في صالة بيتها.. كانت الحاجة زينب قاعدة على الكنبة، وباصة لابنها “آسر” وهو بيظبط سـ.ـلاحه في حزامه، وهتفت بنبرة حنان الأم :
— ربنا يسترها معاك يا ابني ويحفظك من كل شر.. ويجعل في طريقك كل خطوة سلامة، وأشوف فيك يوم أسوَد من قرن الخروب يا حبيب أمك! روحت اتجوزتلي من خمس سنين واحدة كانت داخلة في قضية المنيل اللي اسمه ياسين ده وملقيتش في البلد غيرها؟ سيرتنا بقت على كل لسان في المنطقة.. الظابط ابني الكفاءة اللي حل القضية وهد المنظمة، راح اتجوز البنت اللي كانت متهمة فيها! أقول للناس إيه أنا دلوقتي ها؟ أقولهم ابني حب على روحه وهو بيحقق؟ يا شماتة طنط ميرفت و عيالها!
آسر اتنهد بقلة حيلة، وحط إيده في جمبه وقال بنبرة هادية:
— يا أمي، مريم عملت إيه بس؟! حرام والله! وبعدين دي مراتي وأم ابني، وهي كانت ضحية هي وأخوها، وإتاخدت في القضية دي ظلم وعافية بسبب ترتيبات المـ.ـجرم ياسين ده و انتقامه… حضرتك عارفة إن الاتنين اتبهدلوا وشافوا أيام سودا تِشيب، وخسروا أمهم اللي اتقـ.ـتلت غدر بسبب اللعبة دي يا أمي. البنت غلبانة وملهاش حد في الدنيا دي غيري وغير أخوها كريم، حرام نكسر بخاطرها والله.. وحضرتك عارفة القصة دي مليون مرة وحفظاها.. أنا حبيتها وحبيت براءتها ونضافتها من جوا، ومتنسيش إن أنا دلوقتي بقيت أب ومسؤول عن عيلة.. هفهم حضرتك أكتر من كدا إيه بس؟ وهي والله عمرها ما زعلتك في كلمة، وبتشوف كل طلباتك وبتشيلك من على الأرض شيل!
لوت الحاجة زينب بوزها، وعدلت طرحتها وقالت ببرود:
— صح يا حبيبي عندك حق.. البت بجناحين وأنا اللي حماة قاسية وظالماها.. حسبي الله ونعم الوكيل فيك يا قلب أمك! ربنا يخليك ليا وميحرمنيش منك أبدا ولا من حفيدي الغالي زين، ويشفيلي مراتك دي من عِلتها…إلهي يا آسر يا ابن زينب، تروح المأمورية دي تقف قدام الحرامي وعينك في عينه، وتيجي تطلع السلاح بتاعك تلاقيه فاضي أو معلق ومبيضربش، وجزمتك الميري دي تتقطع و تقع منك في وسط الشارع، وتفضل واقف بطولك بوشك العِكـ.ـر ده لحد ما الناس يفتكروك شحات وغلبان ويلموا عليك تبرعات لله، ويجيبوك ليا في شوال من الفضيحة! بس تطلع سليم برضو وتيجي على رجلك عشان أنت ابن بطني وميهونش عليا فيك الهوا الطاير يا ضنايا!
آسر قرب منها ، وباس راسها وقال:
— ربنا يخليكي ليا يا أمي.. أنا همشي بقى عشان مراد كلمني وقالي إن فيه مأمورية قبض حالا على تاجر ممنوعات كبير، ولازم أتحرك.
برقت الحاجة زينب وصوتت بخفة وهي تضرب صدرها بكفها:
— يا مراري! قطعتلي الخلف وبوظتلي أعصابي! كل يوم والتاني مأمورية وقبض وقرف.. مش كفاية مراتك اللي هتاخد عمري ناقص دي، تطلعلي أنت كمان بالحرامية بتوعك؟!
