تحميل رواية «جواز على سن الخنجر» PDF
بقلم هاجر عبدالحليم
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
اقرأ جواز على سن الخنجر بقلم هاجر عبدالحليم.
رواية جواز على سن الخنجر الفصل الأول 1 - بقلم هاجر عبدالحليم
لم يكن الفجر قد شقَّ سواده بعد، لكن حلقة السمك في الدرب الأحمر كانت تستيقظ كوحشٍ جائع يفتح فكيه على الدنيا.
رائحة الزفارة الثقيلة تختلط ببرودة الثلج المجروش، وصياح التجار يتعالى فوق صليل السكاكين وهي تشق بطون السمك بمهارة معتادة لا تعرف الرحمة.
أرضية الحلقة كانت مبلولة، زلقة، تلمع فوقها خيوط الماء والدم، وخطوات الرجال تترك خلفها آثارًا موحلة كأن المكان مذبحٌ مفتوح لا سوق رزق.
وفي قلب هذه الفوضى المقدسة… كان يقف المعلم سيد.
خمسة وثلاثون عامًا فقط، لكن الحزن نحت على ملامحه عشرين سنة إضافية.
جسدٌ فارع، كتفان عريضان أنهكهما حمل الأقفاص والثلج، ساعدان مشدودان بعروق نافرة، وذقن خفيفة لم تمسسها شفرة منذ أيام.
عيناه كانتا ساكنتين كسطح بحرٍ صامت… لكن من يعرف النظر جيدًا، يرى العاصفة المدفونة في عمقهما.
منذ ست سنوات، يوم ماتت فاطمة وهي تضع طفلته حبيبة، انغلق قلبه كما يُغلق باب مقبرة.
صار رجلًا للسوق، للبضاعة، للمزاد، وللبنت الصغيرة التي تركتها له زوجته أمانة.
لا امرأة بعد فاطمة.
لا كلمة حلوة.
لا ضحكة خرجت من قلبه بحق.
“يا سيد! يا كاشف!”
جاءه الصوت من خلفه كسوطٍ هبط على ظهره.
استدار، فوجد المعلم دسوقي، شيخ الحلقة، واقفًا بعصاه الخشبية ونظرته الحادة التي تشبه سن السكين.
سبعون عامًا مرّت عليه، لكن ظهره لم ينحنِ، وشاربه الأبيض الكث كان يهتز كلما تكلم.
اقترب سيد فورًا، ومسح يديه في مريلته الجلدية.
“نعم يا معلم دسوقي… اؤمرني خير.”
لم يرد دسوقي في وسط الزحام، بل أمسكه من ذراعه الغليظة وسحبه بعيدًا خلف كومٍ من الصناديق الخشبية الفارغة.
خفض صوته، لكن نبرته كانت مشدودة.
“المخزن الشرقي… فيه كلام. والعيون مفتحة اليومين دول، والتموين بيلف على كل واحد.”
انعقد حاجبا سيد، وانكمشت عضلات فكه.
“بضاعة بايظة ولا إيه؟”
هز دسوقي رأسه ببطء.
“بضاعة… وحاجات تانية. روح بص بنفسك. نضّف ولمّ الدنيا. وخد معاك حد يساعدك، عشان لو كبسة حصلت يلاقوا ناس بتنضف وشغالة… مش قاعدين على قلبهم مراوح.”
زفر سيد بضيق، ونفخ الهواء من أنفه.
“مين فاضي الفجرية دي؟ العيال كلها في المزاد… خليها وقت تاني.”
رفع دسوقي ذقنه وأشار بعينيه إلى ركن بعيد.
هناك… كانت تجلس فتاة نحيلة تمسح طاولة خشبية مهترئة.
“خد البت ورد. بت عم عبده. غلبانة ومقطوعة من شجرة. كانت في ملجأ… أهي تاكل عيش.”
اسم ورد وحده جعل شيئًا غامضًا ينقبض في صدر سيد.
تلك اليتيمة التي لا يكف السوق عن مضغ سيرتها بألسنة قذرة.
“دي مالهاش أهل.”
“دي ممكن تعمل أي حاجة عشان اللقمة.”
شد فكه بقسوة، وقال بخشونة:
“حاضر يا معلم.”
اتجه نحو الركن.
كانت ورد جالسة على الأرض، تجمع بقايا السمك الصغير في صفيحة صدئة.
في الثانية والعشرين من عمرها، لكن هزال جسدها كان يجعلها تبدو أصغر بكثير.
جلابية سوداء قديمة واسعة تبتلعها، وطرحة قطنية باهتة تستر نصف شعرها.
وجه شاحب لم تعرفه الشمس، وعينان واسعتان سوداوان… فيهما حزن عميق وبراءة توجع القلب.
ما إن أحست بظله يسقط فوقها حتى رفعت وجهها بسرعة، وانتفضت كأن تيارًا كهربائيًا صعقها.
“المعلم سيد! بسم الله الرحمن الرحيم… في إيه؟”
وقف أمامها جامدًا كتمثال حجر.
“قومي يلا. هتيجي معايا المخزن الشرقي. هننضف الدنيا هناك.”
ارتبكت، ومسحت يديها المرتجفتين في جلابيتها، ثم نهضت بسرعة وهي تطأطئ رأسها.
“حاضر يا معلم… اللي تشوفه. أنا تحت أمرك. هروح معاك في المكان اللي إنت عايزه.”
خرج صوتها خافتًا، مرتعشًا، كأنها تعتذر عن كونها حية.
تحرك سيد أولًا بخطوات واسعة غاضبة، بينما كانت هي تهرول خلفه كي تلحقه، ممسكة الصفيحة بكلتا يديها.
كان المخزن الشرقي في آخر الحلقة؛ مبنى قديم من الطوب العاري، بابه خشب ثقيل، وقفله مصدّي يئن من الصدأ.
الرطوبة تنبعث منه، ورائحة السمك القديم متشبثة بجدرانه كالعفن.
أخرج سيد مفتاحًا كبيرًا من جيب صديريه، وغرسه في القفل.
صرير الباب حين انفتح شقَّ سكون الفجرية.
في الداخل، كان مصباح أصفر وحيد يتدلى من سلكٍ عارٍ، ينشر ضوءًا شاحبًا على أقفاص خشب مكسورة، وأكياس ملح ممزقة، وبقع ماء آسنة فوق الأرض.
أشار لها بيده دون أن ينظر.
“ادخلي. اكنسي الأرضية دي كلها. أنا هرص الأقفاص على الحيطة. مش عايزين تلاكيك من حد.”
همست وهي تضم الطرحة على رأسها:
“حاضر.”
دخلت.
بدأت تكنس بمقشة قديمة، وصوت الخرشفة فوق الأرض المبتلة كان الصوت الوحيد في المكان.
سيد كان يرص الأقفاص وظهره لها، وعضلات كتفيه مشدودة، كأنه يتشاجر مع الخشب لا يرتبه.
الصمت بينهما كان ثقيلًا… خانقًا.
هو لا يطيق وجودها؛ يراها عبئًا وفضيحة محتملة.
وهي ترتجف من المكان… ومنه.
مرت عشر دقائق.
وفجأة—
“إلحقووونااا! يا خلااايق! فضيييحة! فضييييحة!”
شق الصراخ جنبات المخزن كطعنة.
تجمد سيد في مكانه، وسقطت المقشة من يد ورد فارتطمت بالأرض.
وقبل أن يستوعبا…
دُفع الباب بركلةٍ عنيفة، فانفتح على مصراعيه.
وفي فتحة الباب وقف المعلم دسوقي، ووجهه يغلي، وخلفه عم عبده وثلاثة من كبار تجار الحلقة.
وفي المقدمة…
كان يقف سلطان.
الصبي الطويل النحيف، بعينيه الضيقتين الماكرتين كثعلب جائع.
