الفصل 71 | من 83 فصل

في مدينة الإسكندرية الفصل الحادي وسبعون 71 - بقلم 𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍

المشاهدات
70
كلمة
7,318
PDF
تحميل الفصل
التقدم في الرواية 86%
حجم الخط: 18

صلوا على خاتم الأنبياء والمرسلين 💜

زفر بتعب وهو يلقي بحمله على فراش الكشف ولتوه قد خرج من عملية جراحية استغرقت معه أربع ساعات، ولكنه ليس حانقًا من الأمر بل سعيد بشدة لأنه استطاع إنقاذ ذلك الرجل من الموت الوشيك

كم يعشق مهنة الطب هذه منذ كان صغيرًا ووالده هو من جعله يعشقها حتى أنه كان يحب ألعاب الطبيب الصغير التي كانت تشتريها والدته له، وكانت تشتري ألعاب باربي لرقية وليونس مسدس بلاستيكي كان يزعج به الجميع وبكراته الخرزية

رفع قدميه على الفراش محدقًا في السقف متذكرًا الراحة التي ظهرت على وجوه أهل المريض حين قال لهم أنه قد نجى، حضرته ذكرى ليلة عقد قرانه هو وبراءة حين كانوا في ذلك المطعم Nile Valley في مدينة أسيوط الواسعة

وقد كانا يتناولان العشاء على طاولة واحدة وقد تركا حمزة ونور على راحتهما في طاولة أخرى لتقول براءة مختلقة حوار بينهما :

-قولي يا يوسف هو انا لو حصلي حاجة ودخلت العمليات انت اللي تعملي العملية؟!

وقد كانت إجابة يوسف هادئة زيادة عن اللزوم بكلمة واحدة خرجت منه :

-لأ

عقدت الأخرى حاجبيها بتعجب متسائلة :

-تسيب دكتور غريب يكشف عليا وانت موجود؟؟

-لو حصلك حاجة جوا انا مش هسامح نفسي علشان معرفتش أنقذك من الموت

-بس يا يوسف ده قدر لو مقدر ليا أموت حتى لو أشطر دكتور انتجته البشرية مش هيعرف ينقذني

رفع يوسف نظره لها نافيًا الفكرة تمامًا إذ قال :

-تقيلة أوي يا براءة لما يبقى حد بتحبيه ما بين الحياة والموت قدامك مضطرة تدخلي مشرط جواه علشان تعرفي تنقذيه، مش هتعرفي ولا هتعرفي من خوفك عليه وخوفك من شريط القلب ليوقف، سبق ودكتور عراقي تقريبًا، اتجنن بعد ما خرج من العمليات علشان فشل ينقذ والدته وماتت قدامه، انا عمري ما هعرف أعملها ولا ادخل اتفرج عليهم من بعيد حتى، ده شعور مش هتعرفي تجربيه ولا تحسي به، بس الدكاترة يفهموا الشعور ده

كانت تستمع له بتركيز طوال الحديث، ولكن مع آخر جملة له انقلبت ملامحها بضيق حقيقي وابتلعت غصة مريرة في حلقها ثم صمتت، وعندما لح عليها في معرفة سر البؤس الذي حل عليها قالت بإختصار :

-بلاش تفكرني وتنكد عليا في اليوم ده بعدين نتكلم فيه

لم يشأ الضغط عليها يومها حتى أنه نسى الأمر ولم يفتحه مرة أخرى معها، كان يوم يصنف من أفضل أيام حياته، لقد أحب براءة كثيرًا لم يحب كسلها وحتى الآن ينزعج منه ولكنه أحب شخصيتها التي تذكره كثيرًا بشخصية فتاة أحلامه

أحب كونها تحفظ القرآن، أحب احتشامها، أحب تركيزها في العمل رغم السُؤم الذي كان يظهر عليها، فقد كانت تؤدي العمل بإتقان رغم تكاسلها المستمر


اعتدل من على الفراش وجذب هاتفه من على ظهر المكتب وحمدًا لله زميله ليس هنا حتى يستطيع التحدث بأريحية

استمع لرنين الجرس وبعد المحاولة الثالثة ردت عليه بصوت ناعس خمول كما العادة :

-مش قولتلك متتصلش عليا يا ابن الحلال انا نايمة تلاتة الصبح

ابتسم يوسف وقد عاد كما كان محدقًا في السقف وهو يحادثها :

-لسه نايمة؟! الساعة بقيت ١٢ ونص الضهر

-ما بقولك نايمة الساعة تلاتة الصبح يا يوسف فلو سقطت شبكة منك متتصلش تاني

-ايه أخبار ليلة الحناء، ليه مبعتيش رسمة ايديكي زي ما وعدتيني

-علشان مكنتش لسه غسلتها ثواني متقفلش

استقامت من على الفراش بكسل ثم فتحت الشرفة حتى يتسلل ضوء النهار وتكون الإضاءة جيدة، فتحت كاميرا هاتفها ثم صورت كفيها المرسومين بالحناء الحمراء رسمات إحترافية فقد أصرت على أن يستأجروا امرأة بارعة في الرسم

أرسلت له الصورة ثم قالت :

-بعتلك الصورة يا يوسف

-طب ما نتكلم فيديو أحسن

-لا يا عم شكلي مش حلو شبه الغولة ولسه صاحية وكل شعرة في إتجاه

ضحك الآخر بصخب على العفوية التي يكتشفها بها منذ أن عقدا القرآن، فهو يكتشف شخصيتها التي كانت تخبئها عنه أسفل احتشامها وبرودها أحيانًا

فتح الصورة التي أرسلتها له ولا يزال الإتصال مستمرًا بينهما فقال بإعجاب شعرت به مبالغ به :

-تحفة بجد، دي خيالية مكنتش اتوقع تطلع حلوة كده

-هو انت بتطبل ولا بتقول رأيك بجد؟ حساك بتأفور مش عارفة ليه؟!