ضرب آسر كف على كف بقلة حيلة وقال وهو بيتحرك ناحية الباب:
— خلي بالك من نفسك يا أمي.. وأرجوكي، عشان خاطري مالكيش دعوة بمراتي واعتبريها بنتك، بلاش كلام يزعلها وهي ملهاش ذنب.
ردت الحاجة زينب بابتسامة خبيثة ترفع الضغط:
— حاضر يا قلب أمك، من عيوني الجوز.. هقوم دلوقتي حالا أجرجرها من شعرها على السلم، وأمسح بكرامتها الأرض، وأخلي اللي ما يشتري يتفرج عليها وعلى خيبتها التقيلة.. اطمن خالص يا حبيبي، في حفظ الله!
وقف آسر عند الباب وبص لها برجا:
— يا أمي بقى متتعبيش قلبي! بقالي خمس سنين بحالهم بقنعك يا ست الكل.. بالله عليكِ عامليها حلو وبلاش شغل الحموات بتاع الأفلام الأبيض وأسود ده.. البنت مستحملة وشايلة والله، كفاية كدا.
هزت الحاجة زينب إيدها في الهواء وقالت وهي بتطرده بلطف:
— حاضر يا قلب أمك، إن شاء الله ترجعلي مهزوم ومفضوح والتاجر يعلم عليك وتترفد من الخدمة ومن الوزارة خالص ، وتقعد جمبي هنا في المطبخ تغسل المواعين وتنضف الخضار ونقمع البامية سوا! أهو تفضى لأمك شوية بدل الميري اللي واخدك مني ده!
ابتسم آسر وهو بيفتح الباب وبيخرج:
— تسلمي يا ست الكل.. دعواتك!
……….ده كان ريفريش سريع كدا عشان نفتكر ……….
أول ما آسر قفل باب الشقة ونـزل، حس إن برودة السلم مش طبيعية، والجو هدي فجأة كأن الشارع برا فضي من الناس تماماً. خرج من باب العمارة وهو بيطلع مفاتيح العربية من جيبه، وبص حواليه.. الشارع كان هسسس، مفيش فيه صوت، والمسافة بين عواميد النور عاملة ضلمة غريبة على الرصيف.
لمح في آخر الشارع، تحت شجرة ضخمة وضلمة، راجل عجوز واقف لوحده.. الراجل ده كان بياع بالونات وغزل بنات، كان واقف في السَكتة دي والوقت المتأخر ده ومن غير ما يكون فيه أي أطفال في المنطقة أصلاً!
آسر ركب عربيته ودور المحرك، وتحرك بالراحة.. وهو بيعدي من جنب الراجل ببطء، لف وشه وبص عليه بحسه الأمني..
هنا جسمه قشعر! الراجل العجوز كان واقف بثبات مرعب، وباصص جوا عربية آسر بالمللي، ومبتسم ابتسامة واسعة ومريبة جدا ً وعينيه مبرقة على الآخر.. المرعب بقى إن العجوز كان ماسك في إيده بالونة بيضاء كبيرة، مرسوم عليها باللون الأسود وش بني آدم عيونه وبوقه متخيطين بعلامة (X).. ومش بس كدا، ده جوا عيون الرسمة المتخيطة مرسوم قطعتين شطرنج باللون الأسود!
آسر فرمل العربية فجأة وبص في المراية لورا عشان ينـزل للراجل، بس الصدمة إن الشارع كان فاضي تماماً.. الراجل اختفى في ثانية كأنه فص ملح وداب!
في اللحظة دي، تليفونه رن ، وكان المتصل “مراد”.. فتح آسر الخط بسرعة وهو لسه عينه على المراية ومستغرب، وانطلق صوت مراد الملهوف:
— يا لهوي يا فندم الحقنا! إحنا محاصرين البيت ومستنيين معاليك تيجي.. يلا بقى تعالى عشان الظابط ماجد واقف جمبي مش طايق نفسه وعمال ينفخ.. ماجد؟.. ماجد المصري هيهيهي! يلا يلا ومتنساش تجيبلي الولا “زين” ابنك معاك في المأمورية عشان أطخه عيارين… يا ساتر.. شبه وشك الفقر! سلام يا روحي.
