تحميل رواية «بلا انذار» PDF
بقلم ملك عبد الرازق
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
ميادة كانت واقفة قدّام حماتها، حاطه إيديها في جنبها، ونار الغيرة باينة في عينيها: _ إيه يا حماتي أنا شايفه العروسة الجديدة بقالها شهر قاعده في شقتها، لسه على إيديها نقش الحنة ولا إيه؟ ولا عشان دكتورة وجوزها دكتور هتعززوها... أنا عايزه أعرف راسي من رجلي عشان لو هي عزلت وقعدت لوحدها أنا كمان من حقي اعزل بقى سيدة رفعت راسها بهدوء، ومسحت إيديها المبلولة في طرف العباية اللي لابساها، وبصّت لها بنظرة فيها خبث: _ إهدي يا ميادة الغربال الجديد ليه شدة، واحده واحده وهجيب رجليها في اللحظة دي دخل ابنها مصطفى...
رواية بلا انذار الفصل الأول 1 - بقلم ملك عبد الرازق
ميادة كانت واقفة قدّام حماتها، حاطه إيديها في جنبها، ونار الغيرة باينة في عينيها:
_ إيه يا حماتي أنا شايفه العروسة الجديدة بقالها شهر قاعده في شقتها، لسه على إيديها نقش الحنة ولا إيه؟
ولا عشان دكتورة وجوزها دكتور هتعززوها...
أنا عايزه أعرف راسي من رجلي عشان لو هي عزلت وقعدت لوحدها أنا كمان من حقي اعزل بقى
سيدة رفعت راسها بهدوء، ومسحت إيديها المبلولة في طرف العباية اللي لابساها، وبصّت لها بنظرة فيها خبث:
_ إهدي يا ميادة الغربال الجديد ليه شدة، واحده واحده وهجيب رجليها
في اللحظة دي دخل ابنها مصطفى باس إيدها وقالها:
_ صباح الخير يا ست الكل، عامله إيه؟
سيدة بصتله وابتسمت:
_ صباح النور يا ضنايا، طمني عامل إيه مع مراتك؟ ولابس ومتشيك كدا ورايح على فين
_ الحمد لله كله تمام، قولت أنزل الصيدلية بقى وأشوف شغلي
ميادة دخلت في الكلام وقالت بسخرية:
– شكل مراتك هتعيش عيشة الأميرات.
لا بتنزل، ولا بتشيل، ولا حتى بتعدّي تقول صباح الخير.
_ واحدة واحدة يا ميادة دي لسه عروسة ومش متعودة على عاداتنا دي
سيدة قاطعته بصوت حاد:
– ما هو الجديد ده يا ابني لازم يتعوّد.
إحنا هنا عيلة واحدة، مفيش حد كبير على الخدمة، ولا حد أحسن من حد.
مصطفى قال بتوتر:
_ ما أنتِ عارفه إنها شارطة من يوم ما اتقدمتلها إنها مش هتعيش في بيت عيلة، وكانت عايزه تعيش في شقة برا، بس أنتِ أكدتيلها إنها هتقعد في شقتها معززة مكرمة، دلوقتي هيبقى شكلنا إيه لما نغير كلامنا، وبعدين هي بتشتغل
انفعلت سيدة وقالتله:
_ أنا صبرت عليها شهر كامل، مرات اخوك دي نازله من أول أسبوع، معنديش حد بيقعد في الشقة لواحده...
أنا عندي نظام ومش هغيره
_ طب ما سامح أخويا عايش لواحده، أنا مش عايز مشاكل في الأول كدا
وقفت صباح وقالتله بصوت عالي:
_ ان كنت عايز يحصل فيك اللي حصل مع اخوك الوسطاني ومراته يبقى أكسر كلامي يا مصطفى
مصطفى قال بتوتر وخوف واضح على صوته:
_ اهدي بس يا ماما ومتزعليش نفسك، ان شاء الله هبقى أقولها تنزل
_ من بكرا يا مصطفى ألاقيها في البيت من الساعة ٨ الصبح، قولها إني عازمه اخواتك وخالاتك على الغدا بكرا وعايزين ندوق أكلها
مصطفى خد نفس طويل، كأنه شايل جبل على صدره، وقال وهو باصص في الأرض:
_ حاضر يا ماما… اللي تشوفيه.
قالها بصوت واطي، مهزوم، لا فيه اعتراض ولا حتى محاولة نقاش.
سيدة ابتسمت ابتسامة صغيرة انتصارها فيها واضح، ولفّت وشها ناحية ميادة.
ميادة رفعت حواجبها بخبث، وملامح وشها ارتاحت، كأنها سمعت الكلام اللي كانت مستنياه.
سيدة رجعت تبص لمصطفى وقالت بنبرة آمرة:
_ خليك فاكر، البيت ده له نظامه… واللي يدخل علينا لازم يمشي عليه.
إحنا مش أقل من حد، ولا ناقصين دكاترة ولا شهادات.
مصطفى هز راسه وهو بيحاول يخبي القلق اللي جوا قلبه:
_ إن شاء الله يا ماما… كله هيبقى تمام.
_____________
خرج مصطفى من البيت، ومع خروجه كانت سيدة بتنفذ خطتها.
أنا صحيت يومها بدري، وأنا ناوية آخد شاور وأجهز الغدا قبل ما مصطفى يرجع من برّه.
كنت لسه فاتحة باب الحمام ، شعري مش متسرح ولبسي خفيف، لما سمعت صوت حركة في المطبخ.
صوت فتح تلاجة… وخبط أطباق.
اتجمدت في مكاني.
مين في الشقة؟
مشيت على أطراف صوابعي، قلبي بيدق في وداني، لحد ما قربت من باب المطبخ…
ولما دخلت، اتصدمت.
حماتي.
واقفة قدام التلاجة المفتوحة، وفي إيدها كيس بلاستيك، بتحط فيه حاجات من عندي بكل أريحية، كأنها في شقتها وأنا اللي ضيفة عندها.
وقفت مكاني، صوتي طلع مخنوق من الصدمة:
_ طنط… إنتِ دخلتي هنا إزاي؟
دا أنا قافلة الباب بإيدي ورا مصطفى!
بصّتلي من تحت لفوق، بصّة خلتني أحس إني واقفة قدام ميزان بيقيسني، مش ست.
وقالت بهدوء مستفز:
_ ما أنا معايا نسخة من مفتاح الشقة.
وبعدين محبتش أخبط وأزعجك وإنتِ نايمة…
ومش هستأذن وأنا داخلة بيتي.
بيتي؟!
الكلمة وقعت على وداني تقيلة.
بلعت ريقي، حاولت أتماسك، رغم الإحراج، ورغم إحساسي إني عريانة قدامها مش بس في هدومي… لا، في خصوصيتي.
قلتلها وأنا بحاول أبان هادية:
_ طيب… فاتحة تلاجتي ليه وبتاخدي حاجتي؟
وفوطي دي اللي حضرتك جبتيها من دولاب أوضة الأطفال واخدها على فين؟
رفعت كتفها بلا مبالاة:
_ ما هو مفيش في البيت ده حاجتي وحاجتك.
كل اللي فيه بتاعنا كلنا.
أنا خدت طقم فوط هنزله تحت، ما أنتِ عندك كتير، وكل اللي في البيت لازم يشارك.
وأنا خدت أربع فرخات، وبطتين، واتنين كيلو لحمة، ولفتين رقاق…
عشان عندنا عزومة بكرا.
وقفت أبص على التلاجة اللي بقت فاضية قدامي، وأنا قلبي بيدق بسرعة وحاسه إني في كابوس، قولتلها وأنا عقلي لسه مش مستوعب اللي بيحصل:
_ يا طنط دا جيبالك طقمين فوط هدية وأربع اطقم سرير، وأطباق، جيبالك حاجات زي اللي عندي وأحسن، معلش تسيبي حاجتي
ردت عليا بنبرة مليانة تهديد وقالتلي:
_جوزك دا لما يدخل يغسل إيده بينشف في الفوطة، يعني هو فرد زيه زي أي حد في البيت، فلازم يساهم بحاجه من شقته، يعني أنتو اللي بتستخدموها تحت وكله ليكم بدل ما نتغرم و نجيب جديد وجوا متكوم قد كده الرفوف هتقع بيه!!
وقفت ساكتة، مش لاقية كلمة أقولها.
مش علشان معنديش رد…
علشان اللي بيحصل كان أكبر من أي رد.
حسّيت إن رجلي تقيلة، وكأني واقفة في أرض بتغرزني لتحت، وباصّة على إيديها وهي بتقفل الكيس وتشدّه كده بعصبية، كأنها بتقفل الموضوع مش الكيس.
حاولت آخد نفس، وقلتلها:
_ طب على الأقل استأذني… أنا اتخضّيت، ولابسة هدوم نوم…
ردت من غير ما تبصلي، وهي شايلة الحاجات:
_ ما أنا أم جوزك، هشوف إيه يعني؟
وبعدين الست الشاطرة متتكسفش من حماتها.
عدّت من جنبي، قبل ما تخرج، وقفت على باب الشقة، ولفّت وشها وقالتلي:
_ على فكرة، انا عازمة خالات جوزك واخواته بكرا...
عايزاكي تنزلي من الساعة ٨ الصبح،
نفرح بيكي بقى…
ونشوف شطارتك.
وسابتني، ومشيت.
قفلت الباب وراها بإيدي اللي كانت بتترعش، وسندت ضهري عليه، ونزلت على الأرض واحدة واحدة.
الشقة كانت ساكتة…
بس جوايا كان في صوت عالي بيصرخ، أنا كنت مفكرة حماتي ست طيبة، لأن شكلها من برا بيقول كدا، لكن طريقة كلامها صدمتني
____________
استنيت لحد ما مصطفى رجع، وحكيتله كل اللي حصل بالتفصيل، وأنا مستنية منه كلمة تطمّني أو حتى تحسسني إني مش لوحدي.
بصلي وقال بكل بساطة:
_ هي معاها مفتاح الشقة من قبل ما نتجوز و دا سلو بيوت العيلة عشان لو لاقدر الله مفتاح ضاع أو حصلت حاجة نلاقيه طوارئ وتلاقيها مرضيتش تصحيكي عشان متزعجكيش و قالي أنزل أساعد عشان أخواته جايين يقضوا اليوم معانا و يياركوا لنا..
بصيتله وأنا مش مستوعبة، وقلتله:
_ انزل ليه؟ إزاي يعني؟ ما إحنا متفقين من الأول إني عازلة!
رد وهو بيحاول يقفل الموضوع:
_ يومين مش هيخسسوكي، وبلاش مشاكل من الهوا.
وبعدين كدا كدا أمي مش محتاجة منكم حاجة، دل بس عشان متعمليش فتنة في البيت!
اعترضت، واتكلمت، وحاولت أفهمه إني مضغوطة، وهنزل الشغل بكرا...
لقيته فجأة قلب عليّ، وخاصمني من غير سبب.
فضل يقول:
_ إنتِ كده بتصغريني قدّام أهلي وأخواتي،
إنتِ مش محترماني، وبتثبتلهم إني ماليش كلمة في بيتي!
ومافيش نزل شغل طول ما أنتِ مش بتسمعي الكلام.
ضغط نفسي وعصبي، شد وجذب، لحد ما لقيت نفسي مرغمة أوافق وأنزل.
والحقيقة…
أنا مكنتش بسكت عشان الموضوع بسيط، أنا كنت بسكت عشان بخاف.
بخاف من زعل مصطفى، من طريقته لما يخاصمني،
لما يسيبني ويبات عند أهله، لما يقولي إني بتاعة مشاكل وحوارات، وإنه زهق من الوضع ده.
فكنت أعدّي، وأقول معلش، وأبلعها، وأقنع نفسي إن دي حاجات بسيطة ومش مستاهلة.
أنا يتيمة.
أمي وأبويا اتوفوا في حادثة وأنا صغيرة، وعمتي هي اللي ربتني أنا وأختي الكبيرة.
ست شالتنا في عينيها، واستحملت مشاكل كتير مع جوزها؛ عشان كانت دايمًا تيجي تطمّن علينا وتشوف ناقصنا إيه،
وحافظت على ورثنا من بابا زي ما يكونوا أمانة في رقبتها.
اتخرجت من كلية صيدلة، واتجوزت مصطفى جواز تقليدي…بس حبيته جدًا.
اتخطبت شهرين بس، مكنتش عايزة أتقل على أختي،
ولا أفضل قاعدة معاها على طول، خصوصًا إني كنت بخاف أقعد لوحدي في بيت أهلي.
لما لقيت مصطفى مواصفاته كويسة، وأهله شكلهم طيب، وحتى سلفتي في الأول كلامها كان معايا حلو.
خلاص… ده العوض.
