تحميل رواية «في مدينة الاسكندرية» PDF
بقلم صابرين عامر
الفصل 53 — في مدينة الإسكندرية الفصل الثالث وخمسون 53 - بقلم 𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
1- إجازة في الصعيد بسم الله نبدأ من جديد والجزء التاني ألطف من الأول وفي نفس الوقت أحداثه مهمة جدًا ولا تخلو من الأفكار الهادفة بإذن الله موعدنا في رمضان كل جمعة فصل بعد صلاة التراويح لحد ما ندخل على العيد لو في العمر بقية، وبعدها هشوف مواعيد مناسبة تعليقات كتير بقى برأيكم في اللي جاي 💜 صلي على خاتم الأنبياء والمرسلين 💜 &;كنت أغرد فتبتسم وتصمت&;.. اشتاق لها ولا أجد ولو صوتها فقط حتى اسمعه&;&; ثقيلة وثقلها أرهق قلبي&;. ترى أين ذات العيون العسلية التي خطفت لبي؟؟&; أغلق مفكرته الصغيرة التي تجمع ا...
في مدينة الإسكندرية الفصل الثالث وخمسون 53 - بقلم 𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
صلي على من قال أمتي أمتي ❤️
فتحت حاسوبها المحمول تقلب في مواقع التواصل الإجتماعي التي أصبحت أغلبها يجمع صورة ابنها وصورة تلك المعلمة أو ذلك الفيديو الذي تم نشره، ولكن هذه المرة لم يكن الهجوم على نور بل كانت تدور الأسئلة والإتهامات حول سليم
فتحت إحدى الفيدوهات التي حازت على الكثير من المشاهدات، تستمع لما تقوله هذه الفتاة عن القضية التي شغلت الجميع هذه الأيام
"السلام عليكم يا جماعة من كذا يوم ظهر فيديو لمُدرسة بتضرب طالب في اللجنة بطريقة مش عادية، مع إني أشك الشحط اللي في الفيديو ده لسه طالب إعدادي، حصل هجوم مش طبيعي عليها عن إنها متوحشة ومفترية وازاي تعمل كده في طالب، طب ليه محدش سأل هى ليه عملت كده وضربته بالعنف ده؟؟ ولو حد حاول يسمعها بتقول ايه وهى بتضربه هتلاحظوا إن البنت من كتر القهر الكلام مش طالع منها مظبوط، فيه تسريبات عن تحقيق النيابة بيقول إن المُدرسة بتقول إنه اتحرش بيها مع طالب تاني، الله أعلم التاني ده راح فين علشان فص ملح وداب وعلشان كده نزلت ضرب في ده ولو بصينا على المنطق هنلاقي إن ده أقوى سبب، فيه ناس قالت بلاش نفتري عليه هو كمان ده مجرد طالب، لا حضرتك ده مش طالب ده ساقط إعدادي أكتر من مرة وعنده ١٨ سنة، وتاخدوا الكبيرة فيه فيديوهات من مجهول نزلت على السوشيال ميديا من بنات خافية نفسها أو ظاهرة نفسها عادي بيقولوا إن سليم ده اتحرش بيهم، يعني الولد له تاريخ ما شاء الله وكمان انتقل من كذا مدرسة بسبب سقوطه المستمر واخرهم مدرسة محمد رجب في سيدي بشر علشان اتحرش بطالبة، راح ايه بقى رفع الليفل واتحرش بالمس، يعني الضحية هى المُدرسة وده باين عليها من قهرتها وكمان ضربوها في الحجز وكسروا ليها دراعها وضربوها بسكينة في جنبها والبنت قعدت في المستشفى يومين، إحنا بقينا في زمن يخوف بجد، بقينا حتى نخاف من العيال اللي أصغر مننا، انتوا هتروحوا من ربنا فين حسبي الله ونعم الوكيل في أمثالكم وحق البنت دي واللي زيها مش هيروح لا في الدنيا ولا في الآخرة "
أغلقت الحاسوب ورفعت رأسها إلى زوجها وأبنائها فجميعهم كانوا يستمعون مثلها، مسحت هنا على وجنتيها هاتفة بذهول :
-مش عارفة ازاي الموضوع اتقلب كده، المحامي بتاعها ورغم صغر سنه إلىٰ إنه مش سهل عرف في كام يوم بس يقلب الترابيزة علينا ويقلب الرأي العام، أموت وأعرف اقنع البنات إزاي يطلعوا يقولوا عن نفسهم كده
وأتتها الإجابة من عاصم وهو يبتسم بقوة وكأنه يشعر بالسعادة لأنهم سيخسروا القضية :
-المثل بيقول التور لما يقع بتكتر سكاكينه وهما لما شافوا إنه هيتفضح طلعوا وقالوا الواطي ده عمل فيهم ايه
نظر إلى أخيه الصامت ثم قال بنبرة قوية :
-تصدق وتآمن بالله كانت حاجة جوايا تتمنى إنك تطلع من القضية علشان انت اخويا للأسف، بس بعد ما شوفت فيديوهات البنات وعن ازاي اتحرشت بيهم بقيت اتمنى تتحبس بجد يمكن السجن هو اللي يربيك
نظر له الأخرى ناظرة حانقة وملامح وجهه زادت احتقانًا عندما أضافت هنا على كلام شقيقها بنبرة خائبة :
-معاك حق انا مش عارفة ازاي عايشة مع واحد زيه، انا خوفت بجد منك وانت لسه يا دوب ١٨ سنة أومال لما تكبر هتعمل ايه تاني
أكملت والدتهم وعينيها التمعت بدموع الحسرة :
-انا اللي معرفتش أربى علشان يعمل في بنات الناس كده
وهنا ولم يعد يتحمل أي كلمة أخرى منهم لينفجر بهم كقنبلة موقوتة :
-آه انتي فعلًا معرفتيش تربي ولا حتى هو، ما انتوا لو كنتوا اهتميتوا تعرفوا مستوايا الدراسي مكنتش بقيت فاشل، ما انتي لو كنتي جيتي بالليل كل ليلة تشوفيني وتطمني عليا مكنتش بقيت مدمن أفلام إباحية، ما انتوا لو كنتوا اهتميتوا انا بروح فين وبخرج فين مكنتش بقيت كده
وكانت الإجابة على صراخه صفعة هبطت على خده تسببت في دوارن رأسه للناحية الأخرى، ورغم هذا عاد ونظر إلى والده الذي صفعه بملامح محتقنة يسمعه يقول :
-انا مشوفتش بجاحة كده في حياتي، بدال ما تندم على المصايب اللي عملتها ونزلت على دماغنا من وراء راسك نازل لوم علينا وبقينا إحنا الغلطان؟! بس لأ يا سليم مش إحنا اللي غلطانين العيب فيك انت علشان لو بصيت على اخواتك هتلاقي إنك أنت اللي الغلط، ما هما قدامك أهم مفيش أحسن منهم ولا عمرهم جابوا ليا مصيبة من برا
ضحك الآخر بسخرية راددًا بوقاحة متوقعة فماذا تنتظر من متحرش حقير مثله :
-بقيوا هما الملايكة وانا الشيطان صح!؟
دفعه سعيد من أمامه بعنف صارخًا به :
-امشي من قدامي ومتظهرش في وشي خالص وإلا أقسم بالله اكسرلك عضمك وارميك بنفسي في السجن
رحل سليم وصعد إلى غرفته فقالت والدته وهى تحيط برأسها بتعب شديد :
-آه يا سليم روحت خلاص في داهية ومش هنعرف نخرجك منها
-أحسن أهو السجن يربيه ويكسره
نطق بها عاصم بنبرة جامدة فرفعت والدته رأسها له هاتفة بأعين دامعة :
-ده ابني في الآخر يا عاصم، ولو كانت ألعن واحد في الدنيا انا للأسف أمه وهو حتة مني
نظرت إلى زوجها متمسكة في يده برجاء :
