تحميل رواية «جريمة الفيوم» PDF
بقلم محمود الأمين
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
ن دي أول مرة في حياتي أقبض على قاتل من غير ما أدخل في قصص وحواديت.. المرة دي وصلت بعد ما البلد كلها عرفت إن في جريمة قتل حصلت في الفيوم. الفيديو اللي انتشر على وسائل التواصل الاجتماعي، واللي حوّل القضية من بدايتها من جريمة قتل بتحصل كل يوم، لقضية رأي عام، والناس كلها بتطالب بإعدام القاتل. لما وصلت المكان، كان شارع ضيق فيه بيوت مرصوصة جنب بعضها.. وعلى كرسي قدام بيت من دورين، جثة لراجل في التلاتينات من عمره.. الراجل كان مضروب بآلة حادة تسببت في قطع كل الأوتار اللي في رقبته، ولقيت على الأرض ست قاعد...
رواية جريمة الفيوم الفصل الأول 1 - بقلم محمود الأمين
ن
دي أول مرة في حياتي أقبض على قاتل من غير ما أدخل في قصص وحواديت.. المرة دي وصلت بعد ما البلد كلها عرفت إن في جريمة قتل حصلت في الفيوم. الفيديو اللي انتشر على وسائل التواصل الاجتماعي، واللي حوّل القضية من بدايتها من جريمة قتل بتحصل كل يوم، لقضية رأي عام، والناس كلها بتطالب بإعدام القاتل.
لما وصلت المكان، كان شارع ضيق فيه بيوت مرصوصة جنب بعضها.. وعلى كرسي قدام بيت من دورين، جثة لراجل في التلاتينات من عمره.. الراجل كان مضروب بآلة حادة تسببت في قطع كل الأوتار اللي في رقبته، ولقيت على الأرض ست قاعدة لابسة خمار، وواضح عليها الصدمة والخوف، وعرفت إنها زوجة المجني عليه.
بس اللي أثر فيا في اللحظة دي، هو الطفل الصغير اللي كان قاعد حاطط إيديه على ودانه، ومبرق وساكت.. وبمجرد ما قربت منه وحطيت إيدي عليه، اتكهرب وبعد عني، وعرفت إنه ابن المجني عليه، اللي شاف أبوه بيتقتل قدام عينيه.. حاجة صعبة، ومشهد هيفضل فاكره طول عمره، مش هينساه.
بصيت ورايا، لقيت الناس ماسكة واحد في أوائل التلاتينات، جسمه جامد شوية، وعنده دقن، وجنبه على الأرض فاس، ومن الواضح إن دي هي أداة الجريمة.
...
يناير 2026
أنا الدكتور مصطفى سعيد، دكتور نفسي في مستشفى العباسية.. بحب شغلي أوي، وشايف إنه هو شغفي. بحب أسمع للمريض اللي قدامي، وأحلل شخصيته، وأفهم هو يقصد إيه؟!
ولكن في حالة عندي في المستشفى، والمفروض إني ماسك الملف اللي يخص الحالة دي. كل اللي أعرفه عنه إنه اسمه ياسر.. سنه دلوقتي 15 سنة، موجود في المستشفى من 2022. وقتها كان جاي وعنده توتر، واللي عرفته إن والده اتقتل قدام عينيه، ولكنه رافض يحكي أي حاجة، ومعظم الوقت كان ساكت.
لحد ما في يوم وصلت المستشفى، وكنت بمر على العنابر عشان أطمن على الحالات اللي عندي، وفجأة سمعت صوت جاي من العنبر اللي فيه ياسر.. الصوت كان عالي، وكان عبارة عن صراخ. اتحركت بسرعة ناحية العنبر، ووقتها لقيت شاب في العشرينات كان بيحاول يهديه، ولكن ياسر كان بيصرخ وبيطلب منه يطلع بره.
قربت من الشاب ده وسألته:
_ إنت مين، ودخلت هنا إزاي؟!
= أنا كنت جاي أسأل على ياسر.. بس ما كنتش أعرف إنه هيعمل كده.
