تحميل رواية «حكاية وجدان» PDF
بقلم Lehcen Tetouani
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
كان لأحد التجار ولدين وبنت اسمها وجدان. توفيت أمهما فرباهما أبوهما أحسن تربية. في يوم من الأيام، أراد الرجل أن يحج، فأمر ابنته بقفل الباب وجعل على نافذة عالية سلماً. وأعطى المؤذن صرة دنانير وأوصاه بأن يحمل إليها كل مرة ما تستحقه من خضار ولحم لتطبخ، ووعده بمكافأة سخية حين يعود من الحج. فأجابه المؤذن: "لا تقلق، فهي مثل ابنتي." ثم غادر التاجر مع ابنه إلى الحجاز وهو مطمئن، فالمؤذن مشهور بالتقوى. لكن ابنة التاجر كانت جميلة وحلوة المنطق، فوقع المؤذن في غرامها وصار يتردد عليها كل يوم. وصارحها بحبه. لكن...
رواية حكاية وجدان الفصل الأول 1 - بقلم Lehcen Tetouani
كان لأحد التجار ولدين وبنت اسمها وجدان. توفيت أمهما فرباهما أبوهما أحسن تربية.
في يوم من الأيام، أراد الرجل أن يحج، فأمر ابنته بقفل الباب وجعل على نافذة عالية سلماً. وأعطى المؤذن صرة دنانير وأوصاه بأن يحمل إليها كل مرة ما تستحقه من خضار ولحم لتطبخ، ووعده بمكافأة سخية حين يعود من الحج.
فأجابه المؤذن: "لا تقلق، فهي مثل ابنتي."
ثم غادر التاجر مع ابنه إلى الحجاز وهو مطمئن، فالمؤذن مشهور بالتقوى.
لكن ابنة التاجر كانت جميلة وحلوة المنطق، فوقع المؤذن في غرامها وصار يتردد عليها كل يوم. وصارحها بحبه.
لكن الفتاة لم تهتم به وهددته أن تشكوه لأبيها.
وأدى ذلك لغضبه وقال لها: "سأتركك تجوعين، فأنا أتعب من أجلك وآتيك بأفضل ما في السوق. أتعتقدين أن ما أعطاه أبوك لي يكفي لكل هذه الخيرات؟"
أجابته: "لا تشغل نفسك بعد الآن بأمري، واطلب من جارتنا أن تصعد السلم وتعطيني القفة. أما أنت فلا أريد أن أرى وجهك."
أجابها: "سأدبر لك مكيدة وسيطردك أبوك وربما يقتلك. سترين كيف أنتقم منك."
أجابته: "افعل ما تريد، فلن يصدقك أحد."
بعد مدة، سمع المؤذن أن التاجر وابنه قد رجعا من الحج وأنهما قاربا على الوصول إلى القرية. فبعث برسالة له يقول فيها: "إن ابنتك تستهين بك وتراودني عن نفسي، لكني كل مرة أستغفر الله. وصرت أرسل لها جارتكم بجميع ما يلزمها، وكل شخص في القرية يعرف ذلك، لهذا لا ترجع إلا إذا أبعدتها من هنا."
فلما قرأ التاجر الرسالة، اشتد غضبه ولم يحاول أن يسأل، فهو يثق في كلام المؤذن ذلك الرجل الصالح. فأرسل ابنه وطلب منه أن يحتال على أخته ويقودها إلى الصحراء، ثم يقتلها ويأتيه بلسانها الذي ينطق بالسوء.
فذهب إليها أخوها، ولما سمعت صوته فرحت وفتحت له الباب.
وقال لها: "تعالي لنرى أبانا، فهو ينتظرنا على جمله."
وفي الطريق سألها: "هل صحيح أن جارتك هي من تصعد السلم لتعطيك حاجياتك؟"
أجابته: "نعم، لأن المؤذن الذي وثق فيه أبي طمع في لما رآني بمفردي. تبّاً له من شخص لئيم، ولقد هدد بتجويعي والنيل من سمعتي إن لم أستجب له. لكن تلك الجارة عطفت علي وصارت تعطيني من عندها لما رأت أن ما في القفة لا يكفي."
