تحميل رواية «جريمة فيلا سقارة» PDF
بقلم محمد ابراهيم عبد العظيم
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
م أنا المقدم صخر الجمّال، مقدم في المباحث الجنائية. الجريمة حصلت يوم 14 يناير سنة ٢٠١٧ وقتها الساعة كانت بتقرب على ٣ الفجر، كنت لسه مروّح البيت، يدوب قلعت الجزمة وقعدت على الكنبة، لقيت التليفون رن بيرن، كان صلاح أمين الشرطة رديت وأنا مرهق: _أيوة يا ابني.. فيه إيه؟. -يا باشا آسف على الإزعاج، بس فيه بلاغ وفاة في فيلا رجل الأعمال شاهر الزيات في سقارة. _وفاة؟ وفاة طبيعية ولا فيه شبهة؟. -والله يا باشا مراته اللي بلغت، وبتقول إنه مات وهو نايم، ومفتش الصحة وصل هناك وقال مفيش إصابات ظاهرية، بس عشان الرا...
رواية جريمة فيلا سقارة الفصل الأول 1 - بقلم محمد ابراهيم عبد العظيم
م
أنا المقدم صخر الجمّال، مقدم في المباحث الجنائية.
الجريمة حصلت يوم 14 يناير سنة ٢٠١٧
وقتها الساعة كانت بتقرب على ٣ الفجر، كنت لسه مروّح البيت، يدوب قلعت الجزمة وقعدت على الكنبة، لقيت التليفون رن بيرن، كان صلاح أمين الشرطة رديت وأنا مرهق:
_أيوة يا ابني.. فيه إيه؟.
-يا باشا آسف على الإزعاج، بس فيه بلاغ وفاة في فيلا رجل الأعمال شاهر الزيات في سقارة.
_وفاة؟ وفاة طبيعية ولا فيه شبهة؟.
-والله يا باشا مراته اللي بلغت، وبتقول إنه مات وهو نايم، ومفتش الصحة وصل هناك وقال مفيش إصابات ظاهرية، بس عشان الراجل تقيل ومشهور، المأمور قال لازم حد من المباحث يعاين قبل ما يطلع تصريح الدفن.
_تمام.. مسافة السكة.
قفلت السكة وأنا بنفخ بضيق.
شاهر الزيات الاسم مش غريب عليا، راجل أعمال كبير في مجال الاستيراد والتصدير، ثروته بالملايين، بس سمعته كانت دايماً غامضة، عايش بعيد عن دوشة القاهرة في فيلا وسط النخل والزراعة في سقارة.
لبست الجاكت الجلد بتاعي، ونزلت ركبت العربية، الطريق كان كئيب، ضلمة، ومفيش غير نور كشافات العربية.
وصلت الفيلا بعد ساعة إلا ربع، بوابة حديد ضخمة، وحواليها سور عالي جداً، الغفير فتح البوابة لما شاف البوكس اللي كان سابقني.
دخلت الجنينة، كانت واسعة وهادية، ومنها للفيلا، الريسبيشن كان واسع، مفروش فرش كلاسيك غالي جداً، سجاد عجمي، وتحف، ونجف كريستال مطفي نوره.
كان فيه حركة هادية وسريعة لناس بتجري يمين وشمال، وشوش الخدم كانت مخطوفة، وفي ركن بعيد، قاعدة ست شابة، لابسة روب أسود ستان، وشعرها مفرود على كتافها، وماسكة منديل بتمسح دموع هادية جداً.
دي أكيد تيا الزوجة، قربت منها، وقفت احتراما ليا.
_ البقاء لله يا هانم.
صوتها كان ناعم ومكسور، بس عينيها كانت بتلمع لمعة غريبة.. لمعة خوف مش حزن.
- ونعم بالله يا حضرة الضابط.. شاهر سابني بدري قوي.
_شدي حيلك.. ممكن تحكيلي إيه اللي حصل بالظبط؟
خدت نفس طويل وبصت في الأرض، وبدأت تحكي:
-مفيش.. بعد المغرب كنا بنتعشا.. هو كان مرهق شوية من الشغل، قالي إنه هيطلع يريح.. وفضلت تحت أتفرج على التليفزيون شوية.. بعد حوالي ساعتين طلعت عشان أنام.. دخلت الأوضة لقيته نايم جيت أغطيه حسيت إن جسمه ساقع.. ندهت عليه مردش.. هزيت كتفه لقيته.. لقيته قاطع النفس!!.
كلامها كان مرتب، مرتب زيادة عن اللزوم لواحدة جوزها لسه ميت من كام ساعة. سألتها وأنا عيني مركزة في عينها:
_كان بيشتكي من أي أمراض.. قلب ضغط سكر؟.
- كان عنده ضغط عالي شوية، وكان بياخد أدوية.. بس عمره ما اشتكى من قلبه.
_تمام. هو فين دلوقتي؟
- فوق.. في أوضة النوم.
طلعت الدور التاني، السلالم كانت واسعة، دخلت أوضة النوم. الأوضة كانت باردة جداً، التكييف كان شغال.
استغربت، إحنا في طوبة، والجو تلج، مين يشغل تكييف بارد دلوقتي؟!
شاهر موجود على السرير الواسع اللي في نص الأوضة، راجل في الستينات، شعره أبيض، جسمه مليان شوية.. لابس بيجامة حرير كحلي، نايم على ضهره، إيده جنبه، ومغطى بملاية ستان لحد صدره، وشه كان شاحب ومصفر، وعينه مقفولة كأنه في سابع نومة.
كان واقف جنب السرير دكتور شاب، باين عليه إنه لسه متخرج جديد، ده مفتش الصحة بتاع المنطقة.
_ ها يا دكتور إيه الأخبار؟
الدكتور عدل نظارته وبصلي وقالي:
- أهلاً يا صخر بيه.. مفيش أي حاجة.. هبوط حاد في الدورة الدموية أدى لتوقف عضلة القلب.. سكتة قلبية.. مفيش كدمات مفيش جروح.. مفيش أي علامة مقاومة.. الراجل مات في سلام.
قربت من السرير. بصيت على وش شاهر، كان هادي فعلاً، بس كان فيه حاجة مش مريحاني، قولت للدكتور:
_ إنت كتبت التقرير؟
-أه يا باشا، والتصريح جاهز، عشان يلحقوا يدفنوا الصبح إكرام الميت دفنه.
لفيت حوالين السرير ببطء، بصيت على الكومودينو. كوباية ماية مليانة لنصها، وعلبة دواء ضغط، بصيت على الأرض، السجاد نضيف، مفيش أي حاجة واقعة.
رجعت بصيت للجثة تاني، شاهر كان نايم على ضهره.
سألت الدكتور:
_هو مات بقاله قد إيه تقريباً؟
-من الفحص الظاهري وحرارة الجسم.. يعني نقدر نقول من 4 لـ 6 ساعات.. يعني مات حوالي الساعة 10 أو 11 بالليل. وده بيطابق كلام المدام.
مديت إيدي ولمست رقبة شاهر كانت متلجة، بصيت للدكتور وسألته سؤال طلع عفوي:
_هو التكييف كان شغال لما دخلت؟
الدكتور استغرب السؤال:
- أه.. كان شغال. المدام قالت إنه بيحب ينام في الجو البارد.
هزيت راسي، وبدأت أبص على تفاصيل أدق، رفعت إيد شاهر الشمال، كانت تقيلة ومتخشبة، التيبس الرمي بدأ يشتغل.
