تحميل رواية «بعد الليل» PDF
بقلم نهال عبدالواحد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
اقرأ بعد الليل بقلم نهال عبدالواحد.
رواية بعد الليل الفصل الأول 1 - بقلم نهال عبدالواحد
ما أجمل القمر! لكن جمال القمر لا يظهر إلا في عتمة الليل، و يظهر بعد مرور فترة من سواد الليل الحالك حتى يظهر القمر بدرًا كاملًا متلألئًا في أبهى صوره.
في إحدى قرى الصعيد، في إحدى البيوت المتواضعة، بيت من طابق واحد بالإضافة إلى الطابق الأرضي و المندرة، البيت ليس فخمًا و لا لإحدى العائلات الكبيرة، لكن في الأفراح يكون الحكم لعادات وتقاليد العائلة.
يبدو على البيت من الخارج أن هناك حفل زفاف؛ فيوجد بضع فروع قليلة من النور الملونة وعلى باب البيت سيارتين للأجرة يركب فيها عدد من الناس ما بين رجال، نساء وأطفال مع أصوات أغاني شعبية تنبعث من السياراتين يخالطهما أصوات زغاريد، لكن لم يكن العدد كبير من المدعويين، كما أن البيت هادئ وهذا يعني أن هذا البيت بيت العروس وهؤلاء هم أهلها.
يبدو أن من سيذهب لهذا العرس قد اجتمعوا جميعًا فهاهي السيارتان تتحركان لتنصرفا، وصلت السيارتان إلى مدينة أسيوط أمام أحد صالونات التجميل الشعبية، وكان هناك سيارات أخرى للأجرة و سيارة ملاكي مزّينة بالشرائط الملونة و البالونات، يبدو أنها سيارة العريس.
نظرت اثنتان من السيدات إحداهما تبدو في بداية العشرينات قمحية اللون وهذا قد تبين من لون بشرة كفها؛ فوجهها مملوء بشتى أنواع مساحيق التجميل لتزيده بياضًا وحمرة تظهر بردَاءة، ترتدي فستانًا من اللون الأحمر ذات حمالات، مطرّز بالكامل بالخرز و الترتر اللامع و أسفل الفستان ترتدي (بادي كارينا) من اللون الفضي، الفستان ضيق نسبيًا مظهرًا بضة جسدها ومنحنياته، و على رأسها وشاحًا فضي مفرّغًا كالدانتيل تخرج منه خصلات شعرها المصبوغ باللون الأصفر الفاقع و تحمل طفلًا على ذراعها بيدٍ واحدة فشمرت عن ملابسه ليظهر جسد الطفل.
أما الأخرى فامرأة في نهاية الثلاثينيات قمحية اللون و ممتلئة الجسد قليلًا و ترتدي عباءة سوداء مطرزة عند الأكمام و أسفل العباءة، وعلى رأسها خمار أسود يُبرِز من أسفله عقدة علوية من أثر العصابة التي تربط بها رأسها.
هرولت المرأتان إلى داخل صالون التجميل و خلفهما عن قرب رجلًا طويلًا في نهاية العشرينيات قمحي اللون مائل إلى السمرة و له شارب، يرتدي جلبابًا صعيديًا من اللون الرمادي و على كتفه شال رجالي، و خلفهم شاب عشريني آخر يبدو من هيئته و بذته السوداء اللامعة التي يرتديها، شعره المصفف و الملتصق ببعض بفعل (الجل) أنه هو العريس، وكان أسمر البشرة، خلفه عدة نساء متزينات بطريقة و هيئة تشبه المرأة ذات الفستان الأحمر.
وبعد قليل تعالت الزغاريد و أصوات الطبول ثم خرجت العروس في يد عريسها و الجميع حولهما يصفقون و يرددون الأغاني الشعبية و أيضًا المرتبطة بالأفراح.
بعد قليل ركب الجميع و انطلقت جميع السيارات، و بعد فترة وصلت السيارات إلى قرية أخرى غير القرية الأولى و بعدها توقفت السيارات أمام بيت من عدة طوابق و هيئته أفضل حالًا من البيت الأول، مزينًا من الخارج بأعداد من فروع النور الملون بالإضافة إلى سرادق كبير بجانب البيت يجلس فيه الرجال و فرقة الإنشاد التي سيسهرون عليها.
