تحميل رواية «لم يكن مجرد حلم» PDF
بقلم زينب سمير
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
بمنتصف الليل، صوت أنين مرتفع علا بالطابق الثاني، كان مرتفعًا لكن بالنسبة لليلة أمس كان هيّنًا عنه. وصل الصوت لنور الدين فنهض عن جلسته ولكنه لم يتوجه لأخيه فورًا، فتلك الأصوات هو معتاد عليها بالفعل. جلس على فراشه واضعًا يده على قلبه الذي يؤلمه على أخيه، يقول بنبرة خافتة: "لو في إيدي أخفف عنك وجعك يا سراج كنت عملت، حتى لو هقدم عمري قربان لدا." كان يظن أنه سيهدأ بعد قليل، لكن لحظات وصراخ عالٍ كصراخ الأمس عاد يرتفع. انتفض مغادرًا الغرفة بفزع، فتح نور الدين الطابق بطريقة ثم توجه لغرفة أخيه. خلفه ظهرت...
رواية لم يكن مجرد حلم الفصل الثالث 3 - بقلم زينب سمير
بمنتصف الليل، صوت أنين مرتفع علا بالطابق الثاني، كان مرتفعًا لكن بالنسبة لليلة أمس كان هيّنًا عنه. وصل الصوت لنور الدين فنهض عن جلسته ولكنه لم يتوجه لأخيه فورًا، فتلك الأصوات هو معتاد عليها بالفعل. جلس على فراشه واضعًا يده على قلبه الذي يؤلمه على أخيه، يقول بنبرة خافتة:
"لو في إيدي أخفف عنك وجعك يا سراج كنت عملت، حتى لو هقدم عمري قربان لدا."
كان يظن أنه سيهدأ بعد قليل، لكن لحظات وصراخ عالٍ كصراخ الأمس عاد يرتفع. انتفض مغادرًا الغرفة بفزع، فتح نور الدين الطابق بطريقة ثم توجه لغرفة أخيه.
خلفه ظهرت عمته ومعها نجوان.
حاول أن يهدئه لكن دون جدوى، ما زال يصرخ بفزع.
قالت نجوان بدموع، وهي ترى حاله سراج:
"هو لسه بيحلم بكوابيس؟"
أومأت لها نيرمين بالإيجاب، وقد سكنت في عينيها نظرة ألم عليه.
نور الدين لعـمته:
"عمتي، هاتي مية ساقعة بسرعة."
كادت تذهب لتأتي له بما طلب، فقالت نجوان معترضة:
"حرام عليك، أنت عايز تدلق عليه مية ساقعة في التلج ده! دا كدا يموت فيها."
تجاهلها وهو يشير لعمته بأن تفعل ما يقول، وبالفعل غادرت عمته. فصاحت بضيق:
"نور، أنا بكلمك."
صاح عليها وهو يرى تشنج جسد أخيه بين يديه:
"متدخليش، سامعة؟ متدخليش في أي حاجة تخص سراج."
أدمعت عيناها وهي ترى صياحه عليها، سارعت بالمغادرة من الغرفة وهي تكتم شهقاتها بيدها.
لم يهتم هو لها، فاهتمامه الأعظم الآن هو حالة شقيقه.
نظر له فوجد جسده سكن فجأة وعاد يغفو في فراشه هنا.
راقبه بذهول فوجده يهمس بشيء، اقترب من فمه بأذنه فوجده يهمهم بنوم:
"انتي جميلة أوي."
"المية يا حبيبي."
ابتعد عن أخيه على صوت عمته، أخذ الماء ووضعه على الطاولة و:
"خلاص يا عمتي، هو هدي."
نطقت بذهول وهي ترى سراج بالفعل نائمًا بعمق على فراشه:
"هدي فجأة كدا لروحه؟!"
أومأ بنعم وهو يغادرها، عقله كان منشغلاً بأشياء عدة، كلها تدور حول نفس الشيء.
من تلك الجميلة التي يقصدها أخيه بحديثه؟!
***
بوقت العصرية تحب أن تجلس نجوان في شرفتها تراقب السماء دون حديث، كانت تفعل ذلك بدبي عندما كانت جالسة مع والدها، وكذلك ها هي تفعل هذا هنا.
حسنًا، هناك كانت تراقبها ببسمة وشغف، لكنها الآن لا تملك لا البسمة ولا حتى الشغف.
منذ الأمس والنوم جفاها بعدما صاح فيها نور الدين هكذا بقوة، تسمع عن غضبه لكن أول مرة تراه هكذا.
يبدو أن حبه لأخيه سيجعله فيما بعد يفقد التحكم في ذاته وأعصابه.
سمعت طرقات على باب غرفتها، ثم دخول أحدهم.
من رائحة العطر القوية علمت أن الداخل هو نور الدين، اقترب منها حتى وصل لشرفة غرفتها، وقف خلف مقعدها تمامًا ثم خرج صوته محرجا:
"نجوان."
لم ترد، فأكمل باعتذار:
"أنا آسف إني اتعصبت عليكي، بس ارجوكي اتفهمي حالتي، أنا لما بشوف سراج كدا مببقاش واعي لأي حاجة غير ليه، وأهم حاجة بتبقى بالنسبالي إني أهديه."
