الفصل 2 | من 12 فصل

رواية فرح فهيمه الفصل الثاني 2 - بقلم ايه شاكر

المشاهدات
48
كلمة
0
PDF
تحميل الفصل
التقدم في الرواية 17%
حجم الخط: 18

-قوليلي بس إنتي بنت مين وأنا أوصلك للبيت. كادت أن تجيبه لولا أن قاطعها صوت فتاة يأتي من بعيد: -فرح.... يا فرح... لوحت لها فرح مبتهجة وهي تقول: -أنا هنا يا مريم. تنهدت فرح بارتياح ونظرت ليوسف قائلة بثقة: -شكرًا يا كابتن أنا هعرف أرجع لوحدي. ابتسم يوسف وهو يرمق تلك الفتاة «مريم» التي تقترب نحوهما قائلًا بسخرية لطيفة: -واضح طبعًا إنك هتعرفي ترجعي لوحدك! وقبل أن تقترب مريم استأذن منها قائلًا:

-طالما هترجعي لوحدك أستأذنك أنا بقى... ابتسمت وهي تشير بيدها ليفعل قائلة: -طبعًا اتفضل. ثم استدار عائدًا للبيت وهو يردد اسمها كأنه يتذوقه على شفتيه: -فرح. زفر بقوة حين تذكر حديث عمه وامتلأ قلبه بالحيرة من جديد فلا بد أن يأخذ قراره الآن. ومن ناحية أخرى وقفت فرح قبالة مريم ولكزتها في ذراعها بحدة وهي تصيح: -إنتِ بتعملي إيه هنا؟! ضمتها فرح بقوة وهي تقول: -مريوم وحشتيني أوي. دفعتها مريم قائلة:

-هدومك مبلولة يا بنتي بهدلتي هدومي. أطبقت فرح يدها على فمها وهي تضحك وثرثرت: -متأسفة. إنتِ جيتِ امتى وعرفتِ إزاي إن أنا هنا وجدي عرف إن أنا خرجت ولا إيه؟! و... قاطعتها مريم بهدوء: -أديني فرصة أجاوبك... أنا وصلت من نص ساعة وخرجت أشتري حاجة فشوفتك من بعيد بس دي كل الحكاية. تنهدت فرح بارتياح: -الحمد لله بجد أنا كنت تايهة أصلًا. نظرت مريم ليوسف الذي أوشك أن يبتعد عن مد بصرهما وسألتها: -مين اللي كنتِ واقفة معاه ده؟

نظرت فرح عليه وأجابت بمرحها المعتاد: -اسكتي دا أنا حصلي موقف تعالي هحكيلك واحنا ماشيين. بدأت تسرد عليها ما حدث وتضحكان، وقبل الوصول إلى البيت رأت فرح حفل زفاف، فوقفت قائلة: -الله ده فيه فرح! رمقتها مريم بحنق وقالت بنبرة حادة: -بقولك إيه يا بت إنتِ اهمدي كدا وبطلي هبل. أمسكت فرح يد مريم قائلة برجاء: -المرة دي بس يا مريم وهنفذ كل اللي تطلبيه بعدين. رمقتها مريم بغيظ ولم تعقب فأردفت فرح برجاء:

-عشان خاطري يا مريم أنا من زمان نفسي أحضر فرح في البلد. نظرت مريم لملابسها وقالت: -هتروحي إزاي بهدومك المبلولة دي! تهللت ملامح فرح بالسرور حين لاحظت بوادر الموافقة على مريم قائلة: -أنا عرفت مكانه هروح أغير هدومي وأجي على ما تكون العروسة جت. أردفت فرح وهي تنظر لعيني مريم بسعادة: -هتيجي معايا صح؟! أجابت مريم بحزم: -لأ طبعًا بس خدي موبايلك عشان لو توهتي تتصلي بيا. رفعت مريم سبابتها مردفة: -وتجيبيلي معاكِ شيبسي فاهمة؟

-هجيبلنا شيبسي وبيبسي ونقعد نرغي للصبح. مريم ابنة عمة فرح تعيش في بلد مجاورة بالقرب من قرية جدها، هادئة على النقيض من فرح بكل شيء، تحب العزلة عن الناس وتهوى القراءة، تكبر فرح بعامين، درست بكلية العلوم وتُكمل دبلومة التحاليل لتفتح معملها الخاص. وصلتا للبيت ودخلتا بحذر من الباب الخلفي لأن الجميع مجتمع بالحديقة، سبقتها مريم لتتفقد الطريق كي لا يرى أحد حالة فرح.