قفل مراد السكة قبل ما آسر ينطق بحرف.. آسر هز راسه بقلة حيلة وضغط على الدريكسيون وهو بيقول لنفسه:
— هو أنا هلاقيها من أمي ودعواتها ولا من مجايب مراد وجنانه؟!
.. داس بنزين وطار بالعربية عشان يداهم بيت التاجر، وعقله شغال نار بيفكر في شكل البالونة المرعبة اللي شافها من ثواني!
……….
وصل آسر لمكان البلاغ بأقصى سرعة، فرمل عربيته ونزل منها يجري وهو بينفخ بضيق، ولسه صورة الراجل المريب والبالونة البيضاء معلقة في دماغه ومش عايزة تفارقه.
أول ما قرب من القوة، لمح مراد واقف بياكل لب وبيتفرج على الشارع ، فقال آسر بحدة:
— يا مراد طمني، خير؟ عملتوا إيه بالظبط؟
مراد رمى قشر اللب ولوى بوزه ، وقال:
— يا فندم خير إيه؟ هو فيه خير بييجي من وراكم أصلاً؟! ده أنا مش عارف أفسح مراتي ولا أشوف حالي بسبب مأموريات نص الليل دي.. يلا بينا ندخل ونخلص!
اقتحام تقليدي جداً، مأمورية تخلص في خمس دقايق لظابط بكفاءة وعقلية آسر.. ده اللي كان فاكره وهو رايح يكسر باب شقة “عادل الصاوي”، مسـ.ـجل خطر وتاجر ممنـ.ـوعات وسـ.ـلاح.
وقفوا قدام باب الشقة في الدور التالت، مراد خبط كذا خبطة ورا بعض برجليه وإيده، ومفيش حد بيرد.. الشقة من جوا كانت قبر صامت ، مراد رجع خطوتين لورا وقال وهو بيشمر كمامه:
— وسع كدا يا باشا.. هكسر الباب ده في ثانية!
آسر مسكه من كتفه بسرعة وقاله بعصبية:
— أنت اتجننت يا مراد؟ افرض فيه ستات أو أطفال جوا! اهدى شوية.
مراد قال بملل ونفاذ صبر:
— مش مهم يا فندم، أهم حاجة نكبس عليهم قبل ما يطيروا البضاعة في الحمام!
وبدون مقدمات، هجم مراد بكامل عزم جسمه وكسر الباب بضربة قوية هزت الحيطة.
دخلوا الشقة بسرعة البرق، مراد رفع سلاحه في الهوا وزعق بكل قوته:
— اثبت يا روح مامي! اقف يالا أنت وهو مسمعش نفس!
لكن الصدمة إن الشقة كانت هسسسس.. ضلمة كحل وكأنها مهجورة بقالها سنين، ومفيش أي أثر لحركة.
آسر مد إيده على الحيطة وقاد النور وهو بيقول للقوة بنبرة حازمة:
— خلوا بالكم.. ممكن يكون المكان ملغم أو فيه حد مستخبي في الضلمة، تعالوا ورايا وبدون صوت.
بدأ آسر يتحرك بخطوات تكتيكية حذرة، ولف في أرجاء الشقة الكبيرة اللي كانت مفروشة بعفش غالي جدا ومريب، ومراد ماشي وراه بيبص يمين وشمال وبيبرطم بصوت واطي:
— يا بويا! هما أغنيا كدا ومعاهم فلوس حرام للدرجة دي؟ ده العفش مدهب يا باشا!
فضلوا ماشيين ورا ريحة غريبة بدأت تظهر في المكان.. ريحة بخور غالي مخلوطة بريحة زناخـ.ـة دم تقلب البطن. لحد ما آسر فتح باب أوضة السفرة ودخل..
المشهد هناك يخلي أجدع وأقوى ظابط في مصر شعر جسمه يقف بالكامل!
عيلة عادل الصاوي كلها.. قاعدين على الكراسي حوالين السفرة ومربوطين بحبال تخينة من كتافهم في ضهر الكراسي عشان يفضلوا صلبين طولهم وميقعوش.. وحتى المسـ.ـجل الخطر “عادل” نفسه كان قاعد معاهم في النص!