قلبت كف إيده، نضيف، بصيت على ضوافره، نضيفة.
لكن لما عيني جت على رقبة البيجامة من عند الكتف، لاحظت حاجة بسيطة جداً، كسرة صغيرة في قماش البيجامة الحرير، كأن حد شد القماش سِنة صغيرة!!
سرحت للحظة، لو واحد مات بسكتة قلبية وهو نايم، مش المفروض بيفضل زي ما هو؟ ولو اتوجع، بيحط إيده على صدره.. لكن ده إيده جنبه مفرودة.
قررت أعمل حاجة الدكتور معملهاش بضمير.
_ يا دكتور.. ساعدني نقلبه على جنبه كده.
- ليه يا باشا؟ ما خلاص..
_ اسمع الكلام يا دكتور.
قولتهاله بغضب، قلبنا الجثة على جنبها اليمين بصعوبة عشان التيبس، رفعت الملاية والبيجامة من على ضهره.
الظهر كان لونه بنفسجي غامق، ده اللي بنسميه في شغلنا الرسوب الدموي، الدم لما القلب بيقف، بينزل بفعل الجاذبية لأوطى نقطة في الجسم ويتجلط هناك.
وبما إنه كان نايم على ضهره، فالدم اتجمع في ضهره، ده طبيعي، بس اللي مش طبيعي، واللي خلاني أقرب وشي من جسمه، كان عند منطقة اللوح بتاع الكتف، ومنطقة أعلى الدراع من ورا...
كان فيه بقع بيضا!
رواية جريمة فيلا سقارة الفصل الثاني 2 - بقلم محمد ابراهيم عبد العظيم
كان نايم على ضهره، فالدم اتجمع في ضهره. ده طبيعي.
بس اللي مش طبيعي، واللي خلاني أبرق وأقرب وشي من جسمه، كان عند منطقة "اللوح" بتاع الكتف، ومنطقة أعلى الدراع من ورا
كان فيه بقع بيضا.
الرسوب الدموي بيبقى لونه غامق، بس لو فيه حاجة ضاغطة على الجلد وقت الوفاة ولمدة بعدها، الدم مبيوصلش للمنطقة دي، فبتفضل بيضا.
البقع البيضا دي كانت واخدة شكل غريب. مش شكل ملاية مكرمشة، ولا شكل زرار في المرتبة.
شكلها كان عامل زي ما يكون "صوابع".
بصمة باهتة جداً وممسوحة لحد ضاغط بكف إيده وصوابعه على كتف "شاهر" ومثبته في المرتبة.
رجعت الجثة لوضعها بسرعة. وبصيت للدكتور.
* يا دكتور.. شوفت اللي في ضهره؟
* أه يا باشا.. ده الرسوب الدموي.. عادي جداً.
* لا مش عادي.. فيه ضغط على الكتاف. كأن حد كان دايس عليه.
* يا سيادة المقدم جايز من المرتبة.. جايز كان ساند على حاجة. مفيش دليل جنائي واضح. الراجل مفيش فيه خربوش واحد!
طلعت موبايلي من جيبي، وصورت الجثة من كذا زاوية، وركزت الكاميرا على منطقة الكتف والرقبة. وبعدين صورت وش "شاهر" وصورت الكومودينو وكوباية الميه.
حسيت بإنذار خطر بيرن في دماغي. الإحساس ده عمره ما خيب معايا. فيه جريمة حصلت في الأوضة دي. بس معمولة بذكاء وبدون عنف.
نزلت تحت تاني. "تيا" كانت لسه قاعدة مكانها، قربت منها، وملامح وشي كانت أجمَد من الأول، قولتلها:
• مدام تيا.. إنتِ قولتيلي إنك كنتِ ممرضة زمان، صح؟
رفعت وشها، وردت عليا بهدوء:
* أيوه.. كنت بشتغل في مستشفى استثماري قبل ما أتجوز شاهر بيه. بتسأل ليه؟
* مجرد سؤال للتعارف.. بالمناسبة، مين اللي شغل التكييف في الأوضة؟
* هو.. هو اللي شغله قبل ما ينام. كان دايماً بيحس بحر حتى في الشتا.
سكت لحظة، وبصيت حواليا في الفيلا. الخدم واقفين بعيد، رجعت بصيت لتيا وقولتلها:
• مدام تيا.. أنا آسف، بس أنا مضطر أتحفظ على الجثة، ومش هقدر أطلع تصريح دفن دلوقتي.
وقفت مرة واحدة، وصوتها علي لأول مرة لما ردت وقالت:
* إنت بتقول إيه؟ جوزي مات موتة طبيعية.. إنت عايز تبهدله في المشرحة ليه؟ إكرام الميت دفنه يا حضرة الظابط.
* وده شغلي يا هانم. فيه حاجات في المعاينة مش مريحاني. ولازم الطب الشرعي يقول كلمته.
* أنا هتصل بالمحامي.. وهكلم مدير الأمن.
* كلمي اللي تكلميه.. الجثة هتتنقل مشرحة زينهم دلوقتي، والنيابة هي اللي هتقرر.
طلعت تليفوني واتصلت بـ "دكتور نيار الشريف"
زميل دراسة وصديق، وشغال طبيب شرعي، شاطر دماغه توزن بلد، بس لاسعة منه شويتين، أول ما رد دار بينا الحديث كالآتي:
* ألو.. نيار.
* صخر؟ إنت عارف الساعة كام؟
* فوق يا نيار. عندي جثة رايحالك. راجل أعمال كبير، والظاهر إنها وفاة طبيعية.. بس أنا شامم ريحة مش عاجباني.
* ريحة إيه؟ لوز مر؟ (كان يقصد السيانيد).
* لا.. ريحة غدر. الجثة فيها علامات ضغط غريبة في مناطق الرسوب الدموي، ومراته ممرضة سابقة، ومشغلين تكييف تلاجة في عز طوبة عشان يبردوا الجسم بسرعة. أنا حاسس إننا بنتعامل مع حد فاهم طب كويس.
* ابعتهالي.. بس لو طلعت وفاة طبيعية، أنا اللي هكتب فيك مذكرة إنك صحيتني الفجر.
قفلت مع نيار. وبصيت لـ "تيا" اللي كانت قاعدة بتفرك في إيديها وبتتكلم في التليفون بصوت واطي وعصبي.
أنا عارف النظرة دي. نظرة واحد حاسس إن الخطة المحكمة بتاعته.. بدأ يظهر فيها شرخ صغير.
الشرخ ده هو أنا.
مشيت ناحية الباب عشان أكلم الإسعاف تنقل الجثة، بس قبل ما أخرج، وقفت وبصيت على ترابيزة صغيرة في المدخل، كان عليها صورة لـ "شاهر" وهو بيضحك وماسك كاس عصير، وجنبه "تيا" بتبتسم ابتسامة باهتة.
يا ترى إيه اللي حصل في الأوضة اللي فوق دي؟ وإزاي راجل صحته كويسة يموت فجأة من غير أي مقاومة وهو متثبت في السرير؟
اللغز كله في "البقع البيضا" اللي على كتافه. والإجابة عند دكتور نيار الشريف.
***
في مشرحة زينهم..
كنت قاعد في مكتب "نيار"، ماسك كوباية قهوة ورق بردت في إيدي بقالها ساعة. المكتب مكركب كالعادة، كتب ومراجع طبية مرمية في كل حتة، وعينات في برطمانات إزاز، وصور أشعة متعلقة على "اللايت بوكس" اللي منور ورا المكتب.
