صلوا على خاتم الأنبياء والمرسلين 💜
شيئان لا ينمحيان من العقل بسهولة، الذكريات البشعة والذكريات السعيدة
وفي حالته الآن يتذكر واحد من أسوء الأيام التي مر بها وقد كان هذا اليوم هو أول خطوة له في طريق الإدمان، كان لا يزال في العشرين من عمره والسنة الدراسية لتوها إنتهت وقد خرج هو وأصدقائه من أجل الإحتفال بنهاية العام الدراسي
لم يكن يعلم إلى أين هو ذاهبون ولكنه كان متحمسًا أنه سيخرج قليلًا في شهر قضاه بين الدراسة والإختبارات، هبط من سيارة تعود لأحد أصدقائه ليجد نفسه أمام مكان لم تطؤه قدمه من قبل :
-انتوا جايبينا كبارية يا جدعان؟!
هتف بها مصدومًا فقهقه أحدهم بعلو قائلًا :
-كبارية؟! انت عايش أيام الثورة ولا ايه اسمه نايت يا كريم
-يا عم نايت ولا نهار ما المعنى واحد في الآخر
واعترض الآخر قائلًا ببسمة سمجة :
-لأ فيه فرق الكبارية ده للعشوائيات يتفرجوا على رقاصة بترقص على أغنية لسعد الصغير ويشربوا خمرة في أزايز خضرة وهتلاقيه في شارع الهرم، أما ده لأولاد الذوات مفيش فيه عك من ده كله
ارتفع إحدى حاجبي كريم بسخرية مرددًا :
-هو هو نفس اللي قولت عليه بس الفرق كل اللي اتقال ده أقلبه انجلش، كله بيرقص على أغنية Dance Monkey مش رقاصة واحدة وبيشربوا تكيلة أو أي حاجة غالية وهتلاقيه في أماكن هاي كلاس زي كده
أحاط أحدهم بذراعه قائلًا بنبرة ضاحكة :
-وانت تعرف التكيلة ازاي يا كريم، تلاقيك بتيجي الأماكن دي من ورانا
زفر الآخر بضيق فهل هذا فقط ما جذب انتباههم، وعندما وجده صاحب فكرة مجيئهم لهنا ضائقًا قال :
-طب بص تعالى ندخل ولو معجبكش الوضع امشي، مش عايز ترقص ماشي اقعد واتفرج واشرب عصير برتقال سهلة أهي
بعد تفكير دام لدقيقة وافقهم الأمر وولج معهم مقررًا أنه سيجلس فقط دون أن يفعل شئ وليته راجع نفسه أكثر قبل أن يدخل هذا المكان الممتلئ بالفواحش والكثير من الشباب غارقين في غفلة لا يعقلون أن ما هم به ذنوب لا حصر لها
جلس على أحد الارائك السوداء المنتشرة في المكان بجانب أصدقائه ثم طلب صديقهم شئ يشربونه ليأتي النادل ببعض الأكواب الصغيرة ممتلئة بمشروبات لاذعة تتصاعد منها الفقاعات الصغيرة
عقد كريم ملامحه عندما مد له أحدهم كوب منهم فقال :
-انا قولت مش هشرب الحاجات دي
-دي كوباية واحدة يا كريم هتعمل ايه
رفض الأمر رفضًا باتًا وهم بالانصراف فوقف صديقه يمنعه من الوقوف قائلًا :
-خلاص يا عم أقعد وانا هاروح أجيبلك عصير
استقام خلفه أحدهم سريعًا وقد أعطى له في يده شريط حبوب ثم قال في أذنه حتى يسمع :
-حطله واحدة من دي في العصير
ابتسم له بسمة شيطانية ثم أخذه منه ووضع لكريم واحدة في العصير وانتظر ذوبانها ثم عاد لهم وأعطاه له، وقد شربه الآخر معطيًا الأمان له، ولو عاد به الزمن ما كان ليعطي أمثال هؤلاء الثقة أبدًا وهذا الخطأ الذي يقع به الكثير يعطون الثقة والأمان للأصدقاء دون التفكير مرتين
ظل دقائق لا يشعر بشئ إلىٰ أن أصبحت الرؤية عنده غير طبيعية فشعر أن الأضواء أصبحت متداخلة والأصوات صاخبة أكثر من اللازم لتسحبه المخدرات لعالم وردي ولذة فانية لا تدوم كثيرًا، حتى أنه لهذا اليوم لا يتذكر ما حدث يومها
فلا يتذكر أنه أصيب بحالة من النشوة والجنون وأصبح يضحك ويرقص، وجرب جميع المشروبات الموجودة في المكان، وقد ظل على هذا الحال إلىٰ أن فقد وعيه، ولم يفق إلا في ظهر اليوم التالي على صداع شديد يكاد يفلق رأسه لنصفين
وجد نفسه غافيًا في غرفته على فراشه وملابسه قد تم تغيرها، اعتدل بصعوبة وهو يحيط برأسه التي تدق كما الساعة فأخد يتأوه بصوت مرتفع جذب حمزة للغرفة فدخل وأغلق الباب خلفه ناظرًا له بنظرة قوية لم يوجهها له يومًا
إزدرد لعابه بصعوبة ثم قال :
-حمزة
همهم الآخر بإيجاب وقد اتكأ على الحائط، عاقدًا ذراعيه أمام صدره ثم قال :
-كنت فين يا كريم إمبارح؟!
ودار بؤبؤي كريم بتوتر في أرجاء للغرفة ثم أجاب سؤاله بسؤال آخر :
-انا جيت هنا ازاي؟! مش فاكر حاجة
-انا اللي جيبتك بعد ما حد من صحابك رد عليا وقالي تعالى خد أخوك مسطول ومغمى عليه وريحته كلها خمرة
نفى برأسه سريعًا وقد حاول الاستقامة لكن آلام رأسه لم تساعده فقال وهو يجلس في مكانه مرة أخرى :
-والله ما شربت يا حمزة
-بتحلف بالله كدب كمان!؟
هم كريم بالقسم له مرة أخرى أنه لم يفعل هذا فصاح به حمزة حتى يتوقف قائلًا :
-بـــــس يعني انا هكدب عينيا وانا شايفك مسطول وريحتك كلها خمرة وهصدق كدبك؟!