وبجانب السرادق الكبير سرادق أصغر يبدو أنه خاص بالطبّاخ و معداته، حيث يخرج منه الرجال يحملون صواني الطعام الكبيرة و يدخلون بها إلى السرادق الكبير.
و مكان آخر بجانب البيت به نصبة لعمل الشاي و برّاد عملاق و عدد لانهائي من الأكواب الزجاجية الصغيرة التي تجئ فارغة و يذهب غيرها ممتلئ شاي.
وعلى جانب آخر عدد لا نهائي من النارجيلات و بضعة رجال، منهم من يتعهد تسخين الفحم وتحميته ومنهم من يتعهد المعسل، رص الأحجار و ربما يصحب المعسل أشياء أخرى….
دخلت العروس و النساء إلى داخل البيت بينما اتجه الرجال بصحبة العريس إلى السرادق، وصلت العروس إلى المكان الذي ستجلس فيه بصحبة النساء، فكشفت أمها (المرأة ذات العباءة السوداء) عن وجهها، فظهر وجه مملوء بمساحيق التجميل الرخيصة الشعبية ذات الهيئة الجيرية و الألوان الصارخة، وشعرها الأسود مرفوع لأعلى في فورمة كبيرة غير متناسبة مع وجهها الصغير ولا عمرها، كما أن هذه التصفيفة غير متناسبة مع العصر الحالي من الأساس و فستان زفافها كبير ويبدو متسعًا عليها وغير متناسب مع جسدها الضئيل.
تبدو العروس فتاة صغيرة في الثامنة عشر من عمرها ظاهرًا على ملامحها الزعر، الخوف و القلق، تتحرك بؤبؤتيها في كل اتجاه تدور بين الجميع تنظر في وجوههم وتحاول قراءة ملامحهم، فأمها و امرأة أخيها بادٍ السعادة على وجهيهما، هناك وجوه تضحك و تنظر إليها وتتمتم، و أخرى تنظر إليها بتشفّي، وغيرها تنظر إليها و أنها لا تستحق هذه الزيجة.
أغمضت سوداويتيها فحتى تلك الطبقات الموضوعة على وجهها تصيبها بالضيق و تشعرها بوخزاتٍ داخل عينيها، لكنها ذهبت بذاكرتها و شردت بعيدًا عن الفرح و صخب النساء….
هاهي فتاة قد أنهت المرحلة الإعدادية، اليوم ظهرت شهادة آخر العام و قد حصلت على الترتيب الثالث على مستوى مدرستها، دخلت البيت سعيدة مرتدية كنزة مزركشة، تنورة سوداء طويلة و حجاب من اللون الوردي ينير ملامحها الملائكية الهادئة، خاصةً وأنها كانت حريصة دائمًا على إخفاء جميع خصلات شعرها الأسود تحت حجابها بعكس غيرها من الفتيات قريناتها أو حتى من تكبرنها في العمر.
جاءت من الخارج في قمة سعادتها تقصد الباب الداخلي للمندرة فأبوها يجلس بالداخل، طرقت الباب وانتظرت فسمعت صوت الأب آذنًا بالدخول، فتحت الباب قليلًا و أطلت برأسها تنظر لداخل المندرة إن كان هناك أحد الضيوف، فجاءها صوت أبيها الضاحك: تعالي يا جمر ماحدش إهني.
فدخلت يزيّن وجهها الجميل ابتسامة النجاح واضعة يديها الممسكة بشهادتها خلف ظهرها تخفيها قائلة: إزيك يا بابا؟
فقال و هو يضيق عينيه و يميل برأسه يريد أن يستكشف ما تخفيه عنه ابنته: دسّة إيه وراكِ يا بت بوكِ؟
فابتسمت قليلًا ثم أظهرت الشهادة و قدمتها له، فأخذها الأب وقرأ ما فيها متهللًا، ثم رفع نظره نحو ابنته و فتح ذراعيه لها فأسرعت بين أحضان أبيها و وقال مربتًا عليها: ألف مبروك يا حبيبتي، ألف مبروك دايمًا رافعة راس أبوكِ.
فرفعت رأسها نحوه وقالت مبتسمة: طبعًا طبعًا، ده انا بت أبوي حسّان المنصوري، و ربنا يجدرني دايمًا وافضل رافعة راسك.
