تحميل رواية «الدهاشنة 3 .. وخفق القلب عشقاً .. آية محمد رفعت» PDF
بقلم آية محمد رفعت
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
الجزء الأول ... الدهاشنة الجزء الثاني ... صراع السلطة و الكبرياء الجزء الثالث ... وخفق القلب عشقاً
الدهاشنة 3 .. وخفق القلب عشقاً .. آية محمد رفعت الفصل الاول 1 - بقلم آية محمد رفعت
#الدهاشنة3...(#وخفق_القلب_عشقًا)
#الفصل_الحادي_والثلاثون.
(إهداء خاص للقارئة الجميلة إبتسام حربي، شكرًا جزيًلا على دعمك المتواصل لي وبتمنى أكون دائمًا عند حسن الظن.. ❤)
ظنت بأن ما ستفعله سيخلصها من وصمةٍ العار الذي تحمله على أعتاقها، فكانت تتمنى أن ينتهي الوقت سريعًا، وحينما تستيقظ تستطيع الشعور بأنه لم يعد شيئًا بداخلها، فجاهدت "روجينا" لرفع جفنيها الثقيل على مهلٍ، فأغلقتهما سريعًا حينما ضرب ظلامها ضوءًا قوي جعلها تغلفهما، لتعاود فتحهما من جديدٍ في محاولةٍ منها للتأقلم، فاستندت بذراعيها لتجلس على الفراش بشكلٍ مستقيم، جحظت عينيها في صدمةٍ من المكان الغريب الذي تقبع به، فأخر ما تتذكره وجودها بذلك المكان المقزز، إذًا كيف أتت إلى هنا، كادت بالنهوض، ولكنها توقفت لتزيح الأبر الطبية المندثة بوردها، فما أن وقفت على ساقيها حتى أمسكت برأسها بألمٍ، لينتابها دوار حاد جعلها تكاد تهوى للخلف، فتتفاجأ بيدٍ تساندها لتحيل بينها وبين السقوط، استدارت برأسها للخلف تلقائيًا فصعقت حينما رأته أمامها، فشعرت بتلك اللحظة بحالة من الحيرةٍ والتخبط لما يحدث، كيف وصلت لهنا وكيف يقف أمامها بعد ما فعله بها؟ ، استجمعت روجينا قوتها لتدفعه بعيدًا عنها وهي تردد بدهشةٍ:
_أنت!
نظراتها البائسة تجاه قرعت أجراس قلبه بكل قوة امتلكتها، وعلى الرغم من ذلك مازال يقف شامخًا يجابه تيار حبها العتيق، فدفعها برفق لتقف أمامه، ثم وضع يديه معًا في جيب بنطاله الأسود، قائلاً في سخطٍ:
_فاكرة إنك هتتخلصي مني بالبساطة دي، تبقي بتحلمي.
ترقرقت الدموع بعينيها، لتصرخ به بجنون:
_أنت لسه عايز مني أيه، سبني في حالي بقى مبقاش عندي اللي ادهولك تاني!
احتدت نظراته تجاهها، فقطع المسافة بينهما حتى بات يقف مقابلها، فابتلعت ريقها بتوترٍ من قربه منها، فلفحت أنفاسه وجهها:
_في، ابني اللي في بطنك.
كزت على أسنانها بحقد، فحاولت السيطرة على انفعالاتها وهي تسأله بسخريةٍ:
_وأنت فاكر اني هحتفظ بيه!
لف يديه حول حجابها، متعمدًا الضغط على خصلات شعرها، فصرخت ألمًا، فاستمعت لفحيح صوته المخيف:
_مش بمزاجك، كل ما هتحاولي تأذيه هتلاقيني في وشك يا روجينا، ومش كده وبس أنتي مش هتقدري تتوقعي اللي هعمله فيكي قدام أهلك لانك ببساطة لسه مش عارفة إنتي وقعتي مع مين يا حلوة!
أطبقت على شفتيها بقوةٍ، علها تحتمل الألم، فرددت بدموع:
_أبعد عني.
عنيدًا هو ليقف أمام مشاعره وما تهمس به دقات قلبه، فمازال عالقًا بين انتقامه الذي يخيل له بأنه سيمنحه شعور السكينة والراحة، ابتعد عنها "أيان" ثم وقف ليوليها ظهره ليتابع حديثه بعنجهيةٍ:
_بنت عمك مستنايكي برة، وطبعًا مش هقولك تاني عواقب اللي هتفكري فيه من دلوقتي.
وتركها وغادر ببرودٍ جعلها تزداد كرهًا له، فجلست محلها تبكي بقهرٍ على ما فعلته بنفسها وبأبيها الذي لا يستحق سوى الإحترام منها قبل أي أحدًا، انهمرت في موجة من البكاء الذي لن يكون عونًا لها في تلك اللحظة، فترنح لمسمعها صوتًا مألوفًا يناديها:
_روجينــــا!
التفتت تجاه باب الغرفة الطبية فوجدت "حور" تدنو منها، فاحتضنتها وهي تردد بدموعٍ تسبق حديثها:
_عمل فيكي أيه الكلب ده؟
ردت عليها بانكسارٍ، وكأنها تشكو اختيار طريقها:
_بيهددني عشان فكرت أنزل الجنين.
وشددت من احتضنها وهي تطالبها بتوسلٍ:
_مشيني من المكان ده يا حور، خلينا نرجع البيت.
هزت رأسها عدة مرات، فحاولت مساندتها، وإتكأت الأخيرة على معصمها في مجاهدةٍ للوقوف على قدميها المرتعشة، فبدت خطواتها غير متزنة بالمرة، فخطت بضعة خطوات حتى وصلت للإستقبال الخاص بالمشفى، فجلست بإرهاقٍ على المقعد المعدني، وهي تردد بصوتٍ واهن للغاية:
_مش قادرة أمشي على رجلي يا حور، مش قادرة.
جلست جوارها، ثم قالت بحيرةٍ:
_طب هنعمل أيه؟
هزت رأسها بتشتتٍ، فأخرجت حور هاتفها ثم اختارت اسمه من القائمة وعين روجينا تراقبها، فقالت بحزنٍ:
_مفيش حل تاني.
هزت روجينا رأسها بتفهمٍ، فحررت زر الإتصال بأحمد لتخبره بحاجتهما للمساعدة وأرسلت إليه عنوان المشفى، فاستغرق أقل من ثلاثون دقيقة حتى وصل إليهم، فما أن ولج من باب المشفى حتى فتش عنهم بالمكان ومازالت هناك علامات تعجب لوجودهما بالمشفى بذلك الوقت، فاهتدت عينيه عليهن، فاتجه حتى صار قريبًا، فرددت حور بفرحةٍ:
_الحمد لله يا أحمد انك جيت بسرعة.
وزع نظراته بينها وبين روجينا الذي يفترس التعب ملامحها، فقال بشكٍ:
_بتعملوا أيه هنا؟
ابتلعت حور ريقها بصعوبةٍ بالغة، فبحثت عن حجة تخرجها من تلك المعضلة، فقالت بعد فترة من الصمت:
_مفيش روجينا كانت تعبانه شوية.
كرهت الكذب الذي توقع أسيرته كل مرة، لذا قاطعتها حينما قالت:
_كنت بحاول أنزل الجنين وفشلت.
صدمت حور مما قالتله ابنة عمها، فبينما تحاول التغطية عليها تعترف هي بمنتهى البساطة، احتدت نظرات أحمد بغضبٍ كان كالنيران المتراقصة بين حدجتيه، فصاح بانفعالٍ:
_تنزلي الجنين!!
ثم عاد ليسترسل بحدةٍ ونظرة استحقار تجوبها من رأسها لأخماص قدميها:
_أد أيه أنا بستحقرك كل مدى عن الأول، عايزة تقتلي روح بريئة ملهاش أي ذنب غير انك أمه!
لم يكن يكفيها سماع تلك الكلمات التي انهالت عليها كالصفعات لتمزق أخر ما تبقى بداخلها، فرفعت رأسها تجاهه ثم قالت بصوتٍ متقطع:
_وذنبه أيه يتولد يلاقي أم مش مناسبة ليه ولو عرف الحقيقة هيجي اليوم اللي هيتمنى فيه انه ميتولدش.
نجحت كلماتها في اظهار مدى ألمها وما تخوضه من وجع دافين إليه، فانحنى ليحملها بين ذراعيه ثم قال بهدوءٍ لا يتناسب مع حدة معالم وجهه:
_يالا نمشي من هنا.
وخرج بها "أحمد" فقدم مفاتيح سيارته لحور التي أسرعت لفتح باب السيارة الخلفي، فاتبعها وهو يحملها، كاد بالوصول لسيارته ولكنه تفاجئ بمن يقطع طريقه ليقف قبالته وجهًا لوجه، جحظت عين روجينا في صدمةٍ لا مثيل لها، على عكس أحمد الذى كان يراقب خصمه بنظراتٍ صلدة، فتجاهله عن عمدٍ ومن ثم انحنى ليضعها بالسيارة، وأحكم إغلاق بابها، ثم عاد ليقف مقابله من جديدٍ، ارتسمت بسمة شيطانية على شفتي "أيان"، فاقترب منه ثم وضع يديه على كتفيه وهو يردد باستهزاءٍ:
_تعرف إني على الرغم من إني كنت متفاجئ من ردة فعلك بعد ما تعرف الحقيقة الا إني توقعته.. مهو اللي اتربى في بيت"فهد الدهشان" بيبرمجه انه يشيل أي شيلة عشان شكلهم وهيبتهم قدام الناس حتى ولو كان على حساب رجولته.
أراد أن يستدرجه لبقعةٍ يعميها الغضب، فيصبح بذلك الوقت قاتلًا أو مقتولًا، ولكن لم يمنحه أحمد تلك الفرصة، بل جعله يغلو بداخله غضبًا حينما أزاح يديه عنه وهو يجيبه ببرودٍ:
_وهو الرجولة عندكم إنكم تستخبوا زي الحريم وتأخدوا تاركم منهم!
ثم مال برأسه على أذنيه وهو يهمس ساخرًا:
_تفتكر كنت هتقدر تقرب لآسر أو لحد من الشباب!
ثم انتصب بوقفته وهو يسترسل بنظرةٍ أسقطته من قاموس الرجال:
_عمي الكبير "فهد الدهشان" علمنا منخدوش بتارنا من الضعيف، لكن انتوا عندكم بتستغلوا ضعف اللي قدامكم عشان تاخدوا بتاركم، عشان اكده ضربتنا بتبقى قاضية وهتشوف بنفسك.
وكاد بأن يتجه لسيارته ولكنه عاد ليقف مقابله وهو يردد بوعيدٍ:
_روجينا متخصش حد غيري، عشان كده محدش هينتقم منك على اللي عملته غيري، وهتشوف.
وتركه وغادر من أمام عينيه، تاركًا النيران تكاد تلتهمه، فازددت شعلة الانتقام التي كان يهتز لهيبها.
*******
بالصعيد... وبالأخص بمنزل كبير الدهاشنة.
لم يروق له أن يرسل إليه أحد. رجاله ليخبره بأن الكبير يريده في الحال، فاتجه "مهران الدهشان" للثرايا وهو يجاهد ليكبت الحقد والكره الدافين بداخله منذ توالى "فهد" زمام أمور العائلة، مع إنه الأحق بعد أبيه "وهدان الدهشان" ، فكم كان يريد أن تنتقل الزعامة لعائلته فهو ابن عم "وهدان" وفهد يصغره سنًا، وحينما أراد أن يزرع الفتنة بالعائلة لنشأ خلاف بين اختيار كبيرهم وجدهما يؤيدون "فهد" قلبًا وقالبًا، لذا أرغم على تقبله وإظهار حبًا وإحترامًا مخادع إليه، جاهد "مهران" لرسم ابتسامة باهتة وهو يدنو من المندارة، ليجلس على الاريكة الخشبية المجاورة للمخصصة اليه وهو يقول بودٍ مخادع:
_جاني أن الكبير بنفسيه طالبني، فهملت مصالحي وجيت جري أشوف في أيه؟
كانت نظرات "فهد" الهادئة تتطالعه، ومن جواره كان يجلس "سليم" و"عمر"، ينتظران ما سيقوله "فهد" الذي طال صمته، ليشتت انتباه من يترقب ما سيقول باهتمامٍ، طال الصمت والسكون بالمندارة الى أن مزق صفحاته الطويلة صوت "فهد" المتعصب حينما نهض عن مقعده ليصل له خطورة ما يفعله:
_اسمعني زين يا عمي، إني لو كنت بعديلك اللي بتعمله سابق فده احترامًا لسنك لانك أد والدي، لكن هتنجاوز حدودك يبقى لا ملهوش لزمة سكاتي بعد اكده.
نهض عن مقعده ليدنو منه وهو يتساءل بمكرٍ:
_ليه بس يا كبير أيه اللي حوصل وخلاك زعلان مني!
ناب عنه"سليم " بالرد، حينما قال بسخطٍ:
_يعني متعرفش اللي عملته وخلى الدنيا قايمة عليك اكده!
قال بحيرةٍ تصنع في جعلها حقيقية:
_وأني لو أعرف كنت سألت يا ولدي!
رد عليه "عمر" تلك المرة، باحترام لا يستحقه بالمرة:
_مهو يا عمي ميخلصكش إنك تأجر أراضي الفلاحين ومتدهمش حقوقهم!
منحه نظرة مندهشة وهو يردد بصدمةٍ:
_أني! محصلش الحديت ده يا ولدي، أني بديهم حقوقهم أول بأول، دول ناس كدابة وطماعين عايزين الطاق طاقين.
صوت صارم قطع حديثهم المتبادل فيما بينهما:
_عمي، أني اتوكدت بنفسي ان الناس دي مبتكدبش، وقولتلهالك سابق وهرجع أقولهالك تاني أني مقبلش أن حد من أهلي يستغل اللي بينا ويدوس الغلابة اللي أني نصيرهم وكبيرهم.
ثم أشار بيديه على الباب وهو يخبره بحزمٍ بث الخوف بقلبه و:
_هتخرج من اهنه تدي الناس فلوسها طوالي، والا مهتدخلوش واصل، ولا كأنك عمي من الأساس... خلص الكلام.
ازدرد ريقه الجاف وهو يحاول ابتلاع تلك الاهانة التي كانت نتيجة لتصرفاته البغيضة، فاتجه بخطاه البطيئة ليخرج من المنزل متكئًا على عصاه، فما أن وصل لسيارته حتى لكم الأن بعصاه وهو يردد بتشفي:
_ماشي يا فهد بكره نشوف هتعمل أيه لما راسك تبقى في الوحل قدام الناس اللي بتمنظر بيهم دول.
وصعد سيارته ثم أمر السائق بالتوجه لمنازل هؤلاء الفلاحين خوفًا من أن يتخذ فهد أي قرار تجاهه، فهو بالنهاية يعلم بأنه يقدر على إيذائه.
********
بجناح "رؤى"
كانت تجلس "تسنيم" و"تالين" معها، بعد أن جمعتهما لتتفق معهم على الخروج غدًا برحلة استكشافية للصعيد، فارادت أن تصطحبهما "تسنيم" كونها تعلم كل ما يخص أمر بلدها، فقالت بابتسامةٍ مشرقة:
_وأنا والله نفسي أخرج، فقول لآسر ونخرج مع بعض بكره.
صفقت "تالين" بحماسٍ:
_ياريت الواحد حاسس انه اتحبس هنا.
ضحكت "رؤى" ثم قالت:
_عشان تعرفي أن أفكاري بتنفع..
وتركتهما بالشرفة واتجهت للبراد الصغير الموجود بجناحها لتحضر بعض المشروبات الباردة، فتفاجئت بمن يحتضنها من الخلف، ليميل على عنقها وهو يهمس بشوقٍ:
_مختفية فين طول النهار، وحشتيني!
جحظت عينيها في صدمة، لتدفعه بعيدًا عنها وهي تردد بحرجٍ:
_بدر أنا مش لوحدي!
لم يفهم ما تقول الا حينما خرجت "تسنيم"، و"تالين" من الشرفة، وكلًا منهن يستحوذ الخجل على ملامح وجههم المصطبغ بالأحمر، فمرر يديه على شعره بحرجٍ مما فعله ووضعهما بموقف هكذا، فقال بمحاولة لتلطيف الأجواء:
_رايحين فين السهرة لسه طويلة، أنا كده كده نازل لسه تحت هقعد مع الشباب.
ردت عليه "تالين" بابتسامةٍ رسمتها بالكد:
_أنا كده كده كنت نازلة لأني هموت وأنام... تصبحوا على خير.
وغادرت من أمامهم على الفور وكأن هناك عقرب لدغها، فكادت "تسنيم" بأن تلحق بها، ولكن "رؤى" اوقفتها وهي تتوسل لها:
_خليكي انتي يا تسنيم عشان خاطري.
جذبت يدها وهي نخبرها بخجلٍ:
_ما أحنا الصبح هنخرج مع بعض يا رؤى، أنا لازم أرجع اوضتي قبل ما آسر يطلع من تحت، تصبحي على خير.
وتركتها وغادرت سريعًا، فاستدارت الاخيرة تجاه من يخفي وجهه لما سيلاقاه من معركة حاسمة، فرددت بغيظٍ:
_يعني مش شايفهم قاعدين!
أجابها بجديةٍ وهو يحاول تبرير ما حدث:
_أبدًا والله مخدتش بالي منهم، وبعدين انا عملت أيه يعني لكل ده!
رفعت حاجبيها باستنكارٍ:
_لا معملتش أي حاجة.
منحها ابتسامة خبيثة قبل أن يدنو منها وهو يردد بمكرٍ:
_شوفتي اني مظلوم.
ابتسمت كلما حرك جبهتها على جبهتها، فدفعته وهي تركض تجاه الفراش، ففاجئها حينما صعد خلفها ليجذبها اليه، لتعلو ضحكاتهم معًا، بينما خيم العشق برداء سكينته عليهما ليصبح ما بينهما خاص للغاية.
******
اتجهت "تسنيم" لغرفتها شادرة بما رأته منذ قليل، فعلى الرغم من أن قلبها ناصع البياض ولا تكن أي غيرة أو كره لأحدًا ولكنها بالنهاية أنثى، تقارن وتعاتب نفسها على الحياة التي فرضتها عليها وعليه، كرهت ذاتها في تلك اللحظة حينما تذكرت ما فعلته بالأمس، وصراخها المتواصل له بالابتعاد عنها، وكأنها تمقته وتمقت قربه منها، وما جلد روحها مقارنتها بينه وبين ذلك اللعين خالها، فكيف تسول لها نفسها بأن لمسته الحنونة تشابه لمسات ذاك المقزز اللعين، ولجت لجناحها الخاص وقد اتخذت قرارًا صارمًا بأن تلقي خلفها نواقص الماضي التعيس، فولجت لحمامها الخاص لتبدل ثيابها لقميصٍ قطني قصير أبيض اللون، ثم فردت شعرها خلفها، وجلست على المقعد تترقب صعوده، وما هي الا لحظات حتى وجدته يفتح باب الغرفة، فما أن رآها حتى صفن بها مشدوهًا، حتى وإن كانت تتهرب هي من نظراته خجلًا، عاد "آسر" لواقعه حينما تذكر ما سيحل به بعدما يواجه طوفان مشاعره ورغباته تجاهها، لا لن يختبر ذلك الإحساس القاسي الذي خاضه بالامس إن حدث بينهما ما حدث، فأن رآها تبتعد عنها وتصرخ له بالابتعاد حينها سينكسر قلبه وسيصبح أسير تلك الهلاوس التي ستقضي عليه حتمًا، لذا عبث بالمفاتيح التي يحملها، ثم اتجه لخزانته ليجذب بنطال رمادي اللون قصير بعض الشيء، وتيشرت من نفس درجاته، ثم اتجه لحمامه ليبدل ثيابه، وحينما خرج كان يتجاهل التطلع اليها حتى وإن لم تنصاع اليه عينيه، كان يجبرهما على عدم التطلع اليها، فقال وعينيه تتأمل شاشة حاسوبه:
_اتعشيتي؟
كانت تشعر بما يفعله، حتى نظراته التي تتهرب منها، فابتلعت تلك الغصة المؤلمة وهي تجيبه:
_أيوه أكلت مع تالين ورؤى.
أومأ برأسه وهو يرد عليها بابتسامة صغيرة:
_كويس، وأنا كمان أكلت مع الشباب تحت.
ثم قال وهو يشغل نفسه بتأمل الملف الخاص بمصنع القاهرة:
_لو ممكن بس تعمليلي قهوة تبقي عملتي فيا جميلة.
نهضت عن مقعدها وهي تتجه للركن المخصص للمشروبات الساخنة، فوضعت مقادير القهوة بالآلة ثم وقفت تنتظرها وهي تود أن تقف لساعات طويلة، علها تتمكن من اذابة الخجل القابع بداخلها، ولكنها لم تكن سوى دقائق قصيرة لتخبرها الماكينة بأن قهوتها أصبحت جاهزة، فحملتها ثم اتجهت إليه لتضعها على سطح مكتبه ثم قالت:
_القهوة يا آسر.
ارتشف منها بضعة قطرات ثم قال ببسمة جذابة:
_تسلم أيدك.
منحته ابتسامة باهتة تخفي من خلفها الكثير، فكادت بالابتعاد عنه ومازال هناك حربًا تدفعها لتقترب منه وتحتضنه، ولكن الف شيء يوقفها، عادت تسنيم لتقترب منه فجلست على قدميه واندثت باحضانه وهو يراقبها بصدمة وعدم استيعاب، ولكن قلبه انصاع اليها بكل جوارحه، فلف ذراعيه حولها، تشبثها به جعله يفطن ما تريد، وبالرغم من خوفه الا أنه لم يمانع أبدًا، لذا نهض وهو يحملها ومن ثم اتجه لفراشهما وهو يتمنى أن لا يحدث ما يعكر صفوه، انغمس معها بطوفان عشق جرف قدميها فباتت تبادله نفس المشاعر، كانت سعادته لا توصف بتلك اللحظة، فانجرف خلف رغباته، ولكنه تفاجئ بها تطالبه بهمساتها المنقطعة بالابتعاد مجددًا، فتطلع بها بصدمةٍ مما تطلبه منه فتلك المرة سمحت له بمساحة خاصة أكثر من الأمس، فكان من المستحيل اليه أن يتركها وخاصة بأن مشاعره لن تتوقف عند ذاك الحد، فاشتدت بالبكاء وهي تطالبه بصوتٍ مازال هادئًا:
_إبعد عني.. إبعـد
هز رأسه بالنفي وهو يهمس لها بحبٍ:
_بأحبك... أنتي ليه مش قادرة تفهمي حبي ليكي!
وعاد ليقترب منها مجددًا على أمل أن ينجح بجعلها تشاركه مشاعره مثلما فعلت بالبداية، ولكنه تفاجئ بتشنج جسدها وهي تحاول دفعه وبات حديثها صراخ لا يوقف:
_قولتلك إبــــــــــــعد.
رفض تلك المرة أن يخضع لهواجسه التي ستحطمه تلك المرة، فمرر يديه على وجهها بحنانٍ، وهو يسألها:
_ليه يا تسنيم، انتي مش بتحبيني زي ما بحبك؟
لم تستمع لكلماته تلك فكانت مغيبة تمامًا، كل ما تراه هو صورة لهذا الحقير يلامس جسدها، وهي تحاول محاربته بكل ما تملك، فقدت ذرات عقلها البائس فلم تعد ترى شيئًا سواه، حركت رأسها بجنونٍ وجسدها ينقبض، حتى سلطت عينيها على ذاك السكين الصغير الموضوع بين طبق الفاكهة على الكومود الصغير من حولها، جاهدت لتصل إليه وما أن لامسته بيدها حتى أصابته بخدشٍ كبير استهدف كتفيه، ارتفع عنها "آسر" وهو يتطلع لها بصدمةٍ مما فعلته لتو، فابتسم وهو يردد بسخريةٍ تحمل ألم خانق بصوته:
_للدرجادي!
وابتعد عنها ثم القى السكين الذي تحمله، والاخيرة ترى صورة مشوشة بدت اكثر وضوحًا الآن، مهلًا هل ترى آسر ينزف دمًا!!!!!! ولكن الذي استهدفته بضربتها كان ذلك اللعين، ليس محبوب قلبها، اقترب آسر من المرآة وهو يتفحص كتفه ومازالت الصدمة خلفيته فود لو يتأكد بنفسه عله يتوهم، لم يؤثر به جرحه أكثر من جرح قلبه الغائر، بل ما جعله متخبطًا حينما هرعت اليه وهي تتفحص ظهره مرددة بلهفةٍ:
_آسر!!
دفع يدها بعيدًا عنه، وهو يشير لها باصبعه الذي تملأه الدماء:
_متقربيش.
بكت بانهيارٍ، وأسرعت تجاه المناديل الورقية، فحاولت وضع احداهما على جرحه الذي مازال ينزف، فالقى ما بيدها ثم جذبها اليه وهو يصيح بها بجنونٍ اشعل غضبه المكبوت:
_أنتي عايزة أيه بالظبط، عايزة تكسريني!
وألقاها بعيدًا عنه لتستقر أرضًا، بينما تحرك هو تجاه الفراش، ليجذب التيشرت الخاص به، وبصعوبة تمكن من ارتدائه، فجرحه كان يشل يديه اليمنى، وتركها محلها ثم خرج، احتضنت ذاتها وسبحت باعماق جراحها، فمازال عقلها لا يستوعب ما فعلته به، فكيف تخبره بما مرت به بطفولتها، ليست تجربة واحدة بل أكثر من تجربة جعلتها ترى الرجل كائن همجي، الى أن رأته هو فبدد ظلمتها ولكنها لا تستطيع ان تجتاز كل ذلك لتعيش هذا الحلم معه، مازالت بحاجة لأمانًا يخرجها من حبسها العتيق، مازالت تحتاجه بعد!
*******
انزعج "يحيى" بنومه حينما استمع لصوت دقات خافتة على باب غرفته، ففتح المصباح الصغير الموضوع لجواره على الكومود، ثم رفع "ماسة" عن ذراعيه ليضعها على الوسادة برفقٍ، ونهض ليفتح بابه فردد بنومٍ:
_آسر!
بدى إليه بأنه ليس بحالته الطبيعية، فكان وجهه أصفر للغاية، فتساءل بلهفةٍ:
_أنت كويس!
أشار له بتتبعه للغرفة الفارغة من جواره، فأغلق "يحيى" باب غرفته ثم تتبعه وقد تسنى له رؤية تيشرته الملطخ بالدماء، فصاح بفزعٍ:
_أيه ده يا آسر؟
أغلق الباب من خلفهما، ثم خلع التيشرت الذي يرتديه وجذب صندوق الاسعافات الاولية ليناوله ليحيى قائلًا:
_مفيش اتجرحت فى سن الكومدينو وكتفي زي ما انت شايف اتفتح.
وقف من خلفه وهو يتفحص جرحه، ليخبره بشكٍ:
_مستحيل الكومدينو يعمل فيك كده الجرح كبير!
احتدت نظراته تجاهه، فقال بعصبية:.
_لو مش هتخيط الجرح أنا ممكن أتصرف عادي.
وكاد بالخروخ فاوقفه يحيى وهو يشير اليه:
_لا هعمله اقعد انت بس.
انصاع اليه وجلس على الفراش مهمومًا، فشعر يحيى بأن هناك خطبًا ما ومع ذلك لم يرد الضغط عليه فهو يعرفه أكثر من نفسه، قام بتطهير جرحه قبل أن يبدأ بالخياطة، فلم يشعر آسر بأي جرح، فجرحه النازف بداخله أقوى مما يلاقاه الآن، وما أن انتهى يحيى مما يفعله حتى وضع اللاصق الطبي عليه، وجذب التيشرت ليرتديه وهو يخبره دون أن يتطلع اليه:
_مش عايز حد يعرف بحاجة يا يحيى.
أجابه بتفهمٍ:
_متقلقش.
ثم قال بلهفةٍ:
_بس طمني أنت كويس؟
اكتفى بهز رأسه، ثم ربت على كتفيه:
_روح كمل نومك.
وغادر الغرفة بهدوءٍ كان خطرًا على قلبه الذي يئن، فاختار الجلوس أسفل بغرفة مكتبه الخاص، وكأنه يرفض لقائها في ذلك الوقت الذي يختبر قلبه حساسية تفوقه.
*******
أما بالاعلى ظلت تترقبه لساعاتٍ وقلبها سيقف لا محالة من شدة خوفها عليه، فحينما شعرت بحركة خافتة تأتي من الخارج فتحت بابها لتراقب ما يحدث بالخارج، فوجدته يهبط لغرفة مكتبه، أغلقت "تسنيم" بابها لتستند عليه وعينيها تملأها البكاء، لا تعلم ما الذي يتعين عليها فعله، فجذبت اسدال الصلاة الخاص بها ثم ارتدته لتلحق به للأسفل، وقفت أمام باب الغرفة تلتقط نفسًا مطولًا قبل أن تفتح بابه، فهي تعلم بأنها بتلك اللحظة لن يشفعلها شيئًا أمامه، حررت مقبض الباب ثم ولجت للداخل، لتجده يجلس على الأريكة وما أن رآها حتى تقوست عينيه بغضبٍ خانق، فكاد بأن يصيح بها بابشع ما يمتلكه ولكنه وجدها تركض اليه ثم جلست أسفل قدميه وهي تحتضن يديه وتبكي بقهرٍ، حاول سحب يديه منها ولكنه وجدها تهمس بصوتها الباكي:
_أنا أسفة معرفش عملت كده ازاي والله، سامحيني.
انتشل يديه عنها ثم نهض ليقف جوار الشرفة وهو يؤمرها بعنفٍ:
_اطلعي فوق أنا مش طايق أشوف خلقتك.
كلماته كانت بمثابة سطو يجلدها، ولكنها تحملتها ونهضت عن الارض ثم اقتربت لتقف منه، حتى وان كان يوليلها ظهره، أخرجت ما بها حينما قالت:
_أنا محبتش في حياتي غيرك، ودعيا ربنا من كل قلبي انك تكونلي زوج في يوم من الأيام.
ومسحت العبارات المترقرقة بعينيها قبل ان تستكمل:
_كنت بتمنى انك تقدر تخرجني من اللي بعيشه بس مقدرتش أخرج منه، أنا فعلا مستهلكش يا آسر..سامحني أنا أسفة.
استوقفته كلماتها، فلطالما شعر بأن هناك شيئًا غامض يحدث معها، استدار بجسده تجاهها، ثم تعمق بالتطلع لعينيها، رأى عشقها يلمع بعين والأخرى تلمع بخوفها القاتل عليه، ففطن بأن هناك حلقة مفقودة ولن ينالها ان حكم رجولته بين ما يحدث وبين قلبه الحنون الذي سيستمع اليها، فجذبها لاحضانه ويدها متصلبة كحالها، لم تستوعب ما فعله هو بالرغم مما اصابته هي به، فانهارت بين احضانه باكية وهي تهمس بصوتها الشاحب:
_أنا أسفة، والله ما كنت أقصدك أنت.
دقائق هدأت بهما بين أحضانه وهو يلتزم الصمت ينتظر أن تستكين بين ذراعيه، فما أن شعر بذلك حتى تحرك بها للاريكة، فابعدها عنه لتقابل نظرة عينيه الدافئة، ليتبعها سؤاله:
_بتحاولي تخبي عني أيه يا تسنيم، قوليلي أنا مستحيل أكون ضدك؟
رفعت عينيها تجاهه، ثم تطالعته بنظرة حزينة قبل أن تقول:
_خايفة متصدقنيش زي ماما.
حمد الله بتلك اللحظة بأن هناك شيئًا يدفعها لفعل ذلك، فسيطر على ثباته وهو يرد عليها بصوته الرخيم:
_جربيني.
بدت مشتتة، حائرة، لا تعلم بأي شيء تبدأ، فانهمرت دمعاتها وهي تقول دون أن تنظر بعينيه:
_أنت عارف يا آسر أن الاهل هما المفروض الاقرب لينا بعد الام والأب، وبيقولوا ان الخال والد بس أنا مشوفتش كده.
ثم رفعت حدقتيها لتتعلق بعينيه التي تراقبها باهتمام، فاستكملت بدموع وقد تهربت من لقاء عينيه:
_انا على طول بشوفه بيبصلي وبيبص لجسمي نظرات قذرة، حتى لما كان بيسلم عليا كان بيتعمد انه يلمس جسمي بطريقة مش كويسة، كنت بقول بالبداية اني يمكن اكون مزودها، بس لما بابا سافر وروحنا نعيش معاهم بقيت آآ...
