تحميل رواية «بقايا ليلة الغدر» PDF
بقلم فادية النجار
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
اقرأ بقايا ليلة الغدر بقلم فادية النجار.
رواية بقايا ليلة الغدر الفصل الأول 1 - بقلم فادية النجار
اللهم صلي على سيدنا محمد وعلى اصحاب سيدنا محمد وعلى اتباع سيدنا محمد وسلم تسليماً كثيراً
:
—
## البارت الأول: بقايا ليلة الغدر
### بقلم: فادية النجار
الهدوء الذي يسبق العاصفة.. كان هذا هو الوصف الدقيق لتلك الساعات الأخيرة في منزِل “عبد الحميد”. المنزل الذي كان يضج بالحياة يوماً ما، أصبح اليوم بارداً، باهتاً، لا يملؤه سوى صدى دقات الساعة المعلقة في الردهة.
في غرفتها الصغيرة، كانت **”تراتيل”** تجلس أمام مرآتها في بيت العائله ، تنظر إلى وجهها الشاحب بفعل الحزن والخوف. لم تكن كباقي العرائس اللواتي يطيرن فرحاً في ليلة زفافهن؛ فقبل أشهر قليلة ودعت والدها وحيدها وسندها في هذه الدنيا، لتجد نفسها فجأة بلا ظهر، فتاة ملتزمة، هادئة، لم تخض معارك الحياة يوماً، ولم يكن لها أخ يستند إليه كتفها إذا مال الزمان.
حين تقدم ابن عمها **”زين”** لخطبتها بعد وفاة عمّه، ظنت السذاجة في قلبها النقّي أنها لمسة حنان من القدر، وأن صلة الرحم ستحميها من غدر الأيام. طلبت منه العيش في بيت والدها الراحل، وهو في الحقيقة لم يرفض، بل رحب بالفكرة تماماً وبدت عليه الطيبة.. كم كانت واهمة! لم تكن تعلم أنها مجرد أداة يستخدمها “زين” لغرضٍ دنيء في نفسه!
قامت من مقعدها بخطوات وئيدة، وتوجهت صوب القبلة. فرشت سجادة صلاتها المزخرفة، وارتدت إسدالها الأبيض الناصع الذي ينسدل حول جسدها ككفن لأحلامها الوردية، ويمتاز بنقاء يماثل نقاء قلبها تماماً. انحنت ببراءة، وسجدت، وأفرغت كل خوفها في محرابها الصغير.
على سجادة صلاتها، كانت ملامحها تشع طهراً؛ وجهها الصافي المستدير، وعيناها الساحرتان اللتان تأسران من ينظر إليهما، كانتا تفيضان بدموع حارقة وهي تتمتم بصوت يتهدج بالبكاء الشديد:
— “يارب.. أنت عالم إني وحيدة وملّيش غيرك بعد وفاة بابا.. يارب أنا خايفة، نظرات ‘زين’ ليا في الكوشة مكانتش نظرات عريس لعروسته.. كان في عينه قسوة رعبتني. يارب إن كان ليا خير فيه قربه مني، وإن كان في قلبه شر ليا فاحميني بحماك يا جبار المستضعفين.”
انتهت من صلاتها ومسحت وجهها بكفيها المرتجفتين، وظلت جالسة على السجادة، عاجزة عن التحرك، وكأن قلبها يستشعر الكارثة القادمة.
ولم تكذب حدستها.. فما هي إلا دقائق معدودة حتى استمعت إلى صوت خطوات ثقيلة وقاسية تصعد الدرج، خطوات لم تكن تحمل لهفة العشاق بل حملت كبرياء الطغاة. انفتح باب الغرفة فجأة بقوة جعلت مقبضه يصطدم بالجدار محدثاً صوتاً مدوياً.
انتفض جسد “تراتيل” بالكامل، والتفتت بذعر لتجده واقفاً بهيبته الطاغية، يرتدي حُلته السوداء الفاخرة التي تبرز عرض كتفيه ووسامته الرجولية الحادة الممزوجة بملامح شيطانية في تلك اللحظة. لم يكن هناك أي ملامح للفرحة على وجهه، بل كانت عيناه تشتعلان بغضب أعمى، وعروق عنقه بارزة لدرجة مخيفة.
