تحميل رواية «حكاية نعمان» PDF
بقلم Lehcen Tetouani
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
في بلاد بعيدة كان أحد السلاطين له ابنتان فقط، وكل ما يرزقه الله بولد يعطيه للسياف لكي يقتله. السبب في ذلك أن عرافاً قرأ طالعه وأخبره أن نهايته ستكون على يد ولد من صلبه. ومن ذلك اليوم وهو يعيش في خوف. وكلما حملت إحدى نسائه أو جواريه حبسها في القصر حتى تلد. ونصحه الوزراء أن يتوقف عن قتل أبنائه وأن لا يصدق العرافين، إلا أنه لم يكن ينصت لأحد ولم يرحم أمهات أطفاله أو يتأثر لبكائهن. وكلما خرج في موكب وسط المدينة جرى الناس لإخفاء أولادهم خوفاً منه، لدرجة أنه لا يرى طفلاً واحداً في المدينة. وكان هذا الأ...
رواية حكاية نعمان الفصل الأول 1 - بقلم Lehcen Tetouani
في بلاد بعيدة كان أحد السلاطين له ابنتان فقط، وكل ما يرزقه الله بولد يعطيه للسياف لكي يقتله. السبب في ذلك أن عرافاً قرأ طالعه وأخبره أن نهايته ستكون على يد ولد من صلبه. ومن ذلك اليوم وهو يعيش في خوف.
وكلما حملت إحدى نسائه أو جواريه حبسها في القصر حتى تلد. ونصحه الوزراء أن يتوقف عن قتل أبنائه وأن لا يصدق العرافين، إلا أنه لم يكن ينصت لأحد ولم يرحم أمهات أطفاله أو يتأثر لبكائهن.
وكلما خرج في موكب وسط المدينة جرى الناس لإخفاء أولادهم خوفاً منه، لدرجة أنه لا يرى طفلاً واحداً في المدينة.
وكان هذا الأمر يحزنه ويصيبه بالغم، لكنه يفعل أي شيء ليحافظ على العرش ولن يسمح لأحد أن ينتزعه منه. وأصبح طبعه أكثر سوءاً مع الأيام ولم يعد يكلم أحداً، وضاعف عدد الحرس في قصره.
ودامت هذه الحال زمناً حتى هربت منه نسائه.
فتزوج جارية عنده اسمها أميمة. وذات يوم ظهر عليها الحمل، فحبسها السلطان في غرفتها. وفي تمام الشهر التاسع أنجبت ولداً لم يكن في المملكة أحد أجمل منه.
فبكت ثم مسحت دموعها وقالت له: "لن أسلمك للسلطان ليقتلك، هذا يكفي."
أشفقت القابلة العجوز عليها وقالت: "سأحضر لك طفلاً مات أثناء الولادة لكي يراه أبوك، أما ابنك فسيتربى عندي."
توقفت الجارية عن البكاء وسألتها: "أحقاً تفعلين ذلك من أجلي؟"
فأجابتها: "لا أحد يطيق الظلم، ثم أنت ليس لك أهل وهذا الطفل هو أهلك."
فشكرتها أميمة على معروفها ووعدتها بهدية غالية.
ولما جاء السلطان بعد ساعة أخبرته أنها رزقت ولداً، لكنه مات بين يدي القابلة. ولما رآه لا يتحرك، قال: "لقد أراحني الله منه." ثم خرج دون أن يكلم امرأته أو يسأل عن حالها.
أطلقت أميمة اسم نعمان على الولد، وتربى مع أبناء القابلة. وكانوا رعاة مواشي، فرعى معهم وركب الخيل في البادية وتسلق الصخور وتعلم الصيد والرمي بالنبال، فقوي بدنه واشتد عوده.
ولما كبر علم أن أباه هو سلطان البلاد. وأخذ يلح على أمه برغبته في رؤية أبيه، لكنها قصت عليه حكايتها وأنه لو رآه لقتلهما معاً، وأيضاً القابلة التي ساعدتها.
لكن الفتى قال في نفسه: "لما يرى أبي فروسيتي سيفرح ويسامح أمي."
وذات يوم ذهب إلى القصر وطلب مقابلة السلطان. وحكى له عن حيلة أمه لإنقاذه وعن مهارته في الصيد وقدرته على الرمي بالسهام.
كان السلطان يستمع باهتمام. ولما رأى قوة ولده نعمان زاد خوفه منه، وأمر الحرس أن يقبضوا عليه مع أمه ويقتلوهما.
لكن الولد أفلت منهم وأغلق الباب، ولم يقدر الحراس أن يفتحوه. وجرى إلى أمه وقال لها: "لنهرب بسرعة، فأبي ينوي الشر."
ردت عليه: "هيا نختفي في إحدى العربات التي ستغادر القصر." ثم قفزا في إحداها وكانت مليئة بالتبن.
وفي النهاية انفتح باب قاعة العرش وجرى الحراس وراءهما. وصاح السلطان: "أقفلوا كل شيء ولا تدعوا أحداً يغادر القصر."
لكن العربة في ذلك الوقت وصلت إلى البوابة، فأطل أحد الحراس وقال: "لا يوجد سوى التبن، دعوها تخرج."
ولم يصدق الولد وأمه بالنجاة من غضب السلطان.
إبتعدت العربة عن القصر ثم توقفت في السوق ونزلا دون أن يحس بهما أحد.
وهناك اشترى نعمان زاداً وقربة ماء، ثم غادرا المدينة. واكتريا جملين وقصدا شاطئ البحر، وفي نيتهما ركوب سفينة تحملهما بعيداً عن هذه الديار، فلم يعد هنا أمان بعد أن اكتشف السلطان أمر ابنه ولن يهدأ باله إلا بقتله.
