تحميل رواية «حكاية شيماء» PDF
بقلم Lehcen Tetouani
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
كان ملك أحد القبائل وابنه ذات يوم في ركب كبير لزيارة أخته التي تزوجت وذهبت للسكن مع زوجها في بلاد بعيدة. قطعوا الفيافي والوديان، ولما اقتربوا من بلدتهم في الطريق، رأوا جارية صغيرة جالسة على حجر وهي تبكي وتنوح، وصوتها يُسمع من مسافة كبيرة. اقترب الركب منها. نزل الملك عن ظهر فرسه وسلم عليها وسألها: "ما الذي يبكيك يا جارية؟" فأجابته: "دعني في حالي أشكو همي لله، فلا يقدر العباد أن يفعلوا شيئًا." قال لها: "صدقت، لكن نحن قوم من العرب فينا المروءة والنجدة، ولا عاش من أنزل دمعة من عينيك. أخبرني عن حكايت...
رواية حكاية شيماء الفصل الأول 1 - بقلم Lehcen Tetouani
كان ملك أحد القبائل وابنه ذات يوم في ركب كبير لزيارة أخته التي تزوجت وذهبت للسكن مع زوجها في بلاد بعيدة. قطعوا الفيافي والوديان، ولما اقتربوا من بلدتهم في الطريق، رأوا جارية صغيرة جالسة على حجر وهي تبكي وتنوح، وصوتها يُسمع من مسافة كبيرة.
اقترب الركب منها. نزل الملك عن ظهر فرسه وسلم عليها وسألها:
"ما الذي يبكيك يا جارية؟"
فأجابته:
"دعني في حالي أشكو همي لله، فلا يقدر العباد أن يفعلوا شيئًا."
قال لها:
"صدقت، لكن نحن قوم من العرب فينا المروءة والنجدة، ولا عاش من أنزل دمعة من عينيك. أخبرني عن حكايتك، ولن تجدي منا إلا ما يسرك."
قالت:
"يا سيدي، لا أزال طفلة ولم أعرف من الحياة إلا القسوة، ومن زوجي إلا السوء والمذلة. هذا قدري ولا ينفع فيه إلا البكاء."
قال لها الملك:
"اعلمي يا جارية أن الله رحيم بعباده، وهو لا يغلق أمامك بابًا إلا ليفتح لك واحدًا أحسن منه. قولي لنا عن أهلك وسنحملك إليهم، أم تريدين أن نأتي بهم إليك؟"
أجابت:
"إني يتيمة ومقطوعة من الشجرة، ليس لي إلا وجه الله، وهو فقط من يعلم بحالي."
ربّت الملك على كتفها وقال لها:
"اعتبريني من اليوم أباك، وابني الذي يقف هناك أخاك. وهذا وعد أقطعه على نفسي. فرحك فرحنا، وحزنك حزننا. أبشري، فالله سمع شكواك وأرسلنا إليك في هذا اليوم."
سكتت البنت، ومسحت دموعها. فنادى الملك ابنه ليأتيها بطعام. فحلب ناقة وحمل لها لبنًا وصحفة تمر. وكانت جائعة فأكلت وشربت، ثم مسحت شفتيها.
قال لها الولد:
"هل تريدين مزيدًا من اللبن يا أختي؟"
فبكت من جديد وقالت:
"لم يناديني أحد بهذه الكلمة من قبل. لم أكن أعلم أنها جميلة لهذا الحد."
ثم انبسطت نفسها ورجعت لها روحها، فأصلحت الغطاء على رأسها. وبعدها قالت لهما:
"قصتي محزنة. فحينما كان رجل فقير مارًا بحماره في الطريق وجدني تحت شجرة وأنا لا أزال صغيرة، فأشفق علي وحملني إلى داره. وفرحت امرأته بي رغم كثرة أبنائها، وصارت تطعمني من حليب عنزة كانت عندها، فصح بدني بعد أن كدت أموت، وعاملتني كابنتها. وسمع الناس بحكايتي، لكن لم يأتِ أحد للبحث عني، فكبرت مع تلك العائلة الطيبة كواحدة منهم، وسموني شيماء، وكانوا يحبونني، ولما يشتري الرجل شيئًا لأبنائه يأتيني بمثله. ولما كنت ألعب في الزقاق مع البنات، كان المارّة يقفون وينظرون إلي بدهشة، فقد كنت بارعة الجمال رغم ثيابي القديمة وحذائي المثقوب."