نظرت بأرجاء البيت الذي كان فارغًا، أشارت لها مريم لتدخل على عجل، فتسللت فرح على أطراف أصابعها ثم ركضت للدرج لتصعد شقتهم بالطابق الأول علوي، نظرت مريم لأرجاء البيت مرة أخرى لتتأكد من عدم وجود أحد وكانت ستتبعها لولا ظهور نوح الذي ابتسم عند رؤيتها وأقبل نحوها، خفق قلبها سريعًا فهي تتهرب منه منذ وصولها، حاولت أن تركض لأعلى قبل أن يناديها وبالفعل صعدت درجتين فناداها: مريم!!!

كان لاسمها من بين شفتيه مذاق مختلف كأنه ترانيم تدخل قلبها فيتراقص على ألحانه. وقفت مكانها مرتبكة وازدردت ريقها بقلق، فهي تتهرب منه وهو يتعمد الاقتراب منها، التفتت له ووقف قبالتها معاتبًا: -ينفع كدا بقالك ساعة هنا ومتسلميش عليا! حكت مقدمة رأسها بتفكير وبررت: -معلش أصل أنا كنت... كنت... لم تكمل جملتها فقد هربت منها الكلمات، أغلقت عينيها تفكر في أي كلمة تقولها ثم فتحتها في سرعة قائلة بابتسامة بلهاء: -إزيك يا نوح؟

ارتسمت الابتسامة على شفتيه قائلًا: -بخير طول ما إنت بخير. غلفهما الصمت لوهلة كان يحدق بها، لا يستطيع غض بصره عنها فلم يكتشف إعجابه بها إلا من عام واحد، لكنه لم يعترف لها حتى الآن، كانت تنظر بكل اتجاه خطفت نظرة سريعة له وحين رأت نظراته المسلطة عليها توترت وتلعثمت: -أنا.. أنا هطلع فوق عايز حاجة؟ أومأ قائلًا بابتسامة: -محتاجين نتكلم. ارتبكت وفكرت في أي خدعة لتهرب منه: -ماشي بس مش دلوقتي عشان... عشان هصلي المغرب.

أومأ متفهمًا: -ماشي يا مريوم هستناكِ. لم ينتظر ردها وولى ظهره ليغادر فصعدت الدرج مهرولة، لكن أوقفها صوته الذي صدع هامسًا بأغنية وهو يغادر المكان. نزلت درجتين حين ابتعد صوته ودخل لإحدى الغرف تريد سماعه بوضوح وابتسمت على غزله اللطيف، وقفت تسمع المزيد فلم يكن صوته عذبًا يستحق وقوفها لكنها شردت مع كلمات الأغنية... من ناحية أخرى كان يعلم أنها تصنتت على لحنه فأخرج رأسه من الباب وغمز لها بعينه قبل أن يغادر تاركًا المكان.

اتسعت حدقتيها بصدمة من جرأته تلك، ثم ركضت لأعلى وهي تضع يدها على قلبها علها تهدئه. سرعان ما ارتدت فرح فستانها الأزرق الفاتح الأنيق يعلوه حجابها الكاكاوي اللون، وقفت أمام المرآة تهندم حجابها فدخلت مريم ونظرت لها بتعجب قائلة: -إيه السرعة دي حالًا لبستِ!! ابتسمت فرح وهي تضع لمسة روج خفيفة على شفتيها قائلة: -عشان ألحق الحفلة من أولها. انحنت فرح تأخذ هاتفها قائلة: -أنا هاخد موبايلي أهو، راقبيلي الجو بقى عشان أخرج.

