تحميل رواية «حكاية حب مهار» PDF
بقلم Lehcen Tetouani
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
في إحدى القرى، كان هناك إقطاعي، رجل طيب وكريم، رزقه الله المال والأراضي والممتلكات، وزوجة صالحة، وثمانية ذكور. كان الرجل يتمنى في قرارة نفسه ابنة أنثى لتكون الحنونة التي ستعيله وزوجته في كبرهما. استجاب الله لدعائه، فحملت زوجته وأنجبت له ابنة. من شدة فرحه بها، سماها حب مهار. لكن القدر شاء أن تموت زوجته أثناء ولادة صغيرتها. حزن الرجل وأهل بيته والناس في القرية حزنًا شديدًا. الصغيرة الجميلة عوضته قليلًا عن غياب أمها، أحبها والدها حبًا شديدًا، وكانت مدللته ومدللة أخوتها. لم تكن تطلب شيئًا مرتين لشدة...
رواية حكاية حب مهار الفصل الأول 1 - بقلم Lehcen Tetouani
في إحدى القرى، كان هناك إقطاعي، رجل طيب وكريم، رزقه الله المال والأراضي والممتلكات، وزوجة صالحة، وثمانية ذكور. كان الرجل يتمنى في قرارة نفسه ابنة أنثى لتكون الحنونة التي ستعيله وزوجته في كبرهما. استجاب الله لدعائه، فحملت زوجته وأنجبت له ابنة. من شدة فرحه بها، سماها حب مهار.
لكن القدر شاء أن تموت زوجته أثناء ولادة صغيرتها. حزن الرجل وأهل بيته والناس في القرية حزنًا شديدًا. الصغيرة الجميلة عوضته قليلًا عن غياب أمها، أحبها والدها حبًا شديدًا، وكانت مدللته ومدللة أخوتها. لم تكن تطلب شيئًا مرتين لشدة حبهم لها.
مرت الأيام وكبرت حب مهار لتكون أجمل فتيات القرية وأكثرهن خلقًا وتهذيبًا وعلمًا ودينًا. كانت كلما تمشي في السوق، يحيط بها أخوتها الثمانية من كل جانب ليحموها حتى من نسمة هواء قد تؤذيها. كان هذا الجمال والحب والمعاملة سببًا كافيًا لتغار منها كل فتاة تراها، وليعشقها كل شاب تقع عيناه عليها.
كبر الإخوة وأصبحوا ثمانية رجال ضخام وأقوياء. آن لكل منهم أن يصبح لديه زوجة وأسرة. لكن الأبناء خجلوا من أبيهم، فطلبوا من أختهم أن تخبر والدهم برغبتهم، لأنهم كانوا يعرفون جيدًا أن والدهم لن يرفض لأميرته أي مطلب.
فرح أبوهم بذلك فرحًا عظيمًا، وراح يخطب لهم بنات القرية والشيوخ والعلماء. كان رضا حب مهار عن العرائس هو أهم شروط والدها. اختار الأب وابنته العرائس الثماني، وزوج أولاده جميعًا في يوم واحد. أقيمت الأعراس والمآدب لسبعة أيام وليالٍ.
أحب الرجل زوجات أبنائه وفرح بهن فرحًا عظيمًا، فقد أصبح لديه ثماني بنات، وعاملهن أفضل معاملة. لكن سيدة قلوب الجميع كانت حب مهار، وهذا كان سببًا كافيًا لإيقاد نار غيرة زوجات الإخوة، اللاتي كن يتمنين ذلها وموتها لما رأينه من حب عمّهن وأزواجهن لها.
مع أنها كانت لطيفة معهن وتحبهن ولا تضمر لهن أي حقد، رحن يتشاورن ويتهامسن ويحكن المؤامرات عليها. أحس الأب بشر نفوسهن، ولكنه ما كان ليظلمهن بإحساس في قلبه. لكن من التي ستتجرأ على الاقتراب منها أو رميها ولو بوردة؟ سيكون ذلك اليوم آخر يوم لها في القرية، أو ربما في الحياة، فالرجل ما كان ليسكت عن ظلم يصيب ابنته أو أذى يُحاك ضدها.
