلماتها(: كداب! وخاين وعبر الدنيا كلها فيك! اتفوووو عليك!
يرمش قصي بعصبية، وعينيه تضيقان وهو يضغط على فكه: اتلمي... ولمي الدور.
ليان )تندفع فجأة، تمسكه من ياقة قميصه وتشده نحوها(: إنت هتطلقني... يا إما هتطلع روحك على إيدي
دلوقتي! فاهم؟!
رفع قصي يده وكأنه سيزيح يدها، لكن قبل أن ينطق...
انفتح باب الحمام.
التفتت ليان بحدة، عيناها تشتعلان، لتجد امرأة تتمايل خارجة ببطء، ترتدي ملابس فاضحة لا تكاد تستر
جسدها، شعرها مبلل يتساقط على كتفيها، وابتسامة باردة على وجهها.
...
اقتربت "سميرة" بخطى واثقة، عينها تتحدى، وابتسامة باردة تتلاعب على شفتيها، ثم فجأة، احتضنت "قصي"
من ذراعه أمام "ليان"، كأنها تتعمد إعلان الانتصار
قصي تصلب مكانه، عضلاته انكمشت، وعيناه اتسعتا بصدمة، ثم التفت نحو "ليان" سريعًا، نبضه يتسارع،
ويده تتشنج وكأنها على وشك دفع "سميرة"، لكنه ظل واقفًا، مشدوهًا، كأن لسانه انعقد.
ليان )وعيناها تتوهج غضبًا، تتقدم خطوة، وصوتها يعلو(: والله لهنتف شعرك زي ريش الفرخة لو ما بعدتيش
عنه!
سميرة )تتظاهر بالخوف، تضع يدها على صدرها وتتنفس ببطء(: يامي! خوفت منك! تصدقي قلبي ساب وعايز
حد يلحقه!
ليان )تخطو نحوها والشرر يتطاير من عينيها(: انتي فاكراني بهوش؟
سميرة )ترفع حاجبًا وتبتسم باستخفاف(: انتي مين يا حلوة؟
ليان )تشير إلى نفسها بثبات(: مراته.
سميرة )تضحك بسخرية وهي تنظ ر إلى قصي(: اللي منكدة ومنغصة عليه عيشته؟ مش كدا؟
ليان )تضحك بسخرية مماثلة(: لا وانتي الصادقة! دي اللي صبرت عليه وضيعت شبابها معاه لحد ما عجزت
بدري!
سميرة )تتقدم خطوة وتضع يدها على خصرها(: دي حجة بيقولوها الناس الضعيفة اللي زيك... طب أنا عايشة
معاه، سنين عمره مابكاني يوم.
ليان )ترفع صوتها باندهاش(: سنين إيييييه؟!!
سميرة تخرج ورقة من درج قريب، تمدها بخفة ليد "ليان" ، عيناها تتلألأ بنشوة الانتصار:
سميرة: أيوه، تخمينك صح... أنا مراته يا حلوة.
عين "قصي" تنقلب بين الاثنتين، أنفاسه مضطربة، كأن روحه تُسحب قطعة قطعة، وكأن الكلام لا يجد طريقه
إلى فمه، فقط جسده يصرخ بكل معاني التورط والذهول.
...
تجمد قصي في مكانه، قلبه يضرب بجنون بين ضلوعه، وملامحه مشوشة بين الخوف والندم. وقفت ليان أمامه،
وعيناها تشتعلان بنيران الغدر، صوتها ارتجف لكنه كان حادًا كسكين:
ليان )بصوت مخنوق(: أنا استاهل ضرب الجزمة... حبيتك، حطيتك فوق الكل، استحملت كسرتك ليا ليل
ونهار! كنت بدوس على ذلي ووجعي علشانك، وانت؟! دوست على قلبي بالرخيص، يا فارس! تبقى ف حضني
كل يوم... وانت ناوي تتجوز عليا؟!
رفع قصي يده يحاول الاقتراب، لكن ليان تراجعت خطوة للوراء، وكأن لمسته صارت لعنة.
سميرة تقدمت، وابتسامة مستفزة على شفتيها، لوحت بيدها بسخرية.
سميرة: مالك يا بت داخلة علينا زي الريح اللي ماحدش عارف يمسكها؟ شخط ونطر كده من أولها؟ إيه ده؟!
نظرت ليان إليها بحدة، ابتسامة ساخرة ترتسم رغم دموعها.
ليان: شوفت يا فارس؟ خلتني أسمع كلام من واحدة ملهاش أي قيمة! وصلتني لدرجة إني أتهان من وحدة زي
دي!
سميرة )بغضب(: مين دي اللي ملهاش قيمة؟! والله لأربيكي
مدت يدها لتصفعها، لكن قصي تد خل بسرعة، أمسك بشعرها وشدها بعيدًا.
قصي )بحزم(: بس يا سميرة!
سميرة )تصرخ(: لا دي عايزة تتربى من أول وجديد!
قصي )بعنف(: اظبطي لسانك، واتعدلي بدل م اعدلك
لكن ليان كانت قد فقدت كل تحكم في نفسها. تقدمت نحو سميرة، جذبتها من شعرها بقوة مفاجئة، وألقتها أرضًا.
كانت عيناها تشتعلان، وجسدها يرتجف.
ليان )وهي تضربها(: انتي هتربيني؟! ده انتي محتاجة عشرة يربوكي ويكسروا ضلعك المعووج، يا خطافة
الرجالة!
سميرة )بتو سل(: أوعي ! سيبيني!
لم تستجب ليان، وواصلت ضربها بجنون. حاول قصي إبعادها، لكن قبضتها كانت مشدودة وكأنها تُخرج كل
وجعها دفعة واحدة.
قصي )وهو يحاول تهدئتها(: انتي فيكي إيه؟ نيارا اتلبستك ولا إيه؟!
ليان )بعين دامعة وصوت مرتعش(: أنا جوايا ميت عفريت! سيبني يا فارس... سيبني، حسابك لسه ما جاش!
حاول الإمساك بها مجددًا، لكنها عضته في ذراعه، فتأوه من الألم . تراجعت سريعًا، التقطت فازة من فوق
الطاولة، ورمتها بكل غضب في وجهه.
سقط قصي على الأرض ليتفادي الضربة لكن الكارثة لم تتوقف. الفازة ارتدت وأصابت سميرة في
رأسها، فسقطت دون حركة .
رمقها قصي بذعر، هرع نحوها، مد يده، لكنها... اختفت!
ارتجف جسده، وبدأ يتراجع خطوة بخطوة، الذهول يأكل ملامحه.
قصي )بهمس مرتعب(: ينهار مش فايت... سميرة؟!
ثم التفت بسرعة، وركض خلف ليان التي كانت تهم بالخروج من باب الأوتيل.
قصي )بصوت مبحوح(: ليان! أرجوكي... بالله عليكي، ما تسيبينيش! استني!
لكنها لم تلتفت، كانت قد غادرت، وتركت خلفها فوضى من الألم، والندم، وظلال امرأة... اختفت في العدم.
...
خرجت ليان من الفندق وهي تركض بجنون، قدماها تسبق أنفاسها، ودموعها تتساقط كأنها تطرد كل ما مر
بقلبها من خيبات. وفجأة، شهقت بقوة، وكأن الهواء يندفع من صدرها بعد احتباس طويل، كانت نَيَارا قد خرجت
منها. لحظة تحرر، لكنها لم تكن نجاة، بل بداية السقوط الحر .
توقفت ليان في منتصف الطريق، تدور حول نفسها ببطء، كأنها تبحث عن مخرج من ذاكرة لا ترحم. ارتجف
جسدها وهي تمسك شعرها، تشد خصلاته بعنف. تلاحقت الأصوات في رأسها، تتشابك، تتعالى... صفعات
يمين، صفعات يسار
صرخة خافتة خرجت منها وهي تتحسس رقبتها، شعرت بقطرات دم تسيل... ليس من جرح خارجي، بل من
الداخل، من روحها.
