تحميل رواية «في مدينة الاسكندرية» PDF
بقلم صابرين عامر
الفصل 76 — في مدينة الإسكندرية الفصل السادس وسبعون 76 - بقلم 𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
1- إجازة في الصعيد بسم الله نبدأ من جديد والجزء التاني ألطف من الأول وفي نفس الوقت أحداثه مهمة جدًا ولا تخلو من الأفكار الهادفة بإذن الله موعدنا في رمضان كل جمعة فصل بعد صلاة التراويح لحد ما ندخل على العيد لو في العمر بقية، وبعدها هشوف مواعيد مناسبة تعليقات كتير بقى برأيكم في اللي جاي 💜 صلي على خاتم الأنبياء والمرسلين 💜 &;كنت أغرد فتبتسم وتصمت&;.. اشتاق لها ولا أجد ولو صوتها فقط حتى اسمعه&;&; ثقيلة وثقلها أرهق قلبي&;. ترى أين ذات العيون العسلية التي خطفت لبي؟؟&; أغلق مفكرته الصغيرة التي تجمع ا...
في مدينة الإسكندرية الفصل السادس وسبعون 76 - بقلم 𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
صلوا على خاتم الأنبياء والمرسلين 💜
حك خصلاته السوداء بالمنشفة ينظر إلى الرسالة التي قد أرسلها له رئيسه في العمل بأن عودته ستكون خلال يومان وأن إجازته قد انتهت، تنهد بخفة ثم خرج من غرفة النوم يسير في أرجاء شقته الواسعة في إحدى أحياء مدينة الإسكندرية الراقية، يتبع الرائحة الذكية التي تخرج من المطبخ
كم إن زوجته بارعة في الطهو حتى أن وزنه قد زاد هذه الإجازة من لذة طعامها، ولكن لا بأس فحين يعود للعمل مرة أخرى سيخسر هذا الكرش الصغير :
-صباح الخير يا لوزة
قبّل وجنتها بخفة ثم سرق قطعة خيار من طبق السلطة الذي تعده، ردت له هاجر تحية الصباح بصوت مرهق فقال متعجبًا :
-مالك تعبانة ولا ايه؟؟
-قلة نوم
-آه حسيت بيكي كتير وانتي بتقومي من جنبي بس سألتك مالك وانتي قولتي حلم وحش، كنتي بتحلمي بإيه بقى
قطم قطعة من الخيار منتظرًا إجابتها فصمتت الأخرى عن الإجابة تمامًا فلن تخبره بالطبع أن حاتم كان يزورها في أحلامها، إستدارت له وقد غيرت الموضوع تمامًا :
-انا جهزت الفطار، تفطر هنا ولا مع جدتك في المستشفى
-لأ نفطر هنا عمر هناك معاها
-عمر؟! هو لحق أمتى يقوم بدري كده دول رجعوا من الفرح متأخر إمبارح
جذب سفيان احد أطباق الإفطار متجهًا نحو الرخام المطل على البهو بتصميم أمريكي ثم جذب مقعد وجلس عليه قائلًا :
-هاتي الفطار وخلينا نستمتع بآخر يومين أجازة ليا قبل ما أرجع للإرهابيين تاني
شعر بقطتها البُنية تحتك بقدمه وهى تموء بصوت مسموع فأخرج أصواتًا منزعجة ثم دفعها بخفة من وجهة نظره فأنقلبت الأخرى على ظهرها مما جعل هاجر تصيح منزعجة :
-حرام عليك يا سفيان انت بتعاملها بعنف كده ليه
رمقها الآخر بعدم رضا للمبالغة التي تتحدث بها قائلًا :
-فين العنف ده؟! قطتك أوفر حبتين عملت نفسها ميتة لما قولتلها هِش أومال لو خبطتها برجلي
رفعت هاجر قطتها من على الأرض ثم ضمتها إلى صدرها وكأنها تهدهد طفلتها ثم رفعتها أمام وجهها وأخذت تدللها أسفل أنظار سفيان الحانقة إذ قال :
-ايه الدلع ده كله ما تبوسيها بالمرة
ولم تكذب الأخرى خبرًا وقبّلت هرتها اللطيفة في حركة اشمأز لها سفيان ليتراجع سريعًا برأسه للخلف عندما قدمتها نحو وجهه قائلة :
-بص حلوة ازاي بذمتك الحلاوة دي تتضرب
أبعدها بسرعة عن وجهه هاتفًا بحنق :
-ما تحطيها في طبقي أحسن، فيه ايه يا هاجر
ذمت الأخرى شفتيها وتركت هرتها أرضًا ثم أحضرت باقي الأطباق وهمت بالجلوس بجانب سفيان ولكن قاطعها رنين جرس الباب فتحركت في اتجاهه مرددة بتعجب :
-مين هيجي على الصبح كده؟!
توقفت بسرعة عندما نادى عليها سفيان بنبرة تهديدية مغلفة بالهدوء :
-عارفة لو طلع راجل وانتي رايحة تفتحي بهدومك دي هعمل فيكي وفيه ايه؟!
تراجعت خطوة للخلف ضاحكة ببلاهة :
-علفكرة كنت هبص من العين قبل ما أفتح
-طب ادخلي جوا يلا
تقدم هو نحو الباب ثم فتحه ليجد امرأة ذات ملابس راقية ونظارة شمس كبيرة أكلت نصف وجهها لتنزعها ببطء وتضعها فوق خصلاتها القصيرة قائلة :
-ده بيت هاجر حاكم؟؟
آماء الآخر بصمت دون أن يدعوها للدخول فهو لن يدخل امرأةً غريبة المنزله، كما أن حسه الأمني يخبره أنها مألوفة كثيرًا له
-لو هى موجودة وانا عارفة إنها موجودة قولها كارما الدخيلي محتاجة تقابلك ضروري ودلوقتي
رفع إحدى حاجبيه بدهشة من أسلوبها المتعجرف قليلًا ثم نادى على زوجته بدون أيضًا أن يدخلها وجعلها تقف على الباب :
-هــاجـــر في واحدة عايزة تقابلك
-آجي كده عادي
نطقت بها بصوت خفيض وهى تشير إلى ملابسها المنزلية فقال سفيان بموافقة :
-تعالي
تقدمت في اتجاهه ثم مدت رأسها من خلف ظهره تنظر لمن بالخارج وإذ بملامحها اللطيفة تتحول كقطة شرسة أبصرت الخطر يهدد حياتها المسالمة :
-عايزة ايه كارما؟؟
-مش هتقولي اتفضلي على الأقل يا بنت الأصول
بدت وكأنها تسخر ورغم هذا دعاها سفيان للدخول ثم ولج وجلس على ذراع المقعد الضخم بجانب زوجته التي وقفت في منتصف البهو عاقدة ذراعيها تنظر نحو الضيف الغير مرغوب به في منزلها :
-خير إن شاء الله ايه اللي فكركم بيا
-فكركم؟! هو فيه حد تاني جالك قبلي؟؟
نطقت بها الأخرى متسائلة فقالت هاجر بجمود :
-ابوكي زارني في المنام هو وأمك ربنا لا يسامحها، هى ماتت ولا ايه
تنهدت كارما على مهل ثم أجابت وهى تجلس على أحد الأرائك :
-لأ بس تعبانة أوي خصوصًا بعد خبر موت عادل الغير متوقع ده البيت كله أحواله اتلخبطت
-معلش ذنوب وبتكفروها
-ذنوب؟!