وانفرطت بموجة من البكاء قطعها عن استكمال ما تريد قوله، فأمسك بيدها وقلبه يكاد ينشطر مما يستمع اليه، لا يحتمل ان تقص عليه المزيد مجرد تخيل الامر كفيل بقتله على البارد ومع ذلك يهاجمه فضول لمعرفة المزيد، فاستكملت بعد رداء القوة الزائف التي ارتدته:
_كنت بقوم كل يوم مفزوعة وانا شايفاه نايم جنبي وبيحاول يلمسني، ولما قولت لماما ضربتني وقالت اني مجنونة وبتخيل حاجات مش صحيحة..انا لسه زي ما أنا هو مأذنيش جسديًا اكتر من انه اذاني نفسيا، يكفي حالة الخوف اللي كنت عايشة فيها طول ما انا عايشة هناك، كنت بخاف انام، وبخاف ماما تخرج في حتة وتسبني لوحدي في البيت، وحتى بعد ما بابا رجع وكبرت كنت فاكرة انه مش هيتجرأ يعملي حاجة بس برضه لما بيسلم عليا بيعمل نفس الحركات الزبالة والاسم خالك وبيسلم عليكي!
كان بتلك اللحظة ينازع كل كلمة تخبرها هي به، يتجسد أمامه كل مشهد وحرف قصته له، وازدادت أوجاعه حينما قالت بانكسار:
_وفي وسط كل الصراع ده نفس الطفلة اللي مكملتش 13سنة تشوف واحد قدامها بيغتصب واحدة متعرفهاش ولا عمرها شافتها قبل كده، وبعد كده قتلها ورماها في الترعة، تخيل انا عشت كل ده، وبقى تفكيري عن الرجالة منتهى البشاعة.
ثم رفعت عينيها اليه لتناشده بدموع:
_لحد ما جيت انت وغيرت تفكيري تمامًا، حسستني اني كنت غلط وان مش كل الناس زي بعضها، بس بغبائي كنت هضيعك من أيدي يا آسر.
شعرت بالارتياح حينما أفاضت بما يضيق بصدرها، فترقبت ما سيفعله بخوفٍ، خشيت أن يبتعد عنها ولكنها وجدته يحتضن بيديه وجهها وهو يعاتبها بحزنٍ:
_ليه مقولتليش كل ده من زمان؟
أجابته بابتسامة منكسرة:
_خوفت انت كمان متصدقنيش!
رد عليها ومازالت نظراته متعلقة عليها:
_قولتلك الف مرة أنا غير أي حد.
وضمها لصدره وهو يربت عليها بحنوٍ، جعلها تخرج ما كبت بداخلها، فبكت ومازال هو يحتضنها ويقربها اليه، ثم همس إليها بصوته الرجولي المميز بالنسبة لها عن باقي الرجال:
_مستحيل أفترق عنك لأنك حياتي، وأقربلي من روحي..
ثم استكمل بوعيد وقد غامت عينيه بشرارة شرًا مخيف:
_أما الكلب ده فأنا اللي هقفله.. وهيأخد جزاته.
شعر بانتظام أنفاسها فعلم بأنها غفت على كتفيه، فتمدد بها على الأريكة والنوم في تلك اللحظة بات خصيمه، ساعات كوي بها بنيران ألهبت قلبه، يتمنى ان تشرق شمس النهار ليتمكن من تنفيذ مخططه، فما أن غاب ظلام الليل الكحيل وسطعت الشمس لتكسو العالم بردائها الذهبي، حتى حملها "آسر" وصعد بها لغرفتهما خشية من ان يراهم احدًا بالاسفل، فوضعها بالفراش وخرج للشرفة يعبث بهاتفه الا ان اختار الشخص المناسب لمهمته، فرفع هاتفه ليستمع صوت المتصل به يرحب به بعظمة لا تليق بسواه:
_الكبير ابن كبيرنا بيكلمني بنفسه، ده أيه الهنا ده..
اتاه صوته الصارم يؤمره:
_عايزك في مصلحة يا "صالح" بس مش عايز مخلوق يعرف عنها حاجة حتى أبويا نفسه.
_تحت أمرك انت تؤمر وإحنا علينا التتفيذ.
_لا الطالعة دي عايزك انت اللي تعملها وبنفسك بلاش حد من رجالتك..
_أومرك يا كبيرما، اديني بس التفاصيل وسيب الباقي عليا.
غامت عين الآسر بغموضٍ وغضب لا يتمنى أن يرأه أعدائه، فمن يرى طيبة قلبه واحترامه لا يخمن أبدًا ما يكنه في سبيل تلك العداوة، ولكن ترى ما الذي ينوي فعله تلك المرة؟
........ يتبع.......
#الدهاشنة3...... #بقلمي_ملكة_الإبداع_آية_محمد_رفعت.
*******___________*******
الدهاشنة 3 .. وخفق القلب عشقاً .. آية محمد رفعت الفصل الثاني 2 - بقلم آية محمد رفعت
#الدهاشنة3....(#وخفق_القلب_عشقًا...)
#الفصل_الثاني_والثلاثون.
(إهداء الفصل للقارئة الجميلة/يارا محمد ، شكرًا جزيلًا على دعمك المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنك يا جميلة...قراءة ممتعة 💙)
أعانقك خلسة بين سطور أوجاعي، فيرسمك الحنين فِي كُل الزَّوَايا ، فعشقك يَغزُو الشرايِين ، ويرنو صبابة لناظزي ولحلمي يسْتبيح ، فيأتيني محملًا بِعقيق الورد ، ليزرع بداخلي حلم ينبض بغرامك الذي أشعل مصباح وجداني، ليعود إليه ضوئه الشارد، فسكنة جسدي حاربها لساني حينما خفق بهمسٍ بين واقعه وحلمه بحروف اسمك:
_آســـــــر!
فتحت عينيها وهي تتفحص الفراش بخوفٍ، فأزاحت الغطاء عنها ثم هرولت تبحث عنه في الغرفة بأكملها، فاهتدت نظراتها عليه يغفو على المقعد الموضوع بالشرفة ، وعلى ما بدى إليها بأنه لم يذق النوم طوال الليل، اقتربت منه "تسنيم" ثم جذبت أحد المقاعد لتقربها منه، تتأمله عن قربٍ ومازال عقلها لا يستوعب كونه منحها السماح بتلك السهولة، بل أنصت إليها ولجرح قلبها النازف، ومع ذلك ضمها لصدره، أمسكت بيديه وكأنها تفتقد إحساس الأمان بقربه منها، وعينيها قد ملأتها الدموع، مازالت حائرة بالإنطباع الذي كونه عنها ، وما ينوي فعله، فتح "آسر" عينيه ليجدها تجلس مقابله، فما أن التقت الأعين بنظرة خاطفة حتى سحبت يدها ونهضت وهي تردد بارتباكٍ:
_آ... أنا كنت.. آآ..
أعاد المقعد للخلف ثم نهض ليقف مقابلها، فرفع ذقنها بيديه ليجبرها على التطلع إليه، تلك النظرة نفذت لأعماقها، فاستطاع أن يلامس ما بداخلها، فمرر يديه برفقٍ على خديها ثم قال بصوته الرخيم:
_صباح الجمال.
انعقد حاجبها بذهولٍ من طريقته، وخاصة حينما استطرد قائلًا:
_مش عايزك تفكري في أي حاجة تانية يا تسنيم، أنا جنبك ومستحيل هسمح لمخلوق يمس شعرة منك.
وضمها لصدره وهو يربت على ظهرها بحنوٍ أزاح تلك الآلآم العالقة بوجدانها، فودت لو ظلت هكذا للأبد حينها لن يهاجمها تلك الهواجس.
*******
بسرايا "المغازية"
لم تصدق "فاتن" ما أخبرتها به الخادمة، فهبطت للأسفل سريعًا لتتأكد بنفسها من الضيف الذي ينتظرها، فجحظت عينيها في صدمةٍ حينما رأت ابنتها هي من تنتظرها، فاستكملت الدرج لتقف مقابلها وهي تردد بدهشةٍ:
_ناهد!
لم تمنحها فرصة لإستيعاب الأمر، فهرولت لأحضانها، الا يكفيها غياب أعوام عن منزلها وعائلتها، فلم تكن تتخيل تلك المعاملة الباردة من والدتها، وخاصة حينما أخرجتها من أحضانها وهي تعنفها بغضبٍ:
_انتي ازاي تتدلي على مصر من غير ما تعرفينا؟
حدجتها بعينيها الفيروزية بنظرة حزينة، ليتبعها لهجتها المعاتبة:
_دي مقابلة تقابليني بيها بعد كل السنين دي يا ماما! ، وبعدين يعني لو كنت قولت لحضرتك إني نازلة مصر كنتي هترضي أنتي أو أيان؟
احتدت حدقتيها بغضبٍ قاتم، اتبعه صراخها:
_أني مش عارفة انتي ليه مش قادرة تفهمي اللي بنمر بيه، وجودك اهنه في الوقت ده مش في صفنا يا بتي.
ابتسمت بتهكمٍ وهي تجيبها بسخرية:
_ليه! ، عشان خايفة الكره والحقد اللي زرعتيه في قلب ابن اختك يبقى نتيجته انا الضحية..
واقتربت منها وهي تستطرد بحزن:
_مهو اكيد محدش منهم هيسكت بعد اللي هتعملوه في بنتهم، وهيبقى ليهم ردة فعل صح ولا أيه؟
صاحت بها بانفعالٍ:
_انتي برة اي حسابات، ده تار أيان ويخصه هو.
استحقرتها بنظراتها قبل أن ترد عليها بسخطٍ:
_لا يا ماما اللي بيحصد شر مبيجنيش غيرها، وانتي باللي زرعتيه جواه هتجني علينا كلنا، وبعدين مش كنتي دايما بتقولي انه ابنك مش ابن اختك، ومن حبك فيها سمتيني على اسمها، خلاص يبقى تستحملي كل اللي جاي.
زلزل صوتها اركان السرايا:
_انتي بتعدلي على مين يابت فاتن، اللي بتتكلمي عنها دي كانا بتي قبل ما تبقى اختي الصغيرة، كنتي عايزاني اعمل ايه يعني وانا شايفاها قدامي غرقانة في دمها، كان لزمن أيان يفتكر اللي حصلها في كل ثانية وكل دقيقه عشان يقدر يأخد تارها من اللي اذوها.
تطلعت لها بانكسار، فكلما حاولت تغيرها فشلت في ذلك، مازالت والدتها محتفظة بتفكيرها التقليدي الباحت، حتى بعدما ارسلت ابنتها تستكمل دراستها في أكبر الدول المتقدمة.
********
الظلام يستحوذ عليه فجعله لا يرى شيئًا من أمامه، كل ذرة في جسده تؤلمه، وكلما يحاول تحريك يده أو حتى ساقيه عجز عن ذلك، فتأوه بألمٍ شديد من فرط ما تعرض له من ضربٍ مبرح فمازال لا يتذكر أي شيء مما حدث، أخر ما يتذكره هو انجراف تلك السيارة لتقطع عليه الطريق،فهبط منها رجال ذو أجساد عتية، فسأله واحدًا منهما هل هو "عباس المهدي"؟ ، فأكد له بأنه هو، ومنذ ذلك الحين لم يرى أمامه شيئًا من فرط اللكمات التي تلاقها وحينما فتح عينيه وجد نفسه بذلك المكان الغريب، فحاول جاهدًا أن يرفع صوته عل أحدًا ينجده، ولكن لم يستمع إليه أحدًا، وكأنه بنهاية العالم، فردد بصوتٍ شاحب حينما شعر بصوت أقدام تقترب منه:
_أني فين؟ ، وانتوا مين؟
لم يتحرك من يقف أمامه، بل كانت نظراته الصقرية مسلطة عليه بثباتٍ قاتل، دقائق يتفرس ملامحه، ليشير بيديه لمن يقف جواره، فأسرع تجاه أزرر الإنارة وهو يقول في طاعة:
_أوامرك يا كبيرنا.
انطلق الضوء بأرجاء المخزن المتهالك، لينير العتمة التي اختبارها منذ دخوله لذلك المكان القبيح، فحاول فتح عينيه لتتصلب على مصرعيها حينما وجد من يقف أمامه، يطالعه بكل غرور وعنجهية، فبات مشتتًا لا يعلم ما الذي يحدث بالتحديد، حتى أن نطقه للكلمات خرجت مذبذبة:
_آسر!!
سحب نظراته القاتمة عنه، ثم استدار تجاه"صالح" ورجاله، ليشير إليه بخبثٍ:
_إخص عليك يا صالح، بقى تعمل في الخال كده! لا لا زودت العيار.
ابتلع "عباس" ريقه الجاف بصعوبةٍ بالغة، وهو يراقبه بخوفٍ، وكأنه يشك في نواياه، فقطع آسر المسافة بينهما، حتى بات ينطاحه رأسًا برأس، فلف ذراعيه حول رقبته ليدفعه بعنفٍ وهو يردد بصوت ثابت انفعالاته:
_شكله مكنش يعرف ان بينا نسب يا خال، حقك عليا أنا.
استحضر كلماته المهاجرة وهو يحاول الصمود أمامه:
_في أيه وليه مخليهم جايبني هنه.
حك طرف أنفه بهدوءٍ عجيب، ثم استدار برأسه تجاه صالح ليؤمره بالخروج، ثم وقف في مقابلته، طالت لحظات الصمت والاخير يترقب ما سيقوله، فانحنى على اذنيه ومن ثم همس بصوته الشبيه بفحيح الأفاعي:
_أنت تعرف أيه هو عقاب اللي يبص لحريم بيت الكبير؟
وضم شفتيه معًا وهو يستسكمل بمكر:
_لا أكيد متعرفش،بس اللي هتعرفه الوقتي اللي يقرب لشيء يخصني عاقبه هيبقى أيه ..
ورفع ساقيه ليهوى بها على جذعيه فصرخ الاخير بألمٍ حينما طقطقت عظامه، ومن ثم عاد ليكسر اليد الاخرى وهو يصيح به بغضبٍ فتاك:
_أنت هنا عشان أعاقبك على كل اللي فات واللي جاي،زمان مكنش في حد يقفلك ويدافع عن تسنيم دلوقتي في اللي هيخليك تكره حياتك وتتمنى الموت..
وهوت بساقيه ليكسر قدميه، والاخر يصرخ كالنساء ويطالب بالرحمة التي لم تشفع له مثلما لم يشفع لتلك الصغيرة ذات الجدائل الصغيرة، صرخ وهو يتعهد له بالا يفعل ذلك مجددًا، ولكن لن يبرد تلك النيران المشتعلة بداخله..
*********
اجتمع الجميع على المائدة بمنزل الكبير لتناول الغداء، بينما كانت تجلس "ماسة" على الأريكة تلهو بدميتها لامتناعها بتناول الطعام في ذلك الوقت، فلم يرغب يحيى بالضغط عليها لذا تركها لجواره وجلس يتناول طعامه، سقط بين يد "ماسة" سيارة صغيرة باللون الأحمر، أعجبتها للغاية، فأخذت تحركها يمينًا ويسارًا، استحوذت على انتباهها وتركيزها، لا تعلم لما تشعر بأنها رأتها من قبل، فلم يخب أمالها حينما عمى عينيها ضباب طفيفي ليدفعها لرؤيتها تقود سيارة كبيرة الحجم باللون الأحمر، وفجأة انقلبت بها عدة مرات وصراخها كان يصم اذنيها باسمه، ارتجفت اصابعها وانتفضت بجلستها لتسقط السيارة عنها وهي تصرخ بشكلٍ جنوني:
_يحيــــــــــــــــى! لا..... لا..
وسقطت أرضًا مغشي عليها، ليهرع إليها "يحيى" فحملها بين ذراعيه وهو يلطم وجهها برفقٍ ويناديها بقلقٍ سيوقف قلبه حتمًا:
_ماسة!!
وحملها للاريكة والجميع في حالة من الفزع، وترقب لما سيقوله الطبيب الذي أتى به "بدر" على الفور.
******
كان مهمومًا، يشعر ولأول مرة بأنه بحاجة لوجود أحد أبناء عمه لجواره، عله سيهون عنه كثيرًا، يشعر بأنه مغلوب على أمره بما فعلته به "روجينا"، فكم تمنى أن لم تمت له بصلة عله يتخذ قرار يرضي غروره كرجلًا يسري بعروقه دمائه الشرقي، أفاق أحمد من عتابه لنفسه الذي طاله بجراحه على صوت دقات باب شقته، فنهض عن مقعده ثم اتجه ليفتح بابه ليرأها تقف أمامه، تلك الفاتنة التي أنبضت بداخله في ذلك الوقت شعاع لحبٍ لطالما كان يتهرب منه، ويظنه ليس من حقه، بات الآن على علم بأنه كان يمتلك كل الحق، نظراته الساهمة بها جعلته تقرأ ما تكتبه عينيه بين سطورها، فتملكتها ربكة أخفق لأجلها قلبها دون توقف، فلعقت شفتيها بتوترٍ وهي تقدم له ما تحمله من طبقٍ يملأه الشطائر وعصير البرتقان باليد الاخرى، لتخبره بارتباكٍ لاحظه أحمد:
_أنت مأكلتش حاجة من الصبح فعملتلك حاجة خفيفة.
ابتسم بتهكمٍ ثم قال بصوتٍ رق بحبها:
_طول عمرك بتركزي في أصغر تفاصيلي يا حور.
ابتلعت ريقها بصعوبةٍ، فوضعتهما بين يديه ثم كادت بالعودة لشقتها، فاوقفها حينما قال:
_حور.
وضعت يدها على صدرها وهي تجاهد ضربات قلبها العنيفة، فسحبت نفسًا مطولًا قبل أن تستدير إليه، فوجدته يضع ما بيديه ويقترب ليقف مقابلها، ثم بكلماتٍ مبهمة قال:
_أوقات كتير الظروف اللي حوالينا بتبقى أقوى من أي مشاعر لطيفة ممكن تكون بين اتنين عمر ما قلوبهم اعترفت بحبهم لبعض لان ده بالنسبالهم شيء مخالق لاخلاقهم ومبادئهم اللي اتربوا عليها، بس النظرات والافعال بتبقى عكس اللي جواهم، ويمكن اللي يقدروا يكنوه لبعض هي المحبة والاحترام اللي هيفضلوا في ذكرياتهم للأبد.
ترقرقت عينيها بالدموع وقد تسنى لها فهم لغز كلماته التي لامست وجعها، فنقلت لعينيه لمعة بدمعة عزيزة شفقت على حالهما، فارتسم ابتسامة افتكت برجولته الجذابة وهو يقول:
_كده يبقى فهمتيني.
هزت رأسها ومن ثم رفعت عينيها تجاهه لتجيبه بصوتٍ مزق قلبه فعليًا:
_فهمتك يا أحمد.
ثم كادت بالتوجه لشقتها، ولكنها توقفت رغمًا عنها، ثم استدارت لتقف مقابله مجدداً قائلة بابتسامةٍ ترسمها بالكد:
_مش محبة واحترام بس، دعوات صافية بالسعادة اللي ممكن نلاقيها حتى لو مع ناس غيرنا..
وبألم اخترق صوتها قالت:
_خليك متأكد اني هفضل ادعيلك على طول... عن أزنك.
وتركته وهرولت للداخل وتلك المرة انسحبت قوتها الزائفة، لتخر أرضًا خلف باب غرفتها باكية، ويدها تكبت شهقاتها علها لا يستمع لأنينها أحدًا، ولكن كيف لقلب عاشق الا يستمع لنصفه الأخر؟
*******
حبيباتي الفصل قصير عن قصد لاني الفصل ال33 هيكون فيه قفز بحدث معين هنتكلم عنه باستفاضة.... المهم عندي ليكم بقى خبرين هيفرحكم أوي، علشان تعرفوهم لازم تدخلوا اللينك اللي تحت، بس لازم تعرفوا اني هحتاج دعمكم جدًا زي ما اتعودت اني مخطيش اي خطوة من غيركم ومن غير دعمكم ليا، مش هطول عليكم يالا ادخلوا باللينك وادعموني ووصلوه لاكبر عدد من اللايك انا واثقة انكم اد التحدي...
اللينك أهو 👇🏻ويارب المفاجأة اللي تعبت فيها الايام اللي فاتت كلها تنال اعجابكم... بحبكم في الله ♥..
**********_________*********
الدهاشنة 3 .. وخفق القلب عشقاً .. آية محمد رفعت الفصل الثالث 3 - بقلم آية محمد رفعت
#الدهاشنة3....(#وخفق_القلب_عشقًا..)
#الفصل_الثالث_والثلاثون...
إهداء الفصل للقارئة الجميلة/ ملك محمود، شكرًا جزيلًا على دعمك المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنك يا جميلة...قراءة ممتعة 💙)
عقلها كان مشتت بين تلك الذكريات التي تهاجمها، والأغرب بأنها لا تعود لأحدًا أخر، بل خاصة بها هي، فكيف وهي لا تتذكر ذلك، فلم يسبق لها أن قادت سيارة بنفسها، كانت "ماسة" في تلك الحالة مشوشة للغاية، فلم يكن الطبيب مخصص لحالتها فبرع بمجاله حينما أخبرهم بما يخص جنينها الذي أتم عهده الخامس، ولكنه لم يستطيع أن يفيدهما حينما أخبروه عن حالتها، ونصحهم بزيارة طبيبها المتخصص، فاتبعه "بدر" للخارج وهو يشكره بإمتنانٍ ، أما "يحيى" فالقى بثقل جسده على الخزانة من خلفه، ليكتفي بتأمل "ريم" وهي تناولها الدواء، ثم جذبت الغطاء عليها ورحلت من الغرفة بعدما شيعته بنظرةٍ حزينة، دنا منها "يحيى"، ثم جلس لجوارها على الفراش، فوجدها تتطلع إليه بصمتٍ على غير عادتها، فبدأ هو بمناغشتها حينما قال:
_في حد بيتعب بيبقى زي القمر كده يا ماستي!
وجدها لا تعايره أي انتباهًا لما يقول، بعد تطلعت إليه نظرة ساكنة، صافية، تتبعتها سؤال جعله في حالةٍ من الصدمة:
_هو أنا بعرف أسوق عربية يا يحيى!
السيطرة على صدمته كان أمرًا لا يستهان به، فاستحضر هدوئه وهو يسألها باهتمامٍ:
_ليه بتساليني السؤال ده؟
كان هناك شيئًا لا يستطيع فهمه، طريقتها بطرح سؤالها والحديث معه كانت أكثر اتزانًا من حوارها الطفولي، وكأنها كبرت عدة أعوام، حتى وإن لم تهيأها للعودة لطبيعتها، ولكنها اشارة جيدة بأن ما تتذكره من طيف ماضيها يدفعها لاستعادة ذاتها، اتكأت"ماسة" على الوسادة لتجلس بشكلٍ مريح ثم قالت بحزنٍ:
_أنا بقيت بخاف من اللي بشوفه يا يحيى، بشوف حاجات غريبة ووحشة، بشوف ماسة قدامي وشكلها غريب وبتعمل حاجات غريبة.
خاب ظنها في سماع اجابته السريعة التي ترضي فضولها على الدوام، ولكنه كان متخبطًا لا يملك ارشادات تمنحه تصرف مفروض بما يفعله معها مثلما يتلقى من طيبيها، لذا كان حائرًا للغاية، وبعد فترة من صمته، أجلى صوته المنقطع قائلًا:
_يمكن يا حبيبتي ده حلم!
قوست حاجبيها وهي تجيبه بشكٍ:
_بس أنت قولتلي أننا بنحلم وإحنا نايمين بس!
ابتسامة زرعت على معالمه المرتبكة، فضمها لصدره وهو يطبع سيل من القبلات على جبينها، ليهمس بحنان:
_صح يا روحي، كلامك صح.
رفعت ذراعيها لتتشبث به، فبات مندهشًا من تلقائية فعلها الذي يعود لسابق ما تفعله، فابتسم بفرحةٍ وهو يشدد من ضمها وبداخله الف رجاء وتوسل بأن تكون مؤشرات عودتها، فقد طال انتظاره ولم يمل بعد، مازال يترقب عودتها في شوقٍ ولهفة.
*******
بعدما اطمئن الجميع لاستقرار حالة "ماسة" صعدوا لغرفهما، كذلك صعدت "تسنيم" لتستريح قليلًا بغرفتها، فما أن ولجت للداخل حتى وجدت هاتفها يعاود الاتصال، فاتجهت لترى من المتصل، فابتسمت بسعادة حينما وجدتها والدتها، فرفعت الهاتف قائلة بفرحة:
_ماما، عاملة أيه وحشاني أوي..
أتاها صوتها الذي لمح طيف من الحزن:
_الحمد لله يا حببتي، طمنيني انتي اللي أخبارك ايه؟
استطاعت لمس القابض بصوتها فقالت بخوف:
_انا الحمد لله، مالك كده صوتك متغير في أيه؟
_مفيش والله يا بتي، خالك عباس مرجعش البيت من امبارح، ومرته هتتجنن كل دقيقة تتصل بيا مفكراه اهنه.
تقوست معالمها في دهشةٍ، قلبت لشكٍ حينما وجدت آسر يدلف من باب الغرفة، سلطت نظراتها عليه وكأنها لمست وجود شيئًا ما من اختفائه الغريب، وخاصة بأنها أخبرته بالأمس، انتبه "آسر" لشرودها المتعلق به، فخلع قميصه ثم جلس على الاريكة يخلع حذائه وهو يحاول أن يستعلم سر شرودها هذا، أفاقت"تسنيم" على صوت والدتها فقالت بتوترٍ:
_ها... لا معاكي يا ماما.... طيب خالي يعني هيروح فين ده أول مرة يعملها.
تعمدت أن تلمح بالموضوع المتبادل بينهما وبين والدتها أمامه، حتى تستكشف بذلك ما هناك، ولكنه كان يتحرك أمامها ببرودٍ، فسحب الملابس من الخزانة، ثم ارتدائها دون أن يتطلع تجاهها، ومن ثم اتجه لمكتبه الصغير، ليجذب حاسوبه ويتابع تصفحه، فما أن أغلقت الهاتف معاها حتى اتجهت إليه، فظلت تراقبه بلحظاتٍ صمت حائرة، الى أن تجرأت باستجماع ما ستقول:
_ماما بتقولي إن خالي مرجعش بيته من إمبارح، غريبة أول مرة يعملها!
بدى مسترخًا بجلسته وكأنه لم يستمع لشيئًا، حاولت خلق أي حجة لاستدراجه بالحديث، ولكن هدوئه جعلها تخوض حربًا باردة زرعت بداخلها الغيظ والارتباك من تفكيرها الخطير، لذا عادت لتردد بهلعٍ:
_أنت قتلته يا آسر؟
رفع عينيه عن حاسوبه، ليتطلع لها بنظرةٍ زادت من حيرتها، إلى إن قرر قطع ربكتها تلك حينما قال ساخرًا:
_ليه متجوزة سفاح!
شعرت بإنجازها العظيم حينما استدرجته للحديث، فقالت بشكٍ:
_يعني أنت مالكش علاقة بإختفائه؟
تأرجح بمقعده حتى بات مقابلها، فنهض ليقف أمامها بنظرةٍ صلبة، تشمل سخطًا عظيمًا، فقال بنبرة خشنة:
_لا ليا، وهيفضل كده في حضن رجالتي كام يوم يتربى وبعدها نرجعه لأمه.
صعقت "تسنيم" مما استمعت اليه، فكادت بالحديث، ولكنه كان أسرع منها حينما قال بصرامةٍ وحزم تعهدهما لأول مرة:
_مش عايز كلام كتير في الموضوع ده يا تسنيم، انتي سألتيني وأنا جاوبتك انتهينا.
وتركها واتجه للفراش، فألقى بثقل جسده عليه، فاتبعته حتى باتت قريبة منه، وخشيت أن تخطو خطوات أخرى منه، ترقرقت الدموع بعينيها وهي تراقبه عن ذاك البعد، فشلت في تحديد ما يلزم خوضه في تلك اللحظة، هل تتحلى بالسعادة لما سيناله هذا الحقير من عقاب يستحقه، أم عليها بالخوف من أن تزداد الامور سوءًا وحينها سيكن زوجها في وجه المدفع، شهقاتها الباكية وصلت إليه، فانقلب بجسديه تجاهها، ففتح ذراعيه وهو يردد بصوته الحنون:
_تعالي يا تسنيم.
كانت بحاجة لقربه في ذلك الوقت، فلم تتردد في ذلك، فأسرعت لتتمدد جواره بين دفء ذراعيه، فشعر بانتفاض جسدها الذي تكبت من خلفه حزن ودموعًا ليس بحاجة لرؤياها حتى يعلم بأنها تبكي، مرر "آسر" يديه على جسدها برفقٍ، ثم همس لها بحبٍ:
_متفكريش في حاجة ونامي، طول ما أنا جنبك مفيش مخلوق هيمسك بالسوء، لا هو ولا غيره.
ابتسمت رغم بكائها، فتشبثت به وهي تنصاع لنصيحته، وسرعان ما غفت هي الأخرى، تاركة من خلفها صفحة الماضي الذي يعبئ أسطره الآلآم، ومرارة وجع الذكريات.
*******
الأيام تمضي والعمر يمضي والهموم لا يزيحها لا وقتًا يمر ولا عهد يتبعه، فهناك أوجاعًا تلازمنا حتى ولو عشنا قرنًا، أوجاعًا تعاستها كانت بيدنا، لذا يكن وجعها قاتل، فربما إن كان غيرك من تسبب لك بذاك الألم ستمضي وأنت تلقي باللوم عليه، ففكرة العيش كمظلوم تناجي أفضل ألف مرة من تعيس يلوم نفسه التي أوقعته في ذلك الفخ، هكذا كان حال "روجينا" التي جعلت من غرفتها حبس منفرد لها، فطوال تلك الأيام كانت حبيسة لأوجاعها، ولكن لا مفر اليوم من الهروب، فاليوم هو المحدد لسفرهما باكرًا قبل حفل الحنة، جلست أمام المرآة تنظر لإنعكاس وجهها الباهت، فأفاقت على دخول "حور" لغرفتها فدنت منها قائلة بدهشةٍ:
_أنتي لسه ملبستيش يا روجينا، ده أحمد واقف تحت من زمان هنتأخر كده لازم نتحرك عشان نكون هناك على الصبح ان شاء الله.
هزت رأسها وهي تحاول عقد حجابها:
_خلصت أهو..
أصابعها الممسكة بطرف حجابها كانت ترتجف للغاية، فانحنت حور تجاهها لتعقده لها بحزنٍ على ما حدث لها، انطفأت كالمصباح الذي فقد حقه بالأنارة مجددًا بعدما أصبح تالف، جسدها فقد تقريبًا أكثر من نصف وزنها، فالحزن يزيد العمر عمرًا، وينهش بالجسد كالسرطان الخبيث، تحركت معها للأسفل وقلبها يخفق خوفًا وترقب، بداخلها شعورًا قوي بأن أيان من المستحيل أن يدعها وشأنها، ورغم ذلك تشعر بالشفقة تجاه أحمد الذي لم يستحق منها ذلك الفعل الشنيع الذي ارتكبته بحقه، هبطت "روجينا" بصحبتها حتى وصلت للسيارة، فجذب أحمد منهما الحقائب ليضعها بشنطة السيارة، ثم صعد للمقعد الأمامي، فصعدت كلًا منهن بالخلف، تحرك عائدًا للصعيد في تمام الساعة الثالثة فجرًا، فاليوم سيكون مخصص لحفل الحنة وغدًا الزفاف، رفع عينيه تجاه المرآة فرأى دمعات "روجينا" مازالت تنتحب بصمتٍ، يشعر بما ستلاقاه خلال تلك الرحلة، تخشى من الف شيء يخشاه هو أيضًا، وبعد ما يقرب الساعتين من القيادة انتباها دوار مفاجئ فشعرت بأنها ستتقيء بأي لحظة، مالت روجينا برأسها تجاه حور فوجدتها قد غفت على مقعدها من فرط الاجهاد، فكزت بأسنانها على شفتيها السفيلة من فرط الألم، فلم تجد. مفر منا يهاجمها، خرج صوتها الشاحب ليهمس بتعبٍ شديد:
_أحمد!
استدار برأسه للخلف فوجدها في حالةٍ لا يرثى لها، فعادت لتهمس بصوتٍ متقطع:
_وقف العربية.
