تحميل رواية «فستقي المحبوب» PDF
بقلم هاجر سلامة
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
اقرأ فستقي المحبوب بقلم هاجر سلامة.
رواية فستقي المحبوب الفصل الأول 1 - بقلم هاجر سلامة
أنا أتجوز ده؟ ده تلاقيه مكركب وعنده تمانين سنة وبيكح تراب! لا يا بابا.. الموت أهون لي، أنا هانتحر وأخلصكم من عيشتي!”
صرخت “جيهان” بهذه الكلمات وهي تجري في ردهات القصر الفخم، ممسكة بزجاجة دواء مجهول، بينما يركض خلفها والدها “صالح” وهو يلهث ممسكاً ببطنه، وخلفه الخادمات في مشهد أشبه بفيلم كوميدي قديم.
في صالون القصر الفاخر، كان الجد “مكرم” يجلس بهيبته المعتادة، يرتشف قهوته في هدوء قاتل، غير آبه بالصراخ الذي يملأ المكان. عاد صالح إلى الصالون وارتمى على المقعد وهو يلتقط أنفاسه بصعوبة.
صالح وهو يمسح عرقه: “الحقني يا بابا.. البنت هتضيع مننا! جيهان قفلت على نفسها الأوضة وحالفة لتشرب السم لو غصبتها على الجوازة دي! أبوس إيدك كلم النمرود وشريكك، وقوله نلغي الفكرة دي خالص.. البنت فاكرة إن حفيده (فارس) راجل عجوز مكركب زينا!”
الجد مكرم وضع الفنجان ببطء ونظر لابنه بنظرة حادة: “تلغي إيه يا غبي؟ ده اتفاق عمري أنا والنمرود! شركة (الشرقاوي والنمرود) لازم تفضل في إيد العيلة.. وجيهان هي حفيدتي الوحيدة اللي باسمي، لازم الجوازة دي تتم!”
صالح بقلة حيلة: “طب والعمل؟ البنت هتموت نفسها.. وأمها برضه مش موافقة على بهدلة البنت.”
لمع بريق ذكي وماكر في عيني الجد مكرم، واعتدل في جلسته قائلاً بصوت منخفض: “خلاص.. جيهان مش عايزة؟ مش هنجبرها.. احنا نجيب بنت من دار الأيتام، نتبناها رسمي باسمك، ونقول للناس كلها إنها بنتك التانية اللي كانت عايشة برة ومسافرة، ونجوزها لفارس!”
في تلك الأثناء، دخلت “فايزة” والدة جيهان، وكانت قد سمعت الجملة الأخيرة. التفتت بسرعة وقالت بلهفة: “والله فكرة يا عمي! ده حل عبقري! كده نحمي بنتنا جيهان من الجوازة دي، وفي نفس الوقت نرضي شريكك، والبت اليتيمة دي تكسب ثواب وتعيش في عز!”
توجّه صالح في اليوم التالي إلى إحدى دور الأيتام البعيدة. كانت الأجواء هناك كئيبة، وفي زاوية من زوايا المطبخ، كانت تقف فتاة في مقتبل العمر، تدعى “دلال”. كانت دلال آية في الجمال رغم ثيابها البسيطة؛ بشرة بيضاء ناصعة كالحليب، وعينان واسعتان بلون العسل، وشعر بني فاتح يتدلى على كتفيها. كانت تتعرض يومياً للضرب والمعاملة القاسية من مديرة الدار.
جلس صالح مع مديرة الدار التي استدعت دلال. نظرت الفتاة الأرض بخوف، متوقعة عقاباً جديداً.