_ إنت مين؟! حد من أهله أو من صحابه؟
= بعدين هاجي وأفهم حضرتك، بس أنا لازم أمشي دلوقتي.. أنا جيت هنا عشان حاسس إني متعاطف معاه. هو ملوش ذنب في كل حاجة حصلت، بس ما كنتش أعرف إني لما أفكره هينفعل بالشكل ده.
_ أنا برضه ما عرفتش إنت مين؟! وإيه اللي خلاك تفتح معاه السيرة دي؟! وعلى فكرة، أنا نفسي أفهم الموضوع أنا كمان. أنا كل اللي أعرفه إني رجعت من السفر واشتغلت هنا في المستشفى، ومن وقتها وأنا مستلم حالة ياسر، وكل اللي اتقال إنه شاف والده بيتقتل قدام عينيه، بس مش فاهم الحكاية إيه؟!
= افتح نت وابحث عن جريمة الفيوم، وإنت هتفهم إيه اللي جاب ياسر هنا.. وبعد ما تفهم، ده العنوان، ممكن حضرتك تيجي وأنا هحكيلك كل حاجة، لو ده هيساعد في علاج ياسر. ولو حضرتك مش هتعرف تيجي، نفس الورقة فيها رقم تليفوني، كلمني وأنا اللي هاجي.
_تمام يا أستاذ.. هو حضرتك اسمك إيه؟
= اسمي عزت يا دكتور.
...
خرج عزت ومشي، وأنا رجعت على مكتبي من تاني. كان عندي فضول أعرف إيه اللي حصل في جريمة الفيوم بالظبط.. مسكت تليفوني ودخلت على يوتيوب، وكتبت في البحث "جريمة الفيوم"، ولقيت قدامي فيديوهات كتير بتتكلم عن الجريمة.
فضلت أقلب لحد ما لقيت الفيديو بتاع الجريمة نفسه.. فتحت الفيديو، واللي كان بيبدأ بواحد قاعد على كرسي قدام بيته، وفي ست وطفل صغير قاعدين قصاده بيتكلموا.. فضلت مستني إيه اللي هيحصل، لحد ما شوفت.
شوفت اللي خلاني أخرس تمامًا.. حاجة في منتهى القسوة والوحشية، لدرجة إن التليفون وقع من إيدي، وقلبي وجعني.. وفهمت إن الولد الصغير اللي كان قاعد ده هو ياسر، وفهمت ليه هو اتحول لشخص ساكت على طول.. وفهمت ليه صرخ لما الموضوع اتفتح قدامه.
وكان عندي فضول أعرف الحكاية من أولها.. جايز، زي ما قال عزت، لما أعرف الحكاية، ألاقي علاج لياسر.
...
بعد ساعات، كنت واقف قدام العنوان اللي إداهولي عزت.. كان بيت في الفيوم، وتقريبًا في نفس الشارع اللي حصلت فيه الجريمة. خبطت على الباب، وبعد دقيقتين لقيت عزت قدامي بيرحب بيا وبيطلب مني أدخل.
كنت لسه ما فوقتش من الصدمة بتاعة الفيديو، وعاوز أفهم هو إيه علاقته بالموضوع، وليه اتكلم مع ياسر فيه.. بس قبل ما أسأل السؤال، كنت فهمت.
أول ما دخلت صالة البيت، لقيت صورة متعلقة لواحد لابس بدلة شيك.. وده كان نفس الشخص اللي ظهر في الفيديو، الشخص المجرم اللي قتل والد ياسر.
فضلت باصص للصورة ومش مصدق، فاتكلم عزت وقال:
_ ده أخويا معتز.. ربنا يرحمه ويسامحه. صدقني، أنا جيت المستشفى عشان حاسس بتأنيب ضمير، ورغم إني ما عملتش حاجة، بس إحساس إني عايز أقف جنب ياسر مش بيفارقني. بسبب أخويا، ياسر فقد أبوه، وبعدها أمه ماتت هي كمان، وهو عاش في المستشفى بقية عمره.. كان نفسي أجبر بخاطره بس.
= أنا ما توقعتش إنك تكون أخو المجرم اللي عمل كده.. بس بما إني عرفت، أنا عاوز أعرف الحقيقة كاملة. عاوز أعرف أخوك عمل كده ليه؟! أنا شوفت فيديو الجريمة، ويا ريتني ما شوفته.. البشاعة والوحشية اللي شوفتها تدخل أي حد في حالة اكتئاب، وتخليه يشوف الدنيا دي غابة.