ولما اقتربا من الشاطئ ظهر على الفتى وأمه الإعياء الشديد، فهما يسيران منذ عشرة أيام ونفذ ما عندهما من مؤونة. ومن بعيد تراءى لهما قصر كبير فاتجها إليه وطرقا الباب.
لكن لم يفتح لهما أحد. وبعد قليل انفتح الباب بمفرده، وتعجب الولد حين لم ير أحداً وصاح: "نحن مسافران نريد طعاماً وسندفع ثمن ما نأكل."
قالت أميمة: "هذا المكان مهجور وأنا لا أشعر بالراحة."
هنا أجاب نعمان: "على الأقل لن يأتي أحد للبحث علينا هنا."
ولما دخلا وسط القصر وجدا مائدة عامرة بكل ما لذ وطاب من الطعام، ولا يزال البخار يتصاعد منه.
فاقترب الولد وهو لا يصدق عينيه وأخذ قطعة صغيرة من الدجاج تذوقها بطرف لسانه، ثم قال: "عظيم، إنها ساخنة وعليها توابل." ثم جلس يأكل.
أما أمه فبقيت خائفة وهي تنظر يميناً وشمالاً، لأن كل شيء كان مرتباً ونظيفاً، لكن لا وجود لمخلوق، وزاد ذلك في استغرابها.
رواية حكاية نعمان الفصل الثاني 2 - بقلم Lehcen Tetouani
بقيت أم نعمان خائفة وهي تنظر يمينا وشمالا.
في الأخير، غمست يديها في الطعام وأكلت حتى شبعت.
ثم صب لها ابنها ماء الورد فشربت.
ولم تنس أن تخرج صرة من الدنانير وضعتها على الطاولة وقالت: "الآن أريد أن أنام".
وفتحت أول غرفة وجدتها وارتمت على السرير.
بينما بقي نعمان يتجول في القصر، كان كل شيء مرتبا ونظيفا.
لكن لا وجود لمخلوق وزاد ذلك في استغرابه.
ثم أغلق أبواب القصر وجلس يفكر إلى أن غلبه النوم.
بقي نعمان ابن السلطان وأمه يومين في القصر.
في الصباح يجدون الفطور: الخبز والجبن والحليب.
وفي المساء العشاء من أصناف الطيور المشوية وأنواع الأسماك والفواكه والأشربة.
قالت الأم: "لا بد أن صاحب القصر شخص كريم لا يريد أن يظهر لنا، وهو لم يأخذ حتى المال الذي تركناه على الطاولة".
أجاب الفتى: "هذا يعني أننا لا يمكن أن نبقى هنا طويلا، وعلينا أن نغادر قبل أن يرسل لنا أحد خدمه يأمرنا بالرحيل".
قالت الأم: "عندئذ سأترجاه ليتركنا مقابل أن أشتغل عنده، فأين تريدنا أن نذهب يا نعمان؟ فليس لنا كثير من النقود وأنت لا صنعة عندك".
قال: "صنعتي هي الحرب".
فأمسكت بيديه وردت: "يا لها من فكرة سيئة! فإذا مت، فمن أجد قربي وقت الشدائد؟ لا يا ابني، لا أرى حلا الآن سوى البقاء، ومن أكرمنا بطعامه سيكرمنا بجواره".
مضت الأيام ولم يظهر أحد.
لكن خيّل لنعمان أن هناك من يسترق النظر إليه.
وفي أحد الليالي، استيقظ فرأى بنتا تهرب بسرعة وتختفي في الظلام.
فرك عينيه من شدة الدهشة.
ثم نهض من فراشه وهمس: "هل هناك أحد؟"
وخرج من الغرفة وأطل في الرواق الطويل فشعر برعدة في جسده.
عاد إلى مكانه وحاول أن ينام فلم يستطع.
وخيل إليه أن عيونا كثيرة تراقبه.
وفي الصباح سأل أمه: "هل تؤمنين بالجن؟"
قالت له: "نعم، لكننا لا نراهم، ويقال أن لهم في أرجلهم حوافر ماعز. لكن لماذا تسأل يا نعمان؟"
أجابها بشرود: "لقد خطر لي ذلك البارحة يا أمي".
وفي الليل، وضع أمام الباب غصنا صغيرا جافا.
ثم انتظر طويلا حتى غلبه النوم.
وفجأة انتبه لصوت تكسر الغصن فأفاق من نومه.
وعلى ضوء القمر شاهد بنتا صغيرة زرقاء العينين ينزل شعرها الطويل حتى قدميها.
ولما أدارت رأسها فوجئت بنعمان أمامها.
فحاولت الهرب لكنه صاح: "انتظري، عليك أمان الله".
فقالت: "اعذرني إن أخفتك، فأنا ابنة صاحب القصر واسمي ظريفة".
رد الولد: "وأنا نعمان".
قالت له: "سأذهب الآن وإلا سيغضب أبي إذا سمع أني أخرج بالليل دون علمه".
أراد أن يسألها عن أهلها لكنها اختفت بسرعة.
في الصباح لما جلس للأكل رآها تطل عليه وتبتسم.
فقال لأمه: "سأعرفك على أحد".
ثم ناداها فجاءت.
ولما شاهدتها أمه صرخت: "هل أنت إنس أم جن؟"
قال نعمان: "وهل ذلك مهم؟ الأول يجب أن نشكرها على ضيافتها".
قالت الأم: "أعذريني يا ابنتي، فلقد فاجأني قدومك، وأنا ممتنة كثيرا لك ولأهلك على كرم ضيافتهم، وأرجو أن نبقى عندكم قليلا، وأنا مستعدة لكل ما تأمرون به".
أجابت ظريفة: "لك ما تريدين يا خالة، فهذا يسعدنا كثيرا".
وبعد الطعام تجولت مع الولد في القصر.