"وفي يوم من الأيام أتت امرأة من نفس القبيلة وخطبتني لولدها، لكني رفضت، فقد كنت سعيدة رغم فقرنا، لكنهم أغروني باللباس والمجوهرات، وكنت صغيرة فصدقتهم. وأسكنوني معهم وأعطوني غرفة مفروشة بالزرابي. لكن ما إن مر الشهر الأول حتى بدأت أمه تطلب مني أن أخدمها، وكذلك إخوته. وكانت الدار كبيرة يلزمها كثير من الجهد، فتحملت كل ذلك على الأقل لي سقف يأويني ورجل يأتيني بقفة. ويا ليت كان ذلك فقط، فكل يوم أسمع الشتائم ويعايروني بأنه ليس لي أصل، ولا يخجلون من القول أنني ابنة حرام. وكان زوجي يدافع عني، لكنهم ألّبوه علي حتى صار يضربني بلا رحمة. وقالت له أخواته البنات: اضربها على وجهها لكي لا تفتخر أمامنا بجمالها. واحمد الله أنه لم يفعل، فما زالت عنده بقية من حب."
"وذات يوم كنت أمشط شعري في غرفتي، مرت إحدى أخواته، فدبت في قلبها الغيرة لشدة جمالي، فالتقطت حجرًا ورمتني به فأصاب المرآة التي انكسرت أمامي. فهربت من الدار وتركت كل شيء وجئت إلى المكان الذي وجدني فيه الرجل لأول مرة لما كنت صغيرة. وصار لي يومان هنا دون طعام ولا شراب، وأنا أبكي وأدعو الله ليفرج كربتي وأجد أبي وأمي اللذان أراهما كل يوم في أحلامي."
كان الملك وابنه يسمعان، وقد أخذهما التأثر لقصتها. وأتوها بقربة ماء، فمسحت وجهها وأزالت عن ثوبها الغبار. وقال لها الملك:
"سأنتقم لك من هذه المعاملة القاسية وأرجع لك حقك. الآن سترجعين إلى دار زوجك، وهذا ما دبرته: سنتظاهر أننا نبحث عنك، ولما نقترب من دارك ستخرجين إلى الزقاق وتصيحين بفرح: لقد جاء أبي وأخي! واتركي الباقي علينا."
فقالت:
"لا تقلق يا سيدي، سيكون كل شيء على ما يرام بإذن الله."
رواية حكاية شيماء الفصل الثاني 2 - بقلم Lehcen Tetouani
فرحت شيماء وزال ما بقلبها من غمّ، وجرت إلى دار زوجها والدنيا لا تسعها من السعادة.
فهي من الآن ليست وحيدة.
طرقت الباب، ولما فتحوا لها سألها زوجها بغضب:
"أين كنت؟"
أجابته:
"اسأل أولا أختك الكبيرة ماذا فعلت."
لكن الأخت تصنعت البراءة وردت:
"هي من دبر كل ذلك وكسرت المرآة وأتت بالحجر إلى الغرفة."
أمسك الرجل شيماء من شعرها ورفع يده ليضربها.
لكنها فتحت عينيها وقالت:
"أنصحك أن لا تفعل، فأهلي قادمون لرؤيتي وستندم إن لمستني."
تفت أخته:
"إنها تكذب، اضربها لتتعلم الأدب، ومازلنا لا نعرف أين ذهبت خلال اليومين الفائتين."
لكن ما هي لحظات حتى جاء رجل وقال لهم:
"يبدو أن هناك من يسأل عن شيماء، وهم ناس من الأكابر."
صرخت البنت في وجه زوجها:
"هل صدقت الآن؟"
ثم وقفت في الباب وبدأت تزغرد.