-بتكلم بجد وطبعًا اخدتي كتير علشان تختاري الرسمة دي عارفك مترددة

-ساعة كاملة أختار حرفيًا البنات كلهم عملوا وانا آخر واحدة تعمل بعد تردد فظيع

ابتسم يوسف بسمة محبة ثم قال :

-يومين وتنوري بيتي يا براءة وتطلي بقى بالأبيض، طلبت من منسق الأغاني يشغل الأغنية دي وقت دخولك زي ما طلبتي

-تمام

تعجب النبرة التي تحدثت بها فقال متسائلًا :

-مالك يا براءة حماسك اختفى مرة واحدة كده ليه؟! اوعي تكوني لسه شاكة في الألوان اللي اخترناها للشقة، والله عملتها زي ما انتي عايزة بس والدتك هى اللي رفضت ابعتلك فيديو وقالت خليها تشوفها بنفسها يوم الفرح

-لأ مش على كده

-أومال مالك؟؟

ترددت براءة في الإفصاح عما يشغل بالها منذ أكثر من أسبوعين ولكن تعب عقلها من كثرة التفكير في هوية الذي فعل لها سحرًا، وقد حذرتها والدتها في التحدث في الأمر مع يوسف ولكن لم تعد تتحمل الكتمان أكثر من هذا :


-يوسف أقولك حاجة بس أحلف الموضوع ميطلعش بينا إحنا الاتنين

اعتدل الآخر بسرعة من مكانه بتركيز شديد لما ستقوله :

-مالك يا حبيبتي انتي كويسة؟؟

تنهدت براءة بثقل هم أثقل كاهلها وجعلها مشوشة لعدة أيام حتى نومها لم تكن تتهنى به :

-سمية لسه قاعدة في المستشفى يا يوسف

-سمية؟؟ ليه بتسألي عن سمية؟!

-رد عليا الأول

-مش عارف بصراحة بقالي فترة مش بشوفها بس مسألتش عنها، ليه سمية جات على بالك يا براءة!؟

تساءل بها متوجسًا لما ستقول وها هى تفجر قنبلتها قائلة :

-يوسف انا اتعملي سحر علشان أبعد عنك في الفترة اللي كنت فيها في الصعيد، وكنت تعبانة قوي وبشوفك في كوابيس كأنك شيطان ولما عملنا تحاليل كتب الكتاب وتعبت قوي ده علشان مكنتش طايقة إيدك عليا ولا قادرة أبصلك، مش عارف اشرحلك بس حرفيًا كنت تعبانة قوي يا يوسف لدرجة أغمى عليا خمس مرات قبل كده

تنفس الآخر بصوت مسموع وقد أخفض الهاتف قليلًا من على أذنه وتغيرت ملامحه للذهول والدهشة، الآن فقط فهم سبب حالتها الغريبة والتعب المفاجئ قبل عقد القران ويوم إجراء الفحوصات

رفع الهاتف مرة أخرى ثم قال بجدية شديدة :

-انتي ليه مقولتيش يا براءة؟! خبيتي ليه؟؟

لم ترد أن تخبره أن والديها هما من منعاها لذا غيرت سؤاله بإجابه أخرى :

-بقالي كتير بفكر مين عمل كده وافتكرت سمية اللي مكنتش طايقاني لما عرفت إنك خطبتني، وفاكرة الكلام اللي قولته عنها فحاسة إنها هى

-اقفلي يا براءة

-نعم؟؟!

نطقت بها بإندهاش شديد فقال يوسف بجدية مخيفة وهو يخرج من باب المكتب :

-اقفلي انا هروحلها دلوقتي وحسابنا بعدين على إنك خبيتي عني حاجة زي دي الوقت ده كله، كنتي ناوية تقولي يوم الصباحية ولا ايه!؟

-يا يوسف

قاطعها الآخر لا يود سماع أعذار الآن فليجد حل للمشكلة ولاحقًا يتعاتبا :

-انا هقفل علشان قربت أوصل سلام

تركها هى من تغلق من باب أخلاقه ثم وضع الهاتف داخل جيب معطفه حين تأكد من أنها أنهت الإتصال، ثم تحرك بخطوات واسعة ووجهته هى إستراحة الممرضات

طرق الباب عدة مرات ثم وقف ينتظر أحداهن تفتح وبعد دقيقة فتحت له إحدى الممرضات هاتفة بتفاجأ :

-نعم يا دكتور يوسف في حاجة؟؟

-هى سمية موجودة؟

-سمية مين يا دكتور؟!


-سمية بركات اللي شغلها في المشرحة مالك يا نجلاء

-انا اللي مالي يا دكتور؟! هو انت متعرفش إن سمية ماتت بقالها شهرين وحاجة

المفاجأة والذهول والصدمة هو ما كان يشعر به يوسف الآن، فمتى وكيف ماتت سمية وهو لم يكن يعلم :

-ماتت أمتى وازاي؟؟!

