"سأسألك ذات يوم
_ اتحبني؟
ستجيب لتسعدني " نعم"
وبالفعل سأسعد لأني سأكون بدأت في أول خطوات انتقامي والأخذ بثأري، لذلك اعترف بالكذب عندما أسألك الحب وقل... أنا لا أهوي..!!"
ذهول نور الدين الذي ارتسم على ملامحه، جعله يعلم جيدًا أنه كان متغيبًا أكثر من اللازم عن الواقع. سعادة أخيه التي ارتسمت فيما بعد على وجهه جعلته يدرك أنه فعل الصواب.
جاءه صوت نور الدين الغابط:
_ بجد هتشتغل معايا؟
أومأ ببطء علامة الإيجاب. ابتسمت نيرمين وهي ترى أحوال ابن شقيقها الأصغر التي تغيرت، سريعًا بفضل الحب. الآن فقط بدأت تشعر بنضجه الواضح. خرج صوتها هي الأخرى بسعادة غامرة:
_ أنا مش مصدقة والله يا سراج، أخيرًا هتشتغل!
ضبط ياقة قميصه الوهمي، ناظرهم بغرور مصطنع و:
_ معاكم الباشمهندس سراج عدنان
تنحنح ثم أكمل ضاحكًا:
_ اللي هيجيب الشركة الأرض على إيده بس استنوا
نور الدين بتوجس مصطنع:
_ سراج أنا خفت، الأحسن متشتغلش
_ لا خلاص أنا أخدت قراري، والله ما أنا مغيره أبدًا
رمقته نجوان بخبث وهي ترتشف من كوب عصيرها ثم غمغمت بعبث:
_ شكل القرار دا من طلب حبيبة القلب
تنحنح بحرج في علامة أكدت لهم إيجابية حديثها. تغيرت ملامح نور الدين للجدية وراح يفكر بداخله، من تلك الفتاة؟ التي استطاعت أن تجعل أخيه المدلل يغير رأيه فجأة ويقرر ترك الحياة المرفهة وينزل للعمل!
همس سراج بحب قوي بداخله:
_ عشان أسعدك يا هانيا أنا مستعد أعمل أي حاجة مهما كانت
حتى وإن طلبت منه القتل، سيفعل! ... لكنه بالفعل قاتل!!
التفوا الأربعة أصدقاء حول طاولة المطعم الفاخر، طلب كرم الطعام المعتاد لهم من هذا المطعم ثم انصرف النادل.
هتف ماجد لسراج مازحًا:
_ الباشا اللي ناسينا
سراج بحديث صادق:
_ مقدرش أنساكم والله، انتوا اللي في القلب
كرم بنبرة خبيثة:
_ سمعنا إن فيه حب جديد في حياتك
استرخى على مقعده وهو يخرج سيجارًا راقيًا من جيبه، أشعله ووضعه بين شفتيه، أخذ نفسًا منه كبيرًا ثم زفره و:
_ هي مش حب جديد... هي حبي الوحيد
أطلق معتز صفيرًا عاليًا لفت انتباه بعض الزوار وغمغم بضحك:
_ دا البيه وقع أوي يا شباب
كرم بزهول:
_ أنت لحقت تحبها في عشر أيام!
أخذ نفسًا آخر وزفره ثم قال بعيون بها وميض من الحب:
_ حبيتها من أول طلة شكلي يابني والله
ناظره ماجد بنصف عين معلقًا:
_ حب حقيقي فعلًا، ولا أنت بتاكل بعقلنا حلاوة يا سراج
صمت لثنية من الزمن، احترم أصدقاؤه صمته فصمتوا أيضًا. لحظات وراح هو يتحدث بنبرة غريبة عليهم كما أنها غريبة عليه هو أيضًا:
_ أنا أول ما شفتها يوم النادي حسيتها مختلفة، لقيت قلبي دق دقة غريبة عليا، قولت مش هسيبها تضيع من إيدي، هوقعها فيا يعني هوقعها. تاني مقابلة في البار، مع أول ضحكة سمعتها منها لقيت قلبي بيغني بدقاته وبيعمل معزوفة جديدة عليا بتوجع بس وجعها حلو، وجع تحبه كدا وتتمنى تعيشه طول الوقت. بقيت كل ما أقابلها في البار أسيب قطعة من قلبي معاها وأمشي...