نفس الصبي الذي طرده سيد من الشغل منذ شهر بعدما أمسكه يسرق من الميزان.
كان يبتسم ابتسامة صفراء كريهة، ويشير بإصبعه نحوهما.
“أهو يا ناس! شفتوهم بعيني ودين محمد! مفيش حد قالي! المعلم سيد والبت ورد جوه لوحدهم بيرتكبوا اللي حرمه ربنا! وفي الضلمة! والباب مقفول كمان!”
دارت الدنيا بورد.
شهقت شهقة مكتومة، وسندت ظهرها على الحائط كي لا تقع.
الصفيحة انقلبت من يدها، وتناثر السمك البايظ فوق الأرض.
“لا… لا والله ما عملت حاجة! أنا مظلومة! حرام عليكم! أقسم بالله ما عملت حاجة! يا معلم سيد قولهم الحقيقة… الله يسترك!”
كانت الكلمات تخرج منها متقطعة بين شهقات مذعورة، ويداها ترتجفان بعنف حتى كادتا لا تحملان جسدها.
أما سيد…
فاستدار ببطء شديد.
هرب الدم من وجهه لثانية، ثم عاد دفعة واحدة، حارًا كالجمر.
قبضته انغلقت حتى ابيضّت مفاصلها.
“هو وصل بيك تتهمني إني بمارس الحرام مع واحدة لو اتجوزت بدري شوية كنت خلفت قدها؟”
خرج صوته منخفضًا… لكنه مخيف بما يكفي ليجعل من بالخارج يتراجع نصف خطوة.
بلع سلطان ريقه، لكنه تشجع بوجود الرجال خلفه.
“بقول اللي شفته يا معلم! أنا مش هتبلّى عليك! مش حمل وزر زي ده قدام ربنا! أنا كنت معدي… سمعت حس… قربت من خرم الباب… لقيت النور مطفي… وهما… هما كانوا… أعوذ بالله، مش قادر أنطقها.”
صرخت ورد فجأة، وقد انخلعت من الحائط واندفعت خطوة للأمام، دموعها تنهمر بلا توقف:
“كداب! أقسم بالله لسانه زِفِر طول عمره ما يقول حق! أشوف فيك يوم! حسبي الله ونعم الوكيل فيك! تشوفها في أقرب الناس ليك قادر يا كريم! والله العظيم كداب يا ناس! إحنا بننضف! المعلم سيد قال لي أكنس هنا! والله ما لمسني! والله ما حصل حاجة! صدقوني!”
كانت ترتجف كعصفورٍ غرقان.
طرحتها انفكت، وخصلة من شعرها الأسود التصقت بخدها المبلل، وصدرها يعلو ويهبط بأنفاس مذبوحة.
منظرها كان يكسر الحجر.
هنا تقدم عم عبده بخطوة، وصوته مبحوح من القهر:
“دي يتيمة يا ناس! شرفها وعرضها تنهشوا فيه ليه؟ البت طول عمرها عندها حياء وخِشَا، ومفيش مرة طلع منها العيبة.”
لكن المعلم دسوقي ظل صامتًا.
كان ينظر إلى سيد فقط.
نظرة طويلة… فاحصة… قاسية.
نظرة تقول بوضوح: لقد ورّطت نفسك وورّطتها، والحلقة كلها على كف عفريت.
فهم سيد.
فهم أن كلمة واحدة الآن قد تدفن البنت حيّة.
وفهم أنه إن أنكر، فلن ينجو هو أيضًا.
العرق بدأ يتصبب من صدغه رغم برودة الفجر.
نظر إلى ورد…
كانت منهارة على الأرض تقريبًا، تبكي بلا صوت، وعيناها تستغيثان به.
ونظر في خياله إلى حبيبة… ابنته الصغيرة النائمة في البيت.
الصمت طال.
طال حتى صار اعترافًا.
استغل سلطان ذلك وصرخ من جديد:
“ساكت ليه يا معلم؟ سكوتك ده نفهمه إنك حاسس بالذنب؟ ولا قربتلها في الحرام بجد؟”
“إخــــرس!”
انفجر زئير سيد دفعة واحدة حتى ارتجت جدران المخزن.
اندفع نحوه كالإعصار، وقبض على ياقة جلابيته، ورفعه عن الأرض كأنه فأر ميت.
تدلت قدما سلطان في الهواء وهو يختنق.
اقترب سيد بوجهه منه، وعيناه تقدحان نارًا.
“أنا واقف وسامع بمزاجي، فبلاش تعتبر نفسك قاضي عليّا… وإلا هطلع شياطيني عليك. ولو راجل اصرفهم.”
شهق سلطان، ووجهه تلون.
“س… سيبني يا معلم… أنا آسف… آسف.”
رماه سيد على الأرض كشوال قمامة، فتدحرج بعيدًا وهو يكح.
ثم عاد الهدوء…
ذلك الهدوء المرعب الذي يسبق الكسر.
تقدم المعلم دسوقي، وضرب عصاه في الأرض.
“مفيش وقت يا سيد. سمعتنا لازم تتستر. لازم تتجوز البت.”
سيد لم يرفع رأسه.
كانت عيناه معلقتين ببقعة السمك البايظ فوق الأرض، كأنه يرى شرفه مبعثرًا هناك.
أكمل دسوقي، هذه المرة بنبرة أخف، لكنها أمضى:
“البنت دي مالهاش حد. لو خرجت من الباب ده دلوقت هتبقى متعرية قدام الناس، والناس عيونها ما بترحمش ولسانها بيعلّم في القلب قبل الجسم. هتكون منبوذة. وإنت… إنت راجل أرمل، وبنتك محتاجة أم. استرها يا سيد… واكسب ثواب، واكسب سمعتك، واكسب بيتك.”
نزلت الكلمة عليه كالصخرة:
استرها.
أي… تزوجها.
رفع عينيه أخيرًا نحو ورد.
كانت على ركبتيها، ووجهها في الأرض، وكتفاها يهتزان من الانهيار.
وفي لحظةٍ خاطفة…
رأى فاطمة.
رآها على فراش الموت، شاحبة، تهمس له: “خلي بالك من حبيبة… وخلي بالك من نفسك… وبلاش تدفن نفسك في الحياة، وعيش يا سيد.”
ابتلع ريقه.
كان مرًّا كالعلقم.
رفع رأسه، ونظر في عين المعلم دسوقي مباشرة.
وخرج صوته ميتًا… مكسورًا… لكنه واضح:
“خلاص يا معلم دسوقي… كلامك يمشي عليّا.”
سكت لحظة بدت كأنها عمر.
ثم قال:
“إحنا… هنتجوز. وأسترها. وزي ما ترسي… هِدَق.”
خرجت شهقة جماعية من الواقفين.
رفعت ورد وجهها إليه بفزع، وعيناها اتسعتا حتى كادتا تخرجان من محجريهما.
“لا… لا يا معلم… لا… ليه تتجوزني مجبور؟ إحنا مغلطناش وربنا شاهد.”
لكن سيد لم يعد يسمع.
كان كأنه غارق تحت الماء.
اقترب منها ببطء، ومد يده الخشنة المرتجفة إليها.
“قومي…” قالها بصوت مخنوق.
ثم ابتلع غصته وأضاف:
“قومي يا… يا ورد. الله يرضى عليكي… أنا جتتي مش خالصة.”
نظرت إلى يده.
يدٌ خشنة متشققة من الملح والماء والسمك.
يد رجل غريب.
أرمل.
أب لطفلة.
يد ستصبح يد زوجها.
ببطءٍ موجوع… مدت يدها المرتعشة، ووضعتها في كفه.
كانت باردة كقطعة ثلج.
شدها لتقف، فترنحت وكادت تسقط، فأمسك ذراعها.