إحتار الآخر فيما يقول فهو لم يضع في فمه إلا ذاك عصير هل يعقل أنه شرب الكحول دون أن يدري؟! تحرك حمزة من مكانه وأخرج من كيس بلاستيكي ملابسه التي كان يرتديها أمس ثم ألقاها نحوه هادرًا بغضب :
-خد شم ده طالما مش مصدق، ريحته زفت خمرة وبرفان بنات، أقولك على الكبيرة بقى رقبتك كان عليها روج وشفايفك كمان
جحظت عيني كريم بصدمة شلت لسانه حتى على نفي هذا أو محاولة للدفاع عن نفسه فأضاف حمزة متهكمًا :
-بس صحابك قالوا إنك ملحقتش تقرب منها ووقعت مغمى عليك في حضنها، تخيل بقى لو كان حصل بينكم حاجة؟!
ظهر الندم داخل عينيه رغم أنه لا يتذكر أي شئ لكنه نادم على أنه دخل هذا المكان من الأساس، طأطأ رأسه خجلًا فصاح به حمزة بعصبية قائلًا :
-متنزليش راسك كــــده، انت ليه روحت المكان ده؟! ليه تصاحب الأشكال ده من الأســـاس؟؟
اقترب منه بعنفوان ثم جذب خصلاته بقوة دون مبالاة بتأوهات الآخر ولكن حتى يدرك حجم الكارثة التي فعلها والتي كان سيفعلها :
-انت عارف انا جبتك هنا ازاي؟! عارف الحالة اللي كنت فيها وانا بدخلك البيت الساعة تلاتة الفجر مغمى عليك ومسطول ؟! ده انا وأمك قعدنا للفجر هنموت من القلق عليك، لفيت عليك في المستشفيات واتصلت عليك مية مرة، وأقسم بالله لو أبوك كان هنا ومش مسافر مكنش دخلك البيت وقالك روح أرجع المكان اللي جيت منه
صاح الآخر متألمًا من جذب حمزة لشعره مع آلام رأسه فأصبح الأمر غير محتمل :
-خلاص يا حمزة والله ما هاروح هناك ده
جذب حمزة خصلاته بقوة أشد ثم قال بتحذير صارم :
-العيال دي متمشيش معاها تاني وتقطع علاقتك بيهم، كان فين عقلك وانت داخل معاهم!؟ مقولتش حرام؟ مقولتش غلط؟ مخوفتش من ربك ولا من أبوك لو عرف؟! ليه كده يا كريم
ضغط على شفتيه بندم مقسمًا له مرة أخرى أنه لن يذهب لهناك :
-والله ما هاروح ولا همشي معاهم تاني يا حمزة خلاص كفاية والله راسي هتنفجر
في هذه الأثناء دخلت والدته الغرفة ولم تنظر إلى كريم بل وضعت صنية طعام وكوب قهوة على مكتب حمزة ثم قالت بنبرة ضائقة :
-قوله يطفح يا حمزة
رمقها كريم بحزن مناديًا عليها ولكنها لم ترد عليه ولا نظرت له حتى بل خرجت وأغلقت الباب فعلم أنها تمارس عليه أسلوب التجاهل فلطالما استخدمت هذا الأسلوب معهم كلما أخطأ أحدهم خطأ كبير، تظل تتجاهله أيام دون النظر له حتى.
لم يستطع منع نفسه من لوم من ظنهم أصدقائه فذهب لهم وثار عليهم ولكنهم انكروا إجباره على شئ فهو من نفسه شرب وطلب المزيد، وهو من رقص مع الفتاة وهم بمعاشرتها لينتهي به الأمر فاقد الوعي قبل أن يبدأ حتى
أقسموا جميعهم على هذا حتى شك في نفسه ورغم هذا ظل فترة طويلة يتجنبهم إلىٰ أن بدأت الدراسة، وعاد يجتمع بهم كثيرًا في المحاضرات فعاد لهم مرة أخرى ويا ليته لم يفعل
قال لنفسه أنه لن يقترب من أي مكان يذهبوه ولن يخرج معهم إلا لأماكن طبيعية، كـ كافتريا الجامعة أو مقهى قريب منها ولكن حتى هذه الأماكن لم تمنع شيطانهم من أن يجعلوه فأر تجارب
تصنع الغيرة من نفوس البشر شياطين أنس يفكروا في ألف طريقة حتى يضربوك بها، في أخلاقك، في سمعتك، في دراستك، يظلوا يحاولوا وسوسة الفساد لك حتى يجعلوك نسخة بشعة مثلهم
وإن لم تفلح الوسوسة يلجأ لحلول أخرى يزرع بها الفساد في داخلك بكل خبث فقد كانوا يضعوا له الحبوب داخل أي شئ يشربه
على سبيل المثال بين المحاضرات أتى أحدهم بقهوة باردة ووزعها عليهم وتكون خاصته مزروع بها المخدر، فقد أصبحنا في زمن مخيف حتى الأصدقاء لا يجب الوثوق بهم ثقة كلية، بل والأهم من هذا أن ندرك من نرافق فكما قال رسولنا الكريم
"المرء على دين خليله فلينظر أحدكم إلى مَن يخالل"
مرة في الثانية في الثالثة بدأ يشعر بصداع غريب، وشرود، وزوغان في عينيه، وفتور في جسده، والكثير من النوم في المحاضرات وهذا ليس من شيمه، فلم ينتظر على نفسه كثيرًا
إذ ذهب لمعمل تحاليل وقام بالتحاليل لنفسه لتأتيه القاضية بأن جسده به مخدرات، أصابه الجنون حتى أنه أعاد التحاليل مرة أخرى لتكون نفس النتيجة، فظل يوم كامل يفكر في الطريقة التي وصلت بها المخدرات لجسده
وبعد الكثير من التفكير وجد أن حالة الشرود وعدم التركيز والنوم الكثير تأتيه بعد أن يشرب شيئًا أحضره صديقه والغريب أنهم يكونوا بخير إلا هو وشاب آخر يصبحا كما المضروب على رأسه