وعشان كده، مكنتش بعرف أزوّدها، ولا أصعّد المشاكل،
كنت ببلع وأسكت، وأقول لنفسي: استحملي… عشان متخربش على نفسك.
_____________
نزلت فعلًا…
بس من أول دقيقة حسّيت إن الحمل كله اتحط على كتافي.
حماتي وسلفتي، كل واحدة فيهم كان عندها حُجة جاهزة:
واحدة وراها عيال وحامل ومش قادرة، والتانية تعبانة شوية.
وفي الآخر لقيتني أنا اللي بعمل كل حاجة.
طبخ، وتنضيف، وتجهيز، وشيل وحط، لحد ما حيلي اتهد، وضهري وجعني.
إخوات مصطفى وخالاته وصلوا، وأنا واقفة في المطبخ، شعري ملموم على السريع، هدومي متبهدلة من الشغل طول اليوم، وشكلي لا يليق بعروسة مكملتش شهر جواز.
سلفتي نزلت متشيكة وحماتي نفس النظام، بيضحكوا ورايقين وأنا الوحيدة اللي باين عليها البهدلة.
قلت مش مشكلة.
استأذنت أطلع أغيّر هدومي، وأنزل تاني أكمل اليوم.
عدى اليوم وكان تقيل أوي ولما خلص...
كنت فاكرة إن أصعب حاجة في اليوم خلصت، لكن اللي حصل...
رواية بلا انذار الفصل الثاني 2 - بقلم ملك عبد الرازق
استأذنت أطلع أغيّر هدومي، وأنزل تاني أكمل اليوم.
عدى اليوم وكان تقيل أوي ولما خلص...
لقيت حماتي بتقولي وهي مبتسمة:
_ نجحتي في الاختبار يا مرات ابني… أيوة كده، يُعتمد عليكي، ورفعتي راسي.
وقفت أبصلها، مش فاهمة هي بتتكلم عن إيه.
كملت كلامها وقالت:
_ أنا كنت بختبرك بقيس موجك عالي ولا واطي.
ويا ريته ما طلع واطي.
من بعدها بقى طبيعي جدًا
إن حماتي تطلع شقتي في أي وقت، وتاخد اللي هي عايزاه.
أي حاجة.
حلل، أطباق، ملايات… من غير استئذان.
لما اشتكيت لمصطفى،
قاللي بكل بساطة:
_ مش مشكلة، اشتري دماغك.
واللي يحتاجوه ياخدوه، عشان نشتري ودهم.
بس الود… مكنش بيتشرى.
بقيت دايمًا أسمع تنظير حماتي وسلفتي عليا قدام أي حد:
_ امسحي رخامة المطبخ من الماية، اغسلي الفراخ كويس ، لمّعي البوتجاز، ابقى اغسلي التلاجة.
متستهلكيش حاجتك كلها، متبقيش مهملة.
كأني تلميذة، مش ست بيت، ولا زوجة.
والصدمة الأكبر؟
لما كنا قاعدين كلنا وبدأت تحكي لبناتها وسلفتي إني جايبة في دولابي ملابس ليا زي أي زوجة
وإني هقلب الشقة كباريه!
وآدي الدكاترة يا سِتّي.
كأني ارتكبت جريمة، مش مجرد ست عندها لبس خاص.
اتصدمت من جرأتها…
ومن فكرة إنها فتشت في هدومي الشخصية وأحرجتني.
روحت اشتكيت لمصطفى، وأنا متضايقة ومكسورة.
بصلي وقال:
_ تلاقيها شافتهم وقت الفرش.
وبعدين إيه يعني؟ مش أنا مبسوط منك؟
ميشغلكيش كلامهم… وكبّري دماغك.
كان سلبي أوي وأنا بدأت أتخنق ومبقتش مستحملة الوضع اللي بقيت فيه فجأة...
بقى التقليل مني حاجة عادية، بقت حماتي ومرات ابنها الكبير والمفضلة عندها طول الوقت يقللوا مني و يتريقوا عليا وانا كنت بعدي و أقول هزارهم كدا؛ لأن جوزي قالي هما بيتكلموا مع بعض كدا بلاش تكلميهم بفلسفتك عشان ميفكروش إنك بتتكبري عليهم!
بعد خمس شهور من الجواز مصطفى قالي إنه محتاج مبلغ على اللي معاه عشان يفتح صيدلية خاصة بيه وعايز يبيع دهبي...
قلتله طيب خلينا نتكلم بكرا أكون فكرت.
تاني يوم علطول لقيت حماتي بتقولي الست الأصيلة متتصيغش و جوزها محتاج، مينفعش يستلف من الغريب مادام بيته مليان خير!!
مصطفى قالي متعرفيش اختك ولا أي حد وأنا هعوضك ودا كله هيبقى ولولادنا، وهسيبك تنزلي الصيدلية.
صدقته، أو يمكن حبيت أصدقه، وافقت وأخد دهبي كله ما عدا الدبلة والحلق.
ودهبي اللي جبته بفلوسي اللي بتطلعي من الأرض اللي ورثتها من والدي، مع أختي ميعرفش عنهم حاجه. عمتي قالتلي خليكِ ناصحة متجبيش سيرة محدش مضمون، لولاها كنت قولتله وكان خد كل حاجه.
مكنتش أعرف إن اللي بيروح بسهولة بيروح من غير ما يرجع.
___________
في يوم دخلت عليا سلفتي وهي ماسكة ولادها في إيديها وبترميهم حرفيًا جوا شقتي، وقالت بنبرة بكل بجاحة:
_ معلش يا ملك، هسيب الأولاد التلاتة معاكي كام يوم، أنا تعبانة من الحمل وعايزة أروح عند ماما أسبوع أفصل شوية وأريح أعصابي.
اتخضّيت، وبصّتلها بقلق وقلت على طول:
_ طب إزاي يعني؟ هتسيبيلي التلاتة؟ أنا مش هعرف أخلي بالي منهم لوحدي.
ابتسمت ابتسامة خفيفة وقالت وهي بتطبطب على كتفي:
_ لأ متقلقيش، العيال متعلقين بيكِ وبيحبوكِ أوي، والبنت الكبيرة هادية، والولاد يعني… بيحبوا يلعبوا شوية
الكلمة الأخيرة استفزتني، حسّيت إنها بتستهين بيا وببيتي، فقُلت وأنا صوتي بيعلى من غير ما أقصد:
_ معلش، خديهم معاكِ، أنا مش مطالبة أربي ولاد غيري، وبعدين ولادك أشقية وكسرولي الفازات قبل كده وبهدلوا الشقة.
وشها اتغيّر فجأة، لملمت نفسها بسرعة وقالت ببرود:
_ خلاص بقى، أنا ماشية… التوكتوك مستني تحت.
وقبل ما أستوعب اللي بيحصل، كانت فاتحة الباب وبتسيبلي العيال واقفين في نص الصالة، ومشيت، وأنا واقفة مكانى مصدومة، ببص على التلاتة وحاسة إن سقف البيت هيقع فوق دماغي.
وقفت في نص الصالة وبصّيت للتلاتة، قلبي بيدق ودماغي هتنفجر.
الواد الصغير جري على الأنتريه وطلع عليه بجزمته، والتاني شد ستارة البلكونة، والبنت الكبيرة واقفة بتبصلي من غير ولا كلمة.
قلت بصوت مخنوق:
_ يا ولاد لو سمحتوا اقعدوا جنب بعض، أنا مش ناقصة وجع دماغ.
ولا حد عبرني.
الفازة وقعت وصوتها فرقع في المكان، شهقت وحطّيت إيدي على دماغي، يا نهار أبيض… دي لسه جايباها.
جريت عليهم شيلت الصغير من على الانتريه فعيّط، والتاني فضل يضحك، والبنت الكبيرة قامت قالتلي إن ماما قالت نعمل اللي إحنا عايزينه في شقة عمنا.
الكلمة نزلت عليّ تقيلة.
قعدت على الكرسي والدموع نزلت غصب عني، وحسّيت إني لوحدي، شايلة هم مش همي، وعايشة في بيت مش بيتي، وفلوسي راحت في الهوا.
في اللحظة دي باب الشقة اتفتح، جوزي دخل وبص حواليه باستغراب وقال إيه اللي حاصل هنا.
بصّيت له وصوتي طلع مكسور، مرات سابتلي عيالها ومشيت، والشقة اتقلبت وأنا مش قادرة.
رد ببرود وقال ما هم عيال يعني، استحملي شوية.
ضحكت ضحكة فيها وجع وقلت استحمل؟ أنا مستحملة من يوم ما دخلت البيت ده، أنا هسيبلك ولاد أخوك ياخدوا راحتهم، وهدخل ارتاح لأني مصدعة.
_____________
جوزي فعلاً فتح الصيدلية، ونزلني أشتغل معاه فيها.
كنت فاكرة إن دي بداية جديدة، وإن تعبي مش هيضيع وهنقرب من بعض أكتر.
بس بعد شهر واحد بس، وبضغط من حماتي، قالّي أقعد في البيت.
طلبت منه مصروف، قالّي:
_ لما تحتاجي اطلبي.
ولما بقيت أطلب، بقى يرد:
_ دي رفاهيات ملهاش لازمة.
وفي نفس الوقت، والدته طلبت منه يعمل مصروف ثابت للبيت كل شهر، عشان إحنا بناكل ونشرب تحت،
مع إن الحقيقة إنه كان بيأكل البيت كله، وأخوه هربان ومحتاس بديون إحنا ملناش علاقة بيها واتفاجئنا إنه مطارد من الشرطة.
مبقاش في أي فائض نحوشه ولا نأمّن نفسنا بيه.
سألته مرة وأنا موجوعة:
_ مش هتعوضني عن دهبي؟
رد بكل برود:
_ الدهب غِلي، لما يرخص علينا وعليكي بخير، وعلى إيدك اللي جاي على قد اللي رايح.
بعد زعل وخناق ودوشة، دخلنا جمعية كبيرة بـ ١٠٠ ألف جنيه.
قال ندفعهم مقدم شقة بعيدة عن البيت وأخيرًا حسيت إن الأمل رجعلي، وكان اسمنا أول واحد يقبض.
حماتي عرفت توقعه في الكلام
قالتله:
_ عايزين نِجدّد البيت، ونسد جزء من دين أخوك الكبير،
دا هيتحبس.
وفعلاً…
الفلوس كلها راحت.
وهو اتدبّس في ١٠ آلاف جنيه كل شهر، قسط ثابت،
من غير فايدة، لمدة عشر شهور.
وأنا؟
كنت كل شهر بدفع معاه،
من عمري،
ومن سكوتي،
ومن اللي فاضل في قلبي.
___________
نزلت تاني يوم وأنا دماغي تقيلة وجسمي مكسر، ولسه حاطة رجلي على أول السلم لقيت حماتي واقفة قدامي، بصّتلي بنظرة غريبة وقالت:
_ إيه؟ مش حاسة إنك دايخة ولا نفسك غامة عليكِ؟ ولا في إشارة؟
بصّيتلها باستغراب وقلت:
_ إشارة لإيه بالظبط؟ مش فاهمة.
قالت بسخرية:
_ للحمل يا أختي، إنتِ خلاص قربتي تكملي السنة.
ضحكت ضحكة من غير نفس وردّيت:
_ لسه بدري يا حماتي، وبعدين هو أنا اتهنيت من يوم ما دخلت البيت ده؟ هجيب طفل وأخدمكم وأخدم سلفتي وولادها إزاي؟
وشها اتغير فجأة وقالت:
_ لا اقفي معوج واتكلمي عدل يا أختي، دي قواعدنا، والبيت ده بيتي وبيمشي على مزاجي، واللي يخالف القواعد معروف بيحصل فيه إيه، اسألي جوزك وهو يقولك.
حسيت الدم طلع في دماغي، وقلت وصوتي بيعلى:
_ أنا من البداية قولتلكم مش هعيش في بيت عيلة، وانتوا مصدقتوش في كلامكم، خلاص بيوت العيلة دي موضة وراحت لحالها.
أنا مش ملزمة أخدمكم، حرام عليكم أعصابي تعبت ومش مستحملة، بنت أختك ترميلي ولادها وتشيليني الأسبوع بتاعها في البيت ومطلعين عيني، لأ ده أنا بنت ناس ومتعلمة مش جاية أتمرمط هنا، وولاد ابنك يقعدوا معاكي ما شاء الله البيت واسع وفاضي، حتى النوم مش متهنية عليه… كده كتير.
كنت لسه هكمل كلامي، سمعت صوت نفس ورايا، لفّيت لاقيت أخو جوزي الكبير داخل، وشه مكشر وعينه مليانة غضب، من غير ولا كلمة إيده اتمدت وجت على وشي بالقلم.
الضربة رنت في وداني، الدنيا لفت بيا، حطّيت إيدي على خدي وأنا مش مصدقة...