-أعمل حاجة يا سعيد انا عارفة إنه غلطان والله ويستاهل بس بلاش يتسجن، انا هربيه من الأول ولو هكسر عضمه بس بالله عليك بلاش سجن مش هيستحمل هناك
وقفت هنا وضمت والدتها إلى أحضانها تشعر بالحزن والشفقة عليها ليقول سعيد بضيق وحيرة وهو يمسح على خصلات شعره التي يكسوها بعض الخصلات البيضاء القليلة :
-القضية كده بقيت في صفهم هما خصوصًا من بعد شهادة البنات دول، آه لو أعرف اوصلهم واخليهم يغيروا كلامهم بس مش هعرف ومعظمهم خافيين نفسهم والصفحات اللي نشروا عليها، مفيش حاجة هتنهي الموضوع غير إن نور دي تلغي القضية وتتنازل
وهنا تحدثت زوجته بسرعة هاتفة بنبرة متلهفة :
-خدني ليها انا هتكلم معاها وهحاول اقنعها إن شاء الله تاخد عشرة مليون جنيه بس تتنازل وابني ميتحبسش وكده كده الرأي العام برأها
صاح بها الآخر بغضب من كل التعقيدات التي يعيشون بها من خلف هذه القضية وهذه المدعوة نور التي ظهرت لهم من اللامكان :
-ما هى رفضت الفلوس اللي عرضتها هنا ومرجعتش، خليت الستات يدوها علقة لحد دلوقتي مفاقتش منها وبرضو مرجعتش، وأدي المحكمة بكرة وعندهم شهود من كل حتة ابنك الوسخ عك فيها واديه أهو هيدخل السجن وسمعتنا هتبقى في الأرض بسببه
-يعني ايه خلاص كده الولد ضاع يا سعيد!؟ لأ اتصرف وخدني ليها وانا هعرف أحلها انا ست زيها وهعرف أقنعها
تنهد الآخر بحيرة يهز رأسه يمينًا ويسارًا لا يدري كيف يقنع الفتاة للتنازل بل هى ليست فتاة واحدة فهناك بلغات كثيرة تقدمت ضد سليم :
-لا جاية بالصعبانية، ولا بالفلوس، ولا بالضرب، يا ترى البنت دي هتيجي بإيه؟!
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
شعرت بإكتفاء من النوم لتفتح عينيها بعدما كانت تتململ دون فائدة، تأوهت بخفة عندما أصاب حرف الوسادة جرحها القابع في جنبها، رفعت طرف منامتها تحدق في الشاش الأبيض الذي يحيط بطنها المسطح والذي يتم التغيير عليه يوميًا ولكن لم تمتلك الجرأة في يوم لتنظر لبشاعة الجرح، يكفي ملامح والدتها الآسية حين نظرت هى له
اعتدلت ببطء على الفراش وهى تتلفت بحثًا عن هاتفها فيبدو أنها نامت كثيرًا وهذا بعد أن ظلوا لساعة متأخرة يشاهدون المنشورات والفيديوهات التي ينزلها الناس على مواقع التواصل الاجتماعي داعمين لها بعد أن ساهمت رقية في نشر اعترافات الطلبة في تعاملها معهم، بل والبعض قد نشر أن ذلك القذر المدعو سليم هو متحرش بالفعل
والأغلب وصفها بالطيبة رغم القوة، بالمرح رغم الشدة، وأنها كانت صديقة قبل أن تكون معلمة رغم كونها كانت تتعامل مع المخطئ بطبع صعب
سارت ببطء نحو الخزانة الصغيرة عندما ابصرت هاتفها على الشاحن متذكرة أن بطاريته نفدت البارحة، مرت من أمام المرآة وقد استدرات إليها بمحل الصدفة وقد أتت بعقلها ذكرى غير حميدة بالمرة للدقائق التي مرت عليها كالجحيم في حجز النساء
اقتربت من المرآة بخطى بطيئة وهى تنزع بندانة من النوع السوري تضعها في العادة على رأسها تخفي بها خصلات شعرها حتى إن كانت بالمنزل، فقد اعتادت على الأمر، نزعت البندانة ببطء وقلبها يقرع بخوف من رؤية حالة شعرها فهى تتذكر أن بعض الخصلات تقطعت بين ايديهن حين ضربوها
فكت جدائلها ترى كم خف شعرها بعد أن انتزعوه من جذوره، ادمعت عيناها بحسرة شديد فقد ظلت لسنوات تعالج شعرها من التلف والتقصف حتى يقضوا عليه في دقائق، تكاد تجزم أنهن قطعن نصف شعرها
فُتح الباب وولجت والدتها تنادي عليها حتى توقظها، وقد توقفت الكلمات في حلقها عندما وجدتها تجلس أمام المرآة كاشفة شعرها، علمت أنها أصبحت على دراية بما حدث لشعرها فأولئك الحقيرات قد قطعن نصف خصلات صغيرتها
اقتربت منها بسرعة عندما وجدتها على شعرة من الانفجار في بكاء مرير، وما إن أصبحت بين أحضانها حتى أخذت نور تبكي بقوة بين أحضان والدتها الحنون والتي أخذت تربت على ظهرها بحنو رغم شعورها بالقهر عليها :
-هيطول تاني متزعليش، عند ربنا يا بتي قادر يجيبلك حقك من كل اللي ظلمك
دلفت براءة حتى تخبر نور أن هناك من ينتظرها في الخارج ولكن عندما وجدت هذا المشهد حتى توقفت قليلًا تحدق في نور الباكية بشفقة، وبعد دقيقتين اقتربت منهما حتى تهدئ الأجواء هاتفة بمزاح :
-ده بدال ما تجيبي للبت فطار يا خالتي قاعدة تبكي معاها
رمشت الأخرى بأهدابها وهى تضم ابنتها أكثر لتقول براءة وهى تسحب نور منها :
-خلاص يا ست هتفطسيها سيبها بقى أغير على الجرح وروحي شوفي حاجة تاكلها
انصاعت صفية لحديث براءة لتميل قليلًا على ابنتها طابعة قبلة دافئة فوق جبينها ثم قالت بحنو بالغ :
-متزعليش يا ماما وتحطي في نفسك قولي يارب
-يارب
همست بها الأخرى دامعة العينين والتي استحلت اللون الأخضر الباهت بعدما كانت عسلية، يحيط حدقتيها الجفون الحمراء، تركتها صفية وخرجت حتى تحضر لها شيئًا تأكله بينما سحبت براءة كيس الأدوية والشاش والقطن ذو اللون الأبيض ثم جلست على الفراش مقابل المقعد الذي تجلس عليه نور مستعدة لتغير الجرح
رفعت نور منامتها وهذه المرة أرادت أن ترى الجرح وكم هو سئ وليتها لم تراه، ليتها استدرات الناحية الأخرى ككل مرة، كانت تظنه جرح صغير لطعنه نافذة لكنه كان أبعد من هذا إذ أن المرأة التي طعنتها اتخذت جسدها كدجاجة على وشك تقطيعها فسارت بالسكين بعد أن غرزته داخل جسده
اهتز جسدها وكأنها تعيش الألم للمرة الثانية لتطلق آهٍ غير متوقعة بالنسبة لبراءة إذ ابعدت يديها بسرعة وظنت أنها أصابت الجرح دون إدراك منها ولكن انفجار نور بالبكاء بعدها جعلتها تدرك أن الألم الذي تمر به الآن في عقلها فقط
وعلى ناحية أخرى خلف الحائط الذي يفصل الغرفة التي يجلسان به عن غرفة حمزة، كان متواجدًا بالغرفة فوق الفراش وفي يده قضية نور يعمل على تفاصيلها بجد
وحين استمع لصرختها تلك ترك الأوراق من يده مطرقًا السمع، وهذه المرة وقف من مكانه فقد استمع لصوت بكائها منذ دقائق ولكن كريم منعه من التحرك تحت بند أنه لا يجوز، ومنعه كريم هذه المرة أيضًا إذ وقف بسرعة عندما وجده يهم بالخروج من الغرفة ثم قال :
-انت يا بني آدم انت رايح فين؟!