زفرت مريم بغيظ وقالت: -طبعًا ما أنا الخدامة اللي اشتريها بفلوسك. ضحكت فرح قائلة: -معلش يا مريوم نجاملك في الأفراح. خرجت فرح تسير بحذر كي لا يراها أحد وتساعدها مريم التي تراقب لها الأرجاء، وبعد أن اطمأنت على خروج فرح دون أن يشعر أحد، وضعت مريم هاتفها على جهاز الشحن وخرجت للحديقة تخبرهم أن فرح نامت ولن تتناول عشائها. صدقها الجميع لكن لم يصدقها نوح فهو يعرف أخته حق المعرفة.

دخلت مريم للمكتب لتأخذ كتابًا من مكتبة جدها تتسلى بقراءته لحين عودة فرح. تبعها نوح وجذب انتباهه هاتف مريم على الشاحن الكهربائي، أخذه وتوارى كي لا تراه حاول فتح الباسورد بتاريخ ميلادها ففتح معه، وطلب رقم فرح. نظر يوسف من نافذة غرفته فوجد عمه وزوجته يجلسان بالردهة، فقد أخذ قراره النهائي بشأن موضوع الزواج، هندم ثيابه وخرج إليهم وبعد أن ألقى السلام قال بنبرة هادئة: -أنا موافق على طلبك يا عمي بس عندي شرط.

تدخلت زوجة سليمان "حنان" بفظاظة: -شرط! إنت هتتشرط على عمك ولا إيه؟! رد يوسف بنبرة جامدة دون أن يلتفت إليها: -لو سمحتِ متتدخليش دا كلام رجالة. ضحكت وقالت بتهكم: -رجالة! والله وكبرت يا ابن صفاء. حدها بنظرة حادة، تمنى لو استطاع لكمها بوجهها فهي السبب بتعاسة والدته وتدهور حياتها، فلم يترك البلد مع والدته وأخته من فراغ!

وإنما غادر وترك كل شيء خلف ظهره ليبتعد عن شر تلك السيدة، فقد سلط الله عليها نفسها فلجأت للسحر وسلكت طريق الأذى فهي تستمتع بأذية غيرها وتستعين بالجن لأذية من حولها حتى زوجها لم يسلم من شرها! ردت حنان بنبرة حادة: -فعلًا إنت تربية مرة "امرأة" عشان كدا طالع قليل الرباية. ضغط على أسنانه بغضب واكفهر وجهه، كان على وشك الانفجار لكن لحقه "سليمان" موجهًا حديثه إليها بشيء من الحدة: -قومي يا حنان من هنا.

نهضت من مكانها دون أن تُعقب وهي ترمي يوسف بنظرة ساخرة وتتمشى بغنج كأنها تتعمد إثارة غيظه، حاول تمالك نفسه فلن يدخل معركة بلا هدف مع تلك السيدة. جلس ليكمل حديثه مع عمه، الذي قال بهدوء: -شرط إيه يا يوسف؟! -هنكتب الكتاب لكن الفرح هنأجله سنة كدا ولا حاجة وخلال السنة دي مش عايز أشوفها ولا أقابلها... -موافق بس هتكلمها في التليفون. أومأ يوسف موافقًا وتلعثم: -ولا... وكمان الورق اللي مضيتني عليه يتقطع بعد كتب الكتاب.

-موافق ورق الخمسة مليون هقطعه لكن ورق تنازلك عن أملاكك مش هيتقطع إلا بعد ما تنفذلي اللي طلبته كامل. جحظت عيني يوسف وقال بصدمة: -بس أنا ممضتش على ورق تنازل! عقب سليمان بنبرة هادئة: -زي ما مضيت على الخمسة مليون مضيت على ورق التنازل يا يوسف. زفر يوسف بحنق وهب واقفًا ثم قال: -ماشي يا عمي بس خليك فاكر إنك ظلمتني وأنا مش مسامح.