مرت الأيام والشهور، ووالد حب مهار في انتظار يوم السعد والمنى، عندما يفرح بأميرته الصغيرة التي أصبحت شابة بعمر الزهور، ويزوجها لابن أحد، ربما فارس شجاع أو تاجر كبير يليق بجمال وأخلاق ابنته الجميلة. لكن لا شيء في الحياة يمكن أن يكتمل، فالموت كان أقرب إليه.
مرض الأب مرضًا شديدًا وشعر باقتراب أجله، فنادى أولاده الثمانية ليوصيهم آخر وصاياه. كان رأسه في حجر حب مهار. التف الرجال الثمانية حول سرير أبيهم، الذي خاطبهم بحزن وقال: "يا أبنائي، كنتم لي قرة عين ونعم الأبناء. تعملون في حقلكم وتعتنون برزقكم. قلبي راضٍ عنكم. أوصيكم بأن تسعدوني في قبري كما أسعدتموني في بيتي. أوصيكم بالفلاحين خيرًا، ولا تنسوا الفقراء والمساكين والصدقة، وكونوا يدًا واحدة، فـ "يد الله مع الجماعة". وأحرصوا على أختكم، ولا تنساقوا وراء كيد النساء. أختكم أختكم هي مفتاح رضاي عنكم. وإن ظلمتموها، فليغضب عليكم الله."
كانت تلك آخر كلماته. مات وهو يوصي الإخوة بأختهم، وكأنه كان يشعر بما سيحل بها من بعده. عم الحزن في قلوب كل أهل القرية، واتشحت النساء والرجال بالسواد، وبكى الصغير والكبير حزنًا على ولي نعمتهم من بعد الله.
أما حب مهار، فكان حزنها الأشد. ظلت تبكي وتبكي لأيام، وما عادت ضحكتها تزين شفتيها. لكن أخوتها لم يتركوها على هذا الحال، فصاروا يغمرونها بالحلي والهدايا، ويأخذونها في رحلات، ويفعلون المستحيل حتى ترضى وتفرح وتعود شمعة بيتهم.
مرت الأيام في القرية وعادت السعادة مؤقتًا إليهم، لأن القادم أعظم. وصلت نار غيرة زوجات الإخوة إلى أوجها، فأصبحت قلوبهن مليئة بالغل تجاه هذه الشابة الرقيقة، وذنبها الوحيد هو حب أخوتها لها وامتثالهم بوصية والدهم. مع أنها كانت بريئة من كل ذلك، حتى خطرت في بال كبراهن خطة شيطانية ستقلب المنزل فوق رأس أهله. سوف يطعن الفتاة بأغلى ما تملك، شرفها.
رواية حكاية حب مهار الفصل الثاني 2 - بقلم Lehcen Tetouani
بعد أن عادت السعادة مؤقتاً إلى عائلة حب مهار بفقدان والدها، حتى وصلت نار غيرة زوجات الأخ إلى أوجها، فأصبحت قلوبهن مليئة بالغل تجاه هذه الشابة الرقيقة، وذنبها الوحيد هو حب أخوتها لها وامتثالهم لوصية والدهم.
بدأت النساء في حياكة خيوط المؤامرة، فإحداهن تقول لزوجها: "أختك تقضي كل النهار تتجمل وتتزين، لمن هذا يا ترى؟" فيخرسها. والأخرى تقول: "انكسر ظهري بأعمال المنزل وأختك لا تعمل إلا القليل." فيسكتها. ورحن يرمين الفتاة بسهام غيرتهن.