_ مهما حكيت، أخويا في الآخر مجرم، ويستاهل الإعدام.. بس لازم تعرف إنه كان هو الضحية في البداية. أصلك لما تخسر كل حاجة عشان حد بتحبه، وتدخل في سكة مش سكتك، وتتجنن.. لازم تكون عارف إن دي النهاية.
اللي قدامك في الصورة ده الباشمهندس معتز.. كان من أحسن شباب الفيوم، والعيلة كلها كانت بتفتخر بيه.
...
لحد ما في يوم قرر إنه يكمل نص دينه ويتجوز.. زيه زي أي حد عاوز يختار شريكة حياته اللي هتكمل معاه بقية عمره. وفعلاً اختار ليلى، بنت كانت شغالة معاه في الشركة اللي هو كان شغال فيها.
وقسمًا بالله، أنا عمري ما ارتحت للبنت دي من أول يوم شوفتها فيه.. كنت عاوز أحذره وأقوله بلاش، بس خوفت يفهمني غلط أو يشوفني إني كارهله الخير، خصوصًا إن أخويا كانت دماغه ناشفة.
وبعد ما اتجوزوا بشهرين، جات لأخويا فرصة عمل بره مصر.. سافر، وكان بيشتغل ليل ونهار، وبيبعتلها فلوس كتير كل شهر. ما كنتش بشوف منها حاجة وحشة ولا حاجة حلوة.. كانت في حالها خالص، وكل يوم كنت بقول جايز أنا ظالمها.
لحد ما في يوم رجع من السفر وبعد أسبوع، واكتشف الكارثة...
اكتشف إن ليلى حامل.
وطبعًا هتسألني وتقول: فين الكارثة في كده؟!
هو وقتها ما كانش يعرف إنها كارثة.. كان فرحان ومش مصدق نفسه، لكن بعد أسبوع، صحي من النوم ما لاقاش مراته جنبه. الوقت كان متأخر، وما حدش عارف هي راحت فين؟!
اتصل على أهلها، وقالوا إنها ما راحتش عندهم.. كان هيتجنن. نزل يدور عليها في الشارع يوم، واتنين، وعشرة.. وليلى ملهاش أثر.
طبعًا عمل محضر باختفائها، ولكن اللي عرفه بعدها كان هو الكارثة الحقيقية.
معتز كان كاتب كل حاجة لمراته.. ده غير إنه حاطط في حسابها فلوس كتير، وجايبلها شقة إحنا ما نعرفش عنها حاجة. وكان متفق معاها إنها هتسافر له بره بعد شهرين، وهيستقروا هناك.
ولكن الغريب، إنه كان عاملها توكيل.. وبالتوكيل ده قدرت تسحب كل فلوسه اللي في البنك، وترجعه على الحديدة تاني.
كل اللي أنا بحكيه ده ما يجيش حاجة في اللي جاي.. بس أنا بعرفك إيه اللي وصل معتز أخويا لكده، إيه اللي خلاه يتحول من مهندس ناجح لقاتل بيتحكم عليه بالإعدام.
= أنا ما يهمنيش كل اللي إنت بتحكيه.. أنا عاوز أعرف هو ليه قتل الراجل ده؟! كل اللي إنت بتحكيه ده مجرد مبررات لأخوك. أنا شوفت فيديو الجريمة، ولحد دلوقتي مش مصدق اللي شوفته.. إذا كان أذاني أنا نفسيًا، أومال ابنه بقى يعمل إيه؟!
اللي شاف كل حاجة قدام عينيه!
_ لازم أكمل الحكاية.. لازم تفهم إيه اللي وصل أخويا لكده، عشان تفهم في الآخر إيه السبب في قتل الراجل اللي مات ده.
أخويا حبس نفسه شهور في البيت.. ما كانش مصدق اللي مراته عملته فيه. كان عاوز ابنه اللي اتحرم منه، ومش هيعرف يشوفه.
وكل يوم حالته النفسية كانت بتسوء أكتر.. لحد ما في يوم كان بيقلب في الصور، وبيعيط زي العيل الصغير.