الباب اتفتح ودخل نيار، كان لسه قالب وشة ولابس الأبرول الأخضر بتاع العمليات، والكمامة مدللدلة على رقبته. نيار شخصية غريبة، دكتور عبقري بس عصبي، شعره دايماً منكوش، وعينه تحتها سواد من قلة النوم.
رمى الجوانتي بتاعه في السلة وقعد على الكرسي بتقل، وهو باصصلي وبيقولي:
• إيه يا عم صخر.. جايبلي لغز على الصبح وتقولي صاحبي وحبيبي؟
عدلت قعدتي ورميت كوباية القهوة في الزبالة، ورديت عليه:
• ها؟ طمني. الراجل مات إزاي؟
نيار ولع سيجارة، وده كان المسموح الوحيد في مملكته الخاصة، وبصلي بنظرة ذات مغزى وقال:
* بص يا سيدي.. مبدئياً كده، حدسك الشرطي المرة دي طلع في محله، بس مش بالسهولة اللي إنت متخيلها.
* يعني مماتش سكتة قلبية؟
* هو قلبه وقف فعلاً.. بس القلب مش بيقف لوحده كده وهو نايم ومرتاح إلا لو فيه سبب قهري. التشريح المبدئي للقلب بيقول إن الشرايين التاجية كويسة جداً بالنسبة لراجل في سنه، مفيش جلطات، مفيش ضيق يستدعي الوفاة المفاجأة دي.
نيار قام وقف وشاورلي أجي وراه. خرجنا من المكتب للممر الطويل اللي بيودي لقاعة التشريح وهو بيقولي:
• تعال أوريك حاجة.. عشان تفهم أنا بتكلم في إيه.
دخلنا القاعة.. الجو كان تلج. "شاهر الزيات" كان ممدد على الترابيزة الاستانليس، جسمه مفتوح بالطريقة الـمعتادة في التشريح، بس نيار كان مغطيه بملاية خضرا وكاشف بس الجزء اللي يهمنا.
نيار شاور على منطقة الكتاف اللي أنا شوفت فيها البقع البيضا.
* شوفت دول؟ دي مش مجرد ضغطة مرتبة يا صخر. دي فعلاً آثار تثبيت فيه كدمات نزيف دقيقة جداً تحت الجلد مش هتبان غير بالتشريح المجهري، بس بالعين الخبيرة، دي آثار صوابع. حد كان دايس عليه بقوة عشان يمنعه يتحرك.
* طب ليه مقاومش؟ الراجل جسمه عافي، ولو حد بيثبته كان هيزقه، يخربشه، يعمل أي رد فعل!
نيار ابتسم ابتسامة باهتة وقال:
• وهنا يكمن اللغز.. مفيش أي دليل مادي للمقاومة. ضوافره مفيش تحتها جلد غريب، مفيش كدمات دفاعية على دراعاته. الراجل ده كان مشلول وهو بيموت.
الكلمة رنت في ودني. "مشلول".
* تقصد إيه؟ كان واخد مخدر؟
* استنى عليا.. لما فتحت الرئة، لقيت فيها احتقان شديد جداً، ونزيف بسيط في الحويصلات الهوائية. العلامات دي بنشوفها في حالات الاختناق. كأن حد كتم نفسه، أو كأنه غرقان بس من غير ميه. عضلات القفص الصدري وقفت فجأة عن الشغل، فالرئة معرفتش تاخد أكسجين، والقلب فضل يضخ دم لحد ما انفجر من الضغط ووقف.
* يعني اتخنق؟
* لا.. مفيش علامات خنق على الرقبة. مفيش كسر في العضم اللامي. الخنق هنا كان كيميائي.
نيار راح ناحية دولاب أدوات، وجاب عدسة مكبرة وكشاف نور قوي وبدأ يقول بحماس:
* أنا دورت في جسمه كله على مكان حقن. دراعاته، بين صوابع رجليه، فروة راسه.. مفيش أي شك خرم إبرة. القاتل محترف يا صخر، محترف جداً وعارف بيعمل إيه.
* أمال المادة دي دخلت جسمه إزاي؟
* الطب الشرعي مش بس تشريح جثث.. الطب الشرعي تخيل لسيناريو الجريمة. القاتل ده عارف إن الحقن في الجلد بيسيب أثر، وعارف إن المعدة ممكن نغسلها ونحلل محتوياتها ونعرف لو فيه سم. فكان لازم يختار طريق تالت. طريق سريع، وبيمتص المادة في ثواني، والأثر بتاعه بيختفي بسرعة لأن الأغشية المخاطية بتجدد نفسها.
نيار بدأ يفتح بق الجثة. وسلط النور تحت اللسان.
• قرب يا صخر.. بص هنا.
قربت وبصيت بتركيز. تحت اللسان، في المنطقة اللي فيها عروق زرقا ورفيعة، كان فيه نقطة حمرا دقيقة جداً، أصغر من راس الدبوس، وحواليها دايرة زرقا باهتة لا تذكر.
* دي إيه؟
* دي شكة إبرة "أنسولين".. أرفع أنواع الإبر. الحقن تحت اللسان بيوصل المادة للدم مباشرة في أقل من دقيقة.
رواية جريمة فيلا سقارة الفصل الثالث 3 - بقلم محمد ابراهيم عبد العظيم
(٣)
قربت وبصيت بتركيز. تحت اللسان، في المنطقة اللي فيها عروق زرقا ورفيعة، كان فيه نقطة حمرا دقيقة جداً، أصغر من راس الدبوس، وحواليها دايرة زرقا باهتة لا تذكر.
* دي إيه؟
* دي شكة إبرة "أنسولين".. أرفع أنواع الإبر. الحقن تحت اللسان بيوصل المادة للدم مباشرة في أقل من دقيقة.
رجعت لورا خطوة وأنا برتب الأفكار في دماغي.
• طيب إيه المادة اللي تعمل كده؟ تشل الحركة، وتوقف التنفس، وتسيب الضحية واعية لحد ما تموت، وماتسبش أثر واضح؟
نيار قفل عيون الجثة بوقار ورجع الملاية على وش شاهر وقالي:
* "السكسنيل كولين" ده عقار باسط للعضلات بنستخدمه في العمليات الجراحية عشان نركب أنابيب التنفس الصناعي للمرضى. المادة دي بتعمل شلل تام لكل عضلات الجسم الإرادية، بما فيها عضلات التنفس، لكن.. وده الجزء المرعب.. مابتأثرش على الوعي ولا الإحساس.
* يعني شاهر كان حاسس بكل حاجة؟
* كان صاحي، وشايف، وسامع، وحاسس بطلوع الروح، بس مش قادر يحرك جفن عينه ولا ياخد نفس واحد. كان بيموت بالبطيء وهو باصص في عين اللي بيقتله. عشان كده فيه علامات تثبيت على كتافه.. في اللحظات الأولى بعد الحقن، الجسم بيعمل رعشة عنيفة قبل الشلل التام، فالقاتل كان لازم يثبته في السرير عشان ماينزلش على الأرض ويعمل دوشة.
حسيت بقشعريرة باردة في جسمي. طريقة قتل شيطانية، سكت شوية ورجعت قولتله:
* والتحاليل هتثبت ده؟
* المادة دي بتتكسر في الجسم بسرعة جداً وبتتحول لمواد طبيعية موجودة أصلاً في الجسم عشان كده صعب جداً اكتشافها بالتحاليل التقليدية بعد الوفاة بفترة. القاتل كان مراهن على إننا هنشوفها سكتة قلبية وندفنه وخلاص. بس أنا خدت عينات من الأنسجة حوالين مكان الحقن، وعينات من سوائل العين، وهعمل تحليل دقيق جداً.. بس هياخد وقت.