وقالت له: "إن أباها ملك الجن وإنه لم يرزق سواها. وهذا القصر كان لفلاح غني، وذات يوم أصاب هذه الأرض وباء فمات جميع الناس. وجئنا منذ زمن طويل وأصبحت كلها لنا، ونحن نطرد كل من يقترب من القصر. ولما جئت وطرقت الباب، نظرت إليك من النافذة، وأعجبني جمالك وقوّتك، فجريت إلى أبي الملك وألححت عليه ليدخلكما. وكان الجن يراقبونكم خفية. ولما رأى أبي أنكما لا تلمسان شيئا من التحف والجواهر التي يمتلئ بها القصر، وافق على بقائكما".
فرح نعمان بصديقته فقد كانت تحبه كثيرا.
وكانا يسهران كل يوم، ويحكي لها أخبار الإنس وقص عليها حكايته مع أبيه.
فتألمت لذلك.
وفي الصباح جاء الولد لأمه وقال لها: "ما قام به السلطان في حق إخوتي هو ظلم، وعليه أن يسامحك ويفتخر بي أمام الناس".
لكن الأم قطبت جبينها وقالت: "يبدو أنك لم تستوعب الدرس المرة الأولى، فأبوك همه الوحيد هو العرش، ولو علم أننا هنا سيبعث ورائنا جيشه، وحينئذ ستخسر هذه الحياة الرائعة وصديقتك الجنية. فكر جيد".
لكن نعمان أصر على رأيه وقال: "لا خير في ولد لا يعترف به أبوه، وسيفعل ذلك رغم أنفه، وأنا أعرف كيف أنزع تلك الوساوس التي زرعها العرافون في عقله".
رواية حكاية نعمان الفصل الثالث 3 - بقلم Lehcen Tetouani
كتب نعمان رسالة إلى أبيه السلطان، وغافل أمه وأرسلها مع قافلة كانت تمر قريبًا من القصر. وجاء فيها:
"قتلت إخوتي دون حق، وقاتل النفس لو علمت آثم. وطردت أمي ليلة مطر، منهم ولم تخف في الله لومة لائم. فتب إلى خالقك وسبّحه كيفما كنت راكعًا أو قائم.
أعطانا الله من خيره قصرًا وخير الرزاق دائم. أنا ابنك ودمك وأنت أبي، وما ينفعك العرش وحفنة من دراهم."
لما وصلت الرسالة إلى السلطان، أعجبه الشعر وقال في نفسه: "لقد جمع هذا الولد خصال الشجاعة وفصاحة الكلام، ولو علمت به الرعية ستحبه. لا بد من حيلة لقتله قبل أن يعظم أمره."
ثم أرسل إلى عجوز الستوت وأخبرها بنيته في التخلص من نعمان.
فقالت له: "تظاهر بأنك رضيت عنه واطلب منه أن يأتي بالنخلة التي شطر منها تمر والشطر الآخر رمان. وسيكون في ذلك هلاكه، فيقال أنها تنبت في بلاد البشر ذوي العين الواحدة، وكل ما يوجد هنا عجيب وغريب."
فكتب إليه:
"سأرضى عليك يا نعمان إذا أتيت بنخلة شطرها تمر والشطر الآخر رمان.
ثمارها لا تنتهي ولو أكل منها ألف إنسان."
وصلت الرسالة إلى ابن السلطان، ولما قرأها ابتهج. لكن الجنية الصغيرة صمتت ولم تقل شيئًا. وحين سألها عن سبب صمتها، قالت له: "والله ما رد عليك أبوك إلا ليقودك إلى حتفك. قل لي، هل قال لك أين توجد تلك النخلة الغريبة؟"
أجابها: "ومن أين لي أن أعرف؟"
قالت: "ظريفة، حكت لي جدتي أنه توجد واحة في وسط الصحراء لا تظهر إلا بضع مرات في السنة ثم تختفي عن الأنظار. ورآها أحد البدو ولم ينج إلا بشق الأنفس حينما طارده بشر لهم عين واحدة."
فسألها: "كيف يمكن الذهاب إليها؟"
أجابته: "لا يعلم ذلك سوى البدوي الذي رآها، وهو يسكن في مكان ما من الصحراء ولا أحد يعرف عنه شيئًا."
ترجاها أن تساعده، فأجابته: "تلك الصحراء مترامية الأطراف وكل من يدخلها يختفي إلى الأبد."
لكنه ألح عليها حتى وافقت على طلبه، وقالت: "سأسأل ساحرتنا، فهي عجوز لا أحد يعرف عمرها ورأت في حياتها كثيرًا من الغرائب."
وفي المساء جاءته وهي تبتسم وقالت له: "لقد أخبرتني الساحرة عن كيفية الوصول هناك، والجن عندهم إبل تقطع مسافة شهر في يوم واحد. وقد وافق أبي على إعطائك أحدها وتجهيزك بما يلزم للرحلة."
في الفجر تسلل نعمان وركب جمله. وفي خلال يومين وصل لتلك الصحراء وبدأ يسأل الناس عن البدوي الذي رأى الواحة العجيبة. وأمضى أيامًا وهو يدور ويسأل حتى تعب ولفحت وجهه الشمس الحارقة.
وذات يوم رأى رجلاً يحاول اصطياد شيء يأكله، لكنه كلما رمى فريسة أخطأها. وانتظر نعمان حتى رأى أرنبًا يجري بأقصى سرعة وصوّب إليه قوسه. فقال البدوي: "دعك منه، فلا أحد يقدر أن يصيبه."
لكن الفتى نظر إلى الأرنب وحسب حركاته ثم أطلق سهمًا، صفرّ في الهواء وأصاب رأس الأرنب. فتعجب البدوي وصاح: "لم أر في حياتي رمية بهذه الدقة. تعال إلى خيمتي وستطبخ لنا امرأتي قدرًا بهذا الأرنب، وتعدّ لنا أقراص الشعير."