تنهد عاليًا ونظر لأصدقائه وجدهم يرمقونه بهيام، واضعين أيديهم على وجناتهم بدرامية. كتم ضحكاته بصعوبة وتابع:
_ بعد ما كنت بتمنى أقابلها وبنتظر الوقت اللي أشوفها فيه، بقيت أشتقلها أول ما أسيبها، ببقى عايز أكلمها طول الوقت. العشر أيام اللي فاتوا دول هما أحلى عشر أيام في عمري كله وأنا حبيتهم أوي
علق كرم على حديثه بمزاح:
_ ليك حق تحبهم مادام أنا حبيتهم أصلًا
ماجد متدخلًا في الحديث:
_ شباب، أنا عايز أحب زي سراج
أطفأ سيجاره في المطفأة القابعة على الطاولة ونظر له متشدقًا بغرور:
_ للأسف مش هتحب زيِّ، لأنك مش هتلاقي زي هانيا عشان تحبها
رسم على شفتيه بسمة سمجة مكملًا:
_ أصل هانيا واحدة بس، وسراج واحد بس
أصدقاؤه بصوت واحد:
_ مغــرور
وبالحقيقة الغرور يليق به كثيرًا، فوسامته تكفي لتأثر القلوب. حديثه المرح يجذب العقول، طريقة سيره، ملابسه الفاخرة، طلعته الساحرة.
كل تلك الأشياء تجعله واثقًا من نفسه ثقة عمياء....
---
طرقت نيرمين باب غرفة ابنتها ثم دخلت عندما سمحت لها نجوان بذلك، وجدتها تجلس على فراشها والملل يرتسم على ملامحها وهي تلعب بهاتفها قليلًا. جلست على الطرف الآخر من الفراش، تنظر لها قليلًا قبل أن تتنحنح وتقول بنبرة باسمة:
_ نجوان!
نظرت لها وهمهمت بنعم، تحثها على الإكمال بالحديث. تنهدت نيرمين قبل أن تقول:
_ عندي ليكي خبر حلو
_ أيـه هـو!!
أجابتها:
_ من انهاردة مش هتعيشي في حيرة، وتفكير أقعد مع مين؟ بابا ولا ماما
كانت تتابع حديثها بملامح عادية لكن الاهتمام بلغ منتهاه عندها عندما تحدثت والدتها بخصوص ذلك الموضوع. أكملت نيرمين حديثها وهي تنظر للهفة ابنتها وفضولها الواضح المرتسم على ملامحها:
_ بابا هينزل يعيش في مصر ومش هيسافر تاني دبي إلا زيارات بسيطة متباعدة
صرخت بسعادة عالية وهي تنتفض من مكانها:
_ بجــد!
أومأت بنعم وهي تبتسم لسعادة الأخرى، فراحت نجوان تقفز بسعادة كبيرة. رغم جمال دبي هي تعشق بلدها الأم وتشعر بالدفء فيها. عندما تزورها ويأتي موعد الفراق تشعر بأنها ستخرج من منطقة الراحة إلى الشقاء، لا تقصد بذلك سوء بدبي.
لكن روحها تعشق مكانها الذي تربعت فيه بصغرها، دبي أرض الجمال، ومصر أرض الراحة بالنسبة لها.
كانت تغادرها مغصوبة كي لا تترك والدها بمفرده بالغربة، لأجله فقط كانت تضحي براحتها.
وسط تلك السعادة الغامرة التي كانت تحياها، لم تلاحظ نور الدين الواقف على باب غرفتها يراقبها ببساطة طفيفة، فتلك الفتاة كلما تكبر كلما عقلها يصغر.
لا يوجد في قاموسها ما يسمى بالنضج أبدًا...
****
وليلة شتوية تغادر وخلفها أخرى، راح موسم المطر وجاء موسم الشمس الساطعة بالدفء. الليل القصير والصباح الطويل، رغم كره سراج للصيف بكل ما فيه.
إلا أنه يحبه لأجل شيئًا وحيدًا فقط..
وهو ليله..
فهو ما أن يضع رأسه لينام حتى يستيقظ. بالحقيقة هو بات يحبه بعدما ظهرت تلك الأحلام بحياته.
فالليل بالشتاء طويل وصعب عليه بكوابيسه الفزعة لكن بالصيف تكون خفيفة على قلبه.
لهذا السبب فقط.. هو يحب الصيف!
جالسًا على مقعده بتلك الشركة الخاصة بهم، أمامه عدة أوراق تحتاج للمراجعة، خلفه على مسند المقعد قبع جاكيته الرسمي، كان يفتح أول ثلاث أزرار من قميصه لعلها بذلك تدخل القليل من الهواء لجسده الذي حَرّ بفعل الطقس الساخن.