فقبّل جبهتها و أبعدها برفق وقال: هه، و ناويه علي ايه يا بت المنصوري؟!
فالتمعت سوداويتيها بأملٍ حالم قائلة: نفسي أكون حاجة كَبيرة و تتشرف بيّ وسط الخلايج، نفسي أكمل و أدخل الجامعة.
وهنا دخل أخوها من باب المندرة المطل على الشارع، فنادى عليه أبوه بحماس: تعالى يا ضيا وبارك لاختك، جمر نجحت و طلعت الألفا.
فذهبت قمر نحو أخيها ضياء فعانقها، قبل جبهتها و قال لها: مبروك يا بت أبوي.
فأجابت بمشاكسة: يدّك ع الحلاوة يا ابو خويّ.
فقال لها ناهرًا:
حلاوة إيه دي! هو مين يدي لمين؟ أنا جوازتي خلصت اللي معاي كله.
فضحكت و احتضنت أخيها من خصره وقالت: الله يعينك ويجويك يا خوي! بهزر معاك والله!
فقال لها مشاكسًا: هزار بَهيمة كله عض و رفس.
ثم اعتدلت واقفة وقالت: لا لا، خلي بالك الأوضاع عتتغيِر خصوصي لما أبجا دكتورة.
فقال أخوها باستخفاف: دكتورة حتة واحدة!
فقال الأب ناهرًا: بس ياض!
ثم نظر لابنته وقال بفخر: طب اعمليها يا جمر و أنا معاكِ يا بنيتي لحد ما تجولي أنا اسكتفيت علام يا بوي.
فتدخل ضياء قائلًا: علام إيه و دكتورة إيه! هو كفاية سنتين تعليم متوسط و تخلص و تتجوز.
فصاحت: جواز إيه! مش هتجوز بدري!
فأجابها ضياء: أمال إيه! لما تبوري و تجعدي ف جرابيزنا! كل بنات عمك إتجوزوا ومافاضلش غيرك، خلْصي السنتين دول و ياجي ابن الحلال و يشيل.
فقالت معترضة: ليه يا ضيا؟! هو أنا تجيلة عليك للدرجة دي وعايز تخلص مني وترميني؟!
فقال: أرميكي لما اجوزك! البت مالهاش غير بيتها و جوزها، وانت أها إتعلمتي و كله تمام.
فقال الأب متدخلًا: ما ليكش صالح انت ياضيا، بتي تعمل اللي يلد عليها.
فقال ضياء بحنق: يا بوي هو إحنا كد مصاريف الثانوي ولا الجامعة.
فقال الأب: ربك الرزاج.
فأكمل ضياء باستخفاف: م الدكانة دي!
– الدكانة دي هي اللي ربتك و كبرتك، الرزج يا ولدي مش بالكَتير الرزج بالبركة اللي ربك عيحلها عليه.
فقالت قمر: وأنا أوعدك يا بابا إني هذاكر واجتهد على اخر ما عِندي، وعحاول ما اكلفكش مصاريف زيادة.
فقال الأب: ما تنعيش هم إنتِ، ربنا رزجه واسع.
ثم ضم ابنته.
وتمر الأيام و تلتحق قمر بالفعل بالمرحلة الثانوية و تبذل كل جهدها في المذاكرة و المحافظة على تفوقها و مرّ العام الأول و هي على وعدها لأبيها و تفوقها، ولازال الأب فخورًا بابنته، ولازال الأخ حانقًا من كثرة أعباء المصاريف خاصةً بعد أن رُزق بطفلة و الثاني في الطريق.
والتحقت قمر في عامها الثاني الثانوي وهي في نفس تفوقها، لكن ليس دائمًا ما يريده المرء يتحقق.
فذات يوم جاءت قمر من المدرسة فوجدت دكان والدها مغلق و علمت أنه قد ذهب لإحضار بضاعة جديدة، فبدّلت ملابسها و جلست قليلًا تلعب مع ابنة أخيها فامرأة أخيها مشغولة بطفلها الصغير و أمها في المطبخ تعد الغداء و أخوها لم يأتي بعد من عمله.
ثم فجأة سمعن صوت ضجة بالخارج و أصوات رجولية مختلطة ترتفع بالتهليل و الإسترجاع (قول لا إله إلا الله ، إنا لله وإنا إليه راجعون).
