وقفت سيارته أمام البناية الخاصة بها. نظرت له مبتسمة فبادلها نظراته بأخرى محبة، ثم راح يقول بصدق:
_ الوقت معاكي بيجري بسرعة، وأنا مش ببقى عايزاه يخلص.
خجلت ملامحها الوسيمة، أدخلت أصابعها بين خصلاتها تحركها فيها بحرج. جمعت صوتها الهارب بفعل الخجل لتجيبه:
_ أنا كمان ببقى مبسوطة بالوقت اللي بنقضيه سوا.
نظر لشارعها الصامت ثم لها هاتفا بجدية:
_ طيب انزلي بقى عشان محدش يفهم وقفتنا غلط.
ابتسمت وأومأت بحسنا، ثم نزلت من السيارة. دخلت لمبناها وجازت الحديقة ثم وقفت أمام بوابتها. التفتت له وجدته مازال يقف ينتظر كعادته حتى يطمئن أنها دخلت. لوحت له بخفة ثم أغلقت أبواب البناية.
وخلفها.. تغيرت ملامحها من باسمة لمتهجمة، متألمة.
صعدت للطابق الذي يضم شقتها، أدخلت المفتاح في بابها ثم فتحته ودخلت. ألقت حقيبتها على أقرب مقعد لها، وجلست على آخر.
سمعت صوت وصول رسالة. مدت يدها للحقيبة فتحتها وأخذته، وجدتها منه. فتحتها وجدت مضمونها:
"متنسيش معادنا بكرة في النادي.. هستناكي من النجمة."
ووُضع في نهاية الرسالة اسمه وقلب أحمر. تنهدت بسأم وهي تضع الهاتف بأهمال على الطاولة أمامها. نظرت لسقف غرفتها ثم همست بتعب:
_ يارب قويني..
أطلق تصفيرات مزاجية عالية وهو يدخل من باب المنزل. وجد نور الدين وعمته يجلسون أمام التلفاز ومعهم نجوان.
اقترب منهم يقول ببسمة فرحة:
_ أهلا أهلا بالقمرات.
راقب أخيه سعادته الواضحة ببسمة، بينما قالت نجوان بضيق:
_ الباشا اللي مبنشوفش وشه.
جلس على مقعد بجوارها، وسحب من يدها صحناً من البشار أخذ يتناول منه بنهم وهو يردد:
_ معلش يا ناجو، مشغول والله.
غمزت له تسأله:
_ مزة جديدة ولا إيه؟!
تنهد بحب عندما تذكرها، تلك التي بدأت تخطف قلبه تدريجياً، برقتها وجمالها وحتى حديثها الممتع معه. فاق على صوت ضحكات نور الدين وصوته:
_ شكله المرة دي وقع بجد.
نظر لأخيه و:
_ صعب إنها متتحبش والله يا نور.
نيرمين بسعادة:
_ عايزين نتعرف عليها يا سراج.
نهض عن جلسته، وأخذ يتثأب بإرهاق. وكاد يغادر إلا أنه نظر لعمته قائلاً:
_ قريب إن شاء الله يا نينى هعرفكم عليها.. هروح أنام بقى.
بتحذير قال نور الدين:
_ متنساش المهدئ.
أومأ بنعم وغادرهم بهدوء، ولم يقل لشقيقه إنه توقف عن أخذ المهدئ منذ أن ظهرت تلك الجميلة بحياته.
نعم مازال يحلم بكوابيس، لكنها لم تعد بنفس فجاعة الكوابيس السابقة.
كانت أهون بكثير من زي قبل، وهو يرى أن الفضل يعود لتلك الزائرة الجديدة لحياته.
بعدما غفى الجميع بقيت فقط نجوان ونور الدين بالبهو. كان هو يعمل على جهازه الإلكتروني الخاص وهي تشاهد التلفاز.
قطعت ذلك الصمت هي بقولها:
_ تتوقع سراج حبها المرة دي بجد؟
عندما جاءت سيرة سراج بحديثها ترك جهازه ونظر لها باهتمام و:
_ أتوقع عادي، سراج لو شاف فيها اللي بيتمناه في شريكة حياته مش هيمنع قلبه من الحب.
_ وأنت؟
خرج حديثها عفوياً، غير مفهوماً بالنسبة له، فضيق ما بين حاجبيه مستفهماً:
_ أنا إيه؟
غضبت من ذاتها لاندفاعها بالحديث إلا أنها قررت أن تحادثه بتلك المسألة بجراءة لترى هل يوجد أمل أم لا.