ثم التفت إلى الرجال الواقفين، وصاح بصوتٍ حاسم:
“الفرح انهاردة بليل. واللي عنده كلمة يبلعها. مراتي شريفة، واللي له حاجة ياخدها. من دلوقتي البت دي عرضي وحمايتي. ودين الله اللي يجيب سيرتها… هخليه أخرس عمره كله.”
ثم جذبها من ذراعها، وخرج بها من المخزن.
خرج من الفضيحة…
إلى فضيحة أكبر.
خرج من المخزن…
إلى بيتٍ فيه طفلة عمرها ست سنوات لا تعرف أن أباها عائد إليها بأمٍ جديدة.
وكانت الشمس لم تشرق بعد.
لكن ليل سيد…
كان قد بدأ للتو.
رواية جواز على سن الخنجر الفصل الثاني 2 - بقلم هاجر عبدالحليم
لم تكن الشمس قد بزغت بعد، لكن سيد كان يشق حواري الدرب الأحمر كأنه يجر فوق كتفيه نعشًا لا جثمانًا.
خطواته ثقيلة، متيبسة، تضرب الأرض بعنف مكتوم، وكأن كل بلاطة في الطريق شاهدة على انكساره.
أما ورد، فكانت تسير إلى جواره… أو بالأحرى خلفه بنصف خطوة، كظلٍ مكسور لا يملك حق المساواة بصاحبه.
رأسها مطأطأ حتى كاد ذقنها يلامس صدرها، وطرحتها الباهتة ترتعش مع نسمات الفجر الباردة، كما ترتعش أصابعها الصغيرة داخل قبضته الخشنة.
كانت يده قد أمسكتها حين خرجا من المخزن، لكنها لم تشعر فيها بالأمان؛ شعرت فقط بأنها تُساق إلى مصير لا تعرفه.
بدأت الدكاكين تُفتح تباعًا، والأفران تلفظ أول أنفاس النار، وعجلات عربات الفول تصرخ فوق الأسفلت المكسور.
لكن ما أفاق الحارة حقًا لم يكن ضجيج الصباح… بل ذلك المشهد الذي يسير في قلبها:
المعلم سيد الكاشف… الأرمل الذي دفن عمره مع زوجته… يسير ممسكًا بذراع البت اليتيمة ورد.
العيون اتسعت.
والهمسات انطلقت كسكاكين تُشحذ على عظم حي.
“يا لطيف يا رب… هو اتجوزها بجد خلاص؟”
“الراجل اتجنن… دي قد بنته حبيبة!”
“يا عيني على المرحومة فاطمة… لسه ترابها ما بردش.”
“كدب سلطان طلع صح ولا إيه؟ شكله كدا صح… يادي العيبة! راح غلط معاها وقفشوه فقال يستر ع البنية… بس بردك راجل وعنده نخوة، ستر عليها بدل ما يسيبها زي اللحمة في لسان الناس.”
“بس تفتكري بنت بنوت ولا لا؟”
“بس يا ولية يا خرفانة، ومتكونيش ليه بقى؟ إحنا عندنا ولاية… نسكت أحسن بدل اللي طالها يطولنا.”
كان سيد يسمع كل كلمة.
كل همسة كانت كالمسمار يُدق في نعش كرامته.
لكن وجهه ظل جامدًا، وفكه مشدودًا حتى برزت عروقه، وأصابعه تضغط على ذراع ورد أكثر، كأنه يخشى أن تفلت… أو يخشى أن يفلِت هو نفسه من تماسكه.
حتى وصلا إلى البيت.
بيت قديم ذو واجهة متآكلة، وباب خشبي أخضر تقشرت عنه طبقات الدهان.
وفوق الباب مسمار وحيد فارغ… كان يتدلى منه يومًا فانوس رمضان النحاسي الذي أحبته فاطمة.
نزعه سيد بعد موتها، ولم يسمح لشيء أن يملأ مكانه.
وقف أمام الباب.
أخرج المفتاح الكبير من جيبه، لكن أصابعه تجمدت قبل أن تدخله في القفل.
بدا الباب في عينيه كفم جهنم مفتوح على آخره.
إلى جواره وقفت ورد، منكسة الرأس، ودموعها التي جفت تركت على خديها خطوطًا مالحة باهتة.
صدرها يعلو ويهبط بأنفاس متكسرة.
همست بصوت يكاد لا يُسمع:
“يا معلم… بلاش. أبوس إيدك بلاش تظلم نفسك عشاني. والله العظيم هروح في أي داهية… هروح الملجأ تاني أو أشتغل خدامة في البيوت… بس متكسرش قلبك ولا قلب بنتك بسببي.”
استدار إليها ببطء.
لأول مرة منذ خرجا من المخزن، نظر إليها فعلًا.
لم يرَ فيها الفضيحة.
ولا البنت التي ألصقها القدر بعرضه.
رأى طفلة مذعورة.
وجهًا شاحبًا، وكتفين يرتجفان، وعينين واسعتين يغمرهما رعب العالم كله.
ورأى — رغماً عنه — فاطمة وهي تحتضر، وتترك له حبيبة وحيدة.
هل يرضيها أن يلقي هذه الأخرى للشارع فريسة لألسنة البشر؟
ابتلع غصته بصعوبة، ثم قال بصوت مبحوح ميت:
“الكلام خلص يا ورد… دخولك البيت ده هو اللي هيخرس الكل.”
وأدار وجهه قبل أن يرى دمعتها الجديدة.
أدخل المفتاح في القفل.
تكة المعدن حين دار كانت حادة، موجعة، كأنها دقت في منتصف قلبه.
دفع الباب.
استقبلتهما عتمة ما قبل الفجر، وصمت كثيف يملأ الصالة.
لكن أكثر ما ضرب سيد لم يكن الصمت… بل الرائحة.
رائحة فاطمة.
صابون الغار الذي كانت تغسل به الستائر.
البخور الذي كانت تمر به كل خميس.
وياسمينة البلكونة التي ماتت بعد موتها بأسبوع، لكن عبيرها كأنه عالق في الجدران حتى الآن.
الرائحة كانت حية… حية إلى حدٍ مؤلم.
تشنج حلق سيد، وبلع غصة كادت تخنقه.
دخلت ورد خلفه بخطوات مترددة، وهي ترفع طرف جلابيتها بيد مرتعشة، كأنها تخشى أن توسخ البلاط النظيف.
بدت كأنها تدخل مسجدًا… لا بيتًا صارت زوجته فيه.
أغلق سيد الباب خلفهما.
دوى الصوت في أرجاء الشقة الساكنة، فانتفض جسد ورد كله.
أشار بيده إلى الكنبة البلدية المغطاة بكليم ملون.
“اقعدي يا ورد.”
اقتربت بخطوات صغيرة متكسرة، وجلست على الطرف تمامًا، كأنها تستأذن حتى في ملامسة القماش.
ضمت ركبتيها إلى صدرها، وأحاطتهما بذراعيها، محاولة أن تصغر… أن تنكمش… أن تتحول إلى شيء لا يُرى.
ظل سيد واقفًا يحدق فيها لحظة، ثم دخل المطبخ.
ذلك المطبخ الذي لم تطأه امرأة غير فاطمة منذ ست سنوات.
ملأ كوبًا من الزير الفخاري، وعاد.
وضعه أمامها على الطبلية الخشبية، فصدر رنين زجاجي خافت وسط الصمت.
“اشربي… وبلي ريقك.”
هزت رأسها بالنفي، وعيناها معلقتان بالأرض.
ساد الصمت من جديد.
صمت ثقيل لا يقطعه إلا تك… تك… تك
صوت الساعة القديمة المعلقة على الحائط، وكل دقة فيها كانت كالمطرقة فوق أعصابهما.
جلس سيد على الكرسي المقابل، بعيدًا عنها.