صالح بنبرة جافة وعملية: “بصي يا بنت الناس.. أنا هتبناكي وهتبقي بنتي قدام القانون، وهتعيشي في قصر وعز عمرك ما حلمتي بيه.. بس بشرط، في عريس مستنيكي، هتتجوزيه فوراً وتنفذي كل اللي نقولك عليه من غير ولا كلمة.. موافقة؟”
لم تفكر دلال مرتين. تذكرت غرف الدار الباردة، والضرب اليومي، والإهانة. رفعت عينيها العسلية وقالت بصوت مرتعش ولكن حاسم: “موافقة يا بيه.. موافقة على أي حاجة، بس مشوني من هنا ومش عايزة أرجع الدار دي تاني أبداً!”
مرت الأيام بسرعة الصاروخ، وتمت الإجراءات الرسمية، وأُعلن للجميع أن عائلة الشرقاوي استقبلت ابنتهم العائدة من الخارج. ولكن، خلف الأبواب المغلقة، كان الواقع مخزياً.
في غرفتها الفخمة، كانت دلال ترتدي فستان الزفاف الأبيض الذي بدا ساحراً عليها، لكن دموعها كانت تتساقط بصمت. لم تجد كلمة طيبة واحدة من “فايزة” أو “صالح”. بل إن العريس نفسه، “فارس النمرود”، لم يظهر في قاعة العقد، واعتذر جده بأن لديه عملاً طارئاً خارج البلاد، وتمت المراسم بوجود وكيل عنه.
دخلت “جيهان” إلى الغرفة، وكانت ترتدي فستاناً سهرة فاخراً، تنظر إلى دلال بتكبر وازدراء شديد.
جيهان بضحكة مستفزة: “مبروك يا عروسة! شايفة الفستان لايق عليكي إزاي؟ بس متعيشيش الدور أوي يعني.. الفستان ده والسرير ده وكل العز ده بتاعي أنا! أنتي مجرد عروسة بالإيجار، جبناكي من الشارع عشان تتجوزي الراجل العجوز ده بدالي عشان أنا مقبلش على نفسي كده. فاهمة يا شاطرة؟”
نزلت الكلمات كالصاعقة على قلب دلال. شعرت بإهانة شديدة وجرح عميق في كرامتها. كادت أن تصرخ في وجهها، لكنها تذكرت وجه مديرة الدار القاسي والعصا التي كانت تضربها بها. ابتلعت غصتها ونظرت إلى الأرض.
دلال في سرها: “معلش يا دلال.. كلي إهانة واشربي إهانة، بس مترجعيش للذل والضرب تاني.. عدي الأيام دي على خير.”
انتهى اليوم الكئيب، ونُقلت دلال إلى فيلا فارس النمرود الخاصة بناءً على رغبة الجد النمرود، لتبدأ حياتها الجديدة وحيدة في منزل رجل لا تعرف حتى كيف يبدو شكله!
العربية الفخمة وقفت قدام قصر “آل النمرود”. دلال كانت قاعدة ورا، سانده راسها على الشباك، ودموعها نازلة في صمت مغرقة طرحة الفرح البيضاء. الفرح اللي مكنش فيه عريس أصلاً! فارس النمرود مجاش، والكل قال إنه مسافر في شغل مهم برة مصر، والجوازة تمت بوكيل. دلال نزلت من العربية وهي بتجر فستانها بقلب مقبوض، مش عارفة المستقبل مخبي ليها إيه، بس كل اللي فكراه كلام جيهان الحفيدة الحقيقية وهي بتمشيها من قصر الشرقاوي وتقول لها: “أنتي مجرد بديلة.. يعني عروسة لقطة من الشارع عشان تنقذيني من الجوازة دي!”
دلال اتنهدت في سرها وهي بتمسح دموعها بسرعة: “استرها معايا يا رب.. أنا وافقت عشان أهرب من جحيم وضرب دار الأيتام، يارب ميكونش الجحيم هنا أوحش.”
خطت دلال أولى خطواتها داخل بهو القصر الأسطوري. كانت الثريات الكريستالية تلمع ببريق يأسر العيون، والأرضيات الرخامية تعكس الأضواء كأنها مرآة. لكن البرودة لم تكن في طقس الليلة، بل كانت في العيون التي تنتظرها.