وفي الطريق لم يتوقف البدوي عن تأمل جمل نعمان لشدة حسنه. ولما وصلا سأله: "ما الذي جاء بك لهذه الصحراء القاحلة وأنت لا تزال فتى يافعًا؟"
حكى نعمان عن قصته.
فقال البدوي: "يا لها من مصادفة عجيبة، فأنا هو ذلك الرجل. ولقد هبّت في أحد الأيام عاصفة قوية رمتني بعيدًا عن طريقي، وهنا رأيت تلك الواحة. فدفعني الفضول للاقتراب منها، وكان فيها أشجار غريبة الشكل وأهلها لهم عين واحدة. ولما رأوني حاولوا قتلي لكني هربت في الصحراء ولم يقدروا على اللحاق بي."
قال نعمان: "أريدك أن تدلني على تلك الواحة."
صرخ البدوي في خوف: "لو ذهبت إلى هناك سيفتكون بك."
فأخرج نعمان صرة من الذهب. فقال: "حسنًا، دوري أن أوصلك إلى هناك فقط وسأنتظرك قليلاً، فإن لم تجئ، ذهبت في حالي. هل فهمت؟ لقد حذرتك فلم تسمع كلامي. وستظهر الواحة خلال أربعة أيام. غدًا صباحًا نشد الرحال إلى هناك، والآن هيا إلى الطعام، فلقد فاحت رائحة الأرنب."
رواية حكاية نعمان الفصل الرابع 4 - بقلم Lehcen Tetouani
أكل نعمان وأعجبه الطعام، فلقد مل من أكل التمر. ثم جاء الشاي، فأحس الولد بالراحة بعد الأيام التي أمضاها وهو يدور في الصحراء. وفكر في حيلة يدخل بها إلى الواحة.
وفي الأخير قال: ما أصل، سأتدبر الأمر ولن أرجع إلا بالنخلة.
وفي الغد نهضا فجراً وركبا جملهما وسارا ثلاثة أيام. وفي اليوم الرابع ظهرت لهما الواحة من بعيد، وكانت فيها الأشجار والمياه، وتحلق في سمائها الأطيار.
ثم توقف البدوي وقال: سأرتاح تحت تلك التلة وسأنتظرك حتى ينتصف النهار ثم أرحل. هل مازلت مصراً على الذهاب؟
فأومأ له نعمان برأسه، ثم همز جمله وسار.
ولما اقترب رأى غديراً فيه جارية تستحم وتغني. فوقف ينظر إليها بإعجاب. وفجأة استدارت إليه فرأى أن لها عيناً واحدة.
أما الجارية فقالت له: أيها الغريب، ألا تستحي من النظر إلي؟
أجابها: وما يمنعني من ذلك؟ فنحن لسنا من نفس الجنس، ثم إني أجد أنك جميلة.
أحست بالزهو وقالت له: أحقاً تعتقد ذلك؟
ثم خرجت من الماء ووضعت ملابسها.
ولما اقتربت منه رأت أنه حسن المنظر وفي مثل عمرها، فأعجبها. وقالت له: نحن في العادة نقتل كل من يقترب منا، لكني لن أفعل ذلك، فلا يبدو عليك أنك لص ومظهرك يوحي أنك من الأمراء. أنا اسمي سعدى وأبي سيد القوم.
تعال إليه، فهو رجل ذو مروءة وشهامة.
وحين رآه أفراد القبيلة تجمعوا حوله وأخرجوا مخالبهم ليقتلوه. لكن البنت قالت: إنه في حمايتي، والويل لمن يقترب منه.
دخلت سعدى إلى أبيها وقالت له: ضيف بالباب. فتعجب وقال: منذ متى يأتينا ضيوف يا ابنتي؟
وخرج لاستقباله ودعاه للدخول. ثم أمر بإعداد طعام للضيف وسأله: من أي البلاد أنت؟ وما الذي أتى بك إلى هذا المكان البعيد؟
فأخبره بقصته. فحك الشيخ ذقنه وقال: دعنا نأكل أولاً ونشرب، فلا شك أنك متعب من السفر.
وبعد أن استراح نعمان، قال الشيخ: أعطيك النخلة على شرط أن تهديني شيئاً.
فأخرج له صرة الياقوت.
فأجابه: ما أريده هو إحدى عينيك.
ترجاه الفتى، لكن الشيخ أصر وصاح: لن تخرج من هنا قبل أن أحصل على ما طلبته. ثم أمر بحبسه في أحد الخيام.
فجاءته الفتاة وقالت له: كيف يمكنني أن أساعدك؟
فأجابها: اذهبي للتلة ستجدين أحد رفاقي، قولي له أن يقترب من هنا. فإذا رآه القوم طاردوه. وقبل أن تخرجي اقطعي قيودي، والياقوت هو هدية إليك.
وبعد قليل سمع الصيحات بين الخيام. فأطل برأسه ورأى الأغوال تجري وراء البدوي وترميه بالحجارة. فأسرع إلى جمله وركبه. وفي الطريق قلع على نخلة صغيرة من جذورها وفر بسرعة البرق محدثاً كثيراً من الغبار خلفه.
ولحق بالبدوي الذي قال: والله ما جملك من إبلنا، فقد عرفت ذلك منذ أن رأيته. ثم سار معه وأراه الطريق. وما هي إلا يومين حتى وصل إلى القصر، فوجد أمه في أسوأ حال من القلق عليه.
ولما شاهدته جرت إليه وهي تقول: لقد نصحتك بالابتعاد عن أبيك، لكنك لم تسمع كلامي. ويوماً ما سيقتلك ذلك اللعين ويتركني أبكي بقية عمري على موتك.
أجابها: ليس هذا وقت اللوم، فقد أحضرت ما طلب أبي.
ثم خرج من القصر ومشى قليلاً حتى وجد مكاناً أعجبه. زرع فيه النخلة وسقاها وسمدها. وفي الصباح تعجب لما وجد أنها قد كبرت.