فسألته:
_ مش هتحب؟
ظلت ملامحه على ذاتها لم تتغير أو تتأثر وهو يجيبها:
_ لا أنا شايف حياتي كده أحسن بكتير.
كادت عيونها أن تدمع وهي تراه لا يفكر بأن يحب حتى، لكن رغم هذا تماسكت و:
_ لو حد ظهر فجأة مناسب ليك.. مش هتفكر تحبه وتتجوز؟
حرك كتفيه علامة الجهل مردداً:
_ مش عارف والله.
ثم عاد يمسك جهازه مكملاً:
_ أنا حالياً اللي شاغل بالي شغلي وسراج وبس، مفيش أي حاجة غيرهم يا نجوان.
أومأت بتفهم بشرود، لكنه لم يراها فهو راح يعمل مرة أخرى على جهازه الإلكتروني.
قليلاً واستأذنته مغادرة لغرفتها.
تنهد وهو يترك جهازه ينظر لأثرها بحزن هامساً:
_ آسف يا نجوان، بس أنا مش مناسب ليكي خالص، انتي نقية وبريئة أوي لكن أنا....
سحب نفساً عميقاً ثم زفره متنهداً وتابع:
_ لا، مش بريء زيك ولا عمري هكون.
فـ يديه ملوثة بدماء الجريمة، لسانه صامت عن الحق، الذنوب مفصلة له زياً، يغطيه من رأسه لأصابع قدمه..!!
رأتها تتزين أمام مرآتها وهي بكامل هدوئها وسعادتها. لم تستطع أن تصمت فقالت بصياح متضايق:
_ هانيا، كفاية كده، أنا مش بعرف أنام لأني عارفة باللي بتعمليه ومقدرش أتكلم.
وضعت ملمعاً شفافاً على شفتيها وراحت تلوكه بخفة بلسانها على شفتيها، ثم نظرت لها تقول بهدوء:
_ متشيليش نفسك ذنب إنتِ مش قده، ربنا عارف ياستي إنك معترضة فمتخفيش مش هتشيلي ذنوب.
ملك بدموع:
_ طيب كفاية.. إنتِ خليتيه يحبك عايزة إيه تاني؟!
وعلى سيرة حبه قالت بعيون شرسة تبتسم بتشفي:
_ تعالي شوفيه وهو بيتعامل كأنه أسد عرف يوقع فريسته في حبه، ميعرفش إني أنا اللي لاعباناه على مزاجي.
اعترضت قائلة بضيق:
_ بس رغم كدا هو حبك.
نهضت عن مقعدها الذي يقبع أمام المرآة، سحبت حقيبتها التي تتلاءم مع زيها، وضعت فيها متعلقاتها الشخصية ثم أخيراً ردت عليها:
_ أها حبني وأنا عايزاه يحبني أكتر وأكتر.
وقفت ملك أمامها تماماً تصيح بغضب:
_ إنتِ من امتى بقيتي كده.
بدموع أجابتها، عيونها بقلب ونصب عيون الأخرى:
_ من ست شهور بقيت كده يا ملك.. من ست شهور اتغيرت وهو السبب.
أبعدتها عن طريقها مكملة بإصرار:
_ ودلوقتي ابعدي عشان ورايا موعد غرامي.
واطلقت ضحكة عالية، مكملة:
_ مـع قـاتـل..
_ اتأخرتي أوي يا هانيا.
قالها سراج وهو ينهض عن مقعده، ليسلم عليها، فهو منتظرها تقريباً منذ نصف ساعة. لم يمل وتلك ليست من عاداته لكنه أيضاً كان ينتظر على أحر من الجمر.
فهو اشتاق لها للغاية. سلمت عليه برقتها المعتادة ثم جلست على مقعد مقابل له وهي تقول:
_ أنا قولت إنك أكيد هتتأخر عقبال ما تخلص شغلك، وتظبط أمورك، فتحركت متأخر شوية من البيت.
قال مندفعاً:
_ أنا مش بشتغل أصلاً.
تظاهرت بالصدمة وهي تردد بذهول:
_ معقول مبتشتغلش!! يعني عاطل؟
نظر للمطعم والنادي حوله، ثم لها، متابعاً:
_ أنا لو عاطل، هبقى قاعد معاكي دلوقتي في نادي زي ده!
نزعت نظارتها الشمسية عن عيونها العسلية، ووضعتها على الطاولة ونظرت له هاتفة:
_ مقصدش بـ عاطل إنك مش لاقي تاكل يا سراج، قصدي إنك زيك زي أي بيبي بياخد مصروفه من أهله.