* قد إيه؟
* يومين أو تلاتة عشان النتيجة تكون قاطعة قدام المحكمة. بس الأثر المادي اللي تحت اللسان، مع حالة الرئة، مع علامات التثبيت.. ده كفاية عشان تفتح تحقيق جنائي وتوقف الدفن.
خرجنا من القاعة ورجعنا المكتب.. دماغي كانت بتشتغل بسرعة جنونية، قولتله وسط تفكيري:
• مراته ممرضة يا نيار.
نيار بصلّي ورفع حاجبه.
* ممرضة؟ يبقى كده الصورة كملت. الممرضات، وخصوصاً اللي اشتغلوا في عناية مركزة أو تخدير، عارفين الدوا ده كويس، وعارفين إزاي يدوه. وعارفين إن مفعوله سريع ومرعب.
* تيا صبري..
قلت الاسم بصوت واطي وأنا بفتكر دموعها الباردة ونظرتها اللي كانت بتراقبي بيها، قولت لنيار:
* إنت متأكد إن مكان الحقنة ده مش قرحة مثلاً؟ أو عضة غلط؟
* يا صخر، أنا شغلي إني أفرق بين عضة الأسنان وشكة الإبرة. ده ثقب دائري منتظم، وفيه نزيف نسيجي حواليه. دي إبرة دخلت وخرجت وبسرعة. واللي عملها حد إيده ثابتة.
تليفوني رن. كان عصام الممساعد بتاعي، رديت:
* أيوة يا عصام.
* يا باشا، المحامي بتاع مدام تيا وصل القسم وعامل دوشة، ومعاه أمر من النيابة بسرعة استخراج تصريح الدفن لو مفيش شبهة جنائية، وبيقول إننا بننكل بالجثة.
ضحكت ضحكة سخرية وقولت لعصام:
* قوله يبل الأمر ويشرب مايته. وبلغ النيابة إن فيه تقرير مبدئي طالع من الطب الشرعي دلوقتي حالا بوجود شبهة جنائية في الوفاة. وغير صفة المحضر من إداري لجنايات.
* تمام يا باشا.. والمشتبه فيهم؟
* مفيش فيهم.. هي واحدة بس. هاتلي إذن ضبط وإحضار للمدام تيا صبري. أنا رايحلها البيت حالاً.
* مسافة السكة يا ريس.
قفلت مع عصام وبصيت لنيار وقولتله بإبتسامة انتصار:
• تسلم إيدك يا دكتور. التقرير ده عايزه مكتوب فيه كل تفصيلة قولتها، خصوصاً جزئية الوعي أثناء الوفاة دي اللي هتخلي القاضي يلف حبل المشنقة حوالين رقبتها بضمير مستريح.
نيار قعد يكتب على الكمبيوتر بتاعه من غير ما يبصلي قالي:
• روح هات حق الراجل ده يا صخر.. الموتة دي مايستحقهاش غير شيطان، مش بني آدم.
***
سيبت المشرحة وخرجت. الشمس كانت بدأت تطلع، بس الجو كان لسه مغيم وكئيب.
ركبت عربيتي، بس المرة دي مكنتش رايح أعزي.. كنت رايح أصطاد.
تيا صبري فاكرة إنها عملت الجريمة الكاملة. فاكرة إن العلم هيقف في صفها لأنها دارسة وعارفة هي بتعمل إيه. نسيت إن الجثة شاهد صامت مبيكدبش، وإن أصغر أثر.. حتى لو نقطة دم تحت لسان، ممكن يهد المعبد كله على دماغها.
بس السؤال اللي كان بياكل في دماغي طول الطريق لسقارة: ليه؟
راجل غني، موفرلها كل حاجة، باين عليهم الاستقرار.. ليه تقتله بالطريقة البشعة دي؟ وليه دلوقتي بالذات؟
الدافع.. دايماً الدافع هو المفتاح اللي ناقص. ولو معرفتش الدافع، المحامي بتاعها ممكن يلعب على ثغرات كتير.
وصلت بوابة الفيلا تاني. بس المرة دي، البوابة كانت مفتوحة على مصراعيها، وعربية المحامي الفخمة كانت مركونة جوه.
نزلت من العربية، وطلعت السلالم خطوتين خطوتين.
فتحت باب الفيلا من غير ما أخبط.
تيا كانت قاعدة مع المحامي في الصالون، ولأول مرة، شوفت في عنيها نظرة رعب حقيقي لما شافتني داخل ومعايا عساكر، ومش معايا تصريح دفن.. معايا كلبش.
المحامي بتاعها، راجل قصير ولابس بدلة غالية، قام وقف أول ما شافني وقالي:
• سيادة المقدم، اللي بيحصل ده تجاوز قانوني.. موكلتي في حالة انهيار، وإنت ممعكش إذن نيابة باقتحام حرمة البيت.
بصيت له ببرود، وطلعت ورقة من جيبي وحطيتها قدامه على الترابيزة وقولتله:
• ده إذن تفتيش، وده أمر ضبط وإحضار لمدام تيا صبري على ذمة التحقيق في مقتل جوزها.
الكلمة نزلت عليهم زي الصاعقة.. تيا صرخت بصوت مكتوم:
• مقتل؟ إنت بتقول إيه؟ شاهر مات موتة ربنا.
قربت منها خطوتين، وبصيت في عينها مباشرة. نظرتي كانت كفيلة إنها تخرس أي كلام، قولتلها بهدوء:
• موتة ربنا مفيهاش حقن سكسنيل كولين تحت اللسان يا مدام. موتة ربنا مفيهاش شلل كامل لعضلات التنفس والراجل صاحي وبينازع ومش عارف يصرخ.
عنيها وسعت برعب حقيقي. الرعب ده مش رعب واحدة بريئة اتفاجئت، ده رعب المجرم اللي اكتشف إن حد عرف سر الصنعة بتاعته
المحامي حاول يتدخل:
* يا فندم دي مجرد استنتاجات.. التقرير النهائي لسه..
* (قاطعته بصوت حاد) التقرير المبدئي كافي لحبسها 4 أيام. ولو عايز تخدم موكلتك، انصحها تتكلم دلوقتي، لأن نيار في المشرحة بيطلع كل ذرة سم من جسم جوزها، والأدلة بتتجمع.
سيبتهم وطلعت أجري تفتيش في البيت. المرة دي أنا مش بدور على جثة، أنا بدور على الأداة.
دخلت أوضة النوم تاني. نفس البرودة، بس ريحة الموت كانت أوضح.
بدأت أدور في كل حتة. الأدراج، الدولاب، الحمام.
القاتل اللي بيستخدم سم زي ده، لازم يكون مجهز نفسه. الحقنة، الأمبول، الجوانتي. الحاجات دي راحت فين؟
لو كانت رمتهم في الزبالة العادية، تبقى غبية، وتيا مش غبية. دي ممرضة سابقة، يعني عارفة التخلص الآمن من النفايات الطبية
دخلت الحمام الملحق بأوضة النوم. حمام واسع، رخام أسود، وجاكوزي.
فتحت دولاب الأدوية. كان مليان أدوية ضغط، فيتامينات، ومسكنات عادية.