أسند مرفقيه إلى ركبتيه، ودفن وجهه بين كفيه الخشنتين.
كان يريد أن يصرخ.
أن يحطم الحائط.
أن يستيقظ من هذا الكابوس.
ست سنوات وهو يحيا على ذكرى فاطمة، يربي حبيبة، ويغلق بابه على وحدته.
وفجأة… في ليلة واحدة… صار متزوجًا من بنت لا يعرف عنها شيئًا، أصغر منه بثلاثة عشر عامًا، دخلت حياته من باب فضيحة.
رفع رأسه أخيرًا.
عيناه حمراوان، مجهدتان، وفيهما قهر رجل يُسحب إلى ما لا يريد.
“اسمعيني كويس.” قالها بصوت أجش.
“اللي حصل في المخزن… واللي اتقال… واللي أنا قولته… خلاص. بقى أمر واقع. الناس هتعاملك على إنك مراتي، وسمعتك وسمعتي بقوا واحد. اسمك بقى على اسمي وبقيتي ست البيت من دلوقت. ولو على بنتي متخافيش خالص، أنا هتكلم معاها… هي من زمان كان نفسها يبقى ليها أم، وعارف إنك مش هتأثري معاها. وآسف لو هحملك شيء فوق طاقتك… بس لو مش حابة تخدميها عرفيني، ومش هجبرك على شيء.”
ثم بلع ريقه، وكأن ما سيقوله أصعب:
“بعد المغرب… المعلم دسوقي هيبعت المأذون على هنا. وعم عبده ومراته هيبقوا موجودين. هنكتب الكتاب… وندخل بيكي. عشان نخرس الكلاب اللي بره.”
رفعت ورد وجهها إليه ببطء.
الدموع لمعت مجددًا في عينيها.
“طب وبنتك؟” خرج صوتها مبحوحًا مذبوحًا. “حبيبة… هتقول لها إيه يا معلم سيد؟ أنا والله بحب الأطفال جدًا، ومن زمان كان نفسي يكون ليا أخت بنت… أخدمها على رمش عيوني، كفاية إنها بنتك وكل طلباتها مجابة.”
أغمض سيد عينيه بقوة، كأن اسم حبيبة خنجر انغرس في صدره.
“حبيبة هتفهم… لما تكبر هتفهم إني عملت الصح. وبعدين قلتلك سيبي موضوع بنتي عليا، أنا سترت عرض بنت زيها فأكيد ربنا هيجازيني خير.”
انتفضت ورد واقفة فجأة.
لأول مرة يعلو صوتها، ولأول مرة يخرج القهر من صدرها حادًا:
“تستر عرضي يا معلم؟! بجوازة هتحملك عمرك كله؟ هو ده الستر؟ إنك تعيش مع واحدة مش قادر تبص في وشها؟ أومال هتنام معاها على فرشة واحدة إزاي؟ هتديها حقوقها إزاي؟ تظلم نفسك وتظلمني عشان كلمة قالها واحد كلب ولا يسوى ربع جنيه في سوق الرجالة؟! طب ومن قلبك إنت؟ هتفضل باصص ليّ على إني الفضيحة اللي لزقت فيك غُصب؟ اللي خربت بيتك؟ كل ما تشوفني هتفتكر اللي جرالك في المخزن؟!”
نهض سيد هو الآخر دفعة واحدة، حتى احتك الكرسي بالأرض بعنف.
الغضب الذي كان يكتمه انفجر في عينيه.
“إنتي فاكراني مبسوط يا بت إنتي من اللي حصل ده؟! وعلى قلبي زي العسل؟! فاكراني سهل عليا أقف وأتحمل كلام عن سمعتي؟ فاكراني سهل يتحكم عليا بجوازة مش عايزها بس مجبر عشان ألم لحم اتكتب عليا أشتريه؟! فاكراني كنت بحلم باليوم اللي أتجوز فيه واحدة مجبور عليها ومجبورة عليا؟! أنا كنت ميت وأنا عايش بس مستريح! أنا وبنتي وبس، مكتفي وراضي وببوس إيدي على دا! لا عايز ست ولا عايز وجع قلب أصلًا! إنتي اللي… إنتي اللي…”
وتوقف.
اختنقت الكلمة في حلقه.
لم يستطع أن يكمل.
فهي — رغم كل شيء — لا ذنب لها.
فهمت ورد ما لم يقله.
تراجعت خطوة كأنها تلقت صفعة على وجهها.
وانسابت دموعها في صمت.
“وأنا؟” همست بصوت مهشم.
“تفتكر أنا كنت بحلم أتجوز راجل أد أبويا؟ راجل قلبه مدفون مع مراته الله يرحمها؟ راجل كل ما يبص ليّ هيشوفها فيا… ده لو شافني؟
أنا كان حلمي أشتغل أي شغلانة شريفة، وأأجر أوضة فوق سطوح، وأعيش لوحدي من غير ما أمد إيدي لحد ولا أتذل لحد! مش أصحى ألاقي نفسي مرات واحد مغصوب عليا، وبنته هتكرهني من أول لحظة، وهعيش في بيت ريحة مراته لسه في كل ركن!”
بهت سيد.
لم يتوقع أن يخرج منها كل هذا الوجع.
فتح فمه ليرد…
لكن صوتًا صغيرًا ناعسًا شق الصمت كالسكين.
“بابا؟”
تجمد الاثنان.
هرب الدم من وجه سيد.
وضعت ورد يدها على فمها تكتم شهقة.
ومن الطرقة المظلمة المؤدية إلى غرف النوم، ظهر خيال صغير…
حبيبة.
بشعرها الحريري المنسدل، ووجهها النائم نصفه، كانت تفرك عينيها بقبضتها الصغيرة.
“بابا… إنت جيت؟ أنا كنت بحلم بكابوس وحش… كان فيه تعبان وقرصني جامد في رجلي…”
ثم توقفت.
لأنها رأت ورد.
ثبتت في مكانها، وعيناها اتسعتا بدهشة طفلة ترى عالمها يتبدل في ثانية.
نقلت بصرها من المرأة الغريبة… إلى أبيها.
وسيد شعر أن قلبه توقف.
“حبيبة… يا قلب بابا، تعالي.”
قالها بصوت مرتجف لا يشبهه.
أما ورد، فكانت تتراجع ببطء حتى التصقت بالحائط، تتمنى لو تبتلعها الأرض.
اقتربت حبيبة خطوتين مترددتين، ووقفت أمام ورد، ثم رفعت رأسها الصغير تتأملها من أعلى لأسفل بعفوية جارحة.
“إنتي مين؟”
سألت بفضول طفولي خالص.
“إنتي ضيفة عندنا وماشية على طول… ولا هتباتي معانا هنا؟”
كان السؤال بسيطًا…
لكنه هبط على الصالة كجبل.
فتح سيد فمه، لكن الكلام مات على شفتيه.
أما ورد، فنظرت إلى الطفلة طويلًا…
إلى شعرها الحريري، وإلى عينيها اللتين تحملان شيئًا من فاطمة.
وشعرت أن قلبها يتمزق.
نزلت على ركبتيها ببطء حتى صارت في مستواها، والدموع تفيض من عينيها من جديد.
“أنا…” تلعثمت.
“أنا اسمي… اسمي ورد يا… يا حبيبة.”
مالت الصغيرة رأسها على جنب.
“ورد؟ زي الورد اللي ماما فاطمة كانت بتحبه؟ اللي كان في البلكونة؟”
كانت الطعنة هذه المرة مباشرة.
أغمض سيد عينيه بقهر، وأسند رأسه للحائط.
شهقت ورد، ووضعت يدها على فمها، وجسدها يهتز بالبكاء المكتوم.
همست بصوت متكسر:
“أيوه… يا حبيبتي… زي الورد.”
ابتسمت حبيبة ابتسامة ناعسة بريئة، ثم اقتربت أكثر.