فانتفضت جميعهن لأسفل لتجدن المندرة مليئة بالرجال و صوت بكاء أخيها و تتسرب كلمات إلى مسامعهن: شد حيلك يا ضيا.
– كلنا لها يا ولدي.
– الله يرحمك يا حسّان كنت زين الرجال ما سيبت كَبير ولا صغير إلا و واجبك مغرِجه.
فتعالت صرخات الأم و امرأة أخيها، نظرت قمر بينهما غير مصدقة، هكذا فجأة!
لقد ألقت عليه صباحها قبل أن تذهب لمدرستها، لقد أعطاها بيده مصروفها، لازال أثر قبلته الحانية على جبهتها، هل كانت القبلة الأخيرة؟
أ حقًا لن تراه مجددًا؟
أ حقًا لن تتنعم بدفء أحضانه؟
أ حقًا قد صارت… صارت يتيمة؟!
كانت الصدمة عليها أشد ما يكون؛ فليس لديها أي تصور لحياتها المستقبيلة بعد رحيل أبيها.
كانت الأيام قاسية و شديدة على الجميع، فأخوها معلم و بالكاد يكفي راتبه ولا يملك الوقت للوقوف في دكان والده حتى فسد ما به من بضائع.
أما قمر فلازالت تجتهد وتكافح لكن فقدان أبيها تكويها ناره، المحمس الوحيد قد رحل و تركها، صارت تشعر بوحدة غريبة، والأكثر صار هناك إحساس مفزع يحاصرها لا تعرف مصدره، كل ما تتأكد منه أن الأسوأ قادم لا محالة…
………………..
…………………………………
رواية بعد الليل الفصل الثاني 2 - بقلم نهال عبدالواحد
استكملت ذلك العام الدراسي بصعوبة بالغة سواء بسبب ما مرت به من ظروف افتقاد والدها و وفاته أو بسبب ضيق العيش، لكنها في النهاية قد نجحت و حصلت على درجات لا بأس بها.
دخلت البيت تحمل شهادة درجاتها هذه المرة، لكن بدون فرحة ولا سعادة، تتلفت حولها تشعر بطيف أبيها و رائحته تملأ المكان، كأنها تسمع صوته الحنون يبارك لها و يسمعها أعذب كلمات الإطراء و الدلال، بل وكأنها تراه جالسًا على الأريكة أمامها، فأسرعت لتنعم بدفء حضنه… لكن وجدت نفسها تحتضن نفسها…
لا أحد… فراغ… وحدة… كآبة… ضيق صدر… وسواد لأبعد الحدود.
وبينما هي على حالتها جالسة ممسكة بشهادتها فكت حجابها وتركته متبعثرًا على رأسها ناظرة إلى اللامكان، دخل عليها أخوها وامرأته وأمها فانتبهت لهم سريعًا و مسحت تلك الدمعة التي فرت على خلسةٍ منها.
ثم تصنعت الإبتسام و مدت يدها بالشهادة لأخيها: نجحت الحمد لله.
فأخذها منها و جلس جوارها و ربت على كتفها دون أن ينظر داخل الشهادة وقال: مبروك يا جمر.
بينما قبلتها أمها على و جنتيها وقالت هي الأخرى: مبروك يا بت بطني.
فأومأت برأسها لهم وقالت بصوتٍ متحشرج محاولةً كتم عبراتها: الله يبارك فيكم.
ثم ابتلعت ريقها و هي تفتح عينيها لتمنعهما من زرف الدمع.
فقال ضياء بجدية: كنت عايزك في موضوع إكده يا بت بوي.
فأجابت بقلق: خير يا خوي.
فقال: كِيف ماانتِ واعية الدكانة خربت وماعادتش جايبة همها.
فقالت قمر: ما جولتلّك أجف فيها أنا.
فصاح فيها قائلًا: والناس تاكل وشنا.
فأجابت: مالناش صالح، الناس لا عتوكِلنا ولا عتشرِبنا.
فقالت الأم: ما عيصوحش يا بنيتي يبجى البيت فيه راجل و البنية تجف ف دكانة!
فقالت قمر: ما هو مافاضيش يامّي، طب أجولك شوف واد زين إكده، واد حلال يكون أمين ويجف هو ف الدكانة و ياخد أجرته.