وأجابه الآخر عاقدًا الحاجبين وقد صدح بكاء نور على الناحية الأخرى :
-انت مش سامعها من وقت بتبكي وتصرخ أكيد حصلها حاجة انا هسأل عليها بس
ركض كريم ووقف أمام الباب لا يصدق ما يقوله أخيه والذي على الأرجح أصابه جنون يدعى الحب :
-وتروح هناك بصفتك مين؟! هو انت علشان المحامي بتاعها هيبقى ليك الحق تدخل حتى في حياتها الشخصية
جلس حمزة على الفراش متأفئفًا، ضائق الملامح، عاقد الحاجبين فقال كريم :
-حمزة متنساش ابوها قالك ايه إمبارح
-سمعت عن حاجة اسمها غض البصر
نطق بها حمزة وهو يسحب هاتفه يرن على رقم نور، متذكرًا تلك الجملة التي رماها علي له بذكاء وكان الآخر من الفطنة التي يجعله يدرك مقصدها، هو يظنه ينظر إلى ابنته من باب الخبث والنوايا السيئة، ولا يستطيع لومه ولا أيضًا يستطيع التبرير فهل يقول له أنه يحب ابنته، لن يسير الأمر أبدًا على يرام إن قال هذا
أما على الناحية الأخرى كانت هدأت نور قليلًا مستغفرة ربها تارة وتقول حسبي الله تارة، أنهت براءة التغيير على الجرح ثم رفعت بصرها لجرح رأسها ثم أخذت تغير عليه هو أيضًا بينما تقول :
-هاجر برا جات تسأل عليكي
ابتسمت نور بسمة هادئة وسط دموعها التي جفت على وجنتيها :
-طب والله فيها الخير
انتظرت حتى تنتهي براءة ثم تخرج، وأثناء هذا الإنتظار رن هاتف براءة داخل جيبها وعندما أخرجته ظهر اسمه مكتوبًا باللغة الإنجليزية وبجانبه ايموجي بارد وسكين "Youssef🔪🙂"
ضحكت نور ضحكة خفيفة عندما ابصرت الاسم بطرف عينيها لا تصدق عقل ابنة عمها المجنونة، هل هكذا تكتب اسم خطيبها في الهاتف؟ وهل ذلك المسكين يعلم؟!
نقلت براءة بصرها ناحية نور بعد أن اغلقت الهاتف في وجه يوسف فهى ليست متفرغة الآن :
-ايه اللي يضحك؟!
-طب ليه السكينة طيب
ورفعت الأخرى منكبيها ثم أجابت بنبرة غير مبالية :
-عادي ما انا مش بحب القلوب ولا كلام المراهقين دي
-قوم تحطيله سكينة!؟
رن الهاتف مرة أخرى فقالت نور وهى تكمل لصق الشاش الطبي لنفسها أمام المرآة :
-ردي يا اختك ضحكتوني في عز همي
وأجابت الأخرى وهى تبتعد قليلًا ليقول يوسف على الناحية الأخرى متسائلًا :
-انتي كنسلتي ليه؟؟
-كنت بغير على جرح نور
-طب اديها التليفون حمزة عايز يكلمها ومش عارف علشان تليفونها مقفول
-لا والله وبقينا انا وانت مرسال بقى؟! قول لولد عمك يتهد شوية علشان عمي علي اخد باله ومعداش الموضوع على خير
نطقت بها ساخرة وهى تنظر ناحية نور التي انتبهت لما يقال عندما ذكرت اسم والدها، عقدت حاجبيها بتعجب عندما مدت الأخرى لها الهاتف بمعنى تحدثي، وما إن وضعت الهاتف على أذنها حتى استمعت إلى صوت حمزة الجاد وهو يقول :
-نورهان باباكِ قالك حاجة إمبارح بعد ما مشيتوا من عندنا؟!
انغلقا جفون الأخرى بإرهاق تتذكر حديث والدها لها عن حمزة وعن إن كان يتحدث إليها في الفترة التي كانت تجلس بها في بنايتهم :
-سألني عنك وعن إن كنت بتتكلم معايا قبل كده وعن تعاملك عمومًا
-وقولتيله ايه؟!
-هقوله ايه يعني هو انا كنت بتكلم معاك أصلًا
همهم حمزة مفكرًا في أمر جنوني قليلًا ثم قال :
-تمام أدي التليفون لبراءة علشان يوسف عايز يكلمها وبلاش تبكي يا نور عينيكي هتبدل وتتنفخ وانا عايزهم حلوين زي عادتهم
قلبت الأخرى عينيها مبتسمة بشكل غير إرادي فمن تستطيع أن تقاوم مثل هذا الحديث المعسول دون الابتسام، تجاهد حقًا حتى لا يغويها الشيطان أكثر لكن الآخر لا يتوقف عن جنونه هذا :
-سلام يا حمزة وكفايا ذنوب كفايا بقى
أعطت الهاتف لبراءة دون الإستماع لإجابته ثم ارتدت خمار الصلاة فوق منامتها حتى تقابل هاجر تلك الفتاة الطيبة اللطيفة والتي سقيت من مُر الحياة كؤوسًا، تشفق عليها حقًا ربما أكثر من شفقتها على نفسها
ابتسمت بهدوء عندما وقفت هاجر حتى تصافحها ولكن نور عانقتها بذراع واحد نظرًا لأن الآخر مكسور، شاكرة إياها بإمتنان حقيقي :
-شكرًا يا هاجر على وقوفك جنبي بجد سواءً دلوقتي أو قبل كده لما سخنت واخدتيني المستشفى
ربتت هاجر على ظهرها بخفة ثم أردفت بنبرة صادقة :
-انتي تستاهلي الخير يا نور بس الدنيا مش بتضحك لكل الناس وانا أكتر واحدة حاسة بيكي وبالظلم اللي عشتيه
ابتعدت عنها قليلًا ثم استرسلت بمزاح :
-يا ستي احمدي ربك إنك كنتي في قسم عادي انا كنت في أمن الدولة انتي فاهمة يعني ايه أمن دولة؟!