-ده انت شكلك متعرفش بجد، ماتت من تلات شهور أو أقل وانا البنات كلنا روحنا اخدنا العزاء من أمها، الست يا عيني قلبها متقطع على بنتها

-هى ماتت ازاي؟

خرجت له المدعوة نجلاء ولم تبخل عليه بمعلومة وأخذت تسرد له كل ما تعرفه بثرثرة النساء المعروفة :

-بيقولوا سكتة قلبية صحيوا لقيوها طابة ساكتة بس اختها وأمها قالوا حاجة غريبة كده ان سمية قبل ما تموت يعني كانت غريبة اوي بتتكلم مع نفسها وأصوات تطلع أوضتها واللهم احفظنا يعني كانت بتعمل سحر في أوضتها، شكل البت دي فعلًا بتعمل أعمال بس استفادة ايه يعني من أذية الناس أهي راحت للـ خلقها وهو هيحاسبها على كل بني آدم عملتله أذى، يلا ميجوزش عليها إلا الرحمة ولو إن حتى الرحمة خسارة فيها

شرد يوسف بشكل كبير متمتمًا بينه وبين نفسه :

-ماتت من تلات شهور ازاي وبراءة تعبت من أسبوعين بس؟؟ يبقى مش هى اللي عملته

مَن الذي سَحَر زوجته إذًا؟؟

عارفة إن سبق ونزلت في ترويجات إن براءة هيتعملها سحر من زميلة ليها، والسحر هيبقى في جثة بس انا هغير شوية علشان هنقلكم قصة حقيقية منقولة من على لسان واحدة أعرفها اتعملها سحر علشان يفرقها عن جوزها وفضلت تعاني من الموضوع وانا هنقلكم القصة بكل حاجة فيها بفرق الأسماء وبعض الأحداث الطفيفة

السحر حقيقة وموجود وناس بتأذي غيرها به ودور براءة ويوسف هيتمثل في قصة حقيقة انا شوفتها وسمعتها عن أذية الغير بالسحر، وكده إضافة لغز جديد للرواية علشان الحماس

مين اللي عمل السحر لبراءة؟؟

~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~

توقف زوجها بسيارته أمام المشفى فلم تنتظر أن يركن السيارة وهبطت منها ثم ولجت إلى الداخل بخطوات غاضبة تعبر الإستقبال والممرات، متجهة مباشرةً إلى غرفة جدته حتى تشتكيه

طرقت الباب ثم دلفت إلى هذه الغرفة التي تجمع ثلاث سيدات كبار في السن منهن ونس التي ساءت صحتها في اليومين الماضيين ممل جعل طبيبها يحتجزها في المشفى حتى تتحسن صحتها قليلًا

وقعت أنظارها عليها فحاولت رسم بسمة تخفي به ضيقها :

-صباح الخير يا تيتة

نظرت ونس للقادمة لتجدها هاجر بعد أن اقتربت منها واتضح لها وجهها فقالت ببسمة مرهقة :

-صباح النور يا لوزة.... مش هو بيقولك كده


لم تستطع إخفاء انقلاب وجهها وانعقاد حاجبيها فور أن ذكرت زوجها فقالت ونس بتنهيدة ضجرة :

-أول مرة أجيب سيرة سفيان قدامك وتضايقي عملك ايه ابن فياض ده

صمتت هاجر مترددة في الإفصاح عن أسرارها هى وسفيان فقالت ونس بخبرة حياتية :

-بصي انا المفروض أقولك اللي بينك وبين جوزك ميطلعش برا، بس انا عارفة إنك مش بتستحملي الكبت وملكيش غيري تفضفضي معاه فها قولي

-هو علشان عارف إن مليش غيره ومعنديش حد اروحله بيدوس عليا!؟

زوت ونس ما بين حاجبيها وقد ضاق صدرها لنبرة هاجر المتحشرجة وكأنها على وشك البكاء :

-هو مد ايده عليكي؟؟ سفيان ميعملهاش دي فرحة كانت منكدة عليه وعلى اللي جابوه وعمره ما مد ايده عليها

نفت الأخرى برأسها فأشارت ونس إلى موضع قدميها على الفراش قائلة :

-تعالي اقعدي وقولي عمل ايه

جلست هاجر كما طلبت ثم قالت :

-عارفة إن فرح أخُ رقية كمان يومين وانا روحت معاها واشترينا فساتين جديدة، لما رجعت البيت حلف ما انا لابسة الفستان اللي جبته

قلبت ونس عينيها بضيق تدرك أن غيرة سفيان ستسبب له الكثير من المشاكل مع زوجته كما كان والده سابقًا :

-وبعدين الفستان معجبوش

-هو بصراحة طلع ضيق حبتين روحت معاه نغيره مع إني كنت تعبانة من اللف مع رقية، جربت خمس فساتين ومش عاجبه ولا واحد، وهو عارف إن تخنانة بسبب الحمل أجيب منين فستان يجي على هواه

-وبعدين يا اختي

-تعبت وجبت آخري قولتله يختار واحد ومش هجرب تاني راح قالي روحي باللي انتي لابساه وانا كنت لابسة إدناء أسود في أزرق مش كفاية مش بطلع غير بإدناءات وواسع بس، اعمل ايه تاني خنقني حتى الألوان الفاتحة في البس بقيت تضايقه، في مرة كنت لابسة أبيض في يوم وواحد عاكسني وقالي يا أبيض يا عِرسي حرم عليا اللون الأبيض والألوان الفاتحة كلها، بس الألوان الغامقة يا تيتة بتمتص الشمس والجو نار، انا بولع وانا مش ماشية في الشارع انا تعبت بجد

هزت ونس رأسها يمينًا ويسارًا تشعر أنها تستمع لابنتها المرحومة وهى تشتكي غيرة زوجها المفرطة، وقد ورث سفيان هذا الطبع الناري منه وها هو يخنق الفتاة ويعلم أن لا أحد لها حتى تشتكي :

-هو فين دلوقتي!؟

-سيبته يركن العربية وتلاقيه دلوقتي بيتكلم مع الدكتور بتاعك

نطقت بها هاجر بصوت مختنق ثم أضافت :

-انا اتخانقت معاه إمبارح وكنت عايزة اجيلك بس الزيارة كانت ممنوعة فجيت دلوقتي


جذبت ونس رأسها وضمتها إلى صدرها بحنو ثم قالت :