فقال ضياء: وهي الدكانة بتكسب كام يعني عشان نوزِع إهني و إهني!
فقالت قمر بتنهيدة: كنّك بتسددها يابو خوه!
فتنهد وقال بتوتر ظاهر: أنا جررت أبيع الدكانة وخلص الحديت على إكده.
فقالت له: وانت جاي اتشورنا ولا بتعرِّفنا!
فقال ضياء: ما هتفرجش، وعمومًا ما تخافيشي ما عكلش حجك.
فرمقته بحزن وقالت تعتب عليه: هو دي ظنك بيّ يا ضيا!
سكت قليلًا ثم قال: كنت جَدمت على سفرية للسعودية، عسافر و اشتغل هناك مدرس برضيك، وكنت ناعي همك بصراحة يا بت بوي.
فقالت: تروح و تاجي بالسلامة…
ثم أكملت بعدم فهم: تنعى همنا ليه؟! إحنا جاعدين ف بيتنا كافيين خيرنا شرنا وأول ما الدراسة تبدأ عنشغل في مذاكرتي.
فقال: ما دي موضوع تاني.
فقالت بعدم فهم مرة أخرى: موضوع إيه!
فنظر ثلاثتهم لبعضهم البعض، وهي أيضًا تنظر نحوهم و يتأكد حدسها بأن القادم ليس بخير على الإطلاق.
فقالت مكررة: ما تُنطج يا خوي.
فقالت عبير (امرأة أخيها): بصي يا جمر، هو ضيا عايز يجولك هو وأمي حسنية إن يعني، البنتة مالهاش ف الآخر غير بيتها و جوزها و مهما كان علامك فماحدش حدانا عيشغل مرته، يبجى بناجصه.
فصاحت فيها: بناجص إيه! بتجول إيه مرتك الخرفانة دي؟!
فقالت عبير بمسكنة مصطنعة: أني خرفانة! الله يسامحك!
فقالت قمر: ما جصديش، لكن انتِ برضيكِ فورتي دمي بحديتك الماسخ دي.
فتدخل ضياء قائلًا: حديتها مش ماسخ يا جمر، هي عتجول عين العجل.
فقالت باستفهام: عين العجل!
فأكمل قائلًا: ودي باجي حديتي وياكِ، في عريس طالب يدك مني و أنا وافجت عليه، يُبجى مالوش عازة علامك دي.
فصاحت فيه: عريس إيه! إيه الحديت دي!
فقال: دلجيتي ما يجدر عل جُدرة إلا صاحب الجُدرة، وأنا مسافَر و ماهطمنش عليكِ إلا وانتِ ف ذمة راجل، و طبعًا ما عينفعش تسيبي بيتك وجوزك وتروحي المدرسة يبجي نكفي عل خبر ماجور و انتهينا.
فقالت بصوتٍ مختنق بالبكاء: يعني لا أحجج حلمي واكمل علامي، حتى جوازتي أتجوز راجل والسلام!
فقال ضياء بتهكم: إياكِ تكوني واعية إن العيشة كيف المسلسلات اللي عتشفوها! لا، دي حاجات ترفيهية يعني تسرح بعجولكم، لكن لا في حب ولا كل اللي عتشوفيه دي، مااني جدامك أهو متجوز البجرة بت عمك دي وأدينا عايشين بجالنا كام سنة، عمرك شوفتينا كيف المسلسلات اللي عتشوفيها، يا حبيبتي الحريم كلهم واحد والجواز كلاته واحد ما هيفرجش حاجة واصل، غير إنك فلجة جمر صُح.
فقالت عبير معاتبة: أمال أنا إيه يا ضيا!
فأجابها: إنتِ فَجر مصور العيار ما يخلعش عينك، إش جابك إنتِ لجمر الجمر دي.
فازدادت غيظًا حاولت اخفاءه ثم قالت: مبروك عليكِ يا بت عمي.
فقالت قمر: مبروك إيه!
فقالت عبير بمكر: لا مالكيش حج يا جمر، بجي عايزة تكسري فرحتنا! ولا كنّك ما عتفكريش غير ف نفسك! يا حبيبتي عيشي عيشة أهلك وبلاش ترفعي منخارك ف السما.