هتفت بها مستنكرة فقالت هاجر بنبرة ساخرة :
-مستغربة ليه اوي كده من كلمة ذنوب؟! ده على أساس إنكم من أولياء الله الصالحين ده كفاية اخوكي كاظم وفضايحه، وأمك
صمتت مبتلعة غصة مسننة ولم تكمل في فتح جراح الماضي وقررت إنهاء الحديث :
-جاية ليه يا كارما!؟
-ماما عايزة تقابلك
-وانا مش عايزة
-خليكي الأحسن يا هاجر ماما تقريبًا بتموت، صحتها الشهور اللي فاتت دي اتدهورت خالص، موت كاظم وبعدين عادل و...
قاطعتها هاجر بصوت قوي جعل سفيان يخرج صيحة خافتة معجبة، هو متيم بشخصية هاجر اللطيفة الهادئة ولكن لا ينكر أن شخصيتها المتجبرة الأخرى التي صنعتها ظلم الدنيا والناس تروق أيضًا له :
-يعني دلوقتي سعاد عايزة مني ايــه؟!
تنهدت كارما ببطء تتوقع رفض هاجر للأمر تمامًا :
-ماما عايزاكِ تسامحيها، حست ان كل اللي بيحصلها ربنا بيرده على اللي عملته
ضحكت هاجر ولم يتوقع أحدهم أن تخرج منها هذه الضحكات التي لم تكن أبدًا بسعيدة بل كانت ضحكات مقهورة تخرج من صميم قلبها، إستدارت لزوجها وكأنها تخبره أن يسمع ما تقوله هذه البلهاء :
-أنت سامع يا سفيان سعاد باعتة بنتها علشان عايزاني اسامحها، افتكرت بس دلوقتي ان فيه رب وفيه حساب لازم يدفع، ودين لازم يترد، وذنوب لازم تتكفر
نظرت نحو كارما مرة أخرى وقد انقلبت ملامحها لأخرى حادة قوية وهى تقول :
-وهى أمك مفتكرتش ليه ربنا لما كانت بتحطلي دواء يسبب ليا هلاوس وصرع، مفتكرتش ليه لما كانت بتضربني وتذلني وتحبسني بالأيام من غير أكل ولا مياه لما حاتم يسافر وولا حد كان فيكم يستجرأ يقولها متعمليش كده في البنت اليتيمة، متستقويش عليها دي ملهاش لا اب ولا أم ولا حد يدافع عنها، مفتكرتش ليه لما سقطتني وفي مرة فيهم روحي كانت هتطلع من الضرب اللي خدته
أخذت الدموع تتجمع في مقلتيها تكمل بقهر :
-أمك عشر سنين تظلم فيا وكله قدام عينيكي، لو خدامة في البيت كانت هتعيش عيشة غير اللي انا كنت عايشاها، كنت بموت من حالات الصرع اللي تجيني وانا محبوسة مربوطة في السرير خايفين مني أعمل فيكم وفي نفسي حاجة، أمك خليتني مجنونة وفي الآخر عايزاني اسامحها
هزت رأسها يمينًا ويسارًا ثم أكملت بجمود مخيف :
-يارب يتردلها وتشوف كل اللي عملته فيا في الدنيا، وفي الآخرة هاجي يوم القيامة وأقف قدام ربنا وأقوله الست دي....
سالت دموعها تردد بقهر :
-الست دي ظلمتني وانا مش مسمحاها، عايزة حق عشر سنين ضاعوا من حياتي في ظلمها
تحدث سفيان أخيرًا، خارجًا عن صمته، مستقيمًا من مكانه :
-أعتقد عرفتي ردها، اتمنى دلوقتي تسيبي لينا شوية خصوصية علشان كنا بنفطر زي ما انتي شايفة، ولو إنه مش هيجيلنا نفس لباقي اليوم من وراء زيارتك دي
لم تشأ أن تحرج نفسها أكثر من هذا وأخذت نفسها وخرجت، وما إن أغلق سفيان الباب خلفها حتى أتاه بكاء زوجته من الصالة وقطتها تقف أمامها على أقدامها الأربع تشعر بالحزن لبكاء صديقتها
تقدم نحوها ووقف أمامها يراها اخذت تخبئ وجهها مدعية أنها تمسح دموعها، لم يبعد يديها بل فقط وقف أمامها هاتفًا بجدية :
-عارفة لو مبطلتيش بكاء هاخدك أمن الدولة أظبطك هناك، هخليكي تمسكي السلك عريان يا لوزة
نظرت نحوه بعينين دامعتين فمال نحوها قليلًا حتى يصل لطولها وهى جالسة، مستندًا على ركبتيه بكفيه :
-انتي بتبكي ليه صعبان عليكي سعاد؟!