لفتت بنظرها نحوه، رمقته بنظرات معاتبة ولم تتحدث. تنهد هو مكملاً:
"متزعليش مني ارجوكي."
كانت تريد أن تغضب أكثر من هذا، لكن مظهره هكذا أمامها رق له قلبها فتبسمت ملامحها وهي تجيبه:
"لأ، أنا مش زعلانة."
نور الدين بنظرات فاحصة:
"متأكدة؟"
"آه والله مش زعلانة."
وأكملت بهمس لم يصل له:
"أنا مقدرش أزعل منك أصلًا."
بينما قال هو، بعدما استعد ليغادر:
"طيب يلا عشان نتغدا، انتي مفطرتيش كويس، أنا شوفتك الصبح."
أومأت بنعم وهي تنهض عن مقعدها، ثم سارت خلفه بخطواتها الحماسية. كانت بحال في الصباح والآن هي بحال آخر.
كلمة منه، همسة منه، أي شيء منه.
قد يجعلها تسعد لنهاية حياتها.
نظر سراج لهما وهما يهبطان درجات السلم بغيظ، صائحًا:
"ساعة عشان تيجوا، الواحد مستنيكم بقاله كتير ومش راضي ياكل من غيركم."
تطلعت له نيرمين بذهول، فهي حضرته وهو يتناول بشراهة منذ قليل، غمز لها بالخفاء بأن تسكت. ضحكت بكتوم عليه، بالفعل كذلك، صمتت ولم تتحدث.
جلس نور الدين على المقعد الرئيسي لطاولة الطعام، وعلى يمينه كانت تجلس عمته، بجوارها جلست نجوان، وعلى يساره جلس سراج.
سراج يلوك قطعة من الطعام بفمه:
"العربية الجديدة دي فظيعة يا نور، بركبها بقالي شهور ودلوقتي محصلهاش أي حاجة ودي غريبة عليا."
ابتسم أخيه وهو يرى سعادته، فأكمل سراج وملامحه تنغص بضيق:
"القديمة دي الله ياخدها... كانت ممرراني ومورياني الويل."
وعلى سيرة السيارة القديمة تبدلت ملامح وجه نور الدين ونيرمين.
لم يلاحظ سراج ذلك لأنه كان منشغلاً بتناول الطعام.
لكن نجوان، لاحظت ملامحهم جيدًا، فنظرت لهم بعدم فهم وهي تتساءل بداخلها:
"لما سيرة السيارة القديمة عكرت مزاجهم هكذا؟!"
***
وقفت أمام جهاز الغاز الخاص بطهي الطعام، تقوم بعمل فنجانين من القهوة لها ولصديقتها، التي جلست على مقعد يوجد بالمطبخ وسندت يدها على الطاولة، تهتف بإرهاق:
"لولا إني عارفة حاجتك للهدوم الجديدة دي مكنتش جيت ليكي والله."
سكبت الفتاة القهوة بالفنجانين وتقدمت نحو صديقتها وهي تمسك بهما.
وضعت أمامها فنجانًا من القهوة وهي أمسكت بآخر، قالت ببسمة وهي تراقب ملامح صديقتها المتعبة:
"ملك حبيبة قلبي لازم تستحملي معايا شوية."
ملك بضيق وعتاب، وهي تعتدل في جلستها:
"أستحمل وأساعدك تعملي حاجة أنا مش راضية عنها يا هانيا؟!"
هانيا بجمود:
"ملك، قولنا إيه، بلاش تفتحي كلام ملهوش فايدة. المهم جبتي الفساتين؟"
رمقتها بغيظ ثم سحبت حقيبة من على الأرضية ووضعتها على الطاولة بعنف و:
"أهي فساتين سهرات زي ما طلبتي بكل لوازمهم."
تركت فنجان قهوتها وراحت تفتح الحقائب، تنظر لما بداخلها بإعجاب وبسمة رضى.
ثم أرسلت لصديقتها قبلة هوائية مغمغمة:
"واللي انتي روحي، روحي، روحي."
رغم سأم ملك الواضح إلا أنها ابتسمت مجيبة:
"انتي كمان روحي وقلبي."
تناولت رشفتين سريعتين من القهوة ونهضت من مقعدها تهتف باستعجال:
"الحق أمشي بقى عشان ورايا تنضيف وحوار كبير ساعدتك."
وقفت تقبلها ثم ودعتها بحب:
"طيب سلام دلوقتي، ابقي أكلمك بعدين."
ملك بتحذير:
"خلي بالك من نفسك، حاولي متوقعيش نفسك في مشاكل."
"حاضر، متقلقيش عليا."
***
جلس على مسنده المعتاد بذلك الملهى ومعه لارا، التي حاولت أن تلفت انتباهه لها لكنه بالفعل كان منشغلًا عنها بتفكيره.
همست بملل وهي تضع يدها على كتفه:
"سراج، أنت سرحان في إيه كدا؟"
ظل شاردًا ولم ينتبه لها، كأنها لم تتحدث من الأساس، فقالت بنبرة مرتفعة قليلاً:
"سـراج."