وشوشهم كلها كانت مشـ.ـوهة بطريقة سريالية مرعبة؛ العيون وبقهم متخيطين بخيوط رفعية سودا على شكل علامة (X).. ومشدودة بغـ.ـل وقـ.ـسوة لدرجة إن الشفايف مقطوعة ومـ.ـيتة من كتر الشد….
بس المرعب واللي حبس الأنفاس في صدورهم، إن عيونهم المفتوحة بالعافية دي مكانش فيها نني.. كان محطوط في فجوة كل عين قطعة شطرنج سودا صغيرة ومثبتة جوا الخياطة!
ده نفس المشهد بالمللي اللي آسر لسه شايفه مرسوم على بالونة الراجل العجوز في الشارع من شوية!
آسر عينيه برقت على آخرهم ووقف مكانه مذهول، وجيه في باله وش العجوز الساخر وهو بيختفي في الضلمة.. عرف إن الجـ.ـريمة دي معمولة عشانه هو بالذات! و جه في باله عيلته اللي سابهم هناك لوحدهم!
في اللحظة دي، الظابط ماجد اللي رتبته “نقيب’ قرب وهو وشه أصفر زي الليمونة، وركبه بتخبط في بعضها وقال برعب:
— إيه ده يا سعادة الباشا؟ إيه القرف ده؟! دي مـ.ـجزرة!
آسر فاق من صدمته ولف حوالين نفسه في الأوضة وبدأ يصدر أوامره بسرعة:
— بسرعة.. كلموا فريق البحث الجنائي والطب الشرعي اخلصوا! مراد.. اتصل على مراتك الدكتورة ياسمين تيجي فوراً تعاين الحالات دي بنفسها.. العمارة كلها تتحاصر حالا، والشارع كله يتمشط بالمللي ، و فرغوا الكاميرات ، و انت يا ماجد كلم العساكر وابعت قوة فورا لبيتي تحميهم أخلص!
مراد طلع تليفونه وهو بينفخ بضيق:
— أوف.. حاضر، هكلم الولية مراتي تقطع اجازتها وتيجي على الملاحة دي!
آسر كمل كلامه بحزم وهو بيبص على الجـ.ـثث:
— اتصل كمان على سليم ييجي هنا فورا!
مراد رد ببرود وتناحة وهو بيقلب في تليفونه:
— لا.. مش متصل.
آسر لفله وعروق جبهته ظهرت من العصبية:
— ليه لأ إن شاء الله؟! إحنا بنهزر هنا يا مراد؟!
مراد لوي بوزه وقال:
— أصل الباشا بيفسح خطيبته دلوقتي.. أقوم أنا أنكد عليه وأجيبه على جثـ.ـث متخيطة! خليه يتفسح يا فندم.
آسر زعق فيه بعصبية لدرجة إن العساكر اتخضوا:
— اخلص يا مراد واتصل بيه حالا!!
ساب مراد يتصل، ولف آسر تاني ناحية جثـ.ـة عادل الصاوي عشان يعاينها عن قرب.. وفجأة، وسط السكوت القا.تل ده، سمع صوت حشرجة خفيفة طالعة من حنجرة عادل! آسر جمد في مكانه وبرق.. وفجأة رقبة عادل اتهزت ببطء مريب وراسه مالت لورا كأن فيه روح بتحركها، و فتلة الخيط الأسود اللي في بؤه اتحركت حتة صغيرة وسال منه خط دم أسود وناشف!
مراد قال بصدمة :
— يا لهوي! ، هو المرحوم عايش؟!!!
آسر حبس أنفاسه ورجع خطوة لورا وهو بيحط إيده على سلاحه، بس اكتشف إنها حركة لا إرادية بسبب شد الحبال العنيـ.ـفة اللي متثبتة في ضهر الكرسي.. بس الرعب الحقيقي ظهر لما قرب أكتر وبص بتركيز شديد، فـ لاحظ حاجة غريبة جداً مكانتش باينة في الأول..