وفي اليوم الثاني ظهرت العراجين والأغصان. وفي الثالث امتلأت بالتمر والرمان. وجاء الناس فأكلوا ورموا النوى، فنبتت بعد أيام أشجار صغيرة. وقيل له أن تلك الأرض مدفون فيها ولي صالح، ونمو الأشجار بتلك السرعة هو من كراماته.
لما سمع السلطان بما حصل نادى عجوزة الستوت وقال لها: ما أغبى نصيحتك! كنا ننتظر موته فنجا، وبدل أن يكون له نخلة صار له بستان، وهو الآن يطعم الفقير ويكسي المحتاج.
وقد التف حوله الناس من البسطاء. أريدك أن تجدي حلاً لقتله قبل أن يعظم أمره.
ففكرت وقالت: الحل يا مولاي أن نرسل إليه من يحرق القصر والبستان، فإذا فعلنا ذلك ضعف شأنه وانفض الناس من حوله.
قال السلطان: لكن سيشك الجميع في أني من دبر المكيدة.
أجابت: ليس إذا اعترف أحدهم بأنه قام بذلك، لأن الأمير يأوي السحرة والمشعوذين في القصر، وأن تلك النخلة العجيبة هي من أعمال السحر. وهكذا نضرب عصفورين بحجر واحد: نقضي على قوته ونشوه سمعته.
ضحك السلطان وقال: ما أشد خبثك! والله الشيطان نفسه لا يفكر في ذلك. ثم اختار عشرين من أقوى حرسه وطلب منهم تنفيذ المهمة دون أن يعلم أحد.
رواية حكاية نعمان الفصل الخامس 5 - بقلم Lehcen Tetouani
قسم رئيس الحرس رجاله إلى فرقتين.
واحدة تقترب من القصر وتختفي وراء الأشجار.
والأخرى تذهب إلى البستان.
والخطة كانت إضرام النار في النخيل.
ولما ينتبه أهل القصر ويخرجون، تقتحم الثانية وهي الأكثر عددا البوابة وتنهب كل ما يوجد هناك من مال وأشياء ثمينة.
وتضع النار.
وأوصاهم بقتل الأمير نعمان لو صادفوه في طرقهم.
ويجب أن يتم الأمر بسرعة ودون ترك أي أثر.
ولهم نصف ساعة فقط وهو سينتظرهم مع الخيل.
لكنهم ما كادوا يبتعدون قليلا حتى برز لهم رجال بيض بعيون زرقاء وعليهم الدروع والخوذات.
وشاهدوا في الظلام عشرات المشاعل.
وجاء نعمان ومعه الفلاحون وهم يلوحون بفؤوسهم وعصيهم.
فاندهش الحراس ورموا سلاحهم.
وصاح أحدهم: اللعنة، لقد كانوا في انتظارنا.
كيف علموا بالأمر؟
من المؤكد أن هناك من ينقل لهم أخبار السلطان.
جمعهم نعمان، وقال: ألا تعلمون أني أطعم الفقراء من البستان؟
وفي القصر جناح للأيتام أرعاهم أنا وسيدتكم أميمة.
تبا لكم ولما كنتم ستفعلونه.
فجثا الجنود على الأرض وقالوا: والله لم نكن نعلم شيئا.
وقيل لنا أنك تتآمر على السلطان.
فجئنا لحماية مولانا.
فنحن عبيده ونأكل من خيره.
فكر نعمان لحظة وقال لهم: ما رأيكم أن تكونون في خدمتي؟
سأعطي كل واحد منكم بيتا وأزوجه.
والمال هنا كثير.
نظروا لبعضهم وقالوا: نحن موافقون.
أجاب: حسنا.
والآن هيّا إلى القصر.
لما دخلوا وجدوا الموائد منصوبة وعليها أصناف الطعام والشراب.
فغسلوا أيديهم وأكلوا حتى شبعوا.
وجاءت أميمة، فوقفو وقالوا: سيوفنا في خدمة مولاتي.
فردت عليهم: يدي ممدودة إلى السلطان.
لكنكم تعلمون تعنته.
لذلك هو لا يتركنا في حالنا.
فوالله لا نريد جاها ولا سلطانا.
ونريد منكم مساعدتنا في إعمار هذه الأرض التي مات أهلها في وباء منذ قرن.
وهناك كثير من القرى الفارغة.
وفي الصباح ليختر كل واحد منكم بيتا وسنساعده على تأثيثه.
ثم صفقت بيديها فجاء رجال من الجن وأعطوا كل واحد منهم صرة مال.
وقالت: والآن هيا إلى النوم.
فلا شك أنكم تحسون بالتعب الآن.
وفي الليل كانت الجنية الصغيرة تسمع ما يقولون.
وفي النهاية ابتسمت وجرت إلى نعمان لتخبره بما سمعت.
أما قائد الحرس فلمّا رأى رجاله يقعون في الأسر جرى بحصانه طول الليل.
وفي الصباح أخبره بما حدث فاغتم السلطان وتعكر مزاجه.
فهذا يعني أن لا أحد بإمكانه إيقاف نعمان بعدما إنضم له عشرون من خيرة فرسانه.
ولم يعد يثق في أحد.
فمن أعلم نعمان؟
لا شك أن هناك خائن في القصر.
والآن لم تعد تنفع المكائد ولم تبق سوى القوة.
فتح الخزائن، واشترى السلاح وانتدب الرجال وملا القصر والبلاد بالجواسيس الذين ينقلون له كل ما يحصل.
وبالطبع كان له جاسوس عند نعمان وأخبره أن إبنه يستصلح الأرض، ويزرعها.
وأن الناس تفد إليه من كل مكان وتستقر في القرى الفارغة.
وهؤلاء يشتغلون في الزراعة والرعي.
وأنّه يدفع لهم أجرة جيّدة.