نفت برأسها سريعًا هاتفة بعنف :
-لأ طبعًا انا زعلانة علشان نكدت عليا وكنت جعانة دلوقتي ونفسي إتسدت
مد شفتيه للأمام لا يعجبه هذا السبب أبدًا ثم قال :
-انتي عندك انقلاب حاد في مشاعرك اليومين دول يا لوزة، منهم إمبارح الساعة ١٢ قبل ما أروح في النوم صحتيني قال ايه.... سفيان إحنا متجوزيين بقالنا أكتر من ست شهور ليه لحد دلوقتي مقولتليش بحبك
ختم حديثه مقلدًا صوتها الناعم تقليدًا جعلها تقهقه بصخب فقال سفيان مبتسمًا :
-مش بقولك عندك انقلاب، من شوية كنتي متعصبة وبعدين عيطتي وأهو بتضحكي، يا خوفي الواد يطلع معتوه من وراء تقلباتك دي
اعتدل في وقفته ثم قال بجدية :
-قولتي إنك حلمتي بحاتم مش كده، علشان كده نومك كان صعب إمبارح؟؟
آماءت بهدوء فقال سفيان متسائلًا :
-أقدر أعرف تفاصيل الحلم؟!
تنهدت هاجر وقد أخذت تعبث في أصابعها، وبعد صمتٍ دام لثوانِ قالت بنبرة محتارة :
-بحلم بحاتم يقولي بلاش تيجيلي وانتي شايلة ذنب، انا مش عارفة ايه الذنب اللي انا شايلاه ده يا سفيان
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
ولج إلى غرفته المشتركة مع شقيقه حتى يأتي بهاتفه من على الشاحن، يستعد للذهاب إلى شركة الأدوية مع والده، توقف على باب الغرفة من الداخل ثم أغلق الباب خلفه ينظر إلى نوم شقيقه المسالم
كان يغط في نوم عميق بسبب تعبه الأمس وخصلاته الطويلة تسقط على وجهه تغطيه، تقدم نحوه وجلس على فراشه في المقابل له يراقبه بهدوء، وقد كانت هذه عادته منذ تعرض حمزة لذلك الحادث
يجلس هكذا يراقبه أمامه حي يرزق وأنه لم يمت، يظل يتذكر لحظات الرعب التي عاشها عندما خرجوا من المطعم على أصوات الناس المرتفعة في الخارج بأن هناك حادث إرتطام سيارة ودراجة نارية
خرج هو وأبناء أعمامه وأولهم كان يوسف وإسماعيل لربما ينقذوا مَن كان بالحادث، ولم يتوقعوا أن من تعرضوا للحادث منهم هم، إذ أول ما هرول له يوسف كان صاحب الدراجة الذي كان شبه يحتضر
ولم يرى لا حمزة ولا رحمة بسبب تجمع الناس، ولم يروا أن السيارة تعود لحمزة بسبب محاولة الناس لفتح السيارة وإخراج من بالداخل
لقد كان أول من يراه ساقطًا أرضًا، شبه فاقد للوعي وبجانبه رحمة تبكي بذعر، لم يخرج له صوت ولا يدري كيف بل لم يشعر بنفسه إلا وهو يجثوا إلى جانبه يحاول تحريكه بيدين مرتعشتين، فصاح به أحد الموجدين ألا يحركه لأن قدمه قد كسرت على الأرجح
خرج له صوتًا حينها صارخًا باسم يوسف أن يأتي ويرى حمزة :
-يـــــوسـف تعالى شوف حمزة هنا
حينها فقط أدركوا أن السيارة لحمزة حين أخرج أحد الرجال لؤي يبكي بصوت مرتفع ورأسه مدماء
تحرك إسماعيل مرتعبًا على ابنه وحالته هذه وأخذ يتفقده بخوف، في نفس الوقت صاح أحمد ابن عمتهم أن غادة بالداخل فاقدة للوعي، وحين اخرجوها كانت تنزف كثيرًا ولم يدركوا لما تنزف من الأسفل ولم يكن هناك وقت للتفكير
حملها أحمد راكضًا لسيارته ووضعها بالداخل ثم صعد أمام عجلة القيادة، بينما أخذ أمير لؤي من والده وصعد في الأمام يحاول كتم الدماء التي تتدفق من رأسه، وتحرك الآخر لزوجته بالخلف يحاول مداواتها حتى يصلوا للمشفى
ساعد الرجال صاحب الدراجة والرجل الآخر لنقله للمشفى في إحدى السيارات فلم يكن هناك وقت لإنتظار وصول الإسعاف، بينما تكاتف كريم ويونس وياسر على حمل حمزة برفق حتى لا يتأذى من كسوره ونقلوه بسيارة يونس
لحظات خوف وذعر عاشها الجميع وأكثرهم كريم على غادة وحمزة شقيقيه، ورحمة كذلك التي أخذت تبكي في أحضان كريم تلوم نفسها وتجلد ذاتها بأنها هى من أوقفت السيارة وأخرجت حمزة منها لأنها فقط كانت تود شراء بعض التسالي
توفي صاحب الدراجة لأن جسده لم يتحمل الاصطدام وهناك اشتباه أيضًا أنه كان متعاطي، جُبِّرت قدم حمزة وتم خياطة رأس لؤي ولُفت بالشاش والقطن وفقدت غادة جنينها الذي لم تكن تعلم به لا هى ولا إسماعيل
-يا ابني فيه ايه؟ كل يوم أصحي ألاقيك متنح فيا كده ليه؟!