فقالت الأم بصوتٍ حانٍ: هه يا حبيبتي! جولتي إيه!
فنظرت إليهم جميعًا ثم أغمضت عينيها وقالت: عجول إيه! ما انتو جولتو كل حاجة.
فقال ضياء: والله جولت إنك عاجلة و ما عتركبيش دماغك!
فأكملت عبير قائلة: وا! تركب دماغها و تكسّر كلمة أخوها الكَبير! ده ما عيحصلش واصل.
فقال ضياء بسعادة: وما تخافيشي كل اللي نفسك فيه عجيبهولك من نصيبك في دكانة أبوكِ، ما جولتلّك مش عاكل حجك، وإن شاء الله عنلحج نخلص شوارك خلال الشهر دي.
فقالت بصدمة: شهر!
فقال ضياء: يا دوب عشان ألحج أحضر جبل السفر، ده أنا يادوب عحضر الصباحية، لا عحضر السَبوع ولا الأربعين، الناس عتاجي في الليل بعد العشا يتحددتم و نتفج ع الدهب و كافة شيء عشان نلحج نشتروا الدهبات، عايزكم تجهزوا كل حاجة.
فقالت عبير تتصنع السعادة: كافة شيء عيكون جاهز، هو إحنا عندينا كام جمر.
فقالت حسنية تربت عليها: تعيشي يا حبيبتي، ودي العشم.
نظرت بقهر بينهم و قد تحقق حدسها، ثم تركتهم متجهة لغرفتها في الأعلى محاولة التفكير في ذلك الكهف المظلم الذي ستدخله و تمضي فيه باقي حياتها، لقد خسرت كل شيء منذ أن خسرت أباها، فلا تعليم ولا حتى زوج ترغب فيه… يبدو أن الليل يهجم بظلامه قبل أوانه!
وفي المساء جاء العريس و أهله، زينتها امرأة أخيها و أصرت على تزينها فأصبحت لا تعرف نفسها في المرآة من كثرة تلك الخطوط الملونة.
جلست معهم مثل المقعد الجالسة عليه لم تتحدث إلا بعض الكلمات العابرة عند الضرورة فقط، اتفق الرجال اتفاقاتهم المعهودة و دفع العريس لأهل العروس ثمن كسوتها كما هو المتعارف عليه و تم تحديد موعد شراء الذهب كما حُدد ثمن الذهب و قد كان أغلى من أي فتاة في عائلتها وقد زاد ذلك من غيظ عبير، فلم يُشترى لها ذهب بذلك السعر؛ فلأنها
ابنة عمه فاشتري لها الذهب بسعر أقل من المتعارف عليه وباقي فتيات العائلة أيضًا هكذا حيث تزوجن من أبناء عمومتهن فلم يُشترى لأيهن بمثل ذلك السعر فازداد حنق الجميع عندما علموا، وظلت الحوارات بين بنات العائلة ذاهبة وآيبة في هذا الموضوع.
مرت الأيام و قد تم شراء الذهب، مستلزمات الزواج و جهاز العروس كما هو المتعارف عليه لديهم، أن العروس تشتري فقط الأجهزة، الأواني و فرش المنزل أما العريس فيشتري باقي مستلزمات الشقة وكسوة العروس أيضًا.
لم تكن قمر قد اجتمعت بعريسها سوى بضع مرات دون أن تدقق في ملامحه فلم تُحفر في رأسها و لم تتذكرها نهائيًا، كما لم يكن بينهما أي أحاديث.
وبدأت استعدادت بيت العروس قبل الفرح من خبز لأنواع الخبز، البسكويت، الناعم ( الكعك) و الفايش، وذلك اشترك فيه نساء العائلة من باب المجاملة -أن تحضر خبيز فلانة-
حتى جاء يوم الحنة و قد ذهب الجميع لبيت العروس لإتمام فرشها و الذهاب بشتى المخبوزات، كميات الخبز المهولة التي يخبزها أهل العروس لتقدّم للمدعويين في الحنة في بيت العريس، يوم الفرح وفي الصباحية، و هذا غير خزين كامل للبيت من شتى الأشياء (سكر ، شاي ، أرز ،سمن ،… ) كميات من اللحوم و الطيور.