ضحكت الأخرى بشئ من السخرية، فذلك القسم الذي تتحدث عنه قضت به دقائق من العذاب حتى تمنت وهى تتلوي بين أيديهن أن يقبض الخالق روحها عسى كانت ترتاح من ذلك الألم الذي كان يجتاح كل خلية بها
فهمت هاجر هذه النظرات لتجلس على الاريكة متذكرة ما مرت به والذي لم تفصح من قبل عنه لها :
-صدقيني يا نور الظلم اللي انتي شوفتيه ميجيش حاجة من اللي انا شوفته هناك، مش بيقولك اللي يسمع بلاوي الناس تهون عليه بلوته
-طب احكي ادينا فاضيين
-مش عايزة انكد عليكي يا حبيبتي بلاش احكي
أصرت نور على أن تسمعها ليس لروي فضولها أو ما شابه فهى ليست بفضولية، وإنما لا تريد أن تجلس لبقية اليوم تفكر فيما سيحدث غدًا يوم المحاكمة :
-لا قولي اهو زي ما قولتي يمكن لما اسمع بلوتك تهون عليا بلوتي
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
كان يجلس بهدوء وراحة أعصاب على أريكة منزلهم يستمع لصياح والديه على الخطوة المتسرعة التي ارتكبها منذ ما يقارب النصف ساعة، وعندما سئم من لومهم عليه قال بضيق :
-هو انا روحت عملت حاجة حرام لا سمح الله كل ده علشان روحت اتقدمت للبنت اللي عايز أتجوزها
جذبه والده من خصلاته بعنف قائلًا :
-وانت يعني شايف ده الوقت مناسب؟! البنت متدغدة وأهلها هيموتوا من القلق عليها بسبب القضية اللي لبساها دي تروح انت تقوله انا عايز اتجوز بنتك، انت عقلك حصله ايه؟؟
ذم حمزة شفتيه لا يرى أنه أخطأ في شئ إذ قال مصححًا له ما حدث وهو يبعد يده عن خصلاته بعدما أفسدها :
-انا مقولتش خبط لزق عايز اتجوز بنتك انا روحت كده شرحتله بعض التفاصيل في القضية علشان يطمن أكتر وقولتله يا عم علي بعد القضية ما تخلص بإذن الله طالب القرب منك في بنتك، فيها حاجة دي؟!
طالعه والديه بتشنج بينما ضحك كريم على البساطة التي يتحدث بها قائلًا :
-طب يا اخويا فرضًا الراجل تقبل الهبل اللي عملته هل بقى هيوافق!؟
وأجابه الآخر بذكاء غير معهود لهم فلم يتعامل معهم حمزة بشخصية المحامي من قبل :
-لأ هو متقبلوش قالي الكلام ده مش وقته وانت شايف، بس انا حبيت أقوله علشان لما أخرج بنته من القضية هتقدم تاني وأفكره ووقتها عمامها كلهم هيبقوا موجودين وانت وعمامي برضو، الراجل مش هيبقى عنده فرصة يرفض هيتكسف من وجود الكل ولو رفض هيبقى العيب عليه علشان انا اللي مخرج بنته من القضية وطالب بنته في الحلال الكل هيقف معايا انا ووقتها هيوافق
حدق به الجميع مذهولين من الشخصية الخبيثة التي يرونها لأول مرة من حمزة ففي العادة هو معهم شخص مازح يحب المقالب والشعر والهدوء والاستفزاز أحيانًا، ولكن الخبث والمكر اللذان يلتمعان في عينيه الآن لم يمر عليهم من قبل
وقف حمزة من مكانه وقد عدل خصلات شعره بأصابعه بعدما افسدها والده :
-طبعًا يا بابا هتقف مع ابنك في اليوم ده، نورهان ١٠٠٪ بعد القضية دي ما تخلص هتسافر الصعيد بدون رجعة وانا عايز اللي يربطني بيها بشكل رسمي، إن شاء الله تكون قراية فاتحة بس اضمن بيها إنها هتبقى ليا
ختم حديثه وعاد إلى غرفته وقد فتح تطبيق الواتساب وبعث رسالة لنور مضمونها
"علشان متقوليش الحبال بينا دايبة انا اتقدمت لأبوكي مرة تانية وهتقدم تالت ورابع وهيفضل فيا نفس لحد ما يوافق"
كاد أن يخرج من التطبيق ولكن لاحظ رسالة من رقم غريب جعلت البسمة من على وجهه تختفي ببطء مع كل كلمة يقرأها
"خلي بالك من موكلتك علشان سعيد غانم مش هيسيبها تحبس ابنه هيعمل المستحيل علشان تتنازل يا بالفلوس يا بالغصب "
نبض قلبه بقلق فهل هذه رسالة تهديد أم تحذير، فتح تطبيق آخر حتى يبحث عن صاحب الرقم ولكن لم يصل لأي نتيجة وهذا ما زاد قلقه
فُتح الباب جاذبًا انتباهه وقد كانت والدته فقال محاولًا أن يجعل نبرته هادئة ولكن عقله كان مشغول بالرسالة :
-اتفضلي يا ماما
وقفت ناهد أمام الباب ولم تدخل بل قالت بجدية يكسوها الحزن على ابنها :
-بص يا ابني النصيب غلاب ويا عالم هى نصيبك ولا لأ، متعلقش نفسك بيها، أبوها وأمها ممكن يرفضوا مرة تانية حتى بعد اللي هتعمله علشان مفيش حاجة تجبرهم يجوزوا بنتهم لواحد هما رافضينه
ختمت حديثها وهى تشعر بالأسى على ابنها إن كسر خاطره للمرة الثانية فابتسم حمزة ناطقًا بجملة واحدة وبنبرة حاول صبغها بالهدوء وعدم إظهار ضيقه :
-هيوافق إن شاء الله، معلش بقى هستأذنك تتطلعي علشان أغير هدومي
ختم حديثه خالعًا عنه سترته حتى تخرج وتغلق الباب وقد فعلت ناهد هذا بالفعل، وما إن أغلقت الباب حتى انقلبت ملامحه من فكرة رفض علي له للمرة الثانية، هو يريد نور وبقوة وإن كان يريدها حين تقدم لها في المرة الأولى قيراط فهو يريدها الآن أربعة وعشرين قيراط
لا يعلم لما الجميع يقول أنها ليست نصيبه وأن ينسى أمرها حتى نور نفسها، لما يشعر أنه يحارب في معركة بمفرده، لما هو صعب أن تتزوج من فتاة تحبها لأنها فقط من محافظة بعيدة عن التي تعيش بها...
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
حلت الظهيرة ورغم هذا لا تزال الأجواء غائمة بشدة وكأنهم في الفجر، وهكذا هى مدينة الإسكندرية في شهر يناير وهذا بالإضافة إلى البرد القارس الذي يجعل الوجوه تقشعر من شدة البرودة
أخذت تبحث عن المعطف الخاص بنور فهما قد هبطا للأسفل قليلًا بعيدًا عن الأجواء المكتومة في الشقة، وهذا بعد أن اقترحت عليها هذا الأمر لكي تبتعد عن التفكير الزائد وتنشغل في رؤية البشر قليلًا، فمنذ ذلك الحادث ونور لا تخرج أبدًا من المنزل، بل لم تخرج إلا يوم تحقيق النيابة
ظهرت شقيقتها أمامها من اللامكان هاتفة بتساؤل :
-بتدوري على ايه؟!
-بدور على الجاكيت الكحلي التقيل بتاع نور علشان اللي لبساه خفيف قوي ومخليها بردانة
نظرت شروق حولها تبحث عن نور فهى غير موجودة في الشقة من الأساس :
-وهى فين نور أصلًا؟!
وأجابتها الأخرى وقد وجدت أخيرًا المعطف :
-تحت، ما انا وهى كنا قاعدين تحت بس لقيتها بردانة قوي وقالتلي أطلع اجيبلها الجاكيت الكحلي
-طب انا هنزل معاكم ثواني هلبس
لم تعترض براءة وظلت تنتظرها قليلًا وهى جالسة في البهو مع عائشة وخالتها صفية وعمتها أسماء فالنساء جالسات هنا بينما أعمامها في منزل محفوظ
علت الطرقات على الباب وقد كانت قوية فتحركت عائشة لتفتحه وهى تجذب زنط بجامتها وهذا بعد أن رأت من العين السحرية الملتصقة في الباب أن الطارق هو والدها وعمها عبد الجواد
فتحت الباب وقبل أن تلقي التحية عليهم تحدث والدها بصوت جاد أشعرها بالقلق والخوف معًا :
-انتي اتحبستي في الكلية الليل كله ولما رجعتي البلد قولتي للكل إنك بس وقعتي من على السلم؟!