خرجت هذه الجملة الناعسة من حمزة ثم عاد وغفى مرة أخرى دون وعي لما قاله فابتسم عليه الآخر ثم مال قليلًا نحوه وطبع قبلة على رأسه بحنو ثم قال :
-تحب اجيبلك حاجة معايا وانا جاي؟؟
لم يتلقى منه رد ولن يفعل فنوم شقيقه أثقل من الفيلة، وبالطبع هذه الجملة خرجت منه دون وعي ظنًا منه أنه يحلم، بعثر خصلاته الناعمة ثم جذب هاتفه من على الشاحن وخرج من الغرفة ليجد والده يتناول الإفطار حتى يستعد للذهاب للعمل
هم بالجلوس معه وتناول الإفطار ولكن منعه الآخر وأعطى له بعض الشطائر الجاهزة قائلًا :
-انت بتقعد ساعة تاكل، خد السندوتشات دي كُلها هناك يلا بينا
ذم شفتيه بتذمر، ناظرًا لوالدته التي كانت تقف بالمطبخ فقالت الأخرى :
-معلش هو معاه حق انت بتقعد ساعة تاكل وكده هتتأخروا
-يعني إحنا هنتأخر على الطيارة؟! وايه يعني لما نتأخر
أخذ علبة الطعام ووضعها في حقيبة ظهره الشبابية ثم إرتدى حذائه وخرج خلف والده ذو الخطوات السريعة قائلًا :
-ما براحة يا بابا انت مركب عجل في رجليك
هبطا للأسفل متفقدًا هاتفه وقد وصلته رسالة من رقم غريب لم يحتج لأن يسأل من هو فهذه اللغة الألمانية أعلمته هويته، تحدث عثمان وهو يتجه نحو دراجة ابنه النارية قائلًا :
-تعالى سوق يلا مش هناخد تاكسي
نظر الآخر بتعجب لما طلبه قائلًا :
-انت عايز تركب ورايا على المكنة
-أومال هتاخدني على حجرك!؟ يلا يا كريم هنتأخر
رفع منكبيه بعدم اهتمام ثم صعد على دراجته وأخرج المفاتيح ثم أعطى والده إحدى الخوذتين قائلًا :
-خد ألبس دي علشان لو وقعت الخبطة متجيش على دماغك
نظر الآخر للخوذة بإستنكار أن يرتديها في هذا السن ثم قال :
-لأ مش هلبسها انا
-براحتك
إرتداها هو ثم فتح هاتفه على رسالة أخرى من تلك الألمانية سارة تسأله إن كان سيأتي اليوم التدريب أم سيكون إجازة مثل البارحة، هم بالإجابة عليها ولكن والده لم يسمح له وقام بإستعجاله فوضع الهاتف داخل جيبه دون أن يدرك أنه مفتوح بل ومتصل بالإنترنت
شغل الدراجة التي أصدرت صوتًا مرتفعًا فقال عثمان :
-براحة ماشي انت مش سايق طيارة لأحسن نتقلب إحنا الاتنين
نظر له كريم من خلف خوذته ثم قال بصوت ضاحك :
-خلي عندك إيمان يا راجل الأعمار بيد الله
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
مر نصف ساعة على تحديقه بالسقف دون أي كلمة أو حركة، فقط يشعر بالفراغ الكبير والصمت المخيف الذي يبتلع المنزل، ها هو وحيد على الفراش وأول صباح يقضيه دون أن يقول لشقيقه صباح الخير، دون أن يداهر شقيقته رقية ويتشاجرا على كوب ماء
تزوجت رقية وتزوج يوسف وبقى هو وحيدًا هكذا يبتلعه الضجر، جذب علبة السجائر الخاص به من فوق الكومود ولكنه وجدها فارغة، فقد أنهاها ليلة أمس بعد أن عادوا من الزفاف وأوصلوا يوسف لعش الزوجية
زفر بضيق وألقى العلبة مكانها يفكر ماذا قد يفعل الآن في عطلته، فأجازته التي أخذها بعد إنهاء القضية الأخيرة له ممتدة حتى ثلاث أيام قادمة
استقام من مكانه وخرج خارج الغرفة وكما المتوقع، منزلهم غارق في الصمت الكئيب رغم أن والديه موجدان الآن فلما لا يسمع لهما صوتًا؟!
إتجه نحو غرفتهما حيث أخذ صوتهما يتضح له ليبصر والدته تجلس على فراشها وحولها العديد من الصور ووالده يجلس على مقعد السرَّاحة المقابل للفراش :
-بتعملوا ايه؟!
وأجاب والده والبسمة مرسومة على ثغره :
-تعالى يا يونس شوف أمك عاملة مناحة على صوركم وانتوا عيال
خطى يونس للداخل فرفعت عبلة أمامه صورة تجمعه مع اخويه عمرها عقدين، أي عندما كانت رقية لا تزال تبلغ من العمر ثلاث أو أربع سنوات، أخذ منها يونس الصورة يحدق بها ببسمة، يسمع والدته تقول بغصة :
-لسه فاكرة ولادتكم وتعبي عليكم السنين دي كلها، مش مصدقة يا محمد أنهم كبروا بالسرعة دي واتجوزوا وكل واحد فيهم هيعمل عيلة
ضحك محمد على دراما زوجته التي تتحدث بها منذ يوم أمس، فيوم تزوجت رقية أيضًا فعلت هذه الدراما وأخرجت جميع الصور الخاصة برقية منذ كانت رضيعة :
-خلاص عبلة صدقي إن العيال كبروا وسابوا البيت وأهو يونس هيحصلهم
أخذت الأخرى تلملم الصور مرة أخرى ثم قالت بجدية موجهة حديثها ليونس :
-وانت يا يونس هتفسح خطيبتك أمتى؟!
أخفض يونس الصورة من يده متسائلًا :
-افسحها!! فين؟
-آه تفسحها من حقها تتفسح خدها غديها في مكان حلو وبعدها اتمشوا على الكورنيش
-وهما أهلها هيوافقوا نطلع لوحدنا، معتقدش
وأجاب محمد :
-ممكن يروح معاها أخوها أو اختها الصغيرة أو ممكن والدتها
همهم يونس بتفكير وشعر أن تلك النزهة ستكون ثقيلة رغم أنه وعد شروق بها منذ كانوا في الصعيد :
-طيب ما انتوا كده كده هتعزموهم على الغداء
-حتى لو برضو خدها فسحها شوية في إسكندرية، النهاردة محفوظ هيعزم عيلة صفوان كلها وبكرة عمك عثمان وإحنا بعده، وبصراحة مش ضامن يفضلوا قاعدين في إسكندرية ولا لأ
تحدثت عبلة ببسمة متحمسة قائلة :
-خدها مطعم السلطان أيوب المكان هناك حلو وخدلها هدية كمان
-هدية؟!