رفع بصره لها بعيون زائغة، سرعان ما اتسعت تدريجيًا وهو يرى من خلفها تلك الجميلة تدخل للصالة الليلية، راح ينظر لها من أسفلها لأعلاها.
كانت ترتدي فستانًا يعد محتشمًا بالنسبة لملابس جميع من حولها، لونه فيروزي يشبه لون عينيه هو، يصل لنهاية أقدامها، عاري الكتفين، ومنغلقًا عند منطقة الصدر.
خصلاتها تركتها مفرودة على طول ظهرها.
ابتسم تلقائيًا وهو يراها تدخل وتجلس على إحدى الطاولات القريبة منه.
انتبهت لارا لنظراته لتلك الفتاة فقالت بتساؤل مغتاظ:
"أنت تعرف البنت دي؟"
تجاهلها وكأنه لم يسمعها وأكمل مراقبته لتلك الجميلة، لحظات والفضول سيطر عليه بطريقة كبيرة، نهض عن مقعده مقرراً التوجه نحوها ليتعرف عليها.
وليحدث ما يحدث، فليس هو من يبقى بعيدًا عن أحد نال على إعجابه.
اقترب منها بخطواته المغرورة، سحب مقعدًا من طاولتها وجلس عليه. رفعت أبصارها تنظر له باستفهام متهجم.
فقال مبتسمًا بعذوبة وهو يمد يده لها:
"ســراج عـدنـان."
نظرت ليده طويلًا ولم ترد سلامه، حتى أنه شعر بالحرج وكاد يسحب يده إلا أنها أخيرًا مدت يدها لتسلم عليه، ناطقة ببسمة خفيفة:
"هـانيـا فــاروق."
ابتسم بإعجاب معلقًا:
"اسمك جميل."
صمت ثم تابع بغزل:
"يليق بجمالك."
توردت وجنتاها قليلاً بحمرة الخجل، ارتفعت بتلك اللحظة صوت موسيقى رومانسية، مد يده لها قائلاً بدرامية:
"تسمحيلي؟"
أومأت بنعم وهي تمنحه يدها، فرقص معها أجمل رقصة قد مرت على حياته.
لا يعلم، لكن تلك الفتاة تجذبه، بها شيء غريب ساحر، يرى فيها الجرأة والبراءة، القوة والخجل، الهدوء والثوران.
يرى فيها كل ما تمنى أن يجده في فتاة يومًا ما.
حركت يدها على كتفه بهدوء وهي تسند رأسها عليه، كانت تنظر لظهره بنظرات غير مفهومة وقد ارتسمت على شفتيها بسمة منتصرة تفوح منها روائح الخبث.
همست بجوار أذنه بعذوبة:
"سعيدة بمقابلتك يا سراج."
فرد هو بنبرة غبطة:
"أنا أسعد يا هانيا."
ارتجفت يدي لارا نتيجة لعصبيتها وهي ترى سراج يتركها ويذهب لغيرها.
يبدو أن ما سمعته عنه حقيقيًا، هو لا يترك صيدة جميلة تفوت من بين يديه.
لا أحد يستطيع أن يكسر حواجز قلبه، أن يدخل لدواخله، أن يسيطر على عقله، جميعهم بالنسبة له.
تسلية لا أكثر.
لكن... هل ستكون هانيا كذلك أيضًا؟!
أم أنها هي من ستجعله تسلية بيدها تلك المرة؟!
رواية لم يكن مجرد حلم الفصل الرابع 4 - بقلم زينب سمير
وقفت سيارته أمام البناية الخاصة بها. نظرت له مبتسمة فبادلها نظراته بأخرى محبة، ثم راح يقول بصدق:
_ الوقت معاكي بيجري بسرعة، وأنا مش ببقى عايزاه يخلص.
خجلت ملامحها الوسيمة، أدخلت أصابعها بين خصلاتها تحركها فيها بحرج. جمعت صوتها الهارب بفعل الخجل لتجيبه:
_ أنا كمان ببقى مبسوطة بالوقت اللي بنقضيه سوا.
نظر لشارعها الصامت ثم لها هاتفا بجدية:
_ طيب انزلي بقى عشان محدش يفهم وقفتنا غلط.
ابتسمت وأومأت بحسنا، ثم نزلت من السيارة. دخلت لمبناها وجازت الحديقة ثم وقفت أمام بوابتها. التفتت له وجدته مازال يقف ينتظر كعادته حتى يطمئن أنها دخلت. لوحت له بخفة ثم أغلقت أبواب البناية.
وخلفها.. تغيرت ملامحها من باسمة لمتهجمة، متألمة.
صعدت للطابق الذي يضم شقتها، أدخلت المفتاح في بابها ثم فتحته ودخلت. ألقت حقيبتها على أقرب مقعد لها، وجلست على آخر.
سمعت صوت وصول رسالة. مدت يدها للحقيبة فتحتها وأخذته، وجدتها منه. فتحتها وجدت مضمونها:
"متنسيش معادنا بكرة في النادي.. هستناكي من النجمة."