حين وصلوا إلى الصحراء، سألت البنت عن أبيها، فأخبرها أخوها بالحقيقة وأنه جاء هنا ليقتلها.
فقالت له: "هذه رقبتي، فاقطعها إن كان ذلك يريحك."
فبكى وقال: "إني أصدقك، فلقد أحسن أبانا تربيتنا وأمنا رحمها الله ذات علم وفضل. وما أكثر من يخفي وراء الدين جشعه ولؤمه."
ثم شاهد غزالا فرماه بسهم وسلخه وقطع لسانه.
ثم طلب من أخته أن تتوارى وتخلع ثوبها، ثم رمى إليها بالجلد فالتفت به. فأخذ الثوب ولطخه بالدم وقال: "هاك قربة ماء وسيكفيك اللحم بضعة أيام، فتدبري حالك، فإني لا أقدر على عصيان أمر أبي. والله سيحميك ويجد لك مخرجاً فيما أنت فيه من كرب."
ثم ودعها وانصرف.
وعندما لاقى أباه، أراه الثوب واللسان وقال له: "لقد نفذت أمرك ومحوت عارك، والآن عد إلى بيتك قرير العين ومرفوع الرأس. والله لو سمعت أحداً يذكر أختي لضربت عنقه."
أما الفتاة، فجففت اللحم ثم وضعته في صرة ومشت في البوادي والقفار حتى نفذ زادها وأحست بالجوع والعطش، فسقطت على الأرض وقد أيقنت بالهلاك.
ولم تعلم كم من الوقت بقيت نائمة، وفجأة أحست بشيء رطب على وجهها. ولما فتحت عينيها رأت غزالة صغيرة تلعق وجهها وقطيع من الغزلان يمر أمامها.
فتحاملت على نفسها وتبعته حتى وصلت إلى أرض فيها ماء وكلأ، فشربت واستحمت ثم أكلت العشب الطري من شدة الجوع.
وكان الغزلان تعتقد أنها واحدة منهن فلم يخفن منها، وأحست البنت بالأمان معهم، فلقد كانوا يحبونها.
فقالت في نفسها: "الحيوانات لا تعرف الجشع لذلك لا تظلم، وما دخل حب الدنيا على قوم إلا أفسد ما بأنفسهم، فمرحى للغزلان وبؤساً للبشر."
وبدأت تفكر من أن تنتقم من المؤذن دون رحمة وتأخذ حقها وتجعله عبرة لمن يعتبر.
رواية حكاية وجدان الفصل الثاني 2 - بقلم Lehcen Tetouani
بقيت وجدان مدة من الزمن مع الغزلان تأكل العشب وتشرب من لبنها وتصطاد الفرائس الصغيرة حتى توحّش بدنها ولم تعد تخاف من شيء.
ذات يوم وجدت متاعًا لأحد المسافرين، هلك صاحبه في الصحراء، وكان من بينها مقص وخيط. فأخذت الجلد وقطعته، ثم جعلته ثوبًا وقصت شعرها الطويل وظفرته.
وتقلدت سيف الرجل وأخذت حجر صوان وأصبحت تشعل النار وتطبخ الجذور والأعشاب واللحم، فتحسنت حالها.
وفي الليالي الباردة كانت تجتمع حولها الغزلان فتتدفأ معها، وكانت تحمي القطيع من الذئاب والضباع وتداوي المريضة وتضمد جراح المجروحة.
ومنذ أن جاءت وجدان لم يفقد القطيع أحدًا من أفراده وزاد عدده، لكن البنت كانت تفكر دائمًا في أبيها وأخيها وأقسمت أن تنتقم من المؤذن دون رحمة.
وفي أحد الأيام وصلت إلى أرض خضراء كثيرة الماء، فانبسطت وصارت تستحم وتغني وأخذت أعشابًا عطرية دهنت بها جسدها ووضعت زهورًا حمراء على شفتيها، فصار لونهما قرمزيًا.