رمى جملته وغادر البيت بالكامل وهو في قمة غضبه، كان يشعر بالاختناق من الهواء الملوث الذي يملأ البيت، ويريد أن يتنفس هواء نقي يخلو من الخبث والحقد والمؤامرة. صدع هاتفها بالرنين برقم مريم لكنها تتجاهلها فهي مستمتعة بأجواء الزفاف، لكن مع إلحاح الرنين ابتعدت فرح قليلًا عن أصوات الموسيقى الصاخبة وأجابتها بنزق: -عايزة إيه يا مريم أنا لسه داخلة الفرح. أخوها بتعجب وبنبرة حادة: -فرح إيه يا بت! إنتِ فين؟ تلعثمت:

-لأ يا نوح فرح إيه.... دا أنا.. دا أنا نايمة فوق حتى اسأل مريم. قال بحزم: -دقيقة واحدة يا فرح وإن ملقتكيش قدامي هيكون ليا تصرف تاني. نفخت بضيق وقالت: -ماشي يا نوح راجعة. أغلق معها ثم أخذ هاتف مريم واتجه إليها، كانت بغرفة المكتب تجلس على المقعد وتسند ظهرها، تعيش في عالم آخر مع الكتاب الذي تقرأه. لم تشعر به حين وقف أمامها يتأملها دون أن يبالي بعقوبة تارك غض البصر، كانت تبتسم حين قرأت جملة أعجبتها فقاطعها صوته قائلًا

ببعض الحدة: -يا أستاذة مريم! انتفضت واقفة بصدمة حين سمعت صوته وردت: -نعم! رفع إحدى حاجبيه لأعلى وسألها بلوم: -ينفع تداري على فرح وتقوليلي أنها نايمة وهي بتصيع بره. تلعثمت تبرر: -والله... والله هي اللي اتحايلت عليا وأنا... قاطعها بعتاب: -أنا كنت فاكرك أعقل من كده يا مريم بس خذلتيني. تجعدت ملامحها بحزن حين قال جملته وحاولت التبرير مجددًا: -أنا آسفة والله هي اللي اتحايلت عليا. زفر بقوة وقال:

-أنا مضطر أقول لجدي وهو يتصرف معاكم. نظرت إليه برجاء توسلت وهي تضع يدها على فمها بتوتر: -لا لا... بالله عليك يا نوح بلاش جدي وأنا مش هعمل كدا تاني والله. حدجها بمكر قائلًا: -موافق بس بشرط. أومأت تطلب منه أن يلفظ ما يريد: -تعمليلي كوباية قهوة. سألت بتعجب: -قهوة دلوقتي! -أيوه قهوة وتكون مظبوطة وليها وش حلو كدا. قالت بنبرة مرتعشة: -بس أنا مبعرفش أعمل قهوة. سار خطوتين وهو يقول: -خلاص يبقى أروح أحكي لجدي.

هزت سبابتها يمينًا ويسارًا قائلة بارتباك: -لأ لا خلاص هتصرف وأعملك. أخذ الكتاب من يدها وجلس على المقعد ثم وضع رجلًا فوق الأخرى قائلًا: -وريني بقى الكتاب دا أقرأ فيه على ما تيجي. رمقته بغيظ وخرجت من الغرفة تتمتم بكلام غير مفهوم وتوبخه دون أن يلاحظها، ناداها فالتفتت إليه، أمرها: -تعمليلي ساندوتش معاكِ عشان معرفتش أتعشى. قالت بنفاذ صبر: -حاضر. كانت ستخرج لكن ناداها مجددًا ونظرت له بنزق فقال: -اقفلي الباب وراكِ ...

خرجت من الفرح لتعود للمنزل وقفت تزفر بحنق فكانت تتمنى أن تقضي بعض الوقت في الحفل. رآها يوسف فأقبل نحوها، كانت متجهة الوجه منقبضة الملامح، سألها: -إيه توهتِ تاني ولا إيه؟! انتفضت حين سمعت صوته فقد ظنته أخاها أو أباها، وضعت يدها على قلبها قائلة: -حرام عليك خضتني يا كابتن. -برضه كابتن! ضحكت ولم تُعقِّب، فسألها: -الفرح دا تبعكم؟ ترددت في الإجابة وتلعثمت: -أ.. أيوه. -وإنتِ بقى قريبة العريس ولا العروسة؟ -العريس...