دخلت عليه أنا وأمي، وبدأنا نهون عليه.. لكن في وسط الصور، كان في ورقة.
مسكتها عشان أقرأ اللي فيها.. وما كنتش مصدق إن في حد بالفُجر ده!
= ليه يعني؟! هي الورقة دي كان فيها إيه؟!
— اللي في الورقة دي كانت البداية في كل حاجة حصلت...
عشان كان مكتوب:
رواية جريمة الفيوم الفصل الثاني 2 - بقلم محمود الأمين
الورقة كان مكتوب فيها إن ليلى كانت حامل في أربع شهور، يعني معنى كده إنها مش حامل من معتز أخويا.. مسكتي للورقة والصدمة اللي كنت فيها خلت معتز يلاحظ، وشد مني الورقة وبص فيها. أمي كانت واقفة مش فاهمة حاجة، وأنا كنت عاجز أفهمها هو في إيه بالظبط.
معتز فضل ماسك الورقة وباصص فيها شوية، وبدأت دموعه تنزل لوحدها، وبص لماما وقالها:
_ ليه؟!.. عملت فيّ كده ليه؟!.. أنا عملت إيه وحش؟ جاوبيني، هي عملت فيا كده ليه؟!
= اهدى يا معتز، وصلي على النبي.. هو إيه اللي مكتوب في الورقة دي؟ ما تفهموني!
أخدت أمي على جنب وفهمتها. أمي كانت بتسمع الكلام وهي مصدومة، وما حدش فينا كان مستوعب البنت دي عملت كده ليه!
وقتها معتز اتصرف تصرف غلط، وراح عند بيت أهلها وعمل لها فضيحة قدام الشارع كله. كان ماسك في إيده التحليل اللي بيثبت الحمل ومدته، والناس اتلفت حواليه عشان تسمعه. فضل يتكلم ويصرخ لحد ما وقع من طوله، وده اللي أنا عرفته من الناس اللي كانت بتحكي في الشارع. لكن عرفت كمان إن اللي قومه وأخده معاه هو عنتر، وده واحد تقدر تقول المنطقة كلها عارفاه إنه بيشرب.
بعد شوية، فاق معتز في بيت عنتر، وكان بيسأل: أنا فين؟.. أنا إيه اللي جابني هنا؟!
وقتها رد عليه عنتر وقال:
_حمد لله على السلامة يا زميلي، قلقتني عليك يا عم.
= إنت مين؟.. وأنا بعمل إيه هنا؟!
_ الله!.. لا ده أنا أزعل منك كده يا زوز! معقول مش عارفني؟.. هو في حد في المنطقة كلها ما يعرفش مين هو عنتر؟
= معلش، حقك عليّا.. إنت أكيد عارف اللي أنا بمرّ بيه، وما بقتش فاكر أي حد ولا فاكر أي حاجة.. أنا يا دوب فاكر اسمي بالعافية.
_ ليه يعني كل ده؟!.. عشان واحدة باعتك ما تستاهلش؟ إنت راجل لازم تستحمل، وما ينفعش تقع قدام الناس كده.. عيب. اسمع، إنت هتقعد معايا هنا كام يوم، وأنا هنسيك كل اللي فات. هخليك ما تحسش بأي حاجة وتنسى، بس إنت قول أمين، وأنا عينيّا ليك يا زميلي.
= أنا ماليش في السكة بتاعتك دي يا عنتر، إنت عارف أنا كنت بشتغل إيه.. شغلانة محترمة وباكل اللقمة بالحلال. بس هي الدنيا كده، ممكن تديك كل حاجة وبعدين ترجع تاخدها مرة واحدة.
_ هتقعد بقى تقول كلام المسلسلات والأفلام ده؟!.. اللي لا بيقدّم ولا بيأخّر؟ طيب أديك كنت شغال شغلانة محترمة وبتاكلها بالحلال واتجوزت.. إيه اللي حصل؟ نصبت عليك يا عيني، وأخدت اللي وراك واللي قدامك، وخليتك على الحديدة. اسمع كلامي، وأنا أخليك تعيش في دنيا غير الدنيا.. مش هتحس بحاجة، وهتنسى كل همومك ومشاكلك.