في منتصف الصالون، كانت تقف “ناهد هانم” والدة فارس، سيدة شديدة الأناقة، تضع مساحيق تجميل صارمة، ووجها خالٍ من أي ابتسامة. وبجانبها تقف ابنة أختها “شاهيناز”، فتاة ترتدي فستاناً قصيراً صارخاً، وتنظر لدلال من فوق لتحت بقرف وغيرة تكاد تحرق المكان، فهي كانت تخطط بكل الطرق لتتزوج من فارس وثروته.
ناهد هانم بصوت حاد يقطر سمّاً: “أهلاً يا مدموازيل دلال.. أو نقول يا عروسة؟ طبعاً أنتي عارفة إنك هنا بالاسم بس! يعني جوازة على الورق عشان خاطر جد فارس اللي صمم ينفذ كلمته مع مكرم الشرقاوي. أوعي تفتكري نفسك بجد فرد من العيلة دي!”
شاهيناز ضحكت بسخرية ولوت بوزها: “تصدقي يا طنط ناهد؟ فستانها قديم أوي وشكله رخيص.. باين عليها فعلاً إنها كانت مسافرة برة وجت فجأة! دي متليقش تكون حتى خادمة لفارس، مش مراته! فارس النمرود يتجوز دي؟ ده فارس ساب البلد كلها يوم الفرح عشان يهرب من الشوفة دي!”
دلال حست إن خنجر دخل في قلبها. الكلمات كانت قاسية، وجرحت كرامتها اللي بتحاول تحافظ عليها. لمت فستانها بإيد بترتعش، ولسه هترد وتدافع عن نفسها، لقت صوت جهوري قوي بيهز القصر من وراها.
“جرى إيه يا ناهد؟ أنتي نسيتي نفسك ولا إيه؟! دي فستانها يشرف عيلة النمرود كلها، ودي هتبقى ست البيت ده غصب عن عين أي حد!”
التفت الجميع برعب،
فكان المتحدث هو الجد “عاصم النمرود”، شريك مكرم الشرقاوي، وبجانبه ابنه “رأفت” والد فارس. الجد عاصم كان راجل له هيبة ترج الجبال، لابس جلباب صعيدي فاخر يعكس أصله، وعينيه كلها حنان وهو بيبص لدلال.
رأفت (والد فارس) كمل بغضب وهو بيبص لمراته وبنت أختها: “جرى إيه يا ناهد؟ من أولها كده قلة قيمة لبنت شريكي وأخويا مكرم؟ دلال هي الحفيدة الغالية، واليوم اللي فارس يرجع فيه ويشوفها، هيعرف إن جده اختار له صح. شاهيناز.. اتفضلي على أوضتك ومسمعش صوتك هنا تاني!”
شاهيناز اتغاظت جداً ودبدبت في الأرض وهي بتبص لدلال بشر: “ماشي.. بكره فارس يرجع ونشوف هيعمل إيه!” ومشيت وهي بتبرطم.
الجد عاصم قرب من دلال، وطبطب على كتفها بحنية أصلية: “متزعليش يا بنتي.. ناهد وشاهيناز الحقد عامي عيونهم. أنتي من النهاردة بنتي وحفيدتي، والبيت بيتك. فارس ابني شديد شوية وعصبي، وشغل الشركة واكله، بس قلبه أبيض وهيعرف قيمتك. اطلعي يا بنتي ارتاحي في جناح جوزك فوق، ورأفت باعتلك العشا لحد عندك.”
دلال ابتسمت بدموع وحست لأول مرة بالأمان: “شكراً يا جدي.. ربنا يخليك ليا.”
رواية فستقي المحبوب الفصل الثاني 2 - بقلم هاجر سلامة
صعدت دلال إلى الطابق العلوي متوجهة إلى جناح فارس.
كان الجناح غاية في الفخامة والاتساع، يطغى عليه اللون الأسود والرمادي، ويعكس شخصية صاحبه الصارمة والمنظمة.
