الفصل 2 | من 3 فصل

الفصل الثاني

المشاهدات
14
كلمة
3,209
PDF
تحميل الفصل
التقدم في الرواية 67%
حجم الخط: 18

رواية أنا هبقى مرات حضرته الجزء الثاني 2 بقلم نور اسماعيل أنا هبقى مرات حضرتهرواية أنا هبقى مرات حضرته الحلقة الثانية كانت مي قد بدّلت ثيابها وجلست في صالة شقتها تتصفح حاسوبها المحمول، حتى اخترق سكون المكان صوتٌ مألوف، فتوقفت عن الكتابة، وأرهفت السمع. إيه ده! ده صوت وسام… وبيضحك مع واحدة ست…

انتفضت من مكانها كمن لسعته نار، وأسرعت نحو العين السحرية. وما إن نظرت حتى رأته بالفعل يحمل الحقائب لتلك الفتاة، بينما كان عم سليمان يصعد ببقية الأمتعة، وهي تضحك مع وسام في أريحية، وتصفق بكفها على كفها وسط حديثٍ بدا مرحًا. اندفعت مي إلى الخارج كالإعصار، وشعرها منكوش، ولم تنتبه أنها خرجت بفردة شبشب واحدة. مى: الله الله… يعنى إنت تحلم بفرحنا امبارح، وجايبلى العروسة على الجاهز النهارده!!! وأنا أعمل إيه؟

أقوم أزغرد… مبعرفش للأسف. ليلى: (تنظر إلى مي باستغراب واحتقار) إيه ده! فى إيه يا وسام؟! مى: فى إن حضرتك ده يبقى خطيبى، وإنتِ شغالة ضحك وكركرة معاه كده، وكف على كف إيه! مولد هو؟ ليلى: دى خطيبتك يا وسام؟ (تنظر إليها من أعلى إلى أسفل) بعد الأدب والرقة والأخلاق… ها، الأخلاق بعد خطوبتك لدنيا تخطب دى! مى: دى! (تسخر من طريقتها فى الكلام) الأدب والرقة والأخلاق! يا ماما، اللى مش عاجباكى دى… وسام: إيــــــــه!!

المفروض إنى أفضل واقف ساكت لحد ما وصلة الردح لبعض دى تخلص؟ والسبب فيها مين؟! قدرى الأسود. (أمسك يد مي وجذبها بقوة) إنتِ فى كل حاجة تدخلى زى الغبية كده من غير ما تفهمى؟ مى: إيه يعنى؟ مين دى؟ مش العروسة زى الأفلام العربى، وأنا آخد صدمتى وأموت؟ وسام: دى ليلى بنت عمتى يا مي، ولسه جاية من السفر. عروسة إيه وبتاع إيه يا شيخة! إنتِ بتفكرى إزاى بس؟ هتشلينى.

تورد وجه مي خجلًا، لكنها بقيت ثابتة فى مكانها، وكأن كبرياءها يأبى عليها التراجع. مى: وإزاى يعنى تهينينى وتقولى الأدب دنيا والأخلاق دنيا؟ يعنى أنا اللى من الشارع يا آنسة إنتِ! وسام: يووووووووووه… ادخلى يا مي شقتك دلوقت. ليلى: طب أنا هدخل يا وسام، لأن بجد اتخنقت من المقابلة دى. (تنظر إلى مي) ميرسى على مقابلة حضرتك. مى: العفو. (تنظر إليها باشمئزاز) تعالى هنا كل يوم.

وسام: طب إيه رأيك، مش هتدخلى إلا لما تعتذرى لليلى على الموقف السخيف ده. مى: أعتذر؟! (وعيناها تقدحان شررًا) وسام: أيوة، ودلوقت حالًا، ومش هكرر كلامى. مى: أنا اللى أعتذر يا وسام؟! وسام: أومال هى؟ مش إنتِ اللى دخلتى دخلة غلط فيها؟ ليلى: خلاص يا وسام، مش عايزة اعتذار ولا حاجة. (دخلت الشقة) مى: وأنا مش هعتذر يا وسام. (تنظر إليه بتحدٍ) وسام: مش هتعتذرى يعنى؟ مى: أيوة. وسام: كده! أوك يا مي. (دخل وهو غاضب) عن إذنك.