وقفت “تراتيل” ببطء، وتراجعت بضع خطوات للخلف حتى اصطدمت بالفراش، وأحكمت إغلاق إسدالها الأبيض عليها وهي تهمس برعب:
— “زين.. مالك؟ في حاجة حصلت تحت؟ عمي كويس؟ في إيه يا زين بتبصلي ليه كده؟!”
أطلق “زين” ضحكة ساخرة، باردة، تسببت في تجمد الدماء داخل عروقها. تقدم نحوها بخطوات بطيئة، واثقة، وكأنه فهد يحاصر فريسته، حتى وقف أمامها مباشرة بحيث لم يعد يفصل بينهما سوى إنشات قليلة. انحنى بمستواها، ولفحت أنفاسه الغاضبة وجهها وهو يهمس بفحيح مرعب:
— “مالي؟ مالي ده هتعرفيه حالا يا بنت عبد الحميد! إنتي كنتي فاكرة إني اتجوزتك عشان بحبك؟ ولا عشان سواد عيونك وسجادتك وإسدالك؟”
قاطعته “تراتيل” بنبرة باكية مرتجفة:
— “أنت تقصد إيه يا زين… أنا مش فاهمة حاجة.. أومال اتجوزتني ليه؟ عشان أبويا مات يعني وأنا بنت عمك؟”
هتف “زين” بقسوة:
— “لاء يا تراتيل.. أنا اتجوزتك عشان أدفعك تمن الدم اللي جف في عروق أبويا.. الحادثة اللي عجزت أبويا وخليته يقعد على كرسي متحرك طول عمره كان أبوكي هو السبب فيها! عشت عمري كله شايل هم أبويا المريض، وأنا وأمي ذقنا الويل والكسرة بسببه! وبما إنه مات وهرب من عقابي، فإنتي اللي هتدفعي الثمن.. ليلتك معايا مش هتنساها طول عمرك، وهتكون ليلة تسديد الحساب.. أو نقول رد اعتبار للي حصل لأبويا!”
انقبضت روح “تراتيل” وصعقت الكلمات عقلها، فسقطت دموعها بغزارة وحاولت الدفاع عن والدها الراحل وسط شهقاتها المتتالية:
— “بابا بريء! والله العظيم بابا عمره ما أذى عمي، الحادثة كانت قضاء وقدر.. والله مالوش ذنب في شلل عمي والله…. حرام عليك يا زين متظلمنيش.. أنا ماليش ذنب في صراعاتكم القديمة!”
لم يستمع لصرخاتها، ولم تحرك براءتها المتألمة أنملة واحدة من قلبه الذي تحجر بفعل سنوات من الحقد الموجه خطأً. لم يرأف بحالها، ولا بيتمها، ولا بكونها عِرضه وابنة عمه اليتيمة. أخذها بأبشع طريقة ممكنة، مجرداً من أي إنسانية، لتصبح المسكينة كالشاة المذبوحة بين يدي جزار يقطع فيها على حدة.
تحولت تلك الليلة، التي من المفترض أن تكون بداية الستر والحب، إلى مسرح للانتقام والغدر.. ليلة طمست فيها قسوة “زين” ضحكة “تراتيل” وسلبتها براءتها في عاصفة من الظلم الأعمى.
—
*في الصباح الباكر الساعة الخامسة فجراً*
كانت خيوط الشمس الأولى الشاحبة تتسلل من بين شقوق النافذة، والبرودة تملأ أركان الغرفة. استيقظت “تراتيل” لتجد نفسها ملقاة على الأرض الباردة بجانب سجادة صلاتها.. جسدها يرتعش بقوة، وثوبها الأبيض يحمل آثار ليلة مريرة. كانت دموعها قد جفت على وجنتيها، وشعرت بفراغ روحي قاتل، وكأن جسدها أصبح مجرد جثة هامدة.
نظرت بطرف عينها المكسورة لتجده واقفاً أمام المرآة بكل برود وهدوء، وكأنه لم يدمر نفساً بريئة منذ ساعات. كان يمشط شعره وعلامات النصر الزائف ترتسم على ثغره. ارتدى معطفه الأسود الثقيل، ووضع ساعته الفاخرة، ثم التفت إليها بملامح جامدة ونظرة احتقار أخيرة ألقاها عليها وهي ممددة أرضاً كعصفور بلله المطر.