فأطل الجيران من النوافذ وفتحوا الأبواب.
ومن بعيد لاح ركب كبير يتقدمه رجل وابنه.
فجرت إليهم حافية القدمين وهي تصيح:
"مرحبا بأبي وأخي."
لما رآها الرجل نزل من جمله وحضنها بشوق.
وتعجب الناس وتسائلوا:
"منذ متى لشيماء أهل؟ وأين كانوا طوال هذه المدة؟"
ونظروا لأبيها وقومها، وعرفوا من لباسهم وخيولهم الأصيلة وسروجها المنقوشة أنهم من سادة قبائل العرب، والعز والثراء ظاهر على وجوههم.
أدخلتهم شيماء للدار التي امتلأت بالضيوف، وأعدت لهم الشاي وهي لا تتوقف عن الترحيب بهم.
كان زوجها وأخواته واقفين في ركن ينظرون وهم لا يصدقون ما يرونه.
من كان يظن أن تلك الفتاة هي إبنة ملوك؟
ثم اقترب منه وسلم عليه وعلى قومه، وهو خائف أن يكونوا قد علموا بما حصل لشيماء.
ثم جرى وذبح جديا وطلب من أخواته إعداد أقراص خبز الشعير والطعام.
لكن الملك ناداه وقال له:
"لم نأت للأكل ولا للضيافة، بل لنطلب منك أن تطلق شيماء وسنأخذها معنا معززة مكرمة. كفى حياة الذل والإهانة وما عانته المسكينة على يديك أنت وأخواتك. هل كنت تعتقد أنها بلا أهل؟"
"إعلم أننا فقدناها لما كانت صغيرة وبحثنا عنها حتى وجدناها في المكان الذي ضاعت فيه وكانت تبكي وتصيح. والله لن يمر يومك هذا على خير إذا منعتها من الذهاب معنا، ولن تر وجهها بعد الآن."
اصفر وجه الرجل وأخذ يترجى الملك أن يسامحه وقال له:
"أخواتي هن السبب، وأنا أعدك أن لا يتكرر ذلك."
أمسك الملك بلحيته وفكر قليلا ثم قال:
"سأتركها بشرط أن تكون لها دارها وأن لا تخدم أهلك، هل فهمت؟"
أجاب الرجل وهو يرتجف:
"نعم يا سيدي، سأخرج من الآن وأقوم بكراء لها دارا تليق بمقامها."
أخذ الملك من جيبه صرة دنانير وقال له:
"اشتر لها ما تشتهيه من اللباس والعطور، وويلك إن رجعت ووجدتها بذلك الثوب القديم."
أجاب الرجل:
"سأفعل كل ما تطلبه ولن تر مني إلا ما يسرّك. والآن سأدعو وجهاء قبيلتي ليتعرفوا عليكم ويعلم القاصي والداني أن لشيماء أهلا من كرام الناس."
وبعد قليل جاء الوجهاء وتكلموا مع الملك وأعجبتهم هيبته وعقله، وحضر الطعام وأكلوا معه.
وأصبحت شيماء تدور في البيت كالأميرة، لا يجرأ أحد أن يرفع عينيه فيها.
وزاد حقد الأخوات وأمهن عليها، لكنهن سكتن.
وقالت إحداهن:
"سترين ما سنفعله بعد أن يذهب القوم. سنغري بهم بعض جماعتنا لينهبوا جمالهم وثيابهم، وسيسخر منهم كل القبيلة لما يرونهم حفاة عراة."
فقالت أم الرجل لبناتها:
"لن يقوى جماعتنا على هؤلاء، لكن أنا أشك في أن يكون الملك أبوها، فهي فاتحة العينين وأخوها أيضا لا يشبهها. سأذهب لساحرة القرية وهي التي ستعطينا الخبر الصحيح لكي نفسدن زواجها لما يعلم ابني بكذبها وأنها إبنة حرام."