ولما نظرت الغزلان لوجدان أعجبت بجمالها وحركت أذنابها الصغيرة بفرح، فلقد أصبح لهن ملكة قوية وجميلة.
في أحد الأيام خرج ابن السلطان للصيد مع رفاقه ورأى من بعيد قطيعًا من الغزلان يرعى، فركض بفرسه بصحبة رفيقه في القصر الذي كان رجلاً ذا عقل وفطنة.
اقترب الأمير منهن، ولشدة دهشته لم يهرب أحد، ورفعن رؤوسهن ونظرن إليه وواصلن الأكل كأن شيئًا لم يكن.
فضحك الرفيق وقال: "لعلهن يعتقدن أنك فراشة أيها الأمير، أو ربما ببغاء."
فلم يضحك الأمير وصوب قوسه إلى أقربهن إليه، وفجأة خرجت له فتاة ليس هناك من هو أجمل منها.
وقالت له: "أنصحك أن لا تفكر بذلك إن كنت تريد الرجوع سالمًا إلى أهلك."
صاح الرفيق: "أغلقي فمكِ فأنتِ بحضرة الأمير."
أجابته: "وأنا أميرة هذه الغزلان ولأني أحميها لذلك لم تخف منكم."
قال الرجل: "لم أر في حياتي أخبث لسانًا من هذه الجارية، هل تريد أن أنادي الحرس ليأدبوها؟"
أجابه الأمير: "لقد حمت رعيتها، وهذا ما كنت لأفعله لو كنت مكانها."
ثم انصرف مع رفاقه لمكان آخر.
لكن ابن السلطان واسمه محمد كان شاردًا وأخطأ جميع الفرائس التي رماها بقوسه، ولما حضر الطعام لم يمد يده.
فجاءه رفيقه وسأله: "لقد ربيتك لما كنت صغيرًا، وهذه النظرة في عينيك لا تعجبني، فقل لي ماذا أصابك؟"
أجابه: "لقد أخذت تلك الجارية قطعة من قلبي، وإن لم أراها وأكلمها سأموت!"
ارتعب الرجل وقال: "ومن أدرانا أنها ليست من الجن؟ على كل حال سأعرف من تكون، فإذا كانت إنسانة أتيتك بها، أما إن كانت جنية فلا أقدر على شيء، فهم ليس مثلنا."
وفي الغد أحضر قصعتين من الكسكس، واحدة فيها ملح وتوابل والأخرى ليس فيها شيء، ووضعهما قرب القطيع واختفى وراء الأشجار.
شمت الفتاة الرائحة وحملت القصعة التي فيها التوابل وتركت مكانها أرنبًا مسلوخًا ومحشوًا بالإكليل والرّند.
كان الأمير جالسًا على حجر وأمامه الثمار والخبز والحليب، لكنه لا يأكل.
وبعد قليل جاءه رفيقه وقال له: "لقد أرسلت لك جاريتك هدية،" وأخرج الأرنب.
فانبسطت نفس الأمير محمد وأنضجه على الجمر ثم أكل حتى شبع وقال: "هي إذا من الإنس، سأذهب إليها!"
قال رفيقه: "لا تتعجل."
وصار يحمل إليها كل يوم طعامًا وهي تترك شيئًا، حتى مر على ذلك سبعة أيام.
أما وجدان فأعجبها الطعام الساخن ولم تذقه من مدة طويلة، وكانت تعرف أن الأمير هو من يرسله لها، فقد لاحظت منذ اليوم الأول الحب في عينيه.
وكان من المفروض أنها تذهب من هنا لكي لا يعرف مكانها الصيادون والسباع، لكن قلبها قد خفق لذلك الولد، ولأول مرة منذ أشهر طويلة تحس بالأمان حولها وبأن الحياة أكثر جمالًا.
رواية حكاية وجدان الفصل الثالث 3 - بقلم Lehcen Tetouani
مرت الأيام ولهفة ابن السلطان تشتد حتى أتاه رفيقه بطبق من السمك والأرز لا يزال البخار يتصاعد منه وقال له:
اذهب وكل مع جاريتك لا شك أنها جائعة.