انصاع لها على الفور، ثم هبط ليسرع بفتح بابها، فحاولت الهبوط ولكنها كادت بالتعثر، فساندها "أحمد" وعاونها على الجلوس بالاستراحة القريبة من السيارة، وجلس جوارها ثم سألها باهتمامٍ:
_انتي كويسة؟
مالت برأسها على حافة الأريكة الخشبية وهي تشير له بالنفي، فعاد ليتساءل مجددًا:
_فين ادويتك؟
رددت بصوتٍ يكاد يكون مسموع:
_بالعربية.
تركها "أحمد" وأسرع للسيارة، ففتح الباب الخلفي ليبحث بحقيبة يدها، فوجدها بكيس صغير، حمله وأعاد غلق الحقيبة ثم عاد إليها، ففتح محتوياته ووضعه بيدها ثم قدم له زجاجة مياة، تناولت "روجينا" الدواء ثم مالت برأسها مجددًا، فجلس جوارها يترقب ما سيحدث، انهمرت دمعاتها لتصاحب نبرتها المذبذبة:
_مش هقدر يا أحمد، هيكشفوني.
رق لحالتها، فكانت تبعد كل البعد عن تلك الفتاة العنيدة، صعبة المنال، من يرأها مجرد فتاة منكسرة، هزمها قدرها ليجردها من كل طاقة قوة امتلكتها يومًا، فرفع يديه ليربت على يدها الممدودة ليخبرها بهدوء صوته العذب:
_متخافيش، حتى لو ده حصل فأنا اللي هتحمل المسؤولية، مش عايزك تفكري في حاجة عشان متوتريش.
خذلتها تلك الدمعة البائسة، فقالت بخذلان:
_أنا مش عارفة أقولك أيه يا أحمد بجد، اللي أنا عملته معاك صعب أي حد يتقبله.
لم يرغب في سماع المزيد، أو بالمعنى الصريح يرفض تذكر الأمر، فالحرب الذي سيخوضها كل مرة يستعيد بها تنشيط ذكرياته تدمره نفسيًا، لذا نهض من جوارها وهو يشير بيديه على السوبر ماركت القريب منهما:
_هجيب عصير وهرجع.
أومأت برأسها بهدوءٍ، فتركها واتجه ليشتري بعض الأغراض، أما هي فتحكمت بدوارها العنيف حينما أغلقت عينيها لفترةٍ مطولة علها تستطيع محاربة اعيائها الشديد.
******
أصابعه تضغط بقوةٍ على شاشة الهاتف، وهو يرأها مغلقة العينين، مازالت مكالمة الفيديو مستمرة بينه وبين أحد رجاله المسؤولين عن مراقبتها، تمنى لو كانت قريبة منه فيتمكن من صفعها لقربها من أحمد بالرغم من تحذيراته لها سابقًا، ألقى "أيان" هاتفه أرضًا وهو يصيح بانفعالٍ:
_ماشي يا روجينا، هانت وهتشوفي عواقب اللي بتعمليه ده.
ثم نهض عن مقعده وبسمة خبيثة تزور وجهه ذو المعالم المبهمة:
_مش أنتي وبس، أنتي وكل عيلتك وأولهم أبوكي... خلاص يا فهد وقت الحساب مبقاش بعيد!
*******
بمنزل الكبير..
ازدحم المطبخ بالنساء والأقارب، ليتعاونا على طهي عدة أصنف من الطعام الفاخر احتفالًا بابنة كبيرهم، حتى "رواية" فقد حرصت أن تعد كل شيئًا بيدها وعاونتها "تسنيم" و"نادين" وباقي الفتيات، وبمجرد وصول "روجينا" و"حور"، شرعت "تالين" و"رؤى" بتجهيزها، فلم يكن متبقي على الحفل سوى القليل، شعرت "روجينا" في تلك اللحظة بأنها تسابق الوقت الذي ستصمد به بصحبة النساء في قاعة المنزل، كانت ترى الجميع من حولها في حالة من السعادة الا هي تغمرها تعاسة لا نهاية لها، لم يعنيها وجود اسرتها من حولها فأي منهما لن يستطيع تخفيف ما تشعر به في تلك اللحظة، جذبتها "تالين" وهي تهمس لها بمكرٍ:
_تعالي نطلع نتفرج من فوق السطوح مع البنات.
كادت بالتعثر من خلفها من شدة ركضها، فساندتها حور في محاولة لتغطية الامر، لتعنف تالين بمرحٍ:
_يا بنتي مش كده فستانها طويل وهيوقعها.
لم ينتبه أحدًا لما حدث، فكانت "حور" تنتبه لأصغر تفاصيلها حتى لا ينكشف أمرها، اتبعتهن للأعلى، فوقفن جميعًا جوار بعضهن البعض، فاختلسن النظرات لما يحدث بالأسفل.
******
جاهد لرسم ابتسامة زائفة، تخفي من خلفها خيبة أماله بشريكته الذي استقر به القدر بمخضعها، ولكنه كان يقنع ذاته بأنه يفعل شيئًا عظيمًا تجاه العائلة، انسجم "أحمد" مع الشباب على إيقاع المزمار البلدي، فكان "آسر" يمسك بأحد ذراعيه، ويديه الاخرى تلوح بعصا والده العتيقة، وكأن "فهد" يتعمد بكل لحظة أن تعود إليها، ليثبت لكبار عائلته بمن أحق بها من بعده، كان يبدو وسيمًا للغاية حتى رقصه الهادئ سلب عقل من تراقبه من الأعلى بابتسامةٍ رقيقة، لا تعلم لما شعرت بالضيق لوقوف الفتيات من جوارها تراقبه أعينهن مثلما تراقبه هي، بداخلها خلق شعور بالتملك، تود أن لا يراه أحدًا سواها هي، قلبها ولهان بعشقه وماضيها التعيس يرفض قربه الرحيم برغباتها، باتت كجمرة مشتعلة من النيرانٍ تكاد تضرم ما يلامسها ومع ذلك تحرص أن لا ينطفئ شعلتها..
على عكس "روجينا" التي تراقب "أحمد" بحزنٍ، فيقال أن الظروف القاسية التي تحيطك تجعلك تلمس معدن من ستجاوره، ليت ما تعرضت له كان أمرًا هين ربما كانت ستفق باكرًا وستتمكن من منحه قلبها، نعم هي الآن تعلم مغزى حديث والدها عن أحمد، فهمت لما كان ينتباها الجنون حينما تطلب بالانفصال عنه، ترقرقت الدموع من عينيها وهي ترى ذاتها متسخة بعدما اختارت من كسر غرورها وحطم كبرياء الأنثى العاشقة بداخلها، بينما أزاح عنها هذا اللطخ من سمي رجلًا بكل ما عهدته الكلمة من حروف مقدسة، تمنت لو عاد بها الزمان للخلف علها ستمنحه حبًا وإحترامًا يستحقه منها.
انتهت ساعات الحفل الأولى، وانتقل أفراد العائلة للداخل، لاقتباس لحظات خاصة تخصهما سويًا بعدما رحل المدعون على موعد لقاء الغد، فجلس "فهد"، و" سليم"، و"عمر"، والشباب بالأسفل يراقبن ما يحدث بسعادة، فكان "آسر" يمسك يد روجينا ويتحرك بها وقدميه تدب الأرض على الايقاع، ولجواره أحمد ويحيى، حتى بدر أمسك بيد زوجته وحور ورقص بصحبتهم، شقت الابتسامة الوجوه وكلًا منهما يرى حصاد ما زرع، الوحدة تظل صامدة أمام كل ظرف مرت به العائلة، بالفرح والحزن كلًا جوار الأخر، أدمعت عين روجينا حينما قبل آسر جبهتها وهو يهمس لها بفرحةٍ:
_الف مبروك يا حبيبتي، ربنا يهنيكِ يا رب.
تشبثت بأحضانه لدقائقٍ مطولة وكأنها تود أن تفرغ ما يضيق به صدرها إليه، ولكن ماذا ستخبره؟ ، ما حدث قد وقع بالفعل، اخباره الآن لا يصب بمصلحتها ولا بمصلحة أحدًا، أبعدها آسر عنه ثم أزاح الدمعات العالقة بأهدابها بحنانٍ، ثم قال بخشونة نبرته المتعمدة وهو يطبطب على ظهرها:
_أهو ده الهبل بقى.
ثم أشار لها بيديه:
_يا عبيطة هو انتي هتسبينا وهتخلعي، انتي هتفضلي معانا في نفس البيت، يعني في وشنا لزق.
ثم لف يديه حول رقبة "أحمد" الذي أسرع تجاههما بشكٍ زرع بداخله فور رؤية الدموع تنساب من عينيها فخشى أن تفضحهما، ليجد ذراع "آسر" الأقرب اليه:
_شوفتي بقى ميزة الجواز من العيلة!
رسمت بسمة باهتة تخفي من خلفها وجعًا عظيم، بينما احتضن "آسر"، "أحمد" قائلًا بجدية:
_الف مبروك يا عريس.
منحه ابتسامة هادئة، وتحرك معه بعدما أمسك يد "روجينا"، فجذبت" تسنيم" التي تقف جانبًا وتصفق بيدها تشجيعًا للجميع، ارتبكت للغاية حينما أصبحت عالقة بينه وبينها، فمد لها "آسر" يديه بعدما أمسكت "روجينا" بالأخرى، قدمتها له ليجبرها على التحرك معهما، فابتسمت بتسليةٍ وهي تتبع خطاه، انسجمت نظراتهما وكأن لا أحدًا يشاركهم الرقص، فاستغل "أحمد" انشغال "آسر"، ثم أسرع بجذب روجينا حينما شعر بأنها ستسقط بين ذراعيه من فرط الدوار الذي تتعرض إليه، ليسرع بها تجاه أقرب أريكة، ثم جلس جوارها ليفصل بينها وبين الأَرَائِك التي تضم أفراد العائلة، ظل لجوارها لعدة دقائق حتى تغلبت عما يهاجمها، فسألها بلهفةٍ:
_لسه تعبانه؟
هزت رأسها بالنفي، ثم تطلعت لعينيه وهي تتعمد التعمق بنظرتها تجاهه، ومن ثم قالت بامتنانٍ:
_شكرًا..
باتت كلمتها حائرة عن تقديم الف مبرر لشكره، فما فعله لا يقدر بكلماتٍ ستجتهد لتقديمها إليه، استقام بجلسته وهو يجيبها بحرصٍ بالا يسمعه أحدًا:
_لازم نكون حذرين لحد ما على الأقل بكره يعدي، فبلاش تعملي مجهود كبير خليكي قاعدة مكانك على قد ما تقدري.
هزت رأسها وهي تتابع المنصة التي اشتعلت بالرقص الشعبي، فحانت منه نظرة خائنة تجاه "حور" التي تتحرك برفقة أخيها وزوجته، سكن الحزن الطابق الأول من عينيه بينما خيم الخذلان والوجع بالطوابق الأخرى، فمازال يجابه ذاك القلب الذي يحتفظ بحبها الغير معترف به، فكيف سيلفظه وهو لا يقوي على الاعتراف به لنفسه حتى، حبًا محرم وغير مقبل له بالمرةٍ، خاصة بهذا اليوم الذي يعد خطوة مسبقة لحياته التي ستجمعه بأخرى، لذا سحب نظراته عنها بهدوءٍ لن يشعر به أحدًا مثلما إعتاد، أن يخفي ما يدور بداخله عن الأعين..
*******
لم تحظى بفرصة كهذة حتى بزفافها، فمازالت ترقص بصحبته لدقائق طالت ويديه مازالت متشبثة بيدها، حتى نظراته لم ترأف بها فكانت مسلطة عليها لتحاوطها من كل اتجاه، وكأنه يخبرها بأنها مرغمة على عشقها له، مرغمة على تقبله لجوارها وبداخلها، كلًا منهما يلخص عشقه للأخر بكلماتٍ موجزة، ولكن تلخيصها يشمل بالأمان الذي يتعمق بداخلها يومًا تلو الأخر، لا تعلم لما شعرت بتلك اللحظة بأنها قادرة على تخطي حواجز الماضي بأكمله، كيف لا وهو بذاته خلصها منه وصدق ما أخبرته به بصدرٍ رحب، رجلًا غيره كان ليقيم قيامتها في تلك اللحظة، وربما كان سيشك بعفتها، ولكنها لم تجد منه الا ما هو نبيل، وجدت ما يجعلها تعشقه حتى أخر أنفاسها، توقفت "تسنيم" عن تتبع حركاته، فانعقد حاجبيه حينما وجدها توقفت، ومن ثم أشارت له بأن يقترب، فما بجسده تجاهها ليستمع لهمسها بوضوحٍ:
_خلينا نخرج برة شوية، حاسة إني تعبت من الصوت.
أومأ برأسه وأمسك بيدها ليحيط بها حتى لا يرطم بها أحدًا من الشباب دون قصدًا منه، فمنحها مساحة شكلت بجسده الذي بات حائلًا بينها وبينهم، حتى مرت من جوارهما ليخرج بها للخارج، فقادتهما قدميهم للاسطبل، تركته تسنيم واتجهت تجاه الغرفة الصغيرة التي تضم "برق"، فاخذت تمسد بيدها على ظهره برفقٍ، فاحنى رأسه أرضًا براحةٍ لوجودها الذي بات يعتاد عليه، بينما استند" آسر" بجسده على الباب الخشبي الذي يفصل غرفته عن الاسطبل بأكمله، فرفعت رأسها تجاهه وهي تخبره بحماسٍ:
_كبر عن أخر مرة شوفته فيها.
منحها ابتسامة مهلكة وهو يجيبها بصوته الرخيم:
_مفيش حاجة بتفضل على حالها.
ثم ولج للداخل ليتجه للدرج الخشبي الموضوع جانبًا فتسلقه للأعلى، حملت "تسنيم" طرف فستانها الوردي ثم نهض لتتأمله ومن ثم تساءلت باستغرابٍ:
_انت رايح فين؟
أجابها "آسر" وهو يلقي بثقل جسده على الفراش المصنوع من القش:
_اليوم كان طويل وحقيقي مش قادر، تقدري تكملي قعدتك مع عم برق براحتك وأنا هرتاح هنا شوية.
غلبها الفضول لرؤية ما وضعه بالأعلى، فرفعت طرف فستانها ثم صعدت الدرج الخشبي وهي تحني رأسها حرصًا بالا تصطدم بسقف الغرفة، فما أن وصلت اليه حتى دعست بقدميها طرف فستانها فشلت حركتها وكادت بالتعثر، أمسك بها آسر ليجذبها إليه فضحك وهو يخبرها بمشاكسة:
_مش أي حد يعرف يطلع هنا يا حبيبتي.
رفعت وجهها عن صدره وهي تتأمل المكان الذي يستقر به، فوجدته بسيطًا للغاية، كومة من القش مصنوعة على شكل فراش، ولجوارها كشاف صغير يمنح المكان ضوءًا خافتًا، اتجهت نظراته تجاهه ثم قالت بضجرٍ:
_ده مكانك السري اللي بتختفي فيه!
ابتسم وهو يجيبها بمرحٍ:
_في الحقيقة مش مكاني لوحدي، ده مكان عم صالح المفضل وقت الراحة..
تعالت ضحكاتها فابتسم وهو يخبرها:
_مكان مش سري يعني تقدري تقولي استراحة لطيفة ليه وقت شغله في الاسطبل، وانا بنوب عنه بليل.
ابتعدت بنظراتها عنه، فشملت المكان مرة أخرى بنظرة متفحصة ثم ردت عليه قائلة:
_مكان جميل.
أومأ برأسه وهو يتأملها بنظرةٍ خبيثة:
_فعلًا.
انتبهت لوضعها الذي طالت هي به فحاولت النهوض عنه ولكن ثقل فستانها منعها، جذبها لجواره وهو يتساءل بخوف مصطنع:
_مرتاحة كده ولا أيه؟
ثم أشار بيديه للاسفل على السيف وبعض الادوات الخاصة بالاراضي الزراعية ليسترسل بمزحٍ:
_في هنا اسلحة خطيرة وأنا لازم أضمن نفسي، فالله يكرمك خلي بينا مساحة أمنة يا بنت الحلال.
على الرغم من أن غرضه أن يمازحها، ولكن عينيها امتلأت بالدموع، فاستدار "آسر" بجسده تجاهها، ليرفع وجهها تجاهه ثم تساءل بلهفةٍ:
_أنتي زعلتي من كلامي! ، أنا بهزر معاكي.
تهربت من التطلع اليه، فقالت بصوتٍ مهتز:
_أنا آسفة والله مكنتش أقصد.
وضع يديه أمام شفتيها وهو يمنعها عن استكمال ما ستقول:
_مش عايز أسمع أي مبرر عن اللي حصل، وأنا اوعدك مش هفتح سيرة الموضوع ده تاني حتى لو هزار.
رفعت عينيها ببطءٍ تجاهه، لتمنحه نظرة عاشقة لسماله التي تذيب حواجزه، حاجز تلو الأخر، فشعر برعشة شفتيها أسفل يديه، فظن بأنها ستواجه هواجس خالها الأرعن لذا سحب يديه عنها ثم استقام بنومته بتوترٍ من قربها الذي أهلك جوارجه، ابتسمت تسنيم وهي تراه يبذل أقصى ما يمتلك حتى يمنحها الراحة والأمان، فتحركت بجسدها تجاهه، ثم وضعت رأسها على صدره، ابتسم وهو يحاوطها بذراعيه ثم أغلق عينيه في محاولةٍ للاستسلام للنوم، فوجدها تتشبث بجاكيت بذلته السوداء وصوتها الناعم يخبره بخجلٍ:
_بأحبك.
أغلق عينيه في محاولةٍ بائسة لمحاربة تأثير تلك الكلمة التي تستهدف مشاعره المكبوتة، فمرر يديه على خصرها ثم نطق بحروفٍ ثقيلة:
_وأنا معرفتش الحب الا في جنتك يا تسنيم.
ضغطت باصابعها الممسكة به، ثم رفعت عينيها الباكية تجاهه، ظلت تتأمله لدقائقٍ، ونظراته تمنحها حنان يطوفها كرداء صنع من صوف فمنحها دفء في ليلة قارصة البرودة، فعجزت عن الانسحاب من ذاك الدفء فأجبرت لسانها على نطق ما يتردد بداخلها:
_ساعدني أنسى كل اللي اتعرضت ليه يا آسر، أنا عايزة أبدأ حياتي معاك وأرمي كل ده ورا ضهري.
نقلت بصوتها المتقطع أوجاعها إليه، فتركته يمتص ما بداخلها من ألمٍ، اقترب بوجهه منها ليطبع قبلة رقيقة على عينيها الباكية، ثم ابتعد ليستند بجبهته على جبهتها هامسًا بصوته العذب:
_لو باختياري كنت اختارت أكون موجود معاكي وأواجه ماضيكِ بنفسي، مكنتش هخلي مخلوق يمس شعرة منك.
منحته ابتسامة هادئة، وردت عليه قائلة:
_بس المهم إنك معايا دلوقتي ومش هتسبني.
قربها اليه وهو يؤكد لها:
_معاكي ومش هتخلى عنك أبدًا.
وقطع المسافة التي تجمعهما حتى بات لا يفصلهما شيء، فلم يجد منها اعتراض بقربه لذا سمح لرغباته بأن تحتضنها، فتعمقت المشاعر فيما بينهما، وتلك المرة حرص بالا يتركها لغيمات الماضي المؤلمة، كلما شعر بأنها ستلتهمها أسرع بايفاقتها على طرب غرامه العتيق، فسقط أخر حاجز بينهما لتصبح ملكه مثلما رغبت ورغب بذلك، حطم ذاك الخوف بداخلها وهواجسها تجاه الرجال، أخبرتها أفعاله بأنه مختلف عن معشرهم، وليس فريدًا من نوعه بل هناك رجال تستحق ألقابهم، لا ذنب لهما بما فعل السفهاء منهم، ربما حالتها كانت تستدعي لطبيب نفسي يعالجها ولكن بوجود زوجًا يضمها إليه ويحتويها ليست بحاجة لأي علاج نفسيًا بعد ذلك، فكثير من النساء تحتمل مشقة وصعاب لا وصف لاوجاعهما ولكن بمجرد كلمة معسولة أو كف يد حنون يطبطب جرحها تنسى كل شيء، بل تحارب عالم بأكمله لأجله، فالمرأة تمتلك قلبٍ رقيق، تحواطه المشاعر من كل اتجاه، وهاشة كلوح الزجاج تكسرها أي كلمة.
اليوم غفت بين أحضانه، بعدما صارت زوجته، فشعر "آسر" بأنه انتصر بمعركة أرهقته ذهنيًا، فكم ظل بائسًا لتوتر علاقتهما وازدادت الامور سوءًا بمعرفة الحقيقة، وها هو اليوم يحقق انتصارات عظيمة حينما قتل شبح ماضيها بيديه، وحينما اتاحت له الفرصة حق الانتقام مما فعله ذاك اللعين بها، اليوم سينال قسطًا من الراحة لم ينالها من قبل، هنا في المكان الذي جمعهما جوار الفرس الذي احبته ومنحته اسمًا عشقه من عشق تفاصيلها..
*********
استندت "روجينا" بجسدها على الفراش بإرهاقٍ شديد، فما أن أصبحت بمفردها حتى سمحت لنفسها بالانهيار، تعلم بأن البكاء في تلك اللحظة لن ينفعها، ولكنها بحاجة له علها تفرغ ما بداخلها، اعتدلت بجلستها ومن ثم أزاحت دمعاتها سريعًا حينما شعرت بمقبض باب غرفتها يفتح، لتظهر "رواية" من أمامها، فاقتربت منها لتضع صينية الطعام من أمامها وهي تخبرها بنبرة هادئة رغم تلألأ الدمعات بعينيها:
_انتي من الصبح مأكلتيش حاجة.
ابتسمت روجينا ثم جذبت الملعقة لتتناول ملعقة صغيرة من الأرز، ثم قالت:
_أنا هموت من الجوع.
ابتسامتها اوحت لها بأنها ستمنحها فرصة الحديث المفقود فيما بينهما، لذا جلست "رواية" لجوارها ثم قالت:
_الف هنا على قلبك يا روحي.
رفعت عينيها تجاهها ثم نهضت عن محلها واتجهت لتجلس أسفل قدميها، وأدلت برأسها على قدميها ثم سحبت نفسًا عميق قبل أن تقول:
_أنا عمري ما كنت قادرة أفهمك غير النهاردة يا ماما، كل اللي انتي كنتي دايمًا بتنصحيني بيه كان صح، أنا اللي كنت غلط واتغريت أشوف غلطاتي دي..
ثم رفعت عينيها الباكية تجاهها وهي تسترسل حديثها:
_كنت عنيدة ومش عايزة أدي لنفسي فرصة أفهمك بيها، سامحيني يا ماما أنا غلطت في حق نفسي قبل ما أغلط في حقك.
فاض صدر رواية ألمًا، فجذبتها لتنهض عن الأرض وتجلس جوارها، ثم ضمتها اليها لتخبرها بلهفةٍ:
_مالوش لزمة الكلام ده يا نور عيني، بكره فرحك بلاش تفكري في اي حاجة ممكن تزعلك في يوم زي ده، عيشيه بالطول وبالعرض يا روجينا، وصدقيني أحمد شاريكي وبيحبك وعمرك ما هتندمي أبدًا انه كان اختيارك..
ابتسمت وهي تجيبها:
_مش محتاجة أني أشوف ده بعد الجواز يا ماما لاني شوفته بنفسي،أحمد راجل بجد ويعتمد عليه.
ربتت رواية بيدها بفرح على ظهرها، فكانت تشعر بالذنب تجاهها، ولكنها الآن تشعر بأن حملًا ثقيل ازاح عنها، فحملت الصينية لتضعها على الكومود ثم عاونتها على التمدد وهي تشير لها:
_سيبك بقى من كل ده ونامي عشان تصحي فايقة كده، ورانا يوم طويل بكره.
ووضعت الغطاء عليها فتمسكت روجينا بيدها ثم قالت بصوتٍ مختنق يحبس الدموع من خلفه:
_ممكن تنامي معايا النهاردة.
تعجبت "رواية" من طلبها ولكنها لم تمانع أبدًا، فخلعت حجابها ثم جذبت الغطاء وتمددت لجوارها،فاندثت روجينا باحضانها، تخشبت حركة يد رواية، فلاول مرة تحتضنها ابنتها منذ وقتًا طويل، كسى الفرحة لمعة من الحزن بعينيها، فضمتها وغفت هي الاخرى....
ظل المصباح مضيئًا إلى أن أطفئه الذي أتى خلفها حينما تأخرت بعودتها، ليجدها تغفو جوار ابنته المتعلقة بها، ابتسم "فهد" وهو يراقبهما، فجذب الغطاء عليهن ثم انحنى ليطبع قبلة صغيرة على جبين كلًا منهن، وأطفئ الضوء ثم عاد لغرفته التي سيبت بأحضانها بمفرده تلك المرة، بدون شريكة العمر والقلب والروح..
********
كسرت ضوء الشمس عتمة الليل الكحيل، فتسللت لتداعب عينيه، ففتحهما بانزعاجٍ لتجحظ عينيه في صدمةٍ حينما وجد زوجته مازالت تغفو لجواره بالاسطبل، فحانت منه نظرة للاسفل سريعًا خشية من أن يكون أحدًا من عمال الاسطبل قد أتى، فحمد الله كثيرًا بأن المكان مازال أمنًا إلى حد ما، لذا هزها برفقٍ وهو يناديها:
_تسنيم..
عبثت بعينيها بنومٍ:
_ها.
هزها وهو يجذب الملابس من جواره:
_قومي بسرعة قبل ما حد يجي.
فتحت عينيها بتكاسلٍ، ففزعت حينما تذكرت ما حدث بالأمس وخاصة حينما استعاب عقلها مكان وجودهما، فصرخت به وهي تجذب ما امسكت يديه:
_يا نهار أسود هنتفضح.
جذب القميص عن يدها ثم قال بمرحٍ:
_بتاعي ده.
وألقى لها فستانها فحاولت ارتدائه ولكنها لم تستطيع لضيق المكان فلكزته بغضب:
_انت قاعد جنبي!!
سألها بعنجهيةٍ:
_والمفروض اروح فين!
صاحت بانفعال:
_اطلع أمن المكان بره.
رفع حاجبيه بسخطٍ:
_نعم!...
منحته نظرة متعصبة، فجذب قميصه ثم قفز من الاعلى ليرتديه باهمال ليتمتم وهو يتجه للخارج:
_هخرج حاضر.. أنا بقيت بخاف على حياتي منك أحيانًا.
ابتسمت وهي تتأمل طيفه الذي يبتعد عنها ثم هبطت لتستكمل ارتداء حجابها، وفور أن انتهت حتى خرجت اليه فجذبها وابتعدوا عن الاسطبل، فجلسوا على اقرب طاولة ثم جذبوا المياه ليرتشفوها بعد ركض مسافة طويلة، فحانت منهما نظرة مطولة لبعضهما البعض ثم انفجر كلا منهما من الضحك، فقال اسر بصعوبة بالحديث:
_لو عمي صالح كان بدر شوية كان زمانا بنتزف في الارياف دلوقتي، وحلني بقى عما يتعرف علينا أو يبنلنا صحاب.
سالته باهتمام:
_ليه هو ميعرفكش!
ضحك وهو يخبرها:
_لحد امبارح أيوه لكن النهاردة معرفش حسب حالة الذهايمر اللي عنده وغالبًا بتخليه ينسى عياله هيقوم يفتكرني!
ضحكت حتى احمر وجهها، فاستطرد بنظرةٍ خبيثة:
_سيبك انتي منه، أنا بقول نبني أوضة لينا جنب برق، أنا بقيت بستبارك بيه.
احتل الخجل قسماتها، فابتلعت ريقها بتوترٍ وهي تجاهد باستجماع كلماتها:
_أنا هطلع أغير هدومي عشان أساعد ماما زمانها محتاجاني.
وتركته وهرولت للأعلى ونظراته مازالت تلاحقها، فالقى بجسده على المقعد ليستند على يديه وهو يهمس بعشقٍ:
_هتعملي فيا أيه تاني!
*******
أستغرق الأمر ساعات طويلة من العمل حتى باتت السرايا بذلك البهاء، فقد أحاطتها الزينة من جميع الاتجاهات استقبال ليومٍ هام هكذا، فقد اهتم كلا من الشباب بمهمة محددة لينجز الوقت، وقد كانت المهام الاخيرة من حق عبد الرحمن الذي أتى بالمأذون الذي سيعقد قرانهما وسط كبار عائلة الدهاشنة، فاجتمع الرجال خارج المنزل وبالداخل النساء تحيط بروجينا التي تجلس بفستانها الابيض تنتظر لحظة منادتها لتوقيع عقد الزفاف وحينها ستدق الدفوف وستنطلق الزغاريد تبارك تلك الزيجة، وبالفعل ولج رجال العائلة لصالون المنزل، فأنهى المأذون الأوراق ثم أشار لها قائلًا:
_امضتك يا عروسة..
وأشار لها على مكان التوقيع، جذبت منه القلم ثم حانت منها نظرة لأحمد الجالس لجوارها فمنحها ابتسامة صغيرة، حتى أن فهد أشار لها قائلًا:
_يالا يا بنتي امضي.
هزت رأسها بابتسامةٍ رقيقة ثم كادت بأن تضع اسمها على العقد، ولكن انطلق صوت جلبة قوي قادم من الخارج ليزعزع جمعهم، فنهض "سليم" وهو يردد بذهول:
_أيه الدوشة دي!
وقف لجواره "عمر" ثم قال:
_مش عارف.
ثم أشار لاحد الشباب:
_شوف كده يا يحيى في أيه؟
كاد بالخروج ولكن سبقه الخادم الذي هرول للداخل وأسرع ليخبر فهد بقلقٍ:
_الحق يا كبير، الحكومة برة وعايزين يقابلولك.
عقد "فهد" حاجبيه بدهشةٍ:
_يقابلوني دلوقت!
أشار له بتأكيد فخرج ليرى ماذا هناك، ولحق به الرجال بأكملهما وعلى رأسهم "آسر" ، انتاب الجميع حالة من الذهول حينما رأوا عدد من الشرطة يحاصران المنزل ولجوارهم كان يقف أخر من يتوقع قدومه، جن جنون "آسر" لوجوده فكاد بتخطي أبيه الذي أسرع بمسك يديه ليقف جواره ثم قال للشرطي بثبات لا يليق سوى به:
_خير يا حضرت الظابط.
أجابه الشرطي بصوت صمم آذان الرجال من حوله:
_الباشا أيان المغازي مقدم بلاغ بيتهمك فيه انك بتجبر مراته تتجوز واحد تاني وهي على عصمته.
أجابه "بدر" بسخطٍ:
_وايه اللي هيجيب مراته عندنا أيه الهبل ده!
رد عليه الشرطي بعدما فتح الورقة التي بحوزته:
_حرمه تبقى السيدة روجينا فهد الدهشان.
جحظت عين الجميع في صدمات لا حصر لها،وأولهم فهد فكان في صدمةٍ لا يحسد أحدًا عليها، حتى أن جسده اهتز بقوة كادت بأن تسقطه أرضًا لولا استناده على آسر الذي صاح باندفاع:
_الكلام ده مش صح، أكيد الحيوان ده عامل الحركة دي علشان يعمل قلق في يوم مهم زي ده.
أجابه الشرطي باحترام لمكانته ومكانة عائلته:
_العقد اللي معاه سليم يا باشا.
ردد بانفعال:
_يعني أيـــــــــه!
في تلك اللحظة صعد "أيان" الدرج حتى صار مقابل فهد وآسر، فابتسم وهو يجيبه بغرورٍ ونظرة انتصار:
_مكنتش متوقع إني أجي في يوم مهم زي ده، طب ازاي والنهاردة فرح بنت كبير الدهاشنة..
لزم فهد الصمت بينما تمرد صوت آسر فقال من خلف ابيه الذي يقف أمامه كالسد المنيع:
_كدب، ولا فارق معايا ورق ولا كلامك، واللي بتعمله ده مالوش غفران وساختك دي هتتسبب في موتك وعلى أيدي يا كلب.
رد عليه بنفس تلك الابتسامة المستفزة:
_نادي العروسة وأسالها أنا أبقى أيه بالنسبالها ويمكن اللي في بطنها يكون وسيلة سريعة تعرفك أبوه مين يا "فهد" بيه!