رفعت يدها الصغيرة ولمست طرف طرحة ورد.
“ماما قالتلي قبل ما تروح الجنة إن الورد ريحته حلوة أوي… وإن اللي قلبه طيب ريحته بتبقى زي الورد.”
ثم سألتها، بعينيها الواسعتين:
“إنتي… ريحتك حلوة زي الورد صح؟”
كان السؤال…
هو الخنجر الذي ذبحهم جميعًا.
انهارت ورد تمامًا، وأخفت وجهها بين كفيها، وانفجر بكاؤها عاليًا.
أما سيد، فلم يعد يقوى على الوقوف.
اندفع نحو ابنته، وجثا على ركبتيه، وشدها إلى صدره بقوة حتى كادت تختفي بين ذراعيه.
دفن وجهه في شعرها، يستنشق رائحتها كغريق يتمسك بآخر أنفاسه.
ثم رفع عينيه إلى ورد المنكمشة على الأرض.
عيناه كانتا حمراوين، غارقتين في الدموع.
وفيهما ألم رجلٍ أدرك…
أن بيته لن يعود كما كان أبدًا.
لم ينم أحد في البيت.
سيد ظل جالساً على الكنبة، وحبيبة نائمة في حضنه. كلما تحركت، ضمّها أكثر، كأنه يخشى أن يُنتزع منه آخر ما تبقّى له من الحياة.
ورد ظلت في ركن الصالة، جالسة على الأرض، ضامة ركبتيها، تبكي بصمت حتى جفّت دموعها وبقي الألم وحده يسكن ملامحها.
عند الظهر، جاء عم عبده وأم عبده.
امرأة في الخمسين، ملامحها طيبة رغم ثقل الحزن الذي يسكن نظرتها.
ما إن دخلت ورأت المشهد حتى أدركت كل شيء دون أن تُسأل أو تسأل.
اقتربت من ورد، وانحنت إليها، ثم رفعتها من الأرض في حضن دافئ.
“يا بنتي… يا حبة عيني يا بنتي. قومي معايا. قومي اغسلي وشك. وافرحي دا يوم كتب كتابك بيجي مرة ف العمر ربنا يجعله الاول والاخير ليكي يابنتي”
أخذتها إلى الحمام. غسلت وجهها بماء بارد، وسرّحت شعرها، ثم ألبستها جلابية جديدة أحضرتها معها.
“دي بتاعت بنتي. ومتاكدة انها هتكون مقاسك البسيها يلا.”
في الصالة، جلس عم عبده مع سيد.
قال بصوت هادئ مثقل:
“يا ولدي… أنا عارف إن حملك تقيل. بس البت دي أمانة. أمانة في رقبتك ليوم الدين. أبوها وأمها ماتوا في حادثة وهي عندها 3 سنين. اتربت في الملاجئ. اتذلت واتهانة. متكسرهاش زيادة يا سيد. دا النبي وصى على اليتيم.”
هزّ سيد رأسه بصمت.
لم يجد ما يقوله. قلبه ما زال عالقاً عند فاطمة، وعقله يدفعه نحو ما لا يريد، وضميره ينهشه من الداخل.
عند المغرب، دق الباب.
دخل المعلم دسوقي يليه المأذون، ومعهما اثنان من كبار التجار كشهود.
الصالة التي كانت ساكنة صباحاً امتلأت بالرجال.
وعلى الطبلية وُضعت صينية شربات وكحك، لكن لا فرح في المكان.
كان الجو أقرب إلى جنازة هادئة منه إلى عرس.
دخل سيد من غرفته.
كان قد استحم، وارتدى جلابية كحلي مكوية بعناية، وسرّح شعره.
بدت ملامحه مهيبة، وسيماً كما هو، لكن وجهه كان بلا حياة.
وفي الداخل، كانت حبيبة قد استيقظت.
جلست في حضن المعلم دسوقي، تمسك في ملابسه، وعيناها لا تفارقان باب الغرفة المغلقة التي دخلت منها ورد.
همست:
“يا جدو دسوقي…”
ثم أكملت بصوت طفولي بريء:
“هو بابا هيتجوز بجد؟ طب وماما فاطمة؟ هي هتزعل وهي ف الجنة وهتشوفه مع غيرها وهتضايق؟”
مسح على رأسها بحنان مثقل:
“لا يا بنتي. ماما فاطمة في الجنة فرحانة. عشان هيبقى لك حد ياخد باله منك لما بابا يبقى في الشغل هي مش هيهون عليها تشوفه وحيد ملهوش ونس ولا انتي كمان.”
“بس أنا بعرف آخد بالي من نفسي.” قالتها ببراءة. “وبابا بياخد باله مني كمان.”
لم يجد ردّاً، فاكتفى بضمّها إليه.
انفتح باب الغرفة.
خرجت أم عبده تسند ورد.
كانت ترتدي فستاناً أسود بسيطاً، بلا أي زينة.
وجهها شاحب كالموتى، وعيناها حمراوان من البكاء.
تمشي كأنها تُقاد إلى مصير محتوم لا مفر منه.
أجلسوها على الكنبة بجوار سيد.
مسافة بينهما بدت كأنها بحر كامل.
لم ينظر إليها، ولم تنظر إليه.
تنحنح المأذون، ثم قال:
“بسم الله الرحمن الرحيم… وبه نستعين.”
بدأ في الإجراءات.
سأل عن الوكيل، فتقدم عم عبده.
سأل عن المهر، فذكر سيد مبلغاً كبيراً دون تفاوض.
“حقها.”
ثم قال:
“يا معلم سيد… ردد ورائي: قبلت زواجها لنفسي على كتاب الله وسنة رسوله، وعلى الصداق المسمى بيننا.”
نظر سيد أمامه طويلاً، وكأن الجدار يحمل صورة لا يراها غيره.
ثم قال بصوت جاف:
“قبلت زواجها لنفسي على كتاب الله وسنة رسوله… وعلى الصداق المسمى بيننا.”
فأصبح الأمر واقعاً.
التفت المأذون إلى ورد، وصوته خفّ قليلاً:
“يا بنتي… يا ورد. ردي ورايا: قبلت زواجي منه على كتاب الله وسنة رسوله.”
ساد صمت ثقيل.
فتحت شفتيها، لكن صوتها لم يخرج.
عيناها تبحثان عن شيء لا يوجد.
ثم وقعت عيناها على حبيبة.
الطفلة كانت ترتجف في حضن المعلم دسوقي، تنظر إليها بخوف صريح.
فجأة قالت بصوت صغير:
“عايزة ماما… عايزة ماما الحقيقية بتاعتي.”
كانت الكلمة كالرصاصة.
انتفضت ورد.
وزغدتها أم عبده برفق:
“قولي يا بنتي… قولي وخلصينا. خلينا نخلص.”
أغمضت ورد عينيها.
ومرّ أمامها شريط حياتها كله: ملجأ، جوع، قسوة، إذلال، نظرات الناس.
ثم فتحت عينيها، وبلعت ريقها بصعوبة، وقالت بصوت مبحوح مكسور:
“قبلت… زواجي… منه.”
“بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير.”
لم يزغرد أحد.
لم يتحرك أحد.
قال عم عبده بصوت متهدج:
“مبروك يا بنتي… مبروك يا سيد. ربنا يجعله جواز الستر والعافية.”
وقف سيد فجأة.
لم ينظر إليها.
لم يسلم.
قال:
“عن إذنكم انا رايح. الحلقة… لازم أنزل أشوف الشغل.”
وخرج.
هرب.
تركها وحدها في بيت لم يعد يشبه البيت.
وترك ابنته تبكي في حضن رجل غريب عنها.
اقتربت أم عبده من ورد:
“قومي يا بنتي. قومي ادخلي أوضتك ارتاحي. أنا هبات معاكي الليلة دي. مش هسيبك لوحدك.”