رواية حكاية شيماء الفصل الثالث 3 - بقلم Lehcen Tetouani
أصبحت شيماء تدور في البيت كالأميرة لا يجرؤ أحد أن يرفع عينيه فيها.
زاد حقد الأخوات وأمهن عليها، لكنهن سكتن.
وقالت إحداهن: سترين ما سنفعله. بعد أن يذهب القوم، سنغري بهم بعض صعاليكنا لينهبوا جمالهم وثيابهم، وسيسخر منهم كل القبيلة لما يروهم حفاة عراة.
بينما كان الوجهاء يتكلمون مع الملك وأعجبتهم هيبته وعقله.
حضر الطعام وأكلوا معا.
وبينما هم كذلك، جاء أحد الرعاة يجري وصاح: سمعت أن أعيان قبيلتنا مجتمعين هنا، فجئت لأخبركم بما حصل.
نظر إليه مختار سيد القبيلة وقال له: ألا ترى أنه عندنا ضيوف؟
أجاب الراعي: الأمر لا يحتمل الانتظار. لقد أغار علينا قطاع الطريق وأخذوا كل ما في المرعى من أغنام وإبل، ومات من مات وهرب من هرب من الرعاة.
جمع أعيان القبيلة ولم يتكلم منهم أحد.
أما مختار فضرب كفا بكف وقال: خليفتنا على الله.
قال له الملك: لماذا لا تخرج لهم في قومك وتسترد مالك؟
أجاب مختار: ياليت، فهؤلاء من الأعراب الذين لا شفقة لديهم ولا رحمة. وقد حاولنا محاربتهم، لكنهم في كل مرة يهزموننا ويعودون للانتقام.
صاح الملك في رجاله: خذوا سيوفكم واتبعوني.
كان قطاع الطرق يجمعون الماشية ويدفعونها أمامهم.
حين طلعت عليهم غبرة، قال زعيمهم: يبدو أن مختار وجماعته لم يستوعبوا الدرس. هذه المرة سنحرق قريتهم.
وسار في خيله لملاقاة الفرسان القادمين، لكن فوجئوا بقوتهم وشراستهم في القتال.
وما هي إلا دقائق حتى فروا وتركوا قتلاهم وجرحاهم، وأسروا زعيمهم.
رجعوا إلى القرية مع المواشي المنهوبة.
فعلت الزغاريد وقرعت الطبول ورقصت الفتيات.
زاد مقام شيماء في القبيلة، وأحس زوجها بالزهو لقوة أصهاره وشجاعتهم في الحرب.
قالت أم الرجل لبناتها: لن يقوى جماعتنا على هؤلاء. لكن أنا أشك في أن يكون الملك أبوها، فهي فاتحة العينين وأخوها أيضا لا يشبهها.
سأذهب لساحرة القرية، وهي التي ستعطينا الخبر الصحيح.
عندما ذهبت إليها، أمسكت الساحرة عظاما هزتها في يدها ثم رمتها وقالت: لا أرى شيئا، كأن هناك قوة تحمي هذه البنت. أنصحكم بتركها وشانها، فهذا السحر أقوى مني. هيا أخرجوا من عندي قبل أن تلحقني اللعنة.
فخرجوا خائفين معذورين.
نفذ زوج شيماء وعده وخرج من دار أبيه.
أجر له مختار سيد القبيلة أحد دياره الجميلة بثمن رخيص، وأعطاه الأعيان الأثاث والهدايا.
تحسنت حال الرجل وصار الجميع يتقرب منه ويسعى لصداقته، حتى من القبائل المجاورة.
ولما سمعت الأم وبناتها، لم يعدن يتحملن سعادة شيماء وبدأن في نشر الإشاعات حولها.
وبمرور الوقت تضخمت، وانزعج الرجل وهدد بقطع لسان كل من يذكر امرأته بالسوء.
لكن ذلك لم يزد إلا الأمر سوءا.
فجاء إلى شيماء يوما وقال لها: لا بد أن تحضري أباك ومعه أمك، لأنهم يقولون أنك شقراء ولا وجود لمثلك في بلادنا.