-بس يا حبيبتي انتي علشان حامل، انا هربيه الكلب ابن فياض إلهي يولع في قبره ولا بلاش لأحسن ناخد ذنوب ما انا شوية وهروحله

ضحكت هاجر وسط همها الكبير هذا فلم يسبق لها أن غار عليها أحد بهذه الطريقة، ليس لديها أشقاء، ووالدها كان متفهمًا حنونًا لا يخنقها، وحاتم لم يكن يبالي حتى إن خلعت الحجاب ما كان ليسأل لما ولكن سفيان؟؟

وآه من سفيان، لديه طبع الغيرة والتملك يغار من أي ذكر ينظر إليها، في البداية الأمر كان يروق لها، سعادة البدايات كما يقولون، ولكن خرج الأمر عن سيطرته كدائرة هى في منتصفها وأصبحت تضيق وتضيق عليها حتى باتت تريد الفرار منها

تنهدت بضيق شديد هامسة لونس التي لا تزال تضمها بين ذراعيها :

-اتكلمي معاه يا تيتة هو بيسمع منك، انا أصلًا معنديش غيرك اشتكيله

-متقوليش كده انا هغسله بس يجي، ومتقوليش مليش حد دي لما أموت انا تعالي على قبري وانا هعفرته في أحلامه

ضحكت هاجر بصخب هذه المرة وقد دعت لـ ونس بالعمر الطويل ثم ساعدتها على المشي قليلًا في المشفى فقد طلب منها الطبيب أن تسير ولو لنصف ساعة كل صباح، خرجا إلى الحديقة وقد كانت الشمس ساخنة فساعدتها على الجلوس أسفل ظل شجرة ثم جلست معها

ارتفع رنين هاتف هاجر برقم سفيان فقالت ونس وهى تمد يدها حتى تأخذ الهاتف :

-لو سفيان هاتيه

لم تجادل وأعطتها الهاتف ليأتيها صوت حفيدها المتسائل :

-انتوا فين يا هاجر؟؟ سألت الست اللي على السرير اللي جنبكم قالت إنكم خرجتوا

-إحنا في الجنينة قاعدين تحت شجرة تعالى يا سفيان

لم يمر الكثير ووجدته يقترب منهما بخطوات متعجلة لينظر إلى زوجته لبرهة ثم اقترب من جدته وقبَّل جبينها قائلًا بهدوء :

-أخبارك ايه النهاردة يا ونس

نظرت له الأخرى قليلًا ثم قالت موجهة حديثها لهاجر :

-روحي يا هاجر اشتري إزازة مياه من الكانتين اللي هناك ده

نظر سفيان نحو المتجر الصغير الذي يشبه السوبر ماركت والذي يعود إلى المشفى يبيع كل شئ يخطر على البال، وهو الآن مزدحم بشدة نظرًا لكونهم في التاسعة صباحًا، عاد بنظره إلى زوجته التي وقفت بالفعل حتى تشتري زجاجة ماء فقال هو يمنعها من التحرك :

-خليكي هاروح أجيب انا

-لأ تجيب هى اتحركي يلا

هتفت بها ونس بصرامة فتحركت هاجر بطاعة تشتري الماء بينما جلس سفيان إلى جانب جدته هاتفًا بجدية :


-اشتكتلك صح

-هو عندها غيري يعني، بس السؤال هنا لما أموت انا تشتكي لمين اليتيمة دي، خلي بالك يا سفيان انت ليها الزوج والأب والأم والأخ خليك حنين عليها دي يتيمة

عقد الآخر حاجبيه وكأنها تتهمه بإتهام شنيع إذ هتف مستنكرًا :

-يعني انا قاسي عليها يا جدتي؟!

-لأ يا سفيان عارفة إن حنية الدنيا كلها فيك على القريبين منك، بس عندك طبع وحش يا سفيان وهو غيرتك وتحكمك، أبوك زمان من غيرته على أمك قالها متطلعيش تاني من غيري رجلي على رجلك، ومتطلعيش غير بالألوان الغامقة، أمك اتخنقت واتضايقت لما ضيقها عليها أوي، وأغلب خناقتهم كانت بسبب غيرته، مبقولش متغيرش عليها علشان الراجل اللي مش بيغير على أهل بيته ميبقاش راجل، بس يا ابني بالعقل مرة معلش عديها ومرة قولها غيري، متفضلش تخنقها بغيرتك لحد ما تخنقها منك وتهج، وانت عارف ملهاش حد علشان تروحله فأنت كده بتقهرها

تنهد سفيان مطرقعًا أصابعه فصمتت ونس وهى تعلم أنه يفكر في الأمر ثم قالت :

-سيبها تجيب اللي عايزاه يا سفيان إياك تخلي مراتك تحس إنه مش من حقها تلبس زي باقي الستات

-تلبس اللي عايزاه في البيت يا جدتي أما برا...

صاحت الأخرى به بعصبية لأنه لا يزال يجادل :

-يعني هى برا طالعة ببدلة رقص ما البت لابسة خمار أهو وساترة نفسها وراء وقدام وفوق وتحت، أحسن من غيرها بكتير، عايز ايه تاني يا سفـــيـان

قلب الآخر عينيه وهو يدري أن لا فائدة به هو شخصيًا، نظر نحو المكان الذي تقف به زوجته في إنتظار دورها من أجل شراء زجاجة الماء ليعقد حاجبيه بتركيز يرى أن هناك رجل عينيه عليها بل يكاد يأكلها بعينيه

انتفض من مكانه بعصبية فلهذا السبب يغار على هاجر بجنون، من أجل هؤلاء حثالة المجتمع :