استدارت عائشة نحو عمتها ووالدتها ليكمل عمها حسين وهو يدلف إلى الداخل مشيرًا إلى شقيقته بغضب :
-شروق كانت هتتقتل مرتين هنا يا أسماء ومحدش يقولي؟! وانا أقول البت فيها ايه مش طبيعية ليه؟؟
خرجت شروق بعد أن إنتهت من إرتداء ملابسها على أصوات مرتفعة في الخارج لتجد الأجواء محتدة خاصةً بين عمها عبد الجواد وعمتها أسماء وزوجها محفوظ، بل ويذكرون كل الكوارث التي حدثت هنا في الإسكندرية وقد أخفوها عنهم
أشارت لها براءة في الخفاء بأن ترحل وتهبط إلى نور فلم تكن تريدها أن تتأثر بحديثهم خاصةً وأنها لم تتعدى مرحلة الصدمة حتى الآن ولا تزال في حالة النكران تلك
ونفذت شروق هذا جاذبة معطف نور ثم خرجت من باب الشقة المفتوح هابطة للأسفل ومعها هاتف شقيقتها فهاتفها قد حطمه كاظم لعنه الله في قبره الآن
أما في الأسفل كانت نور تجلس على الكورنيش وسط الأجواء القارسة والهواء يصطدم بها من اليمين واليسار، غطت أناملها الظاهر من الجبيرة بشالها بعدما شعرت أن أصابعها قد تجمدت لتتنهد بقوة مطلقة بخار ساخن من بين شفتيها في هذه الأجواء الباردة
رغم أن الساعة الآن الواحدة ظهرًا إلىٰ أن الأجواء وكأنها فجرية فاليوم شديد البرودة على عكس البارحة، كانت تحدق في المارة متخفية أسفل قبعة بلسان طويل حتى لا يظل الجميع ينظر إليها فيكفي نظرات الجميع لها حين خرجت من المستشفى
نظرت إلى هاتفها حيث كان ينعكس وجهها المكدوم به، فلا تزال آثار الضرب ظاهرة على وجهها رغم أنها بدأت بالتحسن، كادت أن تتصل على براءة حتى تعلم لما تأخرت هكذا وعوضًا عن هذا أطلقت شهقة فزعة عندما رفع أحدهم القبعة من على رأسها ليقول من فعل هذا متعجبًا من فزعها المبالغ به :
-علفكرة انا لاحظت إن قلبك خفيف أوي وبتتخضي بسرعة
جذبت الأخرى منه قبعتها ساببة إياه فلا يزال قلبها يقرع من شدة الفزع :
-روح يا شيخ منك لله قلبي وقف
-سلامة قلبك يا
منعته بسرعة من أن يستكمل كلامه، فبالبطلع سيتغزل بها، ولن يكون حمزة إن لم يستغل كل فرصة حتى يغازلها :
-عارف لو كملتها وقولت حاجة من كلامك انا هرميك في البحر اللي ورايا ده، مش معقول كده يا حمزة حرام والله اللي بتعمله ده
جلس حمزة إلى جوارها فتنحت الأخرى بعيدًا عنه بمسافة كبيرة بينما قال الآخر بملامح متغنضة :
-هو كل حاجة حرام حرام انا لا لمستك ولا قربت منك فين الحرام في اللي بعمله؟؟
نظرت له الأخرى بدهشة مما يقول هاتفة بتوجس :
-يعني انت شايف إن معاكستك ليا في الرايحة والجاي مش حرام؟!
-لأ علشان انا عمري ما قولتلك حاجة غلط أو خارجة، ده كله شعر زي لما قولتي صباح الخير قولتلك صباح الخير والخير حضر مع طلتكِ يا جميلة، بقولك عيونك حلوة بتخطف قلبي، فيها حاجة دي؟!
زاد ذهولها منه متمتمة بدهشة :
-لا ده انت على الله حكايتك خالص
اعتدلت في جلستها فيبدو أن حمزة لا يعلم الكثير عن دينه لذا لا يرى أن ما يقوله لا يجوز :
-بغض النظر عن إن قعدتنا دي غلط وشبهة بس انا هتكلم معاكي واكسب فيك ثواب، حمزة هو انت ايه تفكيرك عن الحدود اللي المفروض تبقى بين الراجل والست؟؟
همهم الآخر وهو ينظر أمامه لا إليها ثم قال :
-ملمسهاش، مقربش منها واتعدى المساحة الشخصية، اتعامل معاها بشكل رسمي
-حلو انت بقى بتتعامل مع كل البنات بشكل رسمي ولا رايح جاي تعاكسهم زي ما بتعمل معايا؟! ده مصيبة لو بتتعامل مع كل البنات كده، حقيقي هغير نظرتي ليك يا حمزة أصل انا عمري ما اقتنعت بفكرة الراجل بيتغير بعد الجواز، ما هو طالما كان رمرام بتاع ستات قبل الجواز مش هيتغير بعده
نظر لها الآخر مصدومًا من حديثها الأخير فصاح بها قائلًا :
-رمرام وبتاع ستات؟! ليه شوفيني مرة ماشي مع واحدة ولا ليل ونهار بكلم بنات، انا عمري ما تخطيت حدودي مع واحدة، آه اعترف جرئ وصريح ومعاكي بالذات بس بالكلام، وعمري ما قولتلك حاجة خادشة للحياء، ولو انا بجد يا نور بتاع بنات كنت لفيت عليكي بكلامي من غير ما اخد خطوة رسمية، انا كلامي زاد معاكي لما تقدمت لأبوكي بشكل رسمي علشان كنت فاكر إن كلها أيام وهنبقى مخطوبين بس هو رفضني
تنفست الأخرى بعمق مستشعرة الحزن في آخر حديثه، ورغم هذا عادت لموضوعهم الأول :
-طب إحنا حتى لو كنا مخطوبين فيه حدود المفروض تكون عارفها، مينفعش يقعدوا في مكان لوحدهم بدون محرم، مينفعش يغازلوا بعض، كلمة حبيبي وقلبي وروحي وعمري ده كله ميتقالش غير لمراتك، ونفس الموضوع عند البنات متقولهاش غير لجوزها علشان غير كده حرام ومينفعش علشان لو قدر الله الموضوع مكملش ميبقوش اتعلقوا ببعض، علشان كده ربنا حرم العلاقة بين الولد والبنت من غير رابط رسمي وعقد شرعي، الكلام خارج الحدود حرام، النظرة حرام علشان ربنا أمرنا بغض البصر، اللمسة لا تجوز الرسول قال ليطعن أحدكم في رأسه بمخيط من حديد خير له من أن يمس امرأة لا تحل له، علشان كده انا بصدك طول الوقت وبصد كلامك علشان عارفة نهاية ده ايه، مش عايزة قلبي يتكسر يا ابن الناس، لو انتي قلبك هاين عليك انا قلبي مش هاين عليا
نظر لها حمزة بعمق وتقابلت أعينهم في نظرة طويلة قاطعها هو عندما قال بإصرار :
-انا في كل مرة بشوفك وبتعامل معاكي وبسمعك ببقى مُصر أكتر إنك تبقى ليا ومش هسيبك غير لما تبقى مراتي علشان لو ضيعتك من بين ايديا هندم ندم عمري إن ضيعت بنت زيك
حاولت كبت بسمتها لكن لم تفلح فوضعت كفها السليم على وجهها حتى لا يراها ولكنه شعر بها تبتسم لذا أخفت وجهها عنه وسرعان ما نزعت كفها ونظرت له بقوة واهية ومرة أخرى صدته بكلامه المعسول الذي نجح في رفع نبضات قلبها :
-قولتلك الحبال بينا دايبة يا حمزة
-ليه هو انتي متعرفيش من ابوكي إن اتقدمتلك تاني النهاردة الصبح؟!