مع أنها كانت بريئة من كل ذلك، حتى خطرت في بال كبراهن خطة شيطانية ستقلب المنزل فوق رأس أهله. سوف يطعن الفتاة بأغلى ما تملك، شرفها. وبدأت النساء في حياكة خيوط المؤامرة.
وجاء اليوم المشؤوم، فطلبت من زوجها أن يصطحبن حب مهار في نزهة إلى نهر مجاور في القرية، بحجة إسعادها والترويح عنها.
فرح الأخ بذلك فرحاً عظيماً، وسألها عن طلباتهن.
فقالت: "لا نريد إلا حبات حمص مملحة ومحمصة بطريقة خاصة لنتسلى بها على الطريق."
وفعلاً خرجت النساء الثمانية ومعهن حب مهار، وظلت النساء كل الطريق يطعمنها القضامة حتى جف حلقها من العطش لشدة ملوحتها، فطلبت منهن الماء. وهنا جاء وقت تنفيذ مخطط التخلص منها.
فقد وضعت زوجة الأخ الكبرى فرخ أفعى في قارورة الماء، ولشدة عطش حب مهار لم ترى أو تحس بذلك الفرخ. ورفعت قارورة المياه وشربتها كلها حتى آخر قطرة. فدخل الثعبان الصغير لبطنها لحسن التطواني. ومرت الأيام والثعبان يكبر في بطن الشابة، وراحت نساء البيت يتهامسن مع أزواجهن عن بطن أختهن التي تكبر يوماً بعد يوم، مشيرات بذلك إلى أنها حملت حراماً.
جن جنون أخوة حب مهار، التي كانت تتألم بصمت دون أن تعلم ما خطبها. ولشدة خوفهم من الفضيحة، قرروا قتلها. ووافقتهن نساؤهم على ذلك القرار بحجة غسل العار.
فأوكلوا المهمة لأخيهم الصغير، الذي كان أشدهم حباً لحب مهار، فقرر أخذها للغابة وقتلها. وفي نهار اليوم التالي، أخبر الأخ أخته أنه يرغب بزيارة خالتهم التي تسكن في إحدى القرى البعيدة، وعرض عليها الذهاب معه.
فرحت حب مهار كثيراً، ووضبت أغراضها، وساروا في دربهم. راح الأخ يسير في الغابات والجبال الموحشة لساعات وساعات وهو يتهيأ لقتلها، ولكنه في كل مرة يتذكر وصية أبيه وحبه لأخته، فيقول في قرارة نفسه: "لنمش قليلاً."
بعد وحل الليل، والأخ لم يقم بواجبه بعد، فخطرت في باله فكرة بأن يترك أخته في البرية لتأكلها الوحوش، فيغسل عاره ويقوم بما أوكل إليه، ولا يلوث يديه بدم غاليته ووصية والده له.
وفعلاً قال لها: "أختي، أنا تعبت وانهكت من السفر، ما رأيك أن نبيت هنا الليلة وغداً نكمل lehcen Tetouani."
فوافقت حب مهار، وقالت له وهي خائفة من ظلام الغابة: "بشرط أن أنام على عباءتك." وفعلاً نام الأخ وفرش عباءته تحت رأسها، وانتظرها لتنام. وما إن أحس بغفوتها، حتى قام بسكينه بقطع جزء العباءة الذي افترشه رأس أخته، بعد ما وضعت أمان العالم كله بأخيها.
وسار في الظلام تاركاً أخته في تلك الغابة الموحشة المظلمة، التي لا يقطع عتمتها إلا ضوء بدر في السماء، ولا يسمع فيها إلا عواء ذئب ونحيب بومة جائعة. وجدت نفسها وحيدة، فراحت تبكي.
حل الصباح واستيقظت حب مهار، ويا للهول، لم تجد أخاها. أحست بهم وحزن شديد، وراحت تبكي وتنوح. وما زاد همها آلام بطنها الشديدة، فكانت تحس بسكاكين تقطع أمعائها. ولشدة حزنها، رفعت يديها إلى السماء ودعت قائلة: "يا رب، إن كان أخوتي فعلوا هذا بي عمداً، فيبس زرعهم وجفف مائهم وعقر دوابهم ونسائهم، وليصيبك الله يا أخي الصغير بمرض لا يشفيك منه غيري."