رواية بلا انذار الفصل الثالث 3 - بقلم ملك عبد الرازق
الضربة رنّت في وداني، الدنيا لفت بيا، حطّيت إيدي على خدي وأنا مش مصدقة.
كنت واقفة ثابتة، لا صرخت ولا عيطت، بس حسّيت في لحظة إن كل حاجة جوايا اتكسرت مرة واحدة.
حماتي ما اتحركتش، ما شهقتش، ولا حتى قالت إزاي تعمل كدا
بالعكس… بصّتلي بنظرة رضا غريبة، كأن المشهد ده كان ناقصه تصفيق.
بصيت لابنها اللي تتشل إيده وأنا مش مستوعبة ودموعي بدأت تنزل سخنة على خدي، لاقيته بيبرقلي ويقولي:
_ إياكِ ثم إياكِ تعلي صوتك على ست البيت، وإلا اللي جاي مش هتستحمليه، ولو مش عاجبك نظامنا الباب يفوت جمل وفي ستين داهية، هو إحنا بنتجوز ليه؟
عشان تخدموا أمنا وتشيلوها فوق راسكم
جيت اردله القلم على وشه لكنه مسك إيدي جامد وقالي بغِل:
_ رايحة تعملي إيه يا شاطرة؟ فوقي لنفسك بدل ما افرمك تحت رجلي
رديت عليه وقولتله بتحدي:
_ إيدك اللي اتمدت عليا مش هنسهالك، وهدفعك التمن غالي أوي وهتشوف، وأنتِ يا نبع الحنان ربنا هيجيبلك حقي منك
ضحك بسخرية وقالي:
_ إلعبي بعيد يا شاطرة ووريني أخرك
مصطفى دخل على الصوت، وقف ثواني باصص، لا جري عليّا، ولا سألني في إيه؟ ولا حتى عاتب لأخوه.
سكت… والسكات في اللحظة دي كان أقسى من القلم نفسه. حسّيت إن القلم مكنش من أخوه، القلم الحقيقي كان منه هو، من تخليه عني، من اختياره يفضل واقف في النص وكإن اللي حصل عادي.
لمّيت نفسي بالعافية، عدّلت طرحتي كانت وقعت، وبصّيتله وقلت بهدوء غريب حتى أنا استغربته:
_ كده تمام… الاختبار خلص.
محدش فهم قصدي، ولا حد حاول يفهم.
أول ما خرجت سمعت مصطفى بيقول:
_ أنا فضلت ساكت عشان مش عايز أصغرك قدام مراتي لأنك أخويا الكبير، بس اللي انت عملته غلط وكدا أنا ليا حق عندك، ترضى إني اضرب مراتك بالقلم؟
سمعت صوتها اللي كله غِل وجبروت:
_ مراتك نزلت تزعق وتصرخ وتغلط فيا وأخوك عشان راجل مستحملش اللي حصل ووقفها عند حدها
رد مصطفى وقالها:
_ لأ مراتي ليها راجل تردي عليه غلطها، وأنا مش هسكت على اللي حصل، ما هي بردو ليها طاقة واللي بيحصل فوق تحمل البشر
ضحك أخوه على كلامه وقاله:
_ يا حلاوة مصطفى كبر وبقى ليه صوت وبيخربش، إيه يا جوز الست هتمشي ورا مراتك زي اخوك ولا إيه
ردت أمه وقالتله
_ سيبه يا فتحي خليه يرفع صوته عليا، ادي دقني لو طولت حاجه، أوعى تنسى ان كل حاجه أبوك سايبها بإسمي دا غير اللي عندي كمان، نهايتك هتكون سودا لو ما اتعدلتش يا مصطفى
مصطفى ظهر على صوته التوتر وقال:
_ ما هو أنتو بتصغروني قدامها وكدا مش هينفع، طب كنت استنى وشوف أنا هعمل إيه لما اعرف إني زعقت لأمي... مش تضربها انت، أمك لما طلبت مني اخد الدهب بتاعها عشان تشيله عندها أنا وافقت على الرغم ان مراتك دهبها معاها وشايلاه عند أمها، وضحكت على ملك وقولتلها هفتح الصيدلية ومحتاج فلوس وأصلا انا كنت مجهز الصيدلية من بدري وهي متعرفش.
انا مش برفضلك طلب يا ماما عشان تقوليلي كلامك دا
ردت أمه وقالتله:
_ مش عايزاك تقوي شوكيتها علينا، لازم تفضل محتاجه ليك وميبقاش حيلتها حاجه، هو انا تايهه يعني إنك بتحطلها موانع للحمل في الأكل، دا انا شوفتك بعيني...
سمعت جملتها الأخيرة واتجمدت مكاني والدنيا بدأت تلف بيا، بدأت أسأل نفسي أنا عملت إيه للناس دي عشان يعملوا معايا كدا؟ بيحطلي موانع للحمل مش عايزني أخلف؟
خد دهبي وسلمه لأمه؟
بيتسغلوني عشان بسكت وبمشي الدنيا عشان مش عايزه أخرب على نفسي؟ ولا عشان أبويا ميت ومعنديش إخوات رجاله تقفلهم؟
طلعت على شقتي، قفلت الباب ورايا، وقعدت على الأرض، في اللحظة دي استوعبت الحقيقة كاملة، الدهب اللي راح مش مجرد دهب، دا كان أماني، وكرامة، وأمان.
الشغل اللي نزلتله واتمنع مش مجرد رزق، دا كان طوق نجاة واتقصّ.
الجواز اللي كنت فاكرة إنه شراكة بينا طلع صفقة خسرانة من أول يوم، وأنا اللي دفعت الثمن من عمري وسكوتي.
قعدت أبص حواليّا، الشقة فاضية من أي إحساس، كل حاجة فيها كانت شاهدة إني كنت موجودة بس عمري ما كنت متشافه ولا متقدرة. وقتها بس فهمت إنهم مكنوش بيختبروا طيبتي… كانوا بيعلّموا عليّا وبيكسروني.
بس أنا مش هسيب حقي وكل اللي ليا حق عنده هاخده.
دخلت ألم هدومي عشان اسيبلهم البيت وأمشي، مصطفى فتح باب الأوضة وقالي:
_ أنتِ بتعملي إيه يا ملك؟
رديت بانفعال:
_ أنا همشي مش هقعد دقيقة واحدة زيادة في البيت دا، كنت منتظرة انك تاخدلي حقي لكن للأسف ماليش سند في الغابة اللي وقعت فيها
_ كنتي عايزاني أعمل إيه يعني؟ اضرب أخويا الكبير مش كفايه اللي هو فيه والشرطة بتطارده في كل مكان
قالها وهو بياخد الهدوم من إيدي، شدتها منه وقولتله:
_ أنا الدكتورة ملك انضرب ومن مين؟ من أخو جوزي الشمام اللي مش بيجي من وراه خير وسايبنا محتاسين في ديونه؟
لأ أنا مش جايه اتهان في البيت دا كفايه أوي كدا.
أنا مصدومة فيك، انت لا وفرت ليا أمان ولا استقرار ولا سعادة، عليا بإيه كل دا؟ مشوفتش غير قلة قيمة وبهدلة منك انت وأهلك!
طلقني يا مصطفى...
مسك إيدي وقالي:
_ طلاق إيه؟ مستحيل طبعا، هتروحي فين يعني يا ملك؟ أهلك الله يرحمهم واختك عندها اللي مكفيها، وعمتك كمان، هتقعدي فين؟ في البيت اللي بتلاحقك فيه ذكريات أهلك وتفضلي تعيطي لوحدك؟
متخربيش البيت يا ملك وأنا جاي أقولك حقك عليّا متزعليش
كلامه وجعني لكن حاولت أتماسك وقولتله:
_ انت جبتني خدامه لأمك ومرات اخوك، أخلي بالي من ولادها واشيل شغل البيت كله، حتى كرامتي محفظتهاش، على الاقل الذكريات في بيت أهلي كلها حب ودفى وحزني على فراقهم، لكن هنا مافيش ذرة حب ولا حسيت إني عروسة ولا شوفت الفرح في بيتكم، مشوفتش غير التعاسة
حاول يهدّيني وقالي:
_ كل حاجه هتتحل متقلقيش، بس أنتِ حافظي على بيتك، روحي غيري جو عند اختك وريحي أعصابك، لكن أوعي تفكري في الطلاق أنا مقدرش استغنى عنك، معلش حقك عليّا ولو على ولادي اخويا مش هخليهم يطلعوا هنا
كانت أول مرة يحاول يحتويني وأنا كنت مشتتة مش عارفه هعمل إيه، لكن قولتله:
_ طيب خلاص هبقى أروح عندها بكرا وخلي ولاد أخوك يطلعوا حرام هما ذنبهم إيه يعني.
وبعدين كنت عايزه اروح انا وأنت لدكتور عشان نطمن على الحمل، داخلين في السنة أهو
اتوتر لكنه حاول يبان عادي وقالي:
_ ليه هو إحنا لحقنا نقعد مع بعض عشان نجيب عيال تقرفنا
قولتله بحزن:
_ أنا نفسي في طفل يملى عليا حياتي.
بصيت في عينيه وقولتله:
_ ولا انت مش عايز تجيب أطفال مني بقى؟
مسك إيدي وقالي:
_ يا حبيبتي إحنا لسه صغيرين ومش مستعجلين على الخِلفة، وبعدين سيبيها لوقتها، وهنروح نكشف ليه؟ ما إحنا زي الفل
قولتله بتصميم:
_معلش ريح قلبي وتعالى نكشف بكرا أنا عايزه اطمن، عشان لو في حاجه نلحق نعالجها، لو فعلا بتحبني وعايز تراضيني تيجي معايا بكرا
بعد زن كتير وضغط عليه وافق
ابتسم وخرج، وأنا قعدت على السرير بفكر في حل لمشكلتي وأخرج إزاي من البيت دا بس بعد ما أخد حقي منهم كلهم.
___________
قفلت باب الأوضة عليّا بهدوء، قلبي كان بيدق لدرجة حسّيت صوته هيطلع من صدري، مسكت الموبايل وإيدي بتترعش، بصّيت على الباب كذا مرة قبل ما أطلب الرقم، كنت خايفة حد يسمعني، بس الخوف اللي جوايا كان اتحوّل لحاجة تانية… غضب بارد، هادي، ومصمّم.
ردّ الظابط، صوتُه كان هادي، وأنا حاولت أكون متماسكة:
_ ألو… لو سمحت، أنا عايزة أبلّغ عن شخص مطلوب للشرطة ومستخبي في بيت عيلته.
سألني شوية أسئلة، وأنا كنت برد بهمس:
_ اسمه فتحي، أخو جوزي، عليه قضايا ومطارد، وموجود دلوقتي في البيت وبييجي كل فترة والتانية في أوقات مختلفة.
الظابط سكت ثانيتين، بعدين قاللي بنبرة رسمية:
_ متأكدة من الكلام دا؟
بلعت ريقي وقلت من غير تردد:
_ متأكدة… وأنا مسؤولة عن البلاغ، وكمان كنت عايزه أعمل محضر ليه لأنه تعدى عليا ومش عارفه اخرج من البيت بسببهم
قفلنا، وأنا فضلت واقفة مكاني، حسّيت رجلي مش شايلاني، قعدت على السرير، حطّيت الموبايل مقلوب، وكأني لو بصّيتله تاني هرجع في كلامي، بس لأ… المرة دي مفيش رجوع.
عدّى وقت تقيل، كل دقيقة كانت بتعدّي عليّا كأنها ساعة، أصواتهم بسمعها لأن في مسقط في البيت، كان صوت ضحكهم وكلامهم واصلني، ولا واحد فيهم حاسس إن الأرض بتتسحب من تحت رجله.
فجأة…
خبط شديد على باب الشقة تحت.
قلبي وقف.
سمعت صوت رجالة بتتكلم بجدّية، صوت ظابط واضح، وسؤال مباشر:
_ فين فتحي؟
الدنيا اتقلبت، سمعت حماتي صوتها عالي، مرتبك، بتقول:
_ فتحي؟! لا مش هنا… إحنا منعرفش عنه حاجه!
الظابط رد بصرامة:
_ عندنا بلاغ ومعلومة مؤكدة، ادخلوا جيبوه من جوا.
ثواني…
وبعدين صوت حركة، جري، وصوت حماتي مكسور لأول مرة، وصوت فتحي وهو بيشتم ويزعق:
_ انتوا بتعملوا إيه؟! سيبوني! انا معملتش حاجه!
خرجت من الأوضة ووقفت ورا باب شقتي، خدت نفس عميق وبعدين فتحت الباب وبصيت عليه من فوق، شُفته وهو متكلبش، وشه متغيّر، عينه مليانة ذل وغضب، نفس الإيد اللي اتمدت على وشي كانت مربوطة ورا ضهره.
حماتي كانت واقفة، وشّها أصفر، بتصرخ:
_ سيبوه! ابني دا مظلوم!