صدى الأصوات اشتد في أذنيها...
"بذمتك، انتي ست؟ الست تتحب ... لكن انتي؟! يتشفق عليها يانيارا!"
"أنا بس عايش معاكي عشان انتي ملكي، وفارس عمره ما يعرف الخسارة، حتى لو كانت ست م تلزمهوش،
ولا بيعوزها في يوم!"
"تصدقي؟ عمرك ما أغرتيني! عارفة ليه؟ عشان وجودك نفسه قرف ... وقلبك مسخ !"
"مزعجة، وكلك تمثيل، حتى وانتي ساكتة بتزعجي، يانيارا!"
"لما بشم ريحتك، بحس بكابوس بيخنق فيا... ريحة تقفل النفس والقلب!"
"انتي طالق! مش عايز أشوف واحدة قشرة من برة ومليانة خراب من جوا!"
"انتي نقطة سودا في تاريخي ... وبمسحها دلوقت!"
شهقت ليان بقوة وهي تصرخ بصوت ملأ الشارع، جسدها ارتجف وكأن روحها تُنتزع، وانهارت على ركبتيها.
قصي خرج خلفها، وما إن لمحها حتى توقف فجأة، كأن الأرض شدته ولم تسمح له بالحركة.
...
ثبتت نظرات قصي في الفراغ للحظة، ثم رأى أمامه خيالًا واضحًا لفارس. لم يكن وهمًا... كان انعكاس روحه .
قصي )بصوت مرتجف(: "اوعى تفكر..."
فارس )بابتسامة خبيثة(: "لا ... هيحصل."
وفي لحظة خاطفة، اخترقت روح فارس جسده... تغلغلت بداخله كظلام يبتلع النور.
تغيرت نظرة قصي. انطفأت ملامح الأمان، وحلت محلها قسوة تعرفها ليان جيدًا.
رآها واقفة على بُعد خطوات، تنظر إليه بدهشة.
ليان )بصوت خافت(: "فارس..."
تقدم نحوها بخطى ثابتة، كأن الأرض تمهد له الطريق. أمسك ذراعها بعنف كاد يخلعها من مكانها.
فارس )من خلال جسد قصي(: "آه طلقتك؟ بس هتفضلي تسمعي كلامي لحد ما تموتي. قومي معايا بدل ما
أفرمك تحت رجلي!"
ليان )بصوت باك (: "أنا مش هتحرك معاك... لو عايز تقتلني، اتفضل."
لم يتردد. رفعها عن الأرض كأنها لا شيء، ورماها داخل السيارة، أغلق الباب بعنف، ثم اندفع نحو مقعد
القيادة .
ليان )بعينين غارقتين بالدموع(: "مش هتقدر تعمل حاجة ... الطريق قدامك، روح الجبل، ارمي العربية، خلي
وشك يتحرق، وأنا أتشل ! يلا! مستني إيه؟!!"
ضغط على البنزين بعنف، وانطلقت السيارة في طريق مهجور بسرعة جنونية. الريح تصرخ حولهما، ووجوه
الموت تلوح في الأفق.
لكن فجأة...
بدأ جسد قصي يرتعش. يده على المقود لم تعد ثابتة. عروقه نبضت بنور خافت، كأن شيئًا بداخله يثور.
قصي )بصوت مبحوح، يتصارع داخليًا(: "اخرج... كفاية... مش هتلمسها تاني..."
فارس )من داخله(: "أنا اللي بتحكم هنا!!"
قصي: "غلط! دي روحي مش روحك... ومش هخليك تقتلها من تاني..."
شهقة حارة خرجت من صدره، كأن النور اخترق ظلامه. وفي لحظة خاطفة، صرخ صرخة عالية، وفتح باب
السيارة وهو يقود، وقفز منها متدحرجًا على الأرض وسط الحصى والغبار.
انحرفت السيارة عن مسارها، واصطدمت بصخرة على جانب الطريق فتوقفت، والدخان يتصاعد من المحرك
فتحت ليان عينيها ببطء... نظرت حولها، قلبها يخفق بجنون. مدت يدها المرتعشة، وفتحت الباب، ثم خرجت
تسقط على ركبتيها، لا اصدق أنها على قيد الحياة.
رفعت نظرها فرأته... قصي، ممددًا على الأرض، ينزف قليلًا ... لكنه حي.
ركضت نحوه، دموعها تنهم ر أمسكت يده وفجاه
...
فتح قصي عينيه فجأة، وجد نفسه واقعًا على صخرة باردة ف قد حرر نفسه من الماضي واخيرا لمس يد ليان
بقوة تشده، فجلسا معًا على الأرض وهما يلهثان بشدة. كان الصمت يحيط بهما، سوى أن أنفاسهما المتقطعة
كانت تملأ المكان، وكل منهما يحاول استجماع قوته.
قال قصي وهو يحاول تهدئة نفسه:
»؟ حسيتي باللي شفته «
ردت ليان، وصوتها يرتجف قليلًا :
». أيوة، لأني كنت معاك «
ابتسم قصي بخفة رغم التعب، وقال:
» ؟ يعني عديناها «
أومأت ليان برأسها بثقة:
». أيوة، شكلها كده «
مد قصي يده ليأخذ يدها وقال:
». طيب، كويس. تعالي معايا «
أردت ليان أن تأخذ نفسًا عميقًا قبل النهوض، فقالت:
». استنى يا قصي، عايزة أخد نفسي «
أجابه بحزم :
». مفيش وقت، ممكن يحصل حاجة تانية. إحنا مش ضامنين حاجة . المهم نروح نشوف حوار الجوا ز ده «
نظرت له وقالت:
» . صح، يلا بينا «
وقاما معًا، خطواتهما تلامس الأرض بثقة، متجهين إلى شقة قصي حيث تبدأ الحقيقة في الظهور
..
دخلوا إلى البيت وجلسوا يبحثون في كل زاوية، والقلق يملأ قلوبهم. فتحت ليان الدرج، وفجأة وجدت عقد
الزواج القديم. ارتكزت على الكرسي من شدة الدهشة، ونادت على قصي.
جرى قصي نحوها، وأخذ الورق بين يديه، وبدأ يقرأه بتمعن. قال :
"ايوه، دا عقد الجواز وخطي موجود لكن ازاي "
نظرت ليان له بدهشة وقالت:
"يبقى أكيد الجواب عند فارس ونيارا. لازم نضع حد ليهم بجد معدتش قادرة"
رد قصي بحزم:
"الحكاية خلصت ياليان خلصت."
...
وقف قُصي أمام الباب، يده على المقبض، لكن صوته الداخلي لم يمنحه القدرة على الرحيل بسهولة.
استدار ببطء حين سمع صوتها خلفه، نابعًا من قلب يرتجف .
ليان )بهمس مرتبك وهي تضم ذراعيها إلى صدرها، كأنها تحمي نفسها من فراغ موحش(:
ليه عايز تمشي؟
تنهد قُصي، نظر إليها بعينين يغلب عليهما الحزن، وكأن قلبه مشدود بين الرحيل والبقاء.
قُصي )منخفض الصوت، يشيح ببصره بعيدًا عنها(:
علشان لازم ... مش هتكوني مرتاحة.
خطت نحوه خطوة صغيرة، وكأن المسافة بينهما تعني لها الحياة.
ليان )بعينين ممتلئتين بالتو سل(:
لا، خليك... بات معايا.
تردد، تنقل ببصره بين وجهها والباب، ثم قال بصوت يشوبه الصراع:
قُصي:
والناس؟
هزت رأسها ببطء، نظرتها مستقيمة، وصوتها ثابت:
ليان:
مش بنعمل حاجة غلط.