ووُضع في نهاية الرسالة اسمه وقلب أحمر. تنهدت بسأم وهي تضع الهاتف بأهمال على الطاولة أمامها. نظرت لسقف غرفتها ثم همست بتعب:
_ يارب قويني..
أطلق تصفيرات مزاجية عالية وهو يدخل من باب المنزل. وجد نور الدين وعمته يجلسون أمام التلفاز ومعهم نجوان.
اقترب منهم يقول ببسمة فرحة:
_ أهلا أهلا بالقمرات.
راقب أخيه سعادته الواضحة ببسمة، بينما قالت نجوان بضيق:
_ الباشا اللي مبنشوفش وشه.
جلس على مقعد بجوارها، وسحب من يدها صحناً من البشار أخذ يتناول منه بنهم وهو يردد:
_ معلش يا ناجو، مشغول والله.
غمزت له تسأله:
_ مزة جديدة ولا إيه؟!
تنهد بحب عندما تذكرها، تلك التي بدأت تخطف قلبه تدريجياً، برقتها وجمالها وحتى حديثها الممتع معه. فاق على صوت ضحكات نور الدين وصوته:
_ شكله المرة دي وقع بجد.
نظر لأخيه و:
_ صعب إنها متتحبش والله يا نور.
نيرمين بسعادة:
_ عايزين نتعرف عليها يا سراج.
نهض عن جلسته، وأخذ يتثأب بإرهاق. وكاد يغادر إلا أنه نظر لعمته قائلاً:
_ قريب إن شاء الله يا نينى هعرفكم عليها.. هروح أنام بقى.
بتحذير قال نور الدين:
_ متنساش المهدئ.
أومأ بنعم وغادرهم بهدوء، ولم يقل لشقيقه إنه توقف عن أخذ المهدئ منذ أن ظهرت تلك الجميلة بحياته.
نعم مازال يحلم بكوابيس، لكنها لم تعد بنفس فجاعة الكوابيس السابقة.
كانت أهون بكثير من زي قبل، وهو يرى أن الفضل يعود لتلك الزائرة الجديدة لحياته.
بعدما غفى الجميع بقيت فقط نجوان ونور الدين بالبهو. كان هو يعمل على جهازه الإلكتروني الخاص وهي تشاهد التلفاز.
قطعت ذلك الصمت هي بقولها:
_ تتوقع سراج حبها المرة دي بجد؟
عندما جاءت سيرة سراج بحديثها ترك جهازه ونظر لها باهتمام و:
_ أتوقع عادي، سراج لو شاف فيها اللي بيتمناه في شريكة حياته مش هيمنع قلبه من الحب.
_ وأنت؟
خرج حديثها عفوياً، غير مفهوماً بالنسبة له، فضيق ما بين حاجبيه مستفهماً:
_ أنا إيه؟
غضبت من ذاتها لاندفاعها بالحديث إلا أنها قررت أن تحادثه بتلك المسألة بجراءة لترى هل يوجد أمل أم لا.
فسألته:
_ مش هتحب؟
ظلت ملامحه على ذاتها لم تتغير أو تتأثر وهو يجيبها:
_ لا أنا شايف حياتي كده أحسن بكتير.
كادت عيونها أن تدمع وهي تراه لا يفكر بأن يحب حتى، لكن رغم هذا تماسكت و:
_ لو حد ظهر فجأة مناسب ليك.. مش هتفكر تحبه وتتجوز؟
حرك كتفيه علامة الجهل مردداً:
_ مش عارف والله.
ثم عاد يمسك جهازه مكملاً:
_ أنا حالياً اللي شاغل بالي شغلي وسراج وبس، مفيش أي حاجة غيرهم يا نجوان.
أومأت بتفهم بشرود، لكنه لم يراها فهو راح يعمل مرة أخرى على جهازه الإلكتروني.
قليلاً واستأذنته مغادرة لغرفتها.
تنهد وهو يترك جهازه ينظر لأثرها بحزن هامساً:
_ آسف يا نجوان، بس أنا مش مناسب ليكي خالص، انتي نقية وبريئة أوي لكن أنا....
سحب نفساً عميقاً ثم زفره متنهداً وتابع:
_ لا، مش بريء زيك ولا عمري هكون.
فـ يديه ملوثة بدماء الجريمة، لسانه صامت عن الحق، الذنوب مفصلة له زياً، يغطيه من رأسه لأصابع قدمه..!!
رأتها تتزين أمام مرآتها وهي بكامل هدوئها وسعادتها. لم تستطع أن تصمت فقالت بصياح متضايق:
_ هانيا، كفاية كده، أنا مش بعرف أنام لأني عارفة باللي بتعمليه ومقدرش أتكلم.
وضعت ملمعاً شفافاً على شفتيها وراحت تلوكه بخفة بلسانها على شفتيها، ثم نظرت لها تقول بهدوء:
_ متشيليش نفسك ذنب إنتِ مش قده، ربنا عارف ياستي إنك معترضة فمتخفيش مش هتشيلي ذنوب.
ملك بدموع:
_ طيب كفاية.. إنتِ خليتيه يحبك عايزة إيه تاني؟!