-دقيقة وجاي يا جدتي

تحرك نحوها بخطوات واسعة وقد أراد فقع عيني ذلك الوغد ولكن لم يرد أن يسئ الوضع أكثر مع هاجر لذا أكتفى بأن وقف خلفها تمامًا وخفى جسدها عن الأنظار ثم قال بصوت جهوري :

-إزازة مياه هنا لو سمحت

استدرات هاجر وقد تعجبت وجوده خلفها ولكن نظره نحو أحد الرجال بهذه النظرات الحارقة جعلتها تدرك الموقف، حسنًا هذه هى الغيرة المحببة لقلبها ولكن ليس لدرجة التحكمات المتملكة في ملابسها والألوان وخروجها دخولها، هذا كثير

تنهدت بهدوء بعد أن أخذت الماء ثم قالت له بإختصار :

-يلا

جذب يدها خلفه لتجده يسير في إتجاه غير الذي يوصل لجدته فعلمت أنه يريد التحدث معها خاصةً أنه لم يتحدث معها البارحة بعد شجارها معه فهى قد تركته ضائقة ونامت ولم تسمح له بالتحدث معها مرة أخرى


توقف سفيان في مكان يستطيع به أن يرى جدته في حال حدث لها شئ، نظر نحو زوجته ذات الوجه الأبيض الممتلئ والأعين البنية الحزينة التي يلتمع بهما نظرة العتاب الذيذ

أحاط إحدى وجنتيها يتلمس نعومتها أسفل أصابعه الخشنة ثم قال :

-زعلانة يا لوزة؟!

-انت شايف ايه

ابتسم رامقًا أعينها البنية بأخرى غامقة محبة :

-ونس غسلتني

-تستاهل ياريت يجيب نتيجة

-مش هيجيب انا عارف نفسي

نطق بها بشرود وعينيه شاردة في ملامحها يدرك أنه لن يستطيع تغير طباعه فطبع الغيرة والتملك به منذ أن كان طفلًا، حتى أنه كان يغار على ألعابه وهذا الأمر وراثيًا من والده الذي يتذكر أن أكثر مشاجارته مع والدته كانت بسبب غيرته الشديدة كما ذكرت جدته

وما إن سمعت هاجر منه هذا الرد حتى اخفضت يده عن وجهها ثم هتفت بضيق :

-يبقى الكلام مش هينفع ولا له فايدة

امسك بذراعيها ما إن وجدها تهم بالذهاب ثم قال :

-اي راجل هيغير على مراته يا هاجر، ما هو لسه من دقيقتين واحد واطي كان هياكلك بعينيه

-دي اتقلبها منك يا سفيان علشان دي غيرة راجل على عرضه، اتقبل منك تقولي متلبسيش ضيق علشان دي برضو غيرة راجل على عرضه، بس مش لدرجة تحرم عليا ألبس ألوان زي باقي الناس يا سفيان، في عز الحر والصيف مانع افتح شبابيك شقة جدتك وانا بكون ميتة من الحر من جوا بس أقول ده جوزي مينفعش أكسر كلمته وهو غيران عليا من عيون الرجالة، بس انت غيرتك بتزيد مش بتقل كأنك حابسني جوا دايرة وكل شوية بتضيقها عليا أكتر وأكتر

ود لو يعانقها حتى يجعلها تهدأ ولكن ليس هكذا أمام الناس، لذا أكتفى بأن أمسك بيديها الناعمتين بين كفيه ثم قال بحنو :

-حقك عليا مش بإيدي بس هحاول أقللها، وخلاص إلبسي الفستان اللي انتي عايزاه بس مش الأول الضيق خالص ده، شوفي غيره

ارتفع خدها ببسمة صغيرة ثم قالت :

-فاكر يا سفيان ليلة كتب كتابنا لما دخلت بيتك قولتلك ايه؟! قولتلك انا هعتبرك سندي وابويا وأخويا وكل اللي ليا فمتجيش عليا وتقهرني زي ما الدنيا والناس قهروني، والله استحملت كتير يا سفيان وربك لوحده عالم انا عديت بإيه، تعبت ومعنديش طاقة غير أعيش حياة هادية وأخلف عيال كتير علشان محسش نفسي يتيمة، بالله عليك بلاش نكد وبلاش مشاكل وخناق انا بحاول اتلاشى فحاول معايا

ورمقها بمزاح ثم أجاب :

-انا أصلًا مش بحب النكد ولا الخناق يا لوزة وفاضل أقل من أسبوع في أجازتي، نقضيها نكد بقى ولا ايه؟!


مسحت طرف عينها من بعض الدموع العالقة ثم قالت ببسمة جميلة مقررة قلب الصفحة والبدئ من جديد :

-ماشي خلاص كده الموضوع خلص

تدرك أن العلاقة الزوجية كحبل متين أحدهما يسحب والآخر يرخي ولا يوجد زوجين لا يتشاجرا ولكن الأعقل هو من يتلاشى ويصبر وهو من يتحكم في أعصابه حتى لا تنهار العلاقة، فإن شد كلاهما الحبل بالشجار كل يوم سينقطع الحبل وإن تركه كلاهما إنهار المنزل...