حملت قطعة العباءة تلك، ووضعتها في كيس قماشي كانت تضع فيه حليها. وفجأة سمعت أصوات حوافر خيول قادمة نحوها وصياح رجال، وكأنهم صيادون أو قطاع طرق. فلم تر أمامها إلا أن تتسلق تلك الشجرة التي نامت تحتها هي وأخوها. تسلقت الشجرة واستقرت فوقها بخوف وترقب.
رواية حكاية حب مهار الفصل الثالث 3 - بقلم Lehcen Tetouani
تسلقت حب مهار الشجرة واستقرت فوقها بخوف وترقب. كان هناك رجلان، أحدهما شاب جميل الوجه تبدو عليه وعلى هندامه أنه من علية القوم، والآخر كأنه خادم له.
وقف الرجلان تحت ظل الشجرة ليرتاحا قليلاً، فارتبكت حب مهار وخافت. أوقعت شيئاً من أغراضها، وهنا رفع الشاب رأسه وعرف بوجود أحدهم. صاح:
"إنس أم جان؟"
فلم ترد عليه من خوفها.
أمر الشاب خادمه بأن يصعد ويستطلع الأمر، وقال له:
"إن كان إنساً فهو لي، وإن كان جاناً أو كنزاً أو صيداً فهو لك."
صعد الخادم وانصدم بوجود أجمل فتاة رآتها عيناه، حتى أنه نسي سيده في الأسفل. صاح عليه الشاب منبهًا إياه:
"ها يا غلام، ما يكون؟"
فقال:
"هي فتاة."
وأنزلها ونزل.
نظر السيد إليها نظرة جعلته يذوب عشقاً بها، ولكنه لاحظ ارتجافها خوفاً فطمأنها وقال لها:
"عليكِ الأمان."
وأخذها معه إلى قصره. عندما وصلوا، رأت الكل يرحب به وينادونه الأمير علي.
وصل الثلاثة إلى قاعة استقبال القصر، وهنا أخبرها الشاب بأنه أمير البلاد وهذا خادمه. سألها:
"من أنتِ؟"
فخافت إن هو عرف قصتها أن يرسل وراء أهلها.
فقالت له:
"أنا ابنة راعي غنم وتهت عن أبي وبيتي بعد أن خرجت أبحث عن دواء لألم أصاب بطني."
أعجب الأمر بحب مهار وأحبها من أول نظرة. أمر طبيبة القصر أن تكشف عليها لتعرف علة بطنها، إن كانت صادقة أو هي زانية هربت خوفاً من العقاب.
فقالت الطبيبة:
"الفتاة طاهرة شريفة، وما ببطنها هو من طرف البطن وليس الرحم."
وأعطتها دواء قائلة:
"إن كان شيء في بطنك العلوي فستتقيائينه أو يخرج، وإن كان من بطنك السفلي فسيخرج أيضاً."
شربت الفتاة الدواء وأحست بثقل في رأسها وغابت عن الوعي. راحت بطنها تصدر أصواتاً وتغرغر وكأن فيها طبلاً، وكل ذلك تحت مراقبة الطبيبة والأمير وبعض الحاشية.
وفجأة ظهر رأس أفعى من فم الفتاة، وراحت تزحف خارجة من فمها. وإذا بالفرخ قد أصبح حية كبيرة زحفت خارج فم الفتاة المسكينة. ضرب الأمير تلك الأفعى بسيفه ففصل رأسها عن جسدها، وبين استغراب وتساؤلات وخوف الجميع.
بدأت الفتاة تستعيد وعيها وتفاجأت ببطنها قد عادت كما كانت. سألتهم عن الذي حصل، فروى الأمير لها بالتفصيل وأراها الحية ورأسها المقطوع.