وعلى سيرة حبه قالت بعيون شرسة تبتسم بتشفي:
_ تعالي شوفيه وهو بيتعامل كأنه أسد عرف يوقع فريسته في حبه، ميعرفش إني أنا اللي لاعباناه على مزاجي.
اعترضت قائلة بضيق:
_ بس رغم كدا هو حبك.
نهضت عن مقعدها الذي يقبع أمام المرآة، سحبت حقيبتها التي تتلاءم مع زيها، وضعت فيها متعلقاتها الشخصية ثم أخيراً ردت عليها:
_ أها حبني وأنا عايزاه يحبني أكتر وأكتر.
وقفت ملك أمامها تماماً تصيح بغضب:
_ إنتِ من امتى بقيتي كده.
بدموع أجابتها، عيونها بقلب ونصب عيون الأخرى:
_ من ست شهور بقيت كده يا ملك.. من ست شهور اتغيرت وهو السبب.
أبعدتها عن طريقها مكملة بإصرار:
_ ودلوقتي ابعدي عشان ورايا موعد غرامي.
واطلقت ضحكة عالية، مكملة:
_ مـع قـاتـل..
_ اتأخرتي أوي يا هانيا.
قالها سراج وهو ينهض عن مقعده، ليسلم عليها، فهو منتظرها تقريباً منذ نصف ساعة. لم يمل وتلك ليست من عاداته لكنه أيضاً كان ينتظر على أحر من الجمر.
فهو اشتاق لها للغاية. سلمت عليه برقتها المعتادة ثم جلست على مقعد مقابل له وهي تقول:
_ أنا قولت إنك أكيد هتتأخر عقبال ما تخلص شغلك، وتظبط أمورك، فتحركت متأخر شوية من البيت.
قال مندفعاً:
_ أنا مش بشتغل أصلاً.
تظاهرت بالصدمة وهي تردد بذهول:
_ معقول مبتشتغلش!! يعني عاطل؟
نظر للمطعم والنادي حوله، ثم لها، متابعاً:
_ أنا لو عاطل، هبقى قاعد معاكي دلوقتي في نادي زي ده!
نزعت نظارتها الشمسية عن عيونها العسلية، ووضعتها على الطاولة ونظرت له هاتفة:
_ مقصدش بـ عاطل إنك مش لاقي تاكل يا سراج، قصدي إنك زيك زي أي بيبي بياخد مصروفه من أهله.
وتطلعت له بنظرات معجبة مقصودة وهي تكمل:
_ مع إنك مش بيبي خالص.
حسناً حديثها ضايقه وأسعده، لا يستطيع أن يعبر عن ما يجول بصدره جيداً نتيجة لما قالته، إلا أنه بالاخير تشدق بـ:
_ أنا مش باخد مصروف من حد، أنا بصرف من ورثي وحقي!
_ إنت بتقول إنك مبتشتغلش في شركتكم معنى كده إن أخوك بس اللي بيشتغل فيها، يعني زمان ورثك خلص من زمان أو قرب يخلص لأنك مبتنتجش جديد!
تلك هي المرة الأولى التي يفكر فيها بذلك الشيء. أول مرة يفكر أنه بحياته لا يفعل شيئاً سوى أن يأخذ لا يعطي، ماله! أي مال يحكي عنه بالله، هو الآن يصرف من مال أخيه بالطبع.
ورثه انتهى منذ سنوات ربما..
سراج بحيرة:
_ أول مرة أفكر كده، نور الدين عمره ما طلب إني أشتغل معاه.
قالت كلمات رغم أنها صعبة عليها أن تنطقها بكل تلك الرقة إلا أنها قالتها:
_ أخوك بيحبك من كلامك عنه بيقول إنه كمان مش بس بيحبك فأكيد مش هيفاتحك في موضوع زي ده.
صمت لفنية يفكر ثم قال بصوت جاد:
_ أنا هبدأ أشتغل معاه وأساعده، هو مطلبهاش ومكنش هيطلبها عشان راحتي، لكن أنا كمان مهتم براحته ومتأكد إن حاجة زي دي هتبسطه.
ابتسمت دون سبب وهي تراه يتحدث بتلك الطريقة، كرجل محب لأخيه، طيباً وبريئاً. عندما استوعب المشقة التي يعاني منها أخيه قرر أن يضحي براحته.
نظر هو لها بنظرات محبة مكملاً:
_ شكراً إنك في حياتي.
تبسمت بوجهه ولم ترد.
وبداخل نفسها همست:
_ شكراً لأنك رغم شرك إلا أنك طيب وغبي وبتساعدني في خططي من غير ما تحس..!!
_ بكل مهارة وتفوق!!
_ يابنتي أنا كل ما أشوفك ألاقيكي يا بتاكلي يا بتتفرجي على التلفزيون!!
قالها سراج لنجوان وهو يدخل لغرفة المعيشة التي تجلس فيها هي تستمع لأحد الأفلام وهي تتناول الطعام! تفعل الاثنان معاً.
أكلت قطعة من التفاح المقطع ورددت بينما هي تلوكها بتلذذ:
_ أومال يعني عايزني أعمل إيه يا سراج!!