دلال دخلت الأوضة وبدأت تفك الفستان الثقيل وهي حاسة بالتعب. دخلت الحمام الفاخر الملحق بالجناح، وأخذت دُشاً دافئاً يزيل عنها هموم هذا اليوم الطويل الحافل بالإهانات والمفاجآت.
بعد ربع ساعة، لفت دلال نفسها بفوطة بيضاء كبيرة بالكاد تصل لركبتيها، ولمت شعرها البني الفاتح المبلول لفوق، وخرجت للأوضة وهي بتنشف وشها، ومكنتش تعرف إن القدر محضر لها مفاجأة هتقلب كيانها!
في نفس اللحظة، اتفتح باب الجناح ببطء، ودخل راجل طول بعرض، وسيم وسامة تخطف العين؛ ملامحه حادة ورجولية، دقنه خفيفة ومحددة، وعينيه سودا زي الليل وليها نظرة حادة تخوف وتجذب في نفس الوقت.
كان لابس قميص أسود مفتوح أول زرارين منه ورافع كمامه. ده كان “فارس النمرود” اللي رجع من السفر فجأة ومن غير ما يبلغ حد!
دلال أول ما شافته واقفه قدامها، اتسمرت في مكانها. عينيها العسلية وسعت من الصدمة والرعب، وافتكرته حرامي داخل يسرق الأوضة!
دلال صرخت بأعلى صوتها وهي بتمسك الفوطة جامد: “حراااااااااامي! الحقونيييي! يا جديييي يا عمو رأفت! حراااامي في الأوضة!”
فارس في ثانية واحدة كان قفل الباب وراه، واتحرك بخطوات سريعة وزي الفهد، وبإيده الكبيرة كتم بوقها وزنقها ورا الحيطة وهو بيقول بضيق وعصبية كوميدية: “اسكتي يخرب بيتك! حرامي إيه وبتاع إيه في بيتي؟ اسكتي ”
دلال كانت بتتحرك تحت إيده وعينيها بتطلع شرار وشها بقا أحمر دم من الكسوف والخوف، وجسمها الممشوق كان قريب منه جداً. فارس فجأة سكت.. وعينيه بدأت تتأمل الملاك اللي واقف قدامه. بشرتها البيضاء الناصعة، ونقط المية اللي نازلة من شعرها البني على كتفها، وريحة الياسمين اللي طالعة منها.
فارس تاه في جمالها للحظات، وقلبه اللي ميعرفش الحب دق دقة غريبة أول مرة يحسها.
فارس ابتسم ابتسامة وسيمة وجذابة وقال بصوت واطي وناعم: “أنا جوزك يا لِمضة.. فارس النمرود. ها.. هتسكتي ولا أفضل كاتم نفسك كده؟”
دلال برقت عينيها وهزت راسها بسرعة بمعنى “هسكت”.
فارس شال إيده ببطء وهو بيضحك على منظرها، وأول ما شال إيده، دلال جرت بأقصى سرعة عندها ودخلت الحمام وقفتلت الباب بالمفتاح وهي بتنهج وقلبها هيقف من الكسوف.
فارس وقف برة، حط إيده في جيبه وبص على باب الحمام وهو بيضحك بصوت عالي لأول مرة من سنين: ” ماشي يا بنت الشرقاوي.. شكل أيامنا الجاية هتبقى مسخرة!”
استيقظت دلال في الصباح الباكر، وكان قلبها ما زال يدق بعنف كلما تذكرت أحداث الليلة الماضية ومواجهتها الساخنة مع فارس. فتحت حقيبتها البسيطة وبحثت عن ملابس تناسب المكان، فاختارت فستاناً بسيطاً للغاية باللون البني الدافئ، يحدد خصرها الممشوق بنعومة، ولم تضع أي مساحيق تجميل على وجهها؛ فبشرتها البيضاء الناصعة وعيناها العسليتان الواسعتان المحاطتان برموش كثيفة لم تكن بحاجة لأي رتوش. رفعت شعرها البني الفاتح على شكل كعكة عفوية تركت بعض الخصلات تتمرد على جبينها.