فلما رأته قادماً ارتبكت، فأول مرة ستجلس مع فتى.
طأطأت رأسها، وعلت محياها حمرة الخجل، وخيل لها أن الغزلان تضحك منه.
لكن الأمير ابتسم لها بحب وقال:
تعالي لنأكل.
ولقد أمرت بجزر وخس وبرسيم لغزلانك.
وما هي لحظة حتى جاء العبيد بالقفاف.
فجاءت لتأكل بعدما نظرت بعيونها الواسعة العسليتين للأمير كأنها تشكره على معروفه.
وبسرعة زال الخجل عن وجدان، ومدت يديها وبدأت تأكل وتثني على لذة السمك.
كان محمد ينظر إليها وقد علت وجهه البهجة.
وقالت له:
إملأ معدتك ولا تقلق، فلن أهرب.
فأكل شيئاً يسيراً.
ثم أخذت قدحاً ملأته بحليب غزالة وقالت:
إشرب وهات الباقي.
لكنه أجابها:
أنتِ الأول.
وفي هذه اللحظة علمت أن الأمير يحبها بصدق، وربما ستتغير حياتها.
ولم يخيب ظنها.
ففي الغد جاءها وأخبرها أنه ينوي الزواج منها.
قالت له:
على شرط تجعل هذه الأرض ملكاً للغزلان، ولا يدخلها أحد سوى أنا وأنت.
قال لها:
ليكن الأمر كثلك.
جاءت وجدان للقصر وأدخلوها للحمام، ومشطت الجواري شعرها الطويل، ولبست ثوباً من الحرير الأزرق، ووضعن الأساور والخواتم في يديها والعطر على وجهها.
ثم جاءوا بها لقاعة العرش.
كان السلطان يتناقش مع ولده محمد وقد بان عليه عدم الرضا وقال:
كيف تتزوج من فتاة ليست من أبناء الملوك؟ وماذا سيقول الناس عنا؟
أجاب محمد:
إنها أميرة الغزلان، وقد حمتها في رحلتها الطويلة ولم ينقص منها فرداً واحداً، أليس من يفعل هذا جديراً بالاحترام يا أبي؟
أجاب السلطان:
نعم.
ولكن قبل أن يكمل عبارته دخلت وجدان، وقد تضوّعت رائحة العطر في القاعة الكبيرة.
ولما رآها الأب بقي مندهشاً من حسنها وهيبتها.
فقد كانت طويلة تظهر عليها علامات القوة والبأس رغم صغر سنها، ولو لم يكن يعرف من هي لظنها من بنات أعظم الملوك.
فالتفت إلى ابنه وقال له:
انس ما قلت لك عليه، فإني قد أخطأت في حقها، والآن عرفنا على عروسك، فو الله لقد ازدان مجلسنا بحسنها.
ثم سألها السلطان عن قصتها، فأخبرته بكل ما حصل لها وكيف ظلمها أبوها وأراد قتلها، لكن مشيئة الله أرادت أن تنجو من الصحراء والسباع وتقود شعبها من الغزلان في رحلة طويلة في الصحاري والمفازات حتى وصلت إلى تلك الغابة وقابلت الأمير محمد.
فأحبا بعضهما من أول نظرة.
كان السلطان يسمع ويتعجب من شجاعة تلك البنت وقوتها.
ثم قال لها:
أعدك أن أعاقب المؤذن على لؤمه وإرجاع مكانتك بين أهلك.
أجابته:
شكراً لمولاي، لكني أقسمت أن أتقم منه بنفسي وأشفي غليلي.
ضحك وقال:
ما أشد بأسك يا جارية، ومن حقك أن تأخذي بثأرك، والآن هيا إلى الطعام والشراب.
وخرج المنادي في الأسواق يصيح:
الأسبوع المقبل زواج الأمير محمد من وجدان أميرة الغزلان.