فيه كارت حاد جدا ، لونه أسود داكن زي الليل، كان مغروز بغـ.ـل في نص صدر المـ.ـجرم عادل الصاوي.. والكارت ده مكتوب عليه كلام بلمعة ذهبية غريبة..
………. البارت طويل شوية يا حبايبي ، بس لازم عشان نتجنب الكروتة……
[في دولة ما ، في قارة أوروبا..]
في فيلا ما.. لا فيلا إيه! دي منظومة ومملكة لوحدها يا عزيزي القارئ!
كان فيه شاب قاعد في أواخر الثلاثينات، وده يبقى رئيس المنظمة الكبيرة اللي هنعرف سرها وهبابها كمان شوية ، كان قاعد بيلعب شطرنج وبيحرك القطع ببطء شديد، وجنبه استغفر الله العظيم بجد.. كل حاجة حرام في حرام موجودة!
وقدامه ولية كدة عايزة الحـ.ـرق، أجنبية بس بصراحة جميلة وتقطّع الخميرة من البيت، كانت بتلعب معاه شطرنج بتركيز.
مش دي المشكلة.. لا والله، المشكلة إنهم كانوا حاطين على عيونهم أقنعة ذهبية كدا شبه بتوع السيرك والحفلات التنكرية والمقالب، بس ناس شيك.. ولاد ناس أسياد يعني!
الراجل ده اسمه.. لا مش راجل عيب.. اسمه “فاليريوس”.
فاليريوس كان قاعد بيلعب الشطرنج مع البت اللي قدامه “فاليريا”، والأقنعة مغطية عيونهم بس. وفجأة نطق بكلمة واحدة وبنبرة فخمة:
— آسر…..
فاليريا حركت قطعتها وبرودها يسد النفس وقالت:
— ماله؟ عايز تقـ.ـتله وتصـ.ـفيه وتخـ.ـلص منه؟
فاليريوس رد بثقة تخر الماية:
— لا.. عايز أسحبه لصفنا.. ومتقلقيش، أنا بدأت لعب معاه من كام ساعة بالظبط. فضلت مستخبي ومغطي نفسي ٥ سنين كاملين، وعاصر على نفسي شكارة لَمُون عشان أنفذ ده كله في الوقت المظبوط وأسحبه لينا.. لأنه ظابط لقطة، وأذكى من ياسين مِيت مرة، ومكسب كبير للمنظمة عشان أسرار الحكومة كلها تبقى تحت إيدنا.. زي ما عمل ياسين بالظبط قبل كدا.
فاليريا لوت بوزها شبرين وقالت:
— إزاي؟ ده إحنا سحبنا ياسين المغفل ده بالعافية! ده لولا حبيبته نور والناس اللي كان عايز ينتقم منهم، واللي انتهت اللعبة من خمس سنين بموته، وقفلنا اللعبة دي على ٢٥ ضحية زي ما إحنا كنا مخططين، كان زماننا بنغلب معاه لحد دلوقتي.. مش فاكر ولا إيه؟ ده كان عينينا جوا البلد، وكنا بنعرف دبة النملة بفضله!
فاليريوس ابتسم بخبث وشر وقال:
— عارف كل حاجة.. ياسين كان عبقري وكان مكسب كبير لمنظمتنا، بس العاطفة دمرته وخالف المسار اللي أنا أمرته يمشي عليه وعشان كدا وقع.. إحنا برضو مخسرناش.. بس هو نجح في حاجتين، عارفة إيه هما؟
فاليريا سألته بفضول وهي بتميل براسها:
— إيه؟
فاليريوس رد بنبرة فخر وعجرفة:
— إنه قدر يقنع حكومة كاملة إنه هو اللي ورا الأفكار العبقرية دي، أقصد الجر.ايم، وإنه هو الرأس الكبيرة مش إحنا! إحنا اللي دعمناه بالسلطة والأفكار دي، والناس اللي تحته سواء بقى عاصم أو أسامة أو دينا أو غيرهم كانوا من تخطيطي.. أي نعم هو سحبهم بطريقته بس إحنا اللي غطينا كلياً عليه.. مش بنفوذه هو.. يعني حبيب قلبي ياسين مقالش الحقيقة كاملة وكدب على آسر لما كان بيتحقق معاه، وإحنا اللي مشينا اللعبة على مزاجنا عشان ياسين بقى كارت محروق.. حرام يا عيني!