~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~

مد رأسه للداخل قليلًا ينظر إلى داخل المكتب الصغير الذي شرح له والده إتجاهاته وقال له أن تلك الشقراء المدعوة سارة تنتظره هناك من أجل درس تعليم اللغة العربية

حتى الآن لا يدري لما رجل في مكانة الدكتور فؤاد يختاره هو خريج الصيدلية من أجل تعليم ابنته لغة بلدها، لما لم يحضر لها أحد مختص؟؟ لما هو بالذات من أختاره وهو قد تعرف عليه للتو

رمش بأهدابه عدة مرات ينظر إلى تلك الحسناء جالسة على اريكة مخملية في أحد أركان الغرفة، تضع كفها أسفل ذقنها وخصلاتها القصيرة تهبط على وجهها من كلتا الجهتين تغطي وجهها تمامًا

وأمامها تقبع طاولة زجاجية وُضع عليها كتاب لغة عربية خاص بالأطفال ونظارتها السوداء وهاتف حديث من نوع آيفون ذو التفاحة المقطومة

طرق الباب متنحنحًا بصوت رجولي فانتبهت الأخرى لقدومه وأستقامت من مكانها قائلة بلكنة إنجليزية متقنة :

-You are Karim, son of Dr. Othman? - انت كريم ابن الدكتور عثمان؟؟

آماء لها كريم بإيجاب وقد اقترب قليلًا عندما وجدها تمد يدها لمصافحته قائلة :

-Hi, I'm Sara, Dr. Foaad daughter. You must know him, right? - مرحبًا انا سارة ابنة الدكتور فؤاد بالتأكيد تعلمه أليس كذلك؟؟

ومرة أخرى آماء دون إضافة كلمة مصافحًا كفها حتى لا يحرجها ثم نظر إلى عينيها التي كان يبزر لونهما الفاتح من ضوء الشمس المنبعث من اللوح الزجاجي الضخم الملتصق في نصف الحائط

كانت عينيها تشبه كثيرًا أعين تلك الممثلة المدعوة يارا السكري إذ كانت زرقاء فاتحة أو تجمع بين اللونين الأزرق والرمادي، كان كل شئ في هذه الفتاة يوحي بأنها ليست مصرية أبدًا، هيئتها ولغتها، كل شئ

جذبت سارة كفها الناعم منه ثم أشارت له بالجلوس على الاريكة بجانبها هاتفة بنبرة حزينة لتوه لاحظ أنها تتحدث بها منذ أن ولج :

-Please take a seat until we begin - تفضل بالجلوس حتى نبدأ

لم يجلس بجانبها وإنما جلس على المقعد المجاور للأريكة قائلًا بالعربية :

-لا شكرًا هقعد هنا

لم تعترض وجلست مكانها دافعة نحوه كتاب الأطفال الذي احضرته سكرتيرة والدها حتى تتعلم اللغة التي لطالما رفضت تعلمها، ألا وهى لغة بلد والدها


نظر لها كريم بجدية وإحترام فهى ابنة صاحب الشركة والتي ستكون هى خليفته عما قريب :

-تحبي نبدأ بإيه

-as you like - كما تحب

نطقت بها بعدم إهتمام فتعجب كريم أنها فهمت ما قاله بالعربية فقال :

-You understood what I said, do you understand Arabic?! - لقد فهمتي ما قلت، هل تفهمين العربية!؟

حركت رأسها يمينًا ويسارا ثم هتفت بعربية ركيكة
-شُوي..... شوية My father spoke to me a lot in it so that I would understand it, but I insisted that he speak to me in my language - أبي كان يتحدث معي كثيرًا بها حتى أفهمها ولكني كنت أصر علي ان يتحدث معي بلغتي

-I understand German Too - أنا أيضًا أفهمها الألمانية

ابتسم بمزاح ثم أضاف بالألمانية :

-Willkommen in Ägypten - مرحبًا بكِ في مصر

ابتسمت سارة بسمة حزينة ثم رفعت خصلاتها بأناملها وصمتت فتعجب كريم حزنها هذا ولكن رجح أن السبب هو رفضها للبقاء في مصر وأنها تود العودة لألمانية كما قالت، جذب كريم الكتاب ثم قلب قليلًا في صفحاته حيث وجد الحروف وبعض الكلمات السهلة المهمة

أعطى الكتاب لها ثم قال :

-Can you pronounce the letters? - هل تستطيعين نطق الحروف؟؟

-Not all - ليس جميعها

-طب يلا قولي معايا.... ألف

نطق بها مشيرًا إلى حرف الألف فرمقته سارة لفترة وجيزة ثم قالت وكأنها طفلة تتعلم الكلام حديثًا :

-ألِف

كسرت اللام كثيرًا فضحك كريم بصخب قائلًا :

-تلفي فين؟! Don't break the "L" sound too much, pronounce the word quickly - لا تكسري حرف اللام كثيرًا، انطقي الكلمة بسرعة

ضحك قليلًا ثم استرسل ساخرًا لنفسه :

-معلمتش رحمة الحروف وهى عيلة ولا لؤي ابن اختي هعلم مديرتي المستقبلية

~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~

توقف بسيارته على قرابة التاسعة والنصف مساءً أمام أحد مطاعم ميامي والذي يفضل الشباب الجلوس به رغم بُعده قليلًا عن بنايتهم، ركن السيارة ثم هبط منها واضعًا المفاتيح في جيبه ثم دلف للمطعم حيث يقيم شباب العائلة حفل توديع العزوبية ليوسف الذي سيكون زفافه بعد غد

ولج للمطعم باحثًا عنهم ومن صوت كريم المرتفع هو وابن عمتهم أمير استطيع تحديد مكانهم، اتجه إليهم بخطىٰ ثابتة ثم قال بصوت رجولي مرتفع :

-مفيش كرسي زيادة معاكم يا شباب؟؟

إلتفت له الشباب ليستقيم يوسف بسرعة مرحِبًا بشقيقه الذي لم يراه منذ قرابة العشر أيام إلا مرة او مرتين بسبب انشغال يونس في قضية شديدة الأهمية


كان ترحيب يوسف لكمة قوية معاتبة على ظهره ثم قال :

-عارف لو مكنتش جيت واتاخرت لحد يوم الفرح مكنش هعدهالك

ضحك الآخر وبادله هذا العناق العنيف قائلًا :