ففرح الناس وأحبوا أميرتهم لشفقتها على الحيوانات وطيبة قلبها، وأقيمت الأفراح سبعة أيام وسبعة ليال.
وحضر الملوك لتهنئة العروسين وحملوا الهدايا والتحف.
وكان من ضمنهم أحد ملوك القبيلة المجاورة، ولما رأى وجدان أعجبه وهام بها حتى سلبت النوم من جفونه، فلم ير مثلها رغم أن له العشرات من الفتيات والجواري.
وحين رجع إلى قصره بعث لها أحد عبيده يخبرها أن مملكة سيده عظيمة وسيكسوها بالذهب والجواهر، لكنها لم تستجب له وطلبت أن يبتعد الملك عن طريقها وإلا ندم.
فلم يزده ذلك إلا تمسكاً بها وبدأ يحيك في الدسائس والحيل لإبعادها عن محمد، ولم ينجح في تلك اللحظة.
وبعد أشهر رزقت وجدان مولوداً بهي الطلعة جميل مثل أمه.
لكن ملك تلك القبيلة المجاورة هو الوحيد الذي لم يفرح وزاده الحسد والغرور، ودفع مالاً لأحد جواري القصر لتدس السم في شراب الأمير لكي يتخلص منه، وفي نفس الوقت يفوز بالأميرة وجدان وبكل شيء.
رواية حكاية وجدان الفصل الرابع 4 - بقلم Lehcen Tetouani
بعد أن رزقت وجدان بطفلها الأول، قد كان ملك تلك القبيلة المجاورة قد دفع مالاً لأحد جواري القصر لتدس السم في شراب الأمير، لكي يتخلص منه وفي نفس الوقت يفوز بالأميرة وجدان وبكل شيء.
لكن وجدان قالت لها:
"هات الطبق، سأسلمه له بنفسي."
ويشاء القدر أن يحس الأمير بصداع ويطلب منها إعطاء آنية الشراب للخدم، ويسأل الطبيب أن يصف له أعشاباً للألم.
ولما شرب الخدم، ماتوا كلهم إلا واحداً لا يحب شراب التمر.
ولما سألوه:
"من أعطاكم الآنية المسمومة؟"
أجاب:
"إنها الأميرة وجدان."
وبالطبع لم يصدق الأمير أن زوجته يمكن أن تفعل ذلك. إذا كانت تريد قتله، فلماذا تعطي آنية الشراب للخدم؟ من المؤكد أن هناك سرّاً لا بد أن يعرفه، ولذلك يجب أن يسألها، فربما تعرف شيئاً.
وفي المساء، بحث عن وجدان لكنه لم يجدها. فوجد رسالة على السرير جاء فيها:
"سنلتقي يوماً وأثبت براءتي من هذه التهمة ومن التي قبلها مع المؤذن.
الناس لا تصدق إلا القوي، وما بالك إذا كان المتهم امرأة.
سآخذ حقي بيدي. أما أنت فاعتني بالطفل واحرسه جيداً، فكلاكما في خطر."
إنزعج الأمير وأرسل فرسانه للبحث عنها في كل مكان.
لكن في ذلك الوقت، كانت الفتاة قد ابتعدت في البادية وهي تلبس ثياب الرعاة.
وفي الطريق، وجدت شيخاً يرعى قطيعاً من الغنم ويركب حماراً. فنزعت من إصبعها خاتماً من الماس وطلبت شراء القطيع والحمار وما عليه من الزاد والماء.
ففرح الشيخ وباع لها كل ما يملكه.
واصلت وجدان رحلتها إلى مملكتها. ومن بعيد، رأت امرأة تطبخ طعامها في قدر كبيرة. فدنت منها وقالت لها:
"أنا جائعة يا خالة."
فأخذت المرأة صحناً وملأته لها بالمرق واللحم.
ولما ذاقت وجدان من ذلك الصحن، أعجبها الطعام.
فلم تر في حياتها أطيب منه.
وسألت المرأة أن تعلمها كيف تطبخ، وبقيت معها أياماً حتى تعلمت منها كل شيء.