اقترب منها خطوة، وكأنه يصارع خوفًا دفينًا بداخله.
قُصي )بصوت حاني فيه رجاء(:
بس مش عايز حد يقول كلمة عليكي... مش هيسكتوا لما يشوفوا شاب بايت عندك... وانتي سمعتك غالية
عندي.
ارتعشت شفتاها، لكنها رفعت رأسها بثقة.
ليان:
بس إنت جوزي يا قُصي.
تجمد للحظة، حدق في عينيها، كأن الزمن توقف.
قُصي )بصوت أقرب للدهشة(:
معترفة بده يا ليان؟
ابتسمت بخجل، وأطرقت برأسها قليلًا .
ليان:
طبعًا... يمكن مخضوضة شوية، بس إحساس الأمان اللي بيكون جوايا وأنا جنبك... مخليني أتقبل كل حاجة
عن طيب خاطر.
اقترب منها أكثر، ورفع يده برفق، طبع قبلة على رأسها بكل حب وصمت عميق.
قُصي )بهمس(:
صدقيني، كده أحسن .
لكنها أمسكت بكم قميصه، نظرتها تستجديه.
ليان )بصوت مبحوح(:
قُصي...
قُصي )بحنان(:
نعم؟
ليان:
بالله عليك، بات معايا... أنا خايفة.
عقد حاجبيه، اقترب منها حتى صار أمامها مباشرة، ثم م د يده ليمسح دموعها التي انسابت بصمت.
قُصي )بصوت منخفض( :
ليه الدموع؟
أجفلت، كأن السؤال وخز قلبها.
ليان )بكسر واضح(:
علشان ... مش عارفة هما عايزين مننا إيه يا قُصي؟
لم يرد. حملها فجأة بين ذراعيه، كأنها شيء ثمين يخاف عليه من الضياع، وسا ر بها نحو السرير.
أنزلها برفق على الفراش، وجثا بجانبها.
ليان )بهمس مرتجف(:
خدني في حضنك يا قُصي...
ضمها إليه، وأراح رأسها على صدره، ثم بدأ يمرر أصابعه على شعرها بتكرا ر حنون، وكأن كل لمسة منه
تطمئنها وتربت على قلبها.
وبين ذراعيه... ناما بسلام.
...
كان قُصي نائمًا، أنفاسه هادئة، يحتضن ليان وكأنها ملاذه الأخير في هذا العالم المضطرب.
لكن فجأة... أحس بيد تلمسه، ببطء، بطريقة غريبة لا تُشبه دفء ليان.
فتح عينيه، ومع اتساع حدقتيه، شهق بدهشة.
كانت نيارا تقف أمامه، بثوب أبيض يتمايل كالدخان، شعرها مسدول على كتفيها، ونظراتها تشتعل بغموض.
قُصي )بصوت مخنوق(:
ن... نيارا؟ !
نيارا )بابتسامة باردة(:
آخر مرة هظهرلك يا قُصي... ولأول مرة، هقولك الحقيقة...
اللي نايمة جنبك دي؟ أنا.
شهق مجددًا، قلبه يخفق بجنون، كأنه يقاتل كي لا يصدق.
قُصي )ينهض جالسًا، ينظ ر نحو ليان بدهشة(:
عايز أفتكر... أرجوكي!
نيارا )تخطو نحوه، وصوتها ينخفض( :
هتفتكر. لما تعدي آخر مرحلة... وتنقذها.
قُصي )يقترب منها، والرجفة في صوته(:
ارجوكم سيبونا ف حالنا بقا
نيارا )نظرتها تصبح حزينة للحظة(:
مش حابب تعرف اتجوزتوا إزاي؟
قُصي )يكاد يصرخ(:
ريحيني!
ابتسمت تلك الابتسامة الغامضة التي كان يراها دومًا في كوابيسه، ثم همست:
نيارا:
حاضر يا قُصي... حاضر.
وما إن أنهت جملتها، حتى اختفى ضوءها تدريجيًا، وانسابت كالدخان في هواء الغرفة... تاركة قُصي وحيدًا
بين الصدمة والخوف.
.......
الفصل الاخير
في غرفة ليان، فتحت عينيها على ملامحه الهادئة وهو نائم بجانبها. ظلت تتأمله بصمت، وابتسامة حالمة تلونت
على شفتيها. بحركة خفيفة، مررت أصابعها على وجهه برقة، وكأنها تتحسس ملامحه للمرة الأولى.
حين وصلت إلى شفتيه، ترددت، ثم سحبت يدها بسرعة وقد غمرها الخجل.
لكن فجأة، قبض على يدها بقوة، وفتح عينيه ببطء. خفضت وجهها بخجل، وأرخت رأسها على صدره.
طبع قبلة دافئة على جبهتها، ثم هم بالكلام، لكن ...
اهتز السرير بعنف مفاجئ، حتى ارتج المكان، وارتفع صراخ ليان المرتعب وهي تتشبث به.
صرخ قصي محاولًا احتواءها، لكن جسده جُمد حين شعر بظل ثقيل يقترب.
ظلال سوداء، كأنها دخان، تجسدت بجانب السرير... كان هناك شخص، لا... روح، تحمل سكينًا لامعة، تتقدم
نحو ليان وعينيها تحدقان فيها بلا رحمة
قصي )بانفعال(: "فااااااارس!! لااااااااا!!"
حاول التحرك، لكن جسده لم يطاوعه.
في أقل من ثانية، وضعت الروح السكين على رقبة ليان، ثم اختفت...
وضعت ليان يدها على رقبتها ببطء، لتتفاجأ بلطخة دم تسيل من بين أصابعها .
أمسك قصي رقبة ليان المرتجفة، عيناه تائهتان في وجهها الباهت، وصوته مكسور، يتوسل برجاء موجوع:
قصي:
"لا يا ليان فوقي... بالله عليكي فوقي... دي روح، هتأذيكي ازاي! مش هسمح بكده!
يا نيارا... ماتسيبنيش، أنا بحبك، والله العظيم بحبك! عشان خاطري، بلاش... لا يا نياراااا، لا! والله بحبك،
أبوس إيديكي! نيااارااااا!!"
وفجأة، كأن الزمن توقف...
جسده تجمد، وعقله غاص في صور مبعثرة، مؤلمة...
رأى نفسه وهو يضرب، ويهين، ويذل، ويخون.
ثم لمح المشهد الأشد قسوة...
يداه ملطختان بدم نيارا... وهو يقف، مذهولًا من جريمته القديمة.
نظر إلى ليان، يراها تختنق بين ذراعيه، وشهق:
قصي:
"لا... نيارا ! أنا آسف ... سامحيني بالله عليكي ... ارجعي! ارجعي ليا
ثم…
وسط ظلام الغرفة، انبعث نور خافت من الزاوية...
بنت كانت واقفة، بتضحك بهدوء
قصي )بصوت مرتعش(:
نيارا؟ أنتي اللي هتقدري تشفيها، اعملي كدا دمها هيغرق السرير مش هقدى اعيش من غيرها دي حياتي
وروحي انا مش موافق ع اللي حصل زمان والله م ليا يد فيه
نيارا اقتربت بخطوات رقيقة، لمست موضع الدم في رقبة ليان بأناملها... لكن قبل ما تلمسه، ظهرت يد من
العدم ومنعتها.
نظرت نيارا بدهشة...
لتجد روح فارس واقف أمامها، عيونه حزينة، ساكنة، مشبعة بالندم...
وقف فارس متأملاً، وحزنه واضح على وجهه وهو يقول بهدوء :
"مش دورك تساعديها؟"
نظرت إليه نيارا بعينين تملؤهما الدموع، تحاول إقناعه:
: "إزاي؟! أنا مش هقدر أشوف نفسي بموت ومساعدهاش... شوف حالة قصي؟."