وتاني حاجة، إنه حتى لما كان بيـ.ـتعدم وفي عز عذابه و ندمه مقالش حتى علينا ولا اعترف بحرف واحد.
فاليريا ضيقت عيونها ورا القناع وقالت:
— وإيه بقى اللي يجبر ياسين على كدا؟ إنه يعني ميعترفش علينا؟!
فاليريوس ضحك بشر وضحتكه هزت القصر:
— حُجة منطقية، ومرعبة، وذكية جدا.. هتعرفيها في وقتها.
فاليريا هزت راسها برفض وقالت:
— بس آسر مش خاين زي ياسين.. ياسين كان سهل شوية إننا نسحبه عشان كان مختل ومريض، إنما آسر؟ لا يمكن! إزاي هتعمل كدا؟ هتقـ.ـتل مراته وابنه؟ سيناريو قديم ومهروس جدا في الأفلام العربي والمسلسلات!
فاليريوس رد بسرعة:
— لا طبعا ً، كدة بوضحله الحرب وبقلب عليه، وأنا عايز آخده واحدة واحدة بالهداوة.. بل بالعكس، أنا عايز أسحب مراته كمان لصفنا، وأنتِ بنفسك اللي هتقنعيها!
فاليريا برقت عيونها بصدمة وقالت:
— إزاي؟ هما يعرفوني أصلاً؟!
فاليريوس قال بتريقة وتهكم:
— يا عـ.ـبيطة ما أنتِ هتنـزلي مصر وتعملي نفسك مصرية أصيلة وجدعة ومن شبرا، وبعدين ما أنتِ حية وعقربة وماية من تحت تبن.. أكيد هتعرفي طريقة تتعرفي عليها وتدخلي بيتها، وفي نفس الوقت…
فاليريا قطعت كلامه بلهفة:
— في نفس الوقت إيه؟
فاليريوس كمل ببرود وثبات وهو بيحرك عسكري الشطرنج:
— تتجوزي وتلفي وتترمي على أخوها كريم! وبعدين يا حبيبتي أنتِ جميلة وهتعرفي توقّعيه.. عشان عيلة آسر كلها تبقى تحت إيدنا، ونسحبهم كلهم.. لأن زي ما قولتلك، آسر أذكى ظابط شوفته في حياتي، والجـ.ـريمة اللي لسه حاصلة من شوية في مصر و هتدمر الدنيا دي، هو هيحلها في ثواني.. عشان كدا سيبت له كارت المنظمة الأسود في صدر الجـ.ـثة.. حبيت أسهل عليه الطريق من الآخر وأسلي صيامنا!
فاليريا وقفت فجأة من على الكرسي وبصدمة وزعيق عالي هز المكان:
— إييييه؟! هي هربت منك ولا إيه؟! تبيعني أنا عشان لعبتك دي؟ ده أنا حبيبتك برضو، وبحذرك! أنا عندي شرف ومستحيل أربط نفسي بواحد غبي زي أخو مراته ده! وبعدين إزاي هيقتنع بالداخلة بتاعتي دي؟ هو أنا هروح أقولهم أنا فاليريا الأجنبية وجاية أتجوز كريم المصري؟ ما تفوق لنفسك كدا يا جدع أنت!! وبعدين اشمعنى كريم؟ ليه مقولتش آسر؟!
فاليريوس قام ببطء شديد وبكل برود وثبات، تقدم منها وحاوط كتفها بإيديه، ومد إيده الثانية وحط في إيدها قطعة شطرنج سودا..
(أيوة يا أخواتي نفس مشهد صورة الغلاف بالظبط اللي تحت!)