الظابط قال بهدوء قاتـ.ل:
_ الكلام ده تقوليّه في القسم.
ابنه نصاب كبير وسارق فلوس الناس.
عدّوا من قدامي، فتحي لمحني، عينه جات في عيني،
ابتسمت ابتسامة معناها وصله كويس.
حاول يتكلم، بس صوته مطلعش، بس شُفت فيه حاجة عمري ما شُفتها قبل كده… خوف وذل.
الباب اتقفل وراهم، وصوت العربية وهو بيبعد.
البيت سكت فجأة… سكوت تقيل، مُربك، كأنه لأول مرة يعرف طعم الحساب.
رجعت قفلت باب شقتي، سندت ضهري عليه، ونفسي طلع تقيل، حطّيت إيدي على قلبي وقلت بصوت واطي، لنفسي:
_ اصبروا عليا مش هتلاحقوا على كم المصايب اللي هتنزل فوق دماغكم واحد ورا التاني.
___________
كنت في مطبخي لاقيت بنت سلفي الكبير داخله عليا بتقولي:
_ عارفه يا طنط ملك أنا بحبك أوي عشان أنتِ طيبة وحنينة علينا، وشكلك حلو أوي.
أنا مش حاسه إني مش زعلانه على بابا لأنه دايمًا بيزعقلي ويقولي مش بحب البنات، وكان بيعاملني وحش أوي
طبطبت عليها وابتسمتلها واتجاهلت كلامها عن أبوها وقولتلها:
_ إيه الكلام الحلو اللي من غير مقدمات دا يا سارة، وبعدين أنتِ جميلة وأي حد بيشوفك بيحبك
قالتلي:
_ أنا عايزه افتح قلبي ليكي واقولك على سر لازم تعرفيه
سيبت اللي في إيدي وخدتها وقعدنا في الصالون:
_ في إيه يا سارة قلقتيني يا حبيبتي
ردّت عليّا وقالتلي كلام خلّى نفسي ينقطع وعقلي يقف لحظة واحدة، بصّت في الأرض وهي بتلعب في صوابعها وقالت بصوت واطي...
رواية بلا انذار الفصل الرابع 4 - بقلم ملك عبد الرازق
ردّت عليّا وقالتلي كلام خلّى نفسي ينقطع وعقلي يقف لحظة واحدة، بصّت في الأرض وهي بتلعب في صوابعها وقالت بصوت واطي...
_ ماما بتقول لبابا دايمًا إنك لازم تفضلي من غير عيال… عشان لو خلفتي هتقوي ومحدش هيقدر يوقفك ومش هتعرف تتحكم فيكي.
الكلام نزل عليّا زي المية الساقعة، حسّيت جسمي كله شدّ مرة واحدة، ولساني اتشل، حاولت أبتسم عشان مخوفهاش وقلت وأنا بحاول أطلع صوتي ثابت:
_ وسمعتي إيه كمان يا حبيبتي؟
رفعت عينيها وبصّتلي وقالت ببراءة:
_ سمعتها وهي بتقول لتيتا إن بابا مصطفى بيحطلك دوا في الأكل، ومتفقين سوا عشان عايز يتجوز واحده تانيه قريبة ماما
في اللحظة دي ما حسّتش بنفسي غير وأنا ماسكة في الكرسي عشان ما أقعش، الدنيا بقت بتلف حواليا، كل كلمة سمعتها قبل كده رجعت تضرب في دماغي، شكوك، مواقف، تعب، قلة قيمة، ووجع كنت بدفنه جوايا وأقنع نفسي إنه نصيب.
لمّيت نفسي بالعافية، قربتها مني وبوست راسها وقلت بهدوء مصطنع:
_ متقلقيش يا سارة، الكلام ده محدش هيعرف بيه، ومن اللحظة دي أنا وأنتِ بقينا اصحاب، بس هطلب منك طلب أي حاجه ماما تقولها لأي حد عرفيني بيها وهتفضل سر بينا، بس لازم تقوليلي كل حاجه عشان محدش يعمل فيا حاجه مش كويسة او أبعد عنك.
مسكت إيدي وقالتلي:
_ محدش بيحبني ويسمعني في البيت دا غيرك يا طنط ملك، وعشان انتِ طيبة هقولك كل حاجه لأني مش بحب اللي هما بيعملوه، وكمان ممكن اسيب الموبايل بتاعي بيسجل جنب ماما.
عجبتني فكرتها وقولتلها تقوم تذاكر.
* سارة في أولى إعدادي جميلة وهادية وطول الوقت ماسكه الموبايل ومش بتتكلم مع حد، أمها مش بتحتويها ولا بتسمعها، أنا فعلا بحبها جدًا وبساعدها في مذاكرتها وبتحكيلي كل حاجه بتحصل في يومها.
___________
قعدت لوحدي دموعي نازله على خدي، بسأل نفسي إزاي في ناس بالحقد والغِل والكره دا، يعني أنا خدمتهم وعاملتهم كويس يبقى دا جزائي؟
خوفي من الوِحدة خلاني استحمل حاجات كان لازم اقفلهم فيها.
كله في كافة ومصطفى صدمة عمري في كافة تانية خالص، جايبني خدامه لأهله وكمان بيحطلي موانع للحمل وأكيد بيحطلي حاجات تانية عشان يعملي مشكلة ويسببلي عقم ويروح هو يتجوز عشان أنا مبخلفش.
طب ليه تإذيني انا عملتلك إيه؟
حسابك تقل أوي وأنا مبقتش باقية على حاجه، مسبش أسلوب شر ولا دنائة إلا واستخدمه معايا.
وفي الليلة دي، وأنا قاعدة لوحدي بعد ما ناموا، خدت القرار النهائي
قلت بصوت واطي، ثابت، من غير دموع:
_ ماشي…
طالما الموضوع كدا يبقى هتشوفوا انا هعمل معاكم إيه.
ومن اللحظة دي…
بطّلت أكون مستنية الرحمة، وبدأت أجهّز للعدالة.
كنت واخده رقمها من موبايل مصطفى لكن كنت مترددة أكلمها، واستغليت وجود مصطفى مع اخوه، رنيت عليها وثواني وجالي الرد:
_ ألوو، مين معايا
قولتلها بتوتر واضح على صوتي:
_ أنا ملك مرات مصطفى أخو جوزك
قالتلي بلهفة كإنها كانت منتظرة مكالمتي:
_ أهلا أهلا، كنت واثقة إنك هتكلميني بس بصراحة اتأخرتي شويه، إيه يا بنتي استحملتي كل الأيام اللي فاتت دِ إزاي؟!
مفهمتش معنى كلامها وقولتلها:
_ أنا مش فاهمه منك حاجه، معلش وضحي قصدك
_ يا ملك أنتِ خلاص هتكملي سنة، والناس دول ميتعشروش، اقصد يعني إنك إزاي استحملتي كل الأيام دي؟ أكيد استعبدوكي.
أنا قولت لو أنتِ ذكية كفايه هتحاولي توصليلي، وأقولك كمان أنا عارفه إنك رنيتي عليا طالبه مساعدتي
عجبني ذكائها وبدأت اطمن أكتر وقولتلها:
_ أنا اتبهدلت واتقل مني جامد أوي، تخيلي إنهم بيحطولي حبوب منع الحمل في الأكل ويا عالم بيحطولي إيه تاني، أنا نش طالبة غير حقي وعايزه بس مساعدتك لأنك أكيد تعرفي عنهم كتير، وياريت لو تقوليلي نقطة ضعف كل واحد فيهم، والأهم بقى تحكيلي قصتك يا شروق لأني نفسي أعرفها
صوتها اتغير وظهر عليه الحزن وهي بتقول:
_ انا فضلت اخدمهم لحد ما بقيت حامل وتعبت جدا وحملي الأول نزل، جوزي قال كفايه هي هتعيش لوحدها وقالهم هيجيب واحده تساعد أمه في البيت أحسن، حماتي رفضت والساحرة مرات ابنها الكبير نسخة منها بالظبط واتربصولي وكل شوية يعملولي مشاكل، بس انا مكنتش بسكتلهم، لكن نفسيتي تعبت وشعري بدأ يوقع ولفيت على الدكاترة وكلهم اجمعوا ان التعب نفسي، جوزي اتخانق مع أخوه فتحي وقاله يبعد مراته عني وملهاش دعوة بيا، وشدوا مع بعض في الكلام ووصل ان فتحي مد إيده عليه، جوزي مسكتش وهو كمان ضربه.
حماتي قالت لجوزي ان فتحي في مقام أبوهم مش بس أخوهم والكلمة كلمته، وقالت لجوزي يقعد في شقته ويراجع نفسه ويعرف إنه غلطان وينزل يراضي فتحي.
أنا مقدرتش اسكت على الظلم، وجوزي وقف في ضهري، سمعت سلفتي الكبيرة بالصدفة بتكلم أمها وعرفت من كلامها إنها بتروح لدجال عشان مخلفش وجوزي يكرهني ويطلقني.
مسكتها من شعرها ونزلت فوقها بالشبشب لكن البومة حماتي بعدتني عنها وفضلوا يضربوا فيا، جوزي دخل على صوتي وبعدهم عني وحلف ما عاد قاعد في البيت دا لحظة واحدة.
أمه طردتنا من غير ما ناخد أي حاجه وقالتله إنه هيتحرم من الميراث، ومش هترضى عني إلا لما يطلقني.
قعدنا عند أهلي واستحملونا لحد ما ربنا كرمنا وجوزي جاله عقد عمل في الكويت وجابلي شقة وبقى معايا ولد.
كمّلت شروق كلامها وصوتها كان تقيل، كإنها بتطلع الوجع من قاع قلبها كلمة كلمة:
_ مش بحكيلك عشان أخوّفك، بحكيلك عشان تفهمي إن اللي إنتِ فيه دا مش جديد عليهم، دا أسلوبهم، يكسروا، يتحكموا، ولما الست تقف على رجليها يخافوا منها ويخلصوا عليها بدري.
كنت بسمعها وأنا مصدومة ومش مستوعبة إنهم بالجبروت دا:
_ لا حول ولا قوة إلا بالله، طب انا دلوقتي عايزه اشوفلي مخرج من البيت الشؤم دا، بس لما اخد حقي
ردت عليا:
_ بصي يا ملك حقي وحقك مش هنسيبه، بس لازم تبقي قوية وتتعاملي بذكاء، لأنهم مش ساهلين وأنا عندي خطة وهقولك مدخل لكل واحد فيهم واتعلمي من أخطائي.
بس عندي عتاب عليكِ
أنا لما عرفت انك دكتورة وناضجة قولت مش هتسكت عن حقها لكن اتصدمت من استسلامك ويأسك، لكن المهم دلوقتي نتفق هنعمل إيه
سكتّ شوية لأنها عندها حق، أنا عارفه إني غلطانه إني صبرت كل دا، بس مكنتش فاهمه وكمان خايفة، وكانت حياة جديدة عليا، بس المهم ان اللي جاي يبقى مختلف عن اللي عيشته معاهم.
قلتلها وأنا باخد نفس طويل:
— تمام… احكيلي الخطة، وأنا معاكي للآخر.
ضحكت ضحكة خفيفة، بس كانت ضحكة واحدة شايلة تعب سنين:
_ أول حاجة لازم تفهمي إنهم مش أقوياء زي ما باين، هم بس بيعرفوا يخوّفوا اللي قدامهم بصوتهم العالي، كل واحد فيهم ليه مدخل، وليه نقطة ضعف، ولو مسكتي الخيط صح، البقرة كلها هتتفك.
سكتت لحظة، وبعدين قالت بنبرة واثقة:
— حماتك أكتر واحدة بتخاف من الفضيحة، قدّام الناس ملاك، بس في البيت شيطان وعندها نقطة ضعف لو استغلتيها صح هتاخدي كل اللي حيلتها. مصطفى ضعيف، عمره ما كان صاحب قرار، كل اللي بيعمله دا لأنه متساق من أمه وبينفذ اوامرها.
وسلفتك… دي مش بس شريرة، دي حاقدة، والحقد دا سهل يتقلب على صاحبه ولو في فرصة تدخلي شقتها هتعرفي عنها حاجات أكتر.
— وأنا دوري إيه؟ سألتها بهدوء.
— دورك إنك تفضلي هادية، ولا كإنك عرفتي حاجة. كلي واشربي عادي، بس من هنا ورايح أي حاجة تدخليها بؤك تبقي شاكة فيها واحرصي تقفي تطبخي بنفسك. ولو تقدري تحتفظي بأي دليل، تسجيل، كلام،
اعملي كدا.
وبدأت تحكيلي خطتها.
قفلت المكالمة وأنا حاسة إن ظهري اتفرد شوية.
مش لأن الخطر خلص، لا…بس عشان بقيت فاهمة.