بكت حب مهار بكاء حزن لما آل إليه حالها، ممزوجاً بسعادة تخلصها من ذلك الألم وبيان صدقها. احتفظت بذلك الرأس الملعون في كيسها القماشي.
طلب الأمير منها الزواج فوافقت وأقام لها الأفراح وعاشا معاً في سعادة. أنجبت له ولدين كالأقمار. ولكن بعد تلك السنين، اشتاقت حب مهار لأخوتها وتساءلت عن أحوالهم وأصابها حزن لم يعرف له الأمير سبباً.
فسألها عن سبب حزنها؟
فقالت له:
"أنت الآن زوجي يا أمير علي، وأنا سأخبرك قصتي كاملة، ولكن بشرط أن تعدني بالسماح لي أن أزور أهلي."
وقصت عليه القصة، فاستغرب الأمير لقصة زوجته ومدى الظلم الذي تعرضت له.
فأمر لها بعربة تأخذها هي وولديها وخادمه المخلص إلى أهلها، وأمهلها شهراً تعود من بعدها. فرحت بذلك، ولكنها لم تعلم بأن ظلماً جديداً ومكيدة قبيحة تحاك ضدها.
فبعد مسيرة أيام على الطريق، جن جنون الخادم ولعب بعقله الشيطان وراود الأميرة عن نفسها. فرفضت ذلك رفضاً، فأخذ أحد ابنيها وقال لها:
"إذاً سأقتل ابنك إن لم تعطيني ما أريد."
رواية حكاية حب مهار الفصل الرابع 4 - بقلم Lehcen Tetouani
بعد مسيرة أيام على الطريق، جن جنون الخادم ولعب بعقله الشيطان. راود الأميرة عن نفسها، فرفضت ذلك رفضاً. فأخذ أحد ابنيها وقال لها: "إذاً سأقتل ابنك إن لم تعطيني ما أريد".
فقالت له: "ابني عندي أهون من أن أسلمك شرفي يا خائن الأمانة". وفعلاً قتله.
جاءت الأم المكلومة إلى ولدها تبكيه، راحت تحتضنه وتحتضن أخاه الحي. طلبت منه أن تدفن صغيرها. وفي غفلة عن الخادم، قطعت أذني ابنها ووضعتهم في كيسها القماشي.
أمسكها ذلك النذل وأكملا طريقهما، وهي خائفة على ابنها الثاني. وحصل ما كانت تخاف منه.
فقد راودها عن نفسها ثانية، ولكنها رفضت للمرة الثانية. فقتل فلذة كبدها الثاني. وطلبت منه ثانية أن تدفنه. وفعلت بأذنيه ما فعلت مع أخيه.
كانت خائرة القوى، فالخادم قد حرمها الطعام والماء وقتل ولديها. وعاد وراودها عن نفسه. فقالت له: "إنها موافقة بشرط أن يسمح لها أن تذهب لتقضي حاجتها وراء صخرة".
فوافق وهو سعيد، ظناً بأنه سيحصل مراده. ولكن الأميرة خيبت ظنه. فراحت تركض بين أشجار الغابة بأسرع ما تقدر وتبحث عن مكان تختبئ فيه، والخائن يلحقها ويتوعدها بالقتل.
وفجأة سقطت الأميرة في نهر ماء، وأخذها تيار الماء القوي الشديد البرودة. فقال الخادم في نفسه: "أكيد أنها ماتت من السقطة أو برودة الماء. سأعود إلى القصر وأخبر الأمير أنها هربت مع ولديها ولم أستطع اللحاق بها". وعاد أدراجه ظناً منه بأن الأميرة ماتت. ولكن ما كان الله ليتركها تموت قبل أن تأخذ حقها ممن ظلموها.