= وده إزاي بقى؟!.. عندك مصباح سحري؟
_لا يا أبو دم خفيف.. أنا عاوزك تشرب السيجارة دي وتدعيلي حتة، إنما إيه هتكيفك!
= أيوه بس أنا...
_ما بسش يا عم، اشرب!.. هو في حد واخد منها حاجة؟
...
ودي كانت أول مرة يشرب فيها الهباب ده.
بعد يومين، رجع البيت تاني، ما كانش عارف يصلّب طوله من الوجع اللي في جسمه. سندته ودخلته أوضته عشان يرتاح، ولما سألته كان فين، قال إنه كان عند واحد صاحبه. وأنا ما حبيتش أطوّل في الكلام وسبته على راحته.
لكن من اليوم ده معتز اتغير، وبدأ يخرج ويغيب بالساعات، ومحدش يعرف عنه حاجة. وللأسف كان بيروح للي اسمه عنتر، وأنا عرفت الكلام ده متأخر.
لحد ما في يوم راح عند عنتر كعادته، واتكلم وقال:
_ عاوزين نغير الصنف بقى يا عنتر، أنا باجي لك كل يوم وبنشرب من نفس الصنف.. عاوزين حاجة أقوى من كده، تعدّل الطاسة كده وتخليها فل!
= الله!.. إنت بقيت تقول “تعدّل الطاسة” كمان؟ لا واضح إنك بدأت تفهم لغتنا وبتتعامل بيها.. عاش يا زميلي!
بس أنا مش هقولك على صنف جديد.. معايا حاجة أتقل حاجة، وأنا واثق إنك مش هتعرف تبطلها. بس المرة دي مش هنشرب سجاير، دي حاجة ما تترفضش.
...
عنتر دخل أخويا في سكة المخدرات، خلاه شمّام وما بقاش مدرك هو بيعمل إيه.
وفي يوم صحيت على صوت أمي وهي بتزعق معاه، وكانت بتقول:
_ بتسرقني يا معتز؟!.. بتسرق أمك؟!.. هي وصلت للدرجة دي؟!
= ياما، أنا عاوز فلوس.. ما إنتي شايفة الحالة بقت ناشفة إزاي!.. وانتي أمي، يعني المفروض تقدّري اللي أنا فيه.
_ إيه الطريقة اللي إنت بتتكلم بيها دي؟!.. إنت لا يمكن تكون ابني اللي أنا ربيته.. والفلوس دي إنت مش هتاخدها!
= لا، هاخدها وغصب عنك!
...
كانت صدمة بالنسبالي وأنا شايف معتز بيمد إيده على أمه. أمي نفسها كانت مصدومة لما لوّى دراعها وأخد منها الفلوس بالعافية، وخرج يجري برّه البيت. جريت على أمي وطبطبت عليها، ومحدش فينا كان عارف يتصرف إزاي.
وفات كام يوم وهو مختفي عن البيت. ويومها أمي خرجت تشتري حاجات من السوق، فقرب منها عشان يتكلم معاها، وقالها:
_محتاج منك فلوس.. أنا أهو جاي أطلبها منك، مش هسرقك تاني.. بس بلاش تقولي لأ عشان ما أزعلش.
أمي تجاهلته تمامًا، وما كانتش بترد عليه، وعمرها ما كانت تتخيل إنه هيتصرف كده قدام الناس؛ لأنه مرة واحدة مسك أمي من شعرها وشدّها قدام الناس، وفضل يقولها: “طلّعي الفلوس اللي معاكي!”. والكل كان شايف اللي بيحصل وواقفين يتفرجوا.
لحد ما ظهر حسن، كان محامي عندنا هنا في الشارع. بعده عنها وزعق فيه وقال:
_ إنت مجنون؟!.. في حد يعمل كده في أمه اللي ربيته وجابته للدنيا دي؟!
= وإنت مالك يا عم؟!.. داخلك إيه في القصة من الأساس؟ وبعدين إنت لسه قايل “أمي” مش أمك!
_ إنت لا يمكن تكون طبيعي.. لو اتعرضت للست دي تاني، حسابك هيكون معايا أنا، وأظن إنت فاهم أنا ممكن أعمل فيك إيه.