-الشغل مش بيرحم حد يا يوسف ١٣ يوم طحن وعضمي كله واجعني

استقام البقية مرحبين بيونس فهو مختفي بالفعل منذ فترة كبيرة إذ قال حمزة بطريقة درامية مضحكة :

-انت طلعت عايش؟! كنت فاكرك مُت يا راجل ومش لاقين جتتك علشان كده محدش بلغنا بالخبر

ترحيب إستفزازي متوقع من حمزة ولكنه في حالة لا تسمح له بالمجادلة لذا ربت على صدره هاتفًا بطريقة تحذيرية :

-كُل عيش يا حمزة فرحك قرب

صافح ياسر كذلك الذي أندهش لوجوده معهم فقال :

-وانت كمان هنا يا ياسر افتكرتك في الصعيد

ابتسم له الآخر ابتسامة هادئة ثم أجاب :

-أجازتي خلصت وشغلي هنا ومش بخرج كتير بالصراحة برا منطقة العمل ويوسف وحمزة قالولي آجي أسهر معاكم فقولتلهم ماشي

أمسك يونس بذراعه هاتفًا بطريقة كوميدية :

-طالما هتتلم على الشلة دي هتفسدك وانت شكلك محترم وابن ناس فسيبك من حمزة وخليك في يوسف هو من نفس فصيلتك

-ملكش دخل بعديلي يا يونس خليك في عديلك وأخوك اللي قاعد ده

نطق بها حمزة بتحذير زائف فجذب يونس مقعد وجلس بجانب أخاه موجهًا حديثه لياسر :

-طالما ده هيبقى عديلك مبروك عليك الفساد يا ياسر..... ها يا شباب آخر الأخبار ايه؟؟

أشار كريم نحو يوسف ثم قال :

-فرح اخوك بعد بكرة لتكون المعلومة دي لسه موصلتش ليك

-لأ دي عارفها غيره

-انت مين قالك إننا هنا؟؟

مط يونس شفتيه ثم أجاب :

-القضية اللي كنت ماسكها لسه خلصانة روحت البيت سألك عنكم وماما قالت إنكم هتسهروا النهاردة فقولت أكيد انتوا في المطعم ده

ابتسم له بطريقة متفاخرة ثم استرسل وهو يعود بظهره للخلف :

-عندي خبر حلو بعد كده لما تكلموني حددوا معاد قبلها بيوم علشان انا دلوقتي بقيت رائد

صاحوا الشباب متحمسين لهذا الخبر الذي يضُم ترقية يونس فقال إسماعيل بهدوء بعد أن سكن الصياح قليلًا :

-طالما فيها ترقية يبقى انت كنت ماسك قضية كبيرة

-آه والله كبيرة خدت مني مجهود ١٣ يوم متواصلين مكنتش بنام غير أربع خمس ساعات وأطبق يومين تلاتة، حتى التليفون مكنتش بمسكه أطمن حد عليا


وافقه حمزة هذا قائلًا :

-فعلًا أسبوعين اسمك مظهرش على تليفوني

-يا عم انا مكنتش فاضي أكلم أمي وخطيبتي علشان أكلمك انت

عقد حاجبيه فور أن قال هذا متذكرًا شروق التي لم يسمع صوتها ولم تسمع صوته منذ عشرة أيام كاملة، فرك وجهه متمتمًا بضيق :

-طبعًا الجماعة كلهم جايين بكرة وهتقابلني بوش نكد

سمعه يوسف فقال محاولًا التخفيف عنه :

-ماما قالتلها إنك مشغول في قضية لدرجة مش بنشوفك ولا تقدر تكلمنا، أكيد هى هتراعي ده بس انت حاول تقابلها بوش حلو

-والله على حسب وشها هى اللي هتقابلني به

قلب يوسف عينيه بضجر من علاقة هذان الاثنان، إن براءة محقة إن الإثنين عبارة عن نار ووقود فعسى ألا يحرقان بعضهما غدًا

نظر نحو ياسر ثم هتف متسائلًا :

-هما ركبوا القطر ولا لسه

-لسه في المحطة والقطر موصلش، مفيش قطر بيوصل أبدًا على معاده

تحدث يونس محدقًا في أجواء المطعم الصاخبة من حوله :

-طلبته عشاء ولا لسه

وأجاب أحمد ابن عمته :

-طلبنا وأكلنا ومستنيين حاجة ساقعة تنزل وعلفكرة الحساب لسه مدفعش وبما إنك بقيت رائد واترقيت ومرتبك هيزيد يبقى عليك الدفع يا باشا

-ده عند أمك توحيد.... متخلينش اغلط في عمتي بقى علشان غالية عليا، صحيح هى عاملة ايه؟؟

-كويسة لسه فضحانا في العمارة فاكرة رحاب سرقت دهبها اللي إحنا مش عارفين هى مخبياه فين وهى نفسها مش فاكرة

كانت جلستهم شبابية ممتعة نادرًا ما كانوا يتجمعون بها بسبب إنشغال الجميع في مشاغل الحياة وقد ظلت جلستهم ممتدة للساعة الحادية عشر حين تفاجأ جميعهم بـلؤي الصغير ابن إسماعيل يدلف إلى المطعم وهو ينادي على والده

دُهش إسماعيل من وجوده هنا فأستقام هو وحمزة وكريم قائلًا :

-لؤي بتعمل ايه هنا ومين جابك؟؟!