اختص بكلامه فهد لعله يشفي غليله، فتلقي صدمة أخرى مثل تلك علها ستزيد من حساسية موقفه، فانتقلت نظراته على حشد الرجال الذي بات الحديث والاقاويل الجانبية تكتسح جلستهما، ترك آسر يد أبيه ثم أسرع ليقف مقابله فلف يديه حول عنق أيان ليرفعه عن أرضه وهو يصيح به بجنون:
_هدفنك هنا مكانك ووريني هتعمل أيه؟
تدخلت قوات الشرطة لتفصل بينهما،حتى أحمد حاول بكل جهده تحريره فلم ينجح أحدًا في عتقه الا حينما صاح فهد بابنه قائلا:
_همله يا آسر.
انصاع لابيه بالرغم من استيائه من طلبه، فوقف فهد مقابله ثم انتقلت نظراته الى أيان، وقال بثبات مازال يتمسك به لاخر لحظة:
__كبير الدهاشنة مبينحنيش لحد، ولو كنت فاكر إنك عملت كده في بتي عشان تكسراني تبقى لسه معرفتش مين هو "فهد الدهشان" ..
انحنى "أيان" بجسده تجاهه، فبترت ابتسامته الباردة بفحيح صوته المخيف:
_اللي بينا مش بنتك بس يا كبير الدهاشنة!، اللي بينا أكبر من كده بكتير، ماضي بالنسبالك وحاضر ومستقبل بالنسبالي!
باتزانٍ أجابه:
_لساك عيل وتفكيرك محدود، لما تتعلم تبقى راجل صوح تعالى نتحدت.
ثم استدار برأسه تجاه بدر ليأمره بصلابة:
_هاتله اللي يخصه..
وزع نظراته بينهما بعدم فهم، فصاح به فهد بحزم:
_سمعت اللي قولته!
هز رأسه عدة مرات قبل أن يغيب للداخل ليخرج بها، فما أن رأها آسر حتى جذبها من شعرها ليهوي على وجهها بصفعة قوية وهو يصيح بها بغضب كالجمر:
_ليــــــه، حطيتي رقبتنا تحت رجل كلب زي ده يا فاجرة.
وكاد بأن يلقيها صفعة أخرى، ولكن أمسك أبيه بيديه للمرة الثانية ثم قال بصرامة:
_ايدك مش هتتوسخ بدم ميستحقوش..
واستدار تجاه روجينا ذات الوجه الشاحب، فكانت تختبر صدمة يطفوها عدم تصديق لما يحدث حولها، وكأنها بحلم غريب السياق، لف فهد يديه حول معصمها ثم دفعها عن الدرج لتستقر أسفل اقدام أيان ليشير بيديه:
_اللي ليك خدته، متفكرش ترجع اهنه تاني، البيت ده غالي وميدخلوش الرخاص.
منحه أيان نظرة شملت معنى صريح لشماتة عابرة، ثم انحنى ليجذبها تجاه سيارته ليغادر بعدما ترك علامة لن يناسها أي فرد من الدهاشنة، غادر وبصحبته الشرطة ومازال الرجال يتهمسون على ما حدث، وبالأخص "مهران" كان اليوم هو اعظم انتصارته، وارضاء لحقده الدافين تجاه فهد وعائلته، كان يريد ان يراه مزلول، منكسرًا، ولكن عزيمته حطمت حينما وقف "فهد" بكل كبرياء ليرفع صوته للحشد الذي نهض من مقعده ليستمع لكبيرهما:
_لو فكريني هقولكم انسوا اللي حصل تبقوا غلطنين، أني مغلطتش عشان أطلب ده أني ماليش عندكم غير اللي عملته وبس واديني واقف قداكم أهو ورأسي هتفضل مرفوعة، أني مخلفتش غير ابني آسر، كبيركم كلكم من بعدي وزي ما حكمت بينكم بالعدل وبشرع الله هيحكم، ربنا ما رزقنيش بالبنات بنتي الوحيدة ماتت...
واسترسل بثبات:
_خدوا واجبكم واقعدوا السهرة لسه طويلة، والفرح هيكمل.
ثم استدار تجاه "سليم" ليناديه بصرامة:
_سليم.
اسرع تجاهه وهو يجيبه:
_تحت امرك يا كبير..
قال وعينيه تتنقل بين الوجوه بعظمة:
_جهز بتك، هنكب كتابها على أحمد دلوقتي والسبوع الجاي الدخلة.
قرار حاسم اتخذه فهد حتى ينهي تلك المعضلة، فلم يناقشه أحدًا أو يعارضه، فكان قرار يصب في مصلحة الجميع، وبالنهاية لن يجد سليم أفضل من أحمد زوجًا لابنته حور، لذا ولج للداخل ليحضرها على الفور ومن ثم خرج بها أمام الرجال بعد أن قرر فهد أن يعقد القران بالخارج أمام الجميع، وصمم ان يشهد آسر عليه بنفسه، وفور أن انتهى الحفل غادر الجميع وولجوا جميعًا للداخل ليجد رواية تقف مقابله مستندة على ذراع تسنيم وتالين، لتسأله بصوت شاحب كحالها:
_فين بنتي يا فهد!
منحها نظرة قاسية قبل أن يرد عليها بهدوءٍ مخيف:
_بتك ماتت يا رواية، ومش عايز اسمع اسمها تاني..
وتركها وكاد بالصعود، فاعترضت طريقه لتصرخ بوجهه أمام ابنها وامام الجميع:
_يعني أيـــــــه!! ، انت هتسيبه كده ياخد بنتي وانت واثق انه هيأذيها!
رد عليها بصرامة وقسوة:
_هي اللي اختارت تتحمل نتيجة اختيارها ده.
وصعد للاعلى فاعترضت طريقه مجددًا وهي تسأله بانفعال:
_تتحمله ازاي! ، دي بنتك يا فهد هتسبها تدفع تمن العداوة اللي بينكم حتى لو هي غلطت. لا يا فهد عيالي مش هيدفعوا تمن اللي بين العيلتين أنت سامع، ولو أنت مش هترجعلي بنتي يبقى أنا اللي هعملها.
وكادت بالتوجه للخارج ولكنها توقفت حينما انطلق صوته يهز ارجاء السرايا:
_لو خرجتي من اهنه مش هتعتبيها تاني.
توقفت عن المضي قدمًا ثم استدارت تجاهه فوجدته صعد للاعلى، سقطت ارضا تبكي بحرقة وانهيار، يصعب عليها تحمل كل ذلك، أسرع آسر تجاهها فحملها وصعد بها لغرفتها ومن حولها اجتمعت نساء المنزل، يمنحوها صبرًا لما تجتازه.
أما بالاسفل.
فمازالت حور تجلس جوار أحمد بصدمة وعدم استيعاب لما حدث، لا تصدق بأنها الآن زوجته على سنة الله ورسوله، ما حدث كان شبيه بالدراما التي تقلب أحداث المسلسل بأخر دقيقة، فرفعت عينيها المرتبكة تجاهه لتجده يمنحها نظرة ساكنة، انقلبت لتعجب حينما وجدآسر يدنو منه ليجذبه من تلباب قميصه وهو يصيح به بشكٍ:
_أنت كنت عارف!
تطلع له بصمتٍ استنزفه، فحال بينهما يحيى وبدر الذي اشار لحور بالصعود للاعلى ثم صرخ به:
_هيعرف منين يا "آسر"!
تجاهل ما قاله وعاد ليسأله:
_رد عليا انت كنت عارف!
هز رأسه وهو يجيبه:
_أيوه عرفت باللي حصل من كام يوم ومكنش ينفع أتكلم ولا أنفذ للحيوان ده اللي هو عايزه.
تحررت يديه عنه، وجلس على أقرب مقعد وهو يحتضن رأسه الذي يفتل من فرط الصداع الذي يهاجمه، فجلس احمد لجواره وهو يستطرد بحزن:
_كنت مستعد اعمل أي حاجة عشان عمي ميتعرضش للي شافه بس مكنتش اعرف ان الكلب ده بيلعب عليها وعليا والعقد مطلعش مزور.
كز آسر على أسنانه وهو يردد بوعيد:
_ناري مش هتبرد غير لما أقتله.
أسرع اليه يحيى وهو يعنفه قائلا:
_هتودي نفسك في داهية يا آسر، وهتكسر كلام ابوك!
قال عبد الرحمن هو الأخر:
_الواد ده عقابه انه يتربى مش يتقتل، النار لو كلت فيه أهون من لما يتقتل.
هز بدر رأسه وهو يحيه:
_كلام عبد الرحمن صح وموزون والضربة الجاية ليه هتبقى على ايديا أنا ويوريني هيعمل أيه!
امتلأت نظراتهم بالوعيد القاتل له، لبستخدم كلا منهما عقله لاختيار وسيلة للمحاربة ستجعله يعض على أصابعه ندمًا عما فعله.
*******
عقلها كان مشتت لا يستوعب أي حدث مما يحدث حولها، فوجدت ذاتها بسيارة غريبة جواره، ومن ثم وجدته يجذبها بقوة لخارجها لتجد نفسها أمام سرايا غريبة عليها، وأصابعه تنهش بمعصها الذي يجره من خلفه جرًا على درج السرايا الخارجي لتجد نفسها بباحتها الداخلية، لم ترى عينيها جمال السرايا ولا أي شيء حولها سوى أعين تلك المرأة التي تلتهمها وكأنها ستبتلعها حية، ليقترب بها أيان منها ثم قال بنبرةٍ حملت فرحة وتباهي بانتصاره:
_وعدتك بأني هجبلك بنت فهد خدامة تحت رجليكي والنهاردة وفيت بوعدي.
وألقاها بكل قوته أسفل قدميها، فتأوهت روجينا بألمٍ شديد، فقبضت على خصلات شعرها بيدها لتجبرها على التطلع اليها،وبكل حقد قالت:
_والله والزمن دار بيك يا فهد وشرفك بقى في الوحل..
ثم استكملت بكره:
_انتي اللي هتسددي تمن اللي عمله جدك وابوكي، هتنهري بالنار اللي هما كانوا السبب فيها، مصيرك هتنامي جنب أختي في نفس القبر وساعتها بس جلبي هيرتاح وهدوق طعم النوم.
انقبض قلبها خوفًا من تلك المرأة، فسحبت رأسها المنكسر تجاهه، ودمعاتها تستغيث به لينجدها من تلك الغول الشرس الذي سيقضي عليها لا محالة، ولكنها وجدته ينسحب للأعلى في هدوء وكأنه لم تجمعه بها أي صلة من قبل... ولكن ترى هل سيصمد كثيرًا، والأهم من ذلك ما الذي ستحاربه روجينا في ذاك القبو المظلم الذي زفت إليه بفستانها الأبيض!
وترى ما المجهول الذي سيواجهه آسر بمفرده!
........... يتبع............
#الدهاشنة2..... #بقلمي_ملكة_الإبداع_آية_محمد_رفعت..
رواية الاربعيني_الاعزب. الورقية. متوفرة مع دار إبداع ❤ معرض بور سعيد بجراج ديليسبس باي أمام المركز الثقافي..
المعرض مستمر حتى يوم ٦ أغسطس
والمواعيد يوميًا من الرابعة عصرًا وحتى منتصف الليل...
وكمان تقدروا تطلوبها اون لاين من اي مكان 01001631173
****_____******
الدهاشنة 3 .. وخفق القلب عشقاً .. آية محمد رفعت الفصل الرابع 4 - بقلم آية محمد رفعت
#الدهاشنة3....(#وخفق_القلب_عشقًا.)
#الفصل_الرابع_والثلاثون.
إهداء الفصل للقارئة الجميلة/إلهام سيد ، شكرًا جزيلًا على دعمك المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنك يا جميلة...قراءة ممتعة 💙)
تمنت من كل قلبها لو استدار مرة ليتطلع عليها، عل قلبه القاسي يرق لها، ولكنه استكمل طريق دون أن يعبئ بها وبصراخ قلبها المسكين، تركها تواجه نظرات تلك المرأة الحاقدة، تركها تنازع في مكانٍ لا تعلم به أحدًا سواه هو... سوى من ألقى بها بالجحيم، ذاك الذي وهبته قلبها ونفسها وأغلى ما تمتلكه المرأة من لباس العفة، ليتها كانت تملك بعض القوة لتنهض على قدميها فتلحق به للأعلى، ولكنها عاجزة حتى عن الحركة التي قيدتها، ابتلعت "روجينا" ريقها الجاف بصعوبةٍ بالغة حينما نهضت "فاتن" عن مقعدها لتدنو منها، فتراجعت للخلف بخوفٍ شديد بينما انحنت الاخرى لتمتم بكلماتٍ ناقمة:
_اوعاكي شيطانك يلعب بيكي وتفكري تهربي، ده قبرك الاخير ومفيش ليكي غيره.
ثم ابتسمت وهي تسترسل بسخريةٍ:
_وتبقى هبلة لو فكرتي ان ولدي هيبصلك ولا كان هيحبك.
ولطمت بيدها على صدرها وهي تخبرها بغنجهيةٍ:
_أني اللي ربيته وربيت جواه الكره لعيلتك كلتها، ومن سابع المستحيل انه يحب المرة اللي عيلتها كانت السبب في موت أمه.
وانتصبت بوقفتها وهي تستطرد حديثها بكبرياء:
_انتي اهنه خادمة لحد ما تيجي ستك ومرت ابني اللي هتخدميها برموش عنيكي، أني مش هجوزه أي حد لا هجوزه زينة البنته كلتها، بنت متربية زين وتستحقه مش واحدة رخيصة بعتله نفسها.
ترقرقت الدموع بعينيها وهي تستمع لتلك الاهانات اللازعة، فالمرأة هي التي تجبر الجميع على احتراماها حينما تكن عفيفة وتصون ذاتها، حينها سيحترمها الجميع، كيف ستحتمل تلك المعاملة المهينة في هذا المنزل، والأهم من ذلك كيف ستتحمل رؤيته وهو يتزوج أخرى، الأمر بأكمله عذاب حتى وان كان مصنف فبالنهاية يتشارك بالوجع، صعدت "فاتن" الدرج وهو تخبرها بحزمٍ قاسٍ:
_اتخمدي في أي حتة لحد بكره الصبح، ويا ويلك لو صحيت من نومي وملقتكيش محضرة الفطار هسلخ جلدك.
انتفض جسدها حينما استمعت لصراخها وأوامرها القاتلة، فضمت جسدها اليها وهي تبكي بانهيارٍ، اشتاقت بتلك اللحظة لعائلتها، ودت لو احتضنتها أمها، تمنت لو كان أخيها لجوارها فمن المؤكد بأنه لن يسمح لأحدًا باهانتها، تذكرت كيف كان يخشاها الجميع كونها ابنة كبيرهما، فلم يجرأ أحدًا على رفع عينيه بها، هي الآن منكسرة وبحاجة لمن يضمد جروحها النازفة..
*********
حينما تنجرف خلف جانبك المظلم وتتبع أهواك التي حاربك بها الشيطان، ربما ستجد العالم بأكمله يحاربك الا شخصًا واحد سيذبح فؤاده لأجلك أنت، حتى وإن لم تكن على درب الصواب، ذلك الشخص لطالما تحمل أعباءك وخطاياك، فإن كان تحملك حينما كنت ضعيفًا تتعلم الخطى كيف سيتخلى عنك الآن!
انظر الآن جوارك وأخبرني من التي تتمسك بيدك حينما يقهرك الزمان؟ ، أجل أنت على صواب فهي الأم.. نبع الحنان وطاقة صبر لأخطاءك، كذلك كان حال "رواية" لن يدرى بها أحدًا سوى سيدات منزلها، لذا لم تتخلى عنها "ريم" ولا "نادين" بالرغم من الموقف الحساس الذي تختبره هي وعائلتها بعدما أصبحت ابنتها زوجة لأحمد بين ليلة وضحاها، ساعات ظلوا بها لجوارها إلى أن خرجت عن نطاق صمتها حينما قالت بصوتها الشاحب:
_أنا عايزة أكون لوحدي، سبوني أرجوكم.
ردت عليها "ريم" وهي تمسد على ظهرها:
_ليه يا راوية أحنا عايزين نكون جارك.
أطبقت بجفنيها على تلك الدموع الحارقة التي تبتلعها بينهما ثم قالت:
_أنا محتاجة أكون لوحدي شوية يا ريم، عشان خاطري اطلعوا.
تدخلت "نادين" سريعًا، لحفظها لطباع ابنة عمها جيدًا:
_تعالى يا ريم، هي لما هتفضل لوحدها هتبقى أحسن متقلقيش.
انصاعت إليها وخرجت معها، فتمددت "رواية" على الفراش بانهيارٍ، فقلبها يذبح ألمًا لما ارتكبته ابنتها من جريمة بحقها وبحقهم جميعًا، وإن كانت مخطئة فبالنهاية هي ابنتها الوحيدة ولن ترضى أبدًا بأن تتأذى في تلك السرايا المظلمة التي خيم الظلم بأركانها، ومن المؤكد بأنه سيطول ابنتها الضحية، نهضت "رواية" عن الفراش ثم ارتدت حذائها لتسرع تجاه غرفة "فهد" التي تحمل عدد طائل من الكتب الذي يعشق الانفراد بالساعات، حررت مقبض بابها ولكنها تفاجئت بانغلاقه من الداخل، لذا صاحت به بهدوءٍ عكس تعصب نبرتها:
_افتح الباب ده يا فهد، أنا عايزة أتكلم معاك في حاجة مهمة.
كان يعلم بأنها تلجئ لأي حجة حتى يفتح بابه الموصود، فبالنهاية لن يكون هناك ما تتحدث عنه الا ما حدث اليوم، ومهما هرب ستكون مواجهتها أمرًا أساسي، لذا فتح الباب ثم تحرك ليقف بمنتصف الغرفة وظهره يقابلها، اتبعته رواية للداخل بعدما أغلقت الباب من خلفها، وحينما استدار وجدها تقفت خلفه تفرك أصابعها في توترٍ، وكأنها ذات الفتاة التي ولجت لمنزله حينما كان عمرها لا يتعدى الثالثة والعشرون، لم يتغير بها شيئًا من طباعها ربما تغير شكلها ولكنها مازالت كما هي، فقرر قطع حيرتها بما تبحث عنه لقوله حينما قال بلهجتها:
_لو جاية تكلميني عن اللي حصل من شوية يبقى الافضل توفري كلامك يا رواية أنا مش هتراجع في كلامي.
دنت منه خطوة وهي تردد ببكاءٍ حارق:
_دي بنتك يا فهد، معقول هتتخلى عنها بالبساطة دي!
ابتسم بسخرية يخفي من خلفها ألمًا عظيم:
_بنتي كسرتني ولطخت شرفي مع كلب ولا يسوى.
دنت خطوة أخرى وهي تذكره ببكاءٍ:
_لعب بيها يا فهد، أنت عارف انها مشتتة وأي كلمة بتوديها وبتجبها.
أظلمت عينيه، وكأنها بيدها أبادت سكنة هدوئه:
_ده عذر أقبح من اللي هي عملته، هي لو كانت متربية كويس مكنش قدر يطول منها نظرة واحدة مش يتجوزها ويخلف منها!
جحظت عينيها في صدمةٍ:
_قصدك أيه، انا معرفتش أربيها!
تطلع لها بحزنٍ قبل أن يرد عليها:
_مش برمي عليكي ذنب اللي حصل يا رواية، لان احنا الاتنين غلطتنا واحدة، لما بعتناها القاهرة ومكنتيش انتي جنبها على الاقل أغلب الوقت.
انهمرت دمعاتها تباعًا وهي تخبره:
_أخوها وولاد عمها كانوا جنبها طول الوقت، هو اللي لعب عليها ووقعها يا فهد، ودلوقتي لازم تطلعها من اللي هي فيه.
هز رأسه بيأسٍ، ثم قال:
_مبقاش في مبرر هيغفرلها اللي عملته، ثم إنها اللي إختارت يبقى تتحمل نتيجة اختيارها ده..
واستدار بجسده تجاه الشرفة وهو يخبرها بقسوةٍ:
_هي بالنسبالي ميتة والميت مبيرجعاش للحياة تاني، أنا سمحتلك تدخلي عشان تسمعي النهاية بالموضوع ده وتبطلي تفتحيه تاني، إحنا معندناش بنات..
قذفتها الدموع بألسنة من النيران التي حرقت خدها، فاتجهت إليه ثم انحنت وجلست أرضًا وأمسكت بيديه قائلة من وسط بكائها:
_متعملش فيها كده يا فهد، أنت عمرك ما هيجيلك قلب تعيش وأنت عارف ان بنتك بتتهان في البيت ده.
مازال يقف شامخًا أمامها، لا يستجيب لتواسلاتها، فعادت لتسترسل بدموعٍ:
_أنت وعدتني انك هتحمي ولادنا من التار ده، ولازم توفي بوعدك يا فهد.
انحنى بجسده تجاهها، ثم رفع وجهها بيديه معًا، ليزيح عنها دمعاتها ونظراته تتطالعها لدقائقٍ قبل أن يقطعها نبرته الصارمة:
_هي تستحق ده، لازم تتعلم إن القرار اللي هتاخده من غير ما ترجعلنا فيه هتتحمل عواقبه لوحدها زي ما اختارته بارداتها.
أغلق عينيها بألمٍ، ثم فتحتهما على مهلٍ وهي تجاهد وجع صدرها الذي استدرجها:
_أنا مش هقدر أتحمل كل ده، دي مهما كانت بنتي يا فهد!
شدد من ضغطه على وجهها وهو يخبرها:
_لا هتستحملي وهتنسيها.
بكت بصوتٍ مسموع، فأبعدت يديه عنها فعاد ليحتضن وجهها من جديد، فدفعته تلك المرة بقوةٍ وهي تصيح بشراسةٍ:
_أنت ازاي بالبرود ده! ، بتقولي انسيها وكأنها واحدة صاحبتي وغلطت فيا!
وبصراخٍ عنيف صاحت بوجهه:
_دي بنتي عارف يعني بنتــــــي!
تمرد عن هدوئه تلك المرة ليفرغ ما كبته خلف قناعه البارد:
_عايزاني أقولك أيه!، بنتك اللي بتدافعي عنها دي كسرتني وحطت رأسي في الأرض قدام البلد كلها، خلتني ولأول مرة عاجز اني أرفع عيني في عينهم، بنتي اللي المفروض تعززني وتعزز شرفي خلتني مهزوم قدام عيل من دور عيالي وفي الأخر منتظرة مني أيــــــــــــه!
انسابت دمعاتها وتلك المرة حزنًا على ما يخوضه زوجها، فدنت بجلستها منه قليلًا، ثم تطلعت ليديه الموضوعة على أرضية الغرفة بتفكيرٍ أستغرق دقيقة قبل أن تمد يدها لتحتضن يديه، فرفع عينيه تجاهها ليجدها تواسيه بنظراتها حتى ان لم تمتلك جرءة الحديث الذي سيعيب ابنتها، وربما سيقسو قلبها أكثر باتخاذ القرار، لذا بعد تفكير منها وجدت بأنها ستكن جوار زوجها لترمم جرحه وحينها ستحظى بفرصة تطيب قلبه ودفعه لانقاذ ابنتها، لذا عليها الان التوقف عن الحديث بما حدث، على الأقل حتى تهدأ عاصفته، تطلع لها فهد بنظرة عميقة، فوجدها تهمس ببكاءٍ:
_أنا السبب، ياريتني كنت جنبها طول الوقت مكنتش هسمح للكلب ده انه يأذيها كده.
قرب يديه منها ليضمها لصدره، فدفن أوجاعه بينهما، كان بحاجة لها بذلك الوقت قبل أن تكون هي بحاجة له، فما حدث كسر كبريائه حتى وإن ظل متماسكًا أمام الجميع..
********
ظلت محلها لأكثر من ساعة كاملة، لا تعلم إلى أين تذهب، اسندت "روجينا" رأسها على المقعد المجاور لها ودموعها تهبط في صمتٍ، والأصعب من ذلك استسلامها لما يحدث، فباتت تعترف لنفسها بأنها تستحق كل ذلك، هي من جنت على نفسها حينما سمحتله بالاقتراب، حاولت الاسترخاء قليلًا فبطنها تعتصرها ألمًا من فرط أعصابها المشدودة منذ الصباح.
فتحت "روجينا" عينيها بهلعٍ، حينما شعرت بأحدًا يهبط للأسفل، دعت الله بأن لا تكون تلك السمينة الحاقدة، فتفاجئت بفتاة تقترب منها، وعلى ما يبدو بأنها باواخر العقد الثاني من عمرها، شعرها أسود مموج، وتتطلع إليها بعينيها السوداء البريئة، رأت بعينيها شفقة وحنان غريب غير مسبوق لها بالاحساس به داخل هذا المنزل المقبض، اقتربت منها "ناهد" ثم انحنت تجاهها، وقالت بابتسامةٍ رقيقة:
_تعالي أطلعي معايا اوضتي، مش هتعرفي تنامي هنا.
رفعت حاجبيها وهي تتساءل بدهشةٍ:
_انتي مين؟
أجابتها بهدوءٍ:
_أنا بنت خالة "أيان"، واسمي"ناهد".
رددت بتعجبٍ:
_ناهد!
ابتسمت وهي توضح لها:
_أيوه ماما سمتني على اسم خالتي الله يرحمها.
هزت رأسها ببطءٍ، فلم يعنيها الامر كثيرًا كل ما تحتاج إليه هو بعض الراحة التي ستهون عليها مشقة هذا اليوم الذي لن تنساه أبدًا، اتكأت"روجينا" بيدها على المقعد ثم حاولت النهوض، فهاجمها دوار حاد كاد بأن يطرحها أرضًا، أسرعت ناهد بمسك يدها ثم قالت بلهفة:
_أنتي كويسة؟
تطلعت لها روجينا بتشتتٍ، لا تعلم ان كانت تستحق أن تثق بها فتخشى أن تخدعها مثلما فعل أيان من قبل، صعدت معها للأعلى والاخيرة متشبثة بيدها وتساندها حتى وصلت لغرفتها.
كانت غرفة عصرية للغاية، لا تشبه للسرايا ذات الأساس التقليدي، وكأنها صنعت لنفسها عالم غربي خاص بها، اتبعت خطاها حتى جلست على طرف الفراش، فتركتها واتجهت للخزانة لتجذب بيجامة من الستان الابيض ثم قدمتها لها وهي تشير على الباب الجانبي:
_غيري الفستان ده عشان تعرفي تنامي.
التقطت منها الملابس، ثم تطلعت لها بحيرةٍ انتصرت عليها حينما اخرجت ما تكبته من فضولٍ:
_مش خايفة مامتك تعاقبك على مساعدتك ليا؟
منحتها ابتسامة صافية، ثم جلست جوارها وهي تخبرها بحزنٍ التمسته روجينا:
_ماما زمان هي اللي كانت بتعلمني أساعد أي حد محتاج لمساعدتي.
ردت عليها روجينا ساخرة من قولها:
_أي حد الا أنا وعيلتي طبعًا.
سكن الحزن بحدقتيها، فجاهدت تلك الغصة التي هاجمتها، حتى تحرر صوتها أخيرًا:
_مش عارفة ألوم مين في كل اللي بيحصل ده، أنا عمري ما شوفت ماما تعيسة ولا مقهورة كده غير بعد وفاة خالتي...
والتقطت نفسًا مطولًا قبل أن تخبرها:
_خالتي كانت بالنسبة لماما كل حاجة، اختها وبنتها وصاحبتها وكل حاجة، الفرق بينهم كان كبير لما جدتي توفت ماما كانت لسه متجوزة جديد أخدت خالتي وربتها هنا في السرايا دي، ولما كبرت جوزتها سلفها عشان تكون معاها في بيت واحد ومتفرقهاش.
وابتسمت وهي تستطرد:
_تخيلي ناس كتيرة عيرت ماما بالخلف لانها اتجوزت 15سنة ومكنش معاها اولاد، بس فرحتها بحمل خالتي نساها كل ده، لان الناس لما كانت بتشوف حبها لايان كانوا بيفكروه ابنها هي مش ابن اختها....
وزفرت ما علق بصدرها وهي تخبرها بألم:
_انا اتولدت لقيت أمي بتحب خالتي أكتر من نفسها، لدرجة انها لما كانت بتتعب كان هي اللي بتتوجع، وحياتنا كلها اتقلبت في اليوم اللي رجعت فيه البيت بالشكل ده، جسمها كله كان متشوه ومقتولة بشكل بشع، ماما اتقتلت معاها في نفس اليوم، مبقتش اشوف ضحكاتها على وشها، كل اللي كان نفسها فيه هو الانتقام من اللي عمل كده في خالتي، وطبعا اجبرت بابا انه ياخد بتارها وقتل جدك بس بعدها باباكي انتقم منه وقتله، من اللحظة دي وهي شايفة ان أيان الاحق انه ياخد تار امه، ربيته وهي بتزرع جواه حب الانتقام، مكنش بتعدي لحظة عليه من غير ما تفكره باللي حصل لامه من وهو طفل، كانت كل يوم بتاخده الحديقة تحت عند قبر خالتي اللي صممت تدفنها هنا جنبها... أيان معش طفولته زي أي طفل، أيان شال حمل كبير مكنش يقدر طفل عنده سبع سنين انه يشيلها!
بدت متخبطة بما تستمع اليه، فسألتها باستغراب:
_بس اللي مش قادرة افهمه ازاي جدي هيعمل كده مع واحدة من دور عياله!
أجابتها بحيرة:
_مش عارفة، بس اللي سمعته انهم كانوا بيحبوا بعض ولما اتقدملها ماما موفقتش عشان فرق السن وعشان كمان جدك كان متجوز وابنه كان على وش جواز!
انهمرت دموعها على وجنتها وهي تردد بانكسار:
_وأنا أيه اللي يربطني بكل ده، ليه يكسرني ويكسر قلبي كده، لو كان عايز ينتقم كان قتلني أرحملي الف مرة من العذاب ده.
عادت الشفقة تخيم على عينيها، فربتت على يدها بحنوٍ وهي تخبرها:
_قومي غيري هدومك وبلاش تفكري كتير في اللي حصل ده،.
ثم أخفضت صوتها وهي تخبرها بحرصٍ:
_ومتقلقيش أنا هحاول أهربك من هنا.
أمسكت يدها بلهفة:
_بجد؟
أومأت برأسها بتأكيدٍ:
_بجد، بس لازم تديني فرصة لحد ما اقدر أعمل ده.
رسمت الابتسامة على وجهها من وسط سيل دموعها، فحملت ما بيدها ثم ولجت لحمام الغرفة ومن ثم أزاحت عنها فستانها الأبيض الذي تطمح به أي فتاة، لترتدي ما قدمته لها، ثم خرجت لتتمدد على الفراش بتعبٍ شديد.
******
بغرفة "آسر".
كانت تراقبه بحيرةٍ من استكشاف ما يحدث معه، فما أن صعد لجناحه وهو جالس أمام حاسوبه لساعاتٍ طويلة، حتى أنه لم يشعر بوجودها قط، بدى إليها بأنه يفعل أمرًا هام، خاصة بأنه يتلقى مكالمة كل نصف ساعة من" يحيى" و"بدر"، فظنت بأنهم يستعدون لفعل شيئًا خطير، فجاهدت فضولها النابع بداخلها حينما حملت الطبق الذي أعدته إليه، ثم اقتربت بترددٍ منه، فوضعته أمامه ثم قالت بتوترٍ:
_أنت مأكلتش من الصبح.
رد عليها دون أن يرفع عينيه عن حاسوبه:
_ماليش نفس.
بللت شفتيها بارتباكٍ:
_بس آآ... أنت م....
قاطعها حينما أمرها بلهجةٍ حازمة:
_قولتلك ماليش نفس، ولا لازم صوتي يعلى عشان تقتنعي!
حملت الطبق عن سطح مكتبه بخوفٍ من حدة حديثه، ثم اتجهت لفراشها لتجتنب مشادة الحديث فيما بينهما وخاصة بأنها تعلم ما يمر به في تلك اللحظة، لذا لم تحزن لتعصبه عليها بل كان يغلبها الحزن لما يشعر به في تلك اللحظة التي لا تتمناها لأحدًا.
غرق "آسر" بما يفعله لساعاتٍ حتى انتهى أخيرًا، فأغلق حاسوبه وهو يردد بتوعدٍ:
_انت اللي ابتديت، قابل بقى.
ونهض عن مقعده ثم اتجه للسرير، فاستلقى لجوارها ليتفاجئ بها تتطلع إليه بعينٍ يقظة، فتساءل بذهولٍ:
_أنتي لسه منمتيش؟
قالت والدموع تغرق عينيها:
_هنام ازاي وأنت صاحي!
منحها نظرة حنونة، فجذبها لأحضانه ويديه تربت على ظهرها حتى تستكين بنومتها على صدره، وهمس بحزنٍ:
_متزعليش من طريقتي معاكي في الكلام، أنا مش قادر أشوف أي حاجة غير اللي عمله الكلب ده.