اقترب منها خطوتين، وأخرج ورقة رسمية من جيبه الداخلي، ثم ألقاها بقسوة فوق جسدها المرتجف، وقال بكلمات كالرصاص الذي يصيب القلوب في مقتل:
— “انتقامي خلص، والورقة دي فيها طلاقك يا تراتيل.. إنتي طالق! طلقتك تاني يوم فرحك عشان تفضلي طول عمرك مكسورة وعينك في الأرض وسط الناس، ومفيش راجل يرضى يبص في وشك.. ومش بس كده.. أنا خارج من هنا حالاً على المأذون عشان أكتب كتابي على **’رانيا’**.. هي دي البنت اللي تليق باسمي وبعيلتي، ومستنياني من امبارح عشان نعلن فرحتنا.. أما إنتي فكنتي مجرد وسيلة رخيصة عشان أكسر بيها عين أبوكي في تربته، حتى لو مات هيفضل يتعذب بعذابك في قبره!”
صفع الباب خلفه بقوة شديدة هزت أركان الغرفة وجعلت زجاج النوافذ يرتجف، تاركاً إياها غارقة في ذهولها ودموعها التي عادت تتشكل بغزارة، وحيدة تماماً، وملفوفة بوشاح الخيبة والظلم الذي ألبسها إياه ابن عمها في ليلة واحدة.
—
لم تنتظر “تراتيل” حتى تشرق الشمس بالكامل وتفضحها العيون. بقلب ميت وعزيمة استمدتها من انكسارها ومن
قوة إيمانها بأن هذا ابتلاء من رب العالمين وهي مؤمنة صابرة، قامت وجرت جسدها المنهك. لم تبكِ أمام أحد من أقاربها، ولم تصرخ؛ بل جمعت حقيبتها الصغيرة بملابسها البسيطة ومصحفها وسجادة صلاتها البيضاء التي شهدت على قهرها.
ارتدت عباءتها السوداء وحجابها، وأخذت صندوقاً صغيراً كان يتركه لها والدها الراحل؛ كان يخبئ فيه مالاً بسيطاً لها وذهب والدتها المتوفاة.. لم يفكر ان يترك لها الكثير لأنه ظن يوماً أنه يتركها بين أهلها وعائلتها، ولم يعلم المسكين أنه ترك فلذة كبده بين أفاعٍ سامة تقتل بدم بارد!
وفي تمام الساعة السادسة صباحاً، خطت أول خطوة خارج عتبة هذا المنزل. سارت في شوارع القرية الخالية والضباب يلف الأجواء، كانت خطواتها ثقيلة كالجبال، وعيناها الساحرتان تنظران إلى الفراغ بجمود حزين.
أخرجت هاتفها، وأغلقته تماماً لتعلن قطع كل حبال الماضي مع عائلتها التي خذلتها، وخدعتها، وحاسبتها على ذنب ليس لها فيه يد، بل وحاسبت والدها الذي ظُلم حياً وميتاً. صعدت إلى أول سيارة أجرة متجهة إلى وجهة مجهولة، إلى مدينة بعيدة لا يعرفها فيها أحد، هاربة بكرامتها الجريحة ونفسها العفيفة.
ومع تحرك السيارة، كانت تنظر من النافذة وهي تضع يدها تلقائياً على شنطتها دون أن تدرك.. لم تكن تعلم وهي تغادر تلك الأرض مظلومة ومطرودة، أنها لا ترحل وحدها.. بل تحمل في أحشائها بقايا حية لليلة الغدر..
أرادت هي أن تترك كل شيء خلفها، ولكن الله لا يترك عباده أبداً، وهي من استجارت به في محنتها ولن يخذلها
رواية بقايا ليلة الغدر الفصل الثاني 2 - بقلم فادية النجار
اللهم صلي على سيدنا محمد وعلى اصحاب سيدنا محمد وعلى اتباع سيدنا محمد وسلم تسليماً كثيراً
## البارت الثاني: بقايا ليلة الغدر
### بقلم: فادية النجار
اولا الروايه لو مش ظبط التفاعل الروايه هحاولها حجز هخلصها وانزلها للي عايز يقراءها انما كده مش ينفع تمام مع روايه الجميله والشبح ومحدش يزعل انا الي هلاقي فيه مصلحتي وتقدير ليا هعمله دي مجهودي وتعبي تمام ده اخر مره هتكلم فيه علي التفاعل تمام يلا مشاهده ممتعه
انطلقت سيارة الأجرة تشق ضباب الصباح الباكر، تنهب الأسفلت نهباً وكأنها تهرب بـ “تراتيل” من جحيم قريتها. كانت تجلس في المقعد الخلفي، شاردة، وعيناها الساحرتان المثقلتان بالدموع والسهاد تنظران إلى الطرقات السريعة والأشجار التي تتوارى خلفها. كلما ابتعدت السيارة مسافة، كانت تشعر بغصة في حلقها؛ فهنا طفولتها، وهنا قبر والدها الحبيب، وهنا أيضاً دُفنت كرامتها وبراءتها في ليلة واحدة. كانت تحتضن بساعدها المرتعش ذلك الصندوق الخشبي الصغير الذي تركه لها والدها، وتضغط عليه بقوة وكأنه طوق النجاة الوحيد في بحر الحياة المتلاطم.