بص في عيونها وقال بنبرة حنينة ومزيفة ومقرفة:
— فاليريا..
قالت بلوية بوز:
— نعم؟
قال وهو بيطبطب عليها بتمثيل:
— يا حبيبتي إحنا ناس قـ.ـذرة …. وبعدين إحنا معندناش ريحة الشرف أصلاً عشان نتكلم عليه وناخده في بؤنا! اعقلي الكلام كدا، ولو مش عاجبك رَوّحِي لأمك.. ولا أقولك؟ هخلص عليكي هنا فوراً أحسن … وأهو أوفر تمن تذكرة الطيران لمصر، ويبقى وفرنا وموتنا البطلة بدري، إيه رأيك؟ وبعدين آسر زي ما قولتلك عبقري هيفهمها وهي طايرة، وبعدين ده راجل متجوز ف لفي على أخو مراته عشان نسحب واحد حتى من طرفهم!
فاليريا سكتت ثواني، وفجأة ضحكت بصوت عالي وقالت:
— أيوا صح.. ساعات كدا بغلط وأفتكر إننا ناس طبيعية وعندنا دم وإحساس.. معلش الكافيار الفاخر لحس مخي وخلاني أعيش الدور!
قعدت تاني على الكرسي وكملت:
— بس عايزة أسألك سؤال محشور في زوري….
فاليريوس قعد قدامها وهو بيهرش في دقنه بملل:
— ها.. قولي اخلصي، لهفتك عقربة!….. اللي هو أنتِ يعني.
فاليريا حطت إيدها على خدها وقالت:
— إحنا المفروض بقى منظمة دولية وفي أوروبا وبنقـ.ـتل وبنتعشى مال حرام.. إحنا ليه بنتكلم مصري يا فاليريوس ومقضيينها إفيهات؟ ها؟
فاليريوس هرش في شعره، وبص لها بذهول وقال:
— اتصدقي صح؟ لقطة ذكية.. بس هنعمل إيه يعني؟ دي رغبة المخرجة والكاتبة “آية عيسى” كدا! حاكم دي ست قاسية ومبترحمّش، واللي ميمشيش على هوا لعبتها وقوانينها بتخلص عليه في بارتين وتجيب غيره!
فاليريا ضحكت بخبث وعيونها لمعت بشر:
— طب والدور عليها إمتى يا روحي؟
فاليريوس اتخض وحط إيده على بؤها بسرعة ورعب:
— بس يا ولية اسكتي لتموتنا إحنا الأول وتلغي الرواية كلها ونقعد في الشارع! يلا نكمل لعب في صمت أحسن لنا وعشان رقبتنا تفضل في مكانها.
فاليريا هزت راسها بضحكة مكتومة:
— على رأيك.. عشان ألحق كريم.. قصدي الشغل! يلا بينا.
……..
على جانب أسوَد ….. الساعة وصلت ل ٢ بليل
قرب آسر بخطوات بطيئة وحذرة جدا من جثـ.ـة “عادل الصاوي”، وعينيه مركزة على الكارت الأسود المغروز في صدره.
مراد مكانش قادر يبطل كلام من التوتر، فقال بصوت واطي:
— خير يا فندم؟ هنلعب استغماية ولا إيه؟ ما تخلصنا بقى وتقرأ المكتوب!
آسر مشاورلوش بإيده، شاور له بعينه بس وبنظرة حادة ومميتة إنه يسكت خالص. مراد نفخ بضيق وهمس:
— اللهم طولك يا روح.. هي ناقصة رعب على المسا! أنا ركبي بتخبط أصلاً من الوشوش المتخيطة دي.
قرب آسر أكتر، ومد إيده وبأطراف صوابعه سحب الكارت الأسود الحاد.. الكارت كان ناعم وشبه قشر السمك بس حاد أوي ، ومكتوب عليه بلمعة ذهبية مريبة نفس الجملة اللي خطط ليها “فاليريوس” هناك في قارة أوروبا بالمللي:
(أهلًا بك في جحيم الديسباتير – DESPATIR)
آسر رفع حاجبه واستغرب، ونطق الاسم بصوت عالي وهو مش فاهم ولا حرف ولا الكلمة الغريبة دي:
— الديسباتير؟ ديسباتير يعني إيه؟!