دخلت أوضتي، بصّيت في المراية، شُفت واحدة غير اللي كنتها من كام ساعة.
واحدة كانت مستنية كلمة حلوة، حضن.
ودلوقتي… واحدة قررت تاخد حقها بإيدها.
من اليوم ده، بقيت أبتسم أكتر واستحمل كلامهم.
أهزر.
أسمع.
وأعدّي.
وهم افتكروا إنّي ضعفت أكتر واستسلمت
وما يعرفوش…
إن الهدوء اللي شافوه
كان أول خطوة في الحرب.
___________
بعد يومين روحنا للدكتورة
قعدت على السرير في العيادة، الدكتورة ماسكة السونار وبتبص في الشاشة، ووشها هادي بس مركز.
مصطفى كان واقف جنبي، إيده في جيبه، بيهز رجله من غير ما يحس.
الدكتورة بصّتلي وقالت بنبرة عادية، بس الكلمة وقعت تقيلة:
_ بتاخدي أي موانع للحمل يا مدام ملك؟
السؤال نزل عليّا زي الرصاصة.
لفّيت وشي وبصّيت في عين مصطفى مباشرة، بصّة طويلة، ساكتة، مقصودة.
وبعدين رجّعت بصري للدكتورة وقلت بهدوء:
_ لأ… حتى اسألي جوزي.
مصطفى اتلخبط، بلع ريقه، وبص ناحية الأرض، وبعدين رفع عينه بسرعة وقال وهو بيضحك ضحكة مش في محلها:
_ أيوه يا دكتورة، مش بتاخد أي حاجة خالص.
الدكتورة بصّتله ثانية، وبصّتلي تاني، وكملت شغلها ولا كإنها خدت بالها من التوتر اللي مالي المكان.
بعد شوية، شالت الجهاز، وكتبت كام كلمة في الملف، وقالتلي بهدوء:
_ السونار مبيّن إن عندك تكيسات بسيطة، بس محلولة إن شاء الله، مفيش حاجة تقلق.
هطلب شوية تحاليل ليكي، وكمان تحاليل للأستاذ مصطفى، ونشوف بعدها هنعمل إيه.
رفعت عيني وبصّيت لمصطفى تاني.
المرّة دي هو اللي هرب بنظره.
خرجنا من العيادة، وأنا ماشية جنبه، ساكتة، وفجأة مسك إيدي وقالي:
_ متقلقيش كل حاجه هتبقى كويسة
____________
روحت أزور اختي دخلت بيتها وأنا حاسة رجلي تقيلة، أول ما فتحت الباب وشافتني، وقفت مكانها، بصّت في وشي كويس، ومن غير ما تسأل شدتني في حضنها.
_ مالك يا حبيبتي… إيه اللي حصلك؟
مسكت نفسي بالعافية، بس أول ما قعدت على الكنبة قدامها، دموعي خانتني.
_ تعبت… تعبت أوي، ومش قادرة أكمّل في البيت ده.
قعدت قدامي، مسكت وشي بين إيديها، عينيها بتلمع.
_ بيت إيه؟ مالك؟
في إيه؟ حد زعلك؟
قولتلها قولي في حد مزعلكيش؟ وبعدين بدأت أحكي كل حاجه… كلمة ورا كلمة، عن التحكم، عن الإهانة، عن التعب والأذى، عن الخطط اللي بتتعمل عليا، عن إحساس إني محبوسة جوه حياة مش بتاعتي.
فضلت سامعة، وساكتة، لحد ما صوتي بقى مبحوح.
قامت واقفة فجأة.
_ مستحملة كل دا إزاي يا ملك؟
ليه متكلمتيش معايا من الأول؟
كنتي عرفيني كنت وقفتهم عند حدهم، ليه تعملي في نفسك كدا بس؟
سكوتك غلط من الأول.
بصّيت في الأرض، صوتي واطي:
_ مكنتش عايزه أشيلك همي…
كنت فاكرة أقدر أعدّي، بس خلاص… أنا بقيت تعبانة ومحتاجة حد أثق فيه يسندني.
عيطت، وهي خدتني في حضنها:
_ حقك عليّا… سامحيني قصّرت في حقك يا حبيبتي.
بس اسمعيني كويس.
بعدت عني شوية، مسحت دموعها، وصوتها بقى أقوى:
_ إنتِ مش هتخرجي من البيت ده غير وإنتِ واخدة حقك بزيادة.
وأنا هتكلم مع جوزي النهارده قبل بكرة.
وبخصوص دهبك؟ أنا عارفة نرجّعه إزاي، ومتقلقيش.
قربت مني وقالت بصوت واطي:
بس خليكي ذكية… كلميني في وقت يكون البيت فاضي.
وابعتِيلي رقم شروق، لازم أتواصل معاها ضروري.
هزّيت راسي وأنا حاسة لأول مرة من زمان ليا ضهر
خرجت من بيتها لسه جوايا وجع،.بس مطمنة.
لأني أخيرًا مبقيتش لوحدي في الحرب دي.
____________
سلفتي ولدت، ورفضت إن أمها تخدمها، قالت بصريح العبارة إنها مش عايزة غيري أنا يخدمها ويراعيها.
حماتي طلبت مني أبقى معاها وأساعدها، بحجة إني مش ورايا عيال اهو اتعلم معنى الأمومة.
وأنا بصراحة لاقيتها فرصة ما تتفوتش… فرصة إني أدخل شقتها من غير ما حد يشك فيا.
أهو باب اتفتح لوحده من غير مجهود مني.
كنت معاها في كل حاجة؛ أراعي عيالها الكبار، وأشيل بنتها الرضيعة، وأطبخلها، وأنضف شقتها، وأطلع أعمل شغل بيت حماتي، وأرجع على شقتي اشوف محتاجه إيه، وبعدين أنزل تاني كأني آلة شغالة من غير روح، وكنت كل ما مصطفى يكلمني عشان افضل في الشقة اقوله مش عايزنا ننفذ الأوامر؟
ليه عايز تعملي مشاكل؟ وكنت بسيبه وأمشي.
وفي يوم عملتلها شوربة لسان عصفور، وحطيت فيها منوّم.
استنيت لما نامت، واتسحبت بهدوء، وفتحت موبايلها ببصمتها.
فضلت ادور وافتح التطبيقات واحد ورا التاني، بس اللي شوفته على موبايلها خلّاني أحس إني كبرت عشرين سنة في لحظة، وكإن شعري شاب مرة واحدة...
رواية بلا انذار الفصل الخامس 5 - بقلم ملك عبد الرازق
دخلت على محادثة بإسم حسناء، وأول ما الشات فتح قلبي وقع، رسائل غرامية، ضحك، قلوب، مواعيد، وصور، وكلام ما يتقالش غير بين اتنين عايشين قصة كاملة.
_ وحشتني أوي… والله لو بإيدي كنت جيت أخدك دلوقتي.
_ اصبر، خلاص قربنا… فتحي اتحبس، وهخلعه ونتجوز بقى.
شهقت من غير صوت ولساني نشف، وجت رسالة منه بعدها مباشرة.
_ أنا كنت مراقب بيتكم من فترة، وبلغت عنه عشان نخلص منه، وتبقي مراتي بقى من غير وجع دماغ.
في اللحظة دي حسّيت إني واقفة على حافة سودا، حاجة اسمها اللا رجوع، همست وأنا بصوّر كل الشات:
_ الكذّابة… بقى كل دا يطلع منك يا ميادة؟
إيدي كانت ثابتة رغم إن قلبي مولّع، صوّرت كل حاجة، كن خلال كلامهم عرفت إنه حسن سواق التوكتوك، وبعدين دخلت على محادثتها مع مصطفى، آخر رسالة كانت من ساعة.
_ متنسيش تحطلها حبوب منع الحمل وحبوب الاكتئاب في الأكل، أنا هتأخر برّه النهارده.
اتجمدت مكاني، لا صوت ولا نفس، وسألت نفسي بهدوء مرعب:
_ أنا عملت إيه للمقرفين دول عشان يعملوا فيّا كدا؟
ولو كان جوايا ذرة تأنيب ضمير، ماتت في اللحظة دي.
ميادة فتحت عينيها ببطء وشافتني قاعدة قدامها ماسكة الموبايل وحاطة رجل على رجل، فضلت ثواني مستوعبتش وبعدين اتكلمت.
_ إنتِ ماسكة تليفوني ليه؟ وقاعدة كده ليه؟ هاتيه وقومي اعمليلي حاجة دافية.
ضحكت ضحكة عالية ناشفة خلتها تتفزع وقولتلها بتحدي:
_ لأ… فوقي كده وصحصحي معايا.
بصّتلي بتوهان.
_ في إيه؟ إنتِ مالك؟ بتكلميني كدا ليه؟
قربت الموبايل من وشي واتكلمت بهدوء ساخر:
_ مش سواق التوكتوك رن يطمن عليكِ؟ وأنا رديت عليه عشان مينفعش أسيبه قلقان.
عينيها وسعت:
_ سواق توكتوك مين؟ أنا مش فاهمة حاجة.
ميلت عليها شوية:
_ إزاي بس يا ميادة؟ مش عارفاه؟ حسن… حبيب القلب.
سكتت والصدمة باينه على ملامحها، وكملت كلامي:
_ بقى ناوية تخلعي جوزك وتتجوزيه؟ إخس عليكِ، دا إنتِ عايشة متهنية وأوامرك كلها مجابة، ولا حماتك اللي بتعشق التراب اللي بتمشي عليه.
صرخت وهي بتترعش:
_ إنتِ مجنونة؟ أنا ماليش دعوة بحسن، هاتي الموبايل بتاعي.
في ثانية مسكتها من إيديها وضغطت بقوة وصوتي طلع حاد:
_ بت أنتِ اسمعيني بقى وركزي كويس، كل اللي في الموبايل ده بقى معايا، يا واطية يا خيانة، بتحطولي أدوية اكتئاب ومانع حمل؟ ليه يا زبالة؟ أنا عملت فيكِ إيه؟
قربت منها أكتر وهمست في ودانها:
_ هحبسك ومعايا الدليل، وغير كده هفضحك فضيحة تخلّيكي تريند، مش هتعرفي تمشي في الشارع.
سكت لحظة وكملت.
_ ويا عالم بقى الأربع عيال دول ولاد مين؟ جوزك؟ ولا صاحب التوكتوك؟ ولا في حد تالت؟
انهارت وعيّطت بصوت مكسور:
_ والله اللي بينا كان كلام وبس، ذلة شيطان، والحبوب أنا كنت بتحايل على جوزك ما يحطّهاش، بس هو كان مصمم، أنا ماليش دعوة.
صرخت فيها:
_ كفاية كذب، هو أنا مجنونة عشان أصدقك؟
قربت أكتر:
_ قدّامك حلّين ملهمش تالت، يا أفضحك وحياتك تخلص على إيد حماتك قبل ما تخلص على إيدي، وإنتِ لسه والدة ومكان العملية واجعك، يا تسمعي كلامي وتساعديني آخد حقي.
مسكت في هدومي وهي بتبكي:
_ أبوس إيدك وطّي صوتك، ممكن حد يدخل، أنا من إيدك دي لإيدك دي، بس أوعي تجيبي سيرة الكلام ده لحد.
قمت وقفت وبصّتلها ببرود:
_ قومي اعملي الغدا، بقالك أسبوع راقدة وقاعدة تحبيلي في التليفونات، مش قادره أبص في وشك، قرفانه جدًا منك، بقى تبقي ست خاينه، شكلك وحش أوي وريحتك طلعت.
واللي عملتيه فيّا هيرجعلك.
لفّيت وبصّيت حواليّا:
_ صعبان عليّا العيال، أبوهم حرامي ونصاب وبيتعاطى وأمهم خاينة وظالمة، ذنبهم إيه؟
صرخت وهي بتترجاني:
_ أرجوكِ متفرقينيش عن ولادي، هعملك اللي إنتِ عايزاه كله.
ابتسمت ابتسامة باردة:
_ متقلقيش، أنا باعتة كل اللي صورته لأكتر من واحدة بثق فيها.
قربت وسألتها بهدوء قاتـ.ل:
_ قوليلي… مصطفى اتجوزني ليه؟
سكتت وبعدين قالت بصوت مكسور.
_ عشان عارف إن أهلك سايبينلك ميراث كبير، وكان ناوي ياخد كل اللي عندك، وهو بيحب بنت عمي وعايز يتجوزها بعد ما ياخد البيت والأراضي وكل حاجة معاكي.
الدنيا وضحت قدّامي:
_ هو عرف منين باللي عندي؟
ردّت وهي باصة في الأرض:
_ دي حاجة معروفة، إنتوا بنتين وعندكم عمارة كبيرة وأبوكي كان عنده خير كتير، الناس كلها عارفة.
سكتّ، وابتسمت ابتسامة تقيلة.