قال فارس وهو يحدق في الأرض، وكأن أفكاره تئن تحت ثقلها:
"لما بشوفه بحس إن دي مشاعري اللي كانت مكبوتة فيا زمان ومقدرتش اطلعها"
اقتربت نيارا منه وأمسكت يده بإصرا ر:
"بس قصي هيحبها، سيبني أحاول."
رفع فارس رأسه ونظ ر إليها بحزم :
: "إنتي كده هتبوظي كل اللي إحنا عملناه، مش هتعرفي تتقذيها."
ضغطت نيارا على يده بشدة وهي تتوسل:
"ما تيأسنيش... وسيبني أحاول."
حاولت فعلاً، لكن لم تستطع، فتراجعت وهي تعلو عينيها علامات الألم.
وقف قصي متردداً، ثم قال بغضب:
: "وبعدين؟"
اقترب من فارس فجأة وحاول أن يخنقه، لكن يده مرت من بين أصابعه كأنها غير مرئية.
ضحك فارس بسخرية:
"عايز تضربني؟"
رد قصي بوجه متعب وغاضب :
"نفسي أخنقك... أنت اللي مسكت السكينة وقتلتها."
انخفض رأس فارس وكأن ثقل الذنب يثقل قلبه، ثم قال:
"هي ما ماتتش، هي محبوسة بين الماضي والحاضر. وبعدين، إنت اللي شوفته دخان اسود دا مكنش انا
سأل قصي بدهشة :
"أومال كان مين؟"
أجابت نيارا بهدوء وثقة:
نيارا: "طاقة السحر الأسود."
نظرفارس إلى نيارا بعتاب:
"إنتي كنتي عارفة؟
هزت نيارا رأسها وأجابت:
"عرفت قبل ما أنت تقتلني بحوالي ساعة."
سأل قصي بقلق "طيب السحر ده هيتفك إزاي؟"
رد فارس وهو يشجع قصي:
"أنت الوحيد اللي هتعرف تعمل ده... . أنت أقوى مني... روح وأنقذها عشان ليان ترجعلك."
تنهد قصي ببطء، ثم شعر بدوخة غريبة، كأنه يغوص داخل بئر الزمن.
....
كان كل شيء ضبابيًا، رؤى باهتة وصوت أنفاس متقطعة، حتى وجد قصي نفسه واقفًا في غرفة مظلمة، السكين
بين يديه ترتجف وكأنها تمتد من جلده، وصوت نيارا يعلو في الأرجاء، ممزوجًا بالدموع والخوف.
نيارا )بصوت مختنق ودموعها تنهم ر(:
"أبوس رجلك يا فارس، بلاش تقتلني... أنا بحبك! وراعيتك كتير، وكنت جنبك وقت ضعفك... جيه الوقت تشيل
ده من على قلبي، سيبني أروح لحالي، أرجوك!"
قصي )بعينين غائرتين، وصوت متهدج(:
"أنا آسف..."
نيارا )بنظرة حزينة وابتسامة باهتة رغم الخوف(:
"بلاش تتأسف... أنا مسامحاك من قلبي."
أراد أن يُسقط السكين من يده، لكن أصابعه لم تطاوعه، كأنها جُبلت على قبضها. وفي تلك اللحظة، بدأ الوشم
المحفو ر في صدره يغلي، دخان أسود كثيف انبعث منه، تسلل إلى أنفه، وبدأ يعبث بوعيه.
عينيه تحجرتا، وملامحه شُوهت... وحش يسكن جسده استيقظ من سباته.
انقض على نيارا بجنون، وهي تصرخ، تتراجع على الأرض، تحاول النجاة بما تبقى من أنفاسها.
نيارا )تصرخ بألم، تزحف على الأرض(:
"آاااه... فوق! بالله عليك فوق! انت مش إنت دلوقتي، مش في وعيك... اذكر ربنا، يا فارس ... اذكر الله !"
كان يلهث، ودموعه تسيل، لكن جسده لا يطاوعه، عقله ليس ملكه.
رفع السكين من جديد نحوها، كأن قوة خفية تُوجهه، لكنها ابتعدت، تلهث، وعيناها تبحثان عن ذرة من رحمة
فيه.
امتدت يده إلى وجهها، وعندما لامست بشرته، ارتعش قلبه.
تأمل ملامحها... نفس العيون، نفس الشفاه المرتجفة، نفس الدموع... ليان! كانت هي، أو كأنها هي!
تراجع خطوة، السكين لا تزال معلقة في يده، أراد أن يرميها ولم يقدر.
حاول أن يمسح الوشم، يحفره بأصابعه، لكنه لم يُمحَ، بل زاد توهجًا، والدخان تصاعد، يحرق صدره وضلوعه.
صرخ من أعماقه، كأنما روحه تتمزق:
"أنا مش كده... أنا بحبها... مش هأذيها! مش هأذيهااااا!"
وفجأة، انطلقت الكلمات من لسانه دون وعي، كأن قوة نورانية تحرك لسانه
ارتجف جسده، وبدأت قبضة السكين تضعف.
بدأ الوشم يذوب، والدخان يتلاشى، والهواء يعود نقيًّا .
كل آية كانت تُمزق خيوط السحر، تمحو أثر الظلمة، وتعيد إليه ذاته.
اقترب من نيارا، نظر إليها بعينين تفيضان حبًا وندمًا.
مد يده إليها... في عينيه سؤال صامت: "هتسامحيني؟"
كانت ليان أمامه، أو ربما كانت نيارا... لا يهم، كلاهما استحقت أن تُحب، لا أن تُؤذى
.ما إن سقطت السكين من يده، حتى شعر قصي وكأن ثقلًا رهيبًا زال عن صدره، لكن... لم يكن الخلاص بعد.
الوشم على صدره بدأ يتلوى كأنه حي، والدخان الأسود عاود الالتفاف حوله، حتى صوته اختنق، كأن شيئًا
يُمسك بحنجرته.
قصي )يهمس بألم(:
"أنا... مش قادر... السحر بيرجع تاني..بيحوم حواليا زي التعبان اللي بيحوم حوالين الفريسة بتاعته ومش
هيطلع منها غير وهو جايب دمها..."
صوت في داخله، خبيث ومظلم، يهمس كأنما من بُعد بعيد:
ووسط الألم، والدموع، والصراع بين الروح والجسد... انطلقت من فمه آية لم يخطط لها، خرجت من عمق
قلبه:
اهتز قلبه. صدقها. شعر باليد الخفية التي تنتشله من الهاوية.
نيارا )بصوت يرتجف، لكنها تقترب رغم الخوف(:
"ادعي ربنا... قول يافارس... قول : حسبي الله ونعم الوكيل..."
قصي )يبكي كطفل، يردد بعزم(:
"حسبي الله ونعم الوكيل... حسبي الله ونعم الوكيل..."
توهج نور خافت في صدره، كأن الكلمات تضيء عتمة عمرها سنين .
الظلال بدأت تذوب، الوشم يتشقق، الدخان يهرب .
قصي )يردد بصوت أعلى، كأن روحًا تسكنه(:
الهمسات سكتت. الصراخ الداخلي انتهى. كأن السماء نفسها أعلنت انتصا ر النوى على الظلمة.
نيارا )تصرخ بدموع(:
"أنا قولتلك! ربنا كبير... السحر مهما كان قوي، مايغلبش كلمة من كلام ربنا...! اذكره بس، وهو هيكفيك! "
انها ر قصي على الأرض، مرتعش الجسد، لكنه مطمئن القلب.
رفع عينيه للسماء وهمس كأنما يُسل م نفسه للقدر:
فجأة... اختفى الوشم.
تلاشى كأنه لم يكن، وكأن شيئًا ما نُزع من صدره انتزاعًا.