بدا وكأنه ينطق بها وكأنه قلق ومرتبك من الأمر وهو بالفعل كذلك فهو أفشل من يكون في انتقاء الهدايا وتعلم عبلة هذا جيدًا لذا قالت :
-متقلقش انا هتختارلك الهدية واكيد هتعجبها
حك يونس عنقه ولا يزال يشعر أن الأمر ثقيل عليه لذا قال :
-طب لو هى هتتغدى النهاردة مع عيلتها عند عمي محفوظ، انا
-يا ابني انت بتتلكك علشان متخرجش، المفروض تبقى فرحان علشان هتقابل خطيبتك
نطق بها محمد يرى التردد في عيني ابنه فقال الآخر مبررًا :
-انا بس خايف يحصل بينا شد وجذب يبوظ الدنيا، انا عصبي وهى بتحب تحرق دمي بحس إننا مش فاهمين بعض
تبسمت عبلة ثم وقفت أمام ابنها وقد ظهر بينهما فرق طول شاسع ورغم هذا مدت يديها نحو وجهه وربتت على وجنتيه قائلة بحنو أمومي :
-بالعكس يا يونس علاقتك انت وشروق حلوة أوي، الشد والجذب أحلى حاجة بتحسسك إن علاقتكم مش مملة وروتينية وعلفكرة البنت دي بتحبك اوي، انا ست وأفهم نظرات الستات وبقولك شروق عينها منك من زمان، فحافظ عليها وبلاش تضيعيها من إيديك، ركز في تفاصيلها وفي كلامها الست تحب الراجل اللي يفهمها، يفهم هى عايزة ايه، تحب الراجل اللي تحس إنها رقم واحد في حياته
تنهد الآخر بحيرة وضيق ينظر أمامه بإستنكار لشخصيته المعقدة هذه :
-دي مشكلتي مش بفهم البنات عايزة ايه، فاشل تمامًا في العلاقات العاطفية وانتي عرفاني
-أكيد عرفاك علشان كده بقولك حاول المرة دي تغير شوية من نفسك، أبدأ انت الكلام، خليك مركز معاها، لو زعلانة اسألها زعلانة ليه، لو فرحانة اسألها ايه اللي مفرحك، خليها تحس إنها مهمة عندك، الست يا يونس لو حست إن الراجل أهملها هتكره وجوده في حياتها لأن وقتها وجوده هيبقى زي عدمه
آماء يونس يحاول أن يثبت هذه الكلمات المهمة في عقله فقالت عبلة ببسمة متسعة :
-يلا روح اتصل عليها وقولها صباح الخير يا حياتي انا عازمك على الغداء النهاردة
رغم إستنكاره لكلمة "حياتي هذه" إلىٰ أنه إستجاب للأمر وأخذ يبحث عن هاتفه ليجده في بنطاله الذي تركه على المقعد بإهمال، أتى برقمها ثم اتصل في إنتظار الإجابة يتوقع ألا تجيب الآن بسبب سهرها ليلة أمس
ولكن للعجب أجابت قائلة :
-ابن حلال والله لسه كنت هتصل عليك
-تتصلي عليا ليه
استمع لهمهمتها على الناحية الأخرى ثم قالت :
-هو انا ينفع أسألك سؤال وتجاوب عليه من غير ما تسأل ليه السؤال
فكر الآخر قليلًا في كلامها ثم خرج إلى الشرفة قائلًا :
-هشوف بس اسمع السؤال
تنهدت شروق على مهل ثم قالت :
-تعرف عنوان بيت أهل فريال
-فريال مين؟!!
-البنت اللي.... دبحـ.. دبحها كاظم يا يونس
صمت يفكر في هذا الطلب الغريب بشدة ولم يمنع نفسه من السؤال :
-ليه عايزة تعرفي عنوان أهلها؟!
-من غير ليه يا يونس
-لأ لازم بـ ليه، خطيبتي بتسأل عن عنوان أهل واحدة غريبة متعرفهاش من حقي أسأل ليه
سمع تنهيدة قوية منها وقد تغيرت نبرتها كثيرًا لأخرى مهمومة وكأن صاحبة الصوت ليست شروق وإنما فتاة بائسة متعبة من مرار الأيام :
-بحلم بيها من ساعة ما اتدبحت قدامي، حاسة إنها بتبعتلي رسالة عايزاني أوصلها لأهلها
-هو انتي بتتكلمي بجد!؟
عقدت حاجبيها بضيق من النبرة التي تحدث بها ثم استكمل يونس حديثه قائلًا :
-انتي عايزة تروحي لأهل البنت تقوليلهم بحلم ببنتكم اللي ماتت من أكتر من سبع شهور وحاسة إنها باعتة ليكم رسالة من عالم الأموات
-يونس متتريقش علىّ
نطقت بها بصوت مخنتق لم يلحظه الآخر بينما أجاب قائلًا بجدية بحتة :
-الأحلام دي علشان بتفكري فيها كتير مش رؤى مثلًا، يعني مجرد أوهام
-انا مش بعيش أوهــــام ليه محدش حاسس بيا إن انا تعبــــانة
جفل الآخر من صرختها المقهورة هذه وكأنه ضغط على جرحها دون أن يدرك، بينما استكملت الأخرى بصوت مخنتق مقهور من حكمه وحكم الناس عليها :
-انا لا بعيش أوهام ولا ملبوسة ولا اتجننت، انا كنت هتقتل وشوفت واحدة بتتدبح قدامي والدكتورة واتنين تاني ماتوا بسببي وانتوا وشايفين إني لازم اعيش ده عادي، انا الذنب بياكلني بقالي سبع شهور ومش قادرة أنساه وكلكم شايفين إني بوهم نفسي
سمع نداء عليها من عندها فلم يعد يسمع منها سوى أنفاسها المرتفعة ثم قالت بصوت غاضب منه :
-وفر تريقتك عليا سمعت منها كتير قوي، هتقولي العنوان ولا أساعد نفسي
-أنزلي هستناكي تحت هاخدك هناك وهاتي حد معاكي
نطق بها بهدوء شديد فقالت شروق بتوجس بعدما هدأت نار حدتها :
-هتاخدني انت؟!
-ايوه مستنيكي تحت
أغلق الهاتف ثم ألقى به على الفراش وجذب ملابس له من الخزانة يفكر في كل كلمة قالتها وقالها هو، لقد قلل من مشاعرها وهى ثارت عليه، كلاهما فكرا بطريقة مختلفة من وجهة نظره هو، فهى عشرينية وهو ثلاثيني، لكن ليست المشكلة الكبرى هنا
شروق تعاني من شعور الذنب منذ يوم الحادث والجميع من حولها يقللون مما تشعر به ويسخرون منها، وللأسف هو شبه فعل هذا أيضًا
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
توقف بدراجته بالقرب من باب الشركة الرئيسي فهبط والده يسبه علانيةً ويسب قيادته المتهورة فضحك قائلًا :
-خلاص يا دكتور لو مش عجباك سواقتي ابقى خدلك تاكسي
حدجه عثمان بغضب ثم هم بالصياح عليه ولكنه توقف فور أن رأى ابنة الدكتور فؤاد سارة تقترب منهم بخطوات سريعة ويظهر عليها الغضب، وقبل أن يبادر بكلمة صباح الخير لها وجدها تصيح في كريم قائلة :
-انت هُو الهومار
ذُهل كريم من سبها له هكذا أمام والده بدون وجه حق فهم بالنزول من على دراجته ولكن حال عثمان بينهما محدثًا سارة الثائرة بتعجب :
-مالك يا سارة؟ فيه ايه؟!