فأحست الفتاة بالحرج، فهي لا تعلم من أين جاء ذلك الرجل ولا أين تجده، ثم كيف تثبت أنها ابنته.
أخذ زوجها يلح عليها كل يوم وهي تتهرب منه، وزاد ذلك في شكه.
ولاحظت البنت ذلك فتألمت وصارت تحبس نفسها في غرفتها وتبكي حظها.
وفي أحد الليالي كانت تنظر من النافذة وترفع يديها للسماء.
فغلبها النوم ورأت في حلمها رجلا وامرأة وهي تناديهما.
كانت ترى هذا الحلم منذ أن كانت صغيرة.
لكن هذه المرة التفت إليها وعرفت الرجل على الفور، فهو الملك الذي جاء معها إلى القرية.
أما المرأة فكانت جميلة جدا ولونها شفاف.
ثم استيقظت شيماء وهي تتعجب.
لم تعرف إن كانت تحلم أم أن ذلك حقيقة، فقد كانت المرأة واضحة إلى درجة أنها كانت تحس بحرارة جسدها وهي تضمها إليها.
وفي الغد قررت أن تذهب إلى الساحرة لتسألها عن تلك المرأة البيضاء التي رأتها في حلمها.
لما دخلت عليها، أخفت الساحرة وجهها وقالت لها: يشع منك نور ملكات الجن، ولهذا السبب لم أتمكن من معرفة شيء حولك.
قالت الأم لبناتها: سأرسل أحدا وراء القوم ليجمع لي أخبارهم، وخصوصا سوف نعلم هل للملك ابنة.
فإن اتضح ذلك، فلا بد أن يطلق ابني شيماء ويطردها من القرية حافية القدمين كما جاءت، وسأزوجه أجمل البنات.
رواية حكاية شيماء الفصل الرابع 4 - بقلم Lehcen Tetouani
بعدما رحل الملك مع قومه، تسلل رجل وراءهم واقتفى خطاهم من بعيد.
ولما وصلوا إلى أرضهم بعد قضاء شؤونهم، ادعى ذلك الرجل أنه طبيب يعرف سر الأعشاب.
وبدأ يسأل كل شخص يداويه عن القبيلة وملكها وأحوالها.
ولم يطل الأمر حتى علم أن سيدهم ليس له بنات ولم يرزق إلا بولد واحد، رغم زواجه من ثلاث جواري.
وحين سأل عن بنت شقراء، قالوا له: لا علم لنا بها، وقد تكون هي وأمها من ركاب السفن الأوروبية التي يستولي عليها القراصنة في البحر.
اكتفى الرجل بما جمعه من معلومات ورجع.
ولما أخبر المرأة وبناتها بما سمعه، رموا له بصرة مال كبيرة.
ثم استدعت ابنه وحكى له الرجل ما رآه وسمعه.
فوجِم برهان زوج شيماء وسأله: هل أنت متأكد من كلامك؟
فأجابه: نعم، وسأحملك إلى تلك القبيلة، فأنا أعرف مكانها الآن.
بعد انصراف الرجل، قالت الأم لابنها: والآن بعدما اتضح كل شيء، لا بد أن تطلق شيماء وتطردها من القرية حافية القدمين كما جاءت، وسأزوجك أجمل البنات.
لكن الولد فكر قليلا ثم قال في نفسه: ذلك يعني نهاية المكانة التي وصلت إليها بفضل تلك البنت، ثم إني أحبها ولا يهمني من تكون.
ثم سأل أمه: بالله عليك أخبريني عن سبب حقدك عليها، فماذا فعلت لك ولأخواتي؟
صاحت الأم: يا لك من حقير! تتزوج من بنت لا نعرف أصلها، وفوق كل ذلك تبرع في الكذب! الله وحده! كم من مرة كذبت علينا!
رد الولد: أتركيني وشأني، هذا جوابي.
ثم انصرف، وقد لاح عليه الهم، لكنه كان متأكدا أن شيماء وراءها سر كبير ولا بد أن يعرفه.