نطق بها بثقة شديدة فانفجر ثغر الأخرى واتسعت عينيها بذهول مرددة بأول جملة خطرت على بالها :
-يخربيتك
ولا ينكر أنه تفاجأ بل شعر بصدمة افقدته النطق للحظات ثم قال :
-يخربيتي؟! ده أغرب رد فعل شوفته لواحدة عرفت إن في عريس اتقدم ليها
عضت الأخرى على باطن شفتها من الداخل ومرة أخرى نطقت بما في خلدها :
-انت مش طبيعي يا حمزة ولا بتتهد، ابويا وأمي موافقوش في المرة الأولى هيوافقوا في التانية مثلًا؟!طب استنى اعدي المرحلة دي الأول واخدة خبط لزق
وأجابها الآخر بثقة أشد من ذي قبل :
-في المرة الأولى مكنوش يعرفوني معرفة شخصية يا دوب معرفتهم هو إني ابن عثمان هواري، أكيد لما يعرفوني أكتر ويعرفوا المحامي اللي هيخرج بنتهم من القضية هيغيروا رأيهم، ده حتى والدتك دعت ليا كتير لما شرحتلهم إن القضية بقيت في صفنا، وده شئ مبشر بصراحة
ضحكت الأخرى على ثقته العالية هذه، فنصف ثقته وتحتل العالم :
-طب علفكرة بقى لو أي محامي مكانك كانت برضو هتدعيله، ثم رفضهم يا حمزة مش علشانك انت شخصيًا علشان انت عايش في إسكندرية وانا عايشة في الصعيد
-بس دي أنانية منهم، عايزين يربطوكي جنبهم وخلاص من غير ما يهتموا انتي مبسوطة ولا لأ، ما يمكن لو اتجوزتي جنبهم متبقيش مبسوطة في حياتك وتعيشي في نار، هما عايزين راحتهم هما مش راحتك انتي
وانقلبت ملامحها بشدة لحديثه عن والديها بهذه الطريقة لتقف من مكانها محدقة به في قوة لم يعهدها عليها من قبل :
-إياك تتكلم عن أهلي كده أبدًا علشان متنزلش من نظري، أهلي ثم أهلي ثم أهلي اللي مليش حد غيرهم ومش بحب حد قدهم، ولو قالوا مش هنجوزوكِ وتقعدي تخدمينا يبقى يتقطع لساني لو قولتهم لأ، وانا عارفة إنهم عمرهم ما هيعملوا حاجة زي كده علشان مش هلاقي في حياتي كلها حد يخاف عليا ويتمنى ليا الفرحة أكتر منهم، وانا عمري ما هوافق على راجل هما مش موافقين عليه ومش راضين على جوازي منه ولو حتى كنت بموت في التراب اللي ماشي عليه
فهم حمزة مقدار الخطأ الذي ارتكبه فوقف سريعًا مصححًا لها ما قاله :
-انا آسف مش قصدي والله أقول كلام يضايقك عن أهلك، انا بس مضايق إنهم رفضوني لسبب انا مش مقتنع به
لم تقل قوة نظراتها إليه ولا قوة نبرتها عندما أكملت :
-انا ابويا وأمي مش أنانيين هما بس ربنا مأردش إنهم يخلفوا أولاد أو يخلفوا أكتر من بنتين، ومعروفة البنت لبيت جوزها يعني هيجي يوم ويبقوا لوحدهم بس وقتها هيبقوا كبار في السن محتاجين حد يخدمهم ويسأل عليهم ويبص عليهم، عرفت ليه ابويا وأمي رفضوك؟؟
ادمعت عينيها رغمًا عنها، فقد استطاع حمزة وبكل أسف أن يعلقها به لتصبح أمام كفتين، هو وأهلها، وفي هذه المقارنة لن تختار شخص تعرفت عليه منذ ثلاثة أشهر وتترك عائلتها التي عاشت عمرها بأكمله في كنفها
استدارت وتقدمت عدة خطوات للأمام حتى تذهب فسبقها حمزة ووقف أمامها يمنعها من التقدم بعدما أخذت موقف منه، ولكن بتقدمه هذا أصبح على الطريق السريع لتطلق إحدى السيارات زامور قوي افزعهما، لذا وبرد فعل طبيعي من جسدها تمسكت في ذراعه وجذبته للخلف بكل قوتها
وحمدًا لله مرت السيارة دون إصابته ولكن هى من أطلقت تأوهًا مرتفعًا عندما اشتد عليها جرحها من حركتها العنيفة هذه
جذبها بخفة للخلف وجعلها تجلس كما كانت محاولًا أن يرى إن كانت بخير أم لا، ولكنها لم تكن تسمح له بفعل شئ ولا حتى بالإقتراب، إذ كانت تحيط جانبها بذراعها السليم وهى تميل للأمام قليلًا وتأن بخفوت :
-نورهان انتي كويسة؟؟ طب تعالي ندخل العمارة بنت عمك أكيد فوق تشوف الجرح، ردي عليا
ختم حديثه وهو يجلس على ركبتيه أمامها غير مبالي بإتساخ ملابسه، فرفعت الأخرى رأسها له تبعد يده عنها بسرعة ففوق أنها لا تدع رجلًا يلمسها أصبحت تنتفض إن لمسها رجل أو فتى عن طريق الخطأ، ذلك الحقير المدعو سليم ترك لها عقدة
-انتي كويسة؟!
نطق بها حمزة وهو يرفع يديه بعيدًا عنها فآماءت برأسها بعدما خف الألم قليلًا، انتصب جسدها مرة أخرى لتتسع عينيها بصدمة وخوف عندما أبصرت حسن قادم من بعيد بخطوات واسعة وخلفه كانت تهرول شروق
نظر حمزة في الإتجاه الذي تنظر إليه ليرى عمها الأصغر المدعو حسن قادم والذي بالمناسبة لا يطيقه البتة، اعتدل وانتصب كما كان ثم وقف أمام نور التي كانت خائفة بشدة من رد فعل حسن، وها هو يقوم بما قلقت منه إذ دفع حمزة بعيدًا عنها ثم قال بغضب مكتوم :
-انت كده جبت أخرك معايا، طب خاف على شكلها قدام الناس دي!! خاف تجيبلها شبهة؟!
لا تدري لما لسانها انعقد ولم تستطع أن تبرر ما الذي حدث فنظرت إلى شروق كي تتحدث هى، وقد فعلت الأخرى إذ تركت المعطف لها وحاولت جذب حسن قائلة :
-حسن متفرجش علينا الناس تلاقيها كانت تعبانة وهو كان بيحاول يشوف فيها ايه، صـــح؟!