وأغلق الباب خلفه، بينما ظلت مي واقفة مكانها، تقفز بغيظٍ مكتوم، ثم عادت إلى شقتها وصفعت الباب خلفها بعنف. —داخل شقة وسام… الأم: حمد لله على سلامتك يا ليلى. (تحتضنها) إيه يا ابنى، إيه الزعيق اللى برة ده؟ وسام: مفيش يا ماما. (بضيق) ليلى: أبدًا… خطيبة وسام استقبلتنى استقبالًا حافلًا بصراحة. الأب: هههههههه… معلش، هى طيبة، بس تقعد تِبَعْبَع كده وتنزل على مفيش. ليلى: على العموم، عادى، حصل خير. (تنظر إلى وسام وتحدثه بهدوء)

إنت تمام؟ وسام: آه… حمد لله على سلامتك يا ليلى. الأم: أنا بقى يا لولا عملالك الأكل اللى إنتِ بتحبيه كله. يدوب تغيرى هدومك وتحطى شنطك، والأكل هيجهز. ليلى: والله يا طنط، أنا مش جعانة. الأب: إزاى يعنى؟ هو أكل الطيارة ده أكل؟ إنتِ هتاخدى أوضة وسام. ليلى: أنا آسفة لقطع كلامك يا خالو… أنا مش عايزة أعملكم قلق. أنا هاخد الليفنج روم، لأنى بجد بحب الجو بتاعها، ولازم التلفزيون يبقى شغال جنبى وأنا بذاكر.

وخلى وسام زى ما هو فى أوضته. وسام: يا بنتى، اسمعى الكلام. ليلى: اسمع الكلام إنت، أنا هبقى مرتاحة كده. الأب: خلاص… سيبوها زى ما تحب. ════༺༻════ جلست مي يعتصرها الضيق، ثم ارتدت ملابسها وغادرت بسيارتها تجوب الطرقات بلا هدف. كانت كلما تشاجرت مع وسام، يضيق صدرها حتى تعجز عن الطعام والنوم، ولا يهدأ قلبها إلا إذا تصالحا.

لكن هذه المرة، كان الجرح أعمق؛ فقد أوجعها كبرياؤها، واستحال عليها أن تعتذر لليلى بعدما سخرت منها، وما زالت كلماتها التى قارنتها بدنيا تخنق أنفاسها كلما تذكرتها. المهم… جابت الشوارع قليلًا، ثم مرت على سهر وجلست معها لبعض الوقت، قبل أن تعود إلى منزلها. وكانت الأسئلة تتقافز داخل رأسها بلا رحمة… من هى ليلى؟ ولماذا جاءت؟ ولماذا لم يخبرها وسام عنها؟ وكيف ستخرج من هذا المأزق الذى أوقعها فيه لسانها المتسرع؟!

وانقضت تلك الليلة ثقيلة بطيئة، لم يأتِ فيها اتصال من “ويسو”، ولا حتى رسالة عبر فيسبوك أو واتساب، وكأن الصمت قد أعلن الحرب بينهما. —وفى صباح اليوم التالى، دخلت مي مقر العمل، والعبوس يسبقها إلى المكان. منة: إيه ده؟ مفيش صباح الخير؟ مى: لا، مفيش. أمنية: إيه مالك؟ مقفلة ليه على الصبح يا بت إنتِ؟ مى: على ليلى وشكل ليلى القرف ده. منة: ليلى مين؟ وكادت تبدأ الحكاية، لكن غادة دخلت وهى تتأفف. غادة: ممدوح خنقنى… بقى والله.