وفي الصباح، لم تجدها فتعجبت. وقالت في نفسها:
"أين ذهبت ومعها تلك القدر الكبيرة؟ هل ممكن أن تكون جنية؟"
ثم واصلت طريقها حتى وصلت لعاصمة المملكة. فباعت القطيع والحمار واكترت دكاناً وسط السوق وبدأت تطبخ ما تعلمته من تلك المرأة. ففاحت الرائحة وكل من كان يمر يتوقف ويذهب ليأكل.
وبمرور الأيام، اشتهرت بطعامها الشهي، وكانت تعطف على المحتاجين والفقراء وتطعمهم في دكانها مجاناً.
فدعا الناس لها بالخير وبلغ أمرها سلطان البلاد، فاستدعاها لقصره لتكون رئيسة الطباخين مقابل أجرة كبيرة.
وذات يوم، قالت له:
"أريدك أن تستدعي على مائدتك مؤذن القرية الفلانية، والتاجر حسن طبعاً هو أبوها، وسلاطين بعض القرى، ومن بينهم ملك تلك القبيلة المجاورة لمملكة زوجها، ومن حولهم."
سألها باستغراب:
"لماذا؟ وما الذي تنوين فعله؟"
أجابته:
"ستعرف في الوقت المناسب يا مولاي."
وبعد أيام، امتلأت المائدة بالضيوف من مشائخ وأمراء، وكانوا كلهم في انتظار الأطباق التي سمعت بها كل البلاد.
ووضعت وجدان في طبق المؤذن وسلطان القبيلة، الذي كان يريد أن يقتل الأمير، عشبة تفقد العقل. ولما أكلا منها، بدآ يضحكان ويمزحان.
وكانت وجدان تخدم الضيوف بنفسها، وقد أخفت وجهها بخمار لكي لا يعرفها أحد.
وكان الحضور ينظرون إلى عينها الواسعتين ويتعجبون من جمالها. وتجرأ المؤذن، الذي أسكرته تلك العشبة، وطلب منها الكشف عن وجهها.
وشعر التاجر حسن، وهو أبو وجدان، بالحرج من المؤذن الذي كان يعتقد أنه إنسان صالح. وتعجب المشائخ من سخفه أمامهم. أما سلطان تلك القبيلة المجاورة، فكان أكثر وقاحة وطلب منها أن تحضر له خمراً وتسقيه وتغني لهم.
توقف الضيوف عن الأكل وقد استاءوا من هذا السلوك المشين.
لكن وجدان اقتربت من المؤذن والسلطان وقالت لهم:
"احكوا لنا عن أسوأ شيء فعلتوه في حياتكم، وهنا سوف يتم كشف المستور وسوف ينبهر ويتعجب كل الحاضرين."
رواية حكاية وجدان الفصل الخامس 5 - بقلم Lehcen Tetouani
اقتربت وجدان من المؤذن والسلطان وقالت لهما:
احكوا لنا عن أسوأ شيء فعلتموه في حياتكم.
فبدأ المؤذن يحكي عن الفتاة الجميلة التي كذب على أبيها وجعله يقتلها.
فأمسك التاجر حسن بعنقه وقال له:
أيها الوغد، لن تفلت مني اليوم وسوف تنال عقابك.
أما السلطان فضحك وقال له:
أنا فعلت أكثر من ذلك، لقد أردت افتكاك امرأة من زوجها ليلة عرسها.
وعندما لم تريد الموافقة، انتظرت حتى رزقت بولد، أرسلت من يضع السم في شراب الأمير زوجها لكي تكون لي.
فتصايح الناس وسبوه، ورماه أحدهم بحبة طماطم على وجهه.
كثر الهرج على مائدة السلطان.
وفي هذه اللحظة، خلعت وجدان خمارها وقالت:
هل تعلمون من هي الفتاة التي تعرضت لكل هذا الظلم؟
هي أنا يا سادة، ولم يصدقني أحد لأني أنثى، فتبًا لكم.
ثم خرجت باكية.
أما الحضور فبقوا مبهورين ومتجمدين في مكانهم، وهم يتعجبون مما رأوه وسمعوه.