أرست مياه النهر الأميرة على ضفة إحدى القرى. وتفاجأت الأميرة كيف أن الماء في ذلك الجزء من النهر شحيح جداً، على الرغم من غزارته في باقي الأجزاء.
نظرت حولها فلم ترى إلا راعٍ نحيل يظهر البؤس على معالمه، يرعى معزتين تكاد تظهر عظامهما من شدة الجوع. فسألته: "أين أنا؟".
أجابها: "أنت في قرية سربست".
فسألته: "ولماذا الشجر كله يابس والماء شحيح عندكم؟ وأين ماعزك التي ترعى، مع أن الدنيا ربيع وهو وقت اخضرار الزرع وتدفق مياه ذوبان الثلوج وولادة الماعز والأغنام والأبقار؟".
فأجابها الراعي بحزن وألم: "منذ أن رحلت عنا سيدة القرية، حب مهار، ونحن في قحط ومجاعة. فمنذ سنوات لم يخضر زرعنا، حتى أننا أكلنا الحشائش اليابسة. ولم يجري مائنا، حتى أننا انتظرنا دوابنا لتبول فنشرب بولها. ولم تلد حيواناتنا ونساؤنا. وعم الحزن والخراب كل القرية. وما زاد ذلك الحزن مرض أصاب الرئيس الصغير، عجز عنه كل الأطباء، وهو راقد في سريره لا هو ميت ولا هو حي".
وقفت حب مهار أمام النهر ودعت الله قائلة: "يا من عرفت أنني مظلومة وقبلت دعائي أول مرة، أقبل دعائي ثاني مرة. يا رب أكثر مائهم وانبت زرعهم وخصب إناثهم حتى لتلد أحداهن في الحال ومن غير شهور حمل".
وما أن أنهت جملتها حتى جرى الماء في النهر ونبت العشب الأخضر كالمعجزة. وصاح الراعي لهول ما رأى، فقد وضعت كل واحدة من معزاته ثلاث صغار وامتلأت ضروعهن حليباً.
فسألها عمن تكون، وهل هي ملك من السماء؟
فأجابته: "ستعرف من أنا في الوقت المناسب. ولكن ألا تعطيني شيئاً جزاء دعائي هذا؟".
فقال لها: "اطلبي ما تشائين".
فقالت له: "أريد كأس حليب أشربه، وجدي صغير أكله، والعباءة الذي عليك ألبسه".
فقال لها: "لك ما طلبت".
وشربت حب مهار الحليب، وذبح لها الجدي وشواه لتأكل لحمه. وطلبت منه كرش الجدي الصغير، وأخذت الفروة. وذهبت خبأت شعرها بكرش الجدي وغطت رأسها بالفروة ولفت نفسها بها، ودهنت وجهها ببعض رماد الشوي، فبدت كمتسولة قبيحة قرعاء.
واتجهت تمشي في القرية التي بدأت تعلو فيها أصوات السعادة والفرح لعودة الخير والماء. وصلت إلى بيت أهلها، ولكنه على عكس أهل القرية كان صامتاً ولا يُسمع منه إلا صوت بكاء خافت.
رواية حكاية حب مهار الفصل الخامس 5 - بقلم Lehcen Tetouani
اتجهت حب مهار تمشي في القرية التي بدأت تعلو فيها أصوات السعادة والفرح لعودة الخير والماء.
وصلت إلى بيت أهلها ولكنه على عكس أهل القرية كان صامتاً ولا يُسمع منه إلا صوت بكاء خافت.
دقت الباب وفتح لها أخوها الكبير.
أخفت شوقها وكبتت مشاعرها وقالت له: "هل من خبزة لهذه الفقيرة؟"
فقال لها: "اذهبي عني واتركيني في حالي."
فقالت له: "وما بك حتى ترفض أن تطعم هذه المسكينة؟ أخبرني فقد أساعدك."