يا رب خدنى وأرتاااااااح. ممدوح: قلتلك مليون مرة متتكلميش معايا كده. (تركها وخرج من الغرفة) أمنية: إيه يا جدعان الاصطباحة اللى زى وشكم دى؟ كلها خناقات خناقات… وإنتِ يا حجة مي، مين ليلى دى؟ مى: دى واحدة قريبة وسام… اتخانقنا أنا وهو امبارح عشان الهانم كانت شغالة ههيهئ ومهييهئ معاه على السلم، ولا كأنه خاطب، وفى الآخر يقولى اعتذرى لها قال! منة: واعتذرتى؟ مى: إنتِ غبية يا منة؟! لو اعتذرت، مكنتش زمانى بقولكم مش بنكلم بعض.

وبعدين مش أنا اللى أعتذر طبعًا. غادة: يا سلاااااااام… ده حتى ويسو يعنى! مى: ولا ويسو ولا بتاع… كرامتى أولًا. أمنية: لا، مي عندها حق، تعتذر ليه؟ هى بتتكلم فى الصح. منة: خلاص، خليكوا متخاصمين. غادة: منة حقنة… اهدى، متولعيش. مى: لا، منة عندها حق… والله لو مية سنة، مش هعتذر برضه. غادة: خلاص يلا… خليكوا متخانقين. وأمنية وشريف قافشين على بعض لسه، وأنا وممدوح ماسكين فى شعور بعض. ويلا خليها خراب بالمرة. هيهيهيهيهي.

منة: أحسن حاجة إنى سنجل… لا شايلة هم خناقة ولا صلح. فانقضت عليها غادة وأمنية فى اللحظة نفسها. طب يلا يا بت، امشى . منة: هههههههههههههههه. ════༺༻════ انقضى يوم العمل، وعادت مي إلى العمارة، لكنها ما إن همت بالدخول حتى استدارت نحو عم سليمان. مى: عم سليمان… وسام لسه مجاش من الصبح، صح؟ عم سليمان: أيوة، ما هى عربيته مش موجودة… لسه مجاش يا حضرتك. مى: طب بص يا عم سليمان… هات فونك. عم سليمان: عايزاه ليه يا ست مي؟

مى: أكيد مش هسرقك يا عم سليمان بفونك الأنتيكة ده! أنا هكتبلك رقمى، ولما يجى ترنلى على طول… ها. أنا رايحة أشترى حاجات من الهايبر وجاية، ماشى؟ عم سليمان: يعنى أول ما أشوفه أرن، ولا لما يجى؟ مى: إيه الذكاء ده يا عم سليمان! أقولك أول ما رجليه تخطى العمارة. حلو كده؟ فهمتنى؟ عم سليمان: وأقوله إنك عايزاه؟ مى: ياااااااااااااارب… (تنظر إلى السماء بغيظ) يا عم سليمان، رن ومتقولش ليه، رن وبس.

دوس على الزرار الأخضر ده، ومتعملش أى حاجة تانى. عم سليمان: طب اوعى تفتحى عليا، عشان رصيدى خلاص. مى: ياااااااااارب… هتجيلى جلطة! وغادرت إلى الهايبر، تشترى أى شىء يقتل الوقت حتى يعود وسام. وما إن رن هاتفها، حتى أسرعت تدفع الحساب عند الكاشير، وخطفت أكياسها وهرولت إلى العمارة. وجدت وسام لا يزال يتحدث مع عم سليمان عن موعد اجتماع الملاك الأسبوعى. كانت فى البداية تجرى، ثم تعمدت أن تبطئ خطواتها حتى يراها، ويدخل معها المصعد.

وما إن أنهى حديثه، حتى ركبت المصعد، فلحق بها وضغط زر الطابق. ساد بينهما صمت ثقيل، لا يقطعه سوى صوت المصعد. وفجأة، سقط أحد الأكياس بالقرب من قدمه. وسام: أى! خدى بالك. (بتكشيرة) مى: طا ه. وسام: طاه! (ضحك ضحكة خفيفة وهز رأسه) مى: لو سمحت متضحكش… إحنا متخاصمين. توقف المصعد. وسام: طب اوعى يا هبلة. (خرج) خرجت خلفه، وقد ازداد ضيقها أكثر من ذى قبل. مى: على فكرة، مش من الذوق تشوفنى شايلة حاجات كتيرة كده ومش تساعدنى. وسام:

(وكان يفتح الباب) أهو يا ستى. وحمل منها الأكياس. افتحى الباب، اخلصى. مى: (تنظر إليه بنظرة حب ممزوجة بالعتاب) أهو بفتح. فُتح الباب، فوضع الأكياس بالداخل ثم انصرف دون أن يزيد كلمة. أغلقت مي الباب بعنف، بينما دخل هو إلى منزله. ألقى السلام على والديه، ثم طرق باب غرفة ليلى. كانت قد شغلت إحدى أغنيات إليسا، وانغمست بين كتبها. وسام: إزيك يا لول؟ ليلى: أهلًا يا ويس… تعالى. وسام: أغير وأجيلك.

ليلى: وسام، صحيح… عندى سؤال قبل ما تغير… مُلح عليا من امبارح. وسام: لازم، لازم دلوقت؟ ليلى: أيوة. وسام: اتفضلى. ليلى: ليه خطبت مي دى؟ وإشمعنى هى؟ ابتسم وسام ابتسامة واهنة، وألقى نظرة خاطفة حوله، ثم خلع نظارته ووضعها فى جيبه، وقال بصوتٍ اختلطت فيه السخرية بالحب: وسام: عشان فى حاجة بتقول… لما بتحب حد أووى… اتأكد إنك وقعت فى مصيبة كبيرة أووووووى… ومي مصيبتى اللى مقدرش أطلع منها! °°°°

ليلى: وسام، صحيح… عندى سؤال قبل ما تغير… مُلح عليا من امبارح. وسام: لازم، لازم دلوقت؟ ليلى: أيوة. وسام: اتفضلى. ليلى: ليه خطبت مي دى؟ وإشمعنا هى؟ ساد الصمت لبرهة، فألقى وسام نظرة خاطفة حوله، ثم خلع نظارته ووضعها فى جيبه، كمن يستعد لفتح صفحةٍ لم يكن يرغب فى قراءتها من جديد. وسام: عشان فى حاجة بتقول… لما بتحب حد أووى… اتأكد إنك وقعت فى مصيبة كبيرة أووووووى… ومي مصيبتى اللى مقدرش أطلع منها! ليلى: طيب… ودنيا؟!

ارتجف قلبه رغم مرور الوقت، فما زال اسمها يوقظ فى صدره صدى أيامٍ ظن أنها اندثرت. وسام: ده مش سؤال بقى! ليلى: أنا عارفة إنى سخيفة… بس بجد عايزة أعرف. تقدم إلى داخل الغرفة، وجلس فوق المقعد فى هدوءٍ يخفى خلفه عاصفة من الذكريات. وسام: عايزة تعرفى ليه سيبنا بعض… مش كده؟ ليلى: أنا واثقة إنكم لسه بتحبوا بعض… أو على الأقل هى. وسام: لو هى لسه بتحبنى… مكانتش سابتنى! ليلى: هى اللى سابتك؟!

وسام: أيوة… صعب على أى راجل إنه يقول إنه اتساب، بس فى حكايتى أنا ودنيا لازم أوضح ده… لأنى مقصرتش فى حقها يوم. ليلى: طب ما سألتهاش ليه؟ إيه السبب؟ أطرق برأسه لحظة، وكأن الكلمات تثقل لسانه. وسام: مسألتش… ومحاولتش أسأل. بصراحة، كان صعب عليا إنى أفرض نفسى عليها. مدام قلعت شبكتى، وهدت كل اللى بنيناه سوا، ومبقاش فارق معاها أى حاجة… يبقى صعب يرجع إحساسى تانى ليها. يبقى البعد أسلم حل. ليلى: (تعقد حاجبيها)

يضايقك لو كنت لسه على علاقة بيها؟ وسام: لا… إيه اللى يضايقنى لو ليكى علاقة بأى حد فى الدنيا؟ ليلى: أى حد؟! وسام: آه… دنيا بالنسبة لى شخص غريب بقابله فى الشارع وأنا معدى. لا يهمنى أعرفها مين، ولا حياتها إيه. يدوب بعدى الشارع… وبنسى شكلها بمجرد ما بلف ضهرى. تنهدت ليلى فى هدوء، وقد أدركت أن بعض الجراح لا تلتئم، وإنما يعتاد أصحابها ألمها. ليلى: ممممممم… أنا آسفة إنى فتحت الموضوع ده… بس الفضول كان هيموتنى.

وقبل أن يجيبها، دخلت والدتهما، فقطعت خيط الحديث. الأم: إنت لسه مغيرتش يا وسام؟ طب يلا بقى غير، عشان السفرة جهزت. وسام: حاضر يا أمى… عن إذنك يا لولا. —اجتمعت الأسرة حول مائدة العشاء، تملؤها رائحة الطعام ودفء اللقاء بعد غياب. وسام: ما تفكرى يا لولا… واعملى الدكتوراه هنا. ليلى: ممممم… والله يا وسام، أنا مش عارفة… بس أنا اتعودت على هناك. الأم: ما تخلّيكى يا ليلى، ده حتى تونسينى أنا وخالك.

إنتِ عارفة إن وسام هيتجوز قريب، وهنبقى أنا وخالك لوحدنا. ليلى: صحيح يا وسام… شقتك فين بقى؟ وسام: أنا لسه هبيع القديمة وأشترى واحدة تانية. ابتسمت ليلى بمكرٍ تعرفه الأسرة جيدًا. ليلى: ممممم… عايز تمحى كل حاجة قديمة، ولا عشان مي مش حابة تتجوز فى مكان اختارته واحدة غيرها؟ ضحك وسام وهو يهز رأسه استسلامًا لذكائها. وسام: ههههههه… عارفة يا ليلى، إنتِ مكانش لازم تعملى ماجستير فى سيكولوجية الطفل… إنتِ تعملى فى المخابرات…

فى الموساد! إيه يا بنتى! وكيل نيابة؟! ليلى: هههههههههه… أنا فيا الخصلة دى، بعشق الاستفسارات. الأب: (ضاحكًا) طب كلى، ولا عاملة دايت؟ ليلى: أنا فعلًا يا خالو عاملة دايت… بس ميمنعش إن البيتزا بتاعة طنط هااااااايلة. الأم: ربنا يخليكى يا ليلى… ده بقى خالك اللى بيعمل دايت. وسام: آه صحيح يا بابا، أنا بلاحظ إنك مش بتاكل كويس. الأب: والله كده أحسن… بينى وبينك، لما بقلل فى العشا بتتعبنى معدتى.

ارتسم القلق على ملامح وسام، وسرعان ما تبدلت ابتسامته إلى اهتمامٍ صادق. وسام: ده حضرتك غدا وعشا أكلك ضعيف. طب تحب نعملك تشيك عند أى دكتور نطمن عليك؟ الأب: يا حبيبى، ربنا يخليك ليا… حكم السن بقى يا وسام. أنا عندى اتنين وستين سنة يا ابنى، أكيد أكلتى مش زى زمان. الأم: لا، بس بقيت تمسك معدتك كتير يا عاصم. وسام: لا لا لا… كده هتقلقونى. إحنا نروح لدكتور ويطمنّا، مفيهاش مشكلة يعنى. الأب: يا ابنى، مش لازم.

وسام: يا بابا، الله يرضى عليك، لو سمحت خدنى على قد عقلى ونروح نكشف. ليلى: خلاص بقى يا خالو، روح عادى. فى ألمانيا بيعملوا تشيك أب لكل أسرة كل تلات شهور. دى حاجة للاطمئنان. الأب: خلاص، ماشى… بس يلا كلوا بقى. وسام: أنا شبعت، الحمد لله. الأم: يا ابنى، كمل أكلك. وسام: لا خلاص، شبعت. أصل عندى مشوار مع شريف، فرح واحد زميلنا، يدوب ألحق ألبس. الأم: طيب يا حبيبى. ════༺༻════

اتجه وسام إلى غرفته، فأخذ حمامًا سريعًا، ثم بدأ يرتدى ثيابه فى أناقة معتادة، وما إن أوشك على الانتهاء حتى دوّى جرس الباب. وسام: خليكى يا ماما… ده أكيد شريف. فتح الباب، لكنه فوجئ بمي تقف أمامه. وسام: مي! خير؟ مى: ومالك؟ كأنك شوفت سلعوة فى وشى يعنى. وسام: لا… عادى. مى: بص بقى يا ابن الحلال… أنا هقولك على شوية حاجات كده، بس متاخدهمش فى صالحك، وتحسبهم من نقط ضعفى.

أنا وإنت لما بنبقى متخاصمين… لا باكل، ولا بنام، ولا بترزع على بعضى. أعمل إيه؟ ما اللى تحب وسام لازم تشرب… وإنت عارف كده، وبتضغط على الحتة دى. كانت كلماتها تخرج بعفوية طفلٍ يعجز عن إخفاء مشاعره، فذاب ما تبقى من غضبه، وانفرجت ملامحه بابتسامة هادئة. وسام: طيب… إنتِ عارفة إنتِ مزعلانى ليه؟ ينفع تعاملى واحدة قريبتى كده؟ وإنتِ بعدين هتكونى من العيلة دى. مش عايز حد يكرهك يا روحى.

وما إن سمعت آخر كلماته، حتى أشرقت ملامحها، كأن كلمة واحدة منه كانت كافية لتعيد الحياة إلى قلبها. مى: بس إنت مستفز، وهى كمان… متضحكش مع حد كده. إنت ليا أنا وبس. تضحك معايا، وتحزن معايا. قدرك كده… هتعمل إيه؟ قعدت خمسة وعشرين سنة لا عايزة أحب ولا أتحب… ولما جيت إنت حياتى، قررت أقفل باب قلبى عليك، وأكتب عليه: ممنوع اللمس. يبقى تستحمل جنانى بقى. أسند ظهره إلى الباب، وطوى ذراعه وهو ينظر إليها مبتسمًا.

وسام: طب إنتِ عايزة إيه دلوقت؟ مى: رقم واحد، عايزة إنك تصالحنى. رقم اتنين، عايزاك تقولى متشيك ورايح فين؟ وسام: رقم واحد، هصالحك لو صلحتى الموقف مع ليلى. رقم اتنين، رايح فرح صاحبى. وإنتِ أخرتينى، وزمان شريف قرب يتحنط تحت. مى: طب دقيقة ألبس وآجى معاك. وسام: يا بنتى، آخدك فين؟ أولًا مينفعش، عشان محدش يتكلم عليا أنا وإنتِ، ويشوفوكى دلوقت، ويرجعوا يشوفوكى فى فرحنا، ويقولوا كانوا يعرفوا بعض وكده.

وأنا محبش حد يتكلم على مراتى كده. توقفت لحظة، وأخذت نفسًا عميقًا، ثم أمسكت ربطة عنقه، وعيناها تلمعان بسعادةٍ طفولية. مى: عارف كلمة مراتى دى… هى اللى بتصبرنى على الزلط اللى قبله. بس ولا يهمك. أنا ميهمنيش الناس. أنا لما حبيتك، مخدتش رأى ناس، عشان دلوقت يهمونى. خمس دقايق… على بال ما إنت تلبس الشوز وتسرح شعرك، هكون لبست وجهزت ومستنياك. وسام: المفروض إنى وافقت؟ مى: مالكش اختيار تانى. أصل أنا لازقة أمريكانى، مش هسيبك.

وإن كان على ليلى، سيبهالى. هصالحها. بس والله عشان خاطرك. إنت عارف، أنا لا بصالح حد ولا تلاتة. وسام: هيهيهيهي… يا كمية الشربات اللى فى قلب الكلام. مى: هههههههههه… بقيت تتكلم زى شريف شرفنطح. وسام: هنلبس مقفول، وتحاولى تلمى الكدش ده، ومفيش ميكب، تمام. لحد ما ربنا يهديكى وتلبسى الحجاب. مى: ما قولنا هنلبسه بعد الفرح. إنت بترغى كتير كده ليه؟ اوعى بقى، متعطلنيش.

وغادرت إلى شقتها، بينما دخل هو إلى الداخل، يردد لحنًا خافتًا، وقد بدت السعادة واضحة على وجهه. —لم تمضِ سوى دقائق حتى خرجت مي، وقد ارتدت طقمًا كلاسيكيًا بالغ الأناقة، محتشمًا، وصففت شعرها بعناية، وتزين عنقها للمرة الأولى بسلسلة فضية نُقش عليها اسم “وسام”. كانت مفاجأة لم يكن يتوقعها. تأملها لحظة فى صمت، قبل أن ترتسم على شفتيه ابتسامة واسعة، حملت من الإعجاب أكثر مما حملت من الكلمات.

وما إن نزلا، حتى وجدا شريف فى انتظارهما. شريف: إيه ده؟ مي جاية؟ مى: (تضربه بيدها فى وجهه مازحة) عندك مانع؟ شريف: يا ما! لا يا أختى. يلا اترمى ورا، وأنا جنب وسام. مى: لا يا بابا، إنت ورا، وأنا جنب ويسو حبيبى. وسام: بـــــس! معلش يا ميوش، خليكى إنتِ ورا، عشان شكلها ميبقاش ملفت، وخليه هو جنبى. شريف: يعنى هما الناس مش هيلفت نظرهم إنها مش مقلوبة جنبك؟ ومش هياخدوا بالهم من اسم وسام اللى معلقاه زى فاترينة شرايط الكاسيت؟

وسام: ههههههه… طب اخلصوا اركبوا. مى: اتغاظ عشان أمنية مش بتعملك كده. شريف: آه والله… ده كتير أمنية تلبسنى حاجة فى وشى، لكن تلبسلى حاجة لا. —انطلقت السيارة إلى قاعة الزفاف، وأصرت مي أن تدخل متشبثة بذراع وسام. كانت القاعة تعج بأصدقاء وسام وشريف، من أيام الجامعة والعمل، فالتفتت إليهما الأنظار، وسرعان ما خمّن الجميع أن الفتاة التى تتعلق بذراعه ليست سوى خطيبته. أجلسها وسام إلى إحدى الطاولات، وقال لها فى هدوء:

اقعدى هنا مؤدبة، ومتعمليش أى حركات ولا مصايب، ومتحركيش من مكانك. أومأت برأسها مطيعة. راح يسلم على أصدقائه، لكنه بين كل لحظة وأخرى كان يختلس إليها نظرة، فتلتقى عيناه بعينيها، وترتسم على شفتيه ابتسامة دافئة. وكان قلب مي يرقص فرحًا. رغم امتلاء القاعة بالفتيات الجميلات، إلا أنها كانت ترى يقينًا واضحًا فى عينيه… أنه لا يرى سواها. وحين بدأت الرقصة الهادئة للعروسين، ألحت عليه كثيرًا أن يرقص معها وسط الأزواج.

رفض فى البداية رفضًا قاطعًا، لكنه لم يصمد طويلًا أمام إلحاحها. فالزن… أمر من السحر. وقفا يتمايلان على أنغام الموسيقى، وقد انطفأ العالم من حولهما، وبقيت العيون تتحدث بما عجزت عنه الكلمات. ضمها برفق، وانحنى يهمس فى أذنها بكلمة واحدة: وسام: إنتِ دنيتى. كدت مي أن تفقد توازنها من فرط السعادة، واتسعت ابتسامتها، واغرورقت عيناها بالدموع، فهى تعرف أن أقل كلمة منه كانت تكفى لتصنع لها عالمًا كاملًا من الفرح.

—انتهى الزفاف، وأوصل وسام شريف، ثم واصلا طريق العودة. وفجأة… لمعت فى رأس مي فكرة مجنونة. وهل يمر يوم معها دون مغامرة؟! مى: ويسو… اقف هنا ثوانى. وسام: ده مطعم؟ إيه، عايزة تاكلى؟ مى: لا لا… تعالى بس. وسام: أهو جيت. ترجلا من السيارة، واتجهت مي مباشرة إلى صاحب المطعم. مى: ممكن لو سمحت… طلب؟ الرجل: اؤمرى يا مدام. مى: ممكن ناخد الموتوسيكلات الدليفرى الاتنين دول، نوصل لكم طلب أنا وخطيبى، ونديك أى ضمان إننا هنرجعهم تانى؟

نظر إليها الرجل مذهولًا، غير قادر على الرد، بينما كان وسام قد جذبها بعيدًا. وسام: لا، ده إنتِ مجنونة رسمى! إيه اللى إنتِ بتقوليه ده؟ والله عايز أكشف على قواكى العقلية. مى: هو ليه لازم كل حاجة مجنونة تفرح تبقى هبل؟ وإيه الجنان ده، والناس تحسبانى من السرايا الصفرا؟ وسام: عشان ده ميعقلش يا مي. مى: والنبى، عشان خاطرى. مش هيحصل حاجة. نفسى أسوق موتوسيكل، وأعمل نفسى عاملة دليفرى. من وأنا فى إعدادى مسوقتش موتوسيكل.

كنت بسوق موتوسيكل عمو. وسام: حاضر، أبقى أشترى لك موتوسيكل وسوقيه. يلا بينا يا بنت العاقلين. مى: والله ما همشى غير لما أعمل كده. وسام: مــــــــى! لكن بعد كثيرٍ من الإلحاح، أقنعته بأن تكون مغامرة صغيرة يضحكان عليها حين يتذكرانها بعد سنوات. وكان وسام، رغم كل شىء، يعشق فيها تلك الروح التى تكسر المألوف، وتنتزع الحياة من رتابتها. استأذنا صاحب المطعم، وتركا بطاقاتهما الشخصية وهواتفهما ضمانًا، وبعد أن اطمأن إليهما، وافق.

ارتدى الاثنان زىّ التوصيل، وكان وسام يكاد يختنق من الضحك كلما نظر إليها. حملا الطلبات، واستقلا الدراجتين. وسام: خدى بالك من نفسك. مى: متخافش… مش لازم كل حاجة مجنونة تنتهى بنهاية سودا. شيلوا السواد ده بقى. وسام: طيب يا أختى… ههههههه. انطلقى. وانطلقت مي كالسهم، بينما لحق بها وسام يسبقها مرة وتسبقه أخرى، والضحكات تتعالى بينهما كأنهما طفلان هربا من قيود العمر.

وكانت الطلبات كلها فى أماكن متقاربة، بناءً على طلبهما، فأنجزاها سريعًا، ثم أخذا طريق العودة. كانت مي تسرع بدراجتها، ثم تقف عليها لحظة وتضحك فى جنون. وسام: والله بشك إنك بنت أساسًا! (بصوت عالٍ) مى: ومين قالك إنى بنت؟ ههههههاهاهاها! التفتت إليه وهى تضحك، غير منتبهة للطريق أمامها. وفجأة… وسام: حاسبى يا مي!!! °°°°° …..

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...