تحميل رواية «المشهد الاخير» PDF
بقلم ملك عبد الله احمد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
مش دي العروسة، أنا ما اخترتش دي. كان عندنا قراية فاتحة بنت عمي. لبست ونزلت، المكان زحمة، والوجوه رسمية زيادة عن اللزوم، كأن البيت اتبدّل فجأة وبقى مش بتاعنا. كل الناس بتبتسم، بس الابتسامات مش واصلة للعين. كلهم، من أول فرد كبير لأصغر فرد، عيلة كلها مصالح، كل حركة ليها وزن، كل كلمة محسوبة، كل ابتسامة متصنعة بتحاول تغطي على حسّ بالخوف أو الطمع أو الكبرياء. المظهر عندهم أهم من المشاعر. الفرح ظاهر، لكن الحقيقة مخفية، والبيت كله مسرح، وأنا فيه مجرد مشهد عابر. دخلت الصالة. وللحظة حسيت إني دخلت مشهد متح...
رواية المشهد الاخير الفصل الأول 1 - بقلم ملك عبد الله احمد
مش دي العروسة، أنا ما اخترتش دي.
كان عندنا قراية فاتحة بنت عمي.
لبست ونزلت، المكان زحمة، والوجوه رسمية زيادة عن اللزوم، كأن البيت اتبدّل فجأة وبقى مش بتاعنا.
كل الناس بتبتسم، بس الابتسامات مش واصلة للعين.
كلهم، من أول فرد كبير لأصغر فرد، عيلة كلها مصالح، كل حركة ليها وزن، كل كلمة محسوبة، كل ابتسامة متصنعة بتحاول تغطي على حسّ بالخوف أو الطمع أو الكبرياء.
المظهر عندهم أهم من المشاعر.
الفرح ظاهر، لكن الحقيقة مخفية، والبيت كله مسرح، وأنا فيه مجرد مشهد عابر.
دخلت الصالة.
وللحظة حسيت إني دخلت مشهد متحضر له من غير ما أعرف.
وفي وسط المكان صوت رجولي واطي كان بيتكلم مع بابا.
ما ركزتش غير لما حسيت بحاجة شدتني.
نظرة مش غريبة رفعت عيني.
وعيني وقعت في عينه.
الوقت وقف، المكان اتسحب من تحت رجلي.
والذكرى ضربت في دماغي مرة واحدة.
هو! الدكتور.
نفس الملامح، نفس النظرة اللي كانت دايمًا حلوة وبتربكني.
قلبي خبط خبطة غلط.
مش خوف، ده إحساس إن في حاجة جاية وحاجة مش هتعدي على خير.
حد قال نبدأ؟ وقبل ما الفاتحة تتقري، صوته قطع الجو زي سكين:
مش دي العروسة، أنا ما اخترتش دي.
الكلمة وقعت زي الصاعقة.
الناس كلها اتجمدت، العيلتين واقفين مستعدين لقراية الفاتحة، وكل الأنظار اتشلت مع صوت عمران.
أول ما دخلت، عيني جات في عينه.
اتجمدت، عرفته فورًا.
هو… هو نفس الدكتور اللي كنت بتعالج عنده.
إيه اللي بيحصل هنا؟!
كان بابا أول واحد يكسر الصمت المرهب:
أستاذ أسامة أنا مش فاهم اللي بيحصل.
بس واضح إن في حاجة غلط.
مش دي العروسة اللي أنا متقدم ليها.
عمي اتلخبط:
إزاي يا بني؟
مش جيت وقعدت مع البنت وكل حاجة كانت تمام واتفقنا.
إزاي مش هي العروسة؟!
عمران رد بصوت ثابت، مليان استنكار:
أنا جاي لبنتك ندى محمد العجمي.
شهقات من كل ناحية.
الهدوء بقى مرعب والجو اتحول لكهربا.
وأنا؟
واقفة في مكاني نظرات الكل اتسلطت عليّ.
وحمدت ربنا إني لابسة النقاب، لو كانوا شايفين وشي كانوا شافوا الانهيار عليّ.
قطع كل ده صوتها بنبرة استعلاء محفوظة:
يعني إيه يا عمران؟
مش جيت واخترتني أنا؟
أنا اللي كنت قاعدة معاك!
مش فاكرني؟
بتسيبني عشان دي؟
شوفتها فين دي؟!
غمضت عيني مش علشان كلامها وجعني أنا متعودة.
لكن دلوقتي؟
هي بتسيء ليّ قدام ناس غريبة… وقدامه.
وهو؟
وشه اتصلب.
كل نفس في المكان كان مستني رده.
قرب خطوة، حط إيده في جيبه وقال بهدوء قاتل:
هكرر اللي قولته تاني.
أنا لما جيت كنت جاي للآنسة ندى.
ما كنتش أعرف شكلها، وبناءً عليه حصل لبس.
افتكرت بنت عمها هي ندى وحسيت إن في حاجة غلط.
ماكنتش مرتاح بس قولت من الجو والتوتر.
ودي تاني مرة أجي ولما شوفت ندى عرفت إنها مش هي.
وإني اخترت الغلط.
بس الحقيقة، العيب عندكم مش عندي.
أنا جاي أطلب إيد بنت الأستاذ أسامة العجمي.
يا ابني يمكن في لبس…
قطع عمران الكلام لأول مرة بصوت عالي:
مفيش لبس.
أنا شوفت اللي شوفتُه واخترت اللي اخترتُه.
العيون كلها اتجمعت عليه.
لو أهل العروسة موافقين نكمل.
لو مش موافقين أنا مش هكمل دقيقة واحدة.
بابا اتلخبط ولا حد فاهم حاجة.
والكل مستني رده.
وأنا؟
لسه متجمدة قلبي بيجري مش بيدق.
مشاعر كتير بتخبط جوايا.
والموقف غلط…
والوقت غلط.
وفي اللحظة اللي الكل مستني فيها الرد…
بنت عمي انفجرت.
زقت الكرسي وصرخت:
إزاي يعني يسيبني؟!
علشان واحدة مين دي أصلًا؟
مين ندى دي؟!
إنتوا اتجننتوا؟!
بابا لف ناحيتي.
لحظة، ثانيتين، نظرة طويلة:
ندى…
إنتِ تعرفي الدكتور ده من قبل كده؟
السؤال نزل عليّ تقيل.
مش بس علشان إجابته، علشان توقيته.
قبل ما أفتح بقي عمران سبقني:
أيوه.
الهمهمة انفجرت.
الدنيا اتحركت بعد تجمّد.
بسم الله… المكان هيولع.
الخناقة قربت تقوم بين العيلتين.
وعلى مين؟
وعمران؟
هو الوحيد الهادي مش متوتر.
اتقدم ناحيتي فجأة…
خطوة…
اتنين…
لحد ما وقف قدامي، وقال بصوت واطي مسموع ليّ بس:
اتكلمي لو مش عايزاني همشي.
ولو عايزاني مش هسيب حد يفتح بقه عليكِ.
مصيبة.
والله مصيبة.
هو هيلبسها لي دلوقتي!
أتكلم إيه وسط كل العيون دي؟
نظرات بنت عمي كفاية.
وبابا اللي هيتجنن.
وعمي والعيلة هما بجد مستنيين مني رد؟!!
وهنا…
هيحصل أول انفجار حقيقي في القصة.
بنت عمي صرخت تاني:
إنت بتتكلم في إيه؟
دي بكرة خطوبتها!
هي من دي اللي خطوبتها بكرة لمؤاخذة؟!!!
كانت دي أول جملة خبطت في وداني وأول صدمة خبطت في قلبي.
لمحت بسمة خفيفة على وش عمران.
بسمة صغيرة، لكنها كانت كفاية تشجعني أرفع صوتي.
أنا اللي في العادي بسكت وأعدي.
لكن المرة دي؟
كانت غير مختلفة.
كأن حد واقف ورايا، حاطط إيده على كتفي، وبيقول لي:
اتكلمي.
بتقول إيه دي يا بابا؟ خطوبة مين اللي بكرة؟!!
صوتي خرج مهزوز بس واضح.
اسكتي بس دلوقتي يا ندى، خلينا نشوف اللي إحنا فيه!
اللي إحنا فيه؟!
هو في إيه أصلًا غير إنكم بتقرروا حياتي وأنا واقفة قدامكم زي الضيفة؟!
إيه اللي إحنا فيه؟ واضحة! بس هتلاقي الدكتور مش مركز ولا واخد باله.
كان ده صوت مرات عمي وطبعًا مش محتاجة أشرح كتير.
مرات عمي اللي حضورها لوحده كفيل يقلب أي قعدة بكلامها.
قربت من عمران، واتكلمت بتعالي واضح، نبرتها كلها فوقية واستحقاق:
بص يا دكتور، أيًا كان… أنت متخيل إنت بترفض مين؟
بترفض بنتي، الدكتورة شهد العجمي!
عشان مين؟ واحدة آخرها بتدرس في كلية ملهاش قيمة ولا نفتخر بيها!
الكلام نزل عليّ زي صفعة.
يعني على آخر الزمن نشوف الدكتور… وهو بيتقدم لواحدة أقل منه في مستواه؟!
الكل سكت لحظة طويلة كنت سامعة فيها دقات قلبي أعلى من أي صوت.
عمران كان ساكت طول الوقت…
ساكت لدرجة خلتهم يفتكروا إنهم كسبوا الجولة.
لكن فجأة عدل قعدته وكان لسه محتفظ بنفس ابتسامته.
بس المرة دي اختفت منها المجاملة خالص.
بص لمرات عمي بنظرة ثابتة فيها معنى يخلي أي حد يعيد حساباته.
وقال بهدوء يقتل التوتر اللي مالي المكان:
أنا معنديش أي مشكلة إن حضرتك يكون عندك رأي.
لكن في فرق كبير بين الرأي… والتقليل.
الرأي بيتقال باحترام، إنما التقليل بيكشف صاحبه أكتر ما بيقلل من غيره.
ولو حضرتك شايفة إن قيمة البني آدم بتتقاس بمسمى أو كلية…
فأنا آسف أقول إن ده معيار ضيق قوي على عقل واسع المفروض يكون قدوة مش حضرتك دكتورة في الجامعة برضه؟!
ولف نظره ناحية بابا بابتسامة خفيفة فيها شيء من السخرية الهادية:
وفي لمحة عين زي ما حضرتك قلتي الموازين فعلًا ممكن تتقلب بس مش بالتهديد بالاختيار الصح.
شوفت التوتر في عين بابا وعمي.
الجو بقى تقيل والكلام بقى محسوب قطع الصمت عمي بصوت رسمي:
دكتور عمران، زي ما إنت شوفت حصل لغبطة.
والموضوع مش هيمشي كده.
لازم نهدى، وبكره بإذن الله أنا هرد عليك متقلقش.
عمران هز راسه بهدوء وقال بمنتهى الثبات:
مفيش أي قلق يا عمي.
أنا جيت من بابكم باحترام ولو الرد جه باحترام هقبله.
ولو مجاش أنا برضه هفضل محترم، يلا سلام عليكم!
والله يعني كنت همشي وراه وههرب منهم!
لكن صوت بابا ناداني.
لفيت بهدوء، رغم إن كل حاجة جوايا كانت بتجري.
نعم يا بابا؟
سألني وهو باصص في عيني:
شوفتي دكتور عمران فين وإزاي؟
بصيت له بخزي دموعي نزلت، بس صوتي فضل ثابت:
في المستشفى.
أنا كنت بشتكي من وجع قلبي، وقلتلك كتير وإنت قولتلي روحي اكشفي هناك.
وكان هو الدكتور اللي بيكشف عليّ.
آه صح… نسيت.
نسيت!!
الكلمة بسيطة بس وقعت جوايا تقيلة قوي.
هو نسي تعبي؟
ولا نسيني أنا؟ قلبي وجعني أكتر مش عارفة بيحبني ولا لأ.
بس كل موقف بيأكدلي إنه لأ.
ابتسمت ابتسامة مكسورة وقلت:
عادي يا بابا، مجتش على دي عشان تفتكرها ممكن أمشي؟
امشي.
لفيت أمشي خطوتين، تلاتة…
بس سؤال كان واقف في زوري.
رجعت له تاني، بصيت في عينه المرة دي وسألته بصراحة موجعة:
شهد قصدها إيه إن خطوبتي بكرة؟!!
الصمت كان طويل بابا اتحرك في مكانه، كأنه بيهرب من عيني قال بنبرة حاول يخليها عادية:
كان في كلام… واتفتح موضوع وإحنا وافقنا مبدئيًا.
إحنا؟!! الكلمة دي دايمًا بتيجي من غيري.
وإحنا مين يا بابا؟
سؤالي خرج أهدى مما توقعت بس أقسى.
بصلي أخيرًا.
أنا وعمك.
والعريس مناسب ومستواه كويس.
ضحكت بذهول: طب وأنا؟ أنا دوري إيه في القرار ده؟
سكت.
حسيت بحاجة بتتكسر جوايا بس الغريب إني ما انهرتش.
قلت بهدوء جديد، هدوء حد بدأ يفهم:
أنا مش سلعة يا بابا.
ومش هصحى ألاقي نفسي مخطوبة عشان كلام اتفتح.
وبصيت ناحية الباب وقلت آخر جملة قبل ما أمشي:
لو هتجبروني على قرار… خلوه قرار تتحملوا نتيجته.
لأني المرة دي مش هسكت.
وسبت المكان المرة دي مش بامشي ورا حد أنا ماشية لنفسي.
دي بنتك اتجننت خالص يا محمد! طالعة لأمها… متمردة!
هنعمل إيه دلوقتي في المصيبة دي؟!
وقبل ما الرد يطلع، صوت شهد شق الجو بعصبية مكبوتة:
هو إيه اللي نعمل إيه؟!
إنتوا هتسيبوهم كده عادي؟!
وعايزين الناس تقول عليّ إيه؟!
ولا حتى هتتصرفوا إزاي؟!
لو ناسيين يعني دي واحدة ملهاش قيمة في عيلتنا، عايزين تعملولها قيمة بالعافية؟!
الصمت كان منتشر بس اتكسر بصوت حاد:
ندى! لمي بنتك يا أحمد شكلها بتنسى نفسها وبتتكلم عن مين!
اطلعي فوق يا ندى… دلوقتي!
رفعت عينيها: يا بابا…
يلا!
هنعمل إيه؟
اتعلقت الكلمة بينهم لفترة لغاية ما قطع الصمت والد شهد:
هو لما عمران طلب بنتك بالاسم… مقولتش ليه من الأول؟
لف أحمد كلامه وهو باصص في عيون محمد كأنه بيدور على حاجة ضايعة بين السطور.
تنفس محمد بضيق، وصوته خرج بدهشة شوية:
أنت بتهزر يا أحمد؟ وأنا إيه عرفني إنه قاصد ندى؟ شافها فين دي عشان يعرف إن عندي بنت؟ أنا افتكرتُه بيتكلم عن شهد ما هي دكتورة معاه في المستشفى.
سكت لحظة كأن الفكرة نفسها بدأت تقلقه متأخر.
نهاد قطعت الصمت بنبرة فيها حدة مكبوتة:
وده بقى اللي أنا بتكلم فيه! لما شهد دكتورة معاكم ومعروفة إزاي ماخدش باله لما جه أول مرة؟
بنتك مش سهلة يا محمد طبيعي ما تبقاش زي أي بنت. مش بنت سحر يعني.
الكلمة الأخيرة خرجت وفيها غيرة قديمة أو مقارنة محدش عايز يعترف بيها.
محمد ضم شفايفه بضيق:
مش وقته يا نهاد الكلام ده.
بص لأحمد، وصوته بقى أوطى:
هنعمل إيه؟
السؤال رجع تاني بس المرة دي فيه خوف صريح.
محمد قالها أخيرًا، بعد ما حسبها بالعقل مش بالقلب:
هنوافق بشكل مبدئي مش عايزين ننسى إن عمران شريك بأكتر من تلات تربع المستشفى.
لو خسرناه إحنا كمان هنخسر كل حاجة.
خرجت.
جريت على بيتنا، وكأني بهرب من حاجة مش مفهومة.
دخلت أوضتي وقفلت الباب عليّا.
وقلبي لسه بيخبط بعنف، كأني فعلًا عملت ذنب، أو خبّيت سر.
إحساس غريب احتلني.
الموبايل نور برسالة فتحتها بفضول متوتر.
_ الكتكوتة بتعمل إيه؟!
شهقت بخفة، دكتور عمران!
مسجلاه من يوم ما رُحت كشفت عنده عادي جدًا.
بس الرسالة مش عادية نهائي.
رديت بسرعة، وتحفّز واضح في كلماتي:
_ دكتور لو سمحت… إيه اللي حصل ده؟ إزاي؟ وليه حضرتك مبلغتنيش؟ مش فاهمة!
رد بعد ثواني:
_ متشغليش بالك… ركزي في بكرة وبس.
بكرة؟!
يعني إيه بكرة؟!
كتبت وأنا بحاول أرجّع عقلي مكانه:
_ يعني إيه؟ حضرتك متخيل اللي بتقوله؟ عمومًا مرات عمي عندها حق فيه فرق شاسع بينا. أنت مؤهل وأنا مؤهل تاني خالص مش هينفع. شهد تلزمك أكتر، وواجهة أفضل مني.
فضلت مستنية الرد… وجالي:
_ بعيدًا عن المستوى اللي ملوش ستين لازمة ده… الواحد يعمل إيه لما قلبه يحب يعني؟
سِكت وقفلت الموبايل.
فيه حاجة غلط، غلط بجد.
يحبني إزاي؟ وهو أصلًا مشافنيش غير مرتين تلاتة.
وشخص بحجمه… بمكانته… يبصلي أنا؟
التوتر مسكني حسيت الأرض مش ثابتة.
وفجأة الموبايل نور تاني.
_ متفكريش كتير… بكرة أوعدك يكون يوم مميز.
أنا بكره اللعب على الغموض.
بكره الإحساس اللي يخلي دماغي تلف حوالين نفسها.
هو فاكرني هقعد أفسّر وأحلّل؟
طب وليه أوجع دماغي أصلًا؟
يعني حد يقدر على العيلة دي ويتجوزني فعلًا؟
ده مرات عمي تموت وتقع من طولها!
ضحكت وشغّلت نفسي في أي حاجة أي حاجة تلهيني.
على الناحية التانية…
كان الجو مشحون، وكأن البيت كله واقف على نفس واحد.
قال والد شهد بحسم وهو باصص لأخوه:
_ اتصل يا محمد بعِمران وبلّغه ييجي بكرة نشوف الموضوع ده ونتفق على خطوبة لحد ما نشوف حل ونقدر نوزن الأمور.
محمد هز راسه بتردد، ومدّ إيده للموبايل…
قال بنبرة رسمية:
أهلاً يا دكتور كنا لسه بنتكلم واتفقنا وفهمنا إن الموضوع غلط من عندنا وحقك علينا، مجاش في بالي إن حضرتك تكون عارف بنتي بس النصيب.
حاول يبتسم وقال: إحنا كنا بنقول نتفق على خطوبة مبدئية… لحد ما—
قاطعه عِمران بصوت ثابت، نبرته مش عالية لكنها قاطعة:
مفيش خطوبـة هتحصل.
رواية المشهد الاخير الفصل الثاني 2 - بقلم ملك عبد الله احمد
مش هتجوز أنا… سمعتوا؟ مش هتجوز.
أنتِ بترفضي أوامر أبوكي يا ندى؟!
اتهبلتي يا بت!
رفعت عيني فيه، لأول مرة من غير خوف، لأول مرة من غير ما أبص في الأرض.
آه… ومش هتجوز.
أبويا فين ده؟ أنت بتهزر معايا؟
ضحكت ضحكة قصيرة، موجوعة، مكسورة من جوايا:
هو فيه أب يعمل اللي أنت بتعمله؟
يعني إيه أصحى من يوم وليلة تقولي حضري نفسك
كتب كتابك النهاردة؟
أنا إيه؟ سلعة؟
اشتريتني بكام يا ترى؟!
صوته علا، والغضب مالي المكان.
لاااا!
أنتِ شكلك فعلًا اتجننتي على الآخر!
يا خسارة تربيتي فيكِ!
أنتِ مطالبة تسددي كل اللي عملتهولك يا بت!
لولايا ما كنتِش دلوقتي في المكان ده، فاهمة؟!
سكت لحظة، قربت منه خطوة وصوتي بقى أوطى
بس أوجع.
أنا ما طلبتش منك حاجة.
ما طلبتش تيجي بيا الدنيا عشان تفضل طول عمرك تفكرني إني دين.
الأب مش بيصرف عشان يستردّ تمن.
الأب بيحب.
بيأمن.
مش بيبيع.
دموعي نزلت، بس المرة دي ما مسحتهاش.
لو المكان اللي أنا فيه تمنه حريتي يبقى خده.
أنا أرجع صفر… بس أرجع بني آدم.
شفت البت اللي بتنكر كل فضلي عليها؟!
اسمعي كويس، أنتِ هتتجوزي النهاردة، يعني هتتجوزي.
ومش كده وبس… لااا.
أنتِ كمان هتروحي معاه بيتك الجديد، من غير ما تبصي وراكِ.
أنتِ ما بقاش ليكِ مكان هنا، فاهمة؟
يا ريتكِ ما كنتِ بنتي.
من صغرك وأنتِ متمردة، مش بتيجي غير لوي الدراع.
عمري ما افتخرت بيكِ… ولا مرة.
بالعكس كنت دائمًا شايفك مليكيش قيمة.
كل ما أقولك
لأ… ما تعمليش ده.
ما تروحيش هناك.
ما تدخليش المجال ده.
تعاندي وما تسمعيش الكلام كأنه مش ليكي.
كبرتي على أبوكي؟
وبقى ليكِ حرية رأي؟
فاكرة إنك بقيتي قدي؟
أنا النهاردة هد فن غرورك وهحطك تحت رجلي.
وأقسم بالله… لو بس حاولتي تعاندي، لو فكرتي ترفعي عينك في عيني ثاني—
هتشوفي مني وش عمرك ما شفتيه.
في اللحظة دي الوجع ما بقاش لحظة عابرة، ده بقى مدينة كاملة سكنت جوه صدري، وكل نفس باخده فيها بيجرحني من غير دم.
الإحساس المخزي ده مش مجرد شعور، ده زي إني كنت ماشية على حافة سور عالي جدًا، مش سور عادي.
سور مبني من قراراتي، من اختياراتي، من ثقتي اللي كنت فاكرة إنها ثابتة.
وتحت السور مش أرض لكن بحر من الإزاز المكسور.
قطع صغيرة، لامعة، خادعة.
زمان كنت بفقد توازني أوقات، رجلي تتهز، قلبي يخبط.
بس كنت بلحق نفسي في آخر لحظة.
أرجع أقف، أتنفس، وأكمل.
المرادي؟
لا.
المرادي الوقعة ما كانتش زلة.
كانت سقوط كامل، سقوط من ارتفاع الثقة للوهم.
من أمان مزيف لحقيقة جارحة.
قربت منه…
خطوة واحدة كانت كفاية تكسر المسافة بيننا، زي اللي اتكسر جوايا من سنين.
غرست عيني في عينه مش علشان أتحداه، لكن علشان يشوف لأول مرة حجم الخراب اللي سابه وراء ظهره.
قلت، وصوتي كان طالع من مكان أعمق من قلبي:
اسمعني!
أنا بكرهك…
ومش ندمانة إني قلتها.
رغم إن قلبي كل يوم كان بيحارب عشان ما يظهرش ده.
كنت بحارب نفسي علشان أبررلك، ألاقي لك عذر.
أقول يمكن ما تقصدش، يمكن اتوجعت، يمكن الدنيا قست عليك…
بس أنت؟
أنت قطعت كل طريق كان ممكن يوصلني ليك.
أنت أناني… وأناني حتى على نفسك.
كنت فاكرة إن أقسى جملة ممكن أقولها خلصت.
لكن القهرة كانت أكبر مني:
يا ريت كنت موت مع ماما وسبناك لوحدك في الدنيا.
الجملة خرجت مني زي طلقة، حتى أنا اتفاجئت من كلامي!
اتراجعت خطوة…
مش ضعف، لكن علشان لمحت الدموع بتتمجع في عينه.
لحظة صمت ثقيلة على قلبي، حاول يرف، حاول يلين.
بس عقلي سبقني.
لا هو بيمثل… زي كل مرة هيرجع يقنعني، دموعه دي جزء من العرض، وأنا لو صدقت، هرجع أقع على نفس الإزاز اللي شوهني قبل كده.
شديت نفسي…
ملامحي كانت جامدة، قاسية كإني بحط وش ثاني غير وشي، وسبته.
كنت بمشي…
ومع كل خطوة بخطيها، كانت دموعي بتنهمر من غير ما أستأذنها، ولا أقدر أوقفها.
إحساس بالقهر، بالحزن، بوجع مستوطن جوايا.
ليه؟!
ليه كل حاجة حلوة بتسيبني؟
ليه ماما اتوفت وسابتني أواجه الدنيا دي لوحدي؟
ليه أخبط في كل حاجة لوحدي؟
ليه ما فيش صدر أستخبى فيه لما أتوجع؟
ليه أهلي ما حبونيش؟
ليه بابا ما حبنيش؟
ليه بيكرهني كأني مش من دمه؟
أنا بنته… صح؟
طب ليه ولا مرة حسيت بده؟
ليه دائمًا كان حنين على الغريب، وأنا لأ؟
ليه كنت بشوف حبه لغيري وأنا واقفة قدامه…
موجودة بس مش متشافة؟
ما حسيتش بوجوده في حياتي…
ولا مرة حسيت إن ليّ أب.
يسندني…
يختارني…
أو حتى يخاف عليّا.
أنا كنت موجودة بس عمري ما كنت أولوية.
فاضل أربع ساعات على كتب الكتاب.
أربع ساعات بس، والدنيا كلها مقلوبة فوق دماغي.
مش فاهمة إيه اللي بيحصل.
إزاي كتب كتاب فجأة؟
وإزاي همشي معاه بعدها على طول؟
هو أصلًا مين ده عشان أثق فيه؟
حتى لو عمران شخص كويس، حتى لو مكانته كويسة.
أنا ما أعرفهوش.
إزاي من يوم وليلة أبقى مراته؟
إزاي أروح أحضر خطوبة بنت عمي وأرجع ألاقي نفسي أنا العروسة؟
أنا مش عايزة أتجوز.
ما شفتش حاجة تطمن قلبي، ما شفتش موقف يخليني أقول:
آه… ده أقدر أستند عليه.
أنا عايزة أتجوز وأنا واثقة، واثقة إن جوزي يحبني.
مش بس يتحملني.
يحب ابني، مش يشوفه عبء.
أنا مش محتاجة بيت جديد، أنا محتاجة أمان.
محتاجة حضن صادق.
محتاجة حد يشوف ضعفي وما يستخدموش ضدي.
يمكن المشكلة مش في الجواز…
المشكلة إني فاقدة للحنان وفاقدة الثقة.
وخايفة أروح لمكان جديد وأفضل برضه وحيدة.
بس في إحساس جوايا صغير، بس عنيد.
بيقولي إن في حاجة غلط، الموضوع مش طبيعي.
مش صدفة، مش لخبطة ظروف.
لا… ده مترتب.
وأنا ذكية بلمح بسرعة.
والتفاصيل الصغيرة عمرها ما بتعدي علي كده وخلاص.
قومت، جبت دفتر وكذا قلم وقعدت على الأرض.
مش قعدة عروسة، قعدة محققة.
وكتبت في أول الصفحة:
عمران
– دكتور في مستشفى بابا.
– فجأة بقى شريك بنسبة كبيرة.
– مش من هنا… كان مسافر ورجع.
– مصري بس عايش بره.
تمام أول مسار.
شافني كام مرة؟
مرتين؟ ثلاثة؟
والمقابلات كانت رسمية جدًا ما فيهاش كلمة زيادة.
إزاي واحد بالكاد يعرفني يبقى مستعجل بالشكل ده؟
حتى لو وقع في حبي — وده افتراض ضعيف جدًا —
فين العلامات؟
فين الإشارات؟
فين أي حاجة تسبق قرار زي ده؟
النقطة الثانية شهد.
لما جه وقعد مع شهد أول مرة إزاي ما شافش الفرق؟
إزاي ما لاحظش إن في اختلاف رهيب بيننا؟
شهد دكتورة في المستشفى.
شخصيتها مختلفة وحضورها واضح.
وهو شريك يعني عارف كويس أهم الدكاترة هناك.
يبقى إزاي حصل اللبس؟
ولو ما فيش لبس يبقى كان قاصد.
التوقيت غلط.
قرار جواز في نفس اليوم تقريبًا؟ قراءة فاتحة. دبل.
فين أهله؟ فين قرايبه؟ حتى حد كبير يمثله؟
مش معقول كلهم مش موجودين.
ومش معقول واحد بالمكانة دي يعمل خطوة زي دي لوحده.
مثلًا في اتفاق بينه وبين بابا.
اتفاق أكبر من مجرد جواز في مصلحة متبادلة.
شراكة… مقابل حاجة في ضغط حصل فجأة.
موقف اضطرهم يستعجلوا، أنا مش الاختيار الأول.
أو… أنا اختيار محسوب جدًا، أنا مش بهول أنا بربط نقط.
– شراكة كبيرة فجأة، تقرب عائلي سريع، استعجال غير منطقي، غياب أهله، ما فيش مشاعر واضحة.
كل ده مش صدفة، دي خطة.
وفي النص في حلقة مفقودة.
حاسة إنها مربوطة بحاجة قديمة أو بحاجة حصلت قبل ما أعرف.
قفلت الدفتر، وبصيت في السقف.
لو هم فاكرين إني هبقى مغلوبة على أمري وأبقى ساكتة.
يبقوا غلطانين.
تعبت… حاسة إن دماغي بتدور حوالين نفسها، وكل الأفكار بتتخبط…
مش قادرة أوصل لحاجة، مش قادرة أفهم أوافق ولا أرفض حتى لو هدفع التمن.
وسط شرودي، جالي مسدج أخذت الفون بإرهاق وفتحته:
أنتِ عارفة إنك خدمتيني كتير يا ندى، مش أنا بس.
أنتِ هتحققي أمنية شخص بيتمناكي.
كمان، كم ساعة وهتيجي معايا كزوجة.
أوعدك إنك مش هتندمي، أوعدك هتتفاجئي بحلم عمرك ما حلمتيه… بس هيتحقق.
ثقي فيا، وأوعدك إني عمري ما هخذلك.
ضربات قلبي عليت، الخوف اتملك مني، خوف من مجهول، من عدم أمان.
بس فيه حاجة جوايا صغيرة بتقولي انجرفي وراء كل ده.
مش عارفة ده فضول ولا حدس ولا حاجة تانية.
لكن الأكيد إني عايزة أعرف إيه الحلم ده؟
فين العروسة يا جماعة… حد يناديها عشان الوقت!
صوت المأذون بيعلى والكل منتظرني.
لكن وأنا بخطو رجلي على باب المكان، عيني بتدور.
بتحاول تمس كل شيء حواليًا.
أشخاص قليلة تتعد على صوابع الإيد.
ما فيش روح كأن المكان جاي تعزية مش فرح.
الموضوع رسمي… رسمي بشكل بحت.
كل واحد واقف على أعصابه، كأن الوقت نفسه عداد بيجري في انتظار، منتظرين يشوفوا شغلهم، لا أكثر ولا أقل.
دخلت بهدوء…
وقعدت قصاد عمران، وجنب بابا.
المشهد يأسر الواحد من بعيد.
أي بنت كانت تحلم باللحظة دي… ده الظاهر بس الحقيقة كانت قاسية.
قاعدة بتمنى زوال الوقت، قاعدة جنب شخص المفروض يكون ركن الأمان ليّ، مش الركن البغيض اللي قلبي مش قادر يلاقي فيه أي راحة، الركن اللي نفسي أسيبه وأبعد عنه…
بدأت الإجراءات بشكل رسمي، وكأننا بنتفق على صفقة، قدامي البائع والمشتري… وأنا الضحية.
بعد دقائق، لقيت نفسي بمسك القلم عشان أوقع، وأبقى فعلًا زوجة!
مضيت وأنا قلبي بيدق من الخوف، وإيدي بتهتز.
بصيت للورقة، وبصمتي عليها مش مجرد حبر، دي بداية حياتي اللي مش اخترتها، بداية صفقة بيعت فيها رغباتي ومشاعري بلا استئذان.
وفي لحظة قصيرة، كل اللي حلمت بيه، كل اللي تمنيت أبنيه لنفسي، كله اختفى بين خطوط توقيعي، وأنا بس واقفة عاجزة… بس بشوف النهاية اللي مش ملكي.
"مبارك ليكم، ربنا يبارك في زواجكم… آمين!"
المباركة الوحيدة اللي سمعتها كانت من المأذون، حتى بابا وعمي اقتصروا على الصمت بس مش مهم، عادي مش فارقة يا ندى.
أنتِ متعودة… سيبك وشوفي حياتك اللي هتبدأ!
ها يلا يا ندى… نمشي!
هجيب حاجاتي من فوق الأول… ثواني.
حاجتك كلها نزلت وبقت في عربية جوزك.
بصتله بخزي من إهانته الواضحة ليّ، لكني ابتسمت وقربت منه بهدوء ظاهري.
سلام يا بابا… بنتك ندى خلاص اتجوزت وهتروح بيت جوزها.
تفتكر ممكن يجي يوم وكل واحد فينا يرد حقه لثاني؟
يعني إيه؟!
كل إنسان مؤذي في الحياة، لازم يجي وقت ويرد حقوق اللي آذاهم… سواء في الدنيا أو الآخرة.
وأنا هستناك يا بابا… سواء في الدنيا أو الآخرة.
أنا جاهزة يا عمران.
نزلنا بصمت ثقيل.
كل خطوة كانت بتشد قلبي لتحت، وكل نظرة حوالينا بتأكدلي إني فعلًا ما كانش ليا مكان هناك.
وصلنا للعربية، ركبت من غير ما أبص له، بس كنت حاسة بعينه بتلاحق كل حركة مني.
اتجاهلت، لكن بعد شوية بصيتله بشك وغموض وقلت:
يا أهلًا بدكتور عمران!
اتسعت ابتسامته، وبصلي بنص عين:
يا أهلًا بزوجتي العزيزة.
هزيت إيدي بلامبالاة،
لسه مش مستوعبة كلمة زوجتي.
كمّل بابتسامة باردة:
مبارك لأجمل زوجين في الدنيا.
ضحكت بسخرية:
هو أنت فاكرني داخل عليّ اللعبة دي؟
اتجوزتني عشان يا حرام حبيتني؟
ياااه على حبك العظيم اللي لامسني!
بكره هكتشف لعبتك تمام.
رد بثقة مستفزة:
وبكره ليه يا عسل؟ دلوقتي هتكتشفي.
غمزلي وكمل:
هي دايمًا تقول إنك ذكية جدًا…
طلعِتِ ذكية يا زوجتي العزيزة.
عقدت حواجبي:
هي مين؟
قال ببساطة:
خالتي.
خالتك تعرفني منين؟
ابتسم ابتسامة غامضة:
دي أكتر واحدة عارفاكِ فينا.
صرخت بزهق:
هو أنت بتتكلم بالألغاز ليه؟ حد ماسك لسانك؟
بس يا عسل واسكتي… أهو وصلنا.
بصيت حواليا:
وصلنا فين؟ ده بيتك؟
لأ.
أمال بيت مين؟ موديني فين؟
تنهد بضيق:
ما تسكتي بقى صدعتيني.
لفيتله بحدة:
ما أصدعك! في المشكلة مش مراتك؟
بصلي من فوق لتحت وقال ببرود:
يا حبيبتي… أنا مش بحب الزن والصداع.
واحد طول النهار في شُغل و عمليات وبيجي هلكان
يعني عايزة مراتي صامتة طول الوقت، تقول حاضر ونعم.
بصيتله بقرف:
حبك برص يا شيخ.
سبته ومشيت ناحية باب البيت وخبطت.
مش عارفة باب مين بس أي حد يفتح ويخلّصني منه.
اتفتح الباب.
ظهرت ست قدامي بصيتلها ثواني رجعت بصيت لعمران
مستنية يفهمني مين دي.
الصمت طال مفيش حد بيتكلم وأنا عيني بتتنقل بينهم.
لكن لاحظت حاجة.
نظرتها!
مذهولـة، مصدومـة وعـينها مليانة دمـوع.
الوقت بقى بيمشي ببطء غريب.
وفجأة نطقت:
نـدى؟!!!
قلبي دق بعنف، اتكلمت بتلقائية:
حضرتك تعرفيني؟!!
في اللحظة دي حسيت بحركة ورايا كان عمران وقف قريب جدًا، صوته خرج هادي بس مشدود بطريقة قلقتني:
تـعرفـك دي مـامتك يا نـدى.
الدنيا لفت بيّا، الكلمة ارتطمت في ودني كأنها نـــ,ار.
لفيت له بصدمـة حـادة:
ماما مين؟
ماما… ميّتة.
رواية المشهد الاخير الفصل الثالث 3 - بقلم ملك عبد الله احمد
_ماما مين؟! أنا أمي ميّتة…!!!
صوتي كان عالي، مهزوم مليان وجع ورفض للحقيقة.
ردّت عليّا، وصوتها بيترعش كإن كل حرف بيطلع منها غصب عنها:
_بس أنا عايشة يا ندى.
رجعت خطوتين يمكن تلاتة، والأرض نفسها حاسّة إنها مش ثابتة تحتي.
بصّيت لعمران وقلبي بيصرخ من غير صوت:
_أنا عايزة أمشي، لو هتودّيني بيتك ماشي، أو هرجع عند بابا تاني.
كان نفسي أي مكان غير هنا، غير اللحظة دي، غير الحقيقة دي.
قالتها تاني بصوت أضعف، أوجع:
_ومامتك مش نفسك ترجعي لها يا ندى؟
الجملة خرجت منها مهزوزة، كإنها بتحارب عشان تعيش ثانية كمان قدامي.
بس أنا مش قادرة أسمع، حاسّة إن قلبي لو استقبل وجع جديد
مش هيستحمل، مش هيوجع بس… هيـ'نـدبـح.
بصّيت لها تاني وفي عيني أمل كاذب، متعلق في خيط رفيع جدًا:
_إنتِ اسمك إيه؟
ردّت:
_نوران.
الاسم وقع عليّا غريب، شدّيت نفسي بالعافية والهوا حواليا بقى تقيل كإنه بيخنقني، كل كلمة خرجت مني كانت بتتسحب من قلبي سحب.
مسكت إيد عمران،
قبضت عليها كإنها آخر حاجة واقفة بيني وبين السقوط.
إيدي كانت بترتعش، والرعشة ماشية في جسمي كله.
هو العالم إيه غير أب وأم؟
وأنا شايفة الاتنين دبـ'حـونـي عشان راحتهم.
اتفقوا يلعبوا لعبة جديدة، يجربوا قرار ومش مهم نتيجته حتى لو كانت سرقة حياة كاملة من بنتهم.
قربت منها خطوة، الوجع كان بيغرقني بس لسه ماسكة كف عمران كإنه النجاة الوحيدة.
قلتلها وصوتي مكسور لكنه واضح:
_إنتِ أنانية… شبهـه وزيّه.
أيًّا كان السبب مش هسامـح.
سكتّ لحظة، وبعدين كملت وكل كلمة خارجة من جرح مفتوح:
_عارفة ليه؟
عشان سبتيني وإنتِ عارفة إني هتظلم، وعارفة إني هبقى لوحدي، وعارفة إني مش هتحبّ منهم، رغم كده… سبتيني.
لفّيت وسبتهم.
مشيت بسرعة ناحية العربية والدموع مغرّقة الدنيا قدامي.
لسه بتمتم:
_يا رب لأ…
يا رب تكون مش هي يا رب يكون ده حلم وبس.
لكن قلبي عارف إن الأحلام عمرها ما كانت بتوجع بالشكل ده.
مسكت تليفوني وإيديا بتترعش، فتحت الصور اللي كنت مخبياها، الصورة اللي أخدتها زمان وخبيتها كإنها ورقة ملهاش معنى، دلوقتي بقت الدليل الوحيد إنّي مش مجنونة.
معروف إن اسم ماما سحر اتقالّي كده وكبرت وأنا بكرر الاسم في دعائي، سحر… سحر… سحر…
لحد ما في يوم، صدفة غريبة لقيت شهادة ميلادي في درج مكتب بابا.
ساعتها كنت بدوّر على ملف شهادتي عشان أقدّم في الكلية اللي عايزاها من غير ما يعرف.
ووقتها… وقتها بس لمحت حاجة خلتني أعبّس.
اسم الأم: نوران.
حتى اسم الأب ليها مختلف.
استغربت، آه.
بس ما دقّقتش، قلت يمكن خطأ، يمكن ورق قديم، يمكن حاجة أنا فاهمة غلط، صورتها وخلاص.
قفلت الدرج وقفلت معاه السؤال، ما أكيد ما هو معروف إن ماما متوفية من سنين.
ليه ييجي في دماغي إن ممكن حد يلعب عليّا؟
لكن دلوقتي كل حاجة بتربط ببعضها زي خيط طويل كان متخبّي قدامي.
فهمت ليه قالّي اسم غلط.
عشان لو دورت يوم على حد من قرايبي ناحية أمي ملاقيش.
فهمت ليه قال إنها ماتت وهي بتعمل عمرة، واتدفنت هناك.
رواية كاملة مقفولة النهاية، مفيش قبر أزوره، مفيش حد أسأله، مفيش خيط أمسكه، كان قافل كل الأبواب بإحكام.
فهمت كتير.
فهمت إن الكذبة كانت كبيرة أوي وكبيرة لدرجة إنها عاشت معايا سنين ومخدتش بالي.
بس السؤال… السؤال اللي واقف في نص قلبي ومش راضي يتحرك: ليه؟
ليه أم تمشي وتسيب بنتها؟
ليه أب يمحي أم من حياة بنتها كإنها ما كانتش موجودة؟
ليه اسمي يتكتب في ورق رسمي بحقيقة ويتقالّي في حياتي حكاية تانية؟
كنت فاكرة إني اتكسرت لما صدّقت إنها ماتت.
طلع الكسر الحقيقي إني كنت عايشة في قصة مش قصتي.
السؤال لسه معلق جوايا، تقيل وبيوجع أكتر من الإجابة نفسها: ليه؟
فوقت على صوت باب العربية بيتقفل وعمران دخل من غير كلمة، شغّل العربية وتحرك بصمت.
ما بصّيتلوش.
ثبّت عيني على الشارع، والأفكار بتجري أسرع من العربية نفسها.
كل موقف، كل كلمة، كل مرة حسّيت فيها إن في حاجة غلط وكنت بكذّب إحساسي.
قال فجأة بنبرة خفيفة مستفزة:
_قلت إنك ذكية بس ما توقعتش إنك قماصة كمان.
ما رديتش، لسه ببص قدامي كإن الطريق أهم من أي بني آدم قاعد جنبي.
سكت لحظة وبعدين كسر الصمت تاني:
_يعني قلت اليوم هيكون مميز… ووعدتك.
بس باين اليوم بقى أتعس من تعاسة وش البومة.
لفّيتله وشي بهدوء عجيب، هدوء مش طبيعي، وقلت ببساطة:
_أنا عايزة آكل.
بصلي كإني قلتله عايزة أغير كوكب.
_إيه؟!
_آكل يا عمران.
ما أكلتش من امبارح.
ومش عايزة آكل من البيت، عايزة آكل من مطعم.
ودّيني مطعم.
ضرب كف بكف، وتمتم بدهشة وتمثيل واضح:
_أقسم بالله كان المفروض نطلع كلنا على مستشفى العباسية ونناقش الموضوع ده هناك!
هزيت راسي بخفة، وقلت بمنتهى الجدية:
_ورق عنب.
وقف لحظة عن الكلام.
_إيه؟!
_عايزة آكل ورق عنب.
تمتم وهو بيهز راسه:
_يا رب صبرني على العيلة الغم دي، يا رب كان مالي ومال الهم ده!
ولأول مرة من ساعات ابتسمت.
ابتسامة واسعة، حقيقية طلعت من بين الركام.
بصّيتله وقلت:
_عارف يا عمران؟
بصلي بنص عين وهو سايق:
_خير؟
ميلت براسي شوية، والابتسامة لسه على وشي:
_فرحانة بيك والله.
رفع حاجبه باستغراب:
_ليه بقى؟
قلت وأنا بسند ضهري ورا والهوا داخل من الشباك:
_عشان ربنا بيخلّصلي حقي منك.
***
المطعم كان هادي…
بيطلّ على النيل والمية ماشية في سكون يخليك تحس إن الدنيا بسيطة وإن الوجع اختراع بشري مالوش لازمة.
بس إحنا عارفين إن المنظر الحلو مش دايمًا بيعالج اللي جوا.
عمران قال وهو باصصلي بتركيز:
_شايفاني ظالم عشان ربنا يخلّصلك حقك مني؟
بصّيتله وأنا بلعب في ورق العنب بالشوكة وابتسمت نص ابتسامة باهتة:
_مش ظالم… لأ.
بالعكس، شايفة إنك أنت الضحية والله في الموضوع ده كله.
ساب الأكل، ركّز عينه في عيني:
_ندى… هو إنتِ ليه رد فعلك كده؟
الصراحة كنت شايف إن فيه طرق كتير تعبّري بيها،
بس لأ إنتِ مسالمة جدًا.
من أول ما جيت وقلت إنك إنتِ العروسة لحد ما عرفتي إن مامتك عايشة.
رد فعلك مش الطبيعي لأي حد اتفاجئ بالحقيقة.
كإنك كنتِ عارفة وفاهمة كل اللي حصل.
رفعت كتفي ببرود:
_عادي.
اتنهد بضيق:
_هو إيه اللي عادي؟!
إنتِ شايفة إن ده طبيعي؟
بصّيتله بهدوء صريح، الهدوء اللي بيجي بعد سنين وجع داخلي.
_آه… عادي يا عمران.
إنت شوفت حياتي في كام جزء؟
تلاتة؟ أربعة؟
أنا عندي أربعة وعشرين سنة.
سنتين ونص — زي ما اتقالّي — ماما كانت موجودة.
والسنتين دول كانوا أمان.
بس بعدهم؟
واحد وعشرين سنة ونص من غير أمان.
كل يوم كنت بشوف صدمات تعلّم أي بني آدم
إزاي يتعايش.
إنت سمعت واتخيلت.
بس أنا اللي عيشت، أنا اللي حسّيت، أنا اللي اتوجعت
أنا اللي تعبت.
كل يوم كنت بنام وأقول لنفسي خلاص متزعليش يا ندى،
خلاص اتعودي، خلاص كبّري دماغك مش مهم عادي.
وأصحى تاني يوم أعيش نفس اللي عيشته وأعيد نفس الجمل وأتوجع تاني.
وجرح جديد يتفتح فوق جرح قديم لسه ملحقش يقفل.
اتجوزت فجأة؟
واكتشفت إن أمي عايشة؟
مش جرح جديد ولا حاجة، عادي والله.
إيه يعني اللي هيحصل؟
هعيّط؟ ياما عيّطت.
هتوجع؟ ياما اتوجعت.
هتصدم؟ عيني وقلبي اتعودوا.
حياتي هتتغير؟ فين الجديد؟
أنا مش مستسلمة للواقع.
بس… ها وبعدين؟
لما أعيّط وأحضنها وتحكيلي سبب رحيلها وأقعد فترة وبعدين أسامحها ونرجع حلوين؟
طب مين هيرجعلي عشرين سنة اتحرمت منهم؟
مين هيرجعلي عشرين سنة كنت بعيّط فيهم كل يوم؟
مين هيرجعلي الحب والحنان والأمان اللي فقدتهم؟
ياما سامحت بابا، ياما قلت ده أبوكي يا ندى.
عدّي، استحملي، وفي الآخر؟
حضنني؟
طبطب عليّا؟
اعتذر؟
لأ.
طردني من بيته ومن حياتـه.
سكتّ.
النيل قدامنا كان ماشي بهدوء بس جوايا بحر كامل مقلوب.
بصّيت لعمران وقلت بصوت منخفض أهدى من كل الكلام اللي فات:
_أنا مش باردة، أنا بس استهلكت كل طاقتي في الإحساس.
ولما الإحساس يفضل يتكسر كل يوم بيتحول لحاجة عادية،
بس هو مش عادي، ده تعب قديم بقى جزء مني.
سِكتنا شوية، الدقايق كانت بتمشي ببطء وكل واحد فينا غرقان في كلام التاني أو يمكن غرقان في نفسه.
بصّلي عمران فجأة، وبنبرة جدية سأل:
_هو إنتِ درستي إيه؟
رفعت عيني باستغراب:
_علم نفس.
هزّ راسه، وتمتم بجدية مصطنعة:
_أنا قلت برضه الكلام ده ما يطلعش غير من مريضة نفسية!
ضحكت… ضحكة حقيقية المرة دي وقلت بابتسامة واسعة:
_تفكيرك مُبهر فعلًا.
يعني اللي يشوف مؤهلك دكتور قلب ويشوف تفكيرك اللي تحت بير السلم… يندهش الحقيقة!
غمزلي بخفة:
_هسيبك تغلطي النهارده مكافأة كده، لكن بعد كده هرد الغلط بالغلط.
أنا دكتور قلب كبير، خلي بالك.
هزّيت راسي بدلع خفيف:
_حاضر حاضر يا حضرة الدكتور.
سندت ضهري للكرسي وبصّيت للنيل شوية وبعدين رجّعت عيني عليه وقلت بهدوء:
_عمومًا كلامي وأسلوبي مش غريب.
هو بس نابع من يقين وثقـة بالله.
إحنا بشر.
اتخلقنا في الدنيا دي وإحنا عارفين — أو المفروض نفهم —
إنها مش هتبقى سهلة.
ربنا قال:
﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾
يعني الإنسان مخلوق في مشقـة، في تـعب، في مـكابدة.
الدنيا مش دار راحـة، هي دار سعي، وصبر، ومجاهدة.
كلمة "كَبَد" عند العلماء ليها معاني كتير وأشهرها
إن الإنسان حياته فيها تعب.
يتعب وهو صغير ويتعب وهو كبير، يتعب في طلب الرزق،
في مقاومة شهواته، في الصبر على الألـم، وفي مجاهدة نفسه.
وفي تفسير تاني قالوا خلقناه منتصب القامة، قويّ، مكرّم.
يعني حتى وهو في تعب هو مكرّم.
_طيب فين الرحمة في ده؟
لو ربنا رحيم ليه يخلقنا في تعب؟
الآية مش معناها إن ربنا بيعذّبنا لكن معناها إن طبيعة الدنيا نفسها قائمة على الابتلاء.
الدنيا مش دار راحة، هي دار اختبار.
والرحمة بتظهر في حاجات كتير إن التعب مؤقت مش أبدي.
إن كل ألم بيكفّر ذنوب، إن كل صبر بيرفع درجات.
وإن الراحة الكاملة مؤجّلة في الجنة.
قال تعالى ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾
مخلوق في أحسن صورة بس عايش في دنيا فيها كبد ومجاهدة.
ابتسمت بخفة وقلت:
_تخيّل طالب داخل امتحان صعب فيه توتر وتعب وسهر.
بس الهدف مش تعذيبه، الهدف ينقله لمرحلة أعلى.
لو الإنسان عاش في راحة كاملة من غير ألـم، من غير فقد،
من غير كسر كان نسي الآخـرة.
كان ما اشتاقش للجنة وما ظهرتش معاني الصبر ولا الشكر
ولا التوكل.
_إن الوجـع سهل ولا إن اللي حصل عادي.
بس بقول إن وجوده مفهوم والفرق بيني وبين زمان…
إني بطلت أسأل لـيه أنا؟ وبقيت أقول يا رب قوّيني وأنا بعدّي.
ابتسم وكانت ابتسامته مش بس واثقة.
لأ كان فيها دفا غريب كده.
قال وهو بيبصلي بثبات:
— أنتِ مطلعتيش ذكية بس طلعتِ جميلة وواعية.
غمز بخفة وأضاف بنبرة فيها دعابة خفيفة:
— يا بخت دكتور القلب بمراته الناضجة والواعية.
حطّيت إيدي على الترابيزة، ميلت لقدّامه شوية وعيني في عينه، ثابتة ومليانة أسئلة متراكمة:
— أنت اتجوزتني ليه يا عمران؟!
رفع حاجب بخبث بسيط وقال:
— عايزة الحقيقة ولا بنت عمها؟!
ردّيت من غير تردد:
— الاتنين.
اتعدل في قعدته، سحب نفس عميق وكأنه بيختار كلماته بحرص:
— هنبدأ ببنت عمها. اتجوزتك عشان أرجّعك لمامتك، مينفعش تفضلي في محيط أبوكي نهائي. هي كانت نفسها تشوفك، تحضنك، تعوض كل لحظة ضاعت من عمرها بعيد عنك. وده كان أول سبب خلاني أطلب إيدك.
همست وأنا قلبي بيخبط جوّه صدري:
— والحقيقة؟…
قرب أكتر، صوته وِطي بس واضح، ثابت مفيهوش لعب:
— الحقيقة إني بحبك.
الكلمة نزلت عليّا بدهشة، بصيت له وأنا بحاول أقرأ ملامحه، هو بيتكلم بجد؟ ولا ده جزء من خطة أكبر؟ لكن عينيه… عينيه مكنتش بتكدب.
بصّيت له بتردد… صوتي خرج أهدى من القلق اللي جوايا، بس كان مليان شك واضح:
— وأنت حبتني إمتى وفين؟ هو حبك كافي فعلًا لمجرد إنك شوفتني مرتين تلاتة؟ ولا ده مجرد إعجاب… وهيعدّي؟
سكت لحظة وقال بهدوء وعمق:
— الحب درجات ومراحل. ولو قلتلك إني بحبك فممكن دي تبقى تاني درجة بس. لسه قدامنا مراحل كتير هنعيشها مع بعض، ونخوضها سوا. اللي بينا مش حاجة بتخلص عند كلمة بحبك. دي كلمة بتفتح باب… باب لمرحلة أكبر وأعمق.
بصلي وكأنه بيقيس رد فعلي:
— إحنا لسه في البداية. والبداية دي مش نهاية إعجاب، دي أول خطوة في طريق طويل. كل مرحلة هنعدّيها سوا هتخلينا نوصل لمرحلة أعلى. وحبنا مش هيقف عند حد معين، كل ما نكبر مع بعض هينفتح نوع جديد من الحب بدرجات أعلى وأعلى.
سكت… وساب المساحة بينا مليانة إحساس مش مفهوم بالكامل، لكن مش فارغ.
وأنا؟ كنت تايهة بين خوفي وبين فكرة إن حد بيخطط يحبني على المدى الطويل مش بس يعجب بيا لحظة.
ابتسامة خفيفة مرت على وشي وبعدين بصتله بهدوء:
— أنا عايزة أروح عند ماما.
تجمد للحظة وصوته ارتفع شوية من المفاجأة:
— إيـه؟! دلوقتي؟! هتروحي على أساس إيه مستعدة؟! سامحتيها؟
قولت بنبرة مليانة حزم:
— لا… بس كل إنسان مؤذي في الحياة، لازم يجي وقت ويرد حقوق اللي آذاهم سواء في الدنيا أو الآخر، ودورها جه عشان ترد حقي!
صمت كأنه مش عارف يبدأ الكلام وقال بدهشة وتحذير:
— بمعنى؟!!!
هززت راسي، عيوننا اتقابلت وأنا حاسة إن اللعبة دي مختلفة عن أي حاجة فاتت:
— متدخلش. المرة دي اللعبة الجديدة هتبقى بين تلات أشخاص بس، زمان كان في كتير. دلوقتي لا، هنقف قصاد بعض أنا وماما وبابا.
اتجمد، وابتسم ابتسامة نصها دهشة نصها استيعاب:
— بس أمك مينفعش تظهر نهائي ولا حد يعرف بوجودها.
— يعني إيـه؟!
رواية المشهد الاخير الفصل الرابع 4 - بقلم ملك عبد الله احمد
مامتك متهمة يا ندى، ولو ظهرت، أبوكي هيدخلها السجن!
الكلمة نزلت عليّا زي قلم على وشي، مش بس وجعتني، لأ صحّتني على كابوس ما كنتش مستعدة أعيشه.
بصيت له وقلبي بيدق بعنف، كأني مستنية يكمل ويضحك ويقولي إنه بيهزر، بس ملامحه كانت جامدة وشه ما فيهوش هزار، ولا حتى تردد.
بلعت ريقي بصعوبة، وسألته بصوت خرج مهزوز مني:
متهمة بإيه؟
اتنفس ببطء وبص بعيد عن عيني للحظة، كأنه بيختار كلماته بحذر:
الأفضل تسمعي منها مش مني، أنا اتحكالي آه وسمعت، بس إنتِ محتاجة تفهمي منها وتشوفي هتعملي إيه.
سكتُّ ثانية يمكن ثانيتين…
وبعدين قلت فجأة، من غير ما أدي لنفسي فرصة أفكر:
تعال نروح عندها.
لفّ عليّا بسرعة، وبصلي بتركيز:
جاهزة؟!
خدت نفس عميق وبصيت في عينه بثبات حاولت أستعيره من أي حتة جوايا:
آه… إنت معايا.
___________•
أخبط؟!!
بصلي لحظة كإنه مستني مني كلمة تانية، أي حاجة تطمنه.
لكن أنا كنت واقفة قدامه ثابتة، أو يمكن بُمثل الثبات.
أنا عادي يا عمران، حقيقي الموضوع بس فضول بالنسبة لي.
اتنهد بخيبة أمل، وهز راسه بخفة.
رغم عدم مبالاتي اللي بايناله، جوايا كانت حرب.
حرب بين قلبي وعقلي.
قلبي بيقول كفاية قسوة.
وعقلي بيصرخ: فاكرة؟! فاكرة كل حاجة؟!
أنا مش مستنية انتصار ولا حتى اعتذار.
أنا بس مستنية الحرب تخلص حتى لو نهايتها هزيمة.
نفسي الإحساس ده يزول، أي حنية، أي ضعف، أي لحظة لين ممكن تخليني أرجع لنقطة الصفر.
مش عايزة أنسى اللي مريت بيه، مش عايزة الزمن يخففه لدرجة إني أبرر.
عايزة أفتكره عشان لما قلبي يحاول يحنّ، أفتكره وأسنده على الوجع وأقوله لأ.
لأن في وجع لو اتنسى بيتكرر.
اتفتح الباب بلهفة.
آه، نفس اللهفة اللي كنت بشوفها دايمًا حواليّ، بس ولا مرة كانت ليا، ولا مرة اتحققت رغم لوعتي عليها.
وقبل ما نقف قصاد بعض، شدّتني في حضنها.
حضن مفاجئ… سريع كإنها خايفة أهرب أو أختفي أو أبعد تاني من غير رجوع.
أنا عشت اللحظة دي… عشتها فعلًا.
الحلم اللي كنت بعيشه في خيالي سنين بيتحقق قدامي من غير مقدمات، من غير اعتذار، من غير حتى كلمة.
لمست الإحساس اللي اتمنيته كتير.
لمسته بإيديا وبقلبي.
بس طلع بشع.
طلع مش آمن، مش دافي، مش الحنية اللي كنت برسمها في خيالي كل ليلة.
كان حضن مليان خوف مش حب.
مليان احتياج مش احتواء.
جسمي كان في حضنها، بس روحي واقفة بعيد بتتفرج.
استنيت الأمان ييجي، استنيت قلبي يلين، استنيت دموعي تنزل راحة، بس اللي نزل كان وجع قديم اتفتح من أول وجديد.
يمكن عشان الحضن اللي بييجي متأخر ما بيعرفش يمحي سنين الحرمان.
يمكن عشان في حاجات لما بتيجي بعد ما القلب يتكسر، ما بترجعوش زي ما كان، بتأكدله بس إنه اتغير.
خرجت بهدوء من حضنها، فكّيت إيدي كإني بفك رباط قديم، وقلت بنبرة عادية:
ممكن نتكلم… لو فاضية؟!!
ابتسمت بسرعة:
أكيد يا عيوني، أكيد… أفضالك عمري كله.
كلماتها كانت بتقع عليّا ناعمة، دافية، بس أنا كنت بمشي فوقها بحذر كإن كل كلمة ممكن تكسرني لو صدّقتها.
دخلنا بهدوء ومش هنكر طريقة نطقها، رعشة صوتها كان فيهم مشاعر قادرة تهز أي قلب.
بس وضعنا ما يسمحش أضعف، ما يسمحش أنسى.
وقفت قدامها ثابتة أو بحاول.
مش فارق معايا ليه سبتيني، وليه ظهرتي دلوقتي.
حتى مش فارق معايا المشاعر اللي بتظهريها دي.
"كنت بقولها وأنا بحاول أصدق نفسي."
ممكن أكون مقدّرة ومش بشك في حزنك، ولا ندمك، ولا حرمانك ليّ.
بس زي ما أنا قدرت، إنتِ كمان قدّريني.
نفسي اتقطع وأنا بكمل:
أنا عشت بدونك سنين على اعتقاد إنك…
"بلعت باقي الكلمة مش قادرة أقولها، مش قادرة أعيدها حتى لنفسي."
شوفت بعيني القسوة والظلم من أهلي.
كنت محتاجة لكِ ومكنتيش موجودة.
قربت مني.
مسكت إيدي، حركة بسيطة بس جسمي كله اتشد.
كنت هسحبها، هفك إيدي بسرعة لكن نظرات عمران.
كانت هادية، ثابتة كإنه بيقولي سيبيها تتكلم.
اسمعي مرة واحدة بس من غير ردع!
اترددت، ما قربتش وما بعدتش.
سابتها تمسك إيدي بس فضلت حافظة المسافة اللي جوايا.
حقك على عيني… حقك عليّا والله.
أنا عارفة، عارفة إني ظلمتك، وإنك اتظلمتي بسببي ومش داخلة أطلب سماح، ولا جاية أستعطف قلبك، أنا بس كنت محتاجة أشوفك.
محتاجة أحكي لك اللي حصل لو عايزة تصدّقي براحتك.
ولو شايفة إني بكدب من حقك.
والله ما هزعل عشان أنا عارفة حجم الأذى اللي جواكِ.
عارفة قد إيه التعب متراكم في صدرك، وقد إيه وجعك مش سهل يتغفر بكلمتين.
أنا بس كنت محتاجة أقف قدامك مرة وأقولك الحقيقة.
حتى لو جيت متأخر، حتى لو جيت بعد ما كل حاجة اتكسرت.
قولي… أنا جيت عشان أسمعك.
هتغاضى عن كل اللي فات، هتغاضى عن الأذى وهسمعك للآخر.
سكتت لحظة وكأنها بتلم شتات قلبها قبل ما تتكلم.
وبعدين خرج صوتها مكسور، بس مليان نـار سنين.
إنتِ اتحرمتي من أمك طول السنين دي، وأنتِ فاكراني ميّتة…
طب وأنا؟
أنا اتحرمت من بنتي سنين طويلة.
محرومة من بنتي أنا، بنتي يعني النفس يعني الحياة.
أنا اللي حملتك تسع شهور بين ضلوعي، أنا اللي استحملت وجع الحمل وتعبه، وفي نفس اللحظة كنت بحلم بوشك.
أنا أول واحدة شافت ضحكتك الحلوة، أنا اللي عشت أول صرخة وأول لمسة وأول مرة قلتي ماما.
فاكرة الإحساس ده؟
يمكن لأ بس أنا عمري ما نسيته.
وفجأة تتاخدي من حضني، تبعدي عني، يتقالي إن خلاص مفيش بنتك.
إزاي كنتِ عايزاني أفرّط فيكِ؟
إزاي أعيش وكأني معنديش روح؟
أنا غلطت… آه غلطت.
يمكن هربت، يمكن خوفت، يمكن ضعفت قدام ظروف أكبر مني.
بس عمري ما اخترت أسيبك، كنت كل يوم بصحى وأسأل نفسي هي كبرت؟ بقت عاملة إيه؟ لسه بتضحك بنفس الطريقة؟
كنت بحلم بيكِ وأصحى على فراغ حضني.
أنا مش بطلب منك تنسي ولا بطلب منك تسامحي دلوقتي.
أنا بس عايزاكِ تعرفي إن البعد كان عقاب ليا زي ما كان عليكِ.
وإن قلبي طول السنين دي ما بطلش ينادي باسمك حتى وإنتِ فاكراني ميّتة.
ليه هربتي؟!!
السؤال خرج مني زي صرخة متكدّسة فيه سنين الشك وسنين الفقد.
"رفعت عينيها ليّ وكان الرد أقسى."
هـربت… لما غـرست السـكينـة في بـطن أبوكي.
إيــــه؟!
"الكلمة خرجت مني مخنوقة كأن الدنيا اتسحبت من تحت رجلي."
حطّت إيدها على وشّها بتخبّي دموعها، شهقاتها، وكسرتها:
كنت تعبت يا ندى، استحملت لآخر طاقتي.
ولما الطاقة خلصت محستش بنفسي غير وأنا عايزة أوجعه زي ما وجعني.
أبوكي طول عمره غريب المشاعر.
عمرك عرفتي هو بيحبك فعلًا؟ ولا بيقرب منك عشان يملكك؟
كان إنسان متناقض يمشي ورا كلام الناس، يصدّق أي حد يشككه في بيته، في مراته… في عرضه.
ولا مرة وثق فيّا ولا مرة طبطب.
كل يوم نفس الاتهام: أنتِ أكيد بتخونيني، أنتِ أكيد بتلعبي عليّا، أنتِ أكيد مش حامل في بنتي.
اتجوزنا وكنا عايشين عادي لحد ما نزل عمك ومراته واستقروا معانا.
ومن ساعتها الحياة اتقلبت، بقيت خدامة في بيتي.
لـيه؟
عشان أنا مش بشتغل وهما بينزلوا كل يوم.
مكنش مفروض عليّا أعمل ده بس من الـذل ومن القهر.
كنت بعمل.
مرات عمك؟ حية… بتتلوّن.
كانت بتفتعل أي حاجة عشان تسمع صرخي كل يوم وكانت بتستمتع بضربي.
تطعُن في شرفي قدام جوزي وهو يصدقها.
كل يوم كنت بموت حتة لحد ما جه اليوم اللي مـات فيه أبويا.
أبويا يا ندى مـات ومنَعوني أحضر دفـنتـه.
لـيه؟
عشان الهانم عندها حفلة في البيت ومحتاجة حد يخدم الضيوف.
وأبوكي وافق.
هنا حاجة اتكسرت جوايا للأبد، مش قهر بس ولا ذل.
ده كان دفن لكرامتي وأنا لسه عايشة.
دخلت المطبخ والسـكينـة كانت قدامي.
مش فاكرة مسكتها إزاي ولا مشيت بيها إزاي.
فاكرة بس عينيه وهو بيبص ليّ بصدمة، وفاكرة إيدي وهي بتغرز، كنت معمية مش شايفة غير سواد.
مش حاسة غير بـنـار بتاكل صدري.
أول ما الـدم نزل رجعت للواقع فجأة، صوت صراخ وهرج البيت كله بيتقلب حواليها، كأن الدنيا اتقلبت فوق دماغها.
في اللحظة دي فهمت إن كل الحدود اتكسرت.
كل حاجة، كل خطوط حمر اتخطيت.
خدتك من هناك وهربت، مش مهم كنا هنروح فين.
المهم… إننا نكون أنا وأنتِ بعيد عن كل الجحيم ده.
"ضحكت بس ضحكة فيها سخرية وحزن، مريرة."
وقالت: بس اتمسكت واتعرف مكاني.
لسه فاكرة كل كلمة، كل صوت، كل حركة.
لسه فاكرة إزاي اللحظة دي غرست نفسها في قلبي.
كل ثانية كانت كأنها عمر كامل.
__•
كنتِ فاكرة إني هسيبك يا نوران!!
أنتِ طلعت واطية أوي… بقى عايزة تموتي جوزك وتاخدي بنتي وتهربي؟
عارفة أنا ممكن أعمل فيكِ إيه دلوقتي؟
هقتلك! آه والله… زي ما سمعتِ كده، هقتلك وادفنك مكانك!
ومش بس كده لأ… تؤ تؤ هدفن بنتك جنبك!
اتجمدت صوتي خرج مخنوق: أنت بتقول إيه؟
حرام عليك سيبني أمشي والله ما عايزة منك حاجة.
هاخد بنتي وأمشي بس سيبني، دي بنتك عايز تقتلها ليه؟
ضحك بقسوة:
ومين قاللك إني ضامن إنها بنتي، تبقى غبية يا بيت؟
فاكرة إنك هتعملي عملتك وتهربي؟
حقي هيتاخد منك ضعف الضعف اللي إنتِ عملتيه!
السكون لف اللحظة…
سؤالي وقف على طرف شفايفي: أنت عايز إيه مني؟
تقتلي أنتِ وبنتك… أو تسيبها وتدخلي السجن.
قلبي اتوقف شوية، النفس اتقطع بس مع صوت الخوف اللي جوّايا قلت:
هسيبها… هسيبها والله هدخل السجن وهاخد عقوبتي والله بس ما تعملش فيها حاجة.
أو استني… أنا غيرت رأيي.
"الجو اتجمد حوالينا بصيت ليه بارتباك، ولسه بحاول اسيطر على نفسي."
اسمعي كويس يا نوران…
تمشي من هنا وتبعدي نهائي، لو رجعتي مش بس هتتعرضي للخطر، بنتك كمان هتتأذى، هتدخلي السجن ومش بس كده…
"التهديد كان واضح كل كلمة كانت وزنها الموت."
مش بس هقتلك هثبت إنك مريضة نفسية وهتفضلي طول عمرك في مستشفى المجانين.
الكلمة الأخيرة نزلت على قلبي زي حجر ضخم، بتسحقني من كل ناحية.
كانت فرصة واحدة، فرصة البقاء على قيد الحياة لبنتي ولنفسي.
فرصة لازم تمشي فيها من غير ما تطلع كلمة، من غير ما ارجع…
الخيارات ما بقتش حرية بقت مسألة حياة أو موت.
وقفت قدامها عيناي مولّعين، صوتي اللي بيرتعش من الغضب والحزن:
هو أنتِ بتتكلمي جد؟!! أنتِ سبتيني عشان كده؟!
تنفّست بعمق كأنّي بأشد الهوا كله جوّه صدري المليان وجع وقهرة:
إنتِ بتقولي إيه ها؟ إيه الكلام ده اللي أنا سامعاه دلوقتي ده؟!
خطوت خطوة لقدام رجلي بتتهز:
إنتِ ظهرتِ نفسك عشان تسمعيني كلام ما يدخلش عقل أي حد!
دموعي بدأت تنزل من غير ما أحس:
يعني إيه… يعني إيه ده؟! هو الدنيا وحشة أوي كده؟ فضلتي تهربي وتنقذي نفسك وتسيبي بنتك؟!
أنتِ أنانية… أنانية فاهمة… فاهمة؟!
وصمت لحظة لكن الصمت كان أتقل من أي كلمة وبعدها انفجرت:
عدّى أكتر من عشرين سنة، معرفتش تيجي تظهري، ما جربتيش تشوفي، عشرين سنة عارفة إن عندك بنت ومحنش قلبك تيجيلي؟!
أنـا… أنا كنت عايزة أحميكي بس ما كنتش أعرف أعمل إيـه.
إنتوا بتقولوا إيـه… بتقولوا إيـه؟!
رواية المشهد الاخير الفصل الخامس 5 - بقلم ملك عبد الله احمد
أنتِ يا هانم يا اللي اسمك ندى زِفِت!
_خير؟
قولتها وأنا داخلة ماسكة تفاحة وباكلها ووقفت قصاده بثبات مستفز.
_إيه ده؟ هببتي إيه؟
_إيه يا حبيبي؟ مالك عصبي كده ليه؟
قرب خطوة، فرجعت خطوتين لورا، ورفعت إيدي قدامه بتحذير:
_اتكلم وإنت بعيد متعرفش حاجة اسمها مساحة بينك وبين اللي قدامك؟
نفخ بضيق وهو بيجزّ على سنانه:
_يا بنت متجننيش، ماشي؟ إنتِ عندك كام سنة قوليلي؟
قضمت من التفاحة بهدوء واستفزاز:
_داخلة على الخمسة وعشرين.
_ولما إنتِ نِيلة كبيرة أهو… فيه حد مش بيعرف يكوي قميص؟!
قالها وهو رافع القميص قدامي، والحرق باين في نصه.
بصيت له، وبعدين للقميص، وبعدين رجعت آكل تفاحتي وكأني بتفرج على فيلم:
_عادي يا عمران، مكبر الموضوع ليه؟ ده قميص يعني.
اتسعت عينيه بعدم تصديق:
_قميص؟! ده قميصي أنا! وعندي فرح مهم بعد ساعة!
هزيت كتفي بلا مبالاة:
_طب البس غيره؟ مش نهاية العالم.
قرب القميص من وشي وهو بيقول بحدة:
_إنتِ شايفة الحرق ده؟ شايفة؟ ده مش غلطة بسيطة!
نزلت التفاحة من إيدي، وبصيت له أخيرًا بتركيز:
_آه شايفة… بس برضه مش مستاهلة كل العصبية دي. حصل خير.
سكت لحظة… كأنه بيحاول يستوعب.
وبعدين قال بنبرة أهدى بس مليانة غيظ:
_إنتِ مستفزة على فكرة.
ابتسمت بنص ابتسامة:
_وأنت درامي بزيادة.
وقفنا قدام بعض لحظة صمت مشحونة…
هو ماسك القميص المحروق كأنه قضية رأي عام، وأنا ماسكة تفاحتي بلامبالاة…
كأني مش شايفة الشرارة اللي بتكبر في عينه لحظة عن لحظة.
فجأة رمى القميص على الأرض.
صوته طلع حاد زي أعصابه بالضبط وبصلي بعصبية وغيظ مكتوم وقال:
_مش هروح في حتة يارب تكوني مبسوطة.
رفعت حواجبي بخفة وابتسامة صغيرة خانتني:
_جدًا.
_بتقولي حاجة؟!!
قالها وهو بيقرب خطوة.
عدلت ملامحي بسرعة، ورسمت الحزن على وشي باحتراف:
_لأ خالص أنا بس زعلانة عشانك. أصل الفرح مهم ليك جدًا… فرح أخو زميلتك في المستشفى، قولتلي صح؟
قلد نبرة صوتي بسخرية واضحة:
_آه… زميلتي في المستشفى، صح.
ابتسمت ابتسامة واسعة من جوه، بس بره كنت ملاك.
قربت منه وطبطبت على كتفه بهدوء مصطنع:
_حصل خير أصل حرام تروح فرح مختلط وبالشكل ده. عشان تعرف إني زوجة صالحة وبخاف عليك.
شد كتفه من تحت إيدي بسرعة وقال بحدة:
_امشي من قدامي.
هزيت راسي بخفة، وصوتي بقى رقيق زيادة:
_ماشي يا عمران… تصبح على خير.
لفيت وخدت كام خطوة، وكل خطوة كنت حاسة فيها بطعم الانتصار…
الخطة نجحت، والقميص اتحرق والفرح اتلغى.
لكن قبل ما أوصل لباب الأوضة، سبقني صوته:
_استني.
وقفت.
قلبي دقّ مرة واحدة وفرحة الانتصار اتبدلت بشعور ألذ لذة حد ماسك اللعبة بإيده.
لفيت ببطء، ورمشت بعيني بزعل متصنع، وقلت بصوت ناعم:
_نعم؟
كان واقف في نص الصالة، ملامحه مش مفهومة مش عارف أميز ده غضب؟ ولا حاجة تانية أخطر؟
قرب خطوة بس المرة دي أبطأ وقال بصوت واطي، مش زي الأول خالص قالها فجأة:
_كنسلت الفرح… تيجي نخرج أنا وإنتِ سوا؟
عدّلت وقفتي بهدوء، ورفعت دقني سنة كده بكبرياء متصنّع:
_بمناسبة؟!!
حط إيده في جيوبه ولف حواليّا ببطء، كأنه بيدرسني من جديد.
_عايز أصالح مراتي.
عقدت حواجبي، وبصيت له بدهشة حقيقية المرة دي:
_تصالحني؟!!! هو إنت زعلتني؟
ضيّق عينه وهو بيبصلي بنظرة فيها لعب ومكر:
_لأ… إنتِ اللي خططتي، وعصّبتي، وبوّظتي هدومي.
رفعت كتفي ببرود:
_آه.
ابتسم، وقال وهو بيهز راسه:
_قولت يا واد يا عمران مش مهم اللي مراتك عملته. فداها أي حاجة هي برضه لسه صغيرة ومش فاهمة حاجة.
رفعت صباعي قدامه بسرعة:
_بس أنا مش صغيرة.
قرب مني خطوة، وبص في عيني مباشرة وقال بنبرة مستفزة:
_آه طبعًا… إنتِ ست العاقلين. يلا اخلصي، هنخرج ولا لأ؟
سكتّ لحظة…
كنت عايزة أبان تقيلة أبان مش فارق معايا.
بس قلبي؟ كان بيرقص رقصة انتصار صغيرة.
لفيت وقلت وأنا بمشي قدامه:
_ماشي… بس على مزاجي.
_يعني؟
بصيت له من فوق كتفي بابتسامة خفيفة:
_يعني أنا اللي أختار المكان.
وقف ثانية، وبعدين ضحك بخفة:
_ماشي يا ست العاقلين… اختاري.
خرجت بفرحة…
فرحة طفلة أخيرًا لقت لعبتها المفضلة بعد ما كانت فاكرة إنها ضاعت للأبد.
قفلت باب الأوضة ورايا، وسندت ضهري عليه لحظة وأنا ببتسم لوحدي.
أخيرًا وصلت للحظة دي.
لحظة إن الحياة مش دايمًا بتوجع وإن قلبي مش مجبر يعيش في وضع الدفاع طول الوقت.
بدّلت لبسي وأنا حاسة بحاجة دافية بتتسلل لجوايا
إحساس أمان.
مش صاخب مش مبالغ فيه بس ثابت حقيقي.
الحقيقة؟
عمران طلع فريد! مميز! مُلهم بطريقته البسيطة وقور!
صفات كتير اكتشفتها بس عشان قربت منه بس عشان سمحت له يقرب.
شهرين.
ستين ليلة بين شمس وليل.
كنت محظوظة بوجودي جنبه.
سنين صعبة ومؤلمة قدِر شخص عزيز يمحي أثرها مش كأنها ما كانتش لكن كأنها فقدت سطوتها عليّا.
شخص شايفك إنتِ بيحبك إنتِ… بيخاف عليكِ إنتِ.
كان بيحاول…
بيجاهد عشان يلمح ابتسامتي يلمح ضحكتي.
يلمح عينيّا وهي سعيدة من غير ما تكون بتمثّل.
ومكنش صعب عليه يعمل كده لأنه كان بيعمل كحبيب.
وما أدراك الحبيب لما يواصل المشقة لأجل حبيبته…
لو قلت إني بحبه أبقى بكدب.
أنا عديت مرحلة الحب العادي بكتير.
بس لسه متحفظة.
حاطة حدود خفية حوالين قلبي لأن الخوف لسه ساكن.
قلبي لسه بيحنّ لحزنه القديم
لسه بفتكر زمان وزمان كان مؤلم.
مؤلم لدرجة خلّتني أتعلم إزاي أبتسم وأنا من جوه بانهار.
لكن حنيته… كانت كفاية.
كفاية إنها تطبطب على قلبي وعلى عيوني قبل دموعي.
وقفت قدام المراية، بصيت لنفسي…
وشفت بنت مختلفة.
أهدى أدفى بس لسه حذرة.
وفي اللحظة دي رجعت ذاكرتي لآخر مشهد نهيت فيه ألمي القديم… والجديد.
المشهد اللي قررت فيه إني مش هبقى ضحية تاني.
______•
أنا هسامحك…
بس مش دلوقتي عشان قلبي لسه موجوع منك أوي
ولسه مش قادرة أصدق إني هُنت عندك بالشكل ده.
أنتِ بتحبيني… آه، عارفة.
وكنتِ خايفة عليّا ومش هقدر أنكر ده.
بس الحقيقة؟
أنتِ كنتِ بتحبي نفسك أكتر وعشان كده قلتلك إنك أنانية.
بس عارفة؟
مش بلومك والله ما بلومك.
كل واحد بيختار يعيش إزاي كل واحد عنده حرية الاختيار.
يا تضحي بنفسك وتنقذي غيرك… يا تعيشي حياتك وتكبّري دماغك.
وأنتِ اخترتي اللي يريحك.
ومن حقك أيوه، من حقك تختاري الجنب اللي هيريّحك.
أنتِ مش مضطرة تحاولي عشان حد حتى لو الحد ده بنتك.
مش مضطرة خالص.
الأهم أنتِ… وحياتك.
بس يا ماما أنتِ ضعيفة أوي.
ضعيفة قدام خوفك ضعيفة قدام وجعك.
وإنتِ شايفة كل اللي حواليكِ واخترتي نفسك في اللحظة اللي أنا كنت محتاجة تختاريني فيها.
عارفة إيه أكتر حاجة كسرتني؟
مش إنك مشيتي لكن إنك مشيتي وإنتِ عارفة إني هفضل واقفة أستناكِ سنين.
عارفة؟
أنا هبقى أم…
بس مش هبقى زيّك
عمري ما هسيب بنتي
عمري ما هفلت إيدها من إيدي.
عمري ما هغيب عنها وتصحى تسأل ماما فين؟
عمري ما هخليها تكبر وفي قلبها حفرة اسمها وجع من أم
عمري ما هغيب عن عيونها.
عارفة ليه؟
عشان أنا أمها…
وهي بنتي قطعة مني.
نَفَسي اللي بيمشي برّه صدري.
يعني أختار أموت كل يوم عشانها ولا أشوفها بتموت ألف مرة من غيري.
ولا أسيبها يوم واحد تحس إني مش جنبها.
لو بعدت عنها يوم أموت.
لكن أسيبها عشرين سنة بعيدة عني؟ مستحيل.
وأرجع أقولها كنت بخاف عليكي؟ لا.
الأمومة مش خوف بيخلّصك من المسؤولية.
الأمومة مش اختيار يومي تضحي فيه براحتك، بأنانيتك، بهروبك.
يمكن أنا لسه قلبي موجوع منك يمكن سامحتك في عقلي
بس قلبي لسه واقف عند باب قديم باب اتقفل عليّا وإنتِ بره.
أنا هسامحك بس لما قلبي يصدق إني ما كنتش استاهل اتساب.
لما أقدر أبص في عينيكي وما أشوفش الطفلة اللي اتخلّت عنها أمها عشان وهم وضعف عندها!
_يا ندى أنا بحبك… متظلمنيش، متقسيش عليّا كده أرجوكِ.
كان صوتها بيتهز صوت حد خايف يخسر آخر حاجة باقية له.
_يمكن أنا فعلًا كنت عيلة طايشة بس والله ما سبتِك بمزاجي والله حاولت آخدك معايا.
ضحكت بسخرية وألم:
_كان فيه ألف طريقة غير إنك تبقي مجرمة.
قولتها وأنا ببص لها لأول مرة من غير ضعف.
_كان فيه ألف باب غير الباب اللي اختارتيه.
سكتت ثانية وبعدين كملت بصوت موجوع:
_أنا هبعد تاني وهحاول أنسى.
وأتمنى ترجعي إنتِ كمان تعيشي حياتك اللي بنيتيها بعيد عني.
مدّت إيدها ناحيتي بسرعة، كأنها خايفة أتبخر.
_حبيبتي متـمشيش… أنا محتاجالك.
وقفت لحظة الكلمة خبطت فيّ بألم واحتياج بس متأخر.
متأخر أوي.
بصيت لها بعينين مليانين وجع سنين:
_طب أنا كمان احتجتلك…
أكتر منك بكتير وإنتِ مشيتي بمزاجك.
سكتت والسكوت كان أوجع من أي رد.
بعدت خطوة… خطوتين وبعدها خرجت.
الهوا برا كان تقيل كأنه شايل وجعي معاه.
حاولت أتنفس بعمق بس صدري كان مقفول.
الوجع كان صعب مؤلم أوي.
أوي لدرجة يحسسك إنك بتموت وإنتِ واقفة.
أفكار كتير عدّت في بالي مشاهد قديمة بتتفتح من غير استئذان.
أول يوم مدرسة... وأنا ببص حواليّا بدور على وش شبه وشي جنبها أهل
حفلة التخرج… والكل بيحضن أهله، وأنا ببتسم صورة كاملة من غير حضن حقيقي.
ليالي سخنة كنت بصحى فيها مفزوعة ومفيش إيد تطبطب عليا.
مواقف كتير كنت محتاجة فيها كلمة أنا جنبك ومكنش في حد.
كبرت بدري كبرت غصب.
تعلمت أواسي نفسي بنفسي أربّت على قلبي وأقوله معلش استحمل.
وأنا ماشية حسيت إني سيبت جزء مني جوه البيت ده.
جزء صغير لسه بيحبها رغم كل حاجة.
بس الجزء التاني؟
اللي اتربّى على الغياب؟
كان بيشدني لقدام بيقولي إن اللي عاشه زمان مش لازم يعيشه تاني.
ومسحت دموعي بسرعة لأني وعدت نفسي
إني عمري ما هكون الطفلة اللي بتستنى حد يرجع.
)) •
فضلت أمشي وقلبي متلخبط، وعيوني بتدور حواليّا على أي حاجة أعرفها أو أشوفها.
الطرق كانت غريبة كل شارع جديد وكأنه بيتعنّت عليا وأنا ضايعة جوا نفسي قبل ما أضيع جوا المكان.
رجعت خطوتين لورا، حاولت أستوعب أنا فين
لسه بدور ورايا وبعدين شُفت عمران واقف ورايا.
اخدت نفس عميق شعور غريب بين الخوف والراحة.
وترميت في حضنه بخوف حقيقي، كأن الدنيا كلها ضاعت غير حضنه.
_افتكرت إني تهت هنا… أنا معرفش المكان ده.
ربت عليا بحنية كلمة بسيطة بس كفاية تخلي قلبي يهدأ:
_متخافيش أنا ماشي وراكي من أول ما خرجتي.
هزيت راسي بخفة… وأنا لسه في حضنه بشد عليه كأني بستجمع حياتي كلها اللي انتهت
كل وجع، كل لحظة خوف، كل دمعة دفنتها جوايا.
اخدني وإحنا مكملين مشي بهدوء، ناحية مقعد في الشارع
مقاعد كتير حوالينا، بس إحنا اخترنا واحد بعيد
المقعد اللي يسمح لنا نكون لوحدنا مع صمتنا وأفكارنا.
قعدنا وأنا لسه بفكر عقلي بيسترجع كل كلمة، كل دمعة،
كل حقيقة مخفية ما اتقالتش.
الصمت كان مالي المكان، لغاية ما قطعت الصمت وبصيت لعمران بعينين حائرة، وقلت بصوت واطي:
_لو مكاني كنت هتعمل إيه؟
الهوا حوالينا ساكن، وإيده على كتفي حضنه قريب.
وكانت الحقيقة المستترة جوا قلبي مستنية اللحظة الصحّية عشان تظهر.
_كل إنسان ليه رد فعل مختلفة.
رد فعله بييجي بعد ألم، بعد وجع، بعد حكمة، بعد وعي، بعد نضج، وبعد فهمه لكل حاجة حواليه.
لما اتجمعنا سوا، فاكرة قولتلي إيه؟
_إحنا بشر.
اتخلقنا في الدنيا دي وإحنا عارفين — أو المفروض نفهم — إنها مش هتبقى سهلة.
ربنا قال:
﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾
يعني الإنسان مخلوق يعيش مشقة، يعيش تعب، يعيش مكابدة.
الدنيا مش دار راحة، هي دار سعي وصبر ومجاهدة ومحاولات متكررة حتى لما تحس إنك تعبت من كل حاجة.
موقفك أثبتلي ده فعلًا…
وأثبتلي كمان رحمة ربنا وحكمته.
عارفة إنتِ قوية أوي لدرجة إنك استحملتِ ده كله، ولسه بتحاولي تقولّي الحمدلله أكيد خير.
شايف فيكي الجهاد، المحاولات، الصبر اللي بيمحي كل تعب.
كل أقدار ربنا حِلوة حتى لو مؤلمة لينا دلوقتي.
نصيبنا مهما كان موجع في الدنيا، لكن نصيبنا في الآخرة هيبقى جميل ومريح، وهنلاقي فيه كل اللي تعبنا عشانه.
اللي عديتيه مش بس وجع، ده تدريب، امتحان، مشوار بيثبت قد إيه قلبك قوي، وقد إيه روحك صافية، وقد إيه إيمانك بيكفي عشان تتحملي كل حاجة.
_أنتِ هتسامحي… صح؟
رفعت عينيي بدهشة وقلت:
_مين بالظبط؟!
_باباكِ… مامتك… أهلك!
قعدت قدامه، وعيوني بتلمع من وجع قديم مازال ساكن جوا قلبي، رفعت صوتي بصعوبة، كأن كل كلمة بتنزل على جرح مفتوح:
_مش عارفة! أنا موجوعة أوي، الموضوع مش هين، بالعكس أنا حاسة إن كل اللي حصل دبـحـ'نـي بسـكيـ'نـه.
بصتله بعينين مليانين ألـم وحنين:
_أول طـعـ'نـة كانت من بابا لما اتخلى عني في وقت احتياجي ليه، وقت ما كنت بترجاه وقولي عشان خاطري يا بابا.
سكت لحظة ودموعي وقفت على حافة عيني:
_وتاني طـعـ'نـة لما اكتشفت إن أمي عـايشـة.
الست اللي كنت بتمنّا ترجع على أساس إنها ميـ'ته، دلوقتي عايشة، اللي كنت بدعي ربنا يجمعني بيها في الجنة دلوقتي قدامي… عايشة، اللي كنت بشوفها في كل أم حواليّا عايشة.
تفتكر كل ده بالساهل؟!
تنفست بعمق وحسيت قلبها بيتهز:
_هو أنا مش ملاك… أنا كمان غلطت، ووارد حد يقف قدامي ويقولي مش هنسامحك، بس أنا اتأذيت واتوجعت!
ابتسم لي بخفة، نبرة صوته مليان صبر وحنية:
_ممكن مننساش إننا بشر.
يعني بنغلط وبنذنب وده عادي جدًا.
يعني ببساطة، إحنا كمان علينا ذنوب.
قرب مني أكتر، ويده على كفي بحنية:
فبلاش فكرة أنا مش مسامحة فلانة وهقتنص منها يوم القيامة.
حقك طبعًا ومفيش حد يقدر يمنعك من حقك.
لكن فكرتي يوم لو إحنا مكانها؟
يتقال علينا نفس الكلام؟
مش مسامحينها وهنتقص منها يوم القيامة؟
إحنا كلنا بنقع في الغلط، كلنا بنذنب إلا من رحم ربي.
لكن الفارق الحقيقي بينا هو التوبة.
رفعت عيني حاولت امسك دموعي:
لأ أنا مستحيل أعمل اللي هي عملته… ومستحيل أؤذي حد زي ما أذتني.
_عندك حق… يمكن فعلًا مش هتعملي نفس الغلط.
بس ممكن من غير ما تقصدي تأذي حد بطريقة بسيطة جدًا، بكلمة أو نظرة أو موقف عابر.
بس توجعه جرح كبير يمكن يرجعه لنقطة بشعة في حياته.
بص ليّ بعمق:
زي ما اللي آذاكي فاكر إن اللي عمله كان حاجة بسيطة، وأنتِ الوحيدة اللي عرفتي وجعه الحقيقي.
فرفقًا بالقلوب وعفوًا عند المقدرة.
كلنا بنُخطئ وكلنا بنؤذى، لكن اللي بينجو فعلًا هو اللي بيتوب واللي بيعفو.
سِكت… ولسه قلبي موجوع، بس حسّت إن في ضوء صغير بين ألمي بيقولي: ممكن نبدأ السماح خطوة بخطوة.
_______•
_ها خلصتِ يا عيوني؟
بصتله بعينين مليانة حب، وتمتمت بخوف خفيف:
_خلصت يا عمران، فاضل كام حاجة بسيطة.
هز راسه وقرب مني، وشاورلي بإيده بخفة:
_طب قوليلي بقى تختاري إني چاكت ده ولا ده؟
قيمت اللي لابسه الأول بعينين دقيقة، عشان اختار اللي يليق عليّ.
الاتنين حلوين بس وقع اختياري على اللي على اليمين:
_ده حِلو… ويليق أكتر.
ابتسم وهو رامها وقال بغمزة:
_يبقى نختار الشمال… عشان عايز أعمل ماتش مع زوجتي الحِلوة.
ضحكت بخفة، وخدت بالي إن التاني نفس لون الدريس.
وهنا اتسعت ابتسمتي، وحسّيت إن قلبي عايز يصرح بالمكنون جواه.
قربت أكتر منه، يمكن قررت أخيرًا أفصح عن مشاعري ليه.
هو يستاهـل… الراجل بيبذل كتير عشاني.
شُفت في عيونه لمعة خفيفة من قربي كأنه لمح نظراتي لوعتي الحنين اللي جوا قلبي.
ونطقت بصوت خفيف، مليان حب:
_عايزة ورق عنب يا عمران.
رفع حاجبه بدهشة خفيفة:
_ها…؟!!
ضحكت بخفوت، ورجعت خطواتين لورا:
_عايزة آكل ورق عنب، هتأكلني ورق عنب؟!!
شدني الخطواتين اللي بعدتهم، وقال بشوق وابتسامة:
_هأكلك عيوني قبل ورق العنب لو أمكن… أنتِ تتطلبي وأنا أنفذ.
ابتسمت، وقلبي بدأ يرقص:
_على كده اتحمس بقى عشان الليلة هتبقى مميزة، أوعدك!
ضحك بخفة وقال وأنا أقرب منه شوية:
_بس كل ليلة معاكِ مميزة.
وقفنا كده، قربنا من بعض أكتر والجو حوالينا كله دافي.
كأن العالم كله سكت، وكل اللي موجود إحنا وضحكتنا وحبنا الصغير اللي بدأ يلمع.
الـنهـايـة