ذهب لهم وادعى أنه بخير ولم يقل لأحد وحين احضروا شيئًا يشربونه كما العادة أصر علي أن يأخذ ما في يد غيره وليس ما قُدمت له، لينفضح المستور حينها ويتشاجر معهم شجار عنيف انتهى بتقديم المشروب للعميد وتقديم شكوة بهم ومقاطعتهم تمامًا
لكن الخطأ الذي فعله أنه لم يخبر أحدًا وتكتم على الأمر خوفًا من أن يعلم حمزة أو والده وعاهد نفسه أنه سيتعالج بنفسه ولكن عهد المدمن لا يدوم يومًا، فلم تكن عنده الإرادة القوية التي تجعله يقلع عن الأمر
عاش ثلاثة أيام في آلام لا تطاق فلم يستطع التحمل وركض بحثًا عن أي شئ يوقف هذه الآلام ليجد نفسه يغرق في عالم المخدرات ببطء شديد وأستمر أشهر قليلة على هذا الوضع إلىٰ أن فُضح الأمر وعلم حمزة ووالديه
تقلب في فراشه متحسسًا جرح ذراعه الناتج عن انقلاب الدراجة به على الطريق وحمدًا لله لم يكن هناك كسور أو أي شئ فقط كُشط جزءٌ من جلد ذراعه وحتى الآن لا يعلم أحد بالأمر
فحين عاد للمنزل لم يكن هناك أحد به، والدته ورحمة في المدرسة ووالده في العمل وحمزة كان يرى قاعة زفافه فبقى هو في المنزل يتذكر ما عاشه في فترة عمره ما بين العشرين والواحد والعشرين
أطلق تنهيدة حارة يسمع صوت حمزة في الخارج قد عاد بعدما ظل حتى المساء في الخارج ينهي آخر ترتيبات زفافه، وللأسف لم يكن هو معه ولم يرضخ لطلبه حتى يأتي ويساعده في الترتيبات
وهذا لأنه يشعر أن به طاقة سلبية ستغطي على طاقة حمزة الإيجابية لذا لم يذهب وساعده يونس وإسماعيل في الأمر، استمع لهمهماتهم قريبة من الباب ويبدو أن والدته تخبر حمزة بحالة الاكتئاب التي هو بها منذ الصباح
ولم تمر دقيقة إلا وسمع طرق الباب ثم فتحه حمزة وقال بلوم مازح :
-بقى أقولك تعالى يا كراميلا علشان تساعدني تقولي جسمي واجعني ومش قادر أقوم لا أخص متوقعتهاش منك
لم يبادله كريم المزاح بل فقط حرك عينيه بإتجاهه بصمت قاتل آثار القلق عند حمزة فجلس على طرف الفراش بجانبه قائلًا :
-مالك يا كريم
خبأ الآخر ذراعه المجروحة أسفل الغطاء ثم ابتسم له منحيًا أفكاره السوداء في أبعد نقطة في عقله حتى لا يفسد مزاج حمزة :
-مفيش تقريبًا داخل على دور برد تقيل
تحسس الآخر وجهه حتى يرى حرارة جسده ثم قال بحنو :
-طب ما تاخذ دواء برد طيب
-أخدت دلوقتي يشتغل المفعول
جذب حمزة من عليه الغطاء حتى يقف ثم ابتسم قائلًا :
-قوم يلا بلاش كسل في السرير أمك عاملة أكل يفتح النفس برا وكمان ابسط يا عم جايبلك حلويات من العبد بجملة المصاريف، وكمان خبر أحلى هيخليك تقوم تزغرط
جذب الآخر كُمه ثم استقام ببطء فسقوطه من على الدراجة يجعل عظامه تئن ألمًا، ورغم هذا ابتسم حتى لا يشعر حمزة بشئ ثم قال :
-ايه الخبر اللي هيخليني ازغرط جايبلي عروسة ولا ايه؟!
-عرفت منين؟!
وتفاجأ كريم حقًا فقد قال هذا صدفةً لا أكثر :
-انت جايبلي عروسة بجد!!؟
هندم الآخر ملابس كريم وكأنه يرتدي بذلة الزفاف وليس بجامة شتوية ذات لون أزرق فاقع، من ثم قال بنبرة درامية مؤثرة ولكنها آثارت الضحك عند كريم وليس مشاعره :
-كبرت صغيري وسوف تتزوج، كيف مر العمر هكذا فلا أزال اتذكر يوم حملتك على يداي رضيعًا
قهقه كريم بقوة ثم قال دافعًا يديه بخفة عن ملابسه :
-بطل فتي بقى وكلام أمهات، أمتى انت فاكر إنك شيلتني؟! يعني كان عندك خمس سنين وقتها
ابتأست ملامحه فهو يقول له كلامًا جميلًا مؤثرًا والآخر يسخر منه :
-كراميلا
وضيق كريم عينيه ثم قال بريبة :
-عارف لو قولتلي هات بوسة؟!
-لأ انا هاخدها علطول
هجم عليه مدعيًا تقبيل رأسه فصاح الآخر برفض كـ بطة تتعرض للهجوم من قبل ذكر إوز ضخم ليسقط كلاهما على الفراش وهذا ما جعل كريم يأن ألمًا بخفوت، بينما قبّل حمزة جبينه رغمًا عنه ثم ضحك قائلًا :
-تم خدش حياءك بنجاح
استقام من مكانه وعدل سترته التي فسدت مدعيًا تقليد مشهد درامي وهو ينظر إلى كريم المكوم فوق الفراش كأنثى تم إنتهاكها للتو :
-انا آسف يا كراميلا مقدرش اتجوز واحدة سلمتني نفسها وخلتني ابوسها كده عادي
ضحك الآخر رغمًا عنه ثم قال مندمجًا في هذه الدراما العبثية إذ ضم ملابسه لصدره بيديه ثم قال مدعيًا الانكسار :
-انت اللي اتغرغرت بيا يا سي حمزة وخدتها مني غصب عني
إعتدل في مكانه بسرعة مبصرًا رحمة تقف على الباب تطالعهما بريبة ثم تساءلت :
-انتوا بتعملوا ايه؟!