لا العروسة قصدي العريس والعروسة. أكملت كذبها توضح: -أنا قريبة العريس بس العروسة تبقى بنت خالة أخت صاحبة بنت عمة أمي. قالت جملتها بسرعة فلم يحاول فهمها، وقبل أن يسأل سؤال آخر استأذنته قائلة: -بعد إذنك. لم تنتظر رده، سارت خطوتين أما هو فشغله عنها رنين هاتفه برقم أخته. رأت كلبًا يتجول أمامها فعادت إليه مرة أخرى قائلة: -ممكن تعديني من الكلب ده لو سمحت؟ ابتسم قائلًا: -حاضر تعال.

سار أمامها وتبعته، صدع هاتفه بالرنين مجددًا فرد قائلًا: -أيوه يا يُسر.... قولتلك راجع بكرة مش فاهم قلقانين ليه؟ ... يا حبيبتي طمنيها وقوليلها إني كنت بشوف شقة في المدينة عشان نقعد فيها لما نستقر هنا.... لا مستحيل أقعد في البلد مش هستحمل. نظر لفرح التي تسير جواره كأنه تذكر وجودها للتو، وأنهى الحوار مع أخته قائلًا: -خلاص يا حبيبتي هكلمك بعدين... محمد رسول الله. أغلق هاتفه ونظر لفرح قائلًا بجدية: -فين بيتك؟

قالت وهي تشير للأمام: -البيت لسه قدام شوية... ارجع حضرتك وأنا هكمل لوحدي خلاص الكلب مشي. عقّب يوسف: -طيب همشي معاكي شوية كمان. أومأت رأسها موافقة، لن تستطيع كبح جماح فضولها، فجمعت كلماتها: -هو أنا ممكن أسأل حضرتك سؤال؟ رمقها بنظرة سريعة وقال: -أنا تقريبًا عارف هتسألي عن إيه! -طيب هسأل عن إيه؟ -أكيد عن أي حاجة بخصوص المكالمة دي! ابتسمت قائلة: -بصراحة أيوه كنت هسألك ليه مش حابب تعيش هنا، دا أنا بتمنى أقعد هنا.

ابتسمت بحب وهي تجول بنظرها في المكان قائلة: -هنا هدوء وجو جميل والناس كلها بتحب بعضها. قاطعها قائلًا بضحكة متهكمة: -قصدك الناس كلها بتتدخل في حياة بعضها مش بتحب بعضها. رمقها يوسف بنظرة عابرة وأردف قائلًا: -إنتِ لسه صغيرة متعرفيش حاجة! ردت وهي توقع كلماتها: -أنا مش صغيرة أنا عندي 20 سنة. وقف مكانه ونظر لها بتعجب قائلًا: -بتهزري صح! أنا والله فاكرك 14 أو 15 سنة بالكتير! ابتسمت قائلة:

-لأ أنا شكلي صغير بس أنا في ثالثة جامعة. نظر لها قائلًا بتعجب: -ما شاء الله ويا ترى إنتِ في كلية إيه بقى؟ قاطعها صوت نباح كلب جوارها، في الواقع لم يكن ينبح عليها لكنها فزعت فوقع الهاتف من يدها.

وحين انصرف الكلب انحنت لتأخذ هاتفها، وانحنى معها فلمست يده يدها بالخطأ، تلاقت نظراتهما، حدّق بها للحظات كانت لحظات توقف خلالها الزمن، تلك النظرات الخاطفة مع تلامس أيديها سحبتهما لعالم آخر، سرعان ما سحبت فرح يدها وهبت واقفة فوقف بعدها وأعطاها الهاتف، استأذنته قائلة بارتباك: -خلاص شكرًا ليك أنا هكمل لوحدي البيت قريب. مسح على رأسه بإحراج قائلًا: -مع السلامة خلي بالك من نفسك.

خرجت الجملة من فمه كالسهم الذي طعن قلبها الضعيف فزرع به شيئًا غريبًا وشعورًا لأول مرة يسلك طريقه لقلبها وعقلها، ردت دون أن تنظر إليه قائلة: -شكرًا الله يسلمك. هرولت من أمامه تريد أن تهرب من نظراته تلك، وضعت يدها على قلبها تشعر بخفقاته الغريبة، فما هذه النفحة التي أصابته!