وفي الأخير، قام التاجر حسن وجرى ورائها وضمها لحضنه وبكى حتى تبللت لحيته وقال لها:
سامحيني يا ابنتي، ما كان لي أن أشك في تربيتك.
لعن الله الشيطان.
وذلك المؤذن رفع يديه إلى السماء وصاح:
يا الله، إني أوكلتك عليه، فخذ لي حقي منه.
وأحمدك أنك هديت ابني ولم ينفذ الحماقة التي أوصيته بها.
أما أحد الملك، لي لديهم مكان واسع في بلده، قال لسلطان تلك القبيلة:
لم أكن أعتقد أنك لئيم ومخادع إلى هذا الحد.
وأبوك يرحمه الله لم يحسن تأديبك.
والآن قم واغرب عن وجهي.
فخرج والناس تسب فيه وتلعنه، وقد انفضح أمره وبانت نواياه.
أما المؤذن فحاول التسلل والهرب، لكنه زلق في قشرة موز كانت على الأرض فسقط على ظهره ولم يعد قادرًا على الحركة.
فبدأ يصيح:
أنقذوني، لم أعد أحس برجلي.
بالله عليكم أحضروا لي طبيبًا.
رمقه شيخ بطرف عينه وقال له متهكمًا:
الآن فقط تذكرت ربك، فلقد أعطاك الصحة والعقل فلم تشكر، وخنت العهد والأمانة.
والآن جاءك العقاب، هل كنت تعتقد أنك ستنجو من إثمك؟
فسبحان الله الذي أعطاك على قدر لؤمك.
أما السلطان الخائن فلم يكن أحسن حالًا، فقد ثارت عليه الرعية وعينت مكانه عمه بعدما بلغهم عن أفعاله المشينة في حق جيرانه.
وخرج هائمًا على وجهه في المدينة.
وحين نفذ ما معه من دراهم، لم يقبل أحد من أصدقائه بمساعدته.
وآخر مرة رآه الناس كان تحت حائط المسجد وهو يمد يده ويطلب الصدقة.
بعد ذلك اختفى ولم يسمع أحد عنه شيئًا.
وعادت وجدان إلى قصر زوجها معززة مكرمة.
وسمعت كل المملكة بشجاعتها ودهائها، فخرج كل الناس كبارًا وصغارًا وهم يرفعون أغصان الزيتون ويهتفون باسمها ويصيحون:
مرحى بـ"لالة" وجدان أميرة البادية والغزلان.
غلبت الأسد في العرين وقطعت بيدها رأس الذئب.
أخذت حقها أمام أعينكم وأنهت الظلم الذي كان.
لما سمعت وجدان الصياح ورأت الفرحة على وجوه الناس، نزلت من حصانها.
والتفت حولها البنات والنساء وهن يزغردن ويصفقن، فلقد أصبح لهن من يحمي كرامتهن.
وفرح الأمير محمد بامرأته، ولم يكن يعتقد أن لها كل هذه الشجاعة والحكمة.
وبعد سنة، أنجبت وجدان بنتا مثل القمر وربتها في الغابة ليصح بدنها.
وقالت لها:
ستكونين أميرة الغزلان من بعدي وتواصلين العناية بهم والعناية بالفقير والضعيف.
ومن أكثر من المرأة تحس بآلام الغير ومن يعطي من صحته ومن روحه أكثر منها يا ابنتي.
أجابتها:
سأفعل ما تطلبينه يا أمي.
منذ ذلك الوقت، لم يعد يجرؤ أحد على اتهام الإناث بالباطل.
ومن يفعل ذلك يعاقب بشدة.
لقد أغلقت وجدان صفحة قاتمة كانت الإناث يعانين فيها من الذل والهوان.
وزمن طويل كانت الجدات يحكين عن الفتاة التي غلبت المؤذن والسلطان وأخذت حقها بفضل ذكائها وشجاعتها.
إنها وجدان أميرة الغزلان.
محظوظ من يملك ذلك الاسم.