م
الفصل الأول.
فى ليلة مطيرة من ليالي الشتاء الباردة و السماء تستعمرها الغيوم الرمادية ، و البرق يكاد يخطف الأبصار من شدة ضوءه ، و رعدت السماء رعدات قوية عندها انتفضت تلك الطفلة من مرقدها على سريرها الوردي تصرخ مجفلة ، فالرعد انتزعها من بين أحلامها الطفولية البريئة ، و أخذت تركض حتى غرفة والديها ، أدارت المقبض و أطلت برأسها الصغيرة ، و من ثم تقدمت بخطوات خفيفة سريعة حتى وصلت إلى جانب والدتها ثم هزتها مرددة فى صوتٍ ناعس خائف :
_ ماما ، أنا خايفة.
فتحت والدتها عينيها نصف فتحة و أمرتها بابتسامة طفيفة :
_ تعالي فى حضني يا قمري.
صعدت الطفلة على السرير و اندست ما بين والديها رامية برأسها على عضد أمها التى ضمتها فى حنان و قبلت قمة رأسها و من ثم سألتها بلين :
_ أثير حبيبة قلبي خافت من البرق مش كدة؟
طالعت الطفلة السقف ذو الملامح الغير بينة بسبب ظلام الغرفة و اومأت برأسها قائلة بخوف :
_ اه ، و الرعد ضرب الشجرة اللى قدام البيت.
انتفضت والدتها فجأة فوقعت راسها على الوسادة مما سبب لها قليلاً من الدوار ، و أتاها قول والدتها المرتعد :
_ إنتى متأكدة ، كدة ممكن تحصل حريقة.
أكدت "أثير" مخاوف والدتها حين قالت فى براءة خالصة :
_ أه يا مامي ،دي الشجرة نورت.
هزت والدتها كتف والدها هاتفة بخوف :
_ قوم يا نديم ، الشجرة اللى قدام البيت بتولع ، قوم بسرعة.
هب جالسًا و لا زالت عيناه مغمضتان ، و قال مشدوهًا :
_ إيه؟ إنتى متأكدة؟
_ بنتك بتقول كدة.
_ أه يا بابي الشجرة نورت.
_يارب استرها يارب و متقومش حريقة ، أروح فين و آجي منين؟ ده أحنا نص الليل!
قالها "نديم" بفزع ، و قفز من فوق السرير فكاد أن ينكفأ لولا أن تماسك فى اللحظة الأخيرة ، وأخذ يعدو خارج الغرفة و الخوف يسكن نفسه ، و بعد أن استفاق قليلاً من أثر نومه ، فتح باب شقته ، و اندفع للخارج إلى الشجرة فوجدها كما هى ، تنهد بارتياح و نطق باستياء :
_ البنت و امها شكلهم اتجننوا ، العوض من عندك يا رب.
ثم رجع إلى الداخل مغلقًا الباب خلفه و قد بله المطر كليًا ، عاد إليهما محملاً بالماء و هو يرتعش من البرد ، ثم أخذته وصلة من العطاس :
_ هاااااتشوووو ، ينفع اللى ... ها هاااتشوووو ، اللى حصل فيا ده.
سألته زوجته بلهفة :
_ ها عملت إيه؟
_ قولى اتعمل فيا إيه ، منك لله إنت و بنتك يا ألاء !
_ هترد عليا و لا أخرج بخرطوم الماية و أطفى الشجرة بدل ما الحريق يوصل البيت؟
سألته "ألاء" بضيق ، فرد بغيظ قليل و لازال يعطس :
_ ها ... هاتشوووو ، خرطوم إيه بقى ، ممكن تعصريني أنا .
حين رأى الغضب يتسلل إلى قسماتها قرر أن يجيبها بما تريد :
_ الشجرة لا و لعت و لا حاجة ، تلقاه كان برق مش أكتر ، و بنتك قالت نورت مش ولعت.
تدخلت "أثير" مؤكدة على كلام والدها و مؤيدة :
_ اه ، أنا قولت كدة لمامي.
رجعت "ألاء" لتستلقي على السرير و تعيد "أثير" إلى أحضانها من جديد ، فى حين ذهب "نديم" إلى الحمام ليغير ثيابه و بعدها سيتناول مسكنًا فقد أصيب باحتقان.
................................
على الفطور
كانوا يجلسون ثلاثتهم و قد ألبست "ألاء" ابنتها "أثير" زي المدرسة الإبتدائية و رتبت لها خصلاتها الحمراء المجعدة و ربطتهما بشريطين ملونين و وضعت لها فى حقيبتها شطائر بمربى التوت البري و نوعين من الفاكهة ، ثم أطعمتها بيدها حتى شبعت.
نظرت "ألاء" إلى زوجها و حاولت كتم ضحكتها على ما جرى له بسببها و لكنها لم تكن تقصد ، رأت أنفه محمراً بسبب نزلة البرد التى أصابته أمس ، فدخلت إلى المطبخ و عادت و معها كوبًا ساخنًا من الشاي و طبقًا من الشوربة الساخنة ، وضعتهم أمامه فباشر فى الأكل بصمت و لم يحدثها.
أتت الحافلة لتقل "أثير" إلى مدرستها الخاصة ، لوحت لها امها و هى تبتعد ثم دخلت المنزل و جلست بجوار "نديم" تستعطفه بقولها :
_ لسة زعلان منى؟ و الله مكانش مقلب ، و هى طفلة فكرتها تقصد إن الشجرة ولعت.