أخذتها إلى غرفة الضيوف.
كانت غرفة باردة: سرير حديدي، ودولاب مكسور، ومراية مشروخة.
لا حياة فيها ولا دفء.
جلست ورد على طرف السرير، وضمت نفسها.
ومن بعيد، كان صوت حبيبة يصل متقطعاً:
“عايزة ماما… ودوني عند ماما…”
في تلك الليلة:
نامت ورد بفستانها الأسود.
ونام سيد في المخزن على أجولة خيش.
وحبيبة نامت في بيت المعلم دسوقي.
والبيت…
لم يعد بيتاً
رواية جواز على سن الخنجر الفصل الثالث 3 - بقلم هاجر عبدالحليم
لم تنم ورد تلك الليلة. لم تغمض لها عين.
ظلت جالسة على طرف السرير الحديدي، ظهرها للحائط، وجلابيتها السوداء لا تزال عليها، كأنها في عزاء لا في ليلة زفاف. وكلما أغمضت عينيها، عاد إليها صوت حبيبة وهي تبكي: “عايزة ماما”، فتفتح عينيها مفزوعة كأن الصوت يطعنها من جديد.
كانت أم عبده نائمة على الأرض بجوارها، في نوم متقطع، تهمس بالدعاء أحيانًا، وتغرق في شخير خافت أحيانًا أخرى.
أما سيد، فلم يعد إلى البيت أصلًا. بات في المخزن فوق شوالات الخيش، وعيناه معلقتان بالسقف. لكنه لم يكن يرى الخشب، بل يرى وجوهًا ثلاثًا تتناوب على تعذيبه: فاطمة، وحبيبة، وورد. ثلاث وجوه، وثلاثة طعنات لا تهدأ.
مع أول خيط من الضوء، سمعت ورد صوت الباب.
دخل سيد. كان وجهه شاحبًا، وعيناه محمرتين من السهر، ورائحة التعب والبرودة تسبق خطواته. لم ينظر نحو الغرفة التي تعلم أنها فيها، بل دخل مباشرة إلى الحمام، ثم خرج متجهًا إلى المطبخ.
كانت دقات قلبها تتسارع. هذه أول صباحية لها كزوجة. في العرف والشرع والواقع… الزوجة هي من تُعدّ طعام الصباح لزوجها في أول يوم.
نهضت ببطء، عدّلت طرحتها، وغسلت وجهها سريعًا. خرجت من الغرفة، فوجدت أم عبده تصلي في الصالة.
همست لها وهي تنهي صلاتها:
“قومي يا بنتي… قومي اعملي للراجل لقمة. ده واجبك. والرجالة قلبها بتلين من بطنها مش بيقولوا قلب الراجل معدته . اعملي له فطار، وافطري معاه. يمكن… يمكن ربنا يهدي السر. بينكم والحجر يلين”
أومأت ورد بصمت، ثم دخلت المطبخ.
كان سيد واقفًا يسخن إبريق الشاي، ظهره لها، وكتفاه العريضتان يسدان الطريق. لم يلتفت.
“صباح الخير .” قالتها بصوت منخفض مرتجف.
لم يجب، واكتفى بحركة بسيطة من كتفه كأنه سمعها دون اهتمام.
بلعت ريقها وفتحت الثلاجة. لم يكن فيها إلا بيض وجبن قريش وطماطم. أشياء كانت فاطمة هي من تضعها دائمًا.
“تحب أفطرك إيه بتحب اكل معين؟” سألت وهي تخرج البيض. “أعمل لك بيض مقلي طيب ولا مسلوق؟”
ساد الصمت لحظة، ثم قال دون أن يلتفت:
“ماليش نفس. اكل اصلا كلي انتي”
سقطت الكلمات عليها كصفعة، لكنها تماسكت. كسرت البيض في المقلاة، وبدأت في الطهي.
“لازم تاكل يا معلم. إنت من امبارح على لحم بطنك. وشكلك عجز عشرين سنة الحزن ف القلب والجسم ملوش دعوة”
التفت فجأة، ونظر إليها بحدة:
“قولت مالـيش نفـس انتي مش بتفهمي عربي ولا مخك زنخ؟.” قالها بنبرة حادة، آمرة. “شيلي الأكل ده. من هنا او كلي انتي وبلاش تخصيني بالكلام عشان مش هرد عليكي مش عايز حك
تجمدت يدها في الهواء. وفي تلك اللحظة، انفتح باب الشقة.
دخل المعلم دسوقي وهو يحمل حبيبة على كتفه. كانت نائمة، وتمسك بدُب صغير في يدها.
“صباحية مباركة يا عرسان.” قالها بصوت مبحوح يحاول إدخال الحياة في بيت ميت. “جبت لك البت. طول الليل تقول عايزة بابا عايزة بابا معرفتش انام منها خوتت دماغي”
نزلت حبيبة، فركت عينيها، ثم ركضت نحو أبيها.
“بابا حبيبي”
حملها سيد وقبّل رأسها مرارًا.
“يا قلب بابا إنتي. نمتي كويس عند جدو دسوقي احنا مش قولنا خلينا شطار وبلاش تزعج حد؟”
هزّت رأسها، ثم رأت ورد.
كانت تقف بجانب الموقد، والبيض يحترق في المقلاة.
تجمدت.
تعلّق الخوف بعينيها، وتمسكت برقبة أبيها.
“هي… هي لسه هنا انا قولت لما تشوف حالتي هصعب عليها وتمشي” همست في ودنه.
تنحنح دسوقي وقال:
“يا حبيبة يا بنتي… دي تبقى… تبقى طنط ورد. هتقعد معانا هنا. هتاخد بالها منك.”
لكن الطفلة صرخت:
“لا! أنا مش عايزة طنط! أنا عايزة ماما! هي فين ماما فاطمة؟”
سقط الاسم كالصاعقة.
سقطت الملعقة من يد ورد في المقلاة، واشتعل البيض أكثر.
تدخلت أم عبده:
“بس يا بنتي… بس يا حبيبتي. ماما فاطمة في الجنة. ودي طنط ورد، هتحبك زي ماما. واكتر والله هي جميلة اوي وهتحبيها اديها فرصة”
لكن حبيبة انفجرت:
“لا مش هتحبني!”
ثم رمت طبق الجبن على الأرض.
تحطم الطبق، وتناثر ما فيه على البلاط.
ساد الصمت.
تقدّم سيد، والغضب يملأ عينيه:
“إنتِ اتجننتي يا بت انتي هو عيارك فلت ولا اي ولا عشان عيلة مش هشوف غلطك احترمي نفسك قدام الكبار وبطلي دلع ماسخ وقلة رباية؟”
رفع يده فجأة.
تجمد المكان كله.
لكن قبل أن تسقط اليد…
أمسكتها ورد.
“لا يا معلم… أبوس إيدك لا.” همست، وعيناها في عينه. “دي طفلة حرام ايش فهمها باللي حصلنا هي بتحبك وغيرانة عليك ومحدش عرفها انا مين وعايزة منها اي ؟ هي متلغبطة وحيرانة واحنا دورها نعلمها ونصبر عليها. لو ضربتها… هتكسرها. وهتكسرني معاها. وهتندم طول عمرك وهي مش هتنسي وهيفضل في شرخ بينا عمره م يتصلح.”
نظر إليها طويلًا، ثم أنزل يده ببطء.
ركضت حبيبة خلف دسوقي:
“بابا كان هيضربني! عشانها! بابا بيحبها هي مش بيحبني انا خلاص انا بكرههم هما الأتنين مش عايزة اعيش معاهم!”
تراجع سيد، ثم خرج مسرعًا من البيت دون كلمة.
في المساء، لم يعد إلا متأخرًا.