أشار الآخر نحو الخارج قائلًا :

-ماما وخالتو شافوا عربية خالو حمزة فعايزين يوصلهم البيت علشان معاهم شنط كتير

خرج إسماعيل من المطعم حتى يراهم بينما قال حمزة بتعجب وهو يلحق بكريم وإسماعيل :

-وهما أمك وخالتك لسه بيشتروا هدوم لحد دلوقتي ليه ده إحنا بقينا نص الليل

خرج ليجد إسماعيل يتحدث مع غادة وعلى الأرجح يعنفها على تأخرها لهذه الساعة وبدا هذا من وجه غادة المقلوب فقال هو حتى يحل الأمر ولا يتشاجرا في الشارع وبالطبع ستكون غادة من تبدأ الشجار :


-خلاص يا إسماعيل هرجعهم انا بعربيتي وهارجع تاني خليك انت مع الشباب

تقدم نحو شقيقتيه ثم نظر إلى كم الحقائب التي يحملونها ثم قال :

-انتوا بتشتروا هدوم جديدة ولا بتجهزوا عروسة؟! اطلعوا قدامي يلا

تقدم الاثنتين دون جدال وصعدا إلى السيارة لتعد غادة الحقائب تتفقد إن كان هناك حقيبة ناقصة أم لا أثناء تحرك حمزة بالسيارة حتى يمر من تقاطع الطريق فقالت رحمة بسرعة وجعلت شقيقها يركن على جانب الطريق على بعد صغير من المطعم :

-حمزة حمزة استنى معلش أشتري حاجة حلوة أكلها النهاردة بالليل وانا بتفرج على المسلسل

نظر لها الآخر في المرآة قائلًا :

-مش كفاية اللي اشتروه ده يا رحمة ثم مسلسل ايه وابوكي شال الراوتر

-وانا غبية يعني مش عارفة إنه هيعملها زي ما عملها الأجازة اللي فاتت، انا نزلت تلات مسلسلات وسبع أفلام لحد ما أبوك يرجع الراوتر تاني أكون خلصتهم

هبطت من السيارة ثم وقفت أمام نافذته هو وقد مدت له يدها فقال حمزة ببسمة متهكمة :

-ربنا يسهلك يا حلوة بطلوا تسول بقى مليتوا البلد

فعّلت رحمة وضعية الترجي إذ رسمت على وجهها ملامح جرو لطيف قائلة بصوت ناعم كأنثى اليربوع :

-بليز يا حمزة مش انا أختك

-مين قال انا وحيد أبويا وأمي

قلبت غادة عينيها بضجر قائلة :

-يلا اديها يا حمزة ما انت على قلبك قد كده

-خليكي في حالك يا أم لؤي ثم انا عريس بجهز نفسي كفاية قر بقى

اشتعلت ملامح أخرى وتوقفت أذنيها عند الكلمة الأولى فصاحت بغيظ قائلة :

-حمزة متقوليش يا أم لؤي اللي عاملها لقب عليا اليومين دول، قولي يا غادة بلاش سوقية بقى

أشار حمزة نحو لؤي الذي يجلس في الصدر بجانبه ثم قال :

-وابنك ده اتبريتي منه ولا ايه؟!

وضعت رحمة كلتا يديها في خصرها هاتفة بضيق :

-هو انتوا هتمسكوا في بعض وتسيبوني انا، اخلص يا حمزة مش انت أخويا ومسؤول عني هات فلوس

-ده لما يكون أبوكي توفاه الله ابقى انا مسؤول عنك غير كده انا وانتي مسؤولين منه هو، القانون بيقول كده

رفعت إحدى حاجبيها بتذمر قائلة :

-يعني انت مش هتجيب فلوس؟!

-لأ

-خلاص أولع انا هاروح آخد من كريم وعلفكرة هو معاه حق انت من وقت خطبت وانت نسيتنا خالص، متخليش أسرتك الصغيرة تنسيك عيلتك الكبيرة يا حمزة

وألقت له هذه الكلمات الدرامية ثم تحركت نحو المطعم فخرج حمزة من السيارة وتبعها قبل أن تمر الطريق مقهقهًا بقوة :

-خلاص خلاص تعالي متبقيش قفوشة زي أختك

كان حمزة ممسكًا بذراع شقيقته يجذبها للخلف ثم وقف أمام السيارة يفتح محفظته حتى يعطيها ما تريد، متطمئًا أن السيارات قليلة رغم أنهم على الطريق السريع

ولكن يأتي القدر دون حسبان من أحد يصطدمك بواقعه ولا خيار لك غير تقبله بحلوه ومُره، إذ أتت دراجة نارية مسرعة صاحبها شاب صغير متعاطي هارب من سواد الدنيا وقد زاد سرعته على الحد المسموح به عندما وجد الطريق شبه فارغ من حوله

ولم يبصر تلك السيارة التي كانت تركن وحيدة على جانب الطريق الأيمن فاصطدم بها بعنف

صرخت رحمة وغادة بذعر وبكي لؤي بألم أثر اصطدام جبينه في مقدمة السيارة، بينما هبط حمزة أرضًا ممسكًا بقدمه التي اصطدمت مقدمة السيارة بها بعنف بالغ أثر قوة دفع الاصطدام لها من الخلف

ورغم هذا تحامل على نفسه ووقف من مكانه يرى شقيقته وابنها داخل السيارة، ويرى من الحمار الذي اصطدم بهم

دار حول سيارته فأصبح في منتصف الطريق السريع لتأتي دراجة أخرى ولكن سائقها محترف فحاول تفادي حمزة على أخرى لحظة لتكون النتيجة هى سقوطه من على الدراجة بعد أن مال بها لزاوية خطيرة وهو يحاول تفادي حادث وشيك

احتكت الدراجة على الأسفلت وهى تتجه نحو حمزة بسرعة مخيفة مصطدمة بقدمه المصابة فجعلته يسقط على ظهره للخلف ولم يعد يسمع سوى الطنين المختلط بأصوات الناس الكثيرة التي أخذت تتجمع حولهم....

"ستنتهي الفراشات عما قريب ونبدأ الأكشن"

~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~

𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...