وسكون غريب حل بالمكان، فقط أنفاسه المتقطعة وارتجاف جسده المحموم كانا يملآن الفراغ.
دخلت نيارا في اللحظة ذاتها، عيناها تائهتان تبحثان عنه، حتى رأته ساقطًا على الأرض، وجهه غارق في
العرق والدموع.
اقتربت منه ببطء، وجلست بجواره، م دت يدها ولمست وجهه المرتعش بلطف:
نيارا )بهمس(:
"فارس
رفع رأسه نحوها كأنما عاد من بُعد سحيق، ثم…
دون إنذار، اندفع نحوها، واحتضنها بقوة، وبكى… بكى كما لم يبكي من قبل، كأن كل الألم الذي اختزنه قلبه
انفجر في تلك اللحظة.
قصي )يبكي بحرقة(:
"كنت هموت… كنت رايح ومش عارف هرجع ولا لا؟… كنت حاسس إني ضايع يا نيارا، كنت لوحدي.
اوي.."
لم تقوَ على التماسك… احتضنته، وبكت معه، دموعها اختلطت بدموعه، كأن قلبيهما التقيا على حافة الوجع.
نيارا )تبكي(:
"أنا كنت بدعيلك كل لحظة… كنت واثقة إنك هترجع، ربنا عمره ما بيخذل اللي بيلجأ له..."
شدها إلى حضنه أكثر، كأنما يخشى أن تضيع منه مجددًا، همس بصوت مكسو ر:
قصي )بهمس(:
" حقك عليا.."
وفجأة… شيء ما تحرك في أرجاء الغرفة . صرير خافت. أنفاس باردة تمر على جلدهما.
لم ينته كل شيء بعد
....
فتح عينه
رأى نفسه يحتضن ليان وهي تصرخ، تتلوى بين ذراعيه، تقاوم شيئًا لا يُرى.
ثم فجأة… فتحت عينيها وات سعت حدقتاها برعب، قبل أن ترتمي داخل حضنه بقوة.
قصي )بقلق وهو يض مها( :
"نفس الحلم؟"
ليان )ته ز رأسها وهي تلهث(:
"أيوة… هو هو… نفس الإحساس… نفس الظلمة اللي بتشدني!"
سكت لحظة، ثم حاول أن يخف ف عنها بتغيير الأجواء، فابتسم رغم اضطرابه:
قصي:
"طب... تحبي نقوم نخرج شوية
ليان )تنظر إليه بتركيز، صوتها مليء بالشك والحنين(:
"انت كنت فين؟"
قصي )يربت على شعرها وهو يبتسم(:
"معاكي يا حبيبتي... نايم جمبك طول الوقت، مقدرش أبعد عنك."
وقبل أن ترد، جاء صوت طرق خفيف على الباب .
ليان )تلتفت نحو الباب وتهمس(:
"مين اللي بيخبط؟"
قصي )ينهض بهدوء( :
"هقوم أشوف."
أشارت برأسها بالموافقة، وبقيت مكانها تنظر خلفه بقلق.
فتح الباب، فوجد عبدالرحمن واقفًا، ملامحه جادة،
عبدالرحمن:
"السلام عليكم."
قصي:
"وعليكم السلام... خير؟"
عبدالرحمن )يدخل بخطوات سريعة(:
"ممكن أدخل؟ عندي ليك أخبار... مهمة جدًا ."
قصي )يرفع حاجبه(:
"بخصوص مين؟"
عبدالرحمن )ينظر إليه بثبات(:
"فارس ونيارا... مثلًا ."
....
كان الجو ساكنًا في الردهة، خطوات ليان الهادئة تقطع الصمت وهي تقترب من عبدالرحمن بكوب الشاي.
ليان )بابتسامة خفيفة(:
"اتفضل،."
مد يده ليأخذ الكوب، ثم نظ ر إليها بنظرة غريبة، ابتسامة باهتة على طرف شفتيه، ونبرة صوته منخفضة... لكن
غريبة، كأنها تحمل شيئًا أكثر من مجرد شكر.
عبدالرحمن )بهدوء مُريب(:
"شكر اً... يا نيارا."
في لحظة، تغير كل شيء.
ارتعشت يد ليان، وسقط الكوب من قبضتها، تحطم على الأرض بصو ت حاد تناثر الزجاج تحت قدميها.
عبدالرحمن )يحاول التظاهر بالهدوء(:
"حصل خير..."
قصي )قفز واقفًا، عيناه على يد ليان(:
"حاسبي! هتعوري إيدك!"
لكنها لم تُفلت بالكامل... شظية رفيعة شقت كف ها.
أمسك قصي يدها بسرعة، تفحصها القلق يتصاعد في عينيه.
قصي )بقلق شديد(:
"تعالي معايا أغيرلك ع الجرح... بينزف."
ليان )تشد يدها بلطف، نظرتها معلقة بعبدالرحمن(:
"لأ... خليك معاه، أنا هتصرف."
قصي )بتوتر(:
"بس يا ليان..."
ليان )تبتسم ابتسامة باهتة، لكنها تحمل غصة(:
"قصي، خلاص... أنا رايحة ."
استدارت بسرعة، تخفي ارتباكها وألمها، ليس من الجرح فقط... بل من الاسم اللي خرج من فم عبدالرحمن،
وكأنها لم تعد هي في عينيه، أو كأ ن هناك سرًا دُفن للتو بين أنقاض كوب مكسور
.....
ظل قصي يحدق في عبدالرحمن بعينين ضيقتين، وساقه تهتز بلا توقف، في حركة تعكس قلقه وتوتره. بدا وكأن
الشك ينهش عقله.
قال عبدالرحمن بصوت منخفض ونبرة هادئة:
"إجابتك هتاخدها."
تسلل الشك أكثر إلى صدر قصي، فحدث نفسه متجهم الوجه: شكله نصاب، وجاي على نية، وبيحاول يضحك
عليا.
لكن عبدالرحمن، دون أن يرمش، قال بجدية قاطعة وكأنه سمع ما دارفي ذهنه:
"أنا مش نصاب يا فارس ."
حدق فيه قصي بغضب، وانتصب في جلسته فجأة:
"نطقت اسمي غلط."
رد عبدالرحمن بثقة وثبات، وعيناه لا تفارقانه:
"استحالة أغلط في اسمك ابدا لأني عارف حياتك كلها."
قطب قصي حاجبيه، وانعقدت ملامحه بين الاستغراب والانزعاج:
"إيه الكلام الفارغ ده؟"
اقترب عبدالرحمن قليلًا، ونبرته أصبحت أكثر جدي ة:
"أنا هاجي دوغري معاك يا قصي. مقدرتش مجيش عندك عشان انهي كل اللي حصل،من أول ظهور ليان ليك،
و ترميمك للوحة، لحد نقاذك لنيارا من فارس... كله بيكمل بعضه صدقني واكيد عندك علم انه سبب تصرفاته
انه كان تحت تأثير سحر شديد مش كدا؟"
توسعت عينا قصي قليلًا، وبدا عليه الذهول، فتمتم:
"إنت عرفت ده كله منين؟"
أجاب عبدالرحمن بهدوء، وقد ظهرت في صوته نبرة صادقة وغريبة الطمأنينة:
"السؤال الأهم: أنا مين؟ وإي علاقتي باللي حصل ؟ بأختصار
أنا معالج روحاني، واتكلفت بالمهمة دي من خلال رؤى جاتلي، شفت فيها تناسخ حصل بين اتنين من زمن
بعيد.. وبينك انت وليان بمعني انه
روح فارس اتجسدت فيك، وروح نيارا في ليان."