وتطلعت له بنظرات معجبة مقصودة وهي تكمل:
_ مع إنك مش بيبي خالص.
حسناً حديثها ضايقه وأسعده، لا يستطيع أن يعبر عن ما يجول بصدره جيداً نتيجة لما قالته، إلا أنه بالاخير تشدق بـ:
_ أنا مش باخد مصروف من حد، أنا بصرف من ورثي وحقي!
_ إنت بتقول إنك مبتشتغلش في شركتكم معنى كده إن أخوك بس اللي بيشتغل فيها، يعني زمان ورثك خلص من زمان أو قرب يخلص لأنك مبتنتجش جديد!
تلك هي المرة الأولى التي يفكر فيها بذلك الشيء. أول مرة يفكر أنه بحياته لا يفعل شيئاً سوى أن يأخذ لا يعطي، ماله! أي مال يحكي عنه بالله، هو الآن يصرف من مال أخيه بالطبع.
ورثه انتهى منذ سنوات ربما..
سراج بحيرة:
_ أول مرة أفكر كده، نور الدين عمره ما طلب إني أشتغل معاه.
قالت كلمات رغم أنها صعبة عليها أن تنطقها بكل تلك الرقة إلا أنها قالتها:
_ أخوك بيحبك من كلامك عنه بيقول إنه كمان مش بس بيحبك فأكيد مش هيفاتحك في موضوع زي ده.
صمت لفنية يفكر ثم قال بصوت جاد:
_ أنا هبدأ أشتغل معاه وأساعده، هو مطلبهاش ومكنش هيطلبها عشان راحتي، لكن أنا كمان مهتم براحته ومتأكد إن حاجة زي دي هتبسطه.
ابتسمت دون سبب وهي تراه يتحدث بتلك الطريقة، كرجل محب لأخيه، طيباً وبريئاً. عندما استوعب المشقة التي يعاني منها أخيه قرر أن يضحي براحته.
نظر هو لها بنظرات محبة مكملاً:
_ شكراً إنك في حياتي.
تبسمت بوجهه ولم ترد.
وبداخل نفسها همست:
_ شكراً لأنك رغم شرك إلا أنك طيب وغبي وبتساعدني في خططي من غير ما تحس..!!
_ بكل مهارة وتفوق!!
_ يابنتي أنا كل ما أشوفك ألاقيكي يا بتاكلي يا بتتفرجي على التلفزيون!!
قالها سراج لنجوان وهو يدخل لغرفة المعيشة التي تجلس فيها هي تستمع لأحد الأفلام وهي تتناول الطعام! تفعل الاثنان معاً.
أكلت قطعة من التفاح المقطع ورددت بينما هي تلوكها بتلذذ:
_ أومال يعني عايزني أعمل إيه يا سراج!!
جلس على الأريكة التي تجلس عليها بأسترخاء وتناول منها صحن الفواكه، راح يأكل منه بشراهة و:
_ انت شكلك هتطولي المرة دي في مصر، وهتخربي بيتنا إحنا.
نجوان بملامح باردة:
_ إنت مالك إنت هو أنا بصرف من جيبك.
تجمدت ملامحه وهو يستمع لحديثها، ما له اليوم ينتبه لحقيقة الأمر جيداً، إنه عالة على أخيه لا يفعل شيئاً بالفعل سوى إهدار ماله.
لاحظت تكهفر وجمود ملامحه فقالت بقلق:
_ ســراج.. ســراج.
الا انه لم يرد، فحركت يدها أمام وجهه عدة مرات وهي تصيح بصوت مزعج:
_ إنت يابني.. مالك روحت فين؟
انتبه لها أخيراً، فتنهد قبل أن يرد:
_ معاكي أهو، سرحت بس للحظة.
نهض عن الأريكة وقال وهو مستعداً للصعود:
_ هطلع أريح شوية، لما ييجي نور وتبقوا هتتغدوا صاحوني.
أومأت بحسنا ووصل هو بخطواته لباب الغرفة، فقالت بتردد وخوف عليه:
_ ابقي خد المهدئ يا سراج.
لم يرد وأكمل طريقه.
فهو بات يكرهه بشدة ذلك الشيء الذي يشعره بالمرض.
نعم كل صباح يتعامل وكأنه غير ذلك الصارخ ليلاً، الا أن بالفعل تلك الأحلام وذلك المهدئ.
بدأوا بمضايقته وجعله يسأم منهم ومن الليل بطوله...!!