بس عيني وقعت على علبة قطن طبي محطودة في الركن.
فتحت العلبة.. مفيش غير قطن.
قلبت في سلة المهملات الصغيرة اللي جنب الحوض. كانت فاضية تماماً وكيس الزبالة اللي فيها جديد. ده معناه إنها فضتها الصبح بدري.
خرجت ندهت للعسكري اللي معايا:
• يا ابني، هاتلي الشغالة اللي كانت هنا امبارح.. حالاً.
بعد خمس دقايق، دخلت بنت شابة، مرعوبة وبتعيط.
* والله يا بيه ما عملت حاجة.. أنا كنت نايمة تحت.
* اهدي يا بنتي.. اسمعيني كويس. إنتِ نضفتي أوضة النوم دي النهاردة الصبح؟
* لا يا بيه.. الست هانم منعتنا ندخل الأوضة من ساعة ما البيه مات.. قالت محدش يعتب فوق.
* طيب.. والزبالة؟ مين اللي بيطلع الزبالة من هنا؟
* الجنايني بيلم الأكياس الصبح بدري ويحطها في الصندوق الكبير بره الفيلا عشان عربية الحي.
بصيتلها بتركيز:
* الزبالة اتشالت النهاردة؟
* لسه يا بيه.. العربية بتيجي الضهر.
طلعت أجري على بره. لو حظي حلو، الدليل لسه موجود.
وصلت لصندوق القمامة الكبير اللي عند السور. لبست جوانتي لاتكس، وبدأت أفتح الأكياس السودا واحد واحد.
بواقي أكل، علب عصير فاضية، مناديل..
لحد ما وصلت لكيس صغير، مربوط بعقدة محكمة جداً ومحطوط جوه كيس تاني. فتحته.....
رواية جريمة فيلا سقارة الفصل الرابع 4 - بقلم محمد ابراهيم عبد العظيم
لحد ما وصلت لكيس صغير، مربوط بعقدة محكمة جداً ومحطوط جوه كيس تاني. فتحته.
كان فيه سرنجة أنسولين فاضية، وأمبول زجاجي صغير مكسور نصين والكتابة اللي عليه ممسوحة، وجوانتي طبي مرمي ومكرمش.
قلبي دق بسرعة.. هو ده، شميت السرنجة.. مفيش ريحة مميزة، بس الأمبول المكسور كان لسه فيه نقطة سائل لزج في القاع.
حرزت الحاجات دي في أكياس الأدلة بحرص شديد.
رجعت لـ تيا في الصالون، ورفعت كيس الأدلة قدام وشها وانا بقولها:
• بتعرفي تعالجي السكر يا مدام تيا؟
وشها احمر، ردت عليا بلسان متلعثم:
* دي.. دي بتاعة شاهر.. كان.. كان عنده سكر خفيف.
* شاهر ملفه الطبي بيقول إن عنده ضغط بس. وبعدين حتى لو عنده سكر.. الأمبول المكسور ده مش أنسولين. ده مرخي عضلي يا هانم.. وده جوانتي مقاسه صغير.. يعني مقاس إيد ست، مش إيد راجل ضخم زي شاهر.
المحامي بص لـ تيا بصدمة، وبدأ يلم ورقه بتوتر. هو فهم إن القضية خسرانة.
قعدت قدامها على الكرسي، وهديت نبرة صوتي.. أسلوب الاحتواء عشان المتهم ينهار ويعترف:
• يا تيا.. الإنكار مش هيفيدك. البصمات اللي على الجوانتي من جوه، وتحليل بقايا السائل في السرنجة، هيودوكي حبل المشنقة. قوليلي ليه؟
سكتت لحظة طويلة.. دموعها نشفت، وملامح وشها اتغيرت تماماً. البراءة والضعف اختفوا، وظهر مكانهم وش جامد، قاسي، ومليان غل.
بصتلي وعيونها بتطق شرار وقالت لي وهي بتجز على سنانها:
* كان لازم يموت.. كان بيقتلني كل يوم بالبطيء.
* كان بيضربك؟
* ياريت.. الضرب أرحم.. كان نرجسي. عارف يعني إيه؟ كان بيلغي وجودي. حبسني في القصر ده، ممنوع أشتغل، ممنوع أخرج، ممنوع يكون ليا صحاب. كان بيعاملني زي التحفة اللي بيقتنيها. يلمعني ويعرضني قدام الناس، ولما نرجع، يرميني في الضلمة.
تيا خدت نفس عميق وكملت بنبرة غضب:
* بقالي 5 سنين عايشة خيالة مآتة. ولما طلبت الطلاق.. ضحك وقالي "محدش بيسيب شاهر الزيات.. إنتي ملكية خاصة". وهددني إنه هيرميني في الشارع ويفضحني بصور.. صور كان بيصورهالي من غير ما أعرف.
* فقررتي تقتليه؟
* قررت أتحرر. واستنيت اللحظة المناسبة. دوا جبته من المستشفى القديمة بتاعتي، وخبيته بقالي شهور. واستنيت لما يكون مرهق، وعرضت عليه أعمله مساج عشان ينام. ولما استرخى.. خلصت عليه.
كلامها كان فيه كمية برود رهيبة. هي شايفة نفسها ضحية دافعت عن نفسها، مش قاتلة خططت ونفذت بدم بارد.
• بس يا تيا.. اللي يقتل دفاع عن النفس، بيضرب، بيصرخ.. مش بيحقن سم يشل الحركة ويتفرج على الروح وهي بتطلع ببطء. إنتي عذبتيه.
ابتسمت ابتسامة مرعبة:
• كنت عايزاه يحس بالعجز.. نفس العجز اللي حسسني بيه طول السنين دي. كنت عايزاه يشوفني وأنا بانتصر عليه وهو مش قادر حتى يرفع صباعه يمنعني.
وقفت وأشرت للعساكر ياخدوها.
• خدوها على البوكس.
وهي خارجة، بصتلي وقالت جملة عمري ما هنساها:
• أنا حررت نفسي يا حضرة الضابط.. السجن أرحم بكتير من سجن شاهر الزيات. على الأقل في السجن.. هبقى عارفة إني خلصت منه للأبد.
خرجت تيا، والفيلا رجعت هادية تاني. بس كان لسه فيه حاجة ناقصة في دماغي.
اعترافها كان مثالي زيادة عن اللزوم. قصة الزوجة المقهورة اللي انتقمت.
بس أنا صخر الجمال، وعمري ما باخد الأمور بظواهرها.
فيه تفصيلة صغيرة في مسرح الجريمة مش راكبة على كلامها.
تيا قالت إنها حقنته وهو مسترخي وبتعمله مساج.
بس نيار قال إن فيه آثار تثبيت عنيفة على كتافه.
لو هو كان مسترخي ومشلول من الدوا، ليه احتاجت تثبته بالقوة دي؟ وليه بصمة الصوابع اللي على كتفه كانت كبيرة!
افتكرت شكل إيد تيا وهي بتفركها في بعض.. كفوفها صغيرة وناعمة.
لكن البقع البيضا اللي شوفتها على كتف شاهر.. كانت بتشاور على كف إيد ضخم كف إيد راجل!.
طلعت موبايلي واتصلت بـ نيار تاني:
* نيار.. ركز معايا. البصمات اللي على كتف الجثة.. تقدر تحددلي مقاس الكف تقريباً؟
* أه طبعاً.. من مساحة الضغط وتوزيع الأصابع.. ده كف عريض، وأصابعه طويلة وقوية.