عَقَدَ قصي حاجبيه، وانحنى قليلًا للأمام، كأنه يحاول استيعاب ما يسمعه:
"بس ليه إحنا؟
رفع عبدالرحمن يده بهدوء، كمن يُسكت العاصفة قبل أن تهب، ثم قال بنبرة دافئة:
"علشان إنتو امتداد الأرواح دي. الكارما اللي رجعت عشان تصصح اللي اتكسر.
إنت النفس الطيبة اللي كانت جوه فارس، وماتت لما بعد عن ربنا وظلم نفسه.
وليان هي الروح اللي كانت بتصرخ ومحدش سمعها.
إنتو اللي قررتوا تفتحوا الباب المسكوت عنه في زمنهم، وغيرتوا قدر الماضي بحبكم لبعض.
بس دلوقتي... في خطوة أخيرة لازم نعملها، وإ لا كل اللي عملتوه هيضيع وهتفضل روح نيارا وفارس متعلقة
ومش لاقية رايحة."
ارتسمت الحيرة والقلق على ملامح قصي، فتنفس ببطء وسأل بصوت خافت لكنه حاد:
"بس قبل ما أسمع منك أكتر. مين اللي عمل السحر لفارس؟ وليه؟"
تغي رت ملامح عبدالرحمن، وأصبح أكثر جدية وهو ير د :
"الإجابة دي مرتبطة بحاجة تانية... إزاي ليان بقت مراتك يا قصي؟ "
رمقه قصي بنظرة متحفظة، وقال بإصرا ر:
"طب جاوبني!"
أدار عبدالرحمن ظهره، وسار نحو الباب بخطى واثقة، ثم قال دون أن يلتفت:
"روح طمن ليان.. واجهزوا بسرعة . عندنا مشوا ر مهم."
وخرج، تاركًا قصي وسط زحام من الأسئلة والقلق والدهشة
...
في المقعد الخلفي، جلست ليان، تقبض على يد قصي بشدة. أناملها كانت باردة، مرتعشة، كأنها تلمس شيئًا لا
يُرى، وعيناها متسعتان تحدقان في النافذة، بينما شفتيها تتحركان بهمهمة خافتة، كأنها تهمس بدعا ء مكسور.
قصي – بصوت منخفض، يخفي ما به من توتر
"إحنا فين؟"
عبدالرحمن – من المقعد الأمامي، دون أن يلتفت، بنبرة هادئة لكن حاسمة:
"إحنا قربنا... المكان اسمه مقام الصمت السابع، اتنسى من زمان... بس لسه صاحي للي زيكم."
نظر قصي إلى ليان، ثم إلى الطريق أمامه، ثم عاد يشد على يدها برفق، كأنه يقول لها بصمته: أنا جنبك... ما
تخافيش.
قصي – بتحفز وهو يح دق في الظلام:
"دا مقام؟ أصله بصراحة اسمه يخوف... وبعدين، ما قلتلناش إزاي الجوازة دي تمت؟"
عبدالرحمن – وهو يثبت عينيه في الفراغ كأنه يرى ما لا يُرى:
"المقام دا مش مكان عادي... مابيدخلهوش أي حد، لازم يكون متحصن بآيات الله، أو يكون ليه حكاية ناقصة...
وعايزها تحيا من تاني.
اللي حصل من خمس سنين مش صدفة... اللحظة اللي تلاحمت فيها أرواحكم القديمة، بقيت جواكم وراحو
اتجوزو ع ايد ماذون اظن انكم فاكرينه محمود ! لو مكنتش الجوازة دي تمت مكنش هيحصل تهيأة نفسيه ليكم
ومكنتوش هتقدرو ع اللي شوفتو."
ابتلع قصي ريقه، وليان شدت جسدها نحوه أكثر.
عبدالرحمن – مستأنفًا، بصوت أكثر عمقًا:
"محمود كان صاحب فارس، بس قلبه اتلون بالغيرة. كان عارف إن فارس ببعشق الوشوم، فاستغل دا... دخله
سنتر وشوم، وحطله في صدره وشم معمول عليه طاقة سحر
اللي فارس ميعرفوش انه محمود لما اكتشف انه فارس قتل نيارا حس بالذنب وكوابيس مكنتش بتفارقه وبقا
حاسس انه بقا جواه لعنة كبيرة
ولما نيارا ماتت، وصرخت في حضن فارس وقالت: "يا ريتنا اتقابلنا في زمن تاني، يمكن كنا ننجى ..." ، الكلمة
دي بقت لعنة، تانية وخلقت كارما، ربطت مصير التلاتة مع بعض."
قصي شعر بجسده يقشعر، وليان شهقت بخفوت، والهواء داخل السيارة أصبح أثقل.
عبدالرحمن – وهو يخفض صوته كأنه يحكي سرًّا:
"محمود ندم... روحه في الزمن ده رجعت بذاكرة جديدة، عايز يكفر عن اللي عمله. علشان كده، ساعد
أرواحكم تتجسد في الحاضر، ويتتم الجوازة اللي كانت هتضيع .
وربنا يا قصي... خلاك تقول الآيات من غير ما تحس، لأنك بقيت صاحب الطاقة نفسها، لأن روح فارس
جواك... واللي كان لازم يتصلح، اتصلح بيكم."
سكت عبدالرحمن، وكأن الكلام أثقل من أن يُقال. لم يرد أحد. وحده صوت المحرك ظل يهمس في الصمت،
وتنهيدة ليان خرجت كأنها تبكي دون دموع.
عبدالرحمن – هامسًا :
"هناك... عند التلة، هتشوفوا كل حاجة... ذكرياتكم، حكايتكم، الأرواح اللي عايزة تتكلم من خلالكم.
بس خلوكم مستعدين ... ما فيش رسائل، مافيش خوف... في بس الحقيقة."
اقتربت السيارة من التلة. الظلام صا ر أثقل، والسكون أعمق، حتى بدا كأنهم لا يتحركون فوق طريق... بل
يسيرون داخل حلم .
...
وصلت السيارة إلى حافة التلة، حيث كان المعبد قائمًا وسط بركة مياه راكدة تكسوها زهو ر عائمة صفراء
داكنة. ارتفعت عن المعبد أعمدة حجرية متكسرة، محفورة عليها رموز غامضة تتشابك وكأنها تحكي قصة لا
تنتهي.
كان الجو باردًا، وكأن المكان نفسه محتفظ بهوا ء من عصور قديمة، فيه صدى أرواح رحلت وانتقلت إلى أجساد
أخرى. كان الضوء الخافت المنبعث من شموع معلقة على جدران المعبد يرقص على الأحجار كما لو كانت
تنبض بالحياة .
عند المدخل، وقفت الأعمدة بشكل يشبه دوائر مترابطة، رمزا للتناسخ والتواصل بين الأرواح، وكأن المعبد هو
جسد ضخم يحوي بداخله قصص ا متجددة تتكرر بلا نهاية.
ليان – تشد يد قصي بقوة، تحاول تخفي خوفها:
"تحس الروح هنا مش بتموت، بس بتتغير."
قصي – يحاول يثبتها، عيناه تلتقطان كل تفاصيل المكان بحذ ر:
" بيحكي حكاية أرواح بتتولد وتموت بس بتإن بوجع."
عبدالرحمن – ينظر إلى الرموز حوله، ثم يقول بهدوء:
"المعبد دا مكان عشان الأرواح تتلاقى، تموت، وتتولد من جديد... حلقات حياة متصلة. هنا بنقدر نلاقي
الجواب، لكن كمان لازم نكون اقويا عشان نقدر نواجه الحقيقة اللي بتتكرر من جيل لجيل ."
تسرب الصمت بين الأعمدة، وأخذت رياح خفيفة تهب حاملة معها همسا ت لم تُفهم بعد. بدأت أطياف ظل
تتحرك بين الأعمدة، كأنها أرواح تتهيأ للحضور في الجلسة القادمة
...