لكن رغم زهقه وعصبيته من الحرارة إلا أنه كان يبتسم وهو يمسك بذلك الهاتف، يهاتف تلك الجميلة عن طريق الرسائل.
بـ غنج استطاع أن يشعر به من رسائلها، راسلته:
_ نسيتني خالص من وقت ما بدأت تشتغل يا سراج
أسرع بالكتابة بشوق وعندما كون رسالة بعثها سريعا محتواها:
_ مقدرش أنساكي طبعًا يا هانيا، أنا حتى عاملك مفاجأة انهاردة
_ إيه هيا، ها إيه هيا!!
ابتسم على فضولها الواضح، ثم دوّن:
_ هتعرفيها لما نتقابل انهاردة
والرد كان بسيطًا للغاية:
_ مستنياك
وستنتظره إلى أبـد الـدهـر حتى تحصل على ما تريد، ثم ستغادره وكأنها لا تعرفه، ولن تنتظره من بعدها أبــدًا..
أغلق الهاتف وعاد يعمل بجهد، أولًا ليسعد أخاه، ثانيًا لينهي ما عليه كي يتفرغ لتلك الجميلة.
طرقات على الباب قطعت أفكاره فسمح للطارق بالدخول بتنهد فـ عليه الكثير المحتاج للعمل والمراجعة والوقت قصير لا يسمح بالتأخر والتكاسل، لحظات وظهرت نجوان، على شفتيها ارتسمت بسمة واسعة.
قالت وهي تغلق الباب وتدخل:
_ الباشا اللي مبقناش بنشوفه
وقف عن مقعده وغادره كي يذهب لها ليحييها ببسمة، بعدما سلم عليها جلست على مقعد مقابل لمقعده الرئيسي وهو جلس على الآخر الذي يفصله عن مقعدها هي طاولة صغيرة.
قالت ببسمة خفيفة:
_ قولت بما إن البيه مش بيسأل أجى أنا وأسأل
غامزها بعبث هاتفا:
_ معقول جاية عشان البيه أنا، ولا البيه التاني
ابتسمت بخجل وحاولت أن تداري وجهها عنه، لحظات تمالكت فيها نفسها ثم سألته:
_ أخبار هانيا إيه؟
على سيرتها اتسعت بسمته، خرج صوته بعشق:
_ كويسة
_ قولتلها إنك بتحبها؟!
أومأ بالنفي و:
_ لسة، انهاردة هقولها، وبعدين هخليكم تتعرفوا عليها
نهضت عن مقعدها وهي تقول:
_ متأكدة إني هحبها لأنك حبيتها، هروح أسلم على نور الدين وهمشي
ابتسم بتفهم وهو يودعها، غادرت.
وعاد هو يعمل من جديد...
_ نـور..!
التف له يقول بتوجس:
_ نعم
عندما رأى ملامحه صرخ بوجل وعاد خطوتين للخلف صارخًا:
_ أنت مين؟
ضحك بسخرية مجيبًا:
_ معقول مش عارف ضحاياك يا نور!!
راح يقترب منه بخطوات بطيئة والآخر يعود للخلف بخطوات سريعة، راح يهمس وهو يسير له:
_ مهما تبعد أنا قريب، مهما تبعد أنا معاك، مهما تبعد أنا هفضل وراك.. ومش هسيبك غير لما روحي ترتاح
انتفض بفزع عندما انفتح الباب، طلعت منه نجوان فوجدته يرفع رأسه عن مكتبه ينظر حوله بذهول وعيونه متسعة، يبدو أنه كان غافيًا واستيقظ فجأة.
همست باسمه بخفوت:
_ نور..!
بجنون قال وهو ينهض:
_ اسمي نور الدين متقوليش نور يا نجوان متقوليش نور
أومأت بالإيجاب عدة مرات وهي ترى حالته تلك، كان يبدو أنه يحلم بكابوس، لذلك خرج صوتها سائلة:
_ أنت بتحلم بكوابيس زي سراج؟
تطلع لها بصمت وتوهان، لكنه لم يجيب. حالته التائهة تلك أوجعت قلبها المحب له، اقتربت منه تربت على كتفه مغمغمة:
_ اهدأ.. هتبقى كويس بس أنت اهدأ وارتاح
وهل يهدأ!!
وهل يرتاح!!
هل يرتاح من قتل، ويرتاح من داري عن الجريمة؟!
بالله لا.. وإن مرت فوق المئة عام مئة ومرت فوق المئة.. ألف.
كوابيس سراج وتخيلات وذنوب نور الدين.. ترى في علاقة تجمع بينهم!!