جلس على الأريكة التي تجلس عليها بأسترخاء وتناول منها صحن الفواكه، راح يأكل منه بشراهة و:
_ انت شكلك هتطولي المرة دي في مصر، وهتخربي بيتنا إحنا.
نجوان بملامح باردة:
_ إنت مالك إنت هو أنا بصرف من جيبك.
تجمدت ملامحه وهو يستمع لحديثها، ما له اليوم ينتبه لحقيقة الأمر جيداً، إنه عالة على أخيه لا يفعل شيئاً بالفعل سوى إهدار ماله.
لاحظت تكهفر وجمود ملامحه فقالت بقلق:
_ ســراج.. ســراج.
الا انه لم يرد، فحركت يدها أمام وجهه عدة مرات وهي تصيح بصوت مزعج:
_ إنت يابني.. مالك روحت فين؟
انتبه لها أخيراً، فتنهد قبل أن يرد:
_ معاكي أهو، سرحت بس للحظة.
نهض عن الأريكة وقال وهو مستعداً للصعود:
_ هطلع أريح شوية، لما ييجي نور وتبقوا هتتغدوا صاحوني.
أومأت بحسنا ووصل هو بخطواته لباب الغرفة، فقالت بتردد وخوف عليه:
_ ابقي خد المهدئ يا سراج.
لم يرد وأكمل طريقه.
فهو بات يكرهه بشدة ذلك الشيء الذي يشعره بالمرض.
نعم كل صباح يتعامل وكأنه غير ذلك الصارخ ليلاً، الا أن بالفعل تلك الأحلام وذلك المهدئ.
بدأوا بمضايقته وجعله يسأم منهم ومن الليل بطوله...!!
رواية لم يكن مجرد حلم الفصل الخامس 5 - بقلم زينب سمير
"سأسألك ذات يوم
_ اتحبني؟
ستجيب لتسعدني " نعم"
وبالفعل سأسعد لأني سأكون بدأت في أول خطوات انتقامي والأخذ بثأري، لذلك اعترف بالكذب عندما أسألك الحب وقل... أنا لا أهوي..!!"
ذهول نور الدين الذي ارتسم على ملامحه، جعله يعلم جيدًا أنه كان متغيبًا أكثر من اللازم عن الواقع. سعادة أخيه التي ارتسمت فيما بعد على وجهه جعلته يدرك أنه فعل الصواب.
جاءه صوت نور الدين الغابط:
_ بجد هتشتغل معايا؟
أومأ ببطء علامة الإيجاب. ابتسمت نيرمين وهي ترى أحوال ابن شقيقها الأصغر التي تغيرت، سريعًا بفضل الحب. الآن فقط بدأت تشعر بنضجه الواضح. خرج صوتها هي الأخرى بسعادة غامرة:
_ أنا مش مصدقة والله يا سراج، أخيرًا هتشتغل!
ضبط ياقة قميصه الوهمي، ناظرهم بغرور مصطنع و:
_ معاكم الباشمهندس سراج عدنان
تنحنح ثم أكمل ضاحكًا:
_ اللي هيجيب الشركة الأرض على إيده بس استنوا
نور الدين بتوجس مصطنع:
_ سراج أنا خفت، الأحسن متشتغلش
_ لا خلاص أنا أخدت قراري، والله ما أنا مغيره أبدًا
رمقته نجوان بخبث وهي ترتشف من كوب عصيرها ثم غمغمت بعبث:
_ شكل القرار دا من طلب حبيبة القلب
تنحنح بحرج في علامة أكدت لهم إيجابية حديثها. تغيرت ملامح نور الدين للجدية وراح يفكر بداخله، من تلك الفتاة؟ التي استطاعت أن تجعل أخيه المدلل يغير رأيه فجأة ويقرر ترك الحياة المرفهة وينزل للعمل!
همس سراج بحب قوي بداخله:
_ عشان أسعدك يا هانيا أنا مستعد أعمل أي حاجة مهما كانت
حتى وإن طلبت منه القتل، سيفعل! ... لكنه بالفعل قاتل!!
التفوا الأربعة أصدقاء حول طاولة المطعم الفاخر، طلب كرم الطعام المعتاد لهم من هذا المطعم ثم انصرف النادل.
هتف ماجد لسراج مازحًا:
_ الباشا اللي ناسينا
سراج بحديث صادق:
_ مقدرش أنساكم والله، انتوا اللي في القلب
كرم بنبرة خبيثة:
_ سمعنا إن فيه حب جديد في حياتك
استرخى على مقعده وهو يخرج سيجارًا راقيًا من جيبه، أشعله ووضعه بين شفتيه، أخذ نفسًا منه كبيرًا ثم زفره و:
_ هي مش حب جديد... هي حبي الوحيد
أطلق معتز صفيرًا عاليًا لفت انتباه بعض الزوار وغمغم بضحك:
_ دا البيه وقع أوي يا شباب
كرم بزهول:
_ أنت لحقت تحبها في عشر أيام!