كانت أقدامهم تخطو بحذر فوق أرض المعبد القديم، حيث دائرة محفورة بعناية في وسط القاعة، تحمل نقوشًا
غامضة كأنها تحكي قصة د م عتيق.
وقف عبد الرحمن أمامهما، نظراته تغو ر في العمق، وصوته لا يقبل جدالًا :
"لازم دم منكم... انتو الاتنين."
ترددت ليان، نظرت إلى يديها المرتعشتين وهمست:
"هيفرق يعني؟ "
أجاب عبد الرحمن بنبرة حاسمة، تقطع الشك باليقين:
"طبعًا. الدم معناه ولادة جديدة ليكم... وراحة ليهم. لما الدم يدخل الدايرة، بيكون كأنكم بتقولوا: اتكلموا،
وارتاحوا. احنا عدينا كل اختباراتكم."
نظرقصي إلى ليان، ثم أمسك يدها بحنو:
"يلا يا ليان... ما فيش غير كدا."
تناولت ليان شفرة صغيرة من يد عبد الرحمن، وخدشت إصبعها بخفة. تدفق الدم على الحجر البارد، تبعه قصي
بنفس الطقس. وبرودة غريبة سرت في أطرافهما، كأن المعبد تنفس من جديد.
جلسا حول الدائرة في
فجأة، صوت الزجاج يتناثر، مرايا تتكسر في الخفاء، كأن الماضي قر ر أن يتكلم.
وفجأة... تغير صوت ليان. لم تعد ليان، بل نيارا. وصوت قصي تحول إلى فارس.
تلاحمت الأرواح، ذابت الجسدان في روح واحدة، الأنفاس تناغمت، والنظرات تحولت إلى نوافذ زمن اخر
فارس – بنبرة شوق حارق:
"وحشتيني..."
احتضنها، والدموع تسيل كأنها تطفئ نارًا قديمة.
فارس –
"بجد، بالله عليكي... أوعي أشوف دموعك دي تاني، أوعي يا نيارا."
مدت نيارا يدها، لمست وجنتيه، وكان الحنين يسكن أطراف أصابعها.
فارس – بصوت مضطرب، يبحث عن إجابة:
"هتختاريني؟"
نيارا – بثبات قلب أحب من قبل وض ل طريقه:
"هختارك، يا فارس."
فارس – بصوت يفضح ضعفه:
"عشان صعبان عليكي، صح؟"
نيارا – بصدق نابع من روح ذاقت الغياب:
"لأ... عشان قلبي عمره ما دق غير ليك. عشان كنت دايمًا مؤمن إن جواك روح نضيفة... بس كنت محتاج
تحس إنك ممكن تخسرني."
تقدم عبد الرحمن، وضع كفه على كتفيهما، بنظرات يملؤها الوقار، ثم قال بصوت كأنما يهمس في قلب الزمن :
"قررتوا؟"
فارس – بثبات:
"القرا ر ليها."
نيارا – بوضوح لا يعرف التراجع:
"هرجعلك... عشان بحبك."
......
"عودة الأصل"
كانت آخر لمسة في المعبد مثل همسة وداع.
قصي نظر في عيون ليان، لكن مكانها كأن ينظر إلي نيارا.
وجهه فارس، ونبضه كأنه بيعزف لحن قديم منسي.
في هذه اللحظه الأرواح تركت أجسادها،
وحان موعد الرجوع لأصلها،
وانقسمت الحقيقة
....
1960
"الغفران الأخير"
شهق "فارس" بعنف.
دموعه انفجرت دون إذن، صرخة مكتومة حبست في صدره، وجسده يرتعش بشراسة.
عيناه تنقلتا بذعر، يبحث عن شيء... عن نفسه!
قام يركض نحو المرآة،
شد قميصه بعنف، مزقه،
فلم يجد شيئًا...
لم يكن هناك وشم! لا علامة!
فانفجر بالبكاء، صوته علا، ارتجف في كيانه،
ثم فجأة، رآه...
رأى "قصي" يبتسم له من داخل المرآة.
اقترب فارس منها، مد يده يلمس صورته،
لكنها اختفت...
كأنها لم تكن!
رن الهاتف فجأة،
جري نحوه، أجاب وهو يلهث.
– فارس: ألو؟
– محمود )بخبث(: إييي يا عم، تعالَ بسرعة، جهزتلك كل حاجة .
لقيتلك مكان جامد موت، اتعذبت لحد ما جبته، بس هعملهولك بطريقة هتعجبك.
– فارس )ببرود غريب(: مش هعمله.
– محمود: إيه الهزا ر ده؟ أنا مزبط الدنيا، ودافع دم قلبي.
– فارس: طُز! مش فارق معايا.
بقولك مش هروح، واسمع مني... النهاية.
رقمي دا تنساه خالص، سامع؟ مش عايز أعرفك تاني.
– محمود: الله الله، هو حد دسلك على طرف؟
– فارس: انساني يا محمود، وصف ي قلبك من ناحيتي، وبلاش تأذي حد.
قرب من ربنا.
– محمود )ساخرًا(: إيه يابني؟ إنت جرالك إيه؟ بقيت إرهابي ولا إيه؟
– فارس: آه…
وكلمة كمان، وهجيلك اقتلك.
سامعني؟
ابعد عني.
ونصيحة أخيرة:
أي اتفاق حصل مني مع ولاد الحرام دول… اعتبره لاغي.
أنا مش هشرب،
ولا هتاجرف البراشيم دي تاني،
ولا هكون سبب ف موت حد.
وحاجة كمان…
إنت حلو لنفسك… وحش لنفسك.
أنا هغير الخط والعنوان،
وهسافر برةالبلد دي خالص…
وهبدأ حياة جديدة… وبشرف.
سلام.
أغلق الهاتف.
أخذ نفسًا عميقًا.
دار حول نفسه كأن روحه تبحث عن مأوى.
صور"قصي" و"ليان" تتقافز في ذهنه،
كأنها جزء منه… كأنه عاشها!
قلبه يدق بعنف.
عرق يتصبب.
قَبض على يده كأنه يمنع نفسه من الانهيار
ركض نحو مكان المخدرات.
فتح الدرج، أمسك كل شيء…
وأشعل النار
جلس يبكي أمامها، كأن كل سيئة تذوب مع اللهب.
دخل الحمام.
فتح الماء البارد،
رشه على وجهه بشراسة،
لكن الذكريات تأبى الرحيل.
توضأ .
رجلاه بالكاد تحملانه.
خرج للصالة… سقط أرضًا،
وسجد.
سجد لله،
يبكي…
وصدى بكائه كان كأنه يهز جدران البيت،
ويحرك الكون.
ثم فجأة…
سمع صوتًا مألوفًا،
يناديه بخوف… بحنان.
– نيارا )من بعيد(: فااااارس !
رفع عينيه،
ورآها…
نيارا، بكل ملامح الحب والخوف.
– فارس )بهمس خافت، من قلبه(: نيارا...
....
ركضت "نيارا" إليه بخوف،
وجلست على الأرض بجواره،
وضمت وجهه بين كف يها برفق،
ثم أمالت رأسها حتى لامست جبهته…
كأن ها تحاول تهدئة العاصفة التي هبت بداخله.
نيارا )بهمس دامع(:
– كل وجع شوفناه، أرواحنا…
الجزء الصافي اللي جوانا… هو اللي مسحه .
رفع "فارس" عينيه إليها، وكأن ه طفل ضائع وجد حضنه الدافئ أخيرًا،
وصوته خرج ضعيفًا، مُحملًا بالخذلان والحنين:
فارس:
– رجعتي ليه؟
ابتسمت "نيارا"، ابتسامة كلها يقين،
ونظرت له نظرة حُب لا يتخللها تر دد:
نيارا:
– أنا كنت جمبك يا فارس…
مفيش حاجة اسمها "رجعت ليه"،
دا قد ر ربنا،
وأرواحنا… أرواحنا متعلقة ببعض،
ومتقدرش تعيش من غير بعض.