...
أمي رجعت البيت اليوم ده وهي منهارة.. أقرب ما ليها بهدلها قدام الناس، وأنا وقتها كنت صغير وما كنتش أقدر أقف قدامه، أو تقدر تقول كنت جبان. بس عمري ما كنت أتصور إن الموضوع هيوصل للدرجة دي.
رجع معتز لعنتر وهو مش معاه فلوس، وكان هيبوس رجله عشان يديله من الهباب اللي كان بيشمه. فرد عليه وقال:
_ لا يا حبيبي، أنا مش جمعية تعاونية.. تقدر تشخلل جيوبك؟ تمام.. مش هتقدر يبقى تورّيني عرض كتافك!
= أنا كنت هاخد منها فلوس، بس حتة محامي ما يسواش تلاتة مليم هو اللي وقف في طريقي ومنعني، وكمان هددني إنه هيوديني في داهية لو عملت كده تاني.
_ مش مشكلتي.. في السكة دي مفيش حاجة اسمها حد يقف في طريقي.. اللي يقف في طريقي أدوس عليه! هتعرف تدوس عليه ولا خايب؟
= يعني أعمل إيه برضه مش فاهم؟!
_ يعني اضربه.. اديله العلقة التمام قدام الشارع كله، عشان يحرم يقرب ناحيتك.
= بقولك محامي!.. يعني ممكن يحبسني.. وبعدين مش وقته الكلام ده، شوفني بس بأي حاجة.. أنا في نار قايدة في جسمي، أبوس إيدك مش قادر أستحمل!
_ طيب أنا هعمل معاك واجب المرة دي.. بس هتجيب حقه برضه، يعني تقدر تقول إنها على النوتة، ماشي يا زوز؟
= ماشي يا عنتر، الحقني بيها.
...
رجع معتز في اليوم ده البيت، وأقدر أقولك إن هو ده يوم الجريمة.. اليوم اللي لو عدى عليه سنين هفضل فاكره بتفاصيله.
المهم، أول ما دخل البيت كانت أمي قاعدة على كنبة في الصالة وبتعيط، وأنا كنت في أوضتي. قرب منها وفضل يقولها “سامحيني”، وإنه محتاج فلوس عشان يسد اللي عليه، وإنه لو ما سدّش ممكن الناس دي تخلص عليه.
كانت دموع تماسيح؛ لأنه بمجرد ما رفضت، حاول يمد إيده عليها تاني. لكن المرة دي أنا خرجت من الأوضة وزقيته بعيد عنها، ولأول مرة أمي تاخد موقف ضده واتكلمت وقالت:
_ الظاهر إني ما عرفتش أربيك.. أنا هسمع كلام المحامي اللي جالي هنا وقال إنك لازم يا تتحبس يا تتعالج.. العلاج برضاك، ولو رفضت هبلغ عنك وهخليك تتحبس!
= آه المحامي!.. عاوزة تسمعي كلامه وتحبسي ابنك؟ طيب أنا هوريكي هعمل إيه في المحامي ده اللي إنتِ بتتحامي فيه وفاكرة إنه هيحميكي!
كان في فاس جنب الباب، مسكه وخرج بيه برّه.. وأنا جريت وراه عشان أشوفه هيعمل إيه.
وقتها لمحت حسن المحامي، كان قاعد على كرسي قدام بيته.. وكل اللي كنت فاكره إنه هيهدده، لكن لما قرب منه كانت الصدمة...
رواية جريمة الفيوم الفصل الثالث 3 - بقلم محمود الأمين
قرب من المحامي ونزل بالفاس على رقبته، ضربه في التانية في التالتة، وكل ده حصل قدام ياسر ابنه اللي جري لما شاف اللي حصل.. ومراته صرخت وجريت مسكت القاتل من هدومه وفضلت تصرخ في وشه لحد ما اتلم كل اهل المنطقه ومسكوا معتز..لحد دلوقتي مش قادر انسى اليوم ده بس الحكايه ماخلصتش لحد هنا واللي فاضل انا هحكيلك منه جزء، وجزء هتروح تسمعه من الظابط اللي قبض على معتز
= ليه هروح اسمعه من الظابط، ما تكمل انت باقي الحكايه؟!