بعد رحلة طالت لساعات، دلفت السيارة إلى صخب مدينة القاهرة.. شوارع مزدحمة، أصوات أبواق السيارات تتعالى، وبشر يركضون في كل اتجاه لا أحد يعرف الآخر. نزلت تراتيل في إحدى المحطات الجانبية الهادئة بحي قديم، وسارت بخطوات متثاقلة وهي تجر حقيبتها. كانت أنظار بعض المارين تلاحق هدوءها وعباءتها السوداء التي تنير وجهها ، لكنها لم تكن ترى أحداً؛ ولم تاخذ بالها من نظرات الجميع كان كل همها أن تجد مأوى يسترها قبل حلول المساء. ظلت تسال هنا وهناك
بمشقة بالغة، وبعد سؤال طويل هنا وهناك، أرشدها أحد السماسرة كبار السن الذي يبان عليهم الطيبه إلى غرفة بسيطة تقع في أعلى سطح إحدى البنايات القديمة المكونة من خمسة طوابق. صعدت السلم الخشبي المتهالك وهي تكاد تلفظ أنفاسها من التعب والإنهاك النفسي. فتح السمسار الباب الحديدي الصدئ، فظهرت الغرفة؛ كانت مساحتها صغيرة للغاية، تحتوي على فراش قطني متواضع على الأرض، وخزانة ملابس خشبية متهالكة تفوح منها رائحة الرطوبة، ونافذة خشبية صغيرة تطل على أسطح الجيران وسماء المدينة الواسعة.
شعر السمسار بالشفقة من ملامحها البريئة والمنكسرة، فقال بنبرة هادئة:
– “يا بنتي الغرفة على قد حالها، بس الحارة هنا أمان ومحدش بيضايق حد.. وإيجارها بسيط زي ما طلبتي.عايزه حد يساعدك فيها ”
أومأت تراتيل برأسها وشكرته بصوت خافت، وقالت لهو انها لا تحتاج الي احد وبمجرد أن أغلق الباب وتركها وحيدة، التفتت حولها.. لم تسخط، ولم تندب حظها السيء، بل شعرت برغبة عارمة في الارتماء بين يدي خالقها. أخرجت سجادة صلاتها البيضاء الناصعة من الحقيبة، فرشتها بعناية في وسط الغرفة الباردة، ودلفت في صلاة طويلة.. سجدت سجدة شكر امتدت لدقائق، انهمرت فيها دموعها بغزارة حتى بللت قماش السجادة. بكت بحرقة وهي تحمد الله على الستر، وتحمده على النجاة من قسوة “زين” وغدره.
بعد أن أنهت صلاتها، جلست على الأرض وسحبت الصندوق الخشبي نحوها. فتحته بأصابع مرتعشة؛ وجدت في قاعه بضع من الذهب القديم الخاص بوالدتها الراحلة، ومبلغاً مالياً بسيطاً كان والدها يحوشه لها للطوارئ. تنهدت بعمق ونظرت إلى انعكاس وجهها الشاحب في زجاج النافذة وقالت بنبرة قوية ولدت من رحم الوجع والالتزام:
– “الحمد لله.. ربنا معايا ومش هيضيعني أبداً. الذهب ده مش هلمسه ولا هبيعه إلا للضرورة القصوى.علشانده ذكري منك ياماما . أنا من بكرا الصبح لازم أنزل الشارع وأدور على شغل شريف أعيش منه بكرامتي، ومحتاجش لمخلوق.”