ولما رآها قال لها: هل ذلك الرجل حقا أبوك؟
أجابت بثقة: نعم هو أبي، ولو واصلت الاستماع للإشاعات فسأنصرف ولن تراني أبدا، لا أنا ولا ابنك.
صاح الفتى من الدهشة: ابنك!
ردت: أبشر يا برهان، إني أنتظر مولودا، فلا تفسد علينا فرحتنا.
مشى إليها وضمها إلى صدره وقال لها: كل ما أعرفه أني أحبك، وهذا هو المهم.
وغدا سأخبر الشيخ مختار ليضع حدا لألسنة السوء.
لما سمعت أخواته خبر المولود، جن جنونهن وقلن: لا بد من التخلص من شيماء قبل أن تلد.
وعوضا أن تمنعهن أمهن، شجعتهن وقالت: سأرسل لها جرة من حليب الإبل وأعصر فيه نباتا ساما يقتلها لساعتها، أما نحن فسنكون في ذلك الوقت بعيدا عن القرية.
في الصباح، جاءت عجوز إلى دار شيماء بعد انصراف زوجها، وقدمت لها حليبا وفطيرا.
فجاء كلبها وأخذ يدور حولها بسرور، فصبت له حليبا في صحفته.
وما كادت تبتعد حتى تمدد على الأرض وبدأ يئن، ثم مات.
لم تفهم البنت ماذا يحدث، لكنها لما نظرت إلى الحليب، رمته على الأرض وصاحت: لقد حاولوا قتلي! لم يعد لي هنا مقام.
ثم أخذت قربة ماء ورغيفا وغادرت القرية دون أن تعرف أين تذهب.
ولما رجع زوجها، وجد الكلب ميتا والدار فارغة.
كاد يغمى عليه، ثم خرج يبحث عنها.
أما شيماء، فمشت طول النهار حتى تعبت وتورمت قدماها، فجلست تحت شجرة وهي تمسح عرقها.
ولما نظرت إلى القربة، وجدتها فارغة، ليس فيها قطرة ماء واحدة.
فقالت في نفسها: سأرتاح من هذه الحياة، فقد تخلى عني أبواي وأنا في أمس الحاجة إليهما.
لماذا فعلا ذلك؟
بدأت الشمس تغرب، فوضعت البنت رأسها على الأرض وأغمضت عينيها.
وفجأة سمعت صوتا رخيما يغني ومعه أصوات أخرى: قومي ولا تستسلمي، قدرنا أن نعيش مكاننا ليس في الأرض أو السماء، لكنه هنا عامر بالحياة.
إن سكنت الأرض أو تموج الهواء.
أحست البنت بقطرات ماء على شفتيها ووجهها وبرائحة الزهور.
فنظرت حولها بدهشة، فرأت مخلوقات شفافة جالسة حولها، وبالقرب منها واحدة في يدها زهور برية مليئة بالندى.
رواية حكاية شيماء الفصل الخامس 5 - بقلم Lehcen Tetouani
أحست شيماء بقطرات ماء على شفتيها ووجهها وبرائحة الزهور.
نظرت حولها بدهشة فرأت مخلوقات شفافة جالسة حولها وبالقرب منها واحدة في يدها زهور برية مليئة بالندى.
ابتسمت لها شيماء وقالت:
"لا تتركيني يا أمي أرجوك."
فحضنتها أمها بحنان وقالت:
"هذه المرة لن يفرق أحد بيننا. سآخذك معي إلى مملكتي، هناك لا يوجد لا المرض ولا الظلم ولا الحقد."
أجابت شيماء:
"لي زوج أحبه وأب وأخ. لماذا الفراق يا أمي؟ لماذا لا نجتمع معا؟"
أجابت:
"بالنسبة لأبيك فلقد أوصيته بحفظ سرنا، لكنه تكلم وسمع قومي وخيروني بين الذهاب معه أو الرجوع. فاخترت البقاء معهم. أما هو فقد كان متزوجا من إنسية ولم يقدر أن يأتي بك بعد أن عرفت قبيلته الحقيقة، ولهذا تركتك صغيرة في طريق القرية وكنت أحميك من بعيد حتى جاء ذلك الشيخ صالح وأخذك."