وأجابت الأخرى بلهجة ألمانية لم يفهم منها شيء :
-Ihr Sohn hat mich auf WhatsApp beleidigt. - لقد سبني ابنك على الواتس آب
أشار كريم لنفسه مستنكرًا إتهامها هذا إذ قال :
-انا شتمتك؟!
-شتمتها؟!
نطق بها عثمان مذهولًا فصاح الآخر بدفاع :
-والله ما عملت حاجة ولا رديت عليها حتى، بتقول شتمتها على الواتس آب
أخرجت سارة هاتفها تعرض أمام عثمان الرسائل التي وصلتها من كريم هذا الصباح وقد كُتبت بالعربية ثم قالت :
-He insulted me in Arabic so I wouldn't understand, but I translated it. Your son insulted me, Dr. Othman, simply because I asked him if he would be coming to training today. - لقد سبني بالعربية حتى لا أفهم ولكني قومت بترجمتها، ابنك سبني دكتور عثمان فقط لأني سألته هل سيأتي إلى التدريب اليوم
نظر عثمان نحو ابنه عارضًا عليه ما أرسل من خلال رسائل متقطعة بها الكثير من الأخطاء الإملائية ولكن يتضح أنه سب وذم منها جملة "زهقتت ن منك" التي علقت عليه سارة بالألمانية قائلة :
-Du bist genervt von mir, weil ich nicht gut Arabisch spreche und dich mit dem Unterrichten nerve?! Na gut, dann lass es halt. Ich wollte es von Anfang an weder lernen noch in Ägypten bleiben. - لقد تعبت مني لأني لا أجيد العربية وأتعبك بتعليمها لي؟! حسنًا لا تعلمها لي مرة أخرى انا من البداية لا أريد تعلمها ولا المكوث في مصر
رمش كريم بأهدابه لا يصدق ما تقوله ولا ما قد أرسل، أخرج هاتفه بسرعة وقد وجده مفتوحًا وعلى وشك إرسال رسالة أخرى لها غير مفهومة الأحرف، رفع الهاتف بسرعة قائلًا :
-التليفون كان مفتوح في جيبي وبيبعـ
ظلت الكلمة على لسانه ولم تخرج فور أن أبصر الهواء أمامه وسارة قد ولجت إلى داخل الشركة غاضبة، ثائرة، حانقة، حتى لم تنتظر منه أي تبرير
وجد ضربة على رأسه من والده ثم صاح به قائلًا :
-يا حمار شتمت البنت في التليفون وبعتلها إنك زهقت منها
-والله التليفون كان مفتوح في جيبي وهو اللي بعت بالغلط
نظر عثمان لداخل الشركة حيث اختفت سارة ثم نظر لابنه قائلًا :
-روح أركن المكنة وتعالى اعتذر منها وفهمها اللي حصل علشان شكلها واخدة على خاطرها أوي
فعل كريم ما قاله وركن دراجته ثم ولج إلى الشركة بحثًا عنها وأول مكان بحث عنها فيه كان قاعة التدريب ولكنه لم يجدها هناك، فتوقع وجودها عند والدها وكان من الصعب حينها أن يذهب ليعتذر لها هناك ولكنه لا يحب أن يأخذ أحدهم عنه فكرة خاطئة ولا يهتم بإصلاحها
صعد بالمصعد نحو الطابق المنشود ثم طلب من الموظفة أن تخبر دكتور فؤاد أنه يريد مقابلته وقد حمد الله أن سارة هناك ولن يضطر للبحث عنها كثيرًا، ولج بعد سماح الموظفة له بالدخول ليبصر سارة تجلس باكية أمام مكتب والدها والدكتور فؤاد يظهر عليه الغضب
مرحى كريم ابنة المدير اشتكت لوالدها عنك والآن سوف تُفصل من التدريب وتقول وداعًا للوظيفة
تنحنح متوترًا ثم طرق الباب بخفة حتى ينتبها له قائلًا :
-صباح الخير يا دكتور فؤاد هى لحقت اشتكتلك
عقد الآخر حاجبيه لا يفهم ماذا يقصد ثم نظر نحو ابنته التي أخذت تحدق في كريم بأعين زاد الدموع بهما ثم قالت لوالدها :
-Sogar Karim hat mich satt und will mir nichts mehr beibringen. Lass mich zurück nach Deutschland gehen, Papa, hier will mich doch keiner mehr. - حتى كريم تعب مني ولا يريد أن يعلمني مرة أخرى، دعني أعود لألمانيا أبي فلا أحد يريدني هنا
نفى كريم بسرعة برأسه وقد شعر أنها تبالغ قليلًا فيما تقول فلما كل هذا البكاء :
-لا والله يا دكتور فؤاد انا مقولتش كده، التليفون هو اللي بعت بالغلط وانا سايق حتى بص
أعطى له هاتفه سريعًا ثم قال :
-بص نص الرسايل مكتوبة غلط والنص التاني حروف مش مفهومة، انا حطيت التليفون في جيبي ومخدتش بالي إنه مفتوح وهو بعتلها
نظر فؤاد نحو سارة التي أخذت تجفف دموعها بالمنديل لا تفهم ما يقال فقال فؤاد :
-Sarah Karim meinte mit dem, was er sagte, nichts Böses; das Handy hatte die Nachricht einfach versehentlich gesendet, als er es in die Tasche steckte. - سارة كريم لا يقصد أي شئ مما قاله، فقط الهاتف أرسل بالخطأ حين وضعه بجيبه
-Und was ist mit deiner Familie, Papa? Wollen die etwa auch mich und meine Mutter beleidigen? - وماذا عن عائلتك أبي؟ ألا يقصدون إهانتهم لي ولأمي أيضًا؟؟
تنهد الآخر بتعب ثم نظر نحو كريم وكأنه يقول لها ألا يصح التحدث في المشاكل العائلية أمام الغرباء ثم قال :
-كريم خد سارة علشان تلحقوا التدريب
نظرت سارة نحو كريم برفض ثم قالت بنبرة حادة :
-Ich will zurück, ich will nicht hierbleiben. - انا أريد العودة، لا أريد البقاء هنا
فقد فؤاد أعصابه عليها مستقيمًا من مكانه بغضب ثم قال :
-Für Sie gibt es kein Zurück. Dies ist Ihr Land und dies ist Ihr Unternehmen, und Sie werden Ägypten niemals verlassen. - لا عودة لكِ، هذه بلدك وهذه شركتك ولن تتحركي من مصر أبدًا
جفلت الأخرى من ثورته عليها وقد عادت الدموع تتجمع في مقلتيها لتأخذ حقيبتها وتتحرك للخارج فقال فؤاد يحاول ضبط أعصابه :
-روح وراها يا كريم معلش
لحق كريم بسارة ليبصرها تتحرك بخطوات سريعة وكعبها المرتفع يرن في المكان، عجبًا هذه الفتاة سريعة أخذت تتباطأ خطواتها بشكل ملحوظ ثم توقفت في مكانها وأستندت على الحائط وأصبح جسدها يهتز دليلًا على بكائها
سارع نحوها بسرعة عندما رآها ستميل وما إن وصل إليها حتى اعتدلت في وقفتها وضغطت على زر المصعد، وقف إلى جوارها ثم قال :
-انتي كويسة؟!