أما العروس فلا تطأ بقدمها لبيتها إلا يوم دخلتها متفاجئة بكل شيء، لكن قبل ذلك لا تعرف عنها أي شيء…..
ثم عادت قمر من شرودها على صوت من حولها يزرغدون؛ فالعريس قد جاء ليصعد بعروسه، وفجأة و جدته أمامها يبتسم بابتسامة سمجة، مد يده نحوها لتمسك بيده ثم وقفت، وعلى غفلةٍ وضع إحدى يديه خلف ظهرها و الأخرى أسفل فخذها و حملها مسرعًا وصعد بها لأعلى، شعرت به كحمّال المحطة يسرع بحمل الحقائب قبل انطلاق القطار!
ارتجفت و ارتعشت خوفًا، ليس لديها أي تصور عن حياتها معه وأقصد معه كرجل غريب عنها.
صعد العريس بعروسه وسط زغاريد عالية وأصوات تشجيعية من المدعويين، دخل شقتهما ثم أسرع بها نحو غرفتهما و أغلق الباب خلفه بالمفتاح، ازداد ارتعاش جسدها و نظرات الخوف و التوسل ظاهرة على ملامحها.
لكن ذلك العريس كان خارج نطاق الخدمة فكل تركيزه و حواسه كان منصبًا حول آداء مهمة بعينها ليهبط و يكمل سهرته مع باقي الرجال متفاخرًا.
فألقى بها فوق الفراش و بسرعة خلع بذته و هي تطرف بعينيها تفتحهما و تغلقهما؛ ربما كانت نائمة، ربما كان كابوسًا وحان وقت الإستيقاظ…
لكن لم يمهلها و بسرعة انقض عليها فشد طرحتها حتى أن الدبابيس الخاصة بها قد علقت بشعرها فجذبها دون أدنى إحساس فآلمتها فتأوهت قليلًا، فإزداد لهيبه و رغبته فيها.
جذب فستانها بسرعة فتمزق في يده فلم يلقي بالًا وأكمل نزعه وألقى به على طول يده، ثم انقض ينهل من جسدها بقدر ما يستطيع وكأن أحدهم يركض خلفه لينتهي أو ربما أحدهم يمسك بيده ساعة إيقاف وقد حدد له وقتًا بعينه فيريد الإنتهاء قبل إنتهاء الوقت!
أما هي فقد تشنّج جسدها كأنها مخدرة، أو ربما تمنت ذلك، بل تمنت ما هو أفظع تمنت أن تموت الآن، لا تطيق لمساته، لا تطيق اقترابه ولا رائحة أنفاسه الكريهة المختلطة بشرب النارجيلة أو ربما شيئًا آخر كالحشيش ومشتقاته!
وبعد أن افترس الحيوان فريسته دون أدنى شفقة، نهض هذا الزوج و هو يضحك فخورًا بنفسه ثم تركها واتجه نحو الحمام و صوت دندته يصم أذنها، ثم خرج مرتديًا جلبابًا أبيض اللون ليهبط في الأسفل و يكمل سهرته مع باقي الرجال متفاخرًا بدخلته على عروسه.
وقبل أن يفتح باب الغرفة التفت إليها و هي لازالت على وضعها لا تحرّك ساكناً غارقة في دماءها التي اصطبغ بها لون الفراش، و وجهها الذي صار كالخريطة من أثر مساحيق التجميل التي سالت مع دموعها، وشعرها المتبعثر.
فقهقه ثم قال لها: همّي يا بت جومي استري نفسك و غيري فرش السَرير دي، الحريم زمناتها طالعة تجعد معاكِ عشان تعرف أمجاد محمد عبد الحفيظ، جوزك! جومي يا عروسة!
قال الأخيرة و هو يمط في صوته و يقهقه ببشاعة، ولما لم يجد منها أي رد ولا حركة جذب الغطاء فغطاها وفتح الباب وهو يدندن مغنيًا مصفقًا بيديه، ثم سُمِع أصوات زغاريد بالخارج و مباركات.
مباركات!
لقد تم ذبح ضحيته بنجاح!
أما قمر فظلت على وضعها لا تحرك ساكنًا، شعرت برغبة في الصراخ و تحطيم هذا البيت بالكامل، بل تنظر لجسدها متمنية لو تقشر طبقات جلدها التي تطاول عليها، تمنت لو تزيلها و لكن…