تبسم قليلاً و تناول كفها مقبلاً ظاهره و قال برضا و صوته مبحوح من كثرة السعال :
_ مش هفضل زعلان الوقت ده كله ، لكن الاحتقان مبهدلني ، قهقهقه.
أنهى جملته بسعال خفيف ، فناولته كوب ماء دافئ ، انتظر هو بضع ثواني حتى خف السعال ثم شرب منه القليل ، فقالت له تستحثه بلطف :
_ طيب كمل الشوربة ، يارب تكون عجبتك.
ضغط على أصابع يدها برفق و رد صادقًا :
_ مدام اديكي لمست الأكل أكيد هيطلع خرافي.
ابتسمت بشئ من الخجل و سحبت يدها هاربة من نظراته البراقة ، ثم قالت بسرعة و قد لمحت الوقت على ساعة الحائط :
_ الشغل بتاعك ، هتتأخر على الشغل.
أزاح كرسيه سريعًا و وقف و هو يحمل حقيبته و أهداها قبلة على خدها قائلاً و هى يغادرها :
_ سلام يا حبيبتي ، أشوفك لما أرجع عندي ليكي إنتى و أثير مفاجئة بكرة إن شاء الله.
بدأت تتناول طعامها و هى تراقبه يذهب ، متسائلة :
_ يا ترى إيه المفاجأة دي؟
................................
فى مدرسة ابتدائية خاصة راقية.
فى وقت اللعب المخصص فى المدرسة ، كان الأطفال بناتًا و صبيانًا يلعبون ألعبًا مختلفة ، جلست "أثير" على مقاعد الاستراحة تراقبهم و هم يلعبون و يلقون بالكرات هنا و هناك ، يركضون وراء بعضهم ، يلهون بالمراجيح ، و انشغلت عنهم بوجبة غدائها .
_ ممكن نتشارك فى الأكل؟
تلفتت حولها تبحث عن المتكلم فوجدته إلى جانبها على بعد شبرين ، كان ولداً صغيراً له كاريزما و وجه بسام ، أكبر منها بحوالى الأربع سنوات فهو فى الصف الخامس الابتدائي ، أعطته شطيرة من علبتها ، قائلة بترحيب :
_ اتفضل.
قضم من الشطيرة قضمة واحدة فاستحسن مذاقها و فاجأها حين تكلم بطلاقة : مين اللى عامل الشندوتشات دي ، طعمها لذيذ.
_ مامي .
أعطاها شطيرة من خاصته و بادرها بـ :
_ هى بتعملها على طول؟
_ اه ، كل يوم.
سألها مجدداً بقيل من تردد و حرج :
_ توافقى ناكلها سوا كل يوم.
ضحكت بلطافة و قالت :
_ طبعًا.
مد بصره إلى الأمام حيث الأطفال اللاهين المشاغبين منهم و الهادئين ، و هو يقول سائلاً إياها بنبرة مهتمة :
_ بتحفظي قرآن؟
انتبهت "أثير" لجملته و هزت رأسها سلبًا كإجابة صامتة بالنفي ، فأردف بسؤال آخر :
_ طيب باباكي و مامتك بيحفظوا؟
أومأت إيجابًا ، و أجابت بنبرة مسهبة :
_ أه ، بشوفهم كل يوم بيقرأوا و يسمعو لبعض ، بس أنا مش بحفظ معاهم القرآن صعب و مش بعرف أقراه ، لما أكبر احفظه.
حرك سبابته للجانبين و هتف نافيًا :
_ القرآن سهل خالص ، أنا حفظت سبع أجزاء و لسة مكمل لحد ما اختمه.
_ يعني إي تختم القرآن.
ضحك مجيبًا بنبرة غير مصدقة أنها لا تعى ما يقول :
_ يعنى أحفظه كله .
_ فهمت.
_ إيه رأيك نحفظ سوا؟
_ بتتكلم جد؟
_ جد و جدود كمان.
الآن هى التى ضحكت و قالت ببشاشة و تعلو خديها غمازتين :
_ إوك ، اتفقنا.
ناظرها باهتمام و قال :
_ عندك مانع نبدأ من دلوقتي؟
_ لا خالص.
_ تمام.
قالها الولد مبتسمًا ، و فتحت مصحفًا أخرجه من حقيبة الظهر خاصته ، ليبدأ بـ البسملة :
_ قولى ورايا ، بسم الله الرحمن الرحيم.
_ بسم الله الرحمن الرحيم.
_ قل هو الله أحد * الله الصمد * لم
قاطعته بسرعة بقولها :
_ استنى ، قول بشويش ، عشان نسيت أول آية.
و برحابة صدر آخذ يعيد عليه الآيات كلما استوقفته ، ليتلوا فى كل مرة أبطأ من التى تسبقها.
انتهت الاستراحة و قد أشارت لهما إحدى المدرسات كي يعودوا إلى صفوفهما بعد أن عاد الجميع سواهما.
فقال لها قبل أن يتركها مغلقًا مصحفه :
_ نكمل بكرة ، مع السلامة.
_ مع السلامة.
سارت ببطئ تجاه المبني الدراسي ، و هى تغلق حقيبة ظهرها المرسوم عليها بياض الثلج و الأقزام السبعة و تتبختر فى مشيتها كالفراشة التى لا تحط قدامها على الأرض ، فهى أكثر من سعيدة فقد حصلت على صديق جيد و حافظ للقرآن ، و الأهم من هذا لها أنه لم يضايقها كالبقية و لم يعلق على شعرها بتعليق ساخر
.....................