-صحيت تاني يوم على ريحة الفطار.
-ولثواني…
-افتكرت إن كل اللي حصل امبارح كان حلم.
-لكن أول ما افتكرت مراد.
-والصورة.
-وعمي سامي.
-عرفت إن كل ده كان حقيقي.
-نزلت الصالة.
-ولقيت ماما بتحط الأكل على السفرة.
-وبابا قاعد بيقرا الجرنال.
-وزين واقف بيساعدها.
-ابتسمت من غير ما أحس
. -لأن المشهد كان طبيعي.
-طبيعي بشكل افتقدته من زمان
. -أول ما شافني بابا قال:
-تعالي يا ورد.
-استنيناكي.
-قعدت وسطهم.
-وبدأنا نفطر.
-الكلام كان عادي.
-عن الشغل.
-وعن الجو.
-وعن حاجات بسيطة جدًا.
-لكن وسط الكلام…
-فجأة قال بابا:
-على فكرة…
-لازم نحدد معاد كتب الكتاب.
-كتمت شرقتي بالعافية.
-أما ماما فضحكت.
-وقالت:
-أخيرًا افتكرت.
-بصيت ناحية زين.
-فلقيته بيبصلي بنفس التوتر.
-قال بابا:
-أنا شايف نعمله خلال الشهر الجاي
. -ردت ماما:
-بدري شوية.
-أما أنا…
-فكنت قاعدة ساكتة.
-مش مستوعبة إننا بنتكلم فعلًا عن كتب كتابي
. -سأل بابا زين:
-إيه رأيك؟
-ابتسم زين.
-وقال:
-اللي يريحكم
. -رد بابا فورًا:
-لا.
-اللي يريحكم إنتوا
. -ولأول مرة…
-حسيت إنه بيتعامل مع زين كواحد من العيلة فعلًا.
-ابتسم زين.
-وقال:
-يبقى الشهر الجاي مناسب.
-هز بابا راسه.
-وكأنه أخد القرار.
-وقال:
-خلاص.
-نبدأ نجهز من النهارده.
-ضحكت ماما.
-وقالت:
-وأخيرًا هنفرح بيكي.
-حسيت وشي سخن من الإحراج
. -وفجأة…
-رن جرس الباب.
-بصينا لبعض
. -لأن محدش كان مستني حد.
-قامت ماما تفتح.
-وانشغلنا لحظة بالكلام.
-لكن بعدها…
-سمعنا صوتها.
-صوت متوتر.
-ومتفاجئ.
-لدرجة خلتنا كلنا نقف. -قالت بصوت شبه هامس: -محمد… -تعالى بسرعة
. -قام بابا.
-وجرينا وراه
. -وأول ما وصلت لباب الشقة…
-اتجمدت مكاني.
-لأن الراجل اللي واقف قدام الباب…
-كان ماسك شنطة سفر سوداء.
-وشعره اختلط فيه الأبيض
. -لكن ملامحه…
-ملامحه كانت شبه الصورة القديمة بشكل مرعب.
-رفع عينه ناحية بابا.
-واتكلم بصوت هادي:
-وحشتني يا أخويا.
-وقع الجرنال من إيد بابا.
-أما أنا…
-فهمست بعدم تصديق:
-عمي سامي…؟
-همس بابا:
-سامي…؟
-ابتسم الراجل ابتسامة صغيرة.
-لكن عينه كانت شايلة سنين كاملة من الغياب.
-وقال بهدوء:
-أيوة يا محمد.
-أنا.
-ولثواني…
-محدش اتحرك.
-ولا حد اتكلم.
-كأن الزمن وقف فجأة.
-وبعدين…
-اتحرك بابا ناحيته بخطوات بطيئة.
-خطوة.
-ورا خطوة.
-لحد ما وقف قدامه مباشرة.
-فضل باصصله للحظات طويلة.
-وكأنه بيتأكد إنه مش بيتخيل.
-إن أخوه واقف قدامه فعلًا.
-بعد العمر ده كله.
-اتكلم بصوت مهزوز:
-إنت عايش…
-هز سامي راسه.
-وقال:
-آه.
-وفجأة…
-شدّه بابا لحضنه بقوة.
-قوة شخص رجعله جزء كان فاكر إنه ضاع للأبد.
-وساعتها بس…
-شوفت دموع في عين بابا لأول مرة.
-دموع حقيقية.
-أما أنا…
-فكنت واقفة مش قادرة أستوعب.
-إن الراجل اللي كنت أعرفه من الصور بس…
-واقف دلوقتي قدامي.
-بلحمه ودمه.
-بعد كل السنين دي. -بعد شوية…
-دخل سامي البيت.
-وحط شنطة السفر جنب الباب.
-وبص حوالين المكان.
-وكأنه بيرجع لبيت حافظ تفاصيله من زمان.
-ابتسم ابتسامة صغيرة.
-وقال:
-لسه السفرة دي موجودة؟
-ضحكت ماما وسط دموعها.