وفي اللحظة دي عرفت إن اللي جاي مش انتقام…
اللي جاي حساب، وبعدين قولتلها:
_ دا أول اختبار لصدقك وإخلاصك ومن خلاله هكرر افضحك ولا استنى
_ قولتلك انا هعملك كل اللي أنتِ عايزاه
_ تمام لما نشوف، فين دهبي اتباع ولا لسه؟
بلعت ريقها وقالت:
_ دهبك مع حماتك تحت، شايلاه في خزنه جوا الدولاب بتاعها
_ شاطرة يا ميادة، عارفه لو كنتي كذبتي عليا صدقيني بضغطه زرار كنتي هتروحي في داهية، عايزه دهبي يكون معايا بكرا
_ إزاي؟ صعب جدا أنا مش هعرف ادخل اوضيتها ولا معايا المفتاح بتاع الدولاب والخزنه
مسكتها من دراعها بقسوة:
_ اتصرفي وجيبي دهبي بكرا من عند الحيزبونه اللي تحت، دا آخر كلام عندي
قالتلي بتوسل:
_ ملك أنتِ طول الوقت كنتي بتتعاملِي كويس، وقلبك طيب، أرجوكِ ارحميني ومتحطنيش في اختبارات صعبه
بصتلها ثواني وبعدين ضحكت بسخرية وقولتلها:
_ قولتيها بلسانك كنت طيبة وجيالكم وقلبي مليان خير، كان إيه جزائي؟
ساكته ليه ما تنطقي؟
هقولك أنا... استعبدتوني، كنتوا عايزني تخلصوا عليا بالبطيء، كنت جيالكم قطة مغمضة ولكن أنتو متتوصوش فتحتوا عيني وطلعتوا أسوأ ما فيا.
أنا عارفه ان اللي زيك مش بتندم، أنتِ واحده بتروح لدجالين وبتخون جوزها، هستنى منك إيه؟
المهم أعرف استفاد منك، جبتيني اخدمك عشان تستمتعي بذلي ولكن انقلب السحر على الساحر.
أنا همشي دلوقتي وجيالك تاني وأي تصرف كدا ولا كدا متلوميش إلا نفسك، وتليفونك هقفله وهاخده معايا.
سلام يا قطة.
____________
خلصت لبسي وجهزت شطنتي ونازلة رايحة للدكتورة،
لقيت حماتي واقفة قدّامي، حاطة إيديها في جنبها،
وعينيها بتلمع بنظرة مافيهاش رحمة.
كلامها نزل عليّ زي السم،مش مجرد كلام كان شوك:
_ يا بنتي الحق ميزعلش إنتِ بقالك فترة كبيرة من غير عيال، زيك زي الأرض البور، كل شوية كشوفات وروشتات… ومن غير فايدة.
وقفت ثانية، وبعدين كمّلت وهي بتطعن فيا أكتر:
_ وإحنا عايزين نفرح بعياله قبل ما نقابل وجه كريم،
سلفتك خلفت عليكي وبقى معاها أربع عيال، وإحنا صابرين عليكِ من ساعة ما اتجوزتي، وده حقه يفرح بعيل من صلبه يشيل اسمه.
الكلام كان بيتقال بهدوء،بس كان بيدبحني، في اللحظة دي كنت عايزه أجيبها من شعرها واقولها يا بجاحتك.
وبكل برود كملت:
_ جوزك موافق على كلامي، وهيخطب الدكتورة اللي بتنزل معاه في الصيدلية، أهي صغيرة وتخلف، والخير يعم على الكل.
ساعتها… قلبي اتحرق.
مش وجع وبس، اتكسر نصين وسمعت صوته.
حاولت أتماسك وخرجت بهدوء وقررت اروحله الصيدلية.
____________
دخلت الصيدلية فجأة، لقيت مصطفى واقف ورا الكاونتر، ماسك الموبايل وبيتكلم بصوت واطي، أول ما شافني اتلخبط وبص حواليه بسرعة وشال الموبايل من على ودنه:
_ إنتِ جيتي امتى وليه؟
تجاهلت توتره، وحطّيت الشنطة على الكرسي:
_ رايحة للدكتورة أشوف التحاليل طلع فيها إيه.
هزّ راسه بسرعة:
_ ماشي… ابقي طمنيني.
وقفت ثانية قبل ما أتحرك، وبصّيتله بهدوء:
_ بس غريبة أوي… الدكتورة بتقولي إني باخد مانع حمل، وأنا على إيدك مش باخد حاجة.
اتنحنح وقال وهو بيزوغ بعينه:
_ عادي يعني، هي بتسأل وخلاص.
ابتسمت ابتسامة خفيفة وأنا ببص على الموبايل اللي في إيده:
_ الخط مفتوح، كمّل مكالمتك براحتك، أنا مستنياك.
صحيح فين الدكتورة اللي بتساعدك؟
مش هتعرفني عليها ولا إيه؟
مش كان من باب أولى مراتك الدكتورة هي اللي تنزل معاك.
اتلخبط أكتر:
_ ها؟ لأ… دا أنا كنت بكلم صاحبي عادي.
ولو على الدكتورة هي مش بتيجي وأنا موجود.
وبعدين سيبك منها… كنت عايز أتكلم معاكِ في موضوع، وعندي عتاب عليكي.
رفعت حواجبي ببرود:
_ خير إن شاء الله.
قرب شوية وصوته بقى فيه شكوى مصطنعة:
_ أنا محبتش أتكلم معاكي في الموضوع دا خالص، وقلت هي اللي هتعرفني كل حاجة، وبالصدفة أعرف من الغريب؟ يرضيكِ كدا؟
_ موضوع إيه؟ ما تقول على طول.
خد نفس طويل وقال:
_ يعني تسيبينا متبهدلين مع أمي كده، وإنتِ عندك عمارة مأجرة شققها وبتكسبي منها، ومعزمتيش عليا حتى بشقة؟
ضحكت بسخرية:
_ وأنا أعزم عليك بشقة ليه مش فاهمة؟
وإنت يهمك في إيه عندي عمارة ولا حتى حمارة؟
ملامح وشه اتغيرت وقال بجدية:
_ يهمني طبعًا، مال مراتي ولازم أصونه، مش من باب أولى جوزك يبقى عارف بميراثك؟
ويا عالم في إيه تاني مش عارف بيه؟
بصّيتله بثبات:
_ معلش في السؤال لو مفيهوش إساءة أدب…
إنت مالك باللي أبويا كاتبهولي أنا وأختي؟
ابتسم بمكر:
_ مالي طبعًا، مال مراتي مالي.
لو كنتي صارحتيني من الأول، كنا رحنا قعدنا هناك بدل البهدلة اللي إحنا فيها دي.
قربت منه خطوة وبصيت في عينيه:
_ إحنا فيها يا مصطفى؟
تعالى نروح نعيش هناك ونسيب بيت أهلك ونرتاح من الوش والمشاكل.
وشه اتغير وقال بسرعة:
_ ويرضيكِ الناس تقول عايش عند مراته في بيت أهلها؟
عايزاهم ياكلوا وشي؟ وأنا دكتور محترم!
ميلت راسي شوية:
_ حيّرتني معاك…
أعملك إيه دلوقتي؟ بقولك تعالى نعيش هناك، مش عاجبك.
عايز إيه بقى؟
قرب أكتر وصوته بقى ناعم:
_ عايزك تثقي في جوزك…
زي ما أختك واثقة في جوزها وبيعملها كل حاجة.
عملت نفسي مش فاهمة:
_ أيوه يعني أثق فيك أعمل إيه؟
ما أنا بثق فيك، وعارفة إنك مستحيل تعمل حاجة تضرني أو تأذيني، مش كدا بردو؟
ابتسم وقال:
_ طبعًا يا حبيبتي، إنتِ مراتي وبخاف عليكي.
اثبتيلي بقى إنك بتثقي فيا، واكتبيلي نصيبك في العمارة بإسمي.
سكت ثانية وكمل.
_ انا الراجل وكدا هعرف أتعامل مع السكان، وألم الإيجار، وأحل أي مشكلة.
وأشيل شوية مع جوز أختك بدل ما هو واخد كل حاجة في بطنه.
ونعرف راسنا من رجلينا، وأعرف أعيش معاكِ من غير ما حد يفتح بُقه.
ضحكت ضحكة عالية، ضحكة مش في محلها، حتى أنا نفسي استغربتها:
_ أكتبلك نصيبي باسمك؟
ضحكتني والله.
عايز تاخد حقي زي ما وثقت فيك وخدت دهبي كدا؟
ولما طلبته منك قولتلي بكل برود: الدهب بقى غالي واللي جاي على قد اللي رايح.
اتصنّع الزعل وقال:
_ بقى كده يا ملوكة؟
وأنا اللي عاملِك مفاجأة.
قرب وهمس:
_ كنت هاخدك النهارده أجيبلك السلسلة اللي نفسك فيها،
ونجيب بدل الدهب اللي اتباع…
بس طبعًا أمي متعرفش حاجة.
وسّعت عينيّ ومثّلت الفرحة، قربت وحضنته:
_ شكرًا يا صاصا، متحرمش منك أبدًا.
بعدت عنه ورفعت شنطتي.
_ هروح للدكتورة بسرعة وأجيلك نروح عند الصايغ.
خرجت من الصيدلية وابتسامتي لسه ثابتة… وأنا واثقة إنه ندمان على جملته دي، بس كان لازم استغلها.
____________
أختي كانت جابتلي كاميرات صغيرة أحطها لميادة في شقتها، واستغليت نوم حماتي وحطّيت واحدة في أوضتها، وزرعت واحدة في المطبخ والصالة، حاولت أخبيهم على قد ما أقدر، وفتحت الموبايل بالصدفة أطمن، لقيت ميادة بتلم هدومها وناوية تهرب بعد ما لمّت كل الدهب اللي عند حماتي، وعشان تعرف تدخل الأوضة براحتها حطتلها منوّم في الأكل، اللي متعرفوش إني كنت متوقعة غدرها، ومخليّة أختي تاخد معاها عمتي ويروحوا يعملوا الواجب ويباركولها.
أختي قالتلها:
_ هاتي الأمانة بتاعة ملك اللي عندك، هي اللي بعتاني، ولو مش مصدقاني خدي ملك على الخط.
كلمتها وأنا متماسكة بالعافية وقلت:
_ أنا مش بحب أحلف، بس معلش مضطرة، قَسَمًا بالله لو ما هديتي كده ونفذتي كلامي، إنتِ هتروحي في داهية.
كملت وأنا حاسة قلبي بيدق في وداني:
_ أول ما تخرجي من البيت في رجالة مستنياكي برا، وعارفين هيعملوا إيه.
وقلتلها وأنا ضاغطة على كل حرف:
_ غير إني معايا فيديوهات ليكي وإنتِ بتحطي حاجة في أكل الحيزبونة حماتك، وبتتسحبي زي الحرامية وبتاخدي كل اللي في دولابها.
بدأت تبص حواليها زي المجنونه والخوف باين على وشها.
ختمت كلامي بهدوء يخوّف أكتر من الزعيق:
_ سلّمي أختي كل اللي خدتيه وارجعي عن اللي في دماغك يا ميادة، عشان أنا خلاص جبت أخري… مش هسمي على حد فيكم.
____________
دخلت ملك العيادة بخطوات مترددة، ملامحها مشدودة، وعنيها فيها خوف متخبي تحت تعب السنين.
أول ما الدكتورة شافتها قامت من مكانها وحضنتها:
_ كويس إن جوزك مجاش… كده نعرف نتكلم براحتنا.
حضنتها ملك حضن طويل، كأنها كانت مستنية الأمان ده من زمان:
_ اطمني، هو أصلًا مايعرفش إنك صاحبتي… طمنيني، التحاليل فيها إيه؟
قعدت الدكتورة قدامها، مسكت إيديها بإيدين دافية:
_ اطمني يا ملك، بالعلاج إن شاء الله هتبقي كويسة، الأدوية اللي خدتيها قبل كده أثرت على جودة البويضات وعملت تكيسات، بس محلولة… كله هيبقى تمام.
ملك إتأثرت، وعنيها لمعت بحزن مكتوم:
_ عمري ما هسامحهم…
أمه بكل جحود كانت بتعايرني بالخلفة وهي عارفة عمايل ابنها وخطته، كنت عايشة مع عصابة مش بني آدمين.
قوليلي… تحاليل المحروس فيها إيه؟
الدكتورة سكتت لحظة، وبصت في الورق وبعدين رفعت عنيها بقلق:
_ بصراحة يا ملك… مش عارفة أقولك إيه.
اللي ظاهر قدامي إن عنده مشكلة كبيرة،الحيوانات المنوية كلها ميتة…
يعني هو عنده عقم.
ملك اتسمرت مكانها، كأن الكلام خبطها في دماغها.