_ عشان انا ما شفتش اللي حصل هناك، هحكيلك حاجة سمعت عنها بس
= امرك غريب والله يا عزت، انت من الصبح عمال تحكي حاجات اخوك اللي عاشها مش انت، جات على الحاجه دي يعني وعاوزني اروح اسمعها من ظابط
_ لو عاوز تفهم اللي حصل بجد روح للظابط، مهما حكيت مش هعرف اوصفلك باقي الحكايه
= طيب كمل الجزء اللي عندك وبعدها نشوف
...
_ بعد ما اتقبض على معتز ما حدش من اهل المنطقه بقى طايقنا، الناس كلها كانت بتتجنب تتكلم معانا، رغم ان الكل عارف ان احنا ما لناش ذنب واننا مظلومين لكن هي الناس كده بتاخدك بذنب غيرك لحد ما في يوم كنا قاعدين ولقينا باب البيت بيخبط قومت من مكاني عشان افتح الباب، واللي كان على الباب كان اخر حد كان ممكن اتوقعه.. لقيت ليلى مرات اخويا السبب في كل المصايب اللي حصلت، هدومها مقطعه شكلها مبهدل وكانت بتعيط
كنت واقف عاجز مش عارف ادخلها ولا اقفل الباب في وشها، دخلت وجريت على امي وهي بتعيط وبتقول سامحوني لكن امي مسحت بكرامتها الارض عرفتها كل اللي حصل بسببها
وعرفنا انها كانت بتحب واحد وهربت معاه بس ما طلعش راجل معاها وباعها في اول محطه ولما رجعت لاهلها ضربوها ورموها في الشارع واتبروا منها قدام الناس كلها.. امي كانت واخده القرار انها مش هتقدر تسامح وان ليلى لازم تمشي مش ممكن تقعد معانا ورغم انها حاولت كتير تقنع امي لكن برضه الرد كان لا
فطلبت طلب غريب قبل ما تمشي، طلبت انها تروح تزور معتز في السجن، وقالت انها واثقه انه هيسامحها عرفناها السجن فين اللي مسجون فيه اخويا معتز ولحد هنا والحكايه خلصت معايا ده الكارت بتاع الظابط ممكن تكلمه وتفهم منه باقي الحكايه
= ايه ده، ايمن الصياد انا اعرف الظابط ده كويس، عموما انا بشكرك انك عرفتني كل اللي حصل واكيد ده هيفيدني في علاج ياسر
_ مبسوط اني قابلتك يا دكتور، واتمنى انك تعرف تعالج ياسر ويرجع زي الاول رغم اني عارف ان ده صعب بس عارف انك هتحاول
....
مشيت من عند عزت وانا عندي فضول اعرف باقي الحكاية، وعشان كده اتصلت على طول بالظابط ايمن الصياد اللي كان معايا في الدراسه وبقالنا سنين كتير ما تقابلناش ولا تكلمنا، لدرجه انه ما صدقش ان انا اللي بكلمه في التليفون وطلب مني اروح على قسم الشرطه نتقابل هناك في مكتبه، وفعلا روحت على هناك
واول ما شافني اتكلم وقال
_ يا ابن الايه.. واحشني يا دكتره والله
= وانت أكتر والله يا ايمن، من ايام الدراسه ما شفناش بعض اكيد فاكر ايام ثانويه عامه طبعاً
_ ده اكيد وهي دي ايام تتنسي، بس معلش ايه اللي فكرك بيا بعد السنين دي كلها؟!
...
