في جانب آخر، و خلف الزجاج الكاشف للحديقة كان يقف و يكاد يقسم من يراه أن هنالك أدخنة تتصاعد من أذنيه، عيناه حمرواتان بقسوة، و شفتيه غُرست بأسنانه تطلب منه الرحمة، و كفه قابض على كوب من المياه، و بقوة ألقى الكوب الزجاجي على الأرض، كاد أن يصدق .. يصدق براءة وجهها و عيناها، و لكن لم يكن يعلم أن هنالك قناع تختفي خلفه ليست سوى عاهـ .رة!
نعم .. قربهما هذا لا يدُل إلا على أن هنالك أكثر من هذا يحدث بينهما .. يكاد يقسم أن الدم يغلي بعروقه، ضـ .ـرب على سطح مكتبه بكفيه مرة تلي الأخرى يسُبها في نفسه، يريد أن يفصل رأسها عن جسدها علُه يهدأ .. جلس على مكتبه تطوف في ذاكرته ذكرياتهما سوى عندما كانت أصغر بكثير، يتذكر اليوم الذي كان على وشك السفر فيه، عندما كانت لا زالت في الثانية عشر من عمرها، و كان هو في الخامس و العشرون، كانت تعانقه و هي تبكي، تشدد على أحضانه
و تتسود صدره تقول برجاء: –أبيه ريان .. متسبنيش غشان خاطري يا أبيه .. طب خدني معاك و أنا مش هدايقك والله هتف ريان بحنان يربت على ظهرها: –يا قلب أبيه ريان مش هينفع .. مدرستك و حياتك كلها هنا نفت برأسها تقول و هي تخرج من أحضانه و تنظر له: –لاء لاء .. إنت حياتي أنا عايزة أفضل عايشة معاك يا أبيه! إبتسم على براءتها و حاوط وجنتيها يزيل دمعاتها:
–و إنتِ قلبي .. بس لو عايزة فعلًا تفرّحيني تركزي في مُذاكرتك .. عايز أشوفك أشطر بنوتة في الدنيا إتفقنا يا حبيبتي؟ اومأت له مسرعة ببراءة، لتعود و تدفـ .ـن نفسها بأحضانه و تبكي و يربت هو على ظهرها و خصلاتها، تتمسك بقميصه و تقول ببراءة: –متتأخرش يا أبيه ..
نظر لهم من حولهم في مزيج من الدهشة و الحزن، فـ دليلة و عصام يطالعونهما بحزن على مغادرة إبنهما و على تلك اليتيمة التي قد تعلقت به بشكلٍ كبير، و دهشة من جانب سيف و إسراء التي كانت تماثل عمرها .. بينما الحقد كله يأتي من سُهير التي همست لـ دليلة: –البنت جريئة اوي يا دليلة .. مش كبرت على الأحضان دي؟ قالت دليلة بدهشة: –إيه يا سُهير التفكير ده .. ليل لسه صغيرة و بريئة و إنتِ عارفة متعلقة بـ ريان أد إيه!