دخل غرفته، وأخرج جلابية فاطمة، واحتضنها يبكي بصمت لأول مرة منذ سنوات.
وفي الغرفة الأخرى، كانت ورد تسمع بكاءه، فقامت بصمت، ووضعت كوب ينسون أمام بابه، ثم عادت دون كلمة.
بعد قليل، خرج سيد، ورأى الكوب، فشربه بصمت… وكأن شيئًا داخله بدأ يلين قليلًا
رواية جواز على سن الخنجر الفصل الرابع 4 - بقلم هاجر عبدالحليم
لم يكن الليل قد انتصف بعد، لكن البيت كان غارقًا في صمتٍ يشبه صمت القبور.
في الصالة، كانت أم عبده نائمة على الكنبة، تحتضن حبيبة التي نامت أخيرًا بعد نوبة بكاء طويلة. كانت شفتاها الصغيرتان ترتجفان في النوم، وكأنها تلهث أو تشهق.
في الغرفة الأخرى، كانت ورد جالسة على الأرض، مستندة إلى الحائط، تضم ركبتيها إلى صدرها. كفها الملفوف بشاش أبيض كان يؤلمها، والجُرح الذي أصابها وهي تجمع زجاج الطبق المكسور كان عميقًا، غير أن جرح القلب كان أعمق وأقسى.
أما سيد… فكان في غرفته، غرفة فاطمة. الباب موارب، يجلس على طرف السرير، يمسك كوب الينسون الفارغ في يده، يحدّق في الفراغ وكأنه غارق في شيء لا يُرى.
البيت كله مستيقظ… لكنه ميت.
طلع الصبح.
استيقظت أم عبده، قبّلت ملاية الصلاة، وبدأت تُعدّ الشاي.
استيقظت حبيبة بوجهٍ متكدّر، وملامح شاحبة. لم تنطق بكلمة، فقط نظرت إلى أم عبده، ثم إلى باب غرفة ورد المغلق، وقطّبت جبينها.
خرج سيد من غرفته. لم يكن قد نام. عيناه حمراوان كأن الدم قد سكنهما. نظر إلى الصالة فلم يجد ورد. سمع صوت الماء من الحمام؛ كانت بالداخل.
جلس على الطبلية. وضعت أم عبده الشاي أمامه قائلة:
“صباح الخير يا ولدي. اشرب الشاي ده يفوقك. عندك يوم طويل”
لم يجب. أمسك الكوب، وأشعل سيجارة. ارتفع الدخان ثم تلاشى في الصمت.
فُتح باب الحمام. خرجت ورد. كانت قد غسلت وجهها، وترتدي نفس الجلابية السوداء، وطرحتها مرتبة، لكن عينيها منتفختان من البكاء. وفي يدها فوطة.
توقفت لحظة حين رأت سيد.
“صباح الخير.” قالتها بصوت منخفض، ميت.
لم يرد. نفث دخان سيجارته في اتجاهها.
ما إن رآتها حبيبة حتى نزلت من الكنبة مسرعة، واختبأت خلف أم عبده.
“مش عايزاها! خليها تمشي!” صاحت وهي تشير إلى ورد.
نزلت الكلمات على ورد كالسوط. تجمدت في مكانها.
ضربت أم عبده صدرها قائلة: “بس يا بت… مش اللي نبات فيه نصبح فيه… دي زي أمك.”
صرخت حبيبة:
“لا مش زي ماما! ماما فاطمة بس! هي اللي ماما! دي وحشة! هي اللي خلت بابا عايز يضربني شوية وهيقولي امشي عشان تاخد الشقة ليها لوحدها وتنام في أوضة ماما في حضن بابا!”
ضرب سيد الطبلية بكوب الشاي بعنف فانسكب:
“حبيبة! قولت لك مية مرة اسكتي! إيه قلة الأدب دي الظاهر اني غلط فعلا اني مضربتكيش لسانك لميه وبلاش تحشري نفسك مع الكبار ورد مش هتأذيكي ولو ضربتك تعالي هاخد حقك غير كدا مسمعش نفس منك؟”
انتفضت الطفلة، وبدأت في البكاء.
قام سيد وأشار نحوها بغضب:
“شايفة البت عاملة إزاي بسببك؟ من يوم ما دخلتي البيت ده وهو خراب! البت كانت زي الفل! إنتي اللي عفرتيها منك لله!”
كانت ورد صامتة، لكن الكلمات كانت تمزقها من الداخل.
“أنا…” ابتلعت ريقها. “أنا ماعملتش حاجة يا معلم سيد. والله العظيم ما جيت جنبها.”
ضحك بسخرية مرة:
“ما عملتيش حاجة اه؟ وجودك لوحده عامل مصيبة في المكان… بقا فيه عفاريت عمالة تتنطط! وجودك في البيت ده غلطة كبيرة ومش قادر أصلحها!”
اقترب منها، وصوته ارتفع:
“إنتي فاكرة إيه؟ فاكرة إني هقبل بيكي مراتي بسهولة؟ تاخدي مكان حب عمري؟ إنتي مجرد غلطة!”
ثم أكمل بانفعال أشد:
“إنتي مجرد غلطة لازم تتصلح وهصلحها حتى لو دي آخر حاجة أعملها وأموت بعدها! وبنتي محدش هيربيها غيري مش واحدة زيك”
همست ورد والدم قد انسحب من وجهها:
“واحدة زيي؟ قصدك إيه بواحدة زيي؟”
رد بحدة قاسية:
“قصدي واحدة مقطوعة من شجرة! مالهاش أصل ولا فصل! لقيطة الملاجئ! دخلتي بيتي بفضيحة، وهتخرجي منه بفضيحة أكبر وساعتها بجد مش ظلم!”
سقط الصمت كالصاعقة.
شهقت أم عبده:
“يا لهوي! يا معلم سيد تف من بقك واستغفر ربك اللي بتعمله وحرام وكبير عند ربنا متخليش الشيطان يدخل بينكم يبني دي عين وصابتكم والله”
توقفت حبيبة عن البكاء، وحدقت فيهم بذهول؛ حتى طفولتها أدركت أن الكلمة كانت أكبر من قدرتها على الفهم، لكنها موجعة.
أما ورد… فلم تبكِ. جفّت دموعها، وابيض وجهها كالشاش الملفوف على يدها. نظرت إليه بعينين ميتتين:
“لقيطة؟” كررت الكلمة كأنها تتذوقها. “ماشي… يا معلم سيد. أنا لقيطة. هتعمل إيه بقى؟ طلقني ومتعيش مع واحدة زيي كل خطوة بعار جديد.”
استدارت بهدوء ودخلت الغرفة. لم تُغلق الباب بعنف، بل أغلقته ببطء… كأنها تغلق على نفسها قبرًا.
بعد لحظات، خرجت حاملة كيسًا بلاستيكيًا أسود بداخله ما تملك.
وقفت في منتصف الصالة:
“أنا آسفة يا أم عبده. تعبتك معايا.”
ثم نظرت إلى حبيبة:
“حقك عليا يا حبيبة. أنا آسفة إني ضايقتك. وأوعدك… مش هتشوفيني تاني.”
ثم رفعت عينيها إلى سيد:
“كتر خيرك يا معلم. سترتني ليلة. واحدة كتر خيرك. والله كفاية لحد كده وانا هشوف مصالحي بعيد عن الكل.”
ثم خرجت.
فتحت الباب ونزلت السلم.
وقف سيد متجمدًا. لم يمنعها، لم يتكلم. فقط كان يتنفس بصعوبة، وكأن جبلًا أُزيح من فوق صدره… لكنه ترك حفرة عميقة.
جرت أم عبده خلفها:
“يا بنتي! استني! رايحة فين؟ هتترمي في الشارع كدا ليكي مين يابنتي؟”
جاء صوت ورد من على السلم، خافتًا ميتًا:
“الشارع أرحم يا خالة..ربك مش بيسيب حد إلا ويجيبله رزقه لحد عنده”
ثم أغلق الباب.