نظرت إليه بأعين زرقاء دامعة ثم هزت رأسها بصمت وهى تنظر نحو كاميرا المراقبة في الممر، وما إن وصل المصعد حتى صعدت به وهنا انفجرت باكية وقد هبطت أرضًا وكأن قدميها لا تتحملا
لم يكن ينتوي الصعود معها حتى لا يكون ثالثهما الشيطان خاصةً وأن سارة جميلة جمال فاتن ولا ينكر أن جمالها يسقط اعتى الرجال، ولكن عندما وجدها ستنهار أشفق عليها ومنع الباب من الإغلاق ثم قال :
-أنادي دكتور فؤاد
هزت رأسها بنفي عندما سمعت اسم والدها ثم قالت بنبرة سريعة مختنقة :
-Sag Papa nichts, ich möchte nur ein bisschen weinen. - لا تخبر أبي بشئ انا فقط أريد البكاء قليلًا
صعد معها وبقى في زاوية بعيدة ويده على الباب حتى لا ينغلق ويهبط ويراها أحد في هذه الحالة المزرية :
-انا لم أقصد أني تعبت منكِ، أقسم اني لم أرسل تلك الرسالة
نطق بها بلهجة ألمانية فنظرت له الأخرى من خلف أهدابها المبتلة دون إجابة، فقط تزرف الدموع فقال كريم بتساؤل :
-لما لا تريدين البقاء في مصر وتريدين العودة لألمانيا بأي طريقة؟!
وكأنها وجدت من تخرج له ما يزعجها ويضايقها فأخذت تسرد له كل شئ :
-انا لا أفهم اللغة هنا ولا أجيد التعامل مع الناس، ولا أصدقاء لي، وعائلة أبي لا يحبوني ويزعجوني دائمًا، حتى الزملاء في التدريب يتحدثون علىّ وانا لا أفهم شئ منهم، والأجواء شديدة الحرارة هنا، منذ خطت قدمي مصر وانا اختنق
ذم كريم شفتيه يدرك ما تعنيه، إنها تعيش شعور الغربة، يبدو أنها قضت الكثير في ألمانيا إن لم تكن عاشت حياتها بأكملها هناك :
-انتي فقط تجربين حياة الغربة، لأنكِ ابتعدتي عن الوطن، تشعرين أنكِ ضائعة وغير مرغوب بكِ ولا تفهمين من أحد شئ ولكن كل هذا سيزول حين تتعلمين العربية وتزورين مصر، أن الإسكندرية بها الكثير من الأشياء الجميلة التي ستحبينها
-وماذا عن قلوب الناس التي لن تتغير
نطقت بها بصوت مختنق بغصة متعبة فقال كريم بتعجب :
-لما يضايقونكِ؟!
-لأن معهم الكثير من المشاكل مع أبي بسبب الشركات والأموال وانا أدفع ثمن كل هذا، ادفع ثمن عداوته وانا لم أفعل شئ، لا تظن أن حياة الأثرياء بهذا الجمال الخارجي إنها بؤس وعذاب نفسي من الداخل وصراعات لا تنتهي ولا أحد يرتاح بها، الآباء يصنعون العداوات والأبناء يدفعون الثمن
همهم كريم بشفقة قائلًا :
-وأين والدتك؟!
-توفيت بعد أن ولدتني بسبب حمى النفاس وقامت جدتي الألمانية بتربيتي لأن عائلة أبي رفضوني
-سبحان الله المناظر فعلًا خداعة، اللي يشوفك من برا والشياكة والفلوس والغنى ميشوفش حياتك البائسة دي خالص
نظرت نحوه لا تفهم ما يقول فإنتبه كريم لجرح في عنقها لا يظهر من خصلاتها الشقراء فتساءل :
-ما هذا الجرح؟!
تحسست سارة جرحها ثم قالت بحزن :
-جدتي والدة أبي لقد ضربتني على وجهي وجرح خاتمها عنقي
-ولما فعلت هذا؟؟
-لأنها تكرهني وتنتظر علىّ الخطأ ولا أعلم لما، جميعهم يفعلون هذا ولا يطيقون وجودي، أبي فقط الذي يطيق وجودي بينهم
همهم كريم بتفكير ثم ترك الباب يغلق وإستدار إليها قائلًا :
-من يصفعكِ ردي له الصفعة
-هل تقصد أن اضرب جدتي
-لأ للأسف هى أكبر منكِ انا أقصد على البقية، رد الصاع صاعين من يزعجكِ ازعجيه، ومن يسبكِ سبيه، ومن يضربكِ اضربيه، ألم تسبيني لأنني سببتكِ في الواتساب
ابتسمت الأخرى بين دموعها ثم قالت بإعتذار:
-انا آسفة على ما قُلت لكني كنت مضغوطة وأشعر بالنبذ
-بالعكس لا ووجب عليكي أن تحسني من ألفاظك حتى يكون وقعها مؤلم
-وماذا إن ازعجتني جدتي مرة أخرى؟!