ولم يكن ينقص نعمان المال.
وصارت له قوافل، وسفن، وتجارة مع البلدان البعيدة.
وكان ذلك يزيد في خوف السلطان الذي زاد في الضرائب وبنى القلاع حتى عزل كل الإقليم الشمالي الذي به نعمان.
وأصبح الدخول والخروج يتم بمشقة شديدة.
واعتقد الرجل أنّه حل المشكلة.
لكن جفافا شديدا ضرب البلاد وجفت المراعي التي كان فيها البدو يرعون فيها إبلهم وماشيتهم.
ولم يعد لديهم ما يأكلونه.
فارسلوا وفدا إلى السلطان يطلبون فيه المساعدة.
لكن الخزائن كانت فارغة وكل المال ينفقه على القلاع والجيش.
فبدأ البدو يهاجمون القرى القريبة منهم وينهبون كل ما يجدونه.
ولمّا أعلمه الوزير بما يحصل ابتسم السلطان وقال: هل نسيت أن تلك القرى الغنية رفضت مساعدتي لتحصين مملكتي؟
وقال لي أشرافها: أن ما تفعله سينشر الفقر والجوع.
وفي النهاية أنت من ستقضي على نفسك، وليس إبنك نعمان.
وأنا لم أغفر لهم ذلك الكلام.
والله لولا أني مشغول بذلك الولد اللعين لعرفت كيف أعلّمهم الأدب.
رواية حكاية نعمان الفصل السادس 6 - بقلم Lehcen Tetouani
ظهر الانزعاج على وجه الوزير، فالسلطان أصبح يفتقد إلى الحكمة. وما قاله القرويون صحيح، فكل الناس الآن ناقمة عليه. وسيده ولولا فرسانه لثاروا على حكمه.
فقال: "أصلح الله مولاي، أرسل فرقة من جيشك وسيهرب أولئك البدو."
لكن السلطان قال: "كفى هراء، لن يكفي ذلك لإيقافهم والخسائر ستكون كبيرة. وأنا بحاجة إلى كل فرد لما تحين المعركة مع نعمان. هل فهمت أيها الأحمق؟"
ابتلع الوزير الإهانة وسأله: "هل يأذن سيدي أن أقترح حلاً يرضيه؟"
أشار له السلطان أن يتكلم. فقال له: "لو طلبنا من نعمان مهاجمة البدو في الصحراء، فإنهم سيرجعون للدفاع عن خيامهم. فإن قتلوا الولد استرحت منه، وإن هزمهم تخلصت من البدو."
حك السلطان ذقنه وقال: "ولكن كيف سنقنعه بذلك وهو يعلم أني أحقد عليه؟"
أجاب الوزير وهو يبتسم: "تعترف أنه ابنك، وهذا لن يكلفك شيئاً، مجرد كلام في الهواء."
وقف السلطان وأشار له بإصبعه وقال: "لقد قررت أن أجعلك مستشاري وأطرد أولئك المشائخ الذين أوصوا بالتصالح مع ابني وتوحيد المملكة. لكن في جميع الحالات فأنا من سيخرج منتصراً لو تحارب نعمان مع البدو."
"سأكتب لك رسالة تحملها إليه على جناح السرعة قبل أن ينهب أولئك الأوغاد قرى جديدة."
وصلت الرسالة لنعمان فادهش لما جاء فيها، فأبوه يعترف به وريثاً له ويُسامح أمه. لكنه لم يحس بالفرحة، فالناس الذين معه يثقون فيه ولا يريد زجهم في حرب لا تخصهم.
فكر قليلاً ثم ذهب إلى ملك الجن وحكى له عن ما يشغل باله. فأجابه: "لو لم تتحرك للدفاع عن مملكتك لاستاءت الرعية من ضعفك وخسرت محبتها لك. فلا تضيع الفرصة واضرب البدو في عقر دارهم، فهم لا يتوقعون مجيئك. وسنساعدك بالسلاح، فلنا الكثير منه وسيكون رجالي تحت أوامرك."
"فهيا أسرع ولا تضع الوقت."
أطلق نعمان النفير وجمع ما قدر عليه ثم زحف بجيشه من الإنس والجن. وكان يعرف أن أكثر من معه ليسوا من المقاتلة، لذا لن ينتصر إلا إذا استعمل الحيلة.
فاقترب من مضارب أكبر قبائل البدو في الظلام وقال للجن: "أنتم لا تحس بكم الكلاب، لذلك ستسوقون جمالهم وخيلكم ثم تلقون مشاعلكم على الخيام، وتهربون."
وفي نصف الليل كان أهل القبيلة يصرخون ويصبون الماء على الخيام التي احترقت بما فيها من طعام وأغراض.
ولما طلع الصباح تبددوا في الصحراء وأشرفوا على الهلاك. فجاء نعمان إلى ساداتهم وقال: "لقد هزمتكم بسهولة ودون حرب. فإن وعدتم بالكف أنتم وبقية القبائل عن مهاجمة القرى."
"فسأعطيكم ماء وطعاماً وأرجع لكم أموالكم. وسأرسل لكم قافلة من التمر والرمان، فلا شك أنكم سمعتم عنه. وأرضي لا تعرف الفقر."
تشاور القوم ثم أجابوا بالقبول.
وبعد أيام توقفت الغارات وجاءت قافلة عظيمة محملة بالماء والخيرات والكباش والماعز. وأصبح نعمان صديقاً لزعماء البدو بعدما رأوا أنه قد أوفى بوعده. وازدادت شعبيته بين الناس بعد هذا الانتصار الذي تم دون إراقة الدماء.