* يعني مش كف ست؟
* استحالة يا صخر. إلا لو الست دي بتلعب مصارعة حرة. ده كف راجل، وغالباً راجل بيشتغل بإيده شغل تقيل.
قفلت التليفون وحسيت بالدم بيغلي في عروقي.
تيا مكنتش لوحدها.. فيه شريك، وهي اعترفت بسرعة عشان تشيل الليلة لوحدها وتحميه.. أو عشان تبعد العين عنه.
مين الراجل اللي ممكن يساعدها في قتل جوزها، ويكون قريب منها لدرجة إنه يدخل أوضة نومها ويساعدها تثبت جوزها وهو بيموت؟
رجعت بذاكرتي لورا.. لمشهد دخولي الفيلا أول مرة.
الخدم.. الجنايني.. السواق.. لا.. دول بعاد.
بس كان فيه شخص واحد عيني جت عليه وماركزتش.
الشخص اللي كان واقف في الضل ساعة ما دخلت، واختفى بسرعة. والأهم من ده..
أنا نسيت أسأل أهم سؤال في قضايا القتل العائلي مين المستفيد؟.
تيا هتورث.. بس لو دخلت السجن هتتحرم من الميراث.
يبقى مين اللي هيورث بعدها؟ أو مين اللي بيحبها لدرجة القتل؟
بصيت على صورة شاهر وتيا اللي في المدخل تاني.
وركزت في تفصيلة مخدتش بالي منها قبل كده.
في انعكاس المراية اللي وراهم في الصورة.. كان فيه شخص تالت واقف بيصورهم.
شخص ملامحه مش واضحة أوي، بس جسمه رياضي، وشعره طويل شوية ومربوط ديل حصان.
الشكل ده أنا شوفته النهاردة الصبح وأنا داخل الفيلا، كان السواق الخاص بتاع شاهر، الشاب اللي كان واقف يسند المحامي وهو داخل.. ندمت إني خليتهم يمشوا تيا. لازم ألحق الخيط قبل ما يهرب. القضية لسه مخلصتش.. دي يدوب بدأت تتعقد.
خرجت من باب الفيلا الرئيسي وأنا بتصل بـ عصام على اللاسلكي.
* عصام.. البوكس اللي فيه المتهمة يتحرك فوراً على النيابة، بس عايزك تعزلها تماماً عن أي حد. محدش يكلمها، ومحدش يوصلها أي خبر.
* علم وينفذ يا باشا.. بس هو فيه حاجة تانية؟
* لسه الحفلة مخلصتش. فيه ضيف تقيل لازم ينضم للقائمة. خليك جاهز بقوة إسناد عند البوابة، ومتدخلش غير لما أديك إشارة.
قفلت ومشيت ناحية الجراج اللي في آخر الجنينة. الجو كان لسه مغيم، كنت براجع المشهد في دماغي تاني. صورة شاهر الميت، والبقع البيضا اللي على كتفه. نيار قال كف عريض وأصابع قوية
تيا صبري جسمها فرنساوي، كف إيدها ناعم وصغير، مستحيل تكون هي اللي سابت العلامة دي، حتى لو قعدت فوقه بكل وزنها.
وصلت الجراج. كان واسع وفيه تلت عربيات فخمة. وفي ركن الجراج، كان واقف شاب طويل، عريض المنكبين، شعره أسود فاحم ومربوط لورا، لابس قميص مكوي وبنطلون قماش. ده السواق اللي شوفته الصبح. اسمه نوح .
كان واقف بيمسح إزاز عربية مرسيدس سودا بهدوء غريب، كأن مفيش جريمة قتل حصلت في البيت اللي هو شغال فيه، وكأن الست بتاعته لسه ممقبوض عليها بتهمة قتل جوزها.
قربت منه ببطء، وكنت حاطط إيدي في جيبي على سلاحي الميري، تحسباً لأي غدر، قربت منه وانا بقوله:
• صباح الخير يا كابتن نوح.
وقف مسح، ولف ببطء وبصلي بنظرة ثابتة، خالية من أي تعبير.
* صباح النور يا باشا. تؤمر بحاجة؟
* عربية مين دي اللي بتمسحها؟ عربية المرحوم؟
* لا.. دي عربية المدام تيا. كنت بجهزها عشان لو احتاجت تروح القسم أو النيابة.
* أصيل.. بس المدام مش هتحتاج عربية الفترة دي. المدام ركبت عربية الحكومة خلاص.
نوح ملامحه ماتهزتش شعرة. كمل مسح في الإزاز ببرود مستفز.
* ربنا يفك كربها. المدام طيبة وماتستاهلش.
* طيبة؟ جايز. بس القاتل مبيكونش طيب يا نوح. القاتل بيبقى خاين.
رميت الكلمة واستنيت رد فعله. وقف إيده لحظة، وبعدين كمل.
قربت منه أكتر، ووقفت جنبه بالظبط قولتله:
* إنت شغال هنا بقالك قد إيه؟
* سنتين يا باشا. سواق وحارس شخصي لشاهر بيه الله يرحمه.
* حارس شخصي؟ يعني شغلانتك كانت تحميه.. مش تسيبه يموت فوق وهو متكتف.
هنا نوح رمالي الفوطة اللي في إيده، وبصلي بحدة:
• إنت بتقول إيه يا حضرة الضابط؟ أنا كنت بايت في ملحق السواقين، ومسمعتش ولا شوفت حاجة. والتحقيقات أثبتت إنه مات موتة طبيعية.
ضحكت بصوت عالي، ضحكة سخرية كسرت هدوء المكان.
• تحقيقات إيه يا أبو تحقيقات؟ إنت لسه نايم ولا إيه؟ الطب الشرعي قال كلمته.. شاهر مات مقتول. محقون بمادة بتشلك وإنت صاحي. وتيا اعترفت.
لأول مرة، لمعة قلق ظهرت في عين نوح. عينه رفت بسرعة ناحية باب الجراج، كملت ضغطي عليه:
* بس عارف المشكلة فين يا نوح؟ تيا في اعترافها قالتلي تفصيلة غريبة جداً.
* قالت إيه؟
* قالت إنها مقتلتوش لوحدها. قالت إن شاهر لما خد الحقنة، جسمه انتفض.. فكانت محتاجة دكر يثبته. وقالتلي الاسم.
نوح بلع ريقه بصعوبة، وحاول يحافظ على ثباته، بس عروق رقبته نفرت، وقالي:
* المدام بتكدب.. عشان تلبسني مصيبة. أنا مليش دعوة.
* أنا مقلتش إنها قالت اسمك.. إنت اللي قولت دلوقتي. اللي على راسه بطحة بقى.
مسكت كف إيده اليمين فجأة ورفعته في النور. كف ضخم، خشن، صوابع طويلة وقوية زي الكماشة.
• نيار الشريف.. الطبيب الشرعي، مبيغلطش. قالي إن العلامات اللي على كتف الجثة معمولة بكف مقاسه 44.. نفس مقاس الكف اللي في إيدي ده بالظبط.
نوح سحب إيده مني بعنف ورجع لورا خطوة وهو بيقولي ووشه كله عرق:
• ده مش دليل إثبت إني كنت في الأوضة.. مفيش كاميرات في أوضة النوم!