—
**في مكان آخر.. في قلب القرية (ليلة الفرح الخاص بي زين)
في نفس الساعات التي كانت “تراتيل” ترتب فيها أشياءها البسيطة في غرفتها فوق السطوح وتلتمس السكينة، كانت قريتها بأكملها تشتعل بصخب وضجيج لا يهدأ. لم يكن فرحاً عادياً، بل كان استعراضاً صارخاً للقوة والنفوذ؛ فقد أصرّ **”زين”** أن يقيم زفافاً “يهز الأرجاء” ليثبت للجميع أنه انتصر، وأنه تزوج بفتاه اكثر ثراء وافضل من هذه اليتيمه التي طلقها في صبحيت فرحها ولا احد يعلم لماذا وصارت الناس تتكلم باشياء كاذبه عن هذه الفتاه اليتيمه ولا يعلمو انهم يبهتون بهتا عظيما في حق مظلومه
كانت الأنوار الملونة وشواش الكهرباء غطت الشوارع المحيطة بالمنزل، وصوت المزامير والطبول البلدية يصم الآذان، والذبائح تُطهى في قدور ضخمة لإطعام المئات من أهل البلدة الذين جاءوا مهنئين وشامتين في آن واحد. كان زين يقف في منتصف حلقة الرقص ببدلته الأنيقة الفاخرة، يمسك بالعصا ويرقص بزهو وكبرياء شديد. الابتسامة كانت لا تفارق شفتيه أمام المعازيم، ولكن من يدقق في عينيها الزرقاوين الحادتين، كان سيلمح جمراً مشتعلاً من القسوة والاضطراب؛ لم تكن ملامح عريس يعيش أسعد ليالي عمره، بل ملامح رجل يحاول جاهداً إخماد صوت ضميره ونيران غامضة تأكل صدره.
وبجانبه في “الكوشة”، كانت **”رانيا”** تجلس كالملكة المتوجة، وتكاد تطير من الفرحة والزهو. كانت ترتدي فستاناً أبيضاً مرصعاً بالفصوص اللامعة، وتضع مساحيق تجميل صارخة تتناسب مع ملامحها الماكرة. كانت تنظر إلى نساء القرية بنظرات انتصار ساحق، وتتعمد الضحك بدلع بجانب اذن زين وبصوت مسموع ليرى الجميع أنها استطاعت في ساعات معدودة أن تزيح ابنة عمه اليتيمة وتحتل مكانها كزوجة لـ “زين “.
وسط هذا الصخب، اقترب “صلاح”، وهو الصديق المقرب لزين والوحيد الذي يعلم ببعض تفاصيل انتقامه. جذب زين من يده بعيداً عن حلقة الرقص وهس في أذنه بنبرة مليئة بالقلق والتوجس:
– “زين.. البلد كلها مفيش سيرة ليها غير عن ايه الي حصل يخليك تتزوج تاني ومش كده لا ده تاني يوم فرحك علي تراتيل الناس بدأت تتكلم وتقول إنك طلقت تراتيل بعد كام ساعة من الدخلة.. وبتشكك في اخلاقها والمصيبة إن البنت اختفت تماماً من البيت ومن البلد كلها! ومحدش يعرف لها طريق، وتليفونها مقفول تماماً.. إنت طردتها ووديتها فين يا زين؟ البنت يتيمة وملهاش حد!”