أما السلطان فقال: "كلما نصبت فخاً لذلك الولد خرج منه أقوى مما كان عليه من قبل. والآن أصبح ولي العهد، لكن لن أدعه يربح. لذلك يجب أن أعرف ما هو سر قوته؟"
"أنا متأكد أن هناك من ساعده في الذهاب إلى أرض الأغوال وفي أسر حرسي الأقوياء وفي حربه ضد البدو. فكيف دخل خيامهم دون أن تحس الكلاب؟"
ثم استدعى كبار السحرة الذين أخذوا يهمهمون ويعزمون. ثم قالوا له: "لقد عرفنا سر قوته، إنهم قبيلة من الجن المسلم الذين جاءوا وسكنوا قصراً مهجوراً تحيط به الأراضي. ولسيدهم بنت صغيرة يحبها حباً شديداً."
صاح السلطان: "عرفت كيف أفعل لأقضي على مصدر قوته. سأختطف ابنة ملك الجن وأجعلها رهينة عندي. وبذلك سيفكر أبوها مرتين قبل أن يقرر مساعدته في المجيء إلى قصري."
رواية حكاية نعمان الفصل السابع 7 - بقلم Lehcen Tetouani
في أحد الأيّام جاء رجل بحمار عليه زنبيلين أحدهما مملوء بالحلوى والآخر فارغ واقترب من القصر ثم أخذ يصيح:
أنا حلواني أصنع أطيب الحلقوم بالفستق وماء الورد وكعك اللوز تعالوا تذوقوا.
فتجمع النّاس حوله، وبدأوا يشترون وهم يشكرون بضاعته.
وكانت الجنية الصغيرة تطل من النافذة واشتهت أن تأكل من تلك الحلوى اللذيذة المتعددة الألوان فتردّدت قليلا.
ثم نزلت تجري و فتحت الباب.
لما رآها الحلواني قال لها:
تعالي يا بنية وخذي ما تشائين من ذالك.
لكن حين نظرت البنت وجدته فارغا.
وقبل أن تتكلّم دفعها الرجل في ظهرها فوجدت نفسها مكومة داخله.
ثم رمى عليها غطاء شده بإحكام وهمز الحمار الذي سار بسرعة.
رجع نعمان من البستان فتعجب من وجود الباب مفتوحا وسأل أمّه:
يبدو أن أحدا ما قد خرج وهذا شديد الغرابة فالجن يعيشون تحت القصر والأيتام الذين نرعاهم صغار وعليهم من يحرسهم.
لكني سأسئل ظريفة فهي الوحيدة التي يمكنها الصعود إلى القصر واللعب فيه لأنها إبنة الملك.
إلتفت نعمان حوله ناداها لكن لم يجبه أحد.
فبحث في كل القصر وبدأ يتحير فهي لا توجد في أي مكان.
ثم ذهب إلى أبيها وسأله لكن لم يرها طول النهار.
وخرج الجن وعادوا بعد قليل وقالوا:
لقد كان هناك بائع حلوى قرب باب القصر ولقد رحل بسرعة.
ضرب نعمان كفا بكف وقال:
لا داعي أن تبحثوا عنها فلقد خطفها أحدهم وأعرف من قام بذلك.
ظهرت الدموع في عيني ملك الجن وقال لنعمان:
سأعطيك ما تريد أحضر لي فقط إبنتي أرجوك.
ثم بدأ يبكي.
قال الفتى:
إهدأ، فالسلطان يفعل كل شيئ لأجل العرش وهو يخشى اتفاقنا ضده.
والله يعلم أني لم أفكر في ذلك رغم تأييد الأمراء لأتولي الحكم.
فلقد أصبح أبي يشكّ في كل من حوله ويخاف حتى من ظله.
لكن إسمع سأخبرك عن سر هناك جاسوس في القصر وسأكتب إليه لكي ينقذ ظريفة ويخفيها في مكان آمن.
ظهرت الراحة على ملك الجن وسأله:
هل تثق في ذلك الشخص؟
أجابه نعمان:
كل الثقة.
وضع الملك البنت في حجرة صغيرة داخل برج مرتفع لكي لا تقدر على الهرب.
وكان هناك خادم أكبر منها ببعض السنوات يأتيها بطعامها كل يوم ولاحظت أنه لطيف جدا معها.
ودائما يحضر لها في جيبه الحلوى التي تحبها.
وفي أحد الأياّم قال لها:
سآتي في الليل لإخراجك فاليوم يقيم الملك حفلة ويكون الجميع منهمكين في الأكل والشرب.
وأنت تلبسين ثياب الجواري وأنقلك لمكان في القصر لا يعرفه سواي.
سألته:
لماذا تريد إنقاذي؟
رد عليها:
لقد طلب مني نعمان ذلك هل استرحت؟
فرحت الجنية الصغيرة وشعرت بالاطمئنان.
وفي الموعد المحدد جاء الولد ثم أطل من الشباك ورمى حبلا.
فقالت له:
لا أستطيع النزول من هناك.
ضحك الخادم وقال:
هذا لكي نخدع القوم والآن ضعي هذه الملابس وسأنتظرك أمام الباب.
وحين خرجت لم يكن أحد يميزها عن جواري السلطان.
كان الحارس نائما وفي يده قنينة نبيذ.
فجريا حتى وصلا البهو وهناك اندسّا وسط المدعويين.
وبعد قليل نزلا درجا يقود إلى أسفل القصر وكانا يسمعان من فوق صوت الفتيات وهن يغنين.
ثم وقف الخادم وفتح بابا لا يكاد يظهر.
وقال لها:
أدخلي الآن فهذه غرفتي التي أعيش فيها.
ثم أشعل مصباحا فرأت ظريفة مكانا أنيقا مفروشا بالزرابي.
فسألته بدهشة:
من أين لك المال لتشتري هذا الأثاث الغالي؟
إبتسم ثم قال:
ستعرفين كل شيئ في أوانه.
هذا القبو قديم جدا وكان يختفي فيه الملوك عند وقوع ثورات ويدخله الهواء وفيه بئر ماء.