نزلت دلال درجات السلم بخطوات مرتبكة وهي تحاول استجماع شجاعتها. في غرفة الطعام الفخمة، كانت العائلة تجلس حول مائدة فطور ملكية. تنحنحت دلال بصوت خفيض: “صباح الخير.”
اتجهت الأنظار إليها فوراً.
الجد عاصم ورأفت ابتسما بحفاوة، بينما ناهد هانم لوحت بيدها ببرود. أما شاهيناز، فقد كادت عيناها تخرجان من مكانهما وهي ترى جمال دلال الطبيعي الأخاذ الذي خطف الأنظار بدون أي مجهود.
شاهيناز لم تستطع كتمان غيظها، فقالت بصوت عالٍ ومستفز ملأ القاعة: “صباح النور يا دلال.. بس قولي لي صحيح، أنتي عاملة عمليات التجميل دي عند مين؟ ونفخ شفايفك ده في أي عيادة بالظبط؟ أصل بصراحة الشغل نضيف أوي ومش باين، وأنا نفسي أعمل زيك!”
دلال ارتبكت ووجهها أصبح أحمر كالطماطم، ولم تعرف بمَ تجيب، فهي طوال حياتها في الدار لم تعرف حتى معنى أدوات التجميل.
في هذه اللحظة، دخل “فارس” بخطواته الواثقة وهيبته الطاغية، مرتاداً حلته الرسمية السوداء استعداداً للذهاب إلى الشركة.
جلس على رأس المائدة ونظر لشاهيناز بنظرة حادة كالسيف جعلتها تبتلع ريقها، ثم التفت إلى دلال وتأمل وجهها النقي الخالي من أي مساحيق، وابتسم بداخلة على براءتها.
قبل أن ينطق فارس، دخل إلى الصالة شاب وسيم ومستهتر، يرتدي ملابس كاجوال صاخبة، وهو “مازن” ابن خالة فارس وشقيق شاهيناز.
مازن أول ما وقعت عيناه على دلال، اتسعت عيناه بذهول وانبهار شديد، ونسي تماماً أين يقف.
مازن وهو يصفر بإعجاب متجاهلاً الجميع: “إيه ده؟ هو في قمر بيطلع بالنهار كده؟ العسل ده كله عندنا في البيت وأنا معرفش؟ يا بخت اللي هيصطبح بالوش ده كل يوم!”
في ثانية واحدة، تحولت ملامح فارس إلى السواد التام. برزت عروق جبهته، ووضع فنجان القهوة على الطاولة بقوة أحدثت صوتاً رنّ في أرجاء المكان. وقف فارس بطوله الفارع، واقترب من مازن وعيناه تشتعلان غيرة وغضباً أعمى لم يفهمه هو نفسه، وضغط على كتف مازن بقوة حتى كاد يكسره.
فارس بصوت جهوري هادئ لكنه يحمل تهديداً بالمو.ت: “لم لسانك يا مازن.. دي مرات أخوك! ودين وأمانة لو سمعت صوتك بيخاطبها أو عينك بتبص ناحيتها تاني، هكون د.افنك مكانك.. ها؟ سامع ولا أسمّعك بطريقتي؟”
مازن تراجع للخلف برعب وهو يمسك كتفه ويهز رأسه بسرعة: “آسف.. أنا أسف يا فارس، مكنتش أقصد، خلاص والله.”
الجد عاصم ابتسم تحت شاربه بانتصار، فقد أدرك أن حفيده فارس قد وقع في الشباك من أول نظرة، بينما كادت ناهد وشاهيناز تنفجران من الغيظ لأن خطتهما لإحراج دلال قلبت لصالحهما وزادت من تمسك فارس بها.