وإستدار لها حمزة بعدما كان يواليها ظهره ثم قال محمحمًا :
-بنعمل حاجة مينفعش على اللي في سنك يفهموها
أطلقت الأخرى شهقة قوية ويبدو أنها قد صدقته فقال حمزة سريعًا يشرح لها :
-استني هفهمك
-استني يا آمــــال
نطق بها كريم غارقًا في الضحك بعدما قلد أحد المقاطع المضحكة على السوشيال ميديا، وقد خرج أخيرًا من حالة اكتئاب أصابته اليوم بأكمله في عشر دقائق فقط، عسى ربه ألا يحرمه من نعمة الأخوة...
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
-اسم جوزك ايه؟؟
نطقت بها امرأة سمراء ذو وجه بشوش وفي يدها قلم حناء حمراء فتبتسم نور خجلة من فكرة كتابة اسم حمزة على يديها فقالت بحرج :
-اعملي حرف H بس
تحدثت دعاء التي تجلس بجانبها فاردة كفيها أمامها حتى تجف الحناء :
-اسمه حمزة واكتبي اسمه كله متسمعيش كلام البت دي
حدجتها نور بغيظ فقالت الأخرى بلامبالاة :
-متبصيش كده المفروض تكتبي اسمه وبالعربي
نظرت نحو شروق التي تجلس في أحد الأركان عاقدة وجهها بشكل غير متوقع فليست من شخصية شروق أن تلتزم الصمت في مثل هذه المناسبات بل تظل تصور نفسها والجميع وتهلل، فما بالها الليلة كامرأة مات زوجها وفي رقبتها خمس أطفال لا تدري من أين تصرف عليهم :
-شروق مش هتيجي تعملي حنة؟؟
لم تتلقى منها رد فنادت عليها مرة أخرى ولا رد فوكزتها ابنة خالهم بعنف نوعًا ما مما جعل الأخرى تصيح غاضبة وهى تفرك ذراعها :
-فيه ايــــه؟!!
وتحدثت عائشة لا تفهم سر غضبها ومزاجها السئ هذا :
-مالك يا شروق من ساعة ما جيتي من إسكندرية وانتي مش على بعضك
زفرت الأخرى بضيق وشعرت أنها قد بالغت في رد فعلها فقالت :
-مفيش مخنوقة شوية واتعاركت انا وماما، وابويا وهزقني فمزاجي في الأرض
رن هاتف بجانبها وقد كان يعود لنور فرفعته ونادت عليها قائلة :
-نــــور حمزة بيرن
انتبهت الأخرى لها بل الجميع انتبهن لها لتخفض إحدى الفتيات صوت الموسيقى النوبية قائلة بحماس :
-نور Your husband بيرن
تعجبت نور أنه لا يزال مستيقظًا حتى هذه الساعة، لتنظر إلى يديها المرسومتان بحيرة ثم قالت :
-ايه اللي مصحيه لحد دلوقتي؟! سيبيه يرن
-يا بت عيب ايه سيبيه يرن دي، ثم الراجل مش راضي ينام قبل ما يطمن عليكي ازاي مترديش
ارتفعت ضحكات الفتيات من حولها فقالت نور وهى ترفع أمامهن كفيها :
-مش هعرف أرد
جذبت أحداهن الهاتف من شروق وجلست بالقرب منها ثم قالت ببسمة متسعة :
-هرد انا وافتح الإسبيكر وهمسك التليفون وانتي تردي ماشي؟!
اعترض نور سريعًا فهى تخجل عندما يتحدث معها بينهما فماذا سيحدث إن كن الجميع يستمعن :
-لا استني يا بطة مترديش انا هبقى اتصل عليه بعدين
لحت عليها الأخرى حتى توافق وقد أشارت للفتيات جميعًا بالسكوت ثم قالت :
-انا هرد وإحنا هنسكت متخافيش مش هنعملوا صوت هنسمع بس
ردت قبل أن تعترض لتجد نور نفسها أمام الأمر الواقع حين قال حمزة :
-ايه يا حبيبتي انتي نمتي ولا ايه؟؟
عضت نور على شفتيها بحرج ثم ردت :
-لأ لسه الحنة مخلصتش
-طب انا عايز أشوف ايديكي كتبتي اسمي زي ما بيعملوا صح؟!
-هوريهالك لما أجي إسكندرية
-لأ انا عايز اشوفها دلوقتي مليش فيه وأشوف الفستان اللي لبساه كمان
همهمن الفتيات ضاحكات بينهن فرمقتهن نور بغضب وعندما عم الصمت قال حمزة بشك :
-هو انا حاسس ليه إن فيه مستمعين للمكالمة، فيه صوت ضحك كده في الخباثة
-ايه السرعة دي!!؟ لا هخاف منك بعد كده، بتفهم الحاجات بسرعة انت
وفور أن نطقت بها نور حتى علت قهقهات الفتيات من حولها فقال حمزة ببسمة مشاغبة :
-حطاني على الإسبيكر يا نور!؟
-والله ما انا ده هما فتحوا الخط وعايزين يسمعوا قُللات الأدب
ضحك الآخر بخفة ثم قال :
-عايزين يسمعوا ايه بالظبط؟!
نظرت نور سريعًا نحو ابنة خالها قائلة :
-اقفلي يا بت اقفلي
وسارعت دعاء في الرفض قائلة :
-استني يا ولية قولي يا أستاذ انت اختارت بت عمي ليه اشمعنا هى يعني؟؟
ود لو يقول أنه النصيب ولكن لسانه العابث أبى هذا فقال :
-علشان بموت في بنت عمك
خجل الجميع من هذا الرد حتى دعاء نفسها بينما نور ودت لو تخبئ نفسها أسفل الأرض ولم تجد غير الصياح في ابنة خالها حتى تغلق الهاتف :
-يا بت أقفلي
أغلقت الأخرى بالفعل ثم قالت ببسمة بلهاء :
-لو كنت أعرف إنه هيتكلم كده مكناش فتحنا عليه، ايه ده يا جدعان؟!!
نظرت دعاء نحو شروق الصامتة ثم قالت :
-من الأرض إلى شروق حول هل تسمعني؟!