بدات افهمه الحكايه فتكلم وقال
_ ياااه دي قضيه عدي عليها سنين بتفكرني ليه بس، كانت دي اول مره في حياتي اقبض على قاتل من غير ما ادخل في قصص وحواديت.. المره دي وصلت بعد ما البلد كلها عرفت انه في جريمه قتل حصلت في الفيوم، الفيديو اللي انتشر على وسائل التواصل الاجتماعي واللي حول القضيه من بدايتها من جريمه قتل بتحصل كل يوم لقضيه راي عام والناس كلها بتطالب باعدام القاتل
لما وصلت المكان كان شارع ضيق في بيوت مرصوصه جنب بعضها.. وعلى كرسي قدام بيت من دورين جثه لراجل في التلاتينات من عمره.. الراجل كان مضروب بآلة حادة اتسببت انها قطعت كل الاوتار اللي فى رقبته ولقيت على الارض سته قاعده لابسه خمار وواضح عليها الصدمه والخوف وعرفت انها زوجه المجني عليه بس اللي اثر فيا في اللحظه دي، هو الطفل الصغير اللي عنده حوالي سبع سنين اللي كان قاعد حاطط ايديه على ودانه ومبرق وساكت وبمجرد ما قربت منه وحطيت ايدي عليه اتكهرب وبعد عني وعرفت ان هو ابن المجني عليه اللي شاف ابوه بيتقتل قدام عينيه، حاجه صعبه ومشهد هيفضل فاكره طول عمره مش هينساه بصيت ورايا لقيت الناس ماسكه واحد في اوائل التلاتينات جسمه جامد شويه وعنده دقن وجنبه على الارض فاس ومن الواضح ان دي هي اداه الجريمة
المهم اننا خدناه على القسم واتحبس واتحددت ليه جلسه وكل المؤشرات كانت بتقول ان الشخص ده واخد اعدام لا محاله، لحد ما في يوم اتصل بيا المامور بتاع السجن وكان باين على صوته انه في حاجه حصلت وانه مش مطمن وطلب مني اروحله على طول، وفعلا بعد ساعه كنت هناك عنده وهناك عرفت المصيبه اللي حصلت
لما المامور اتكلم وقال
_ في واحده جت وطلبت انها تقابل معتز، الراجل اللي جاي في جريمه قتل المحامي.. لما سالتها انتي مين قالت انها مراته، المهم اني جبت معتز وسبتهم مع بعض خمس دقايق ويا ريتني ماسبتهم مع بعض عشان لما رجعت المكتب اتصدمت من اللي شوفته
= وايه بقى اللي انت شوفته؟
_ اتفضل على المكتب عشان تعرف المصيبه اللي احنا فيها
...
دخلت المكتب ولقيت واحده في اواخر العشرينات من عمرها قطع النفس وميتة جوه مكتب المامور اللي كمل كلامه وقال
_ لما رجعت لقيته مخلص عليها، كتم نفسها وموتها وقال انها كانت لازم تموت وان هي السبب في كل حاجه حصلت في حياته وكان لازم تكون دي نهايتها
= طيب وهو فين دلوقتي؟!
_ دخلته حبس انفرادي لحد ما نشوف هنتصرف ازاي؟!
= يعني ايه هتتصرف ازاي؟!.. دي تهمه جديده لازم يتحقق معاه وناخد اقواله طبعاً ولازم رجاله الطب الشرعي والمعمل الجنائي يجوا عشان دي جريمة قتل
...
وفعلا بلغت بالجريمه اللي حصلت في السجن والدنيا وقتها اتقلبت، والمامور طلب من العسكري انه يجيب معتز من الحبس الانفرادي وطلب مني اقعد لحد ما يجي
لكن فجأة لقينا العسكري راجع بيخبط على الباب بسرعه وبيقول ان المتهم انتحر في الحبس الانفرادي.. جرينا بسرعه على هناك وفعلا كان قاطع النفس وشرايين ايده كانت مقطوعه حاولت اتصرف والحقه وطلبنا الاسعاف لكن للاسف كان مات
بس يا سيدي ادي كل اللي حصل، وبصراحه القضيه دي ماتتنسيش وبتعرفك ان الواحد لازم يختار صح ويبعد عن اصحاب السوء وعن المخدرات.. يلا ربنا يرحمنا برحمته
...
رجعت المستشفى بعد كل اللي عرفته، ورغم اني عرفت كل حاجه الا اني شايف ان علاج ياسر صعب انا هحاول اني ارجعه زي ما كان ولكن للاسف ده مش سهل اللي شافه هيفضل ملازمه طول عمره وربنا يجبر بخاطره ويريح قلبه وينعم عليه بنعمه النسيان.
انتهت احداث الرواية نتمني أن تكون نالت اعجابكم وبانتظار آراءكم في التعليقات