صمتت سُهير تمصمص شفتيها بـ إستنكار، بينما إقـ .ـتلعت ليل ذاتها من أحضانه و وقف على جنب تراهم يودعوه، ألقى عليها نظرة أخيرة يشاور لها فـ إزداد بكاءها و هي تشير له
إستفاق من شروده يفرك جانبي رأسه بتعبٍ و صداع يفتك بهما .. تلك ليست صغيرته البريىة التي كانت لا تطمئن سوى بأحضانه. ها هي بين أحضان سيف دون ذرة خجل .. ناهيك عن تلك الصور التي كانت تؤخذ لهما و تُرسل له من قِبل إسراء التي لم تكن راضية عن علاقتهما و هذا ما كانت توضحه برسالاتها، و رغم قربهما إلا أنه ظن أن الأمر عاديًا أو إسراء هي التي تضخم من الوضع لأنه يعلم جيدًا الغيرة التي تكنها لـ ليل
لكنه لم يكن يتخيل أنه سيأتي و يرى تلك المشاهد المثيرة للإشمئزاز أمامه، غلى الدم في عروقه و نهض يطوي الأرض أسفله قاصدًا غرفتها، قابل والدته في منتصف الطريق تقول بحنان: –رايح فين يا حبيبي .. هتنام؟ قال و هو يحاول أن يُسكن نبضات قلبه العالية: –هجيب شوية ورق من أوضتي يا أمي و هنزل أكمل شغلي .. و شوية و هنام! مسحت على وجنته تقول برقة: –طيب يا حبيبي .. تصبح على خير أمسك بـ كفها يقبله و هو يقول بإبتسامة:
–و إنتِ الخير كلُه يا ست الكل تركته و عادت لجناحها مع زوجها، و أكمل هو صعوده لغرفتها و هو ينتوي الكثير كانت قد صعدت ليل من جلستها مع سيف، ترتدي قميص للنوم بلون الورد الروزي .. بنصف أكمام و يصل لربكتيها و مفتوح الصدر قليلًا من خامة الليكرا، و تصفف خصلاتها و تهتم ببشرتها قبل أن تدلف للفراش علها تُلهي عقلها عنه
لكن جسدها بأكمله قفز بفزع عندما فُتح الباب، إلتفتت منتوية أن تصب كامل غضبها على من فعل لكن جحظت بعيناها و تجمعت حبات العرق على جبينها عندما وجدته هو، لتتراجع تجذب ما ترتدي لأسفل لعله يخفي قدميها: –أبيه ريان! في .. في حاجة؟
لف ريان و أغلق الباب خلفه فـ توترت أكثر، لاسيما تلك النظرات التي لم ترحمها .. كان ينظر لها بمزيج من الإشتياق و الغضب معًا .. مزيج مُهلك، ها هي صغيرتُه قد كبرت و باتت أنثى مكتملة الأنوثة، و بذات الوقت غاصب منها إلى حدٍ فاق توقعاته هو، لا يعلم كيف غلب غضبه و إقترب منها يشير لها بسبابته: –القذارة اللي كانت بتحصل في غيابي دي مش هقبل بيها في وجودي أبدًا يا ليل!! قطبت حاجبيها و ثُلج جسدها تقول بأعين مصدومة: –قذارة؟
مش فاهمة؟ إمتدت يداه لتقبـ .ـض على ذراعيها العاريان يقول بحدة: –أنــا مِـش عايز إستعباط فـاهـمـة!! تابع و هي تنكمش بخوف منه لأول مرة: –المسخرة اللي دايرة بينك و بين سيف دي متنفعش .. لو هتمـ .ـوتي عليه و عايزة تتجوزيه أوي كدا قوليلي!! هتف جملته الأخيرة بكل غضب .. صمتت و لازالت الصدمة متملكة منها، ليتابع بكلمات أشد قسوة كالسوط:
–على الأقل يا شيخة إعملي حساب اللي ربوكي و إعتبروكِ بنتهم و متمرمغيش سمعتهم و شرفهم في الأرض! كتمت شهقتها في جوفها، و إتملئت عيناها بالدموع و هي تقسم أن ليس هناك ذرة واحدة من الدماء في جسدها، لم تجد ما تقول .. نست الحروف و نست كيف تتحدث، فقط تنظر له بأعين دامعة و ذاهلة نفضها من ذراعيه فـ تراجعت للخلف خطوات .. و غادر كما أتى مُسرعًا و دون مقدمات، جلست هي أرضًا تحاول السيطرة على رجفة جسدها لا تردد سوى:
–أنا عملت إيه .. معملتش .. حاجة .. والله! نشيج من البكاء جعلها تستلقى على الأرض و تضم قدميها لصدرها كالجنين تبكي بحُرقة لا مثيل لها ******* اليوم الموالي، جلسوا على سفرة الإفطار، الجميع حاضر عدا هي، فـ قالت دليلة بقلق لـ إحدى الخادمات: –سالي إطلعي نادي ليل هانم .. شوفيها منزلتش ليه لحد دلوقتي! شرد قليلًا قبل أن يكمل أكلُه، قطب حاجبيه عندما قالت سالي بهدوء:
–مرضيتش خالص يا هانم .. حتى قولتلها أطلعلها الفطار فوق بس بردو مرضيتش! قطبت دليلة حاجبيها بقلق، فـ قال سيف و هو ينهض: –هطلع أنا أناديها يا عمتو! أومأت له دليلة فـ طرق الأخير بـ ملعقته على السفرة يقول و قد إنفجر غضبًا: –أقعد يا سيف!! تطلع أوضتها إزاي يعني إفرض لابسة خفيف ولا مش لابسة خالص .. أقعد و اللي مش عايز ياكل عنُه م طفح!! جلس سيف مدهوشًا من طريقته، لتقول دليلة بإستغراب؛
–إيه يا ريان مالك يا حبيبي إهدى .. خلاص هطلع أنا! –يا أمي لو سمحتِ أقعدي .. مدام مش عايزة تنزل هي حُرة مش هنتـ .ـحايل عليها ..أقعدي كملي أكلك بدل م أقسم بالله هقوم أروح شغلي! أسرعت دليلة تجلس لا تجد سببًا لذلك الغصب لكن قالت: –خلاص يا ريان قعدت طالعه عاصم للحظات و صمت، بينما شمتت إسراء بما يحدث تنظر لأمها بنظرات ذات مغزى فـ بادلتها سهير نظرات خبيثة
أكل الجميع و غادر ريان .. فـ صعدت دليلة لها بالطعام لكنها كانت متكورة غلى الفراش رافضة أي شيء، و ظاهر على جفونها المتورمة أنها قضت ليلتها تبكي، وضعت الصينية على الطاولة و ركضت لها تبعد عنها الغطاء و تمسمح على شعرها تقول بلهفة: –يا حبيبتي يا بنتي .. مالك في إيه، بتعيطي ليه! نظرت لها ليل و أجهشت في البكاء بأحضانها تقول: –هو أنا وحشة يا ماما دليلة؟ زعلتكوا في حاجة قبل كدا؟ قالت دليلة بدهشة:
–يتطقع لسانه اللي يقول كدا ده أنا إنتِ أحلى و أجمل و أرق بنت في الدنيا! إيه يا حبيبتي مين قال كدا؟ نفت براسها تقول بألم: –مافيش يا ماما أنا كنت بفكر كدا مع نفسي تنهدت دليلة بحزن تقول بحنو: –طب يا حبيبتي يلا قومي كُلي و بعدين هاخدك و ننزل أجيبلك لبس و اللي نفسك فيه! نفت برأسها تقول برجاءٍ: –لاء يا ماما ممكن معلش تسبيني بس لوحدي النهاردة .. و الله م قادرة أعمل حاجة قال دليلة بضيق:
–مستحيل أسيبك كدا .. قومي طيب كُلي لقمة! نفت برأسها تقول: –لاء يا ماما والله م قادرة والله خاسة إني لو كلت حاجة هجيب كل اللي في بطني! –لا إله إلا الله .. طيب يا حبيبتي هسيب الصينيية عندك و لما تجوعي كلي أومأت لها ليل، فـ خرجت دليلة تضـ .ـرب كف على آخر و تقول: –لا حول ولا قوة إلا بالله ********
ظلت على وضعها، رافضة الأكل و والشرب ليوم كامل .. و كلما تصعد لها دليلة ترى الطعام كما هو .. حتى عندما أتى ميعاد الغداء و إلتفوا جميعًا حول الطاولة كانت هي الوحيدة التي لم تجلس، لم ينكر قلقه عليها، و سؤاله الضمني عنها فـ قالت دليلة بحسرة: –مكلتش حاجة من الصبح يا ريان .. إبقى إطلع شوفها يابني يمكن ترضى معاك!
أومأ لها و في دوخله لن يصعد لها أبدًا، هو لا يريد رؤيتها و لا يريد التعامل معها بعد آخر موقف جمعهما، لم يأكل هو الآخر و عاد لعمله مقررًا على عدم العودة سوى بعد منتصف الليل، و بالفعل أنهى كشفه مع النساء اللواتي حضرن ليكشفن، و عاد مُرهقًا فـ وجد القصر دامس الظلام عدا نور خافت يأتي من المطبخ، ذهب ناحيته و كما توقع وجدها تقف أمام الثلاجة و تشرب، كانت ترتدي منامية حريرية محتشمة و تلملم خصلاتها للخلف، لم تنتبه له و جلست على الطاولة تستند برأسها فوق ذراعيها عليها، لا يعلم لما نغزُه قلبه و أشفق عليها، إقترب منها و قال بهدوء و هو يشرب
و كأنه أتى فقط لذلك الغرض: –إيه اللي مقعدك هنا دلوقتي؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!