نطقت بآخر كلمة وهى توجه حديثها إلى نور التي هزت رأسها بسرعة عندما نظر إليها حسن بتلك الملامح المشتعلة، تعلم لما كل هذا الغضب وهو محق به، خاصةً أن حمزة بالفعل كان قريب منها بشدة وهما في وسط الشارع، والناس ما كانت لتفهم أنه يحاول مساعدتها :
-العربية كانت هتخبطه فأنا شديته لوراء، الشَدة دي خلت الجرح يقوم عليا فقعدت ماسكة جنبي من الوجع وهو كان بيقولي اطلع عند براءة علشان تشوفني، والله يا حسن هو ده اللي حصل
تمسكت بجانبها مرة أخرى فساعدتها شروق على الجلوس كما كانت، بينما نظر حسن نحو حمزة ولا تزال نظراته تحمل الحدة :
-بص يا ابن الناس انا راجل زيك وفاهم بصتك ليها من أول يوم شوفتك فيه لما الشقة اتحرقت بالغلط من براءة المسطولة، وكنت ناوي اهزقك في مرة علشان حسيتك من النوع اللي بيحب يلف ويدور على البنات ودي بنت اخويا واختي الصغيرة، ولما عرفت إنك اتقدمت ليها سكت وقولت ده يبقى عايزها في الحلال مش بتاع لف ودوران، بس خلي بالك من نظرات الناس وهى مش مرتك ولا حلالك، خاف على شكلها حتى لو غرضك شريف انتوا هنا في بلد واسعة وأغلب الناس مش واخدة بالها من حركات الناس التانية، بس لو انت في بلدنا الصغيرة اللي الناس فيها تحب اللت والعجن خاصةً على بنات الناس كان زمانك جايبلها مصيبة، علشان كده في مثل بيقول سمعة البنت زي عود الكبريت لو ولع مش هيرجع زي الأول ده هيبقى رماد
تنهد حمزة وهو يمسح وجهه بتعب ثم نظر إلى نور بنظرة خاطفة والآن فقط علم أن طريقته معها كانت خاطئة، لم يظن أنه هكذا قد يأذيها وفوق هذا يرتكب ذنوبًا كما قالت، كان يظن أن هذا هو الحب الذي لطالما كتب عنه وقرأ عنه
ولكن في الواقع الحب ليس في كلمات غزلية معسولة أو حتى في قصائد شعرية، فأغلب الشباب يصطادون الفتيات بإقاعهن في عشق كلماتهم
الحب يكون أفعال وخوف حقيقي على من تحب، خوف على سمعته، على تعبه، على فشله، خوف من فراقه، الخوف على من تحب هو أولى علامات الحب الصادق
ابتسم معتذرًا عن خطأه هذا لحسن ولنور نفسها فالآن فقط فهم ما كانت تعنيه :
-انا آسف إني معملتش حساب ده، غباء أو تهور أو طيش شباب، انا آسف يا نور
آماءت له الأخرى بهدوء سعيدة بداخلها لأنه فهم أخيرًا أن ما يفعله كان خطأ ولا يجوز، نظر حمزة إلى حسن ثم أضاف بجدية يشرح له الموقف أكثر حتى لا يتشاجر مع نور لاحقًا :
-هى كانت قاعدة واحدة انا اللي جيت قعدت معاها، حتى هى أصلًا كانت هتسيبني وتمشي
عقد حسن ذراعيه أمام صدره وكلامه هذا استفزه إذ قال :
-وجيت قعدت معاها ليه طالما هى قاعدة وحدها، اديني سبب مقنع بقى
جذبه حمزة بعيدًا عن نور عدة خطوات ثم فتح أمامه هاتفه على الرسالة الذي بعثها ذلك الرقم المجهول ثم قال :
-انا مش عارف دي رسالة تهديد ولا تحذير بس في كلتا الحالتين انا شوفتها من البلكونة قاعدة وحدها فخوفت حد يعملها حاجة أو حتى يخطفها، انا مش ضامن الناس دول ممكن يعملوا أي حاجة علشان يخلوها تتنازل ويطلعوا سليم براءة
نظر حسن نحو ابنة أخيه بقلق فقال حمزة بخفوت وهو يجذب ذراعه بخفة :
-متقولهاش علشان متخافش وهى متوترة وخايفة لوحدها من يوم المحكمة بكرة
مسح الآخر على ذقنه الكثيفة ثم قال بهدوء اصطنعه جيدًا وهو يتجه نحوها هى وشروق :
-يلا يا نور نطلع الجو برد قوي هنا
هزت الأخرى رأسها بنفي فهى هبطت رغم برودة الأجواء لأنها تشعر بالاختناق لشدة التفكير في يوم غد :
-لا يا حسن عايزة أقعد شوية في الهواء انا اتخنقت من القعدة فوق
-مفيش قعدة هنا بقولك الجو برد تلج وانتي أصلًا تعبانة يلا قدامي
نظرت نور إلى شروق تطلب منها التدخل فقالت الأخرى متذكرة ما يدور في الشقة الآن :
-أصلًا مينفعش تطلع وفي خناقة دابة فوق، يعني هتزيد الضغط اللي عليها وانت عارف أخواتك لما يتعصبوا بيقولوا كلام بيزعل ولا يطاق، ده براءة هربتني لتحت علشان مش ناقصة غم وكفاية الغم اللي عندي انا والغلبانة دي
عقدت نور حاجبيها لا تفهم عن أي مشاجرة تتحدث فقالت :
-وعمامي بيتعاركوا ليه فوق؟!
ابتسم لها حسن ساخرًا ثم أجاب :
-ما هما عرفوا بالبلاوي اللي حصلت هنا وخبتوها عليهم وماسكين أسماء ومحفوظ وياسر وواخدينهم غسيل ومكوة علشان هما اللي خبوا وانا الحمد لله خدت البت دي ونفدنا
-ولسه عايز تطلعلهم يا حسن وتاخدنا معاك!؟
نطقت بها شروق بنفس النبرة الساخرة ليأتي الرد من نور مقترحة مكان ليذهبوا إليه :
-في كافية حلو قريب من هنا بعدي عليه وانا رايحة المدرسة، نروحوا هناك نشربوا حاجة سخنة ونص ساعة كده ولا ساعة ونرجعوا يكونوا هديوا
انقلبت ملامح حسن بإستنكار قائلًا :
-انتي عايزانا ندخلوا كافية في ميامي كوباية الشاي فيه تلاقيها بسبعين جينه؟!
كتم حمزة ضحكة كادت أن تنفلت منه فقالت شروق وهى تنظر إلى حسن بملامح حانقة :
-روح يا حسن ضحكت الراجل علينا، ودلوقتي يقول علينا بُخلة ومعفنين
-يعني هو هيهمه كوباية الشاي بسبعين ولا بمية؟! ده معاهم عمارة كاملة في ميامي
ذُهل حمزة مما قال وقد أفرغ فاهه من الذهول فقالت نور وهى تقف من مكانها ببطء وحذر :
-غور يا عم بقى فضحتنا هيقولوا بُخلة ومعفنين وبيحسدوا
لحقت شروق بنور وهى تسحب المعطف قائلة بإشمئزاز :
-روح يا حسن لأخواتك فوق ياخدوك غسيل ومكوة معاهم انا هتمشي شوية مع الغلبانة دي
قلب حسن عينيه بضيق ولحق بهم حتى لا يصيبهما مكروه ونور بالذات :
-خلاص تعالوا نروحوا بس بلاش كافية غالي ده غلط علي صحتي
جلس حمزة على الكورنيش مكان جلوس نور متابعًا اختفائهم يشعر أن نور تبتعد عنه فكلما حاول الاقتراب هو خطوة تبتعد هى ثلاثة، وليست هى من تقرر الإبتعاد بيديها بل والديها اللذان يرفضانه لمشكلة أنه من محافظة بعيدة عن مسكنهم
أغمض عينيه بتعب وهو يبعثر خصلاته على الغير العادة، ولا يفعل هذه الحركة إلا حينما يكون الضغط عليه شديد وقد بدأ يفيض عن قوة تحمله، لا يدري ما الحل ليقبل والديها أن يتزوج من ابنتهم، والعجيب أنه كلما شعر أنها بعيدة شعر بإصرار على أن تصبح زوجته
شعر بخطوات تقترب منه ويد ربتت على كتفه ثم صدح بعدها صوت لم يتوقع وجوده هنا :
-حمزة انت كويس؟!