، لابد أن هذه هي لعنة اللمسة الممنوعة، تلك اللمسة التي يزينها الشيطان فلا تكون مجرد لمسة عادية؛ إنما يكون اللمس بمقدار مائة ألف لمسة تزلزل المشاعر وتحرك الغرائز، يزينها الشيطان لتطلبها النفس وتهواها، فهل سألت نفسك ولو لمرة واحدة لمَ أي شيء محرم يكون له مذاق آخر وطعم مختلف عن الحلال؟ فالإجابة أن الشيطان يزين المحرم حتى تهواه النفس فتقع فيه ثم تكتشف أنه لم يكن بتلك اللذة؟!

ظل يوسف يتتبعها بعينه حتى اختفت عن مدى بصره، أثرت نظرته تلك بأعماق قلبه كيف لا وكل المصائب والمصاعب تبدأ بنظرة، تلك النظرة لن تمس القلب بهدوء وتمضي؛ إنما تُغرس به كسهم يخترق الجسد دون استئذان فيحرك المشاعر الكامنة. كَم نظرةٍ فعلتْ في قلب صاحبها فِعْلَ السهامِ بلا قوسٍ ولا وترِ بدأ يوم جديد. ارتفعت أصوات الديوك مُعلنة عن حلول الصباح، كانت فرح تتقلب على سريرها طوال الليل في قلق وأرق.

فتحت عينيها بنعاس وأخذت هاتفها لتفقد الوقت فكانت الخامسة والنصف صباحًا. أغلقت عينيها وكانت ستكمل نومها لكن ذكرها قلبها بليلة الأمس وتلك اللمسة التي كلما تذكرتها ينتاب جسدها القشعريرة وتتحرك مشاعرها فترتسم الابتسامة تلقائيًا على وجهها، فتحت عينيها وقامت لتهرب من تلك الأفكار وتصلي الفجر قبل إشراق الشمس. وبعد فترة صلت فرضها وجلست تقرأ وردها اليومي من القرآن الكريم حتى وصل إلى مسمعها صوت الشيخ المنشاوي الذي يخطف القلوب.

نهضت تنظر من نافذة الغرفة فكان جدها يقف بالحديقة، يسقي الورود وهو يردد آيات القرآن مع صوت شيخه المفضل، ابتسمت وأطلقت تنهيدة طويلة ثم دعت الله أن يمد بعمره بل تمنت أن يعيش أبدًا، ركضت للخارج وسرعان ما وقفت خلف جدها هاتفًة بمرح: -إيه اللي مصحيك بدري كدا يا عسل؟ نظر لها بحب وقال: -متعود أصحى الفجر ومنامش إلا الظهر. ضحكت قائلة: -أنا بقى متعودة أنام الفجر ومصحاش إلا الظهر. عقّب بحسرة: -إنتوا جيل ما يعلم بحاله إلا ربنا...

دا إحنا زمان كانت العشا تأذن نصليها ومتلاقيش نفر ماشي في الشارع. قالت وهي تشير بيدها للخلف: -زمان بقى يا جدي إحنا جيلنا غير جيلكم. -زمان يا فهيمة نادرًا لما كنا نسمع عن شباب بيموت إنما دلوقتي نادر لما نسمع عن حد كبير في السن بيموت! توقف عن سقي الورود ونظر للفراغ بشرود مُرسلًا بحنين للماضي: -زمان كان فيه بركة وكان فيه حياة، دلوقتي لا فيه بركة ولا حياة. تنهدت فرح بأسى قائلة:

-زمان يا جدي مكنش فيه الضغوطات النفسية اللي بيمر بيها الشباب دلوقتي زمان كانت الحياة أسهل. ابتسمت بسخرية مريرة: -رغم تطور التكنولوجيا إلا إننا مع كل تطور جديد بيتخلق معاه ضغط نفسي جديد… إحنا تعبانين أوي يا جدي، تعبانين من كل حاجة... الحياة تعبتنا أوي.. ابتسم الجد وجلس أمامها على المقعد قائلًا: -عارفة يا فهيمة أنا أحيانًا بحس إنك عاقلة قوي وأحيانًا بحس إنك لاسعة ومحتاجة تتعالجي. قهقهت بالضحك ثم ارتسمت