قلبت الأخرى عينيها بضجر قائلة :
-انا تعبت والله عايزة أروح
-تعبتي ايه يا شروق انتي جاية من المغرب معملتيش معانا حاجة، ومن ساعة ما جيتي وانتي قاعدة مكانك متحركتيش
نظرت نحوها إحدى الفتيات ثم قالت بنبرة تهديدية مازحة :
-خطيبك مزعلك ولا ايه؟؟ من ساعة الموقف البايخ بتاعه في فرح أيمن وانا مش بلعاه لو زعلك قوليلنا وإحنا نفرموه
ضحكت الأخرى ساخرة وأجابت :
-لو زعلني مش هستنى حد يجيبلي حقي، وانا معنديش لسان وإيدين ولا ايه؟!
وتحدثت نور وهى تقف من مكانها بعدما أنهت :
-جبروت يا شروق مش محتاجة مساعدة من حد بتجيب حقها بنفسها، تعالى فكي واعملي حنة وقعديني مكانك انا خلصت
زفرت الأخرى ووقفت من مكانها ثم جلست أمام تلك المرأة التي أعطت لها هاتفها تختار منه الرسومات التي تريدها، في نفس اللحظة اقتربت منها دعاء ثم قالت بجدية :
-شروق هى براءة مالها تعبانة قوي وحالتها مش كويسة حتى مرضيتش تعمل حنة مع إنها بتحب الحاجات دي قوي
نظرت لها شروق لبرهة ثم أجابت :
-الانيميا عندها عالية بقالها فترة علشان كده تعبانة
نظرت حولها ولتوها انتبهت على اختفاء براءة رغم أنها كانت تجلس معهن منذ عدة دقائق فقالت بقلق :
-هى براءة راحت فين!!؟
أما عند براءة قبل عشر دقائق
ولجت للحمام وهى تمسك بمعدتها بألم شديد تشعر أن هناك من ينهش بها في الداخل، اخذت تتقيأ داخل الحوض ولم يصل صوتها لأحد بالخارج بسبب أصوات الموسيقى وضحكات النساء
إستندت على الحائط بجسدها وها هى الحالة تأتي إليها مرة أخرى كلما دقت الساعة الثانية عشر منتصف الليل وكأن تأثير السحر يزداد الآن
حاولت الخروج حتى تقرأ قرآن وتنجد نفسها من الوسواس الذي يبدأ معها والتهيؤات التي تصيبها من حين لآخر يوميًا، وبالليل ويوم الجمعة على الوجه الأخص
همت بفتح الباب ولكنه كان موصود من الخارج وهناك صوت أطفال خلفه، تبًا لقد أغلقوا عليها، طرقت الباب بعنف حتى يفتحوا لها ولكن أصوات الموسيقى وإنشغال الفتيات بالرقص ورسومات الحناء لم تساعدها
نظرت حولها برعب وقد بدأت تسمع أصوات وهمسات وترى أفاعي سوداء تعلم أنها ليست حقيقية فطرقت الباب بعنف وهى تصرخ لعل هناك مستجيب
ولكن الصراخ في الحمام في وقت الليل ليس مستحب وما كان رد فعلها حين شعرت بيدٍ على جسدها هو أن ارتفعت صرخاتها المرتعبة تضرب الهواء وهى تستعيذ بالله من الشيطان الرجيم
هبطت أرضًا عندما زادت الأصوات وأصبحت أقرب للصراخ حولها فغطت أذنيها وهى تصيح لعلهم يرحمونها :
-سيبوني في حالي كفـــايـة
زادت آلام معدتها بشكل غير محتمل وأصبحت تتدفق الدماء من الحوائط إلى الأرض السيراميكة تزحف نحوها والأصوات تعلو بكلمات غير مفهومة أو واضحة، في نفس اللحظة التي أبصرت بها الكثير من الأفاعي والعقارب تتجه نحوها
تبدد كل شئ عندما استمعت لصوت فتح الباب وصوت خالتها صفية وعائشة يرتفع من حولها، فتحت عينيها مع شهقة خرجت من أعماقها تحدق بفزع حولها وهى تحاول أن تستقيم من على أرضية الحمام التي كانت ممددة عليها
ساعدتها صفية على الخروج وهى تنادي على شقيقتها حتى ترى ابنتها التي كانت فاقدة للوعي في المرحاض وعلى ملابسها أثر قيء :
-مالك يا براءة انتي اغمى عليكي في الحمام؟؟
إبتعدت براءة عن مدخل الحمام زاحفة بجسدها فهى تشعر أنه عبارة عن هلام لا تقوى على نصبه لتعلم الآن أنها عاشت كابوس كما سابقه وسابقه وسابقه، وهى في هذا العذاب لثلاثة أشهر
حاولت التحكم في انتفاضة جسدها من أثر ما عاشته بالتزامن مع سماعها لصوت والدتها قادمة بهرولة ثم جلست أمامها أرضًا تتفقدها بخوف :
-مالك حصلك ايـــه؟؟
ضمت ابنتها شاخصة العينين والتي لا تجيب فنظرت نحو صفية حتى ترد هى عليها لتقول الأخرى :
-حد من العيال قالي براءة واقعة في الحمام فجيت ارمح "أجري" انا وعيشة
أتين باقي فتيات العائلة والنساء بعد أن أغلقن الموسيقى فاستقامت فايزة من على الأرض تساعد ابنتها على الوقوف حين قالت نور بقلق وفي يديها نقوش الحناء التي لم تجف بعد :
-مالها براءة؟!
-اغمى عليها مفيهاش حاجة، حد فيكم يوقفها معايا
نطقت بها فايزة تخفي الحقيقة خلف جملتها التي نطقت بها بصوت جاد فاقتربت منها إحدى بنات أخواتها وساعدتا كلاهما براءة على الوقوف، وما إن رفعت الأخرى نفسها قليلًا معهما حتى هبطت مرة أخرى تتقيأ أمام الحمام بعد أن فشلت في التحمل أكثر
جذبت ابنة خالها منشفة وأعطتها لها سريعًا فأخذت فايزة تمسح فم ابنتها التي أدمعت عينيها من التعب والحرج من حالتها أمام الجميع هكذا، اقتربت زوجة خالها منها وساعدتها على النهوض وهى تقول ببسمة :
-قومي قومي خير إن شاء الله تلاقيكي حامل
-حامل؟!!