فارق بين جفينه ونظر لمن أمامه ولمن جلس إلى جانبه فقد كانا كريم وغادة ولا يعلم ما الذي أتى بهما في هذا الوقت، لتأتيه الإجابة من كريم وهو يجلس إلى جانبه من الناحية الأخرى ليصبح هو في المنتصف :
-إحنا بقالنا تقريبًا ربع ساعة بنتفرج من بعيد على اللي حصل من أول ما كنت قاعد مع نور وبعدين تقريبًا شديتوا مع بعض وكنا هنروحلك لما العربية كانت هتخبطك بس لقينا عمها اللي اسمه حسن ده اتدخل وشكلها كانت هتقلب بخناقة
أشار إلى غادة بحنق وكأنه يشكو منها :
-البنت الرخمة دي مرضيتش أروح اتخانق معاك وبعدها لقينا الأمور تقريبًا اتحلت بس انت اللي شكلك مضايق وسابوك ومشيوا، فها ايه بقى اللى حصل وتحكي من الألف للياء
تنهد حمزة بقوة وظل صامتًا فربتت غادة عليه مرة أخرى ترى أخيها لأول مرة يحمل الهم :
-مالك يا حمزة حصل ايه؟! إن محكتش لينا وإحنا أخواتك هتحكي لمين؟
-كل ما أحاول افكها تتعقد أكتر
نطق بها بضيق شديد يحتل صدره فقال كريم متسائلًا :
-قصدك على القضية؟!
هز رأسه بنفي فقالت غادة وهى تبرم شفتيها :
-يبقى قصدك على نور، قولي انت بجد بتحبها ولا عايزاها لمجرد إنها عجبتك!؟
-تاني السؤال ده يا غادة
نطق بها بضيق يذكرها بالمشاجرة الأخيرة التي حدثت بينهم فقال كريم مُصرًا على أن يجيب على هذا السؤال :
-لا بجد جاوب ده مجرد إعجاب ببنت ولا قلب معاك بتعلق وحب
-هتفرق في ايه يعني؟!
وأجابته غادة تشرح له الفرق إذ قالت :
-لو إعجاب وخلاص فهيروح لحاله لما هى تسافر علشان كده بيقولك اللي بعيد عن العين بعيد عن القلب، أما بقى لو هو حب وتعلق يبقى هتتعب أوي يا حمزة علشان تنساها، وبصراحة يعني مش متفائلة إنهم يوافقوا في المرة التانية، دول ناس شكلها قفل
نظر لها الآخر بحنق فهى تغلق الباب في وجهه مثل البقية فقال كريم وهو يدفع غادة من كتفها بعيدًا عن حمزة هاتفًا بغيظ :
-بس يا شيخة انتي بتعقدي الواد ليه؟! سيبك منها يا حمزة وبصلي انا، عمك قال اتقدم خمس مرات يعني قدامك مرمطة حلوة علشان يوافقوا وباين كده الناس دي بتحب تمرمط الشباب اللي بتتقدم لبناتهم علشان يخلوهم يفكروا كده ألف مرة قبل ما يزعلوهم
ظهرت ابتسامة جانبية على ثغر حمزة وهو يقول :
-تعرفوا ايه اللي مضايقني بجد في الموضوع ده
-ايه؟!
نطقا بها كلاهما في ذات اللحظة فأجاب حمزة بنبرة متهكمة بدت لكلاهما مضحكة بشدة وكأنه طفل يتذمر :
-إنهم وافقوا على يوسف من أول مرة وانا ابن البطة السودة اللي لازم يسف التراب علشان يوافقوا عليه
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
كانت تسير ببطء وشروق تساندها بعدما رفضت أن يستقلوا سيارة أجرة فهى أصيبت بعقدة نفسية من الأمر بعد أن حاول السائق اختطافها، كان حسن يسير أمامهما وهى وشروق في الخلف لتنظر إليها شروق هامسة :
-بت كنتي بتعملي إيه انتي والمحامي حمزة!؟
سارعت الأخرى في إصماتها وعينيها على حسن حتى لا يسمع :
-اشش اسكتي انتي عايزاه يسمع ويطين عيشتنا
-ما انا بستفسر ونكسروا الصمت شوية
كان صوت شروق منخفض حتى لا يصل حديثهما إلى حسن لتجيب الأخرى بنفس النبرة :
-محصلش غير اللي حكيتوا
-يا بت عليا انا برضو!؟ ما كلنا عارفين إن هو عينه منك، أبوكي وأمك نفسهم عارفين
نكزتها نور حتى تصمت عندما استدار إليهما حسن، يرمقهما بشك إذ قال :
-انتوا بتتوسوسوا في ايه!؟ وماشيين وراء كده ليه اطلعوا قدام شوية
سارع كلاهما في الخطوات لتشير نور إلى إحدى الشوارع وهى تتجه نحوها :
-مفيش بتسأل هنشربوا ايه، تعالوا من الشارع ده
-طب وانتي عارفة الطريق ولا هتوهينا
تساءل بها حسن وهو يسلك الطريق الذي أشارت إليه فقالت نور مؤكدة على حديثها فهى تسير من هذا الطريق منذ ما يقارب الثلاث أشهر :
-انا توهت تلات مرات قبل كده فحفظت الطرق خلاص
مروا من منتصف الشارع حتى يصلوا إلى ذلك المقهى الذي أشارت إليه لتتوقف أمامهم سيارة مسرعة مطلقة صرير مرتفع جعل جميع الموجدين في الشارع يتوقفون منتظرين حادث
لا تعلم ما الذي قد حدث بين ثانية والأخرى ففجأة انقلبت الأجواء، وخرج صاحب السيارة يتشاجر مع حسن من دون الموجدين رغم أنه هو المخطئ
وبين ثانية والأخرى ارتفع الصياح في الشارع لدرجة أن لو هناك سيدة تلد لن يستمعوا أبدًا لها فقد تجمع الناس لفك الشجار حتى الموجدين في المحلات قد خرجوا وصاحب السيارة لا يريد ترك حسن وشأنه والآخر ذو طباع حادة ولا يصمت
تدافع الناس حتى يقوموا بحل الأمر فعادت نور للخلف جاذبة شروق معها، تتقي شر الزحام فلا يلدغ المسلم من جحرٍ مرتين، كانا ينظران من بعيد بحثًا عن حسن، يستمعان لصوته المرتفع ولكن لا يستطيعان رؤيته من كثرة الموجدين
وفي هذه الدقيقة شعرت نور بباب فُتح من خلفها وقد جذبتها يد قوية من خصرها، مكممة فمها عن الصراخ، لتصيح شروق بفزع وهى تحاول جذب ابنة عمها من هذا الرجل الذي يحاول إدخالها عنوة لتجد من دفعها هى أيضًا للداخل معها ثم أُغلق الباب كما كان
وكل هذا دون أن ينتبه أحد لهما فالمشاجرة كانت حادة والأصوات كافية لإصابة الجميع بالصم عما حولهم....
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