الجدية على ملامحها وقالت: -أنا نفسي ساعات بحس كدا يا جدو. -بس تعرفي أنا بحبك في كل حالاتك يا بت إنتِ. ابتسمت واتجهت نحوه تضمه وهي تقول: -وأنا بموت فيك يا أحلى جدو في الكون كله.

جلس يوسف على سجادة الصلاة بعد أن أنهى صلاة الصبح فلم يلحق بصلاة الفجر، واليوم الذي يغفل عن صلاة الفجر يتأكد أنه قد أذنب بشيء ما، حتى مُنع أجرها، قام وطوى السجادة وبدأ يومه بالاستغفار، ذكره قلبه بفرح وما حدث ليلة الأمس، فتنهد بحسرة لأنه أطلق بصره ونظر إليها بحرية! نظر في المرآة مخاطبًا لنفسه: -خلاص يا يوسف غلطة مش هتتكرر تاني ولا هتشوفها تاني اهدى. تنفس بعمق وزفر الهواء من فمه قائلًا بندم:

-ربي إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. وقبل غروب الشمس كان البيت ممتلئًا بالرجال فهو توقيت كتب الكتاب، كانت فرح تجلس على سريرها ترتدي بيجامتها وبجوارها طبق مليء بالخيار والجزر تأكل منه بطريقة تشبه الأرانب حين تقرض الجزر، كان جهاز اللابتوب أمامها وتشاهد توم وجيري وهي تضحك من قلبها كطفلة صغيرة، دخل أخوها مع والدها ومعهما بعض الأوراق فردد أخوها قائلًا: -امضي يا أختي. كانت تلوك

ما بفمها من طعام وهي تقول: -إيه ده؟ قال والدها: -كتب كتابك يلا اتفضلي امضي وابصمي. مضت الأوراق وحين طلبوا منها أن تبصم نظرت لمكان صورته فوجدته فارغًا فقالت: -أومال فين صورة العريس؟ رد والدها: -لسه هيحطها. نظرت لصورتها وحدقت بها بصدمة قائلة: -وإيه الصورة اللي حاطينها لي دي مناخيري طويلة وعريضة دي الصورة كلها مناخير. دققت النظر وأردفت: -وعيني محولة وإيه الحبوب اللي في وشي لأ وكمان سمرا.. دا... دا أكيد فوتوشوب صح!

ضحك نوح قائلًا باعتزاز: -الصراحة أنا اللي مظبطلك الصورة دي. عقدت حاجبيها قائلة: -قصدك مخيبها متقولش مظبطها.... ويا ترى بقى العريس شاف الصورة دي. ضحك نوح: -شافها ومضى عادي. ضحك والدها قائلًا: -بس يا عيني كان باين عليه منبهر بجمالك. انفجرا بالضحك كانت ترمقهما بغيظ حتى قال نوح: -ابصمي يا فرح خلصي. انحنت لتبصم فغنى أخوها وهو يضحك قائلًا: -حسرة عليها حسرة عليها حسرة عليها. نظر له والده قائلًا بجدية: -بس بقى نوح...

زفرت فرح بحنق وبدأت تبصم مرة وراء الأخرى حتى انتهت، وبعد أن خرجا من غرفتها جلست تُكمل مشاهدتها للكارتون لكن ليست بنفس الحماس. وحين تذكرت تلك الصورة أغلقت اللابتوب بغضب، وأخذت تأكل الجزر لتصب غيظها وهي تمضغه، تعالت أصوات الزغاريد فعلمت أن الأمر قد تم بالفعل وأصبحت متزوجة من شخص مجهول، حكت رأسها بشرود وهتفت قائلة: -أنا حاسة إني دخلت جوه رواية!!! ولا دا حلم ولا إيه!