نطقت بها بصوت مفزوع أكثر من مذهول فكيف هى حامل ويوسف لم يعاشرها معاشرة الأزواج منذ ليلة الزفاف أي منذ ثلاثة أشهر، فهى تنفر منه ومن صوته ورائحته ولا تسمح له بضمها حتى فكيف تحمل في أحشائها طفلًا منه
ربما نتج هذا الحمل بعد ليلة الزفاف المرة الوحيدة التي لمسها بها، ولكن كيف حدث أيضًا وهى مسحورة وتعيش في عذاب نفسي أفقدها نصف وزنها؟؟ كيف يعيش الجنين في أحشائها الآن ولا يزال حيًا كل هذه الفترة!؟
أخذن النساء يؤكدن على أمر كونها حامل وهذه ما هى إلا أعراض الحمل فلاحت على شفتيها بسمة سرعان ما اختفت وحل محلها الجمود قائلة :
-مش عايزاه
نهرتها إحدى زوجات أعمامها عن هذا الرفض المشين قائلة :
-استغفر الله يا براءة حد يقول لأ على رزق ربنا؟!
وصاحت براءة بطريقة بدت هيستيرية وغير طبيعية بالمرة :
-مش عايــــزاه أنا مش عايزاه
أفلتت ذراعها من والدتها وأخذت تلكم منطقة رحمها بعنف بكلتا قبضتيها وهى تصيح أنها لا تريده فأمسكت فايزة بيديها وصفعتها على وجهها حتى تسترد عقلها هاتفة :
-يا بت المجانين هتسقطي نفسك
تشتت تركيز براءة من هذه الصفعة رغم أنها ليست بقوية فسقطت يدها فوق "منجل" حاد أسفل الدرج، رفعته عاليًا منتوية شق بطنها حتى يموت هذا الجنين فصرخن النساء بفزع وقد ألقت والدتها بحملها كله عليها وجعلتها تفترش أرضًا تقيد حركتها بمساعدة زوجة أخيها
جذبت عائشة المنجل منها بسرعة ثم أصابها الرعب حالها كحال البقية حين تحدثت براءة بصوت غليظ أبعد ما يكون عن صوتها، وكأن روحًا شريرة تسكن جسدها الآن وهى من تتحدث وهى من تحركها :
-مينفعش تبقى حامل منه... لازم تسيبه... لازم تتطلق منه
عادت زوجة خال براءة للخلف بذعر قائلة :
-أعوذ... أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.... بتك مالها يا فايزة
صاحت الأخرى بأن يجلبوا ماء ويقرأوا عليه المعوذتين والإخلاص فهرولت صفية نحو المطبخ حتى تلبي طلبها، بينما أفلتت براءة يدها من والدتها وأخذت تلكم معدتها بعنف والصوت بداخلها يقول :
-لازم ده يموت.... لو مسابتش يوسف محمد إحنا هنجننوها
إلتصقن الفتيات ببعضهن من الرعب فمن تتحدث الآن ليست براءة أبدًا وإنما شيطان يسكنها، سقطت فايزة على جانبها بعدما فشلت أعصابها في الثبات أكثر من هذا ولا أحد يساعدها على إمساك ببراءة
بينما جثت جمالات فوق ابنة أخيها وقد كانت أثقلهن قلبًا مما جعلها ترفع ذراعي براءة للأعلى بعيدًا عن جسدها، ثم نظرت لوجهها ولعينيها التي إبيضت تمامًا واختفى البؤبؤ فصاحت بها بقوة قائلة :
-انتوا عايزين تجننوها ليه؟ مين عايزها تطلق من جوزها مـيـن؟؟
أخذت براءة تنازع أسفلهما فجمالات تقبض على يديها ووالدتها على قدميها لتقول فايزة بغضب لابنتها والباقيات المتجمدات في أماكنهن من الذعر :
-هتقفوا تصورها تعالوا اقروا عليها قـــرآن
لم تتحرك واحدة منهن من الرعب فضربت جمالات دعاء ابنتها بحذائها صارخة بها :
-يا بت الـ*** اتحركي منك ليها دراعاتها هيتكسروا تحتيّ
تحركت دعاء وعائشة وثالثة معهما وأخذن يقرأن عليها القرآن بشكل عشوائي وبراءة تصارع وتزوم كما الحيوان الحبيس
اخذت دعاء تمسد على رأسها وهى تقرأ وأخرى على صدرها بينما عائشة حين اقتربت يدها من معدتها وهى تتلو القرآن حتى تجمدت يدها وكأنها شُلت، واختفى صوتها وكأنها أصيبت بالخرس
سقطت على ظهرها وهى تمسك بذراعها وتأن بصوت مرتفع كمن على وشك الإصابة بجلطة، وبدلًا من أن تكون واحدة أصبحا اثنتين
عادت صفية ومعها إبريق ماء كبير قد قرأت عليه المعوذتين وسورة الإخلاص عدة مرات لتُصدم من منظر ابنتها أرضًا وتجمدت دون حركة، أخذت منها شروق الماء سريعًا واقتربت من شقيقتها وسكبت عليها البعض والبقية سكبتهم على عائشة
وتلىٰ هذا شهقة خرجت من براءة وعاد عقلها للواقع لتجد خالتها ووالدتها يقيدان حركتها وهى مفترشة الأرض فقالت بخوف :
-فيه ايه؟؟ انتوا ماسكيني كده ليه!؟
أخذت تحدق بها جمالات بقلق ولم تفلتها فحركت براءة رأسها نحو اليمين لتجد خالتها صفية تضم عائشة التي بدورها تمسك ذراعها بألم وعينيها نحوها هى شاخصة بخوف، فقالت بقلق وتوتر انتقل إليها من نظرات الجميع حولها كما العدوى :
-ايه اللي حصل!!؟
ساعدتها جمالات على الوقوف ثم قالت بقلق :
-قومي قومي حاسة بوجع عندك من تحت
نفت براءة ولا تزال لا تفهم ماذا حدث ولما الجميع ينظر إليها هكذا بخوف وكأنها شيطان، كرهت نفسها كثيرًا هذه الليلة وظلت حتى الصباح لم تنم ولم تترك شروق وشأنها إلا عندما روت لها جميع ما حدث
لم تصدق كونها تحمل في رحمها جنينًا إلا عندما أحضرت إختبار وخرج لها إيجابي، وقد أخذتها والدتها لطبيبة في اليوم التالي حتى تفحصها لربما حدث للجنين شئ لكثرة ضربها له فقالت الطبيبة بجدية :
-انتي حالتك صعبة أوي وشبه الغذاء عندك مقطوع والجنين حاليًا بيتغذى عليكي انتي، لولا إنك بتقولي إنك بتاخدي محاليل بشكل يومي مكنش الجنين عاش ده كله جواكي، لازم تاخدي بالك من نفسك وصحتك أكتر من كده علشان، انا أصلًا متفاجئة إنك لسه مكتشفة إنك حامل والسونار بيقول إنك تقريبًا في آخر التالت
لم تكن تدري أهذا الحمل خير أم شر وهل سيكتمل أم لا، خافت كثيرًا عليه من نفسها ومن السحر الذي يقبع بداخلها ولا يجدوا حلًا لإبطاله، فحتى الشيخ الذي أتت له لم يفلح في فعل شئ
قلقت من أن تقول ليوسف وترددت في الأمر لكن والدتها أصرت عليها أن تخبره لذا قالت لها أنها ستعلمه بالحمل حين تعود إلى الإسكندرية وعلى كل حال سوف يركبوا القطار جميعهم في عصر اليوم...