شهقتها طلعت مكتومة:
_ إنتِ بتتكلمي جد؟
يعني مصطفى مش هينفع يجيب أطفال… حتى بالحقن المجهري؟
هزت الدكتورة راسها بأسف.
_ بقولك مافيش ذرة أمل في حالته.
سبحان الله… من حفر حفرة لأخيه وقع فيها.
ملك ضحكت ضحكة صغيرة باهتة، مليانة ذهول أكتر من فرح:
_ انقلب السحر على الساحر…
يعني هو كان عايز يعملي عقم، ربنا عاقبه من جنس عمله.
يا الله… أنا مش مستوعبة اللي بيحصل.
سكتت ثانية، وبعدين دمعة نزلت وهي بتهمس:
_ ربنا عادل أوي، مهما طال الظلم مصير الظالم ليه يوم جاي جاي.
انا بقى هعرفهم الخبر بس بطريقتي، معلش يا دكتورة تكلمي اللي في المعمل جنبك تغيرلي في النتيجة وتخلي المشكلة عندي أنا
_____________
ملك رجعت البيت ومتكلمتش مع حد خالص، دخلت بهدوء غريب وطلعت على شقة ميادة من غير ما حد يحس بيها، وكانت رنت على شروق قبلها بدقايق عشان تبدأ تنفذ خطتها زي ما اتفقوا.
الجو كان ليل والبيت كان هادي على غير العادة، سكون تقيل وكأن الحيطان نفسها حابسة أنفاسها، لا صوت غير عقارب الساعة وصوت المروحة وهي بتلف بكسل.
فجأة، السكون اتكسر على صرخة حادة شقت قلب البيت.
_ الحقووووني! يا ناس… يا مصيبتييي!
أبوس إيدكم ارحموني، آه ياني ياما
الصرخة رجّت البيت، والأبواب اتفتحت مرة واحدة، خطوات ملخبطة، قلوب بتخبط قبل الرجلين.
ملك وقفت مكانها، وبصّت ناحية أوضة حماتها وهي حاسة إن اللحظة دي بالذات كانت مستنياها من زمان.
الصريخ كان بيعلى، ومش صريخ وجع وبس… دا ضريخ رعب وخوف.
وساعتها، سؤال واحد ضرب في دماغ الكل:
يا ترى إيه اللي حصل خلى أم مصطفى تصرخ بالطريقة دي؟
رواية بلا انذار الفصل السادس 6 - بقلم ملك عبد الرازق
فجأة، السكون اتكسر على صرخة حادة شقت قلب البيت.
_ الحقووووني! يا ناس… يا مصيبتييي!
أبوس إيدكم ارحموني، آه ياني ياما
الصرخة رجّت البيت، والأبواب اتفتحت مرة واحدة، خطوات ملخبطة، قلوب بتخبط قبل الرجلين.
ملك وقفت مكانها، وبصّت ناحية أوضة حماتها وهي حاسة إن اللحظة دي بالذات كانت مستنياها من زمان.
الصريخ كان بيعلى، ومش صريخ وجع وبس… دا ضريخ رعب وخوف.
وساعتها، سؤال واحد ضرب في دماغ الكل:
يا ترى إيه اللي حصل خلى أم مصطفى تصرخ بالطريقة دي؟
قربت منها بخطوات هادية وعينيا ثابته عليها:
_ مالِك يا حماتي؟ في إيه يا غاليه؟
حماتي كانت بترتعش وبتلف حوالين نفسها كإنها محاصَرة:
_ قرين شروق جالي… جالي ومش هيرحمني… إلحقوني يا ناس!
عرفيتها طلعلي.
مصطفى فرك وشه بعصبية وقرب منها:
_ هو إنتِ مش هتبطلي سيرة القرين والقرينة دي بقى؟
حماته بصّتله بحدة وخوف في نفس الوقت.
أنا لسه راجع من برا وتعبان.
بصتله بحدة وتحذير:
_ اسكت! دول حوالينا، الجن والعفاريت عمار البيوت، إحنا ضيوفهم، واللي يزعلهم عليه العوض فيه، راح في سكة اللي مبيرجعش.
مصطفى انفجر فيها بعصبية:
_ يا دي الشغلانة المهببة! زلّتينا وإحنا صغيرين، كل شوية ممنوع حد ينطق في الحمام، وبخور كل خمس دقايق لحد ما دمرتي صدرنا، والملح اللي حرق جلدنا، إيه اللي رجّع الهلاوس دي تاني؟
صرخت فيه وهي ماسكة راسها:
_ بقولك قرينها جالي وبيقولي هينتقم مني، وشروق كل شوية تدخل الحمام تعيط وتصرخ، وخلاص مبقاش مستحمل اللي بيحصل ومش هيصبر عليا أكتر من كده.
مصطفى هز راسه بسخرية:
_ يا دي الجنان… ايه اللي فكرك بيها، شروق عايشة في محافظة تانية!
دخلت بينهم بهدوء غريب:
_ أنا مصدقاكِ يا حماتي، واحدة قريبتي حصل معاها حاجة زي دي زمان ومحدش صدقها، وفجأة كدا من غير مقدمات اتجننت.
مصطفى بصّ لملك بصدمة:
_ إنتِ كمان يا ملك؟ هتصدقي الجنان ده؟
اتجاهلته، وقربت من حماتي وقولتلها وأنا باصه في عينيها:
_ سيبك منه، قوليلي حصل إيه بالظبط، والتفصيل عشان اقدر اساعدك.
قعدت على الأرض وإيديها بتترعش:
_ دخلت انام عادي زي كل يوم، وخلاص دخلت في النوم وبقيت في دنيا غير الدنيا، وفجأة حسّيت الهوا سخن في وشي، قولت بحلم، الهمس بقى أعلى، وصوت بيقولي: «قومي يا سيدة… أنا جاية آخد حقها منك».
الكل كان ساكت، والجو مشحون، كملت وقالت:
_ فتحت عيني بالراحة، لاقيت شروق نايمة جنبي، وشها في وشي، شعرها أبيض ومنكوش، عينيها حمرا ومبرقة، وسنانها سودا… مسكتني من رقبتي وقالتلي: «أنا قرينة شروق ومش هرحمك».
ميادة بصت لملك وهي مصدومة وقررت إنها هتسكت لأن خلاص مبقاش حد هيعرف يقف في وشها.
حماتها قالت وهي بتترعش:
_ دخلت انام عادي زي كل يوم، وخلاص دخلت في النوم وبقيت في دنيا غير الدنيا، لاقيت هوا سخن في وشي، قولت انا بحلم ولا إيه، الموضوع اتحول لهمس يخوف، وسمعت صوت بيقول قومي يا سيدة هاخد حقها منك.
سكتت لحظة وكملت:
_ جسمي اتنفض وفتحت عيني بالراحة لاقيت واحده شكل شروق بس مرعبة نايمة جنبي ووشها لازق في وشي، منكوشه عينيها حمرا وتحتها أسود بتقولي انا قرينة شروق ومش هرحمك.
_ قعدت على السرير اترعش وحطيت إيدي على عيني وأنا مرعوبة، لاقيتها مسكتني من رقبتي وإيديها كانت متعورة وأسنانها سودا وبتقولي صبرت عليكِ كتير، شوية الملح اللي بتروشيهم مش هيمنعوني عنك.
_ قولتلها أوامرك أنا تحت أمرك بس ارحميني، قالتلي ترجعي الحق لأصحابه وكل اللي ظلمتيه هياخد حقه منك.
ولسه ملك اللي دموعها مش بتنشف من ظلمك يا مشعوذة، الدجالين اللي بتروحيلهم نهايتك هتكون سودا زيهم.
ظلمتي ابنك ومراته وسلبتي حقوقهم ورمتيهم في الشارع، ليل ونهار شروق بتدعي عليكِ.
ودمرتوا ملك بالأدوية اللي بتحطوها ليها عشان تعملولها هلاوس واكتئاب وتاخده ورثها، ومرات ابنك الكبير لسه دورها جاي، ومصطفى حسابه كبير أوي.
وقالتلي أنا قرينة شروق جيت اخد حقها منك، شروق جننتني بسبب عياطها كل ليلة في الحمام وخلاص جه دورك.
قالتلي كل يوم تدخل الحمام تعيط وتصرخ وتدعي عليكِ وتصرخ حتى قرينك مبقاش مستحمل واستدعاني،هتروحي من ربنا فين؟
مسكتني جامد من شعري ونفسها كان ريحته صعبه.
كملت وهي بتنهار:
بقت غضبانه اكتر وعيونها بتطلع نار وقالتلي هخلص الدنيا من شرك يا سيدة، لكل ظالم يوم أسود بيخلص منه القديم والجديد
اتنفضت من مكاني وجيت اجيب كيس الملح عشان ارشها بيه، بدأت تصرخ ومسكتني جامد من رقبتي حتى مكان إيديها معلم ازرق في رقبتي.
أنا كنت صابر عليكِ بقول هتتوب وهترجع عن اللي هي بتعمله، لكن اصطادتي ضحية جديدة ملك الغلبانه اللي قرينها بردو جايلك.
وقالي من ظلمكم وصل بيكم الحال إنكم تحطولها مسببات اكتئاب وهلاوس، كل دا عشان الفلوس؟
انتِ وابنك ومرات ابنك نهايتكم هباب.
خلاص يا سيدة كل اللي شايلاه في خزنتك اختفى، لا بقى حيلتك فلوس ولا حاجه.
كل الجن والعفاريت مش مستحملينك نهايتك سودا.
هتطلعي دلوقتي وتعترفي بكل عمايلك اللي زي وشك وإن كذبتي في حرف هتتلعني ويتخسف بيكِ الأرض.
كملت وهي بتعيط وصوت نفسها عالي:
قطعتلي هدومي وجابت أغلى عبايه على قلبي وحرقتها.
_ ومضتني على عقود تنازل عن ملكية البيت والأراضي وكل اللي عندي.
حتى الصيدلية بتاعتك اللي بإسمي خدوها هي كمان، خلاص كله راح.
وفجأة لاقيتها ماسكه تعبان وشدتني من شعري وقربته مني جامد ووقتها أغمى عليا وجسمي كله بيترعش.
مصطفى حاول يسيطر على الموقف:
_ بطلي بقى الكلام اللي بتقوليه دا يا ماما، أكيد دا كابوس او أنتِ بتهلوسي.
وفجأة استوعب:
_ أنتِ بتقولي إيه، عقود إيه وصيدلية إيه؟ دا أنا هروح فيكم في داهيه أنتِ وعفاريتك.
مسكته من إيده وأنا بتعيط:
_ حبوب اكتئاب وهلاوس إيه اللي بتحطوها ليا يا مصطفى؟ الكلام دا حقيقي؟
مصطفى زعق:
_ أنتِ هتصدق الجنان دا كمان ولا إيه؟ اعقلي يا ملك وركز، قوليلي فين مفتاح الخزنه بسرعة يا ماما.
فقدت السيطرة، كسّرت اللي حواليها، ومسكت ميادة من رقبتها:
_ الكلام دا حصل يا ميادة؟ كنتو بتحطولي الحاجات دي؟
ميادة ردت بخوف:
_ حصل وهقولك كمان مصطفى شايلهم فين.
مصطفى ضربها بالقلم.
_ يا كذابة، انا مستحيل أعمل كدا، أكيد دي خطة منك.
أمه قربت منه وشكلها كان مرعب.
_ اخرس بقى متكذبش الأسياد محوطانا انا شيفاهم.
_ اسكتي بقى بطلي جنان أنتِ كمان، انا عايز حاجتي اللي عندك.
سحبته من إيده، دخلت الأوضة، وفرجته على لبسها المرمي على الأرض، والعباية اللي ولعت، وفتحت الخزنه لاقيتها فاضية.
فضلت تصرخ:
_ فلوسي قرين شروق خدها، فلوسي راحت، شقى عمري راح، يا مصيبتي ويا خراب بيتي.
مصطفى قال بغل:
_ لأ متعمليش أفلام عليا انا حافظك، مش هخرج خسران، فين الفلوس يا سيدة؟ كدا مش هيحصل كويس.
مردتش عليه، فضلت تلطم وتقطع في هدومها وتقول كلام مش مفهوم.
قولتله بإصرار:
_ أنا عايزه افهم كنت بتحطلي إيه يا مصطفى، قولي الحقيقة.
مصطفى صرخ فيا:
_ مش وقتك خالص أنتِ كمان… خلينا نشوف المصيبة اللي إحنا فيها.
أمه حالتها بقت صعبة حطيلها مهدئ وخدني وطلعنا شقتي.