سحبت كلبش من حزامي وبدأت ألفه على صباعي ببطء وأنا بااص في عيون نوح:
• ياااه يا نوح.. إنت غشيم أوي. إنت فاكر إن الطب الشرعي بصمات بس؟ إنت لما ثبت شاهر، كنت بتضغط بكل عزمك عشان تمنع الرعشة بتاعة الموت. عرقك نزل عليه.. وقشور مجهرية من جلدك وقعت على الملاية وعلى بيجامته. المعمل الجنائي دلوقتي بيفحص عينات الـ DNA اللي لميناها من مسرح الجريمة. وتيا.. تيا اعترفت عليك يا صاحبي عشان تخفف الحكم عن نفسها. قالت إنك إنت اللي جبت الدوا، وإنت اللي كتفته، وهي يا عيني كانت واقفة تتفرج. باعتك يا وحش.
دي كانت كذبة بيضا. تيا ماجابتش سيرته، والـ DNA لسه نتيجته مطلعتش وممكن ميبقاش موجود أصلاً. بس في التحقيق، الكدب المتقن هو أقوى سلاح.
الجملة دي كانت القشة اللي قصمت ضهر البعير. نوح وشه احمر، وصوته بقى كله غل:
* بنت الـ... باعتني؟ ده أنا اللي عملت كل حاجة عشانها! هي اللي خططت، وهي اللي زنت على وداني بقالها شهور.
* (ابتسمت بانتصار داخلي) أهو ده الكلام اللي يوزن بلد. احكيلي بقى يا نوح.. إزاي الحارس الأمين يخون سيده؟
نوح قعد على صندوق عدة قديم، وانهار. جسمه الضخم ده كله انكمش وبقى زي العيل الصغير.
* حبيتها يا باشا.. حبيتها من أول يوم شوفتها فيه مكسورة ومذلولة. شاهر كان شيطان. كان بيعاملنا كلنا زي العبيد. وهي.. هي كانت بتشتكيلي، كانت بتعيطلي. وعدتني إننا هنهرب سوا بعد ما نخلص منه، وناخد الفلوس ونسافر.
* ويوم التنفيذ؟ إيه اللي حصل؟
* هي ادتني المفتاح. استنيت لما نام، ودخلنا. هي كانت مجهزة الحقنة. أنا كنت خايف، بس هي كانت باردة. قربت منه، رفعت لسانه وحقنته في ثانية. أول ما الدوا مشي في دمه، شاهر فتح عينه.. عنيه كانت هتطلع من مكانها من الرعب. جسمه بدأ يترعش جامد.. تيا صرخت فيا "امسكه.. امسكه لحد ما يموت!".
نوح بص في كفوف إيده كأن عليها دم.
* نطيت فوقه.. دست على كتافه بكل قوتي وثبته في المرتبة. كان بيبصلي يا باشا.. كان بيبصلي وهو بيموت. فضلت دايس لحد ما بطل يتحرك.. ولحد ما نفسه وقف خالص. وبعدين..
وبعدين تيا باستني.. وقالتلي "خلاص.. احنا أحرار".
وخلتني أنزل أشغل التكييف على أعلى حاجة وأخرج من الباب الخلفي.
هزيت راسي بأسف. قصة قديمة ومكررة. الست اللعوب، والعشيق المخدوع، والزوج الضحية.
• للأسف يا نوح.. إنتوا مش أحرار. إنتوا لسه لابسين القيود، بس المرة دي قيود حقيقية.
شغلت اللاسلكي:
• عصام.. هات القوة وتعالى على الجراج. المتهم التاني اعترف.
نوح وقف مستسلم، مابداش أي مقاومة وأنا بحط الكلبش في إيده.
• هي فعلاً اعترفت عليا يا باشا؟ ولا إنت سحبتني في الكلام؟
بصيتله وأنا بقفل الكلبش على معصمه العريض:
• تفرق في إيه يا نوح؟ النتيجة واحدة. بصمة إيدك على جثة ميت، دي دمغة مش هتتمسح. ولو تيا معترفتش دلوقتي، لما تعرف إنك اعترفت عليها، هتقول شعر في النيابة. دي لعبة يا قاتل يا مقتول وإنتوا الاتنين خسرتوا فيها.
وإحنا خارجين من الجراج، شوفت نيار كان وصل بعربيته الخاصة عند البوابة. نزل منها وهو ماسك ملف أصفر. جريت عليه وانا بقوله:
• إيه يا دكتور؟ لحقت تخلص التقرير النهائي؟
نيار ابتسم ورفع الملف:
* ومش بس كده.. المعمل الجنائي بعتلي هدية.
* إيه؟
* لقينا شعرة.. شعرة طويلة وسودا وخشنة، لازقة في ياقة بيجامة شاهر من ورا. شعرة لا هي بتاعت شاهر ولا تيا. شعرة بتؤكد وجود شخص تالت كان حاضن الجثة أو قريب منها جداً وقت الوفاة!
بصيت لنوح اللي كان بيتركب في البوكس، وشعره الطويل ديل الحصان بيتهز مع مشيته.
• تسلم يا نيار.. الشعرة دي هي المسمار الأخير في نعشهم.
نيار بص للفيلا الكئيبة وقال:
* جريمة كانت مرسومة بالمللي يا صخر. لولا الرسوب الدموي والبقع البيضا اللي نورتلك الطريق، كانت اتقيدت وفاة طبيعية، وكان زمانهم بيشربوا شربات الفرح على فلوس الميت.
* الجريمة الكاملة دي خرافة يا صاحبي. طول ما فيه جثة.. فيه حقيقة بتصرخ عشان تخرج. والجثة المرة دي، اتكلمت بصوت عالي أوي.
ركبت عربيتي ورا البوكس. الطريق للنيابة كان طويل، بس المرة دي كنت مرتاح. القضية اتقفلت، والملف كمل.
شاهر الزيات مات مغدور، بس حقه رجع قبل ما يندفن.
تيا ونوح.. قصة حب اتكتبت بحبر من سم، وانتهت بختم النسر على باب زنزانة.
***
المكان محكمة جنايات الجيزة - قاعة الدائرة الثالثة
يوم الحكم.. اليوم اللي كل خيوط القضية بتتجمع فيه عشان تتربط عقدة أخيرة، عقدة حبل المشنقة.
القاعة كانت زحمة، الصحافة مالية المكان، والكاميرات فلاشاتها مبتوقفش، قضية "مقتل رجل الأعمال وسائقه وزوجته" كانت حديث الرأي العام بقالها شهور. الناس انقسمت، فريق شايف "تيا" ضحية زوج سادي ومريضة نفسياً وتستحق الرحمة، وفريق شايفها شيطانية وتستحق الإعدام.
أنا كنت قاعد في الصف الأول، لابس بدلتي الميري، وجنبي "نيار" اللي كان لابس بدلة كلاسيك لأول مرة أشوفه بيها، بس برضه شعره منكوش.
بصيت ناحية قفص الاتهام.
"نوح" كان قاعد في ركن القفص، حالق شعره، ووشه في الأرض، جسمه الضخم انحنى كأنه شايل جبل. الاستسلام كان واكله.
أما "تيا".. فكانت واقفة ماسكة قضبان القفص، لابسة الأبيض، ورافعة راسها بكبرياء مصطنع. كانت لسة بتمثل دور المرأة الحديدية اللي كسرت قيودها. عيونها كانت بتلف في القاعة، ولما جت في عيني، ابتسمت ابتسامة خفيفة، ابتسامة تحدي.
المستشار رفعت بيه رئيس المحكمة، دخل القاعة. هدوء تام سيطر على المكان. صوت "محكمة" رن في القاعة زي جرس الإنذار.