فارس التفت إلى دلال وقال بصوت آمر لا يخلوا من حنان خفي: “دلال.. اجهزي عشان هتيجي معايا الشركة النهاردة. جدي مكرم وجدك عاصم عايزينك تشوفي الشغل، ومن النهاردة هتبدأي تدريب تحت إيدي أنا شخصياً.”
دلال شهقت بصدمة: “أنا؟! أروح الشركة؟”
فارس ابتسم بركن فمه وقال بخبث كوميدي وهو يتذكر مشهد الفوطة: “آه أنتي.. ويلا بسرعة عشان معنديش وقت للمشاوير المتأخرة، ومفيش فساتين بني تاني بعد كده!”
رواية فستقي المحبوب الفصل الثالث 3 - بقلم هاجر سلامة
دلال كانت واقفه قدام المراية الطويلة في جناح فارس، بتعدل هدومها بتوتر. كانت لابسة فستانها البني البسيط، وعلى عيونها نظرة قلق طفولية. فارس دخل الأوضة بعد ما لبس ساعته الفاخرة، وبص عليها بطرف عينه، ورغم إن الفستان بسيط ومن غير ميكب، إلا إن جمالها الطبيعي كان بينور الأوضة.
فارس بابتسامة سخرية وجدية في نفس الوقت: “ها.. يا مدام، خلصتي تسبيل في المراية؟ يلا قدامي عشان الشغل مبيستناش، والشرقاوية والنماردة مبيحبوش التأخير.”
دلال لوت بوزها بلطف وقالت بصوت واطي: “أنا جاهزة اصلاً.. وبعدين أنا مالي ومال الشغل، أنا خايفة أغلط.”
فارس وهو بيفتح لها الباب بهيبة: “طول ما أنتي ورا فارس النمرود، متخافيش من حاجة.. يلا.”
وصلت السيارة الفارهة أمام البرج الزجاجي العملاق لشركة “الشرقاوي والنمرود”. نزل فارس بكل هيبته، وخلفه دلال التي كانت تشعر بالانبهار والخوف من ضخامة المكان.
بمجرد أن خطت دلال خطواتها الأولى داخل صالة الاستقبال الواسعة، انقلب المكان رأساً على عقب. كانت بشرتها البيضاء الناصعة كالحليب وشعرها البني الفاتح الذي يتطاير مع حركة الهواء يلتهمان الأضواء. بدأت همسات الموظفين تتعالى، وانتقلت نظرات الإعجاب والذهول بين رجال الأمن والموظفين الشباب الذين وقفوا يتأملون هذا الجمال الساحر والنقي، وبعضهم نسى الأوراق التي في يده وظل شاخصاً ببصره نحوها.
فارس لاحظ النظرات دي فوراً. حرك فكه بغضب وعروق إيده برزت، والغيرة شعللت في قلبه زي النار. ومن غير ما يفكر، مد إيده الكبيرة وبحركة حاسمة وقوية لفها حوالين خصرها الممشوق، وضمها ليه جامد بحيث ميبقاش في أي مسافة بينهم، وكأنه بيعلن للعالم كله: “البنت دي ملكيتي الخاصة.. اللي هيبص لها هأكله بسناني!”
دلال شهقت بصدمة من حركته المفاجئة، ووشها بقا أحمر دم من الكسوف، وبصت له وعينيها العسلية واسعة: “فـ.. فارس؟ بتعمل إيه؟”
فارس من غير ما يبص لها، وبصوت جهوري يرعب هز جدران الشركة، وجه كلامه للموظفين اللي واقفين: “كل واحد عينه في ورقته وشغله! اللي هشوف عينه زايفة برة مكتبه، يعتبر نفسه مطرود من قبل ما يلم حاجته! مفهوم؟!”
في ثانية واحدة، الكل وطى راسه في الأرض وبقوا يجروا زي الفئران، ودلال قلبها كان بيدق بسرعة رهيبة من قربه منها، وحست لأول مرة في حياتها بمعنى “الأمان” وإن في راجل بجد بيحميها ويغير عليها.