وفي نفس اللحظة اللي نطق فيها الاسم.. حصلت حاجة تخلي العقل يطير؛ السقف الخرساني بتاع الأوضة بدأ يتشقق ويطلع منه صوت شرخ مرعب، وفي نفس الوقت بدأت تظهر همسات وفحيح جاي من زوايا الشقة.. أصوات مريبة مش مفهومة كأنها تراتيل أو أشباح بتتكلم مع بعضها!
آسر جمد في مكانه، وودنه لقطت صوت تاني خالص.. صوت جاي من تحت السفرة بالظبط.. صوت (تكة) ميكانيكية منتظمة وسريعة!
الحس الأمني لآسر اشتغل في ثانية، واستنتج فورا الكابوس.. دي قـ.ـنبلة موقوتة ومصيدة!
برق آسر وزعق بأعلى صوت وعروق رقبته هتنـفجر:
— كله براااااا! براااااا! احموا نفسكم كله لورااااااا!!
وفي نفس جزء من الثانية.. النور قطع في العمارة والشقة كلها، وسواد كاحل نزل عليهم لدرجة إنهم مكانوش شايفين حتى صباع إيدهم قدام وشهم! الصدمة الأكبر إن شاشات الموبايلات وكشافات الأسلـ.ـحة كلها انطفت واتعطلت في نفس اللحظة كأن فيه جهاز تشويش مرعب ضرب المكان!
هرج صاعق حصل.. العساكر بدأوا يجروا وهما بيحاولوا يهربوا برا الشقة في الضلمة، وفجأة وبدون أي مقدمات.. الشبابيك الإزاز بتاعة الصالة كلها انكسرت واتفجرت مِيت حتة، وانطلق صوت ضربات رصاص حي وعشوائي ورهيب من برة وجوة!
آسر رمى جسمه على الأرض وهو بيحمي راسه والإزاز بيجرح ضهره، وصوت الرصاص بيخرم الودان.. وفي وسط السواد القا.تل وصوت الضرب ده، سمع صوت مراد جمبه.. مكانش صوت هزار ولا تريقة، كان صوت كتمة نفس وشهقة وجع مرعبة، تلاها صوت كحة مكتومة وقطرات د.م دافية انتشرت في الضلمة وجت على وش آسر بالمللي! وبعدها علطول صوت حاجة تقيلة بتقع على الأرض وسط بركة سائل دافي انتشر بسرعة ولمس إيد آسر!
آسر قلبه اتنفض من الرعب، ومد إيده في الضلمة يدور على صاحبه، لمس هدوم مراد.. لقاها غرقانة ومبلولة بالـ.ـدم بغزارة، ومراد مبيتحركش ولا بيرد، ونفسه بيحشرج ببطء كأنه بيطلع في الروح!
آسر فقد السيطرة على أعصابه تماماً، وبدأ يصرخ بهستيريا ودموعه نازلة في الضلمة وهو بيهز جسم مراد المرخي:
— مراااااد!!! رد عليا يا مراد!! مراد متعملش فيا كدة يـخرب بيتك رد علياا!!
مفيش رد.. مفيش غير صوت الشوشرة، وهمسات السقف، وصوت رصاص بيخترق الحيطان، ونفس مراد اللي وقف تماماً تحت إيد آسر..
فعندما تتحرك أحجار الشطرنج في الظلام.. تأكد أن العساكر هي أول من يسيل دمائها على الرقعة.
عزيزي القارئ.. لقد انتهت الجولة الصامتة، وبدأ جحيم ديسباتير رسميًا.. أغلِق النور من حولك، وانتظر البارت القادم.. لو كان في العمر بقية!
بس الكلام ده مش على أبطال قصتنا وبس.. لا، ده عليك أنت كمان! فـ بص وراك كدا.. متأكد إن الضلمة اللي في صالة بيتكم دلوقتي.. فاضية؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!