بدأت الجلسة بمرافعة الدفاع. محامي تيا كان ثعلب، لعب على وتر "الدفاع الشرعي عن النفس" و"الضغط النفسي والعصبي".
• سيدي القاضي.. موكلتي لم تقتل طمعاً، بل قتلت خوفاً. كانت تعيش في جحيم.. سجن ذهبي بناه لها زوج مريض بحب التملك. القتل كان صرخة استغاثة، كان محاولة يائسة للنجاة من موت بطيء ومحقق!
القاضي كان بيسمع بملامح جامدة.
بعدها جه دور النيابة، اللي عرضت أدلة الإدانة اللي أنا ونيار جمعناها.
تقرير الطب الشرعي، آثار الحقن، بصمات نوح، اعترافات نوح التفصيلية، وشراء تيا للمادة السامة من سوق سوداء للأدوية (وده خيط وصلناله بعدين من تليفونها).
النيابة طالبت بأقصى عقوبة.. الإعدام شنقاً للمتهمين.
وهنا.. جه وقت المفاجأة.
القاضي نده على الدكتور "نيار الشريف" عشان يوضح نقطة طبية أخيرة طلبها الدفاع للتشكيك في سلامة القوى العقلية للضحية (شاهر) وإنه كان سادي وبيعذبها.
نيار طلع المنصة، وحلف اليمين.
القاضي سأله:
• دكتور نيار، الدفاع بيزعم إن المجني عليه "شاهر الزيات" كان بيتمتع بقوة بدنية وسادية مفرطة كان بيستخدمها في تعذيب زوجته، هل التشريح أثبت أي حاجة تدعم الكلام ده؟
نيار عدل نظارته، وبص ناحية القفص، وبصلي، وبعدين فجر القنبلة اللي محدش كان عامل حسابها.. ولا حتى أنا.
• سيادة القاضي.. تقرير الصفة التشريحية المرفق بملف القضية فيه "ملحق" وصل من المعمل الباثولوجي متأخر، وأنا ضميته للتقرير النهائي.
الكل ركز معاه. نيار كمل بصوت هادي وواضح:
• تشريح جثة المجني عليه، وفحص الأنسجة الدقيق، أثبت إن "شاهر الزيات" كان مريض.
محامي تيا وقف بسرعة:
• مريض ضغط.. إحنا عارفين ده.
نيار كمل ببرود:
• لا يا أستاذ.. المجني عليه كان مصاب بـ "سرطان البنكرياس" في مرحلة متأخرة جدا. الورم كان منتشر في الكبد والرئة.
الهمس زاد في القاعة. نيار كمل الجملة اللي نزلت زي الصاعقة على دماغ تيا:
• طبياً، وبالنظر لحجم الورم وانتشاره، "شاهر الزيات" مكنش قدامه في الحياة أكتر من شهر، أو شهرين بالكتير. حالته الصحية العامة كانت متدهورة، وكان بيعاني من ضعف وهزال شديد في العضلات مكنش يخليه يقدر يفتح إزازة ميه، ناهيك عن إنه يضرب أو يعذب حد.
ساد صمت رهيب في القاعة. صمت أتقل من الموت.
أنا بصيت لـ تيا. الكبرياء اللي على وشها داب. عيونها وسعت بذهول.
الراجل اللي قتلت، وخططت، واستغلت عشيق، ودمرت حياتها وحياة اللي حواليها عشان تخلص منه وتورثه.. كان كده كده هيموت!
لو كانت صبرت شهر واحد.. شهر واحد بس.. كان مات موتة ربنا، وكانت هي ورثت كل الملايين دي بشكل قانوني، ومن غير ما توسخ إيدها بالدم، ومن غير ما تقف في القفص ده.
القاضي سأل نيار:
* يعني المجني عليه كان في عداد الأموات؟
* بالضبط يا فندم. كان ميت بيمشي على الأرض. الجريمة اللي المتهمين ارتكبوها كانت عجالة لحدث حتمي. هما قتلوه وهو بيلفظ أنفاسه الأخيرة أصلاً.
نوح في القفص بدأ يضحك.. ضحك هستيري، ضحك واحد عقله فوت.
تيا كانت مسهمة، بوقها مفتوح، ومش قادرة تنطق. السرعة اللي كانت دافعها للجريمة، هي نفسها كانت عقابها. استعجالها للورث وللحرية، هو اللي لبسها بدلة الإعدام.
المستشار رفعت خبط بالمطرقة عشان يسكت الهرج اللي حصل، ورفع الجلسة للمداولة والنطق بالحكم.
الساعتين اللي قضيناهم مستنيين الحكم كانوا أطول ساعتين في حياتي. كنت بفكر في "سخرية القدر". إزاي المجرم دايماً غبي، حتى لو كان ذكي. غبي لأنه بيفتكر إنه يقدر يسبق القدر، بس القدر دايماً خطوته أوسع.
بعد المداولة، المحكمة رجعت. القاضي وقف، والكل وقف معاه.
• "بعد الاطلاع على الأوراق، وسماع المرافعة الشفوية، والمداولة قانوناً.. وحيث إن وقر في يقين المحكمة ارتكاب المتهمين للجرم المسند إليهما مع سبق الإصرار والترصد.. حكمت المحكمة حضورياً، وبإجماع الآراء.."
قلبي دق. اللحظة الحاسمة.
• "أولاً: بإحالة أوراق المتهمة الأولى (تيا صبري) والمتهم الثاني (نوح الغندور) إلى فضيلة المفتي لإبداء الرأي الشرعي في إعدامهما شنقاً."
صرخة دوت في القاعة. بس مش من تيا.. من أم نوح اللي كانت قاعدة ورا.
تيا مصرختش. تيا وقعت من طولها جوه القفص. الإغماءة دي مكنتش تمثيل. دي كانت لحظة إدراك الحقيقة المرة. إنها خسرت كل حاجة.. عشان الولا حاجة.
خرجنا من القاعة أنا ونيار. الجو بره كان حر، شمس يونيو الحارقة.
نيار ولع سيجارة، ونفخ الدخان في الهوا.
* تفتكر عرفت إنه كان عيان يا صخر؟
* مكنتش تعرف. شاهر كان كتوم، وعمره ما كان هيبين ضعفه لواحدة هو عارف إنها بتكرهه. هو عاقبها بمرضه وهو عايش، وعاقبها بموته وهو ميت.
* قضية غريبة.. القاتل فيها هو الوقت.
* لا يا نيار.. القاتل هو الطمع. الطمع اللي عماها عن إنها تشوف إن جوزها بيخس، وإن وشه لونه بيتخطف، وإن صحته بتنهار. هي شافت الفلوس بس.
ركبت عربيتي ومشيت. القاهرة كانت زحمة كالعادة، الحياة ماشية، والناس بتجري ورا أكل عيشها.
بس السؤال اللي هيفضل يطاردني، وعايز أسأله لكل واحد بيسمعنا دلوقتي:
لو كنت مكان تيا، وعرفت إن الشخص اللي مخلي حياتك جحيم فاضله شهر ويموت.. هل كنت هتصبر وتستنى عدالة السما؟ ولا غريزة الانتقام والغل كانت هتخليك تدوس على الزناد برضه.. حتى لو الثمن رقبتك؟
فكروا فيها.. لأن أحياناً، الصبر بيكون أصعب بكتير من القتل.
انتهت احداث الرواية نتمني أن تكون نالت اعجابكم وبانتظار آراءكم في التعليقات