طلعوا في الأسانسير الخاص لحد دور الإدارة العليا. فارس شال إيده من على خصرها بصعوبة وهو بيحاول يتحكم في أنفاسه وغيظه. أول ما الباب اتفتح، كانت المفاجأة مستنياهم!
“جيهان” كانت واقفة مع السكرتيرة، ولابسة بدلة قصيرة جداً ومكياج صارخ. جيهان أول ما لفت وشافت فارس، عينيها وسعت بذهول وصدمة.. فارس مكنش الراجل العجوز اللي كانت متخيلاه! ده كان كتلة من الوسامة والهيبة والرجولة اللي تخطف عقل أي ست. جيهان حست بنازلة قلبية والندم أكل قلبها إنها سابت الجوازة دي لدلال!
جيهان بدلع مصطنع وهي بتقرب من فارس وبتمط في الكلام: “هاي يا فارس.. مش معقول! أنت فارس؟ أنا جيهان الشرقاوي.. بجد مبسوطة أوي إني شفتك، مكنتش أعرف إن شريك بابا وسيم كده!” وتجاهلت دلال تماماً وكأنها مش موجودة.
فارس بص لها ببرود قاتل، وملامحه مرجعتش لطبيعتها من كتر الغيظ، وقال بنبرة جافة صدمتها: “أهلاً يا آنسة جيهان. بس ياريت تفتكري إنك في شركة محترمة، واللبس ده ميتكررش هنا تاني. وبعدين مش تسلمي على دلال؟ مرات فارس النمرود.. وبنت عمك اللي لسه راجعة من السفر؟”
جيهان اتغاظت جداً وبصت لدلال بشر وخراب، وقالت بلؤم: “آه طبعاً.. مبروك يا دلال، منورة شركة جدو.. بس واخد بالك يا فارس؟ دلال طيبة أوي وع نياتها.. يعني لسه متعلمتش إتيكيت العائلات الكبيرة، أصلها عاشت ظروف.. ممم، صعبة شوية برة!” (كانت بتلقح كلام على دار الأيتام).
دلال اتجمعت الدموع في عينيها وحست بالإهانة، لكن فارس مسمحش لـ جيهان تكمل.
فارس قرب خطوة من جيهان وقال بصوت فحيح الأفاعي: “دلال مش محتاجة تتعلم حاجة.. لأنها ببساطة هتبقى رئيسة مجلس الإدارة مكاني لو حبت، والظروف الصعبة بتصنع ستات بجد، مش زجاجات عطر متنقلة! اتفضلي على مكتبك عشان عندنا شغل.”
جيهان وشها جاب ألوان من الكسوف والغيظ، ودبدبت في الأرض وخرجت وهي بتتوعد لدلال في سرها: “ماشي يا دلال.. والله لآخده منك، الفارس ده بتاعي أنا ومستحيل أسيبه لواحد جربوعة زيك!”
دخل فارس ودلال المكتب الفخم، وفارس قعد على كرسيه وقال لدلال: “اقعدي هنا يا دلال.. من النهاردة هعلمك كل صغيرة وكبيرة، ومش عايزك تتأثري بكلام حد.. مفهوم؟”
دلال ابتسمت برقة وقالت: “حاضر يا فارس.. شكراً إنك وقفت جنبي.”
فارس سهد في عيونها العسلية وقال بصوت دافي لأول مرة: “أنا موقفتش جنبك.. أنا بس بحمي حاجتي.”
وفي اللحظة دي، تليفون فارس رن، وكان رئيس قسم الحسابات بيقول له بصوت مرعوب: “يا فارس بيه.. الحقنا! في مناقصة كسبتها شركة (الحداد) المنافسة بنفس السعر والتفاصيل اللي كنا كاتبينها في الملف السري بتاعنا! في جاسوس في الشركة سرب الورق!”