سكتت الملكة هنيهة ومسحت دمعة نزلت على خدها ثم واصلت الحديث:
"وكنت أضع في طريقه مالا وطعاما لكي يقدر أن ينفق على عياله وأنت معهم."
في تلك اللحظة سمعا صوت برهان زوج شيماء وهو يصيح ويبكي.
فقالت البنت لأمها:
"تعالي وعيشي معنا، فلقد سئمت من ألسنة السوء."
فكرت ملكة الجن وقالت:
"هذه المرّة لن أقوم بنفس الغلطة وسآتي معك وأرى أطفالك."
فجأة شاهد برهان زوجته جالسة مع جنيات جميلات فتشجع واقترب منهن وصاح متعجبا:
"هل هذا أنت يا شيماء؟"
أجابت:
"نعم، وملكة الجن هي أمي وستأتي معنا إلى القرية."
في الطريق سمعوا أصوات خيول كثيرة.
ولما توقفوا لينظروا من القادم هتفت شيماء بفرح:
"إنه أبي ملك قبيلة مصمودة."
وحين سألته عن سبب قدومه أخبرها أن هناك من إتبعهم وعرف بفراسته أن الأمر يتعلق بشيماء وأن أحدا ما يريد الكيد لها، فجاء لمساعدتها ومعرفة من أرسل الرجل وراءه.
تعجب الملك لرؤية زوجته الجنية مع إبنته وفرح لمّا علم أنها ستبقى معها.
فقال لها:
"سأبني دارا كبيرة أجعلك فيها مع الخدم والحشم، ولن نفترق بعد الآن."
وسمع كل أهل القرية برجوع شيماء مع والديها.
فجاءت أم برهان إلى الرجل الذي أرسلته وقالت له:
"كيف فاتك أمر الجنية التي تزوج منها الملك؟"
فقال:
"وكيف لي أن أعلم بذلك بعد أن إختار أهل القبيلة السكوت عن ذلك؟"
قالت له:
"سأعطيك ما يكفي من المال وترحل من هنا، لا أريد أن يراك الملك. هل فهمت؟"
أجاب:
"أنا صياد ولا أعيش في مكان واحد. لن يعرف أحد بما دبرناه."
ثم أخذ المال وانصرف.
قالت المرأة لبناتها:
"لم تبق إلا العجوز ويجب أن تصمتق."
قالت أحد البنات:
"سنسقيها سما ونخلص منه."
لكن الأم أجابت:
"سيجلب هذا الإنتباه. سأذهب للساحرة لكي تصنع لي شيئا يذهب العقل وأضعه في قلة مائها."
وفي الغد لاحظ أهل العجوز أنها بدأت تنسى حتى أنها لم تعد تذكر حتى إسمها.
مضت أيام لم يحدث فيها ما ينغص حياة شيماء التي انتقلت مع زوجها ووالديها إلى دار واسعة في طرف القرية وصار لهم قطيع كبير من الإبل.
وتساءل الجميع من أين جاءهم كل هذا المال؟
وأحد الليالي ألحت أخت برهان الكبرى عليه لتعرف السر.
ولم يتمالك لسانه فأعلمها أن ملكة الجن تعرف مكانا مليئا بالياقوت وكل مرة تذهب وتعود بصرة صغيرة.
ولما أخبرت أمه أجابتها:
"وماذا يعنيني من الأمر؟"
قالت لها:
"نتبعها ونعرف مكان الكنز."
حكت المرأة رأسها وقالت:
"هذه آخر مرة أسمع فيها كلام أحد بناتي، فبسببكم ارتكبت كثيرا من الإثم وظلمت تلك الفتاة شيماء."
قالت ابنتها:
"ونحن ألم يظلمنا الزمن الذي حرمني أنا وأختي من الجمال؟ كل الناس معجبة ببياض لونها وعينيها الفاتحتين، أما نحن فلا أحد ينظر إلينا."