ومنذ زمن طويل لم يعد أحد يأتي إلى هنا بعدما فتحوا سردابا يقود إلى خارج المدينة.
كوني مطمئنة فلا أحد يعرف دهاليز القصر وأسراره أكثر مني.
رواية حكاية نعمان الفصل الثامن 8 - بقلم Lehcen Tetouani
في الصباح جاء الخادم للسلطان وقال له:
لقد هربت ظريفة ويبدو أن أحدًا قد ساعدها.
فجن الرجل وجرى إلى البرج، فرأى الحبل يتدلى من النافذة، فأمر رجاله بإغلاق المدينة وتفتيش البيوت.
وكان السلطان غاضبًا وجمع كل من في القصر ليسألهم وهدد بتعذيبهم إن لم يتكلموا.
ولما جاء دور الخادم واسمه حسن قال له:
لقد جاع الناس بسبب نبوءة أفسدت تدبيرك وصنعت بسببها عدوًا، واليوم سيتحقق ما كنت تخشاه يا مولاي.
كان السلطان يستمع بدهشة وهو يتميز غيظًا ثم صاح:
أنت إذا هو الخائن الذي ينقل أخباري!
ثم ضحك وقال:
أخبرنا إذا أيها الأحمق كيف ستتحقق النبوءة ونعمان بعيد عني ودونه الوديان والجبال؟
قال حسن:
القابلة أنقذت ولدًا آخر من الموت وأخفته في دهاليز القصر وعاش طول عمره يحلم بالانتقام، ولقد جاء أخيرًا هذا اليوم.
ثم أخرج عقدًا من الذهب وضعه في رقبته وقال:
ألا تذكر هذا العقد فلقد أهديته إلى أمي ليلة عرسها؟
وقف السلطان وصاح في الحرس:
اقتلوا هذا الفتى!
لكن الوزير قال:
هل هذا صحيح يا مولاي؟
أجاب بحنق:
وما يهمك؟ هيا نفذ ما أمرتك به.
وقف أحد الحراس بجانب حسن وقال:
إذا اقتلوني مع الأمير.
وبكى كل الحرس وقالوا:
نحن أيضًا نموت معه فلم نر منه سوى الخير.
ثم التف حوله الطباخون والخدم والجواري.
فصاح السلطان:
إذا هي مكيدة.
وأراد الخروج لكن أحد الخدم جرى وأغلق الباب.
قال السلطان:
لما يرجع رجالي من المدينة سيقتلونكم.
هتف أحد الرجال:
بل أنت من سيموت الأول أيها الظالم.
حان الوقت لتترك العرش لابنك حسن.
جرى السلطان ناحية النافذة وقال:
لن تلمسني أيديكم القذرة.
وصاح حسن:
لا تفعل ذلك!
لكن أبوه أجابه:
إياك أن تقترب مني.
ثم قفز من النافذة وتحطمت عظامه.
جلس الفتى على العرش وقال:
افتحوا المخازن وفرقوا القمح عن الجياع.
وانتشر الخبر فلاحق الناس أعوان السلطان ومحقوهم، وأعلن قادة الجيش ولاءهم لحسن، ورفعوا الحصار عن نعمان الذي سار في موكب عظيم وهو يفرق الأموال ويطعم الفقراء.
ولما وصل إلى القصر عانق أخاه وبايعه على الملك، ثم التقى بحبيبته ظريفة وهنأها على سلامتها، وفكر قليلًا ثم قال:
سأبقى مع أخي الذي حرمت منه كل هذه السنوات.
فرح حسن لما سمع ذلك وقال له:
سأعينك قائد الجيش فلا أحد في المملكة له شجاعتك، والآن سنجهز لعرسك.
فجاء ملك الجن مع قومه ونصبت الموائد وأكل الناس وانبسطوا، ونسيت الرعية ما حلت بها من حرب وجوع سببه خوف السلطان على العرش.
وفي الأخير أنهى حياته بيده وبطلت النبوءة.
في الليل جاءت أم حسن لابنها وقبلته وقالت:
كل هذه الفترة اعتقدت أنك قد مت، ولما سمعت الخبر لم أصدق نفسي حتى رأيتك.
فقص عليها حكايته وكيف أشفقت القابلة عليه.
ثم قالت له:
لقد أخطأت بإبقاء أخيك هنا ومنحته قيادة الجيش، ولا تنس أن أبوه اعترف ببنوته له وأعطاه ولاية العهد، وسيأتي اليوم الذي يطالب فيه بحقه وأنت لا تقدر عليه فمعه الجن والبدو وأهل الشمال وأمواله لا حصر لها.
والرأي أن تخلص منه ما دام بين يديك.
فكر قليلًا ثم أجابها:
ما الفرق بينك وبين أبي؟ لا تفكرون إلا في العرش ونسيتم أننا بشر نريد أن نحيا كغيرنا، وأنا لا أعادي أخي من أجل الحكم، والله لو أراده لمنحته له.
ورجعت لدهليزي الذي عشت فيه، أرجوك أمي لقد مات أبي فلا أريد أن أكون مثله.
وهناك أحد جواري القصر اسمها سارة أريد أن أتزوجها.
فأجابته:
انتظر حتى أختار لك أحد بنات الملوك فتساعدك على توطيد حكمك.
لكنه أجاب:
ما دام أخي بجانبي فالمملكة بخير، ثم أنا لن أتزوج إلا من يحبها قلبي.
وتزوج حسن من سارة وأصبحت الفتاة من أعظم الملكات، عاش الأخوان في سعادة وتوحدت المملكة وكثر الخير حتى أصبح صاع الشعير بدرهم والتمر والرمان بنصف درهم وصار الجن يتزوجون من الإنس ويحضرون أعراسهم.
لقد تعلم الجميع من الأخوين المحبة فصلحت حالهم.
أما أبوهم فأدى به الحقد إلى نهايته وأساء لنفسه ورعيته.