فردت جسدها على السرير وما زالت تمضغ طعامها حتى طرق أخوها باب الغرفة ودخل قائلًا: -خدي يا أختي سجلي رقم زوجك العزيز. أخذت الورقة من بين يديه وقالت: -وأنا مالي برقمه أسجله ليه أصلًا؟ رفع كتفيه كناية عن جهله وعلق: -جدك اللي أمر بكده. خرج وتركها تفكر فيما يحدث حولها من أحداث غريبة ومريبة! وبعد انتهاء كتب الكتاب وخروجهم من البيت غادر يوسف البلد بأكملها. ارتجل من سيارة الأجرة وتذكر اسمها وصورتها، زفر بحنق وهو ينطق اسمها:

-فهيمة! طرق بيديه على رجليه بقلة حيلة قائلًا: -منك لله يا عمي على التدبيسة السودة دي. سجل رقمها على هاتفه زفر بحنق قبل أن يتجه نحو سيارة الأجرة الأخرى ليركبها ويعود للقاهرة...

وفي نفس اليوم عادت فرح إلى القاهرة مر عليها أسبوع وعادت حياتها لروتينها السابق تنام وتستيقظ لجامعتها ثم تعود لبيتها لكنها لم تنسَ يوسف ولا ملامحه التي فتنتها، ظل عقلها يُذكرها به بين حين وآخر فتلمس يدها التي تلامست مع يديه وتبتسم، شعرت بما تفعله من حماقة، فتجهم وجهها وخاطبت نفسها بحدة: -مالك يا فرح... لأ بجد مالك إيه اللي بيحصل ده... أردفت وهي تحاوط رأسها بكلتا يديها:

-لأ أنا لازم أوقف تفكيري ده عند حده مينفعش خالص اللي بفكر فيه ده.... زفرت بقوة مردفة بنبرة هادئة: -خلاص هو مشي ومش هشوفه تاني بفكر فيه لييييه!!!

نفخت بحنق وبدأت بارتداء ملابسها لتذهب لجامعتها، وعندما وصلت كليتها رأت الفتيات تهرول للمحاضرة فتعجبت لأنه من المعتاد ألا يحضر الكثير من الطلاب، ودائمًا ما يكون المدرج فارغًا، دخلت المدرج وتفاجئت بامتلاكه وخصوصًا بالفتيات، لوت شفتيها لأسفل بتعجب وظلت تبحث عن مكان تجلس به فهي تهوى الجلوس بأول مقعد لكن المقاعد كلها ممتلئة ظلت تبحث عن مكان فأشارت لها زميلتها التي حجزت لها مكان بمنتصف المدرج، جلست فرح بجوارها

وسألتها ساخرة وبدهشة: -هو فيه حفلة ولا إيه؟! المدرج مليان أوي! ابتسمت الفتاة: -فيه دكتور جديد هيدرسلنا النهارده. -وجايين يحتفلوا بيه يعني ولا إيه!؟ أسبلت الفتاة عينيها ووضعت يدها أسفل ذقنها قائلة بهيام: -أصله دكتور قمر أوي. نظرت لفرح قائلة بتحدي: -أراهنك لو محبيتهوش من أول محاضرة. عقبت فرح بنزق: -لأ أنا مبحبش الحلاوة اللي بيتلم حواليها الذباب. -اصبري بس هتشوفيه دلوقتي. أسندت فرح رأسها على البنش قائلة:

-أنا هنام شوية ولما يجي القمر ابقي صحيني. وبعد خمس دقائق دخل المدرج، كان يرتدي بدلته الأنيقة، جهّز شاشة العرض، وضع يده على فمه متنحنحًا ثم تحدث: -خلاص بقى الصوت يا شباب... الصــــوت. رفعت فرح رأسها لتنظر إليه وجحظت عيناها بصدمة، وضعت حقيبتها أمامها وأخفضت رأسها كي لا يراها وهي تقول: -يا نهار ألوان.... ده ليه وجع القلب اللي على الصبح ده!! عقدت حاجبيها وتمتمت: -أنا قولت إني دخلت رواية محدش صدقني!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...