-وقالت:
-دي أقدم من البيت نفسه.
-ضحك سامي.
-ولأول مرة…
-حسيت إن التوتر بدأ يخف شوية.
-قعد بابا قدامه.
-ومن ساعتها محدش عرف يبدأ الكلام.
-كان فيه أسئلة كتير.
-أكتر من إن حد يعرف يختار سؤال واحد.
-وأخيرًا اتكلم بابا.
-وقال بهدوء:
-فينك من كل السنين دي يا سامي؟
-نزل سامي عينه.
-وسكت لحظة.
-وبعدين قال:
-في أماكن كتير.
-وفي بلاد أكتر.
-كنت كل ما أقرر أرجع…
-أرجع وأقول خلاص.
-أخاف.
-اتعقدت حواجب بابا.
-وسأله:
-تخاف من إيه؟
-رفع سامي عينه ليه.
-وقال:
-من إني أرجع وألاقيكم اتغيرتوا.
-أو ألاقي نفسي اتأخرت زيادة عن اللزوم.
-ساد صمت قصير.
-لكن المرة دي…
-مكانش صمت غضب.
-كان صمت ناس بتحاول تستوعب سنين كاملة.
-بصيت ناحية زين.
-فلقيته ساكت.
-لكن عينه متثبتة على سامي.
-وكأنه هو كمان عنده كلام كتير عايز يقوله.
-وفجأة…
-ابتسم سامي.
-وقال:
-كبرت يا زين.
-رد زين بهدوء:
-وأنت اتأخرت.
-ضحك سامي.
-ضحكة خفيفة.
-لكن كان فيها وجع واضح.
-وقال:
-عارف.
-ومتأخر جدًا كمان.
-ولأول مرة…
-شوفت ابتسامة صغيرة على وش زين.
-ابتسامة بالكاد ظهرت.
-لكنها كانت موجودة.
-بص سامي حوالين البيت مرة تانية.
-وبعدين وقعت عينه على صورة قديمة معلقة على الحيطة.
-قام من مكانه.
-وقرب منها.
-ولمس إطارها بإيده بهدوء.
-وقال:
-لسه محتفظين بيها؟
-رد بابا:
-في حاجات مبتترميش.
-حتى لو غابت سنين.
-التفت سامي ناحيته.
-وفهم الاتنين معنى الجملة.
-لكن محدش علق.
-أما أنا…
-فكنت قاعدة أراقبهم.
-وأكتشف إن بعض العلاقات…
-مهما طال بعدها.
-بيفضل فيها جزء مستني يرجع.
-أما أنا…
-فكنت قاعدة أراقبهم.
-وأكتشف إن بعض العلاقات…
-مهما طال بعدها.
-بيفضل فيها جزء مستني يرجع.
-رجع سامي قعد مكانه تاني.
-وبص لماما.
-وقال بابتسامة صغيرة:
-لسه بتعملي الشاي التقيل ده؟
-ضحكت ماما.
-وقالت:
-وأنت لسه بتشتكي منه؟
-هز راسه.
-وقال:
-واضح إن في حاجات مبتتغيرش.
-ابتسمت وأنا بتابع الكلام.
-لأول مرة من فترة طويلة…
-البيت كان هادي.
-من غير أسرار.
-ومن غير صدمات.
-مجرد عيلة بتحاول ترجع تعرف بعضها من جديد.
-وبعد شوية…
-بدأ سامي يحكي.
-عن البلاد اللي سافرها.
-والشغل اللي اشتغله.
-والمواقف الغريبة اللي قابلته.
-وكان كل ما يحكي حاجة…
-ألاقي بابا مركز معاه.
-كأنه بيحاول يعوض سنين كاملة فاتته.
-أما زين…
-فكان ساكت أغلب الوقت.
-لكن كل فترة والتانية…
-كنت ألمحه بيبص لسامي.
-بنفس النظرة القديمة.
-نظرة امتنان… ونظرة عتاب في نفس الوقت.
-وفجأة قال سامي:
-على فكرة…
-أنا سمعت إن في كتب كتاب قريب.
-اختنقت بالعصير.
-وضحك هو.
-وضحك بابا.
-وقالت ماما:
-أهو لحق يرجع قبلها.
-بص سامي ناحيتي.
-وقال:
-كويس.
-مكنتش هسامح نفسي لو فاتتني.
-حسيت بدفا غريب جوايا.
-رغم إني لسه متعودة عليه.
-لكن وجوده كان طبيعي بشكل غريب.
-كأنه كان غايب يومين… مش سنين.
-ومع مرور الوقت…
-بدأ النهار يعدي بهدوء.
-والبيت يتملي كلام.
-وضحك.
-وحكايات قديمة.
-ولأول مرة من فترة طويلة…
-حسيت إننا مش بنجري ورا مشكلة جديدة.
-ولا مستنيين مصيبة تحصل.
-مجرد يوم عادي.
-يوم كنت محتاجاه أكتر مما كنت متخيلة.