حمحم كريم منظفًا حلقه ثم قال :
-قولي هكذا، علشان انتي ست كبيرة مش هرد عليكي
-أشان انتي سيت كبيرة موش هارد آليكي
ضحك كريم على طريقتها في الحديث ثم قال :
-بتفقعي مرارتي وانا بعلمك آه بس العربي بتاعك ده على قلبي عسل
إستقامت من مكانها وصلبت طولها ثم أخذت تمسح وجهها من الدموع في اللحظة التي توقف المصعد بها وولج عدد من الموظفين فخرجت هى، لحق بها سريعًا ثم قال :
-انتظري هذا ليس الطابق الذي به القاعة
إستدارت له سارة مشيرة إلى وجهها الممتلئ بالنمش الكثير ثم قالت :
-لقد زال خافي العيوب الذي أضعه من الدموع سوف أعدل وجهي وأعود
-ليس عليكي هذا، انتي جميلة ولا تحتاجين لشئ
تنحنح بحرج بعد جملته هذه فتبسمت سارة له قائلة :
-انت تراني جميلة غيرك يرى أن وجهي به عيب بسبب كثرة النمش
ظهر الضيق والتذمر على وجهها ثم قالت :
-البارحة نسيت وضع خافي العيوب وزملائي في التدريب أخذوا يشيرون لي ويتحدثون علىّ بالعربية وانا لم أفهم ما يقولون، انزعجت لأنك لم تكن موجود حتى تترجم لي
-يقطعني يا بنتي، ده انا هطلع عينيهم
ضحك على نفسه كثيرًا فبدا رده وكأنه رد أم لطفلتها التي تشكو تنمر زملائها عليها، وما إن خفتت ضحكاته حتى قال :
-حسنًا لا تضعي شيئًا ولنذهب وإن سمعت أحدهم يسخر منك سوف تقولين انتي له بالنص، بطلوا غيرة لو تعرفوا تخلفوا بنت حلوة زيي كده هاتوا
رددت سارة ما يقول وكأنهما نفس الأم والابنة التي تعلمها والدتها كيف تدافع عن نفسها دون اللجوء للبكاء والنواح
ابتسم كريم بفخر قائلًا :
-حسنًا انتي مستعدة لنذهب الآن؟!
سرقت الأخرى أنفاسه عندما قامت بمعانقته ولفحت أنفاسه بعطرها الانثوي ثم قالت بالألمانية :
-شكرًا كريم انت لطيـ
مسكينة لم تستطع أن تكمل جملتها ودفعها بعيدًا عنه بفزع عندما أبصر والده على مرمى البصر، ومن شدة الدفعة اصطدم ظهر سارة في حائط الممر بعنف جعلها تطلق تأوهًا مرتفعًا
أبعد كريم عينيه عن والده الذي لم يراهما واختفى عن الأنظار ثم انتبه لسارة التي أخذت تتدلك ذراعها وترمقه بصدمة فقال معتذرًا :
-انا آسف انا آسف لكنكِ انتي المخطئة
-انا المخطـــئــة
-أجل انتي من عانقني ولا يصح هذا
-ولما لا يصح انا فقط أردت شكرك
-حسنًا قولي شكرًا بلسانك دون عناق ألم يعلمكِ والدكِ تعاليم الإسلام
-ليس الكثير، قال لي منذ كنت صغيرة وحتى اليوم أني مسلمة ولا يجوز لي أن أدخل في علاقة حميمية مع رجل أيًا يكن هو من، وألا ارتدي ملابس قصيرة، وانا أنفذ هذا
-ولم يقل لكِ أنه ممنوع الاحضان أيضًا؟!
نفت الأخرى برأسها فقال كريم بجدية :
-حسنًا ممنوع في الإسلام تلامس الرجال مع النساء إلا في حالة المتزوجين، وإن حدث تحت أمر طارئ سيكون بحذر، على سبيل المثال أنتي فقدتي الوعي ولا يوجد غيري أو رجل آخر ليساعدك سوف يفعل
آماءت سارة فابتسم كريم على طاعتها هذه ثم نظر لساعته قائلًا :
-تمام يلا نروح بقى لأحسن
ضغط بسرعة على زر المصعد هاتفًا بفزع :
-احيه إحنا إتأخرنا تلت ساعة، والدكتور الرخم ده انا مش بحبه هيطردنا إحنا اتنين
نظرت سارة في ساعة هاتفها ثم صعدت خلفه ولا تفهم ما يقول ورغم هذا قالت هى :
-لما تبدو فزِعًا هكذا؟؟
وقال كريم مستنكرًا :
-لما انتي باردة الأعصاب هكذا نحن متأخريْن
-لا بأس لن يقول شئ سوف أخبره أننا كنا عند أبي الذي هو صاحب الشركة
هم كريم بالتحدث ولكن راقت له الفكرة، هو صديق ابنة المدير والمديرة المستقبلية للشركة، هل يوجد واسطة أكبر من هذه
ضغط على زر الطابق المنشود ثم قال متسائلًا وكأنه الآن يملك الوقت كله :
-صحيح كم قضيتي في ألمانيا؟
-قضيت حياتي كلها في ألمانيا أي خمسٌ وعشرون عام
-هذا عُـ
توقفت الكلمات على لسانه مستوعبًا الرقم الذي قالته ثم نظر إليها مرددًا :
-خمسٌ وعشرون عام؟! انتي تبلغين من العمر خمسٌ وعشرون!! انا لا أزال بعد في الثالثة والعشرين من عمري؟!
نظرت له متفاجئة ثم قالت :
-عجبًا ثلاثةٌ وعشرون؟! ظننتك لا تزال متخرجًا من الجامعة أي في الثانية والعشرين مثل باقي من في التدريب
-لكنكِ أيضًا لا تزالين متخرجة من الجامعة فكيف تبلغين خمسٌ وعشرون
رفعت الأخرى منكبيها ثم أجابت :
-كلا انا متخرجة منذ ثلاثة أعوام وقد تعمقت في المجال أكثر لأني احب العلوم والكيمياء، ماذا عنك؟!
ظهر على وجه كريم بسمة شاحبة حزينة، مجيبًا عليها :
-انا قد أجلت عام من دراستي بسبب ظروف صحية
ابتسمت له سارة وقد نكزته بمزاح ليس وكأنه أخبرها منذ قليل أنه ممنوع التلامس بين النساء والرجال :
-حسنًا لنترك أمر الدراسة، انا أكبر منك وجب عليك إحترامي يا فتى فأنا المديرة المستقبلية وفي عمر والدتك
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