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
دقت الساعة التاسعة والنصف مساءً وكالعادة يأتي متأخرًا في كل مرة يتجمعوا بها الشباب ويكون آخر من يأتي، إستقبله حمزة وهو يمسك في يده علبة صودا قائلًا بتذمر :
-انا مش قولتلك تيجي بدري انت والتأخير أخوات يا يونس
جذب الآخر مقعد وجلس عليه ثم نظر من سطح بنايتهم إلى الأسفل، منتفضًا نفضة خفيفة من البرودة ثم قال :
-ملقتوش مكان بارد أكتر من كده نقعد فيه؟!
وجلس حمزة إلى جانبه ثم قال :
-فيه يا جماعة فين البرد ده؟! إحنا لسه في شهر ١١ مش شهر ١ يعني
وقال إسماعيل وهو يغلق سحاب سترته جيدًا حتى لا يصاب بزكام :
-انت معندكش إحساس يا حمزة انا ذنبي ايه آخد دور برد
قلب حمزة عينيه ضجرًا ثم نظر نحو يوسف الصامت الشارد، حتى أنه لا يأخذ دور المستمع بل هو لا ينتبه لهم من الأساس، نكزه بخفة حتى ينتبه لهم ثم قال بمزاح :
-ايه يا عم شايل هم إن مراتك جاية النهاردة وأجازتك من الحياة الزوجية خلاص هتخلص
ووجد الآخر نفسه يمئ برأسه فهو بالفعل قلق من عودة براءة وعودة المعاناة مرة أخرى، وفور أن رأى يونس هذه الإماءة منه حتى قال بطريقة عبثية :
-يا كبدي يا ابني يعني هى منكدة عليك الفترة دي كلها؟؟ وانا اقول أخويا ماله الضحكة مبقيتش تزور وشه ليه؟!
ضحك حمزة بصخب ثم قال وهو يميل على يوسف قليلًا :
-ايه يا يوسف هو الجواز وحش؟! أتراجع يعني قبل ما ألبس رسمي
-وانت لسه هتلبس ما انت لبست خلاص، الفرح بكرة ومش هنلحق نهربك حتى
وتراجع الآخر مندهشًا من تشاؤم يوسف فقال :
-ايه يا ابني التشاؤم ده كله، هو الجواز وحش بجد
رفع أحمد ابن عمتهم يده يعد على أصابعه :
-أول أسبوع في الجواز حلو أما بعد كده هتكتشف الوجه الآخر اللي كان مستخبي في الخطوبة وانت وحظك بقى، أول الجواز هيبقى في خناقات على أسباب تافهة مثلًا بتتفرجوا سوا على التلفزيون وغيرت القناة علشان المسلسل اللي هى جيباه مش حلو فهتتقمص ومطلوب منك تراضيها، تيجي بقى لموضوع الطبخ وانت وحظك برضو طلعت بتعرف تطبخ يبقى أمك دعيالك، طلعت فاشلة يبقى اعتبر نفسك فار تجارب
-انا معاه في النقطة الأخيرة دي رقية بتجرب عليا لحد دلوقتي وصفاتها اللي تتعمل أكل بط مش أكل بني آدمين
نطق بها عمر الذي حضر لتوه مع سفيان فقد داعهم يونس للحضور بما أن عمر سوف يسافر وهو أيضًا أصبح من العائلة، أدار يونس رأسه نحوه ثم قال مدعيًا النظر خلفه :
-أعتبر نفسك مطلق دلوقتي يا عمر علشان رقية سمعت كل حاجة أهي
استدار عمر سريعًا وعلى وجهه علامات الذهول فهو قد ترك رقية بالأسفل إذًا كيف أتت بهذه السرعة؟! ولكن فور ان استدار لم يجد أحدًا ومع حركته هذه تعالت ضحكات الرجال في المكان ثم صفعه سفيان على كتفه قائلًا بسخرية :
-طالما جبان ومش قدها يبقى متتكلمش أحسن، عرتنا يا عمر
جلس رفقة الشباب ثم نظر نحو يونس قائلًا :
-ايه يا يونس سمعت إنك اترقيت مبروك عقبال ما تبقى لواء كده
نظر لبقية الموجدين ثم قال :
-مين بقى اللى هيتجوز وكان بيسأل عن الجواز؟؟
أشاروا جميعهم لحمزة فاتكأ سفيان على ظهر المقعد ثم قال وكأنه عجوز حكيم :
-بص يا ابني هقولك نصيحة تمشي بيها ملك في حياتك، الستات عقلهم صغير يتضحك عليهم بكلمتين عملت حاجة غلط وعصبتها قبل ما تتحول عليك قولها في وشها كده على طول، لا بس انتي خاسة اليومين يا حبيبتي، هتنسى اللي عملته وتنسى نفسها واسمها وعينيها كده هتنور من الفرحة زي اللمض البيضة
الجديدة دي وتقولك طب قول والله، إياك وقتها تحلف بقى علشان انت كداب وهتتضطر تصوم تلات أيام
تعالت الضحكات فيما بينهم ليقول يونس رافعًا علبة الصودا نحو فمه :
-خد منه النصايح يا حمزة ده متجوز مرتين ده وعنده خبرة
تنحنح سفيان رافعًا شاله الأسود على كتفه مدعيًا الغرور ثم قال :
-هنصحه كده لوجه الله ما إحنا في يوم من الأيام كنا زيه في وسط فرحة البدايات وبعدها اكتشفنا إن فرحة دي ما هى إلا عمك درويش الأسود اللي هتفضل عايش معاه عمرك كله
-مين درويش ده؟!