أخذ نفسًا آخر وزفره ثم قال بعيون بها وميض من الحب:
_ حبيتها من أول طلة شكلي يابني والله
ناظره ماجد بنصف عين معلقًا:
_ حب حقيقي فعلًا، ولا أنت بتاكل بعقلنا حلاوة يا سراج
صمت لثنية من الزمن، احترم أصدقاؤه صمته فصمتوا أيضًا. لحظات وراح هو يتحدث بنبرة غريبة عليهم كما أنها غريبة عليه هو أيضًا:
_ أنا أول ما شفتها يوم النادي حسيتها مختلفة، لقيت قلبي دق دقة غريبة عليا، قولت مش هسيبها تضيع من إيدي، هوقعها فيا يعني هوقعها. تاني مقابلة في البار، مع أول ضحكة سمعتها منها لقيت قلبي بيغني بدقاته وبيعمل معزوفة جديدة عليا بتوجع بس وجعها حلو، وجع تحبه كدا وتتمنى تعيشه طول الوقت. بقيت كل ما أقابلها في البار أسيب قطعة من قلبي معاها وأمشي...
تنهد عاليًا ونظر لأصدقائه وجدهم يرمقونه بهيام، واضعين أيديهم على وجناتهم بدرامية. كتم ضحكاته بصعوبة وتابع:
_ بعد ما كنت بتمنى أقابلها وبنتظر الوقت اللي أشوفها فيه، بقيت أشتقلها أول ما أسيبها، ببقى عايز أكلمها طول الوقت. العشر أيام اللي فاتوا دول هما أحلى عشر أيام في عمري كله وأنا حبيتهم أوي
علق كرم على حديثه بمزاح:
_ ليك حق تحبهم مادام أنا حبيتهم أصلًا
ماجد متدخلًا في الحديث:
_ شباب، أنا عايز أحب زي سراج
أطفأ سيجاره في المطفأة القابعة على الطاولة ونظر له متشدقًا بغرور:
_ للأسف مش هتحب زيِّ، لأنك مش هتلاقي زي هانيا عشان تحبها
رسم على شفتيه بسمة سمجة مكملًا:
_ أصل هانيا واحدة بس، وسراج واحد بس
أصدقاؤه بصوت واحد:
_ مغــرور
وبالحقيقة الغرور يليق به كثيرًا، فوسامته تكفي لتأثر القلوب. حديثه المرح يجذب العقول، طريقة سيره، ملابسه الفاخرة، طلعته الساحرة.
كل تلك الأشياء تجعله واثقًا من نفسه ثقة عمياء....
---
طرقت نيرمين باب غرفة ابنتها ثم دخلت عندما سمحت لها نجوان بذلك، وجدتها تجلس على فراشها والملل يرتسم على ملامحها وهي تلعب بهاتفها قليلًا. جلست على الطرف الآخر من الفراش، تنظر لها قليلًا قبل أن تتنحنح وتقول بنبرة باسمة:
_ نجوان!
نظرت لها وهمهمت بنعم، تحثها على الإكمال بالحديث. تنهدت نيرمين قبل أن تقول:
_ عندي ليكي خبر حلو
_ أيـه هـو!!
أجابتها:
_ من انهاردة مش هتعيشي في حيرة، وتفكير أقعد مع مين؟ بابا ولا ماما
كانت تتابع حديثها بملامح عادية لكن الاهتمام بلغ منتهاه عندها عندما تحدثت والدتها بخصوص ذلك الموضوع. أكملت نيرمين حديثها وهي تنظر للهفة ابنتها وفضولها الواضح المرتسم على ملامحها:
_ بابا هينزل يعيش في مصر ومش هيسافر تاني دبي إلا زيارات بسيطة متباعدة
صرخت بسعادة عالية وهي تنتفض من مكانها:
_ بجــد!
أومأت بنعم وهي تبتسم لسعادة الأخرى، فراحت نجوان تقفز بسعادة كبيرة. رغم جمال دبي هي تعشق بلدها الأم وتشعر بالدفء فيها. عندما تزورها ويأتي موعد الفراق تشعر بأنها ستخرج من منطقة الراحة إلى الشقاء، لا تقصد بذلك سوء بدبي.
لكن روحها تعشق مكانها الذي تربعت فيه بصغرها، دبي أرض الجمال، ومصر أرض الراحة بالنسبة لها.
كانت تغادرها مغصوبة كي لا تترك والدها بمفرده بالغربة، لأجله فقط كانت تضحي براحتها.
وسط تلك السعادة الغامرة التي كانت تحياها، لم تلاحظ نور الدين الواقف على باب غرفتها يراقبها ببساطة طفيفة، فتلك الفتاة كلما تكبر كلما عقلها يصغر.
لا يوجد في قاموسها ما يسمى بالنضج أبدًا...
****
وليلة شتوية تغادر وخلفها أخرى، راح موسم المطر وجاء موسم الشمس الساطعة بالدفء. الليل القصير والصباح الطويل، رغم كره سراج للصيف بكل ما فيه.
إلا أنه يحبه لأجل شيئًا وحيدًا فقط..
وهو ليله..
فهو ما أن يضع رأسه لينام حتى يستيقظ. بالحقيقة هو بات يحبه بعدما ظهرت تلك الأحلام بحياته.