تعلقت به مثلما اعتادت، ثم أجابته بصوتها الناعس:
_أنا زعلت لإني مش قادرة أخفف عنك اللي أنت فيه.
رسم ابتسامة شبه باهتة وهو يجيبها:
_متقلقيش عليا، أنا بعرف أسيطر على نفسي كويس.
وأغلق الضوء المجاور له، ثم أغلق عينيه باستسلامٍ:
_نامي...
كلماته كانت مبهمة للغاية، وربما أكدت ظنونها بنيته لفعل شيئًا خطيرًا، سئمت من التفكير في الأمر وبالنهاية استسلمت لدفء أحضانه فسرعان ما غفت بين ذراعيه هي الأخرى..
*********
نسمة هواء الفجر يلفح الأنفس، بنقائه فمازال الناس في غفوة وعينيه ترفض النوم، إلى أن ضاق الأمر به فهبط للأسفل قاصدًا الحديقة أمام منزله، وبالأخص ذاك الركن المنفرد بعيدًا عن الأشجار، ألقى بثقل جسده أرضًا وهو يحاول التقاط أنفاسه بمعدلات ثابتة، وحينما لم يستطيع أخرج ما به، فارتمى بذراعيه على الحجارة من أمامه ليخرج ما كبت بداخله من أهات شقت صدره ولسانه يردد بتردد لما يجتاحه:
_عشت طول عمري عشان اللحظة اللي أرجعلك فيها حقك، بس كنت فاكر أن النار اللي جوايا دي هتنطفي، كنت فاكر اني هرجع أعيش حياتي اللي اتحرمت منها، بس للاسف محصلش أنا اتكويت بنار تانية، جوايا وجع ملهوش وصف.
وارتد "أيان" بجسده للخلف وهو يشير على صدره:
_قلبي أنا اللي وجعني مش قلب فهد، أنا مش عارف اذا كان اللي عملته صح ولا غلط بس صدقيني كنت مستعد اعمل أكتر من كده عشان أنتقم من اللي أذوكي..
وأزاح دمعاته بكره لرؤياها، وهو يستكمل حديثه بتعصبٍ:
_أنا مينفعش أحس بحاجة ناحيتها، مينفعـش، دي بالنهاية من نسل اللي اذوكي، لازم أفوق من وهمي ده، مستحيل يكون جوايا حب ليها.
وزحف بجسده للخلف حتى استند على جزع أحد الأشجار، فأغلق عينيه وهو يهمس بخفوتٍ:
_هكرهك زي الحياة اللي عشتها وأنا مفروض عليا أني أواجهها، هكرهك لأخر عمري!
وعد بالكره اتخذه من جوار قبر والدته، لا يعلم بأن خلف كلامه نفور لما يردده، خلف ما يدعيه قلبًا خفق عشقًا لها!
******
بزغت الشمس كقبلة باسمة على ثغر الصباح، لترسم نهارًا مختلفًا كثيرًا عما يسبقه، فشعرت "روجينا" بشيئًا حاد يلكز خصرها، ففتحت عينيها بانزعاجٍ فانتفضت من محلها بفزعٍ حينما وجدتها تقف مقابلها وتحدجها بنظراتٍ قاتلة، اتبعها قولها الشرس:
_بسلامتك لسه نايمة، أني مش منبهة عليكي تقومي من بدري ونجهزي الوكل!
ارتجفت خوفًا مما ستلاقاه، فوجدتها ترفع عصاها الغليظة لتهوي بها على ذراعيها العارية، فاحدثت جرحًا بليغًا، تأوهت ألمًا وهي تترجاها:
_راحت عليا نومة والله، هنزل حالا أعملك اللي عايزاه.
اتاها ردها اللازع:
_مش بكيفك يا حببتي، هتنزلي غصبن عنك وعن اللي خلفوكي.
خرجت "ناهد" من حمام غرفتها سريعًا حينما استمعت لصوت صراخها، فانصدمت حينما وجدتها تعتدي بالضرب المبرح عليها، حالت بينهما سريعًا وهي تصرخ بوالدتها:
_حرام عليكي يا ماما، بتضربيها وهي حامل!
دفعتها بعيدًا وهي تشير لها بتحذيرٍ:
_متتدخليش انتي، خليكي بره أحسنلك..
ثم دفعت روجينا تجاه باب الغرفة وهي تشير لها:
_٥دقايق لو نزلت ملقتش الفطور جاهز وقسمًا بالله لأنسل لحمك ده تنسيل سمعاني.
أشارت لها عدة مرات ثم قالت بتوسل:
_هنزل بس اديني اي حاجه البسها.
فالبيجامة التي ترتديها كانت تصل لمنتصف ذراعيها، وحتي لم تكن ترتدي حجابًا تخفي بيه شعرها، ابتسمت بتسلية:
_هتنزلي اكده وان كان عاجبك.
انصاعت لكلماتها وهبطت سريعًا للأسفل، فالتقطت ناهد اسدال للصلاة الخاص بها ثم كادت بالهبوط من خلفها ولكن اعترضت والدتها طريقها، فجذبت ما بيدها وهي تصرخ بوجهها:
_قولتلك متتدخليش في اللي بيحصل اهنه والا من بكره الصبح هحجزلك على أول طيارة سامعة؟
خشيت بأن تفعل ما تقول، فهي تعلم والدتها حق المعرفة، لذا تراجعت للخلف بخوفٍ واستسلامًا لرغباتها، فهي تعلم إن أصرت والدتها بسفرها لن يستطيع أحدًا أن يقف أمام قرارها.
******
بالرغم من وجود الكثير من الخدم بالمطبخ الا أن جمعيهم خشوا مساعدتها في الحصول على الأغراض الاساسية لتحضير الطعام، الجميع ملقن بالتعليمات تجاه معاملتهم تجاهها، حتى وإن لم يكن البعض على اقتناع بما يحدث معها، فكان أغلبهما يشفقون على حالتها، وبعد عناء انتهت "روجينا" من وضع الطعام على الطاولة المقابلة للمطبخ، وكان الطبق الذي تحمله أخر ما تبقى، فخرجت لتضعه على المائدة وحينما استدارت لتستعد للعودة للمطبخ شهقت فزعًا حينما وجدت عدد من الرجال يحيطون القاعة، لأول مرة ينتابها الشعور بالعري، فأخذت تشد من (كم) البيجامة لتخفي ذراعيها ويدها الاخرى تخفى خصلات شعرها المنفرد، وكأن تلك اللعينة أمرتهم بالدخول لأجل ذلك، لتجعلها تشعر بأنها مباحة للجميع، هرعت للداخل لتحتمي بين حوائط المطبخ، وعينيها تبكي في صمتٍ تام، فمرت أكثر من ربع ساعة ومازالت تختبئ من الأعين، إلى أن أتاها صوت تلك المرأة الكريه تأمرها باستنكارٍ:
_فين الشاي!
كزت على أسنانها غيظًا لما تتعرض له من مهانة، ونهضت لتضع قدر من المياه على النيران، ثم وضعت الأكواب على الصينية وما أن غلت المياه حتى وضعتها على الصينية جوار السكر، وحملته وخرجت إليهما، فتوقفت عن المضي قدمًا حينما رأته يجلس على رأس المائدة، نظراتها المتحسرة جابته وهو يشغل ذاته بتناول الطعام، فارتعش جسدها حينما عادت فاتن لتصرخ بها:
_لساكي واقفة عندك، همي.
أسرعت بخطواتها لتضع الصينيه بمنتصف المائدة ثم كادت بالعودة سريعًا حتى تحتمي من نظرات هؤلاء الرجال القذرة، فاستوقفتها كلماتها اللازعة:
_مستنياني أصبه! .
ترجتها بنظراتها ان تتركها تغادر ولكنها لم تجد رحمة بداخل أعماقها، لذا اقتربت لتسكب بالاكواب، خيل إليه تلك العلامات التي تكتسح يدها، فرفع أيان عينيه تجاهها، فأطبق باسنانه على شفتيه السفلى حينما وجد ذراعيها يملأها آثار الضرب، ومع ذلك حاول ان يستكمل طعامه، ولكن نظراتها تجاه رجاله جذبت انتباهه، فتطلع الى ما تتطلع اليه ليجدهما يفترسونها بأعينهم، كونه رجلًا يعلم بنظرات رجل مثله، لم يحتمل ذلك فنهض عن مقعده ليردد بانفعالٍ شديد:
_مش عايز أشوف كلب فيكم هنا، وبعد كده اللي هيبص على واحدة من حريم بيتي هيمشي بعين واحدة.
ما أن انتهى من أوامره حتى اختفوا من أمامه، شعرت "روجينا " في تلك اللحظة بأن قلبها يتخبط بما يختبره بشعورٍ تجهله.
_روحي نضفي البيت كله، وخليه يبرق.
صوتها جعلها تفق على حقيقة الواقع الملموسة لذا انسحبت من أمامهما بهدوءٍ لتفعل ما أمرتها به، فور رحيلها أسرعت فاتن لتقف مقابله، لتسأله بخوفٍ ملموس:
_همك أمرها!، أوعاك تكون نسيت تارك وحبتها يا ولدي ده حساب ولزمن تاخده!
رفع عينيه الرمادية تجاهها بصمت مزقه حينما قال بغضب ملموس:
_لا منستش، بس حضرتك اللي نسيتي انها في الاول وفي الاخر مراتي يعني شرفي وعرضي، ومش هستحمل اي حيوان يبصلها نظرة قذرة زي دي، فياريت تخلي بالك من النقطة دي كويس.
وتركها وصعد للأعلى، والاخيرة تراقبه بنظرة سكن بها الشك والخوف من القادم..
*******
بسرايا "الدهاشنة"
أراد "فهد" من الجميع التجمع على الفطار حتى يضم العائلة ويتناسى الجميع ما حدث بالأمس، وبالفعل لبى الجميع طلبه واجتمعوا على المائدة، فكانت فرصة لم تحسبها تلك التي لم تذق طعام النوم، فكيف لعقلها أن يستوعب أن من عشقته وتمنته من الله أن يكون زوجًا لها بين ليلة وضحاها، ويا لحظها حينما سحب المقعد الذي يقابلها ليجلس أمام عينيها المزدحمة بالكثير من الحديث، شعر بها "أحمد" وود أن يعلم ما بداخلها، لذا سحب هاتفه ليراسلها برسالة وصلت لهاتفها، ففتحته لتجده أرسل لها
«هشوفك في الجنينة بعد الفطار.»
رفعت نظراتها المرتبكة عن الهاتف تجاهه، ثم هزت رأسها اليه بالمواقفة، تناول الجميع الطعام في جو من السكون، وكأنهم فقدوا مذاق الحديث مما حدث بالامس، فمازال يترك أثره العميق على الجميع وبالأخص رواية، أما آسر فمال على بدر وهو يتساءل باهتمام:
_طمني عملت أيه؟
همس له بابتسامة فخر:
_عيب عليك، منمتش غير لما وصلت لرقمهم وما صدقوا اننا نعرض عليهم العرض ده..
وعاد ليستقيم بجلسته حتى لا يثير الشكوك، ثم مال عليه مجددًا ليسترسل قائلاً:
_يحيى قام بالواجب ومنمش طول الليل، ساعتين تلاته كده وهتلاقي صاحبك بيعيط زي الحريم.
منحه آسر ابتسامة شامتة:
_يستاهل، عشان يبقى يلعبها صح بعد كده.
قال الاخير بحماسٍ:
_ولسه..
******
انسحب "أحمد" أولًا للخارج، فلحقت به "حور"، لتجده يجلس على الطاولة القريبة من الاسطبل، فسحبت المقعد المقابل له ثم جلست تتطلع له بارتباكٍ، طال الصمت بينهما وكلا منهما يترقب الاخر بالحديث، فكان لاحمد القرار الاخير حينما قاطعه قائلًا:
_حور أنا عارف ان اللي حصل كان خضة غير متوقعة لينا، بس خليني أقولك آن دي أحسن خضة أنا اتخضتها في حياتي..
وتعمق بالتطلع لها وهو يسترسل:
_زي ما يكون ربنا حب يكافئني على اللي كنت هعمله وقدمك ليا على طبق من دهب.
اربكتها كلماته ونظراته الجذابة تجاهها، وما زادها ربكة فوق ربكتها حينما مد يديه ليحتوي يدها الموضوعة على الطاولة وهو يخبرها بحبٍ:
_جوايا كلام كتير أوي اتحرمت من اني أقولهولك لانك مكنتش ليا بس دلوقتي خلاص يا حور بقيتي مراتي..
ارتجفت أصابعها بين يديه، فخرجت حروفها مذبذبة:
_أحمد أنا آآ....
ربكتها عن استكمال ما ستقول جعلته يتساءل باستغراب:
_انتي أيه!
وضعت عينيها أرضًا وهي تجاهد دموعها، ولكنها انتصرت بالاخير فقالت بصوت متقطع من فرط بكائها:
_أنا كنت بدعي ربنا على طول انك تكون ليا، حتى وأنا عارفة اني أنانية لما بطلبك لنفسي وأنت المفروض تكون مع روجينا، كان غصب عني قلبي مكنتش قادرة أجبره يبطل تفكير فيك..
قرب مقعده منها، ليردد بلهفةٍ وسعادة تسبقه:
'وأيه كمان كملي..
ابتسمت على حماسه الزائد، فسحبت يديها منه بخجلٍ:
_دول الكلام اللي طلع بس، بعد كده هتلاقي الباقي بيطلع من نفسه.
ضحك حتى أفتك بقلبها، ثم قال:
_وأنا مش مستعجل قدامنا العمر كله مع بعض يا حور..
سكنت الفرحة عينيها، فاكتفت بنظرة شملت معاني مختصة بالحب اليه حتى وإن لم ينطقها لسانها، فعشقهما كان هوس، وبات الآن حقيقة مصرحة!
********
انتهت روجينا من تنظيف الطابق السفلي ثم صعدت بانهاكٍ لترتب الطابق العلوي، فأول غرفة فتحتها ثم ولجت تحمل المكنسة بين يدها وكادت بالقيام بمهامها، فما أن وجدته يتمدد على الفراش حتى حملتها لتتجه للخارج، نهض "أيان" عن محله ثم قال:
_استني.
توقفت عن المضي قدمًا، لتضع ما بيدها أرضًا، فوقف خلفها ثم قال:
_مش بكلمك!
التفتت تجاهه ثم قالت بكره سبق عينيها قبل لسانها:
_نعم تؤمر بحاجة أنت كمان، لو عايزني انضفلك الاوضة يبقى تتفضل برة لما أخلص.
اقترب منها حتى صار يقف مقابلها، فرسم ابتسامة ساخرة وهو يقول:
_شايفك استسلمتي للامر الواقع بسرعة، ودي مش عادتك يعني انتي طول عمرك عنيدة.
حدجته بنظرةٍ منكسرة قبل أن تنتقل لنبرتها:
_البركة فيك، حياتي كلها بقت زي الجحيم من يوم ما انت دخلتها فمش فارقة.
قال بابتسامةٍ ساخرة:
_وحياتك قبلي كانت بينك وبأجنحة!
منحته نظرة حاقدة، فدنا منها وهو يردد بغضب:
_طول عمرك وأنتي كارهة حياتك، لا حابة وجود مامتك ولا أحمد ولا تحكمات اخوكي وأبوكي..
انهمرت الدموع من عينيها، فقالت بقهر:
_كنت غلط، بفضلك اكتشفت اني كنت غلط، ودلوقتي نفسي ارجع لحضن أمي وأحس بوجود ابويا وأخويا اللي كنت بتحامى فيهم... أنا خسرت كل حاجة بسببك..
ثم تركته وكادت بالرحيل ولكنها استدارت لتخبره بوجع:
_عمري ما هسامحك على اللي انت عملته فيا، مالكش في قلبي غير الكره والحقد، كل الحب اللي جوايا ليك اتقلب لكره مالوش أخر.
وتركته وكادت بالخروج فوجدت ذراعيه تجذبه اليه بقوةٍ ألمتها، وكأنها أشعلت بكلماتها النيران بداخله، فيرى بأنه يحق له كرهها ولكنها لا يحق لها ذلك، حاصرها بين باب الغرفة وذراعيه ثم اقترب منها وهو يتساءل:
_بتكرهيني!
ارتبكت من نظراته التي تسبر أغوارها المغلقة بحجة الكره الزائفة، فكادت بأن تخدع ذاتها بذلك ولكن ليس قلبها الذي يخفق لقربه، شعر أيان بأن هذا القرب ليس خطير عليها هي بل على مشاعره التي تطالب بالمزيد، فكادت بأن يقترب لينعم برحيقها ولكنه تفاجئ بها تدفع جسدها لتجلس أرضًا أسفل أقدمه، لتردد بدموعٍ اكتسحت ضعفها أمامه:
_أنت عايز مني أيه، لسه بتحاول تكسرني حتى بعد كل اللي عملته ده ، انت شيطان؟
انحنى تجاهها، فوجد ذاته يزيح دمعاتها ثم حملها للأريكة ليغيب عن أنظارها لثوانٍ، ومن ثم عاد بعلبة الاسعافات الاولية، جذب ذراعيها ثم حاول أن يطهر جرحها، فجذبت يدها منه وهي تخبره بسخرية:
_لا عندك قلب بجد!
منحها نظرة محذرة بالا تختبره لأكثر من ذلك، ثم عاد ليجذب يدها مجددًا ليضمد جرحها، وعينيه مازالت تتطلع لعينيها، شعر لوهلة بأنها سيضعف أمامها تلك المرة لا محالة، لذا اشاح بوجهه عنها وهو يردد بصرامة:
_اطلعي برة ومتدخليش الاوضة دي تاني.
زادت حيرتها بما يحدث اليه، وكأنهما شخصين بشخصٍ واحد، وربما يملك انفصام بالشخصية، نهضت روجينا عن محلها ثم جذبت الاغراض وغادرت من أمامه..
*******
صعد "آسر" لغرفة جدته المريضة منذ ما حدث بالامس، فجذب المقعد القريب منها ثم جلس جوارها، ابتسمت هنية حينما وجدته لجوارها حينما افاقت فهمست بتعبٍ:
_انت اهنه من أمته يا ولدي؟
ابتسم وهو يجيبها:
_من شوية... طمنيني انتي عاملة أيه الوقتي؟
ردت عليه برضا:
_الحمد لله يا ولدي، فضل من ربنا.
_تستاهل الحمد..
قالها وانغمس بالصمت والحيرة مما يود قوله، فابتسم هنية وهي تراقبه ثم قالت:
_عايز تقول أيه يا ولدي؟
منحته الاذن للبوح عما يشغله، فقال:
_أنا محتار ومش عارف أفكر وملقتش غير اني أجيلك وأسالك في اللي فات..
_عايز تنبش بالماضي ليه يا ولدي؟
_لازم لانه بيطاردنا لحد دلوقتي.
سحبت هنية نفسًا عميق قبل ان تخرجه، فابتسمت وهي تخبره:
_جدك طول عمره راجل طيب وفي حاله، من يوم ما اتجوزته وهو بيحاول يسعدني بكل الطرق، بس عمري ما حسيت انه هيحبني زي ما بحبه، بالرغم من انه عمره ما كسر بخاطري ولا قصر معايا في حاجة.
واسترسلت بوجعٍ:
_في حاجات الواحدة منينا بتحس بيها يا ولدي من غير ما تسمعها من جوزها، بس فرحته بابوك نسيته الدنيا وما فيها، ولما فهد ولدي بقى زينة الشباب تفكيرنا اتغير وبقينا نفكر فيه اكتر منينا، بس وقتها حسيت ان جدك وهدان متغير، كانه مش معانا في دنيا تانية، ساعتها اني اتوكدت ان قلبه عشق واحدة غيري واحساسي ده اتاكد بعد كده لما قالي انه هيتجوز، واللي فجأني انها بت صغيرة من سن ولده..
انصت اليها آسر جيدًا وخاصة حينما استكملت:
_اني كنت موافقة بالرغم من العذاب اللي جوايا، وفعلا اتقدملها بس اختها فاتن مرضتش بيه لانه كان كبير عنيها، وبالوقت ده جدك الكبير "فزاع" عرف باللي كان وهدان بيعمله، والقيامة قامت بالسرايا كلتها ورفض انه يتجوزها او يتجوز اي حد، وقاله يفوق عشان عياله..
وابتلعت ريقها قبل ان تخبره:
_اني قولتله لو بيحبها للدرجادي يدلى على البندر ويتجوزها بالسر واني مش هقول لحد ابدًا عن الموضوع ده، وهي كانت موافقة على اقتراحي بس جدك كان محاوط عليه واختها كانت محاوطه عليها واجبرتها تتجوز سلفها، ساعتها وهدان نسيها وعشنا حياتنا من تاني، بس بعد سبع سنين اتفاجئت انه لساه بيقابلها ولما واجهته قالي انها بتشتكيله من جوزها وانها مبتحبهوش وعايزة تطلق منه وتتجوزه ومفيش كام يوم وسمعنا انها ماتت وجدك وهدان اللي اتهموه بيها ..
وقالت وهي تشير له بحزن:
_مش عارفة فين الحقيقة يا ولدي، بس اللي اني واثقة منه ان وهدان ميعملش كده ابدًا، لانه كان بيعشقها وقلبه كان معاها طول السنين دي حتى واني على ذمته.
قال آسر بعد تفكير:
_مش يمكن جوزها اللي قتلها واللي عمله ده عشان يلبسها لجدي.
_وارد يا ولدي بس بالنهاية احنا اللي لسه بندفع التمن لحد النهاردة، والتار موقفش بعد موت جدك وجوزها... والوقتي جيه الدور على احفادي يدفعوا تمن شيء مالهمش يد فيه!
تركها آسر وغادر وعقله مشتت للغاية، هناك حلقة مفقودة لا يعلم مغزاها، هناك سرًا غامض سيجتهد لفك شفراته، فهو الآن على علم تام بأن جده من المحال أن يفعل ذلك..
*****
بسرايا المغازية.
جن جنون أيان حينما علم بخسارة صفقته الضخمة التي ساهم بنصف ثروته تحديدًا لأجلها، فقبض على هاتفه وهو يردد بعنفٍ:
_ازاي يعني لغوا التعاقد هو لعب عيال!!
_لا أكيد في اللي ورا الموضوع ده، دور وراهم وشوفولي اتعاقدوا مع مين،..
_دقايق ويكون كل التفاصيل عندي سامـع!!
وأغلق هاتفه والنيران تكاد تلتهم أحشائه، فهو لا يستهان بمن يتلاعب بعمله الذي كد به لأجل ما وصل إليه، تراوده شكوك عن كناية من فعل ذلك ولكن عائلة الدهاشنة لا تمتلك صلاحيات العمل بالملاحة، تجارتهم خاصة بالفواكه، أخرج أيان سلاحه من خزانته ثم وضعه على الطاولة وجلس على المقعد المجاور له يتوعد لمن فعل ذلك بالهلاك، وبالفعل ما هي الا دقائق حتى دق هاتفه مجددًا فما أن رفعه حتى اظلمت عينيه وهو يقول:
_كنت شاكك أن آسر ورا اللي حصل، وانت اكدتلي ده... عايزك بقى تسمعني كويس... هتاخد رجالتك وهتطلع على المكان اللي هبعتهولك ومتتحركش من هناك الا لما اوصلك سامع!
وأغلق الهاتف وهو يهمس بكرهٍ:
_موتك على ايدي..
وكاد بجذب السلاح الموضوع على الطاولة ليجد يد تقذفه بعيدًا عنه، لتقف مصعوقة أمامه وصوتها يرتجف:
_أنت عايز تقتل أخويا!!!
وقف مقابلها وهو يطالعها بحقدٍ:
_هو اللي جنى على نفسه بعملته دي.
وضعت يدها على فمها من صدمتها تلك، ومن ثم استجمعت شجاعتها لتصرخ بوجهه:
_وفاكر اني هخليك تطلع من هنا!!
ابتسم وهو يرد عليها بسخرية:
_وأيه اللي في ايدك تعمليه، انتي هنا زي الشغالين بالظبط ومفيش خدام بيتداخل في حاجة متخصوش.
ردت عليه روجينا بعصبية بالغة:
_انت أيــــــــه شيطااااان، انتي مستحيل تكون بني آدم، انت أحقر انسان انا عرفته..
قال ومازالت الابتسامة مرسومة على وجهه:
_قولي حاجة أنا معرفهاش عن نفسي..
واتجه ليخرج من الغرفة فوجدها تصرخ به:
_وأنا مش هسيبك تقتل اخويا..
لم يفهم حديثها الا حينما تباطئت حركته حينما تحررت من سلاحه طلقة استقرت بكتفيه، فاستدار للخلف بنظراتٍ منصدمة فسقط ارضا يحتضن كتفيه وعينيه تطالعها، ألقت روجينا السلاح عن أصابعها المرتجفة، وعينيها توزع نظراتها بينه وبين يديها بصدمةٍ، فسقطت أرضًا هي الاخرى، تبكي وتردد بحرقة:
_ليه بتجبرني أكون بالبشاعة دي ليــــه!
ثم أمسكت يديه ومازال واعيًا يستمع إليها:
_أنت الانسان الوحيد اللي أنا حبيته واتمنيت أكون ليه، كنت شايفة الحلو فيك بس رغم انك كنت مخيف ليا... نسيت اصلي وخالفت كل التقاليد عشانك مفكرتش في اي حاجة الا انت.
ومسحت دمعاتها ثم جذبت السلاح وهي تهمس بابتسامة بائسة:
_بس خلاص انا كمان مش عايزة الحياة دي..
وسلطت السلاح على صدرها ثم كادت بالضغط على الزناد، ولكنه سرعان ما انتشل منها السلاح ليتمتم بوجعٍ:
_قولتلك مش هتأذي نفسك ولا اللي في بطنك طول ما أنا عايش..
ثم قدم لها السلاح مجددا لسلطه على موضع قلبه، ليبتسم وهو يردد بحروفٍ ثقيلة:
_لو عشت هدمر العالم الجميل اللي اتولدتي فيه، واولهم عيلتك دي فرصتك انك تخلصيهم وتخلصيني من العذاب ده.
ارتجفت اصابعها وهي تتطلع لعينيه الباكية، فمرر يديه الملطخة بالدماء على وجهها وهو يهمس بألمٍ:
_اللي كنت خايف منه حصل، أنا...... آآ... أنا..... بأحبـــك.....
وتركها تلك المرة ليهوي أرضًا ينازع تلك الشهقة العارمة التي تفيض بروحه، كسر باب الغرفة لتجد من أمامها عدد من الرجال وخلفهما فاتن التي صرخت وهي تردد:
_ولـــــــدي، قتلتي ولدي يا بنت ال.....
انكمشت على ذاتها خشية منها، فهمس أيان لها ولحارسه الشخصي بخشونة:
_لو حد مس شعرة منها هقطعلك رقبتك...
ومال براسه تجاه ناهد ليهمس وعينيه تنغلق:
_صدقيني هتبقي خسرتيني بجد لو قربتي منها..
وانسحب خلف ظلمته المحتمة، بينما هي تواجه الف وجع لا تعلم سببه، لا تعلم ماذا فعل بها شيطان العشق والغرام، استهدف قلبها وترك جسدها يعاني ولكن ترى ان كان حماها باخر انفاسه من سيكمل مسيرته أمام تلك الحرباء..... فمازال يصارع للحياة وحياة ليست بدونها حيـــــــاة!!!!
........ يتبع................
#الدهاشنة..... #بقلمي_ملكة_الإبداع_آية_محمد_رفعت...
بنذكركم إن إبداع في #مرسى_مطروح 💦🏖️💥💥✨✨🔥🔥
متواجدون يوميًا في #خيمة_إبداع 🎪 تاني خيمة على اليمين في #معرض_مرسى_مطروح_للكتاب_2022
🚩 ومكانه: في مسرح الشاطئ طريق الكورنيش في مرسى مطروح
🛍️ مدة المعرض من الخميس 4 أغسطس حتى 13 أغسطس
⏰ كل يوم من الساعة 5 عصرا حتى الواحدة ليلا..
وأسعار وخصومات خاصة جدا خلال فترة المعرض..🎈📚📚
في انتظاركم يوميا هناك💗
كذلك رواية الاربعيني الاعزب ورواياتي كامله متوفرة هناك..
*********_________*********
الدهاشنة 3 .. وخفق القلب عشقاً .. آية محمد رفعت الفصل الخامس 5 - بقلم آية محمد رفعت
#الدهاشنة3..(#وخفق_القلب_عشقًا)
#الفصل_الخامس_والثلاثون..
(إهداء الفصل للقارئة الجميلة/ تقى أشرف ، شكرًا جزيلًا على دعمك المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنك يا جميلة...قراءة ممتعة 💙)
كل شيئًا يمر حتى الأيام الا الوجع، يصاحب الجسد أينما ذهب، أشتاقت عينيها لطاقة نور صغيرة تمنحها شعورًا بالحياة، فمقياسها كان دقات قلبها الخافتة هي من تخبرها بأن جسدها مازال يعج بالحياة، لا تتعلم إلى متى ستظل بهذا الحبس المظلم، فمر عليها أكثر من يومٍ ولم يحدث شيئًا جديدًا، كل ما يطرأ على تلك الغرفة المظلمة هو ولوج الخادم بصينية الطعام الذي لم تتذوقه هي، وحتي حينما تتوسل إليه ليخبرها بحالة زوجها، كان يرفض الحديث بالأمر، حتى أنها أخبرته أنها تريد أن تعلم فقط إن كان حيًا يرزق أم قتلته رصاصتها، وكأن الجميع قد اتفقوا على قتلها بالبطيء، فأحيانًا لا يوصف القتل بآلة حدة تخترق الجسد، بل يكفي وجعًا يمزق أرباطة القلب ومن ثم ينهال على الجسد بأكمله، مثلما تغلب على جسد "روجينا" ، أغلقت جفن عينيها بقوةٍ ومن ثم سمحت لجسدها الهزيل بالتمدد أرضًا، أنفاسها الثقيلة كانت تؤكد لها بأن نهايتها أتية لا شك في ذلك، انهمرت دمعاتها البائسة على وجهها وهي تتخيل موتها حاملة لغضب والديها وأفراد عائلتها بأكملهما، كيف ستحتمل ذاك الذنب العتيق أمام الله عز وجل، تهاوت دمعاتها في صمتٍ قاتل، فجحظت عينيها في صدمة عارمة حينما رأت من أمامها طفلة صغيرة في التاسعة من عمرها، تبتسم وهي ترقص بفستانها الأبيض الرقيق، فانزلقت قدميها الصغيرة لتسقط أرضًا، شهقت بفزعٍ عليها فكادت بالنهوض لمساعدتها، ولكن سبقتها أمها التي ضمتها لصدرها وهي تتساءل في خوفٍ ملحوظ:
_انتي كويسة يا روجينا!
ازدادت صدمتها وهي تتابع الحوار المتبادل بين أمها وتلك الفتاة الصغيرة، التي بدت لها بأنها نفسها تلك الطفلة، انهمرت دمعاتها ندمًا على كل لحظة كانت تقسو بها عليها، فوالله هي الآن بأمس الحاجة لذاك الحضن الحنون، عله يهون عليها مر الأيام التي تختبرها الآن..
*******
إسبوعًا كاملًا قضاه وهو مستلقي على فراشه، وحينما يستعيد وعيه يعود ليفقده على أثر تلك الأدوية الثقيلة، ولكن بعد تلك الفترة استعاد جسده جزء من قوته المهدورة، فجاهد لفتح جفن عينيه بصعوبةٍ بالغة، ليجد خالته وابنتها وحارسه الشخصي لجواره، حرك "أيان" لسانه بصعوبة وهو يردد:
_روجيـنـــــا!
كزت "فاتن" على أسنانها بغيظ من ذكره لأسمها فور عودته من الموت الذي كانت هي السبب به، الا يكفيه بأنه منعها من قتلها بعد ما فعلته به، ولكن بالرغم من كل ذلك تماسكت وهي تقترب منه لتخبره بهدوءٍ:
_حمدلله على سلامتك يا حبيبي، طمني عليك أنا كنت هموت من القلق..
هز رأسه وهو يجيبها بصوتٍ شاحب:
_أنا كويس..
ثم عاد ليتساءل مجددًا وتلك المرة نظراته تتفرس حارسه:
_فين روجينا؟
اقترب الحارس منه ثم قال بنبرة زرع بها الخوف:
_متقلقش يا باشا هي كويسة، بس مع والدة حضرتك.