-ده لقب الجواز بلغة الرجالة المتجوزين، انت متعرفش ولا ايه؟!
نفى حمزة برأسه وهو يقهقه بصخب ليقول كريم بتذمر مشيرًا لسفيان حتى يصمتوه :
-حد يسكت الراجل ده يا جماعة ده بيعقدني من الجواز وانا عايز اتجوز
وربت إسماعيل على كتفه مقهقهًا بمزاح :
-انت لسه صغير يا كريم عيشلك يومين قبل ما يقابلك درويش على رأيه
نظر عمر نحو شقيقه متسائلًا :
-انت ليه مقولتيلش النصايح دي قبل ما اتجوز يمكن كنت رجعت
ورأى عمر من يونس نظرة حانقة جعلته يتراجع عندما قال الآخر :
-بتقول ايه يلاه مسمعتش، ومالها أختي انت كنت تطولها أساسًا، لولاش بس البنت كانت بتحبك مكناش وافقنا عليك أصلًا
أعاد سفيان ظهر عمر للخلف حتى يرى المتحدث ثم قال :
-وماله أخويا يا حضرت الرائد ميشبهش ولا ميشبهش، انا صدقت ما بلعتك يا يونس متخلناش نعيد الزمن تاني
تحدث يوسف سريعًا، مانعًا شجارًا بينهما قد يندلع إذ قال :
-إحنا جايين في قعدة حلوة بلاش تبوظوها بخناقتكم صدقنا ما خلصنا من جو الحموات اللي عايشين فيه ده
وأشار يونس نحو سفيان وكأنه يشكو منه :
-ما هو وأخوه اللي غلطوا الأول وانا لساني بياكلني مقدرش أسكت
أشاح سفيان برأسه بعيدًا عنه ثم قال :
-نكمل كلامنا عن الجواز يمكن نكسب ثواب فيكم
وقاطعه حمزة قبل أن يكمل قائلًا :
-بص انا بقالي سنة مستنيها هى وأبوها يحنوا عليا، فلو قولت ايه هتجوز يعني هتجوز
ضحك يوسف بخفة ثم قال لسفيان :
-سيبيه ياخد الصدمة لوحده يا سفيان هيجيله إنبهار بدرويش لما يقابله بنفسه
صدح رنين في الأجواء وقد كان هاتف يونس فتحرك بعيدًا عنهم حتى يرد عليه بعدما وجد المتصل الكيكة الخاصة به، شعر بشئٍ من التفاؤل إنها مَن اتصل عليه هذه المرة فقد مر أسبوعًا هو من يبادر الإتصال والكلام :
-الو، وصلتوا ولا لسه؟!
استمع إلى صافرة القطار على الناحية الأخرى ثم قالت بتردد غُلف بالهدوء :
-لسه كمان ساعة كده ونوصلوا، انا كنت عايزة أقولك حاجة علشان لو بابا قالك من ورايا يبقى عندك علم، بس يا يونس انا والله مش موافقة على ده ومش عايزة اعمل كده غصب عني
زرعت القلق في قلبه بسبب حديثها ونبرتها فقال قِلقًا :
-فيه ايه يا شروق مالك؟؟
-أحلف بالله إنك مش هتقول لحد إن قولتلك على الموضوع ده علشان براءة ويوسف مكنوش عايزين حد منكم يعرف
نظر يونس نحو شقيقه بسرعة، قد كان يعلم أن به شئ، بل في الواقع الجميع يعلم أن هناك ما يحدث مع براءة ويوسف ولكن كلاهما يرفضان التحدث :
-هو الموضوع له علاقة بيوسف
-الموضوع له علاقة بيوسف وبراءة، وانا وانت برضو هنتاخد في المصيبة دي
أقلقته كثيرًا فقال بحدة رغم انخفاض صوته وقد والىٰ الجميع ظهره ووجهه أصبح للبحر :
-اتكلمي يا شروق متنقطنيش بالكلام كده
ازدردت الأخرى لعابها لا تدري هل من الصحيح أخباره أم لا ولكنها تعيش مشتتة منذ أسبوع بهذا الأمر وما عاد صدرها يحتمل الكتمان :
-براءة ويوسف معمول ليهم سحر وبراءة تعبانة قوي الفترة دي، وبابا قال لو فضلت على حالها ده هيطلقها من يوسف ولو هما أطلقوا إحنا هنفركش
ألقت له ما في جعبتها ثم انتظرت منه أي شئ ولكن كل ما وجدته هو صمت غير متوقع، وما كان الغير متوقع أكثر هو ما قاله بعد هذا الصمت :
-علشان كده بقالك أسبوع مش بتكلميني وحالتك غريبة
-ايوه
أطلق الآخر زفرة مبهمة المصدر فلا تعلم أصدقها أم لا، هل يفكر في الأمر أم تجاهله، كل ما بدر منه هو جملة زادت من حيرتها إذ قال بنبرة هادئة مبهمة لم تفهمها :
-طب اقفلي يا شروق
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!