فقال لها: "ومن أنتِ أيتها القرعاء القذرة لتساعديني؟ لقد عجز حتى طبيب الهند عن مساعدتي، فأخي الصغير طريح الفراش منذ سنوات ولم يُعرف دوائه، وها هو لا ميت ولا حي."
فقالت له: "وكيف مرض؟"
قال: "كان عائداً من الغابة وداس على شيء حاد ألمه بشدة، ومنذ وقتها وهو غائب عن وعيه."
قالت له: "وماذا إن شفيته لكم بإذن الله؟"
فقال لها: "تطلبين ما تشائين ولو كانت كل أملاكنا وأموالنا."
دخلت معه حب مهار وفُجعت حين دخلت غرفة أخيها.
كان إخوتها السبعة مع نسائهم وزوجته يجلسون حول السرير ويبكون.
أبعدتهم المتسولة عن السرير وجلست عند رجلي أخيها وقالت لهم: "قبل أن أداويه أريد أن أقص عليكم قصة."
وافق الجميع على مضض.
راحت تحكي قصة فتاة أخذتها نسوة أخوتها في نزهة وقمن بمؤامرة شيطانية ضدها، ورحلتها المشؤومة مع أخيها ولقائها بأمير عالجها وتزوجها.
وأنجبت منه، وشوقها لأهلها لحسن التطواني رغم ظلمهم وفعلة الخادم الشنيعة معها وقتله ولديها، وما آل إليه حال قريتها وأهلها من بعد ما ظلموها.
فصُدمت النساء من شدة الخوف وسألنها: "من أنتِ وكيف عرفتي ذلك؟"
فأظهرت رأس الأفعى وقطعة العباءة وأذني أبنائها وقالت: "والله لا أحكي ولا أشفي هذا العليل حتى تعترفن بمؤامرتكن."
فقصت زوجة الأخ الكبير القصة كاملة أمام الجميع تحت تهديد زوجها لها بالسيف وقطع رأسهن واحدة واحدة.
وهنا راح الإخوة يبكون لما فعلوه بأختهم ويطلبون من الله لقاءها ليستسمحوا منها، وليغفر الله لهم ويرضى والدهم عنهم في قبره.
وطلبوا من المتسولة أن تدلهم عليها.
في تلك اللحظة أزالت حب مهار الكورك وأزالت الكرش عن رأسها وقالت: "ها أنا يا إخوتي."
وقفت عند قدمي أخيها ودعت قائلة: "اللهم كما أصبته بالمرض فاجعل شفاءه على يدي."
وما إن لمسته حتى خرجت من قدمه شوكة سوداء بحجم إصبع.
اتضح أنها شوكة مسمومة تعود لإحدى الحيوانات.
واستيقظ الأخ على الفور ورأى حوله إخوته وحب مهار.
فاحتضنها وراح يبكي ويطلب منها السماح.
أخبرتهم كل ما جرى معها بالتفصيل.
وطلبت منهم أن يرافقوها لقصر زوجها أمير البلاد حتى تروي له ما حصل لها من بعده.
رافقوها إلى المدينة بعد توعدهم لزوجاتهم بالعودة والانتقام ما أن ينهوا عودة أختهم إلى زوجها ويشرحوا له ما حصل معها له.
دخلت إليه مع إخوتها الثمانية ورأته جالساً على كرسيه حزيناً.
وبجانبه الخادم النذل الذي أخبره أن زوجته هربت مع ولديه وعشيقها.
وأمرت الجنود بأن يعتقلوا ذلك الخائن.
وشرحت مع إخوتها كل ما حصل معها وأرته أذني ولديها دليلاً على براءتها.
طبعاً صدقها زوجها وأمر بإعدام الخائن.
وعادت إلى زوجها وأهلها معززة مكرمة.
وعوضها الله كل حرمان ذاقته.
وأنصف القدر حب مهار بعد أن ظلمها البشر.
ونصر الله الحق على الظلم بعد عذاب مرير ولسنوات عانته شابة صغيرة تدعى حب مهار.