قالت الأم:
"الله له حكمة في كل شيء، لكن المؤكد لو عرفنا مكان الياقوت فهذا سيساعدك أنت وأختك على الزواج من رجل غني. فهيا استعدوا للذهاب إلى الغابة لتكتشفو السر."
رواية حكاية شيماء الفصل السادس 6 - بقلم Lehcen Tetouani
انتقلت شيماء مع زوجها ووالديها إلى دار واسعة في طرف القرية.
صار لهم قطيع كبير من الإبل وتساءل الجميع من أين جاءهم كل هذا المال.
في إحدى الليالي، ألحت أخت برهان الكبرى عليه لتعرف السر.
لم يتمالك لسانه فأعلمها أن ملكة الجن تعرف مكاناً مليئاً بالياقوت، وكل مرة تذهب وتعود بصُرَّة صغيرة.
بقيت الأم والأخوات يراقبن ملكة الجان حتى خرجت في أحد الأيام وذهبت إلى الغابة.
تمشت حتى بلغت جبلاً عالياً ثم اختفت.
جرت الأختان إلى حيث دخلت الجنية، وفجأة خرج لهما جن وسألهما:
"ماذا تفعلان هنا؟"
لكنهما صمتتا.
فقال: "سأحولكما إلى تمثالين عقاباً لكما على دخول أرضنا."
انتظرت الأم، لكن لم تأتِ لا ملكة الجن ولا ابنتيها.
أحست بالقلق عليهما وقالت: "يا ليتني لم أسمع كلامها."
وصعدت إلى الجبل فوجدتهما تمثالين، فأخذت بالصراخ والبكاء.
ثم رجعت إلى دارها وهي لا تعرف ما تقول.
أخيراً، لما جاء ابنها برهان، قصت عليه كل ما حدث بسبب الغيرة من شيماء، وكيف سمعت كلام بناتها.
وكانت تنتظر أن يغضب منها.
لكنه قال: "سأكلم شيماء وهي التي تقرر مصير أختاي، وإن كنت أعتقد أنهما تستحقان العقاب."
ولما علمت شيماء، طلبت من أمها أن تسامحهما.
وقالت لها: "المسامح كريم، وعسى أن يكون ذلك لهما درساً."
وعدتها أن تفعل ذلك من أجلها.
وفي الغد، ذهبت إلى الجبل وفكت عنهما السحر.
ولما رأت وجهيهما، فهمت سر غيرتهما من شيماء.
فقالت لهما: "أغمضا عينيكما."
فترددت البنتان واعتقدتا أن الملكة تنوي بهما شراً.
لكنها ابتسمت لهما، ففعلتا ما طلبته منهما.
ولما فتحتا عينيهما، ورأت كل واحدة منهما الأخرى، بدأتا في القفز والصراخ من شدة الفرحة.
فقد أصبح شعرهما المجعد رقيقاً كالحرير، وعيناهما الضيقتين كعيون المها.
وحين رأتهما أمهما، لم تصدق عينيها.
وحاولت أن تعتذر، لكن الملكة قالت لها: "كلنا نخطئ، والعاقل من تعلم من أخطائه. هاك صُرَّة ياقوت لتشتري لهما ما يحبان من الثياب والعطور."
وفي الغد، لما سمع أعيان الحي بما حصل، تسابقوا لخطبة البنتين.
وزادت محبة أهل تلك القرية وما جاورها من القرى لشيماء.
وحكى الناس لزمن طويل عن تلك اليتيمة التي عانت من قسوة الناس وألسنتهم، وأصبحت سيدة البادية وأرفعهم نسباً.
وفتحت دارها للأيتام وربتهم كأبنائها.
وكانوا ينادونها أمي.
وبارك الله في تلك الفتاة وعمرت طويلاً.
وكانت الأرض التي عاشت عليها الوحيدة التي لا تبكي فيها عيون الأيتام ولا يجوع فيها الفقراء.
فسبحان الله الذي دبر وقدر، وجعل بيننا أناساً صالحين يتقون الله في خلقه.
وطوبى لمن فعل الخير يجده في دنياه وآخرته.