مرّت ساعات.
أصبح البيت أهدأ… لكنه أبرد.
جلست حبيبة صامتة في حضن أم عبده.
أما سيد فظل مشتتًا، كل كلمة قالها تتردد في رأسه كالصدى المؤلم.
عند العصر، عاد إلى البيت.
ما إن فتح الباب حتى صاحت أم عبده:
“إلحق يا سيد! البت سخنة نار! جسمها بيغلي شكلها داخلة على حمى!”
ركض إلى الغرفة. كانت حبيبة ممددة على الكنبة، وجهها محمر، وجسدها يرتجف، تهذي:
“ماما… ماما فاطمة… متسبينيش… خدي الست دي بعيد عني.”
وضع يده على جبينها فانتفض:
“يا نهار إسود! من إمتى؟”
قالت أم عبده باكية:
“من ساعة ما مشيت… البت اتقهرت. زعلت منك وزعلت على الست ورد… قلبي كان حاسس.”
حملها سيد وركض بها إلى الحمام، وبدأ في عمل كمادات باردة، لكن الحرارة لم تنخفض.
“لازم دكتور! لازم مستشفى حالًا مش هعرف أقعد مرتاح وهي كدا!”
حملها ونزل مسرعًا، وأم عبده خلفه.
في المستشفى، وبعد الكشف عليها، قال الطبيب:
“دي حمى من الزعل والتوتر. البنت مضغوطة نفسيًا بشكل كبير. لازم ترتاح، ولازم تاخد الدوا ده وكمادات بشكل مستمر. وأهم حاجة… نفسيتها. لو فضلت خايفة، الحرارة مش هتنزل. خدو بالكم منها.”
رجعوا البيت بعد منتصف الليل.
حبيبة كانت نائمة على سريرها، تهذي بين الحين والآخر.
الساعة الثالثة فجرًا… خبط الباب.
سيد استيقظ مفزوعًا. من الذي يمكن أن يأتي في هذا الوقت؟
فتح الباب.
كانت ورد.
واقفة تحت المطر الذي بدأ يهطل بالخارج، مبللة تمامًا، تمسك كيسًا بلاستيكيًا في يدها، ووجهها شاحب.
“عم عبده… قالي إن البت عيانة.” قالتها بصوت متقطع.
“جيت… جيت أشوفها. لو عايز تطردني تاني… اطردني. بس أطمن عليها الأول.”
نظر إليها سيد، لم يكن يتوقع حضورها بعد كل ما حدث.
صمت قليلًا، ثم فتح الباب على مصراعيه لتدخل.
اندفعت سريعًا إلى غرفة حبيبة. وما إن رأتها حتى شهقت.
الطفلة كان وجهها محمرًا، وشفاهها جافة، وجسدها يرتجف.
من دون كلام، خلعت طرحتها، بللتها بالماء، ووضعَتها على رأس حبيبة.
“اسم الله عليكي يا قلب خالتك… بسم الله.”
جلست على الأرض بجوار السرير، وبدأت تعمل كمادات بيديها. كانت يدها المصابة تؤلمها، لكنها لم تهتم.
أم عبده دمعت، ونظرت إلى سيد قائلة:
“شايف يا ولدي؟ شايف مين اللي قلبها فيه رحمة البت أول ما عرفت نسيت كل اللي اتقال عليها وجريت تشوفها عشان تعرف بس أصلها الطيب؟”
وقف سيد عند الباب، يراقب المشهد بصمت.
ورد… التي طُردت صباحًا، والتي وُصفت بأقسى الكلمات، تجلس الآن في منتصف الليل، مبللة، مجروحة، تسهر على طفلته.
شعر بشيء داخله ينكسر ببطء.
اقترب وجلس على الطرف الآخر من السرير دون أن يتكلم.
أخذ منها الفوطة حين سخنت، بللها بالماء البارد، وأعادها إليها.
اشتغلا معًا بصمت.
هو يبلل… وهي تضع الكمادات.
لا كلام، لا عتاب… فقط أنفاس حبيبة وصوت الماء.
مع أذان الفجر، بدأت الحرارة تنخفض. هدأت حبيبة، وتوقف هذيانها، ونامت نومًا عميقًا.
أسندت ورد رأسها على طرف السرير من شدة التعب، وغفت وهي جالسة.
أما سيد فظل ينظر إليها طويلًا؛ شعرها المبعثر يغطي جزءًا من وجهها، ويدها المصابة في حجرها، والأخرى تمسك يد حبيبة الصغيرة.
قام بهدوء، أحضر بطانية خفيفة وغطاها.
ثم جلس أمامها.
لأول مرة… لم يرها كـ”الفضيحة” ولا كـ”اللقيطة”.
رآها كما هي… ورد.
امرأة مكسورة من الداخل، لكنها ما زالت تعرف الرحمة.
مد يده ومسح خصلة شعر عن وجهها.
ثم أغمض عينيه، واستند على الكرسي، ينام وهو يراقب الاثنين.
في الصباح، استيقظت حبيبة عند العاشرة.
فتحت عينيها فوجدت ورد نائمة على الأرض، ورأسها مسنود إلى السرير، ويدها ما زالت ممسكة بيدها.
ووجدت سيد نائمًا على الكرسي وبطانية على قدميه.
قامت مفزوعة:
“طنط ورد؟”
استيقظت ورد بسرعة:
“حاسة بإيه؟ لسه سخنة؟”
وضعت يدها على جبينها.
“الحمد لله… الحمد لله الحرارة نزلت.”
نظرت إليها حبيبة، وتذكرت ما حدث أمس، وكيف صرخت عليها وكسرَت الطبق، وكيف اتهمتها.
دمعت عيناها.
“إنتي جيتي عشاني؟”
ورد ابتسمت والدموع في عينيها:
“مجيش عشانك ليه؟ دا أنا أبوس الرجل اللي بتمشي عليه يا حبيبة لأنك بنت الغالي وعمري ما أزعل منك أبدًا مهما تعملي أو تقولي”
اندفعت حبيبة نحوها، وألقت نفسها في حضنها باكية.
“أنا آسفة… أنا كسرت الطبق. وبابا كان هيضربني وأنا قولت عليكي وحشة وانتي جميلة زي الورد.”
احتضنتها ورد وباست شعرها:
“خلاص يا حبيبتي اللي حصل حصل من حقك تحسي بكل اللي حسيتيه”
استيقظ سيد على صوتهم، ورأى المشهد.
بنته في حضن ورد، وكلتاهما تبكيان.
قام بهدوء ودخل المطبخ، ثم عاد بعد قليل يحمل صينية عليها فطور: شاي، بيض، جبنة، وطماطم.
وضعها على الطبلية وقال:
“يلا… الفطار جاهز.”
نظرت إليه الاثنتان.
اقترب وربت على شعر حبيبة:
“قومي يا قلب بابا، اغسلي وشك. وافطري مع… مع طنط ورد.”
ثم نظر إلى ورد، وعيناه ممتلئتان بما يشبه الاعتذار:
“وإنتي… قومي يا… يا أم حبيبة. إفطري. السهر كان طويل.”
الكلمة سقطت على قلب ورد كالماء البارد في صحراء مشتعلة.
“أم حبيبة”.
قامت غير مصدقة.
جلسوا الثلاثة حول الطبلية.
لأول مرة.
سيد يصب الشاي، ورد تقطع الخبز، وحبيبة تراقبهم بصمت، وقد بدأ الخوف يذوب من عينيها شيئًا فشيئًا.
لم يكن هناك الكثير من الكلام…
لكن تلك اللقمة… لم تكن مرة.
كانت أول لقمة دافئة في هذا البيت منذ ست سنوات