قولتله أول ما دخلنا:
_ عملت معايا كدا ليه؟ حرام عليك مش خايف من ربنا
قالي بتجاهل:
_ قولتلك بطلي جنان، انا هعمل كدا ليه يعني
_ دا السؤال اللي انت هتجاوبني عليه وحالا
قالي ببرود:
_ الدكتورة قالتلك إيه، كله تمام
بدأت اعيط وجسمي يرتعش:
_ لأ مش تمام، انا خلاص مش هعرف أبقى أم، أنا عقيمة واتحرمت من أجمل إحساس في الدنيا، كدا مش هلاقي اللي يورثني
مسك إيدي وقعدني في الصالون وقعد جنبي:
_ إهدي يا ملك، أنا روحت فين يعني؟
مش إحنا اتفقنا انك هتكتبي كل حاجه بإسمي عشان أخلي بالي من فلوسك
_ هو دا كل اللي فارق معاك، بقولك بسببك بقيت عقيمة، كنت بتحطلي إيه في الأكل؟ كنت بتدمرني ليه؟
عملت فيا كدا ليه؟
_ ملك انا هصارحك أنا عارف انك عندك مشكلة في الحمل من البداية، وعشان كدا اتجوزت من شهرين في السر ومراتي حامل، أول ما هتولد هاخد الطفل وهطلقها وهرميها في الشارع
اتجمدت مكاني ومحستش بنفسي إلا وأنا بضربه بالقلم على وشه
مسك إيدي بقسوة وقالي:
_ أنتِ مجنونه بتمدي إيدك عليا؟
قولتله وأنا بضحك بصوت عالي ملى المكان:
_ هتجيب عيل مش من صلبك ولا ابنك يورثك يا مصطفى؟ شوف بقى دا ابن مين
قالي بعدم فهم:
_ أنتِ بتقولي إيه؟
أنتِ كذابة
قصدك إيه بالكلام بتاعك دا؟
رميت أوراق التحاليل في وشه وقولتله:
_ شوف بنفسك انت عقيم يا دكتور يا محترم، يا ترى مراتك حامل من مين يا مغفل؟
خلاص اللعبة اتقلبت عليك وكل حاجه اتكشفت.
للأسف ربنا ابتلاني بيك وطلعت مش راجل وخاين وياريته بفايده، انت كمان حب عمرك خانتك يا قلبي، بجد مش مستوعبة إزاي هتبقى اب لإبن مش ابنك يا مغفل.
بقى تحطلي أدوية وتتفقوا عليا!!
ليه يا ظالم؟
لييييه عملت فيا كدا؟
أهو سبحان الله ربنا حفظني وخلى اللي انت كنت عايز تعمله فيا يبقى فيك، وهتتحرم من الأبوه، ولا اقولك أبقى ربي ابن عشيق مراتك.
رد عليا وعينه بتطلع شرار:
_ هخلص عليها وعليكِ، ودلوقتي حالا همديكِ على أوراق فيها تنازل عن كل حقوقك، أيوه يا ملك حطيتلك أدوية هلاوس واكتئاب ومانع للحمل، ولو كنت عايز كنت هحطلك سم وأخلص منك، بس حبيت اشوفك بتموتي بالبطيء.
وآه اتجوزتك بس عشان أخد كل فلوس أبوكِ اللي سابها
بدأ يقرب مني حاولت أجري وأبعده عني لكني وقعت على الأرض، كتم نفسي وحاول يكتفني، سحبت الفازه وخبطته في دماغه، شليت حركته دقايق وقدرت أكتفه.
بقى قاعد قدامي مذلول قولتله وأنا بضحك بهستريا:
_ أنا عارفه بلعبتك من بدري يا صاصا، وعشان كدا حبيت ألاعبك بردو.
امك أنا بردو حطيتلها حبوب هلوسة، كل اللي شافته حقيقي وهتعرف كمان شويه.
انت بقى يا حبيبي هحول كل الفلوس اللي في حسابك ليا، أنا عارفه ان ٣٠٠ ألف ميعملوش حاجه بس يلا مش مشكلة على رأي المثل نوايا تسند الزير.
مرات اخوك المصونه بتخونه، شكلها عادة في العيلة دي ونظام ماشيين عليه، لازم كل واحد فيكم يخون اللي معاه، عارف بتخونه مع مين مع سواق التوكتوك.
مصطفى كان هيتجنن وبيحاول يفك نفسه، قولتله بشماته:
_معلش نفسي اسيبك تتكلم لكن مضطرة أخلي اللزق على بؤك الجميل العسول دا عشان لسه في مفاجآت لازم تعرفها.
خلاص رفعت عليك قضية خلع، اللي زيك بيترمى زي فردة الشبب القديمة اللي ملهاش صاحب.
الصيدلية بقت بتاعتي خلاص بس لسه هوثق الورق بعد ما تتحبس، البيت دا بقى بتاعي، الدهب كله رجعلي بزيادة.
صح نسيت اقولك انا اللي بلغت عن فتحي.
أيوه زي ما انت فهمت كدا أنا ورا كل حاجه، وصحيح بلغت عنك انت كمان لأني عارفه انك بتتاجر في الممنوعات وفاتح الصيدلية لممارسة أعمال مشبوهة، وسجلت اعترافك انت وأمك ومرات أخوك وقدرت أثبت إنكم أذتوني وهسلم التسجيل للشرطة وهما يتصرفوا معاك.
دخلت بيتكم وأنا ضعيفة وعيوني مغمضة وقُلت خلاص يا ملك دا العوض اللي هيعوضك عن كل حاجه وحشه، علفكره بردو لو كنت عاملتني بما يرضي الله كنت هسيبلك الفلوس وكل حاجة بنفس راضية، بس الطمع وحش أوي.
فتحت عيني على صدمة ورا التانية مبقتش عارفه أحزن على إيه ولا إيه بس الأهم إني عرفت افوق بسرعة وأوقعكم واحد ورا التاني.
كنت سيبني في حالي واتجوز واحدة شبهك من الأول، بس يلا حصل خير مكتوبلكم تتشرفوا بمعرفتي ونهايتكم تبقى على إيدي.
قربت منه وهمست ليه: معلش في حاجه نفسي أعملها من بدري، ضربته بالقلم على وشه، مش قلم واحد لأ عشرة، حاولت أخرج كل الوجع اللي جوايا وقولتله:
_ أنا جوايا إعصار مش راضي يهدى بس هخلي القانون ياخد مجراه ومش هوسخ إيدي.
كنت هروح ضحية جشعكم، بس ربنا كان مقدر حاجة تانية خالص.
سيبته مربوط قدّامي، عينيه مليانة رعب، ومش قادر حتى يصرخ.
قربت منه، ووطّيت لمستواه، وصوتي كان هادي زيادة عن اللزوم:
_ هنزل افتح للشرطة بقى لأني سامعه صوت خبط جامد على البوابة، حتى العيش والحلاوة مش هجيبهم ليك لأنك واطي.
_____________
عربيات الشرطة كانت واقفة قدّام البيت، والنور الأزرق والأحمر عمال يلف، والجيران متجمعين، ووشوش بتتفرج في صمت.
مصطفى خارج مكبّل، راسه في الأرض، ملامحه مكسورة، لا دكتور ولا محترم، مجرد واحد اتعرّى قدّام الكل.
أمه ماشية وراه، جسمها محني، عينيها تايهة، بتتمتم بكلام مش مفهوم، ولا قرين نفعها ولا بخور.
مرات أخوه ماسكة في العساكر وبتعيط، وشها شاحب، لأول مرة حاسّة بالضعف بجد.
كنت واقفة بعيد شوية، دموعي نازلة بهدوء، مش فاهمة دي دموع شماته ولا فرح ان حقي رجعلي.
اللي جوايا كان وجع تقيل.
أختي قربت مني وحاوطتني بإيديها:
_ دي دموع فرح يا ملك… عشان خدتي حقك، مش كدا؟
بصّيت قدّامي، وصوتي كان مكسور بس ثابت:
_ لأ… دي دموع حزن، على الأيام اللي عيشتها مع ناس زي دول، خلّوني أبقى أسوأ نسخة من نفسي، وأنا كنت شايلة في قلبي كل الخير ليهم.
مسحت دموعي وقالت:
_ متزعليش، كان ابتلاء كبير وربنا نجّاكِ، حقك رجع أهو.
سكتت ثانية وبعدين سألتني بحذر:
_ بس هتعملي إيه في ولاد سلفتك؟ دي عندها طفل صغير.
أخدت نفس طويل وقلت:
_ سألت المحامي، وقالي هيقدر يطلعها بكفالة…
وأنا هروح أتنازل عن حقي.
بصّتلي بدهشة:
_ بجد يا ملك؟
هزّيت راسي:
_ هي متستاهلش، بس الطفل مالوش ذنب…
حرام يتربي من غير أمه.
وقفت وكملت بنبرة حاسمة:
_ هجيبها تشتغل، تاكل من عرقها،
وهعلّمها الأدب كمان… بس من غير ظلم.
بصّتلها وابتسمت ابتسامة باهتة:
_ متقلقيش، لسه في شوية إنسانية جوايا…
يمكن أكتر من اللي هما استاهلوه.
____________
كنت قاعدة قدّام شروق وببصلها من غير ما أتكلم، لحد ما خرجت مني الكلمة لوحدها:
_ طلعتي فظيعة ومتتقدريش يا شروق…
الست عقلها طار منها، وسمعتهم بيقولوا هيودّوها مستشفى المجانين.
أنا قعدت معاها قد ما قعدت، ومعرفتش إنها بتؤمن بالحاجات دي أصلاً.
ابتسمت شروق ابتسامة جانبية وقالت بهدوء فيه رضا: _ أنا مكنتش هعرف أعمل حاجة من غير مساعدتك،
إنتِ اللي هيأتيلي الظروف والمكان،
وجيبتيلي نسخة من مفتاح شقتها… ومفتاح البوابة الرئيسية.
هزّيت راسي وأنا بضحك ضحكة قصيرة:
_ بس برافو عليكِ… أظن كدا قلبك ارتاح شوية.
ضحكت ضحكة مكتومة، وكملت وهي باصة في الأرض:
_ والله يا ملك كنت كاتمة الضحك بالعافية،
وبحاول أقاوم منظرها وهي مرعوبة، وبتقول: «عيوني للأسياد» وتبوس في إيدي.
بقى دي نفسها سيدة الجبروت اللي ورّتني النجوم في عز الضهر؟
وظلمتني ورمتني في الشارع!
رفعت عينيها وقالت بنبرة شماتة ممزوجة بوجع:
_ الميكب والشغل الجامد دا خلّاني أخاف من منظري أنا شخصيًا… بس يلا، خدت نصيبها.
قلتلها بهدوء:
_ إنتِ كمان لازم تاخدي حقك في البيت دا.
هزّت راسها بسرعة:
_ مستحيل أرجع أعيش هنا.
كل ذكرى فيه أسوأ من اللي قبلها.
بيعيه يا ملك، وجوزي ياخد نصيبه وحقه وخلاص.
وطبعًا مش هوصيكِ… هو ميعرفش أي حاجة عن اللي عملناه، هو مسافر.
قلت من غير تردد:
_ طبعًا مش هيعرف حاجة.
وفكرة بيع البيت أنسب اقتراح.
وكمان هحفظ حقوق ولاد الزفت فتحي، دول غلابة مالهمش ذنب، ضحايا جشع أب وأم ما عندهمش ذرة إنسانية.
يا رب بعد اللي عاشوه يطلعوا أسوياء.
بصّتلي شروق وقالت بهدوء:
_ مرتاحة يا ملك كدا يا ملك؟
سكت شوية وبعدين رديت:
_ مش عارفة بصراحة… كان نفسي في زوج حنين، عنده أصل ومحترم، الناس مش بالمظاهر فعلا.
مكنتش أتمنى أوصل لكدا.
بس لو هنصح حد بخلاصة تجربتي…
بصّيت في عينيها وكملت:
_ إياكِ… ثم إياكِ ترضي بالظلم وهو لسه في بدايته.
لأنك كدا بتظلمي نفسك، وهتتحولي لواحدة عمرك ما هتحبيها.
نزلت بصري وقلت:
_ الظروف ساعدتني أخد حقي بحِرفة، بس إنتِ وضعك غير وضعي.
طالبي بحقوقك اللي الشرع أمر بيها، ربنا مش بيظلم حد.
رفعت عيني تاني وختمت:
_ سكوتك هيتحول لألم مش هتستحمليه.
ومعناه إنك راضية باللي بيحصل معاكِ.
ساعتها فهمت إن الانتصار مش دايمًا فرحة،
وأحيانًا بييجي متأخر أوي…
بعد ما يخسّرك ناس، ويعلّمك دروس كان ممكن تتعلّمها
من غير كل الوجع ده.
بس الحقيقة الوحيدة اللي ارتاحت لها روحي
إن الظلم
مهما طال
ليه نهاية…
وإن السكوت عليه
كان أول غلطة
وأكبر تمن.
تمت
لقراءة ومتابعة روايات جديده وحصريه