تجمدت العصا في يد زين، وانقبض قلبه بشكل مفاجئ وعنيف لم يفهمه، وصورة وجه تراتيل الباكي بالإسدال الأبيض مرت أمام عينيه كالصاعقة. لكن كبرياءه الأعمى وغروره سرعان ما سيطرا على جوارحه، فنزع يده من يد صديقه ورد بنبرة جامدة مستهزئة يحاول بها إخفاء توتره:
– “تمشي ولا تقعد ميهمنيش في داهية! ورقتها ووصلت لها لحد عندها، وأنا أخدت حقي وحق أبويا العاجز منها ومن اسم أبوها الغالي.. غارت من البلد كلها ومبقتش تخصني ولا تلزمني في حاجة.. ياللا بينا نرجع للناس بلاش كلام فارغ.بلا تمشي بلا تقعد وموت ضميره وذهب يرقص ولا يبالي باليتيمه الوحيده ”
ترك صديقه وعاد ليرقص بزيف وسط الهتافات والمباركات، بينما كانت الموسيقى الصاخبة ترن في أذنيه وكأنها سياط تذكره بجريمته في حق فتاة بريئة كل ذنبها أنها ابنة عمه.وانه مظلومه ولكن هل الله ينسي مظلوم لجي لهو
—
مرت الأيام والأسابيع، وانفض
سامر الفرح الصاخب ليحل محله الروتين. ورغم المحاولات المستمرة من زين الرجوع الي حياته بطبيعه هاديه مع رانيا ولكن كان نظره ابيه المشلول كانها سيط من جلد يضربه بيه
“” زين”. اي يا با شايف في عينك نظره مش عايز اصدقها
والده “‘ هز والده راسه علامه علي رفضه ما فعله زين مع تراتيل ولكن هو حتي لا يتكلم حتي يقدر علي مواجهة الحقيقه الان
جاءت” رانيا” اقتربت من زين وقبلته من خده وقالت بدلع ماسخ ايه يا زيني يلا بقي علشان نلحق نخرج مش هنفضل فاعدين في البيت زي المشلولين كده
نظر لها زين وهي تتكلم عن ماذا تتحدثي ايه الفتاه هي حتي لا تاخذ بالها من كلامها التي تنطق بيه امام والده المشلول
زين. رانيا خدي بالك من كلامك
رانيا “‘انا اسف يا انكل وبعدين يا زيني انا ذنبي ايه مش هو ذنب عمك الي كان السبب في شلل عمي كده وهي بنته اتلقيها عايشه ولا علي بالها حاجة
زين “نظر الي والده وذات شرار الانتقام وقال فعلا يا رانيا انتقامي منها كان خفيف بس ورقدت ابويا كده لو امحتها لخلص عليها
رانيا… لا يا بيبي انساها وخلينا نعيش حياتنا هي اساسا مين هيرضي يفكر يتجوزها وهي مطلقه يوم فرحها
نزلت دموع والده وهو يدعي في سره الي اليتيمه التي انظلمت وهو غير قادر حتي عل النطق ببراءه ابيها
اما عند تراتيل
وفي غرفتها البعيدة فوق السطوح، كانت تراتيل تبدأ فصلاً جديداً من المعاناة والشرف. بعد أسبوع كامل من السير على الأقدام والبحث المضني، قادها توفيق الله إلى حضانة إسلامية بسيطة في نفس الحي. طرقت الباب، وقابلت مديرة المكان التي انبهرت بهدوئها، والتزامها الشديد، وطريقتها المهذبة في الحديث، ناهيك عن حجابها النقي الذي يعكس وقارها.ووجهها الخالي من اي مستحضرات تجميل تم قبولها فوراً كمعلمة للأطفال الصغار براتب بسيط ومقبول.
كانت تراتيل تبذل كل طاقتها مع الأطفال لتنسى همها.حتي تعلق الاطفال بيها بطريقه سريعه وعندما يأتي المساء مع أذان المغرب، كانت تعود إلى غرفتها المتهالكة، تغلق بابها الحديدي، وتجلس على الأرض تأكل لقيمات بسيطة تكفيها لتعيش. كانت تفتح نافذتها الصغيرة، تنظر إلى النجوم المستيقظة في سماء القاهرة وتهمس بنبرة يملؤها اليقين:
– “يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث.. أصلح لي شأني كله ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين.. يارب أنا راضية بحكمك وأنت حسبي ونعم الوكيل.”
كانت تظن أن الأيام القادمة ستمضي في خط مستقيم وهادئ وهي تبني جدار حياتها الجديدة بصمت كلي، ولم تكن تدري أن جسدها يخفي سراً عظيماً سيهز أركان عائلة “زين” ويقلب موازين الانتقام في القريب العاجل!
”حينما يلتقي الطغيان بالرقة، وتصطدم القسوة ببريق العيون الوديعة، تسقط كل الحصون. هو… وحشٌ تمنى الجميع النجاة من بطشه، وهي… جميلةٌ لم تملك سوى طهر قلبها سلاحاً.
في هذه الرواية، تأخذنا الكاتبة فادية النجار إلى عالمٍ تتشابك فيه المشاعر، وتتغير فيه الأقدار، حيث لا مكان للخوف، وحيث للحب قوة تروض أعتى القلوب.”
الشبح راغب المنشاوي والجميله فرح محمد