غيمت نظراته فباتت قاتمة رغم حدتها، لتتجه لوالدته، وهو يسألها باندفاعٍ:
_معاكي فين!!
استقامت بوقفتها وهي ترد عليه بعصبيةٍ بالغة:
_زي ما سمعت، البت دي مستحيل هعديلها اللي هي عملته، مش كفايا انها كانت عايزة تقتلك!
ثم استطردت بغضب:
_لولا اللي قولته اني كان زماني خلصت عليها بايديا دول الفاجرة.
بذل"أيان" مجهود عظيم ليتمكن من الاستقامة بجلسته المائلة، فأجلى أحباله الصوتية قائلًا:
_ودتيها فين؟
استدارت لتقابله بنظراتها الصقرية، لتتفرس معالمه بنظرةٍ ماكرة انهتها حينما رددت بعدم تصديق:
_أنت خايف عليها بعد كل اللي عملته معاك، أوعاك تكون حبتها صوح!
تهرب من الرد عليها في جلسة تحكم بها حقيقة النظرات، فجذب الأبر الطبية عنه ثم نهض على قدميه وهو يردد بتعصبٍ شديد:
_متنسيش انها في النهاية تبقى مراتي واللي في بطنها يبقى ابني!
لعب على ذلك الوتر الحساس، فربما ستصدق بأنه يعنيه أمرها لما تحمله بأحشائها، لذا جذبت المفتاح الصغير لتلقيه اليه ثم قالت بغيظ:
_متلقحة تحت بالمخزن، يا رب تلاقيها ماتت ونبقى خلصنا منها ومن نسلها..
انحنى الحارس ليقدم اليه المفتاح، فجذبه "أيان" وأسرع للأسفل بخطواتٍ غير متزنة، فمازال يهاجمه دوار ووجعًا عنيف.
*******
اليوم كان أجوائه محلاة بالتوتر على جميع أفراد العائلة، فمازال هناك ذكريات متعلقة بأخر زفاف حضرته العائلة، البعض يخشى من القادم والأخر تحيط به ذكريات ما حدث، ولكن لا شك بأن الفرحة تلمع قلوب الأحبة الذين حصدوا صبرهما وحفاظهم على مبادئهم والقيم السوية، قلبين نشأ الحب خلسة بينهما، فترك بصمة لا تسمح لأحدًا أخر بالمرور، وعلى الرغم من أن "أحمد" قد كتب له الزواج من أخرى الا أنه كان يعنيه أمرها، ورغمًا عنه كان عقله يتمرد لينشغل بالتفكيرٍ بها، واليوم ستزف إليه بالأبيض أمام الجميع وبارادتهم، والأهم بدون أي مشاكل قد تمزق رباطهم الذي حرص رجال العائلة على تقويته، اليوم إختبره أحمد من قبل حينما كان سيتزوج أخرى ولكن فرحته تلك غريبة عن التي تسبقها، هناك شوق يطرق أبواب قلبه، ورغبات تهمس بالعشق، اليوم خفق قلبه عشقًا!
ربما لم يكن الجميع بمزاج جيد، فكان الزفاف صامتًا إلى حدًا ما، لم تكن البهجة تعم الصدور مثل سابق، فما فعلته "روجينا" مازال يحمل أثره إلى تلك اللحظة، ولكن بدأت الفرحة والزفاف الحقيقي حينما زفت العروس ليصعد بها للأعلى، لذلك العالم المنفرد بهما، فلن يشاركهم أحدًا فرحتهم اليوم..
أغلق "أحمد" باب الغرفة، ثم أسرع لأقرب مقعد، فجلس وهو يتأملها بنظرةٍ مطولة، انتاب "حور" شعور قلق، فسألته باهتمامٍ:
_مالك؟
زم شفتيه وهو يجيبها بدهشةٍ:
_لسه مش مستوعب اللي بيحصل، ولا قادر أصدقه!
وإلتقط نفسًا طويل قبل أن يخرجه:
_معقول بقيتي مراتي بالسهولة دي!
منحته ابتسامة خجلة، فاستطرد بجدية وحزن لحق به:
_أنتي عارفة مجرد التفكير في أنك تكوني ليا كنت محرمه على نفسي! أنا كنت مش فاقد الأمل في انك تكوني ليا بس لا أنا كنت فاقد الأمل في أن ممكن يكون بينا حاجة في يوم من الأيام!
وأشار بيديه بصدمةٍ:
_فجأة كده ألقيني بوقع على ورقة كتب كتابنا، وبعدها باسبوع نتجوز!! الموضوع صعب وفعلًا مش قادر أصدقه..
نطق بكل كلمة تدور بداخلها، ولكنها تصف مدى سعادتها الكبيرة بذلك، وكأن الله لم يرد لها أن تخوض هذا الشعور المقبض بفراقه، فكانت تعلم بأنها ستموت باليوم ألف مرة بدونه، بللت "حور" شفتيها وهي تقول بارتباكٍ:
_ربنا كان عالم باللي في قلوبنا، وبنيتنا الصافية يا أحمد.
ثم اقتربت منه، لتنحني وهي تتمسك بيديه والأخر يتابعها بذهولٍ، فقالت بنبرة رقيقة:
_أنا معرفتش يعني أيه حب غير من تفكيري الكتير بيك، واهتمامي الغريب بكل تفصيلة تخصك..
واستكملت بابتسامةٍ ساخرة:
_يكفي اني كنت بطبخ بكميات للشباب كلهم عشان أنت تأكل أكل نضيف ومتأكلش من أكل المطاعم والشارع..
اتسعت عينيه في دهشةٍ عارمة، ليختمها ببسمةٍ جذابة، فرفع يديه ليمررها على وجنتها وهو يردد بجرءةٍ:
_بأحبك..
كان لكلمته أثر غير محمود على قلبها الرقيق، فانتصبت بوقفتها لتتهرب منه، ولكنه نهض هو الأخر واقترب ليقف خلفها، فقال وعينيه تتطلع لحجابها الأبيض:
_نفسي أشوف شعرك.
ابتلعت ريقها بتوترٍ، ولكنها استجمعت ذاتها المشتتة، لتستدير إليه وكأنها تمنحه الأذن بذلك، حرر أحمد عقدة حجابها الطويل الذي يصل لبطنها ليخفي تفاصيل الجزء العلوي مثلما اعتادت ارتدئه طوال حياتها، فاليوم ليس مخصص لسباق العري كما تفعل بعض الفتيات، نعم انها ليلة واحدة بالعمر ولكن حلاوتها بالاحتفال بين الزوجين وليس للناس جميعًا! ، فمن تسمح لخطيبها أو لرجلٍ أحبته أن يتخطى حدوده معها قبل الزواج لن تنال متعة قربه حينما يصبح زوجها، بل ستفقد احترامه لها وسيأتي اليوم الذي سيذكرها بما سمحت له بفعله، فالمرأة التقية هي من تكبت رغبات قلبها حينما ينتقل محبوبها من خانة الحبيب والخطيب للزوج.
تحرر حجابها الطويل بين يديه، لتنساب خصلات شعرها بخفةٍ على رقبتها، تعلقت نظراته بها بشرودٍ، فكانت فاتنة للغاية، ردد وهو مشدوهًا كرد فعل تلقائيًا:
_ما شاء الله!
ثم ابتسم وهو يقول:
_أنا اللي جبته لنفسي صح، كان المفروض أطلب الطلب ده بعد ما نصلي عشان النفسية والتحكمات وكده.
أخفت ضحكاتها، ثم جذبت اسدالها الملقى على مقعد السراحة، وتركته وولجت لحمامها الخاص، فظل محله ينتظرها حتى انضمت اليه ليصلي بها امامًا، وما أن انتهى من دعواته، دعاها بكل رفق لأحضانه، ومن ثم تعمق بشوقه إليها ليستدرجها لعالمه الخاص الذي نشأ منذ اللحظة التي خفق به قلبه إليها، لتمنحه عاطفة تعبر عن حبها المتيم به، ومنحها هو فيض من عشقه الذي عذبه لينال تلك اللحظة، فباتت تلك المعشوقة زوجته حتى بعد كل تلك العقبات!
********
هربت كعادتها لغرفتها، لا ترغب في أن يرى أحدًا دموع اشتياقها وخوفها على ابنتها، فما أن ولجت لغرفتها حتى جلست على الأريكة تبكي بانكسارٍ، وصوتها الشاحب ينتحب بهمسٍ:
_يـا رب.
وأحتضنت "رواية" وجهها بيدها بانهيارٍ، فبات الحزن مسكنها، والقلق ردائها، تموت باليوم الف مرة وهي تفكر ماذا يحدث بابنتها هناك، يخيل لها عقلها أشياء أبشع من بعضها، شعرت "رواية" بيد تربت على ظهرها بحنانٍ، فما أن فتحت عينيها حتى وجدت "آسر" يجلس جوارها، وعينيه تلمع بالدمع تأثرًا بها، ضعفت وهي تحاول التماسك، فضمها لصدره وهو يربت بحنان عليها، فتحرر لسانها الثقيل قائلة:
_دي مهما كان بنتي يا آسر... قلبي هيقف من الخوف عليها كل يوم ومش عارفة أتكلم مع أبوك، رافض انه يسمعني..
ثم ابتعدت عنه وتطلعت اليه وهي تخبره بلهفة:
_حاول أنت عشان خاطري اتكلم معاه يمكن يسمعك.
ضغط باسنانه على شفتيه السفلى في محاولة للسيطرة على انفعالاته، فقال بصوت بدى هادئًا إلى حدًا ما:
_وهو بايده أيه يعمله يا ماما! هي خلاص بقت مراته رسمي ومحدش هيقدر يتداخل بينهم.
صاحت بانفعالٍ:
_يعني أيه أنا بنتي كده ضاعت!!
تعمق بالتطلع اليها ثم قال بحزنٍ:
_هي اللي اختارته بارداتها، لو كان غصب عنها صدقيني كنت حاربت الدنيا عشانها حتى لو كنت هحارب بابا نفسه.
ازدادت موجة بكائها، فمسح بيديه دموعها، ابعدت رواية يديه عنها وهي تصيح به بضيقٍ:
_أنا كنت عارفة انك هترفض تعمل كده، أنت شبه ابوك في كل حاجة حتى في قرارته، انت عمرك ما كنت معايا ولا هتحس بيا..
أمسك بيدها ثم قبلهما وهو يردد بلهفةٍ:
_عمري ما كنت ضدك ولا هكون، بس إعقليها... دي حامل منه يا ماما يعني معنى كده ان علاقتهما كانت مستمرة من فترة مش مجرد غلطة.
شددت من ضغطها على ذراعيها وهي تحتمل وجعها، فتطلعت اليه وهي تتوسل اليه بانهيار:
_حتى لو ده صح، مش لازم نرميها ليهم، عشان خاطري يا ابني اتكلم معاه أنا مش هقدر اتحمل العذاب ده، أرجووك..
ضمها آسر لصدره ودموعه قد خانت إطار تماسكه، فهبطت تباعًا، وحينما فاض به تطلع في الاتجاه الذي يقف به أبيه منذ لحظة دخوله الغرفة، كان يعلم بأنه يقف على بعدٍ منهما ويستمع لزوجته الباكية، منحه "فهد" نظرة مطولة فهم آسر مغزاها فهز رأسه في طاعةٍ، ليحمل والدته التي ثقل رأسها استسلامًا للنوم، ثم خرج لأبيه الذي ينتظره بالخارج، فما أن وقف مقابله حتى طالت نظرة فهد الثابتة عليه لتنتهى بنبرته الغامضة:
_نبهتك تكون برة الموضوع ده أنت وولاد عمك ورغم كده خالفتني وكسرت كلامي!
علم من حديثه بأنه قد كشف أمر الصفقة التي أنهى بها على "أيان" ، فقال بعد صمتٍ تعمد اللجوء اليه:
_بالعكس أنا نفذت كلام حضرتك وكنت بعيد، يكفي إني سيطرت على أعصابي ومقتلتش الكلب ده لحد دلوقتي ده لوحده دليل اني بحترم كلام حضرتك..
واقترب خطوة اخرى وهو يسترسل حديثه الغاضب:
_بس اللي مش هقدر أعمله اني اقف وأتفرج عليه وهو بيستغل نقاط ضعفنا، حضرتك بعدتنا عن الدم وانا بنفذ كلامك وباخد حقي بطريقة تانية، فبلاش تجبرني على شيء مش هقدر عليه لو كنت اتحكمت باعصابي مرة مش هقدر أعملها تاني.. عن اذن حضرتك.
وتركه وغادر والدماء تفور بداخله، فابتسم "فهد" بخبث وهو يتابع طيفه الذي يبتعد حتى صعد للطابق العلوي.
******
وماذا بعد الموت؟ ، هل ستجد الراحة وهي تذهب للقائه محملة بالذنوب!
أفاقت "روجينا" من عتابها القاسي وجلدها لنفسها حينما استمعت لصوتٍ تحرر باب المخزن، فنبعت طاقة ضوء خافتة تشتاق اليها حينما يفتح بين الوقت والأخر، تعجبت من انفتاحه في ذلك الوقت، وخاصة بعد أن قُدم لها الطعام منذ قليل، التقطت آذنها صوت دعسات أقدام تقترب حتى صارت مقابل جسدها المسدي أرضًا، رفعت بصعوبة وجهها للأعلى لتراه يقف أمامها، لم تستوعب ببداية الأمر بأنه هو، فحاولت أن تتكئ على معصمها لتستقيم بجلستها، انحنى أيان بصعوبةٍ حتى صار مقابلها، فتفاجئ بحالتها المذرية، التي عكست لها تلك الأيام القاسية التي قضتها بذلك المكان العفن، ردد بصوتٍ معذب موجوع:
_روجينـا!
انهمرت دمعة ساخنة على وجنتها وهي تتطلع له بشعورٍ متخبط، حيرة بين الفرحة بأنه على قيد الحياة، وبين الحزن بأنه لن يتركها هي وعائلتها، وستعود كرة الانتقام لتشعل من جديد، بداخلها حب ينبع تجاهها وكرهًا لحبها اليه، من المفترض اليها كرهه لما يفعله بها، ولكن تجد حبه يقبع بداخله ومهما فعلت لتزيحه من الداخل يظل متشبثًا أكثر من السابق، ليت الجميع يعلم بأن اختيار من نحب ليس قرار يتخذ بارادتنا، بل هو مفروض.. وقلة هي من تستطيع التخلص منه، ربما يمتلكون قوة لم تختبرها معظم الفتيات، شعرت روجينا بكفه القاسي يحتضن لائحة وجهها، فتطلعت اليه بنظرة بائسة، محطة، لتجده يسألها بهلعٍ:
_عملوا فيكي أيه؟
أتاه الرد سريعًا من حارسه الخاص الذي يراقب ما يحدث:
_مسمحتش لحد يقربها يا باشا بس هي اللي كانت مانعة الأكل والشرب.
تمايل رأسها يمينًا ويسارًا استسلامًا لما تلاقاه من وجعٍ قاتل، فباتت كالدمية الساكنة بين ذراعيه، لطم أيان على وجهها وهو يصيح بفزعٍ:
_روجينـــــــــــــــا..
احترق بتلك النار التي اضرمها، فئن قلبه بلوعة الخوف عليها، وخاصة حينما ارتمت على ذراعيه كالجثة التي فقدت حياتها للتو، شعر في تلك اللحظة بأن قلبه سيتوقف لا محالة، الا يكفيه ذاك الشعور الموحش الذي يهاجمه، حرك يديه المصابة بصعوبة ليضمها اليه في محاولةٍ منه للنهوض، فكاد بأن يترنح يسارًا من فرط التعب لحركته، فأسرع الحارس اليه في محاولة لحملها عنه وهو يخبره:
_عنك يا باشا.
نظرة صارمة جعلته يرتد للخلف بخوفٍ شديد، ليتذكر تعليماته بالا يتطلع لها أحدًا بعينيه ليجد أن عرضه أحمق مثله، فان كان يحاسبهما على نظرة هل سيسمح له بحملها!
تحمل أيان على ذاته وحملها على ذراعه السليم، ليتجه بها للأعلى، وما أن وصل للدرج حتى وجد خالته تقف من أمامه وتحدجه بنظرةٍ قاتلة، فلم تكن نظراته أقل منها حينما تابع بحملها للأعلى ليأمر حارسه وعينيه تواجهها:
_اطلب الدكتور فورًا.
وما أن صعد لغرفته حتى جلست على الاريكة وهي تردد بخوف لابنتها الجالسة على مقربة منها:
_أخوكي عشقها يا ناهد!
لعقت "ناهد" شفتيها بارتباكٍ وخوف من القادم، فهي تعلم بأنه يحبها ولكن ان وصل الامر لوالدتها فهذا يعني هلاك تلك الفتاة لا محالة، لذا اسرعت بالرد عليها نافية ذلك:
_لا طبعًا، هو بس خايف على اللي في بطنها وهو بنفسه قالك كده من شوية.
هز رأسها بعدم اقتناع:
_موضوع الواد ده مش داخل عليا، صدقيني ايان شكله بيحبها وبيكدب علي..
ثم نهضت عن المقعد لتردد بحقد ووعيد:
_اللي كنت خايفة منيه حصل، بس اني مستحيل هسيب بت فهد تفوز علينا، تار أختي مش هينتهي بالبساطة دي، البت دي لازم تنقتل هي واللي في بطنها.
صعقت ناهد مما استمعت اليه حتى انها كبتت شهقاتها بيدها، ودموعها تهوي شفقة على تلك الفتاة التي ستواجه عاصفة غضب والدتها القاتلة.
*******.
انتظر حتى ان غادر الطبيب بعد أن شرع حالتها لعدم تغذيتها، ووضع الأبر الطبية باوردتها ليعوض نقصان الكالسيوم، فجلس أيان جوارها، وهو يتأملها بنظراتٍ محطمة، فرفع يديه ليمررها على شعرها المفرود من خلفها،ليهمس جوار اذنيها بانكسار:
_شوفتي النار اللي كان سببها جدك عملت فيا وفيكي أيه.
وابتسم وهو يقول:
_تعرفي اني كتير كنت بتمنى اني اقابلك في ظروف غير دي، أنا غصب عني لقيت نفسي بحبك، حتى لو كنت بعاند فأنا مكنتش بعاند غير نفسي يا روجينا... كل اللي عملته معاكي خلاني اكره نفسي بدل ما اكره اللي حواليا.. وكل اللي على لساني يـــــاريـــت..
ياريت لو مكنش جدك عمل كده في أمي..
ياريت لو مكنتش شوفتك ولا سمحتلك انك تدخلي حياتي..
ياريت لو كان اللي رباني حد تاني غير خالتي لانها دمرتني لما زرعت الكره والانتقام جوايا...
الف ياريت وندم بس بالنهاية كل ده حصل يا روجينا، جدك قتل امي، وانا قتلتك... قتلتك وقتلت قلبي معاكي!!
وفي النهاية انا اللي بخسر ولسه هخسر
فتحت عينيها الباكية لتمنحه نظرة محطمة كأشلائها كأنثى، لترد على ما قال بصوتها المتقطع:
_انت بتعذب نفسك وبتعذبني... كل ما بتكون جنبي وحواليا بتعذب، بلوم نفسي الف مرة ان قلبي حبك لان مينفعش احب حد هاني وكسرني وكسر أهلي، انت عملت اللي يخليني اكرهك وبالرغم من ده كله لسه بحبك!!! وحبك ده بيخليني احس اني رخيصة.
وأغلقت عينيها وهي تبكي بصوتٍ مسموع جعله يضمها لصدره، فشقت الابتسامة وجهه الباكي وهو يخبرها:
_احنا عايشين في الحياة دي عشان تفرض علينا الطريق اللي هنمشيه حتى لو كان من غير ارادتنا، لا انا اختارت انها تكون أمي ولا أنتي اختارتيني.... ده قدر ومكتوبلنا نعيشه مع بعض.
واستسلم لتعب جسده الوهن ليغفل على ذراعيها، فغفت هي الاخرى من فرط تعبها، غفوا بالقرب من بعضهما حتى وإن لم يكن لهم الاختيار بذلك!!
*******
بحث "يحيى" عن "عبد الرحمن" طويلًا، حتى وجده يجلس بالحديقة الخلفية، وعلى ما بدى اليه بأن هناك ما يضايقه،فجذب المقعد الذي يقابله ثم سأله بقلق:
_مالك ياض قالب وشك كدليه؟
تطلع اليه الاخير بصمت، فمازحه يحيى قائلًا:
_أوعى تكون غيران ان كلنا دخلنا قفص الزوجية وأنت لسه، متقلقش فاضل على الحلو تكة وشهر.
توقع بأنه سيبتسم وسيجاكره مثلما يحدث في العادة، ولكنه وجده صامتًا فتيقن بأن الأمر جادي للغاية، لذا سأله بجدية:
'في أيه يا عبدالرحمن؟
زفر الاخير ليخرج العالق بداخله من نيران تتصاعد ادخنتها، ثم قال بتردد:
_بصراحة يا يحيى أنا خايف.
ضيق عينيه بذهولٍ:
_خايف! من أيه؟
أجابه بعد فترة من الصمت:
_من شوفت تالين وهي بتبعد عن الفرح وشكلها كانت متوترة ولما روحت وراها سمعتها وهي بتتكلم مع شاب..
احتدت نظرات يحيى، ومع ذلك سأله بوضوحٍ:
_وأنت أيه اللي جيه في دماغك!
عاد ليزفر من جديد وكأنه يعجز عن قوله ما يود البوح به، فقال بتخبط:
_مش عارف، بس في اللحظة دي لقيت نفسي بفكر في اللي اختها عملته وخايف تكون هي كمان زيها، لو بدر تقبل ده فانا مستحيل هقدر اتقبله يا يحيى..
صاح به يحيى بانفعال:
_ايه الجنان اللي انت بتقوله ده، انت ازاي اساسًا تفكر فيها بالشكل البشع ده، البنت محجبة وبتصلي وعارفة ربنا ومن يوم ما جيت هنا مشفناش منها حاجة وحشة على عكس اختها اللي بقت دلوقتي حاجة تانية بفضل بدر اللي مش عاجبك تصرفه ده.
عدل من حديثه حينما قال:
_أنا مقصدش، بس انت لازم تقدر اللي انا فيه، غصب عني لازم افكر في كده.
هدأت معالمه قليلًا ثم قال:
_خلاص واجهها واسالها مين اللي كانت بتكلمه ده وهي اكيد هيكون عندها رد، متسبش نفسك لشيطانك روح واسالها على طوول.
أومأ برأسه باقتناعٍ ثم عاد بظهره للمقعد والخوف ينهشه كالوحش المفترس.
******
شعرت "ماسة" بالضجر من غياب "يحيى"، فخرجت من غرفتها باحثة عنه، وحينما كانت تتجه للاسفل وجدت آسر يجلس بالصالون شاردًا، فاقتربت منه بتعبٍ يتشكل بثقل بطنها المنتفخ لتسأله:
_مشوفتش يحيى يا آسر؟
انتبه لها فابتسم وهو يخبرها رغم ما يختبره من غضبٍ عظيم:
_بره في الجنينة.
هزت رأسها بطفولية ثم غادرت باحثة عنه، فجابت الحديقة يمينًا ويسارًا حتى استقرت قدميها أمام جراج صغير موضوع جانبًا، فرفعت صوتها وهي تناديه:
_يحيــــــــى!!
لم يأتيها رده كالمعتاد، فمدت رأسها من الباب الخشبي لعلها لم تتمكن من رؤياه، ولكن لفت انتباهها جسد أحمر مغطى بقطعة قماش سوداء كبيرة الحجم، فانصاعت لفضولها وولجت للداخل لتزيح القماش، انخلع قلبها من محله حينما رأت أمامها سيارة حمراء محطم زجاجها وجسدها بالكامل، انقبض صدرها وبات تنفسها ثقيل، فشعرت بانها لا تعرف كيف تتنفس بالشكل الصحيح، تراجعت للخلف بخوفٍ من شعورها بأنها تعرف تلك السيارة، والاسوء من ذلك حينما رأت ذاتها بداخلها تستغيث وتصرخ لطلب المساعدة، فانقلبت بها السيارة اكثر من مرة لتستقر ارضًا منغمسة بالدماء الذي يسيل من بطنها المنتفخ، تراجعت ماسة للخلف وهي بابشع درجات المواجهة الغير متوقعة لماضيها وحاضرها، تعرضت لصدمة لم تكن بالحسبان يومًا لتجعلها ترتد للخلف الف درجة، ثقل تنفسها حتى اصبح شبه معدوم، لتستجيب لغفلتها التي تسحبها لدوامة ليست مؤقتة بل دائمة، دوامة ستحتمها على المحاربة بمفردها دون أن يعاونها سندها وداعمها الاكبر، معركة بين الماض والحاضر، وسيكن مصيرها بيدها هي اما ان تنتصر أو ينتصر هو عليها ، ولكن ترى هل ستتمكن من غلبه بمفردها؟!.
........ يتبع........
#الدهاشنة3... #بقلمي_ملكة_الإبداع_آية_محمد_رفعت.....
من كل قلبي بشكركـــــــــم شكر بحجم الكون، والله ما اتعرضت في يوم لاذى جسماني او نفسي غير ولقيتكم جنبي سند ودعم، انتوا بتدفعوني اعدي اي ازمة اتعرضلها بمنتهى السلاسة، تخيلوا دعم كبير ليا على الجروب والييدج وصفحتي الشخصية والرسايل والجروبات التانية انا النهاردة بكيت اكتر من مرة وانا بقرأ تعليقاتكم ودعواتكم ليا وثقتكم اني هرجع احسن من الاول، انا فعلا والله بحبكم في الله ومش لقية كلام مرتب يعبر عن حبي وامتناني ليكم.. شكرًا من قلبي ❤..
******__________*******
الدهاشنة 3 .. وخفق القلب عشقاً .. آية محمد رفعت الفصل السادس 6 - بقلم آية محمد رفعت
#الدهاشنة3... (#وخفق_القلب_عشقًا..)
#الفصل_السادس_والثلاثون...
إهداء الفصل للقارئة الجميلة/ آية رمضان، شكرًا جزيلًا على دعمك المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنك يا جميلة...قراءة ممتعة 💙)
كان "يحيى" ذكيًا في حل ما أصاب رفيقه، لذا حينما شعر بأنه سيطر على غضبه توجه للعودة للسرايا، فتفاجئ به "آسر"، ليتساءل وعينيه تجوب الطريق من خلفه باستغرابٍ:
_فين ماسة؟
ضيق عينيه وهو يجيبه بذهولٍ:
_فين ازاي، أنا كنت سايبها فوق..
رد عليه" آسر" بقلقٍ:
_نزلت وسألت عنك فقولتلها انك بالجنينة وراحتلك..
جحظت عينيه في صدمةٍ، فأسرع كلًا منهما للبحث عنها، تفرقوا باتجاهات مختلفة عسى أن يسرعوا بالوصول إليها، شلت أطراف "يحيى" وهو يقترب من باب الجراج الخارجي، وبداخله دعوة تمنى بالا تكون إجتازت تلك المنطقة ، تهدم أمله البائس حينما وجدها ملقاة أرضًا كالجثث الشاحبة ، استهدف قلبه نغزة قاتلة أصابته في مقتل، فأسرع إليها وهو يصرخ بجنون:
_مــــــــــاســـــــــة!!!
حملها بين يديه وهو يلطم وجهها عدة مرات، فوصل "آسر" إليه حينما وصل صوته لمسمعه، فأنحنى وهو يتساءل بلهفةٍ:
_مالها!
رفع يحيى عينيه تجاه السيارة، فكانت اجابة صريحة إليه عما أصابها، لم يكن يملك وقتًا كافيًا لتهدئة ابن عمه، كان عليه التحرك سريعًا، لذا صعد لسيارته وأشار إليه بالصعود ليسرع بها تجاه أقرب مشفى، وبالطريق أخبر "يحيى" طبيبها بحالتها فأخبره بأنه سيأتي مسرعًا للمشفى التي ستنقل إليها.
******
بسرايا "مهران الدهشان"
عمت السعادة وجهه حينما استمع لتلك الاخبار التي سرته، فعاد ليتساءل من جديدٍ:
_عارف يا واد لو كلامك ده طلع صوح أنا هعمل معاك أيه؟
أجابه الخادم بحماسٍ وطمع لما سيقدمه له تلك المرة:
_والله صوح، اني سامعها بوداني وهي بتقول لناهد بتها انها هتقتلها.
اتسعت ابتسامته الخبيثة التي فاحت بما يخفيه بداخله من نوايا قذرة:
_لو ده حصل يبقى القيامة قامت بين العيلتين، مهو مش هيخلص الكبير برضك أن بته تنقتل وهو عايش، هيخلصوا على بعض وساعتها الدنيا تفضالي، ووقتها محدش هيستجري يقف قدامي..
وأنهى كلماته الاخيرة ليفتح درج خزانته السوداء، ثم أخر مبلغ من المال، ليلقيه إليه كالعظمة التي ستصيد له فريسة ينتظرها، وأشار له قائلًا:
_ارجع أنت قبل ما حد ياخد باله منيك.
أومأ برأسه في طاعةٍ، وكاد بالخروج ولكنه توقف حينما استوقفه حديث "مهران" الشيطاني:
_خليك مستعد للي اتفقنا عليه عشان هتتفذ قريب أوي.
هز رأسه مجددًا ثم غادر ليعود لسرايا المغازية قبل أن يشعر به أحدًا.
**********
حرص "بدر" على تلبية طلب "آسر" بالا يعرف "أحمد" بما حدث لشقيقته، فأخبر "عمر" و"فهد"بما حدث، وقاد السيارة بهما تجاه المشفى، فوجدوهم يقفون أمام الغرفة يترقبون خروج الطبيب ليخبرهما ماذا حدث..
كانت تلك الدقائق ثقيلة على الجميع وبالأخص "يحيى" الذي شعر بأن قلبه سيقف بأي لحظة، والأصعب مما يخوضه أنه يعلم خطورة ما تعرضت اليه، وخاصة بأن الطبيب شدد عليه سابقًا، سحب "يحيى" نفسًا عميق ثم زفره على مهلٍ، فعليه الحفاظ على اتزانه لأجلها، شفق "عمر" عليه فدنا منه، ومرر يديه على كتفيه ثم قال بحزنٍ:
_متخافش يا يحيى، ربنا مش هيسبنا هو اللي عالم إحنا اتعذبنا وصبرنا أد أيه يابني.
همس بترجي من بين رعشة أسنانه:
_يا رب.
صوت صرير باب الغرفة جعل الجميع ينتبه لخروج الطبيب، فسأله "فهد" بثباتٍ يتناسب مع هيبته:
_خير يا دكتور، طمنا.
بدت علامات الأسى على وجه الطبيب الذي خلع نظارته وهو يخص بنظراته "عمر" و"يحيى":
_للأسف اللي كنت خايف منه حصل.
ازدرد "يحيى" ريقه المقطوع بصعوبةٍ وهو يسأله بخوفٍ:
_يعني أيه؟
قال بقلة حيلة:
_يعني الحالة اتنكست ورجعت لنقطة الصفر من تاني، وللأسف دخلت في غيبوبة وزي مانتوا شايفين محدش من اطباء المخ والأعصاب قادر يحدد سبب فقدان الوعي.
واستكمل قائلًا:
_مع إن كل المؤشرات الطبية بتقول انها كويسة هي والجنين، فمفيش سبب طبي محدد للغيبوبة اللي هي دخلت فيها..
بتماسك شديد سأله عمر:
_يعني أنت شايف أيه يا دكتور؟
رد عليه بعد فترة من الصمتٍ:
_أنا شايف يا أستاذ عمر، أن الصدمة اللي اتعرضت ليها ماسة خلتها متعلقة بين الماضي والحاضر، وخصوصًا انها كانت حامل وقت الحادثة، فمش هقدر أحدد حالتها طول مهي فاقدة الوعي، بنتك لازم تتقبل ان اللي حصل كان في الماضي وانها بتعيش أيام جديدة مختلفة عن اللي عاشتها... دي حربها ولازم هي اللي تنتصر فيها وباردتها..
وربت بيديه على كتفيه وهو يخبره بمهنيةٍ:
_إدعلها..
كان "عمر" رجلًا متماسكًا، يثق بما أختاره له رب العباد، ولكن الصدمة التي تلاقاها يحيى أضعفته وجعلت يترنح كمن تلاقى خبطة افتكت برأسه، فتراجع للخلف بخطواتٍ متعثرة حتى استقر على المقعد الذي خطف جسده قبل أن يجلس أرضًا، فأسرع إليه "بدر" و"آسر"، فجلس كلًا منهما لجواره، فقال "بدر" بحزنٍ:
_أنت انسان مؤمن وموحد بالله يا يحيى، أوعى تضعف خليك قوي عشان تقدر تتحمل اللي جاي.