هز رأسه، وعيونه شاخصة كمن رأى معجزة،
وهمس بصوت يكاد يُسمع:
فارس:
– قصي يا نيارا…
قصي هو اللي نجاني…
تصوري ؟
لكنها لم ترد،
بل وضعت إصبعها على شفتيه برقة:
نيارا:
– هشش…
حبهم سكن جوانا،
وهم السبب إننا لسه عايشين،
وإننا دلوقتي مع بعض …
هما اللي إدونا الإشارة إننا نبدأ من جديد.
أرواحنا كانت بتنده،
وآن الأوان إننا نفهم الدرس.
انحنى "فارس" وقب ل جبينها بحنان:
فارس:
– بعشقك يا نيارا…
بحبك أوي …
أوعي تبعدي عني تاني،
أرجوكي.
نظرت إليه بنظرة مملوءة بعزم ناعم:
نيارا:
– بس ليا عندك طلب.
ابتسم بشغف وكأنه طفل أمام أمنية:
فارس:
– خدي عيني.
تنهدت وقالت:
نيارا:
– نروح نعمل عمرة،
نغسل روحنا من كل اللي حصل ده…
ونبدأ من هناك.
نظر إليها بامتنان،
وقب ل جبينها مرة أخرى… بحب خالص:
فارس:
– حاضر يا نيارا.
...
سافر "فارس" و"نيارا" بعد أيام،
أحسا أ ن قلبيهما لم يعودا يحتملان أكثر،
وأن التطهير الحقيقي لا يكون إلا هناك…
حيث تنسكب الدموع دون خجل،
وحيث تذوب الذنوب في الطواف،
وتنبت الأرواح من جديد.
وقفا أمام الكعبة،
قلوبهما ترتعش،
وأعينهما تمتلئ بالدموع ،
وكأنهما شاهدا النو ر لأول مرة في حياتهما.
نيارا )بصوت مرتجف وهي تهمس له(:
– شوفت؟
شوفت الجمال؟
دا إحنا ولا حاجة جنب الرحمة دي…
كل حاجة كنت شايلها جوايا… سبتها هنا خلاص
فارس )صوته مبحوح ودموعه تلمع(:
– وأنا كمان،
أنا كأني بقيت بني آدم تاني…
كأني إتولدت من جديد،
بس المرة دي، في حضنك، وإيدي في إيدك.
مد يده لها،
فأمسكت بها بقوة كأنها لا تريد أن تتركه أبدًا،
ومع كل خطوة في الطواف،
كانت دموعهما تنزل بصمت…
لا بكاء على ما مضى،
بل شكر على النجاة،
وشوق لبداية بيضاء ،
بلا قيد، بلا ظلمة، بلا ألم.
نيارا )وهي تضع رأسها على كتفه بعد الانتهاء من الطواف(:
– قصي وليان روحنا الغايبة وهما السبب ف البداية دي
فارس )ابتسم وض مها(:
– وإحنا هنعيش…
لأجلهم…
ولأجلنا…
ولأجل ربنا اللي من علينا بفرصة تانية.
سكتا…
ورفعا أيديهما للدعاء،
وفي تلك اللحظة…
لم يكن هناك غير صوت الأذان،
ودقات قلوب تطهرت،
وأرواح عادت…
للنور.
...
بعد أسابيع من العودة،
جلس "فارس" على شرفة المنزل،
صوت العصافير، نسيم المغرب، و"نيارا" بتعد له الشاي.
دخلت وهي شايلة الكوبين،
جلست جنبه،
وبصوا مع بعض للغروب.
فارس )بصوت هادئ(:
– تعرفي؟ ساعات بحس إني لما ببص ف المراية…
بشوف حد تاني كأنه قصي بيقولي انا جمبك
نيارا )ابتسمت بنعومة(:
– وأنا ساعات وأنا نايمة…
بحس بإيد حد بتطبطب عليا…
صوت بيهمسلي: "خلي بالك من فارس…".
سكتوا لحظة…
وبعدها، فجأة…
هب هوا دافية لفت المكان،
وضي الشمس وقع على وش "نيارا" بشكل غريب…
عين "فارس" دمعت، ووشه اتبدل كأنه شاف حاجة.
فارس )بصوت مبحوح(:
– أنا شفتها… ليان.
نيارا )شهقت(:
– وأنا… شفت قصي.
ضربت ريحة ياسمين قوية ف المكان
الريحة كانت هناك…
دافية، مألوفة، مط منة.
فارس )بهمس(:
– هما مختفوش
هما جوانا.
حبهم هو اللي رجعنا لطريقنا،
هو اللي خلانا نعيش.
نيارا )بدموع(:
– هما علمونا يعني إيه نحب… من غير أذى…
من غير خوف…
هما كانوا الألم…
بس كانوا الدرس كمان.
في اللحظة دي،
رفرف ورق شجرة من بعيد،
واتشكل في الهوا كأنه كلمة…
"غفران".
ابتسم "فارس" ومسك إيد "نيارا" بقوة،
وبصوا للسماء.
فارس:
– قصي… ليان…
لو بتسمعونا …
احنا عايشين بيكم،
ومش ناسيينكم.
سكتت الدنيا لحظة،
وكأنها بترد:
"ولا إحنا…"
ثم اختفى النسيم.
واكتفى القلب بالسكينة .
...
واخيرا
لم تكن تلك الأرواح لتغادر حقًا…
بل كانت تنتظر جسدًا آخر، قلبًا أوسع، زمنًا أنقى.
قصي لم يذهب بعيدًا…
كان يسكن ملامح فارس، في نبرته حين يرتجف من الندم،
في عينه حين يبكي حبًا لا يُنسى،
في لحظاته حين يختار الخير على الضياع،
هناك… عاش قصي.
وليان؟
هي النبض الذي هز قلب نيارا،
هي الحنان الذي يسكن صوتها،
وكل دمعة سالت من عينيها دون أن تفهم لماذا…
كانت روح ليان تهمس: "أنا هنا… أحيا فيك ".
لم يكن اللقاء صدفة…
بل إرادة عليا جمعت الأجساد لتكمل ما عجزت عنه الأرواح.
كان لابد للحب أن ينتصر،
وللظلمة أن تُهزم،
وللرحمة أن تغمر ما أفسده في الوجع.
لم يكن فارس ونيارا فقط…
كانوا قصي، وليان، ونور العدالة، وطُهر البداية الجديدة.
كانوا رسالة خالدة…
أن الأرواح الطيبة، لا تُدفن
بل تُورت
وتعود …
حين يكون الوقت… وقت خلاص.
يجب ان نعترف أن
لم يكن حبهم عاديًا…
كان ابتلاءً، ثم نجاة.
كان غفلةً، ثم صحوة.
كان ألمًا، ثم احتضانًا من نور.
في قربهم، تطهرت أرواحهم من شوائب الدنيا،
وفي غفرانهم، انكسرت أغلال الماضي،
وفي صدق التوبة، أُغلقت أبواب الجحيم وفتحت نوافذ الرحمة.
ما حدث لم يكن صدفة…
كانت يد القدرتعيد ترتيب الأرواح،
كانت العدالة السماوية تُعيد لكل قلب نصيبه،
ولكل نفس خلاصها.
قصي وليان لم يرحلوا…
هم هناك، في كل نبضة خاشعة،
في كل عين بكَت ثم ابتسمت،
وفي كل روح عرفت الله، فعرفت الطمأنينة.
الحكاية ما كانت عن عاشقَين فقط،
كانت عن الإنسان حين يسقط… ثم يُؤخذ بلطف للضوء،
عن أن النهايات ليست موتًا دائمًا… بل أحيانًا،
بعث جديد.