فالليل بالشتاء طويل وصعب عليه بكوابيسه الفزعة لكن بالصيف تكون خفيفة على قلبه.
لهذا السبب فقط.. هو يحب الصيف!
جالسًا على مقعده بتلك الشركة الخاصة بهم، أمامه عدة أوراق تحتاج للمراجعة، خلفه على مسند المقعد قبع جاكيته الرسمي، كان يفتح أول ثلاث أزرار من قميصه لعلها بذلك تدخل القليل من الهواء لجسده الذي حَرّ بفعل الطقس الساخن.
لكن رغم زهقه وعصبيته من الحرارة إلا أنه كان يبتسم وهو يمسك بذلك الهاتف، يهاتف تلك الجميلة عن طريق الرسائل.
بـ غنج استطاع أن يشعر به من رسائلها، راسلته:
_ نسيتني خالص من وقت ما بدأت تشتغل يا سراج
أسرع بالكتابة بشوق وعندما كون رسالة بعثها سريعا محتواها:
_ مقدرش أنساكي طبعًا يا هانيا، أنا حتى عاملك مفاجأة انهاردة
_ إيه هيا، ها إيه هيا!!
ابتسم على فضولها الواضح، ثم دوّن:
_ هتعرفيها لما نتقابل انهاردة
والرد كان بسيطًا للغاية:
_ مستنياك
وستنتظره إلى أبـد الـدهـر حتى تحصل على ما تريد، ثم ستغادره وكأنها لا تعرفه، ولن تنتظره من بعدها أبــدًا..
أغلق الهاتف وعاد يعمل بجهد، أولًا ليسعد أخاه، ثانيًا لينهي ما عليه كي يتفرغ لتلك الجميلة.
طرقات على الباب قطعت أفكاره فسمح للطارق بالدخول بتنهد فـ عليه الكثير المحتاج للعمل والمراجعة والوقت قصير لا يسمح بالتأخر والتكاسل، لحظات وظهرت نجوان، على شفتيها ارتسمت بسمة واسعة.
قالت وهي تغلق الباب وتدخل:
_ الباشا اللي مبقناش بنشوفه
وقف عن مقعده وغادره كي يذهب لها ليحييها ببسمة، بعدما سلم عليها جلست على مقعد مقابل لمقعده الرئيسي وهو جلس على الآخر الذي يفصله عن مقعدها هي طاولة صغيرة.
قالت ببسمة خفيفة:
_ قولت بما إن البيه مش بيسأل أجى أنا وأسأل
غامزها بعبث هاتفا:
_ معقول جاية عشان البيه أنا، ولا البيه التاني
ابتسمت بخجل وحاولت أن تداري وجهها عنه، لحظات تمالكت فيها نفسها ثم سألته:
_ أخبار هانيا إيه؟
على سيرتها اتسعت بسمته، خرج صوته بعشق:
_ كويسة
_ قولتلها إنك بتحبها؟!
أومأ بالنفي و:
_ لسة، انهاردة هقولها، وبعدين هخليكم تتعرفوا عليها
نهضت عن مقعدها وهي تقول:
_ متأكدة إني هحبها لأنك حبيتها، هروح أسلم على نور الدين وهمشي
ابتسم بتفهم وهو يودعها، غادرت.
وعاد هو يعمل من جديد...
_ نـور..!
التف له يقول بتوجس:
_ نعم
عندما رأى ملامحه صرخ بوجل وعاد خطوتين للخلف صارخًا:
_ أنت مين؟
ضحك بسخرية مجيبًا:
_ معقول مش عارف ضحاياك يا نور!!
راح يقترب منه بخطوات بطيئة والآخر يعود للخلف بخطوات سريعة، راح يهمس وهو يسير له:
_ مهما تبعد أنا قريب، مهما تبعد أنا معاك، مهما تبعد أنا هفضل وراك.. ومش هسيبك غير لما روحي ترتاح
انتفض بفزع عندما انفتح الباب، طلعت منه نجوان فوجدته يرفع رأسه عن مكتبه ينظر حوله بذهول وعيونه متسعة، يبدو أنه كان غافيًا واستيقظ فجأة.
همست باسمه بخفوت:
_ نور..!
بجنون قال وهو ينهض:
_ اسمي نور الدين متقوليش نور يا نجوان متقوليش نور
أومأت بالإيجاب عدة مرات وهي ترى حالته تلك، كان يبدو أنه يحلم بكابوس، لذلك خرج صوتها سائلة:
_ أنت بتحلم بكوابيس زي سراج؟
تطلع لها بصمت وتوهان، لكنه لم يجيب. حالته التائهة تلك أوجعت قلبها المحب له، اقتربت منه تربت على كتفه مغمغمة:
_ اهدأ.. هتبقى كويس بس أنت اهدأ وارتاح
وهل يهدأ!!
وهل يرتاح!!
هل يرتاح من قتل، ويرتاح من داري عن الجريمة؟!
بالله لا.. وإن مرت فوق المئة عام مئة ومرت فوق المئة.. ألف.
كوابيس سراج وتخيلات وذنوب نور الدين.. ترى في علاقة تجمع بينهم!!