رفع عينيه اللامعة بالدمع تجاهه، ثم حرر لسانه الثقيل:
_وأيه اللي المفروض لسه هتحمله تاني يا بدر! ، أنا صبرت وإتحملت كل حاجة في سبيل أنها جنبي، حتى لو مكنتش بطبيعتها بس على الأقل عيني شايفها وهي واقفة على رجليها وبتبتسم، تفتكر هقدر أتحمل وأنا شايفها زي الميتة كده!
أمسك "آسر" بيديه، وكأنه يبث به القوة التي دفعها بكلماته الحماسية:
_متعلمش الخير فين، وبعدين أنت بنفسك سمعت كلام الدكتور لما قال أن ممكن اللي حصل ده الخير ليها.
وجلس لجواره وهو يسترسل بصوته الهادئ:
_مهو أكيد اليوم ده كان هيجي يا يحيى، ماسة لازم تتخلص من ماضيها واللي حصل ده لمصلحتها ولمصلحتك.
هوت دمعة خائنة على وجهه، فرفع عينيه تجاهه وهو يخبره بإنكسارٍ:
_مش هقدر يا آسر، صدقني مش هقدر.. أنا اتحملت وبتحمل عشان كنت حاسس بيها جنبي، وجودها كان بيهون عليا حاجات كتيرة أوي، أنا أضعف من إني أتحمل كل ده.
استمع إليه بحرصٍ شديد، حتى فرغ من حديثه، ثم قال بصوته الرخيم المبعوث بالتفاؤل:
_مش يمكن ماسة تكون بتختبرك لتاني مرة يا يحيى، أنت سبتها تعاني أول مرة والمرادي لازم تكون جنبها وتتغلب على خوفك ده.. أكيد هي سمعاك وحاسة بيك.
واتسعت ابتسامته وهو يجاكره بالحديث:
_الحب أفعال مش أقوال ولا أيه!
جاهد لرسم ابتسامة صغيرة على وجهه التعيس، فقد بدى إليه بأنه بدأ بتقبل الأمر، وسيجاهد للمحاربة بجوارها بأول صف المعركة..
********
للمرة الخامسة تعود بالإتصال به، ولكن دون أي جدوى، فمازال هاتفه مغلق، وضعت "تسنيم" الهاتف عن يدها والقلق يفترس معالمها الشاحبة، تخشى أن يكون قد أصابه السوء، فبات غامضًا، مريبًا منذ لحظة إنكشاف الحقيقة التي دمرت هذا المنزل، قضت ساعة أخرى بالخطي المرتبكة بأرجاء غرفتها، وما زادها ارتباكًا حينما إحتضن عقرب الساعة السادسة صباحًا، همست بقلبٍ يرتجف صداه:
_هيكون راح فين لحد دلوقتي؟
تسلل لمسمعها صوت الطرق المتتالي على باب جناحها الخارجي، فأسرعت لتقف من جواره وهي تردد بلهفةٍ:
_مين؟
أتاها صوت "رؤى" يجيبها:
_أنا يا تسنيم، إفتحي..
جذبت مئزرها، ثم ارتدته وهي تفتح بابها، قائلة باهتمامٍ:
_ادخلي يا رؤى، في حاجة ولا أيه؟
ولجت للداخل ثم استدارت في مقابلتها، وهي تجيبها بدهشةٍ:
_أنا فكرتك إنتي اللي تعرفي حاجة.
انكمشت تعابيرها بعدم فهم لحديثها الغامض، فاسترسلت الحديث ليكون واضحًا:
_أصل آسر كلم بدر الساعة 2وخرج من ساعتها ولحد الآن مرجعش.
تجعد جبينها وهي تردد بصدمةٍ:
_كده في حاجة وكبيرة كمان... أنا بحاول أكلم آسر بس تليفونه مبيجمعش..
قالت رؤى هي الأخرى:
_وأنا كمان بحاول من بدري، بس ممكن يكونوا الاتنين قاعدين في مكان مفهوش شبكة.
ردت عليها بقلقٍ:
_جايز، بس إحنا مش هنقعد نحط في افتراضات!
كادت بأن تجيبها ولكن توقفن عن الحديث حينما استمعوا صوت السيارات بالخارج، فرفعت كلا منهن حجابها على رأسها بإهمالٍ ثم خرجن للشرفة، فتفاجئوا بالكبير يهبط من سيارة "آسر"، و" عمر" كان بسيارة "بدر"، اطمئن قلبهما قليلًا، ليس لعودتهم ولكن بمن كان بصحبتهم، فكانت"تسنيم" تخشى أن يكون سبب غيابه متعلق بما يضمره من انتقامًا قاسٍ لهذا اللعين، ولكنها تعلم بأن "فهد" سيمنعه من ارتكاب أي شيئًا خاطئ.
صعد كلًا منهما لغرفته، فما أن ولج "آسر" للداخل، حتى وجدها تسرع إليه وهي تهمس من بين شهقات بكائها:
_أنت كنت فين أنا كنت هموت من القلق عليك!
رسمت على طرف شفتيه ابتسامة عاشقة لقربها منه، فضمها بقوةٍ إليه، ويديه تخطو ببطءٍ على ظهرها:
_أنا كويس يا تسنيم متقلقيش.
ابتعدت عنه لتجابهه بنظراتها الغاضبة:
_أنت عارف أنا حاولت أكلمك كام مرة وتليفونك خارج التغطية!
اتجه لخزانته، فخلع جاكيته وهو يجيبها:
_مكنش في شبكة بالمستشفى.
انخلع قلبها من خوفها لسماع تلك الكلمة، فأسرعت بطرح سؤالها التالي:
_مستشفى ليه، أنت فيك حاجة!
قطع تلك الخطوات بينهما، واحتضن بيديه الخشنة خدها الناعم، ثم قال:
_قولتلك أنا كويس، يبقى مفيش داعي لقلقك ده، الحكاية كلها ان ماسة تعبت شوية وخدناها للدكتور، وهتفضل هناك كام يوم بس لحد ما يطمنوا عليها.
ضيقت عينيها بذهولٍ:
_ماسة! بس أنا سايباها وهي كويسة ومكنش فيها حاجة.
بحزنٍ أجابها:
_حالة ماسة مش مستقرة يا تسنيم،في لحظة ممكن تتراجع زي اللي حصلها المرادي.. ادعيلها.
ترقرقت الدموع بعينيها رأفة على حالها، فقالت بتأثرٍ:
_بدعيلها في كل صلاة والله، أنا حبيتها وبعتبرها هي والبنات كلهم أخواتي.
ابتسامة عذباء شقت وسامة وجهه، فضمها لصدره وهو يخبرها بيقينٍ:
_ربنا هيستجاب لدعواتنا كلنا..
ثم رفع ذقنها اليه، ليتمكن من طبع قبلة خاطفة على جبينها فاتبعه همسًا خافت:
_هرتاح ساعتين وبعدين نتحرك على بيت أهلك، أنا مش ناسي إن النهاردة معزومين هناك على الغدا.
بسمتها توجتها السعادة، فبالرغم مما يمر به من ظروف قاسية الا أنه مازال يتذكر ما يخصها، كان من الممكن أن يعتذر بلباقة عن هذا الموعد ولديه ألف حجة وحجة، لكنه قدر دعوة أبيها إليه حتى وهو بأصعب أوقاته.
********
بسرايا "المغازية".
كان يجلس بمكتبه منذ الصباح يتابع عمله الذي تعرض لخساير طائلة من المال، فحاول" أيان" جاهدًا أن يخرج مما عرضه "آسر" إليه بأقل الخساير الممكنة، ولكنه أصابه في مقتل فكل حل يلجئ إليه يكلل له خسارة فاضحة ومكسب رابح إليه، أغلق "أيان" حاسوبه بتعصبٍ شديد، ثم جذب هاتفه ليتحدث مع مدير أعماله بالقاهرة، عله يجد سبيل أمن للخروج من تلك المعضلة.
أما بالخارج..
كانت تعد الخطط والمؤامرات للتخلص من تلك الدخيلة التي ستنهي ما تعبت تلك الحية بزرعه بداخل ابن شقيقتها الراحلة، بعدما تأكدت بأنها تفقد سيطرتها عليه رويدًا رويدًا، فبدلًا من أن تحقق انتصارها بذلها وكسر كبريائها ستفوز الاخيرة عليها بفوزها بقلبه، لذا رأت بأن اليوم مناسب لخطتها وخاصة بوجود "أيان" حتى لا تقع الشكوك عليها، فأشارت بيدها لأحد الرجال المخلصين إليها وقد جمعهما اتفاقًا سابق، فانحنى تجاهها ليستمع لهمسها المنخفض:
_عملت اللي قولتلك عليه؟
أومأ برأسه وهو يؤكد لها:
_كله تمام.
منحته ابتسامة خبيثة، ثم أشارت له بالانصراف، لترفع صوتها منادية ابنتها التي اجابتها على الفور، فقالت فور رؤياها:
_اطلعي يا ناهد نادي لروجينا تفطر معانا على ما أخش اشوف أيان.
انعقد حاجبيها في دهشةٍ وعدم استيعاب لما تقوله والدتها، فكان الأمر مخيفًا بالنسبة إليها، كيف تطورت العلاقة بينهما هكذا وهي بالأمس تقسم بالتخلص منها!
ظلت محلها تبحلق بها، فاهتز جسدها بهلعٍ حينما صاعت الاخيرة بتعصبٍ:
_انتي لسه واقفة مكانك!
تحركت من محلها وهي تقول:
_حالا..
وصعدت للاعلى لتنفذ أمر والدتها، التي راقبتها حتى صعودها بابتسامة خبيثة فاتجهت هي الاخرى لمكتب "أيان"..
تسلل الرجل بحرصٍ للأعلى لينفذ أخر خطوة بخطتهم المتفق عليها، فكان بانتظار خروجها ليشرع بتنفيذ ما ينوي فعله.
********
بغرفة"روجينا"..
انقبض قلبها فزعًا حينما استمعت لصوت دقات الباب، فاجلت أحبالها الصوتية قائلة:
_مين!
أتاها صوت يجيبها:
_أنا ناهد يا روجينا.
شعرت ببعض الأمان، فكانت تظن بأنها تلك العقربة:
_ادخلي.
ولجت للداخل، لتجدها ترقد على الفراش بتعبٍ يبدو عليها، دنت" ناهد"منه لتخبرها بارتباكٍ ملحوظ:
_ماما عايزاكي تنزلي تفطاري معانا تحت.
جحظت عينيها في صدمةٍ، فرددت بذهولٍ:
_أيه!
زمت الأخيرة شفتيها بحيرةٍ:
_معرفش بتحاول تعمل أيه صدقيني، بس يمكن تكون حابة تحسن العلاقة بينكم، خصوصًا إنها شافت بنفسها أد أيه أيان متعلق بيكي.
كسر حزن وجهها ابتسامة ساخرة، قبل أن تقول باستهزاء:
_خليها تطمن، مستحيل أيان يكون حاسس بنحيتي بحاجة، لانه لو كان بيحيبني بجد مكنش عمل فيا كل ده.
لمست بنبرتها الخافتة انكسارها، شعرت وكأن بداخلها انثى مهزومة تود الصراخ بأعلى صوت تمتلك، ولكنها تستكتر تلك الصرخة على جسدًا فارقته الروح وتركته ينزف، أسرعت أصابع "روجينا" لمسح الدمعات العالقة بأهدابها قبل أن تراها من تقف أمامها، ثم قالت وهي تحاول التهرب من نظراتها:
_شوية وهنزل وراكي.
هزت رأسها بتفهمٍ حاجتها لمساحة خاصة بها، لذا هبطت هي للأسفل ودعتها تلحق بها، نهضت "روجينا" عن الفراش بصعوبة، فمازال الدوار والإعياء يهاجمها، تحاملت على ذاتها لتجذب اسدال الصلاة الخاص بها ثم ارتدته لتصلي صلاتها قبل أن تهبط للأسفل، وكأن قلبها يشعر بأن قربها من الموت يزداد ببقائها بمثل ذلك المنزل وبصحبة أناس كهؤلاء، فما أن لامس رأسها سجادة الصلاة حتى انفطرت من البكاء وهي تردد بقهرٍ:
_اللَّهمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كثِيرًا، وَلا يَغْفِر الذُّنوبَ إِلاَّ أَنْتَ، فَاغْفِر لي مغْفِرَةً مِن عِنْدِكَ، وَارحَمْني، إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفور الرَّحِيم...
بكت براحةٍ وشعور الأمان يحتضنها، وكأن أوجاعها وأحزانها تخرج مصاحبة لتلك الدمعات، فرددت بصوتٍ متأثر أحباله:
_اللَّهمَّ اغْفِر لِي خَطِيئَتي وجهْلي، وإِسْرَافي في أَمْري، وَمَا أَنْتَ أَعلَم بِهِ مِنِّي، اللَّهمَّ اغفِرْ لِي جِدِّي وَهَزْلي، وَخَطَئي وَعمْدِي، وَكلُّ ذلِكَ عِنْدِي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَما أَسْررْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، أَنْت المقَدِّمُ، وَأَنْتَ المُؤَخِّرُ، وَأَنْتَ عَلى كلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
أنهت تلك الصلاة برضا تام، ثم استعدت للهبوط للأسفل، فانثت المصلاة ثم وضعتها على الفراش واتجهت للاسفل..
فور خروجها من غرفتها، القى ذلك الرجل قطع البلور الصغيرة أرضًا، ليجبرها على الانجراف عن الجانب الأيسر للدرج، كان يتعمد أن يجعلها تتجه للجهة اليميني، فلم يكن غرضه ان يسقطها على درجات الدرج، بل إختارت لها تلك العقربة سقوط حاد سيفتك بها لامحالة، فأمرته بخلع السور الخارجي للدرج، ففور اتجاهها للجهة اليمينى استندت "روجينا" على حافة السور كرد فعلًا تلقائي حينما كادت بالتعثر بكرات البلور المزعجة، فسقط السور المخلوع ومن خلفه كانت هي تتبعه، لتصرخ من بعدها صرخة رجت أرجاء السرايا بأكمله، بعدما استقر جسدها الهزيل على درج السرايا الخارجي من الطابق الثالث، انسابت الدماء من جسدها بأكمله، وعينيها ترى ظلامًا دامس يخيم بجلبابه الأسود عليها، رأت موتها يرحب بها بصدرٍ رحب، وكأن العالم بأكمله قسى عليها وكان الموت رحيمًا بها، لم تعد ترى ولا تسمع، فقدت كل شيء وأصبحت ساكنة مسلمة لمصيرها المحتوم، لم تشعر بصرخات من حملها بين ذراعيه وهو يناديها بفزعٍ، ويرجوها بأن تفتح عينيها، فحتى وجهها استحوذ عليه الدماء ليجعلها كالغارقة ببركان صنعه هو بيديه، ذبح من أمامها وهو يحركها وصوته يعوي بألمٍ كالضريعٍ:
_لا.... روجينـــــــــــــــــا....
*********
أصر العم "فضل" على استقبالهما بنفسه، فاحتضن "آسر" وهو يقول بترحابٍ وود:
_يا ألف مرحب بالغالي ابن الغالي.
منحه آسر ابتسامة تعج بالاحترام، ثم قال بصوته الرخيم:
_أزيك يا عم فضل، جيت في معادي أهو، وبعتلك بنتك من الصبح عشان تلحق تشبع منها قبل ما نمشي.
ضحكت العجوز وقال:
_طول عمرك ابن اصول وتعرف بالواجب..
وأشار له بالدخول، فوجد زوجته تساعد والدتها بتجهيز السفرة، حتى زوجة خالها كانت تضع الطعام بهمة ونشاط، اتجهت إليهم "تسنيم" اليهم وهو تشير على الطاولة قائلة:
_الأكل جاهز..
نهض العم فضل وهو يربت بيديه على ساق آسر قائلًا:
_يلا يا حبيبي.
أومأ برأسه ثم لحق به وعينيه تجوبان أعين زوجته المتكدسة بحديث مكبوت تود البوح به إليه، ابتسم بمكرٍ وهو يعلم ما تود الحديث به إليه، وخاصة حينما عاونت والدتها أخيها "عباس" بالجلوس على أحد المقاعد، فجذب آسر المقعد المقابل له ليمنحه نظرة تعمقت بالتطلع لحالته المذرية، فقال بنبرة ثابتة كبتت مكر بين طياته:
_ أيه اللي حصل معاه ده؟
ردت عليه زوجته بتأثرٍ مما يعانيه زوجها:
_طلع عليه بلطجية ضربوه وسرقوا كل اللي معاه... منهم لله ربنا ينتقم منهم.
ابتسم وهو يجابهه بنظراته الخبيثة:
_لا حول ولاقوة الابالله، ربنا يجزيهم ولاد الحرام..
ثم وجه حديثه لمن يتحاشى التطلع اليه بخوفٍ:
_خد بالك يا خال بعد كده، لحسن البلطجية دول لما بيحطوا حد في دماغهم بيجيبوا أجله..
ابتلع ريقه بصعوبةٍ بالغة، والخوف في حضرته يكاد يقتله، تناول آسر طعامه ونظرات تحيطه ببرودٍ قاتل، حتى دنت منه نظرة جانبيه تجاه زوجته التي تراقبه بعينين مغرقتين بالدموع وابتسامة فرحة مرسومة على وجهها، منحها بسمة هادئة طوفتها بدفء تتمنى خوضه لعمرً كامل، فراقبت تلك الساعات التي قضوها معًا بالمنزل حتى باتوا بمفردهما بالسيارة، فاستعد "آسر" للعودة للسرايا ولكنه فور أن وضع يديه على المقود وجدها نحتضن يديه، لتستميل اهتمامه، فاستدار بجسده تجاهها بنظراتٍ مهتمة لما ستقول، فتحرر صوتها الباكي قائلًا:
_أنا كنت بخاف أقعد وهو موجود في أي مكان، بس دلوقتي في وجودك مش بيهمني اذا كان موجود ولا لا..
واسترسلت بفرحةٍ غريبة:
_فرحانة وأنا شايفاه مرعوب وخايف حتى يبص نحيتي، أنا حاسة ان حق الايام اللي عشتها في خوف وقلق بترجعلي دلوقتي بالراحة والامان بوجودك يا آسر..
وبارتباكٍ قالت له:
_أنا بأحبك وبأحب طريقتك المختلفة بالتعامل مع كل شخص، بشوفك طيب مع الناس اللي تستاهل تشوفك كده، وشخص مستفز وعنيد مع اللي يستاهل، أنت ازاي فيك كل الصفات دي!
رمش بعينيه عدة مرات، ثم ابتسم وهو يجيبها بمكرٍ:
_هو أنتي مش بيحلالك الكلام الحلو المحمس ده الا برة البيت! خدي بالك انا باللي حاسس بيه دلوقتي هيبقى فعل فاضح على الطريق العام، المرة اللي فاتت ربك سترها معانا ببركة دعى الحاجة المرادي مفيش حد معانا يدعيلنا، وشوشو بيشجع في الخراب اسمعي مني..
انفجرت ضاحكة وهي تستمع لما يقول، فضحك هو الاخر وهو يشعل المقود ليتحرك بالسيارة وهو يغمز لها:
_للحديث بقية بس مش هنا.
لكزته بيديه بضيقٍ، فابتسم وهو يردد بحزن مصطنع:
_أنا عملت حاجة! مش بقولك شوشو شاطر في خرب البيوت اديكي هتقتليني أهو وإحنا لسه برة البيت..
نجح في اضحكاها مجددًا، فتأملها وهو يردد بجديةٍ تامة لا تتناسب مع شخصه المرح الذي كان يتحدث منذ قليل:
_خليكي واثقة أن ده هيبقى مصير أي حد يفكر يقرب منك، وأي حد أذاكي زمان محدش هيحاسبه غيري..
ثم أبعد يده عن المقود ليضمها اليه وهو يهمس بصوته الحنون:
_اللي يرشك بالمية أنا أرشه بالدم..
تعلقت به بجنونٍ، فأججت نيران رغباته تجاهها بتلك اللحظة، فشل السيطرة على طريقه فانغمس معها للحظاتٍ تفادى بها حادثًا مهيبًا، فأوقف سيارته ثم تطلع لها بنظرةٍ صارمة، مضحكة ، بللت شفتيها بخوف وهي تهمس برعب من نظراته:
_أيه!
لم يغير مجرى نظراته وكأنها متفقة عليها، فعادت لتهمس:
_أنا ماليش دعوة أنت اللي مبتصدق.
أشار بعينيه بحدةٍ:
_إنزلي.
رددت وهي تتطلع حولها بصدمةٍ:
_أنزل اروح فين!
استقرت نظراته للخلف، فعلمت الاجابة المناسبة لسؤالها، كبتت ضحكاتها بصعوبة وهي تنفذ أمره، فجلست بالخلف ليتحرك بالسيارة وصوت ضحكاتها المرتفع يرفرف رايات قلبه العاشق لها.
*****
ساعة تمر وتحتضنها الأخرى ومازالت بغرفة العمليات، طبيب يدخل ويتبعه الأخر، والجميع يتحدث عن حالتها الخطيرة، جن جنون أيان وهو يحاول معرفة ما يحدث لها، ولكن لا أحد يرد عليه، الجميع مشغول باسعافها، فخرج عن طور هدوئه، حينما جذب أحد الاطباء ليسدده تجاه الحائط وهو يصرخ به بغضبٍ جعله شخص مخيف:
_قولي مراتي جرالها أيـــــــه؟
ابتلع الطبيب ريقه بصعوبةٍ، فلم يجد سوى الاستغاثة بافراد الأمن، ليجتمع من حوله عدد من الممرضين وعلى رأسهم مدير المشفى الي تدخل ليحل الأمر كونه يعلم بكناية "آيان" التابع للمغازية وهي بالنهاية عائلة من كبار عائلات الصعيد، ليستقبله هو شخصيًا حينما درس الحالة من الاطباء ليخبره بهدوء:
_ممكن تتفضل معايا مكتبي وأنا هشرح لحضرتك الحالة.
عدل من جاكيت بذلته الغير منظم ثم اتبعه للداخل وقلبه يستوقفه الف مرة خوفًا من سماع ما سيقول، جلس على المقعد المقابل له، فوضع المدير الملف من أمامه ثم عبث بيديه بارتباك وهو يحاول ايجاد الكلمات المناسبة لقولها لرجلً لا يرى بعينيه سوى عشقًا لتلك المرأة التي تسارع موتها بالداخل:
_أستاذ أيان حضرتك لازم تكون آآ..
قاطعه حينما طرق بيديه على سطح مكتبه وهو يردد بحدةٍ:
_وفر المقدمة دي لنفسك وقولي مراتي جرالها ايــــــــه.
اتاه رده السريع:
_مبدئيًا كده احنا خسرنا الجنين.
اهتز جسده لاستقباله ذلك الخبر الحزين المتوقع، ورغم ذلك كان صلدًا، شامخًا، يخبره بكل صلابة:
_مش مهم، المهم هي حالتها أيه؟
لعق شفتيه بتوترٍ ملموسًا ليستعين بكلماتٍ دقيقة توصف له خطورة وضعها:
_للاسف الواقعة سببتلها اصابات حرجة ومنها اللي اصاب الجزء السفلي وده اثر على خلايا النخاع الشوكي وبالتالي لازم ننقلها نخاع بأسرع وقت ممكن.
ابتلع تلك الوخزة التي استهدفته، ليجاهد بالحديث:
_أنا مستعد اتبرعلها.
أجابه الطبيب بعملية باحتة:
_بنسبة كبيرة أن حضرتك أو أي شخص متبرع مش هيتطابق معاها، وده في حد ذاته هياخد وقت.. واحنا محتاجين نتحرك بسرعة عشان كده لازم نعمل اختبار لعيلتها وبالأخص اخواتها...
صدمة غريبة من نوعها اسباحت الخوض بأعماقه، فسكنت حركة جسده المتعصب، تعجب الطبيب لما حدث معه فور سماعه حديثه الاخير، فقال بعد تخمين:
_ملهاش اخوات؟
نفث الهواء الثقيل عن رئتيه وهو يجيبه:
_عندها..
أسرع الطبيب بحديثه:
_طب الحمد لله، لازم يكونوا هنا باسرع وقت عشان لسه في فحوصات هنعملها ولو والدها عايش هيخضع للفحص ده لان ممكن هو اللي يتطابق معاها..
ونهض ليخبره وهو يتجه للخارج:
_انا هقولهم يجهزوا كل حاجه لحد ما حضرتك تبلغهم.
وتركه بمفرده وغادر للخارج، أطبق أيان بيديه على خصلات شعره فكاد بقطعهما من فرط التعصب الذي يواجهه، كيف سيلجئ لعدوه اللدود لأجل المساعدة، لا يقتل الف مرة على أن يذل نفسه، ولكن موته هو سهل بالنسبة إليه، حياته هو لا تعنيه القرار هنا هل سيستطيع العيش بدونها؟
هل سيجعلها تتركه هنا عند تلك المحطة!
هل سيحتمل فراقها بعدما فارقته والدته هي الاخرى..
********
خرجت للحديقة تبحث عنه بعدما أرسل لها برسالة، فوجدته يوليها ظهره، دنت منه تالين ثم نادته باستغرابٍ:
_عبد الرحمن!
اغلق عينيه مطولًا قبل أن يستدير إليها، فتأملها بصمتٍ طال بهما الى أن مزقته هي:
_طلبت تشوفني عشان تفضل ساكت!
رد عليها بصوت مهموم:
_لا، أنا بس محتار وخايف.
عقدت حاجبيها بدهشةٍ:
_من أيه؟
أجابها بوضوحٍ:
_خايف تكدبي عليا في السؤال اللي جبتك عشانه.
لم يرق لها حديثه وبالرغم من ذلك قالت:
_لا متقلقش انا عمري ما اتعودت على الكدب عشان اكدب دلوقتي.
طال صمته مجددًا، الى أن قال:
_تالين انتي على علاقة بحد.
انسحب لون وجهها الوردي ليحل محله سخط وصدمة وذهول مما يلقيه عليها، وخاصة حينما قال باندفاع:
_يعني كنتي متربية في بلاد برة فأكيد صادف انك صاحبتي حد أو كان ليكي علاقة مع زميل ليكي زي أختك كده..
كسرت صدمتها تلك سريعًا، لتجبر يدها بأن تهوى على خديه، احتدت نظراته بغضبٍ، فشيء مخزي له بأن تصفعه امرأة، كاد بأن يمسك بها ولكنها دفعته بعيدًا وهي تصرخ بوجهه بجنونٍ:
_انت انسان قذر وأنا غلطت لما وافقت عليك من البدايه، انت ازاي تسمح لنفسك تتهمني اتهام بشع زي ده، مش أي بنت عاشت برة في مجتمع غربي تبقى باعت نفسها انت تفكيرك مريض زيك زي ناس كتيرة اوي.. أنا كان قدامي فرص كتيرة اني اغلط مع اي شخص من اللي كانوا بيحاولوا يتقربوا مني بس انا عمري ما سمحت بده خوف من ربنا مش من ابويا، لو اي بنت خافت تعمل حاجة في وجود اهلها وهي حابة تعمل ده هتعمله من ورا دهرهم لكن اللي تخاف من ربنا عمرها ما هتعملها لانها متأكدة انه معاها وشايفها في كل مكان... انت ربنا كشفك ليا قبل ما اتعلق بيك ولا اسمح لنفسي انك تكون في حياتي..
وتركته مشدوهًا لكل كلمة تفوهت بها وغادرت، فاق من غيبوبته المريضة تلك فأسرع بالركض خلفها وهو يناديها بندم:
_تالين استني..
لم تعيره انتباهًا وصعدت لغرفتها سريعًا ومازالت لا تستوعب ما استمعت اليه للتو، ظنته مختلفًا، سيصونها ولكنه كسر قلبها مع اول لحظة شك تعرضت اليه..
******
تجمعوا جميعًا على طاولةٍ العشاء، ليكسر هدوء جلستهم رنين جرس الباب أكثر من مرةٍ، فأحدث جلبة مزعجة للجميع، فأشار سليم لابنه قائلًا:
_شوف مين اللي على الباب ده..
نهض بدر ليفتح الباب، فصعق حينما رأه يقف أمامه، فصاح بتعصب شديد:
_أنت جاي لموتك برجليك!!
ابعده أيان عن طريقه ثم دخل لمنتصف السرايا، حتى بات يقف بمرمى نظرات الجميع وعلى رأسهم "فهد" و"آسر" الذي نهض عن الطاولة ليلقيه بنظرةٍ اشعلت داخلها النيران وكأنها ستبتلعه لتحرقه حيًا، حتى أن رجال فهد أسرعوا بالتجمع من حوله ومع ذلك لم يهتز له شعرة، فكان يتطلع لفهد بنظرة عميقة، يملأها غموض وقلق نجح في نقله إليه وإلى قلب أمًا تستطيع الشعور بابنتها حتى لو كانت على ألف ميل!
........ يتبع..........
#الدهاشنة 3... #بقلمي_ملكة_الإبداع_آية_محمد_رفعت...
تستمر معكم فاعليات #معرض_راس_البر_للكتاب لليوم الثاني على التوالي .. حيث انطلق منذ الأمس في دورته الثالثة بالمدينة ..
يسعدنا تواجد حضراتكم وتشريفكم في خيمة #إبداع وخصومات ولا أروع على كافة الإصدارات الجديدة والسابقة
كذلك تتوافر روايتي الجديدة #الاربعيني_الاعزب هناك
مكان المعرض: مدينة راس البر بدمياط، في شارع النيل، بجوار فندق البوريفاج
توقيت المعرض يوميًا من الخامسة عصرًا وحتى الواحدة بعد منتصف الليل
*****_________****
الدهاشنة 3 .. وخفق القلب عشقاً .. آية محمد رفعت الفصل السابع 7 - بقلم آية محمد رفعت
#الدهاشنة3... (#وخفق_القلب_عشقًا..)
#الفصل_السابع_والثلاثون.
(إهداء الفصل للقارئة الجميلة/ أسماء ربيع ، شكرًا جزيلًا على دعمك المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنك يا جميلة...قراءة ممتعة 💙)
رسم على تعابيرهم علامات مختلفة ما بين الصدمة والدهشة لجراءة هذا الوقح الذي أتى لمنزلهم، وكأنه لم يفعل أي شيئًا، وحبس الشباب غضبهم الثائر تجاهه في حضرت الكبير، فكانوا ينتظرون ما سيأمرهم به، وما نجحوا بفعله فشل به "آسر"، الذي ترك الطاولة ثم اتجه ليقف مقابله وجهًا لوجه، ليكسر حاجز الصمت حينما قال بنبرته المتعصبة:
_أنا قولتلك لو دخلت البيت ده برجليك تاني أنا اللي هقطعلك رقبتك.
ورفع يديه ليقبض على رقبته وجحيم غضبه يخيم على حدقتيه القاتمة، فكان على"عبد الرحمن" و"أحمد"الذي كان يجلس ليتناول طعامه بالتداخل على الفور، دفع "عبد الرحمن" "أيان" للخلف ، بينما قيد "أحمد" و"بدر"ذراع"آسر"القوي، فصرخ به أحمد بضيقٍ:
_اهدى يا آسـر وإحترم وجود عمي!
مغيب هو عن وجود أي أحدًا لجواره، فكل ما تلتقطه عدسة عينيه هو صورة ذلك اللعين القذر، كاد بالهجوم عليه مجددًا فمنعه "سليم" ليأمره بصرامةٍ:
_كفياك يا آسر، خلينا نشوف جاي عايز أيه!
تركت "راوية" مقعدها بعدما التصقت به لفترة في محاولات مستميتة لأن تحرك ساقيها، فدنت منه ثم قالت بنبرة مهتزة أحبالها:
_بنتي كويسة؟
كان يقف كالصنم، يتجاهل جميع من حوله، فنظراته لا ترى أحدًا سوى "فهد" الذي مازال يجلس على مقدمة طاولته ويتطلع له بسكونٍ مريب، قاطعه حينما نهض عن مقعده ليقترب منه بخطواتٍ بطيئة لا تليق سوى بهيبته، ليقف من أمامه ثم رفع عصاه الانبوسية المميزة ليضعها على كتف أيان رافعًا صوته بكل شموخًا:
_جاي ليه يابن المغازي!
تحرر لسانه عن سكينته حينما قال:
_أنت عارف كويس يا فهد اني مستحيل هدخل بيتك وهقف قدامك كده غير وأنا مجبور ..
ابتسم آسر ساخرًا:
_ده لانك اتعودت تضرب من تحت لتحت زي الستات ما بتعمل بالظبط، فوضع الرجالة مش مناسبك في المواجهة.
تحمل غلظته وابتلع اهاناته التي كان مذاقها كالعلقم، واسترسل حديثه وعينيه مازالت تتطلع لفهد:
_بنتك في المستشفى ومحتاجة نقل للنخاع الشوكي منك أو من ابنك.. فكان لازم أجي وأعرفك...
اعتلت الصدمة وجوه الجميع، وانطلقت صرخات "راوية" لتعاون البعض في استيعاب تلك الكلمات الثقيلة، رددت ببكاءٍ ووجعًا:
_بنتي، عملتوا فيها أيــــه... لأ..
تلك المرة فشل الشباب بأكملهم إيقاق "آسر" الذي انهال عليه بلكماتٍ افتكت بوجهه الذي نزف بغزارة أمام قوته، وشراسته بالهجوم، لم يتوقف تلك المرة الا حينما جذبه "فهد" وهو يصيح بانفعالٍ:
_وبعدهالك! قولتلك متتدخلش في الموضوع ده، اتحكم في اعصابك.
رد عليه آسر باندفاعٍ:
_بعد اللي سمعته ولسه بتقولي أتحكم في أعصابي!
نهض "أيان" عن الأرض، ثم جذب جاكيته الملقي أرضًا ليرتديه باهمالٍ، وتحرك بخطواتٍ مجهدة تجاه باب الخروج وهو يقول بصوتٍ يكاد يكون مسموع:
_أنت عارف طريق المستشفى كويس..
وقبل أن يخرج من الباب استدار برأسه تجاه كبيرهما وقال بكرهٍ نجح بزرعه في لهجته:
_ومتفكرش مجيتي هنا معناها ان العداوة اللي بينا انتهت يا فهد، اللي بينا مش هينتهي غير بموتك أو بموتي.
وغادر تاركًا النيران تنهش قلب تلك الأم المسكينة التي تتمزق على ابنتها بوجعٍ، فلم يعينها وجود تسنيم وحور وباقي النساء لجوارها، بل كل ما تراه هو زوجها، فأسرعت اليه لتقف من أمامه، قائلة بخوفٍ من هدوئه الغريب:
_فهد.. قولي انك مش هتتخلى عن بنتك وتسبها تموت!
شدد يديه على طرف عصاه ليجيبها ببرودٍ غامض:
_بنتي! هو أنا ليا بنات!
حرصت بأن يصل الهواء لمجرى تنفسها، فهي بحاجة بأن تسترد وعيها سريعًا لأجلها، فقالت بدموعٍ ترقرقت بعينيها:
_لا مستحيل تعملها، روجينا من لحمك ودمك يا فهد حرام عليك... هتقدر تعيش وانت شايل الذنب ده.
لم يهتز له جفن، ملأ السخط نظراته المتجهة إليه، فتراجعت للخلف بظهرها وهي تردد بصدمة:
_مبقتش عارفة الانسان اللي عايشة معاه، بس لا يا فهد أنا مش هقعد وأتفرج على بنتي وهي بتموت، أنا وابني مش هنتخلى عنها سامـــــــــع!
وجذبت الجلباب الأسود الذي تحمله تسنيم، ثم عقدت حجابها حول رأسها بإهمالٍ، لتتجه الخروج وهي تشير بيدها إليه:
_يلا يا آسر.
تلك النظرة العميقة المتبادلة بين الأب وابنه غامضة حتى عليها، فكانت حائرة فيما يلقنه "فهد" من تعليمات غريبة اتنقلت لمن يتقبلها ويعلم بفك شفراتها، علاقتهما خاصة وفريدة من نوعها، يحترم بها الابن ابيه والاب يحترم ويقدر غضب ابنه وثورته، خشى "سليم" ان تزداد الامور سوءًا بين ابن عمه وزوجته، فظن كما ظن الجميع بأنه سيمنع آسر من الخروج، ولكن تبادل النظرات الصامتة بينهما جعل الجميع في حيرةٍ مما يحدث، حتى انتهى الأمر بينهما بإيماءة رأس "آسر" ليتجه للخروج وهو يشير لوالدته بأن تمضي لجواره، فاتبعه "بدر" و"أحمد"..
********
بسرايا "المغازية"
استمعت للمتصل بحرصٍ شديد، فامتعضت معالمها فور سماع هذا الجزء الغير محبب لها، ثم قالت بغضبٍ:
_لسه عايشة!!! هي البت دي بسبع ترواح!
هدأت قليلًا وهي تضيف بابتسامةٍ شيطانية:
_وتفتكر فهد هيرضى يتبرعها أو هيقبل يخلي ابنه يتبرع!
اليوم كان بالنسبة لها انتصارًا عظيمًا، فما يسعدها حقًا بأنها تخلصت مما تحمله بين أحشائها، لا تعلم بأن ما تحمله لم يكن عائقها أبدًا بل حبها النابض بداخل قلبه!
******
يا كسرة هذا القلب المسكين الذي يعاني منذ تلك اللحظة التي اشتد بها عود ابنتها، ليتها ظلت تلك الطفلة الصغيرة ذات الجدائل القصيرة، فلا شك بأنها كانت ترتكب الأخطاء ولكن على الأقل كانت تضمها لصدرها وتحتويها، ولكن الآن فشلت في ضمها اليها، فباتت ابنتها المدللة متمردة، عنيدة، تأبى الخضوع إليها، ولكن كل ما حدث معها لا يساوي وجع تلك اللحظة القاسية وهي ترى ابنتها تستلقى وسط عدد ضخم من الأجهزة، حتى لم تكن بحاجة لتسأل الطبيب عن حالها، فمن يرأها بتلك الحالة المذرية يقسم بأنها على شفى حفرة الموت، خرت قوة "رواية" لتصرخ باكية وهي تهرول لفراشها:
_بنتـــــــــي، حبيبتي قومي يا نور عيوني، قومي يا حتة من قلبي.... ليه تعملي فينا وفي نفسك كده... ليه يا بنتي أنا مربتكيش على كده والله ما أثرت معاكي.... يــــــــــــــــا رب كله الا عيالي، خد عمري وهي لا...
وانحنت ساقيها أمام ذاك الفراش الذي تعيقه الاجهزة فتمنعها حتى من ملامسة يد ابنتها، ظلت معها بالغرفة بمفردها بينما لم يضيع آسر الفرصة فاتجه لمكتب الطبيب أولًا قبل أن يدخل إليها، فما أن ولج للداخل حتى وجد "أيان" يستلقى على المقعد باهمالٍ والطبيب يعالج جروح وجهه، فما أن تطلع اليه حتى رأى بوضوح عينيه التي تترقرق بالدموع، لم يعنيه الأمر كثيرًا فيكفيه نظرة الكره التي يسددها اليه، فبنهاية الامر هو الذي أوصل الأمور إلى هنا، سحب آسر نظراته ثم تطلع للطبيب ليقول بلهفة:
_أنا جاهز للاجراءات اللي حضرتك تطلبها يا دكتور.
حانت من الطبيب نظرة جانبية لأيان الذي همس بصوتٍ مرهق:
_أخوها.
جذب الطبيب الملف الموضوع على سطح مكتبه ثم اشار لهما بتتبعه وهو يردد بعملية:
_كويس انكم اتحركتوا بسرعة لان الحالة غير مستقرة، وللاسف الفحوصات والاشعات اللي هنعملها بتاخد وقت مش أقل من خمس أيام، فكل ما اتحركنا بسرعة كل ما كان أفضل للحالة..
اتجهوا سويًا خلفه حتى وصل لنهاية الرواق الطويل، ليصل لغرفة قريبة من الغرفة التي توجد بها "روجينا"، فما أن رأهم" بدر"الذي كان يقف أمام الغرفة ينتظر زوجة عمهم، فقال الطبيب على عجلة من أمره وهي يشير للممرضة بالانضمام اليه:
_أستاذ آسر حضرتك بتعاني من اي أمراض مزمنة.
أشار له بالنفي فقال بابتسامة مصطنعة:
_كويس... هنتحرك على طول.
وأشار للممرضة قائلًا:
_اتفضل مع الممرضة عشان نبدأ الفحوصات.
ظل آسر محله، وقبل أن يتبعها اقترب من أيان وهو يحذرة بنبرة شرسة:
_متقربش من الأوضة طول ما أمي جواها، فاهم!
منحه أيان نظرة متبلدة تعكس ما يشعر به في تلك اللحظة، فربت "بدر" على كتفيه وهو يشير إليه بتأهبٍ:
_متقلقش أنا مش هتنقل من هنا، روح أنت.. وشوية وأحمد هينزل من عند ماسة.
أومأ برأسه ثم غادر بهدوءٍ رغم اشتعال نظراته التي تراقبان ذلك النذل الكريه إليه.
*********
طرق "أحمد" على باب الغرفة، ثم ولج يبحث بعينيه عن "يحيى" ، فوجده يجلس على المقعد المجاور لفراشها، وعينيه متورمة من فرط الإجهاد، فاقترب وانحنى بجسده ليطبع قبلة حزينة على جبينها، ثم قال وعينيه تتطلع اليها:
_مفيش أي جديد يا يحيى!
هز رأسه نافيًا:
_لا، لسه زي ما هي..
شفق عليه، فهو الوحيد بينهما الذي يملك حربًا دائمة مع الابتلاءات، لذا يتمنوا ان تطرق السعادة بابه، دنا أحمد منه ثم عاتبه قائلًا:
_كده تخبي عني اللي حصل، هي دي مش أختي برضه وأمرها يهمني..
اتجهت نظراته المحطة اليه، ليجيبه بابتسامة يجاهد لرسمها:
_مكنش ينفع أقلقك في يوم زي ده يا عريس.
انكمشت معالمه بضيقٍ:
_عريس! ، أنا اختي عندي اهم من الدنيا كلها يا يحيى، انا فعلا زعلان منك ولولا حالتك دي أنا كنت عرفت أخد حقي منك وقتي.
ضحك وهو يعني بمقصده، فابتسم أحمد هو الأخر وهو يخفي حزنه وتمزق قلبه على ما يحدث له، فجذب جاكيته الملقي على الفراش ثم قدمه له قائلًا:
_طب يلا ارجع البيت كده غير هدومك وريحيلك ساعتين..
التقط منه الجاكيت ثم أعاده لمحله وهو يقول:
_لا مش هتنقل من هنا، ارجع انت يا احمد لعروستك ميصحش تسبها لوحدها من الاول كده..
رد عليه بتصميم:
_يحيى انت مش هتقدر تقعد جنبها وأنت بالحالة دي، لازم على الاقل تاكلك لقمة...
ثم ربت على يديه:
_يلا اسمع الكلام، وانا هفضل هنا مكانك لحد لما ترتاح وترجع.
منحها يحيى ابتسامة ممتنة، ثم انتصب بوقفته ليمنحها نظرة اخيرة تختم معالمها بداخله قبل أن يغادر..
*******
ظلت "رواية" لجوارها حتى خيم الليل بجلبابه الأسود المعتم، مازالت تجلس على سجادة الصلاة، تدعو وتتوسل لله أن ينجد ابنتها مما تمر به..
بالخارج.. أشار آسر لبدر بأن يدلف للداخل ليخبرها بأن عليهم الرحيل الآن، فما فعلته روجينا مازال يؤثر عليه، فمنع نفسه من الدخول، خشى أن يرأها في تلك الحالة فيجن جنونه ويقتل ذلك الأرعن في محله، فمازالت هناك حلقة مفقودة حول حادثها المخيف هذا، ولكن ما يجعله حائرًا حالة الحزن الغير مصطنعة على وجهه..
عادوا جميعًا للسرايا، فرفضت رواية الصعود لجناحها الذي يجمعها بزوجها القاسي ذو القلب الحجري من وجهة نظرها، لذا قطنت بأحدى غرف الضيوف، ابتعدت عنه لأول مرة منذ زواجهم، لعله يشعر بسوء ما ارتكب، ولكنها لا تعلم بأنه ينازع ألم لا يحتمله رجلين، ألمًا يمزق جسده لأشلاء، وكل جزء يكبت صراخاته خلف قناع البرود الزائف، فاكتفى بتحركاته السرية التي ظنها مخفية عن الجميع!
*******
بجناح "بدر"
دنت من باب الجناح بخطواتٍ مترددة، حتى أنها فكرت كثيرًا قبل أن تطرق، ولكنها وجدته الأنسب لما تود قوله، طرقت عدة مرات حتى فتحت "رؤى" الباب، فابتسمت قائلة بترحابٍ:
_تالين! ، اتفضلي يا قلبي..
وجهها التعيس فشل برسم بسمة صغيرة، فقالت بجفاء:
_بدر لسه صاحي يا رؤى؟
رغم دهشتها من تلك الحالة الغريبة التي تسيطر عليها الا أنها أشارت بيدها للداخل:
_أيوه يا حبيبتي ادخلي.
ولجت "تالين" للداخل، فاستقام بدر بجلسته فور رؤياها، واستقبالها بابتسامةٍ هادئة:
_يا أهلًا بعروستنا، ده أنا قولت انك نسيتنا..
جلست رؤى جواره، لتمازحها قائلة:
_هي نسيتنا بس دي نست الدنيا مهو خلاص عبد الرحمن أكل دماغها.
بدت اليهما غير مرحبة بالمرة بالحديث وخاصة عنه، فقالت بجدية تامة:
_ممكن أتكلم معاك شوية يا بدر.
شعر بأنها تود الحديث معه على انفراد، لذا كان ذكيًا في إبعاد زوجته عن المجلس حينما قال:
_معقولة تالين مجتلناش من زمان ونسيبها كده من غير واجب ضيافة.
نهضت وهي تجيبه بلهفة:
_نسيت والله، حالا
وتركتهما ورحلت لتعد ما يناسب استقبال شقيقتها الحبيبة، فما أن ابتعدت عن الغرفة حتى تساءل بدر باستغرابٍ:
_في أيه يا تالين، شكلك مش طبيعي خالص من لما دخلتي!
لعقت شفتيها بتوترٍ وهي تحاول ايجاد المناسب لقوله، وبعد فتره من الصمت قالت:
_بدر انا مش عايزة أكمل في العلاقة دي، أنا مش عايزاه ومش عارفة اتكلم مع مين لاني مش هقدر اقول اسباب، فملقتش غيرك انت جوز اختي وتعتبر أخويا، عايزاك تخلصني من الموضوع ده من غير ما حد يسالني أي اسئلة ملهاش لزمة.
كانت مفاجأة صادمة اليه، فقال وعينيه تتركزان على حركة أصابعها المتوترة:
_طب أفهم بس، ليه عايزة تسبيه!
لمعت عينيها بالدموع، واحتبست الدماء بداخلها، فقالت بانكسارٍ:
_عبد الرحمن بيشك فيا..
رفع حاجبيه بصدمة:
_بيشك فيكي ازاي!
مسحت دمعاتها وحاولت السيطرة على شهقاتها المتقطعة، فانتظم تنفسها:
_شاكك اني على علاقة بحد، وكلامه ونظراته كانت كلها اتهامات بشعة..
انكمشت حدقتيه بغضبٍ:
_معقول!! اتجنن ده ولا ايه.
خانها التعبير فباتت متخبطة بما تخفيه وما ستقول:
_فاكرني غلطت مع حد زي ما رؤى عملت قبل كده وآ...
بترت كلماتها حينما علمت بما تفوهت، فقالت بحرجٍ:
_أنا أسفة يا بدر، صدقني انا مقصدش إآ..
قاطعها حينما قال بنبرة لطيفة يخفي من خلفها غضب عظيم:
_لا ولا يهمك، الغلط مش عليكي الغلط على الحيوان اللي فقد عقله ده..
ثم تطلع اليها وهو يسترسل:
_عمومًا سبيلي أنا الموضوع ده متقلقيش أنا هتصرف..
نهضت وهي تودعه قائلة:
_ياريت في اقرب وقت يا بدر، هرجع اوضتي تصبح على خير.
ودعها بابتسامة رسمها بصعوبة:
_وانتي من اهله.
وما أن غادرت الغرفة حتى جذب ملابسه واتجه لغرفة ابن عمه، فدفع بابها بقدميه، لينتفض من يستلقي على فراشه بفزاعٍ، فهدأ قليلًا حينما تأمل من يقف أمامه، فصاح بعصبيةٍ:
_أيه يا عم في حد يدخل على حد كده خضتني.
احتدت نظراته تجاهه، فاقترب ليقف من أمامه ليجيبه ساخرًا:
_لا متتعصبش، سيب عصبيتك للي جاي.
واستعان بحديثه بلكمةٍ افتكت بالاخير وطرحته أرضًا، فمسح الدم العالق على شفتيه ثم قال بدهشة:
_أنت اتجننت يا بدر، بتمد ايدك عليا!
انحنى ليجذبه اليه، واخشونت نبرته بسخطٍ:
_إحمد ربنا لو كنت حد غريب كنت قطعت رأسك ورأس أي حد يفكر يخوض في عرض مراتي.
جحظت عين عبد الرحمن في صدمةٍ، من بشاعة الاتهام الملقي على اعتاقه، فبصعوبة تمكن من استدعاء صوته:
_أيه اللي بتقوله ده!
تركه بدر ثم كور يديه ليضعها اصبعه أمام وجهه:
_عقاب اللي قولته واللي عملته كبير اوي عندي، وانسى ان تالين هتكونلك في يوم من الايام.
وتركه وكاد بالرحيل، فاتبعه عبد الرحمن ثم اوقفه وهو يتساءل بحيرة:
_انا حصل سوء تفاهم بيني وبينها بس صدقني انا مقولتهاش حاجة عن مراتك ولا اقدر اعملها!
اشتعلت حدقتيه لسماع مبرر اقبح من ذنبًا، فثار به:
_أنت عارف انت عملت ايه، وعارف برضه أني مش هتهاون مع أي حد يمس عرضي حتى لو كان الحد ده ابن عمي.
وتركه وغادر، فجلس عبد الرحمن على الفراش بصدمة مما تسبب بفعله دون قصدًا منه!
*******
اليوم يمر والأخر يلحق به ومازالت "فاتن" تنتظر عودة "أيان" للسرايا ولكنه منذ لحظة دخول روجينا للمشفى يقضي جميع ساعاته لجوارها، وحينما يأتي آسر ووالدته ينتظر بسيارته فور مغادرتهما، ليس خوفًا منه ولكنه يحتمل لاجل ان يتم اجراء تلك الجراحة التي ستنقذ من أخبره قلبه بعشقها، فهمس له خلسةٍ بأنه خفق لها عشقــًا!
ولكن اليوم ستنتهي تلك المعاناة وخاصة بعد ساعتين من الآن، فالاطباء يستعدن بعد تلك الايام من اجراء الفحوصات اللازمة للجراحة، فأبت "تسنيم" ترك زوجها في تلك اللحظة، فكانت تجلس لجواره ويدها تشدد على يديه بخوفٍ، عينيها تلمعان بالدموع التي تحتبسهما بصعوبة، فمال برأسه على جبينها ثم همس لها:
_متخافيش يا روحي الموضوع بسيط خالص..
هزت رأسها والدموع تنهمر على خديها، فكانت بحاجة للانفراد به ولو لدقيقةٍ، فلا تمتلك الحق لايقافه عن هذا العمل النبيل الذي سينقذ به حياة انسانة وليست اي انسانة، بل شقيقته من روحه ودمه، لا... لا يحق لها ذلك ولكن يحق لها مجابهة الألم والخوف إلى أن تراه يقف من أمامها من جديد، استغل آسر التهاء الشباب بالحديث، فكان أحمد يحاول معرفة سر تطور العلاقة بينهما، فضمها لصدره ثم مرر يديه على جسدها وهو يهمس لها بصوته الرجولي الجذاب:
_ده بدل ما تقوليلي كلمتين حلوين يحمسوني ارجعلك، بتعقديني ينفه كده، المفروض انك تكوني في البيت، مش هنا، بعد كده مش هسمع كلامك تاني..
ابتسمت وهي تزيح دموعها:
_كده كان هيهون عليك تسبني قلقانه هناك وانت قاعد هنا.
ضحك وهو يجيبها:
_قاعد في الساحل وسايبك مثلا!
لكزته والضحك يضيء وجهها المطفي، كل ذلك ونظرات أيان تراقبهما، لا يعلم لماذا شعر بتلك اللحظة بندم يعتصر اضلاعه، كان من الممكن أن يعيش مثل تلك الحياة الهادئة مع من أحبها، ولكن ماذا فعل؟
دمرها أولًا ثم دمر نفسه بعدها، التقط نفسًا مطولًا وهو يحاول محاربة أوجاعه، كل وجعًا مسؤول عنه سبب يختلف عما يسبقه ولكن بالنهاية يصب بنفس الجسد الذي اعتاد على الألم منذ الصغر، ففتح عينيه وهو يتطلع لهما نظرة أخيرة، فوجد تسنيم تتعلق بيد زوجها والعشق يتربع بين اعينهم، وفوقه رأى جانب يتسم بالحنان والعشق من تلك الشخصية الهمجية التي لم يتبين منه اليه سوى الغلظة والتعصب، وليكن صادق الاحساس مع نفسه اعترف بنجاح فهد بتربية ابنه تربية لم ينالها هو على يد خالتها التي بات يمقتها في تلك اللحظة التي دخلت روجينا هذا المكان، ينتظر الوقت المناسب ليلقنها درسًا قاسيًا، ستعلم من بعده مع من اختارت اللهو.
افاقوا جميعًا من غفلتهم المختلفة على صوت الممرضة وهي تخبر آسر بأن يأتي للداخل، ففور سماع "تسنيم" لذلك تمسكت به بجنون، فربت بيديه على يدها المحتضنة له ثم قال بعتاب:
_اتفقنا على ايه! أخلي أحمد يرجعك؟
هزت رأسها بالنفي، فقال بحزم:
_خلاص اقعدي وخليكي هادية تمام؟
أشارت له بنعم، اتبع بدر اشارة آسر، فدنا ليجلس على مقربة منها حتى يكون حمى لها من هذا الحقير الذي لا يضمنه أحدًا، ثم اتبع الممرضة بذاك الممر الطويل ونظراتها تشيعه بلهفة وخوف وارتباك، تردد غريب ينتباها حول ما تود قوله له، ولكنها ترى بانها ليست اللحظة المناسبة، حاربت تسنيم تلك الجهتين المختلفتين ولكنها لم تستطيع، فنهضت عن محلها ثم اسرعت خلفه بخطواتٍ سريعة وهي تناديه:
_آســــــــر.
توقف عن المضي قدمًا ثم استدار للخلف، ليجدها تدنو منه وشفتيها ترتعش بشيئًا تود قوله، وعينيها تتطلع لمن يقف حوله بخجل، فاقتربت منه فعلم بأنها تود الهمس له عن شيئًا ما، لذا ضمها اليه ليجدها تهمس اليه بكلمة جعلت جسده يتخشب تدريجيًا محله، وحينما ابتعدت تطلع لها بصدمة، وكلمة واحدة يرددها:
_بجد؟
أومأت برأسها بابتسامة صغيرة وهي تخبره:
_كنت هقولك بس حسيت ان الوقت مش مناسب.
رفع احد حاجبيه ساخرًا:
_وده المناسب!
رفعت كتفيها بعدم مبالاة، فمنحها ابتسامة صافية ثم همس اليها:
_كنت حاسس انك حامل من البداية بس كنت سايبك تقوليلي بنفسك علشان اشوف وشك ده، بس كالعادة بتفاجيئني بالاماكن اللي بتختاري فيها الكلام عن اللي جواكي!
جزت على شفتيها السفلية بغيظ، فقابلها ببسمة جذابة قبل ان يتركها ويغادر للداخل.
*******
بغرفة "ماسة"
مرت ستة أيام والابتسامة لم تزور وجهه، ومع ذلك لم يتركها بل يظل لجوارها طوال الوقت، ويديه لم تترك يدها لثانية، كأنه يكفر عن خطأ واحد ارتكبه وظن بأن تكفير ما يفعله مازال ضيئلًا، رغم انه يفعل المحال لاجلها، انحنى يحيى ليطبع قبلة على يدها المحقونة بالابر الطبية وهو يردد باشتياقٍ:
_وحشتيني، وحشني صوتك وضحكتك وكلامك وكل حاجة فيكي، لحد امته هتختبري صبري يا ماسة، عشان خاطري فوقي..
ووضع رأسه على يدها تاركًا دمعاته تهبط على يدها لتستطيع ملامستها، تحرك جفن عينيها وكأنها تحاول فتحهما، فليته كان يجلس باستقامة ليرى تلك التغيرات الطارئة التي تحدث لحالتها، كسر حاجز الظلام ذاك الضوء الذي تسلل لعينيها العسلية لتخبرها بأنه استعادت مجدها اليوم، انطلق شعاع حياتها ليخرجها من ظلمة فقدان الوعي، بدى تنفسها ثقيل الى حدًا ما، ولكن لم يعنيها سوى التطلع لمن تشعر بوجوده بكل نفسًا تلفظه، فابتسمت وهي تحرر صوتها القابع بداخلها لفترةٍ:
_غريب انك المرادي متخلتش عني وسبتني!
فتح عينيه على مهلٍ والصدمة تطرحه أرضًا، فجاهد لرفع رأسه الذي اثقلته الصدمة، ليتطلع لها، بالبداية كانت صدمة استعادة وعيها والآن حينما نطقت قائلة:
_مهربتش ليه يا يحيى المرادي ولا عشان الدكاترة طمنوك على اللي في بطني وقالولك انه بخير وكويس، يمكن لو كانت حالته خطر زي اللي قبله كنت هتسبني اوجه كل حاجه لوحدي..
ابتلع ريقه الجاف بصعوبة وهو يتطلع لها بابتسامة وسيل من الدموع تهبط في حماس غريب، فعادت لتسترسل والاخير يصمت ويصمت ليسمع صوتها الذي اشتاق اليه لاعوام:
_أنا كنت بتعذب كل يوم انت كنت فيه بعيد عني، اترجتك انك ترجع وتكون جانبي بس انت كنت اناني يا يحيى، أنا... آآ.... أنا مش مسمحاك سامع مش مسمحاك.
ووضعت رأسها بالاتجاه الاخر، فجاهد لرفع يديه الثقيلة ليحرك ذقنها اليه، فهز رأسه باشارة لها بأنه يسمعها فلتكمل ما تقول ولكنها تطلعت لها بنظرةٍ ملأها الغيظ، فابتسم وهو يقول بدموعٍ تلاحقه:
_لا متسكتيش اتكلمي، قولي اي حاجة أنا استنيت اللحظة دي من كتير اوي، صرخي.. اشتميني.. عاتبيني.. بس متسكتيش تاني.. عاقبيني على اللي عملته بس بلاش عقاب السكوت ده.. بلاش..
انهمرت دمعاتها حتى تحرر صوت بكائها فضمها اليه ومازال لا يصدق ما يحدث، فكان بين اللحظة والاخرى يبعدها عنه ليتأكد بانه لم يتوهم، وكانت من اعظم لحظاته حينما ولج الطبيب للغرفة ليطمئن عليها بعدما احدث الجهاز صوتًا بافاقة المريضة فوجد ماسته الغالية تتلمس حجابها المفقود، وتتخبئ به خجلًا من عدم وجوده، عادت ماسته اليه، عادت تلك النسمة الرقيقة التي تخجل من أقل شيء، سحب يحيى الغطاء الابيض الصغير ليضعه على رأسها وهو يتطلع لها بعينين اغرقتهما دموع الفرحة والهجر والشوق، دموع نقلت الى عينيها وهي تتلمس كل وجع اختبره يومًا، فشعرت بأنها طوال تلك الفترة الماضية المته ما يكفي، لا لن تعاقبه مجددًا فيكفيه ما لاقاه خلال تلك السنوات، يكفيها وجوده لجوارها حينما فقدت عقلها وكان بامكانه الزواج، يكفيها انه لجوارها حتى تلك اللحظة!
********
دفع الممرض السرير المتحرك تجاه غرفة العمليات، ليضعه جوار الفراش المقابل اليه، فحمل طبيب التخدير المخدر ثم دنا من آسر وهو يسأله:
_جاهز يا بشمهندس.
مد يديه للسرير المقابل له ليلامس وجهها بين أصابعه بألم خنق أضلاعه، فبنهاية الامر هي شقيقته، فالدماء التي تجري بعروقه هي نفسها التي تجرب بعروقها، خانته تلك الدمعة القاسية حينما رآها بتلك الحالة، فود لو يتمكن من ضمها اليه، كان يرآها ابنته الصغيرة وليست شقيقته فما فعلته لم يكسر ظهر ابيه فحسب بل كسرته هو، ومع ذلك لن يتركها تصارع الموت، ابتسم اسر وهو يهمس اليها:
_مش هيجرالك حاجة، طول مانا وأبوكي عايشين وعلى وش الدنيا مش هيجرالك حاجة..
ثم أغلق عينيه وهو يشير لمن يقف خلفه ليحقن المخدر به، فاغلق عينيه استسلامًا له، ففور أن تأكد الطبيب من انه تم تخديره كليًا حتى سحب السرير برفقٍ للخارج ليسحب السرير الأخر ليضعه محله، ومن ثم انحنى ليخبر من يستلقي عليه:
_أنا نفذت كل اللي حضرتك طلبته بالحرف وبسرية تامة بس كل ده ليه!
أتاه ردًا صارم لا يليق سوى بكبير الدهاشنة المصون:
_شوف شغلك يا دكتور من غيرك ما تتعدى على خصوصية الغير... ومتنساش اتفقنا.
بالخارج.........
دق هاتف أيان عدة مرات، وحينما لم يجيب تفاجئ برسالة جعلته يكاد يفقد ما تبقى من صوابه حينما قرأ مضمونها
«ناهد بنتي اتخطفت يا ايااان، فهد عملها وهيدمر بنتي زي ما عملت في بنته، بنتي لا يا ايـــــــان بنتي لااااا».
................ 💣💣 يتبع!!!!..................
#الدهاشنة3... #بقلمي_ملكة_الابداع_آية_محمد_رفعت...
ماليش فيه انتوا اللي كنتوا عايزين الفصل ومستعجلين عليه خدوا بقا 😂🤭، قولتلكوا بــــــلاش بــــلاش وانتوا مصممين، يالا خد الشر وراح... انا عايزة دلع وريفيوهات وتفاعل نار على الحلقة بعد المجهود العظيم ده انا مطبقة على الفون بقالي يومين وعملتلكم فصل كبير اهووون وصلوا الفصل لاكبر عدد من التفاعل بقى، ســــــــــــلام قبل ما انجتل 😂💔
****__________****
الدهاشنة 3 .. وخفق القلب عشقاً .. آية محمد رفعت الفصل الثامن 8 - بقلم آية محمد رفعت
#الدهاشنة3...(#وخفق_القلب_عشقًا..)
#الفصل_الثامن_والثلاثون.
إهداء الفصل للقارئة الجميلة/ عايدة خالد ، شكرًا جزيلًا على دعمك المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنك يا جميلة...قراءة ممتعة 💙)..
استغرقت العملية الجراحية عدة ساعات ، فتم نقل "فهد" من الممر السري لأحدى الغرف المجهزة ، بينما خرج سرير "آسر" و"روجينا"أمام العائلة بأكملها، فركضت "رواية" بقلبٍ مكلوم حائر يين أي سرير ستذهب أولًا، فتلك ابنتها وهذا فلذة كبدها، كل شيئًا يمر ويحُتمل الا وجع كهذا، لا تعلم بأن وجعها الحقيقي سيبدأ إن رأت زوجها ومعشوق روحها طريح للفراش، وقد تخلت عنه عظمته وكبريائه لينازع ذاك الألم القاتل الذي يفترس أنحاء جسده فور استرداده للوعي..
نُقلت "روجينا" لغرفة، و"آسر"لغرفةٍ أخرى، التهى الجميع بروجينا للاطمئنان عليها أولًا، فاستغل "أيان" انشغالهم وتسلل لغرفة "آسر" ، كان يبدأ باستعادة وعيه تدريجيًا، فبدت رؤيته مشوشة قليلًا إلى أن تمكن من الرؤية بوضوحٍ، فوجده يجلس على المقعد القريب منه، تحرر لسان آسر الثقيل من أثر المخدر الذي مازال منغمس بدمائه:
_أنت بتعمل أيه هنا، مش قولتلك مش عايز أشوف خلقتك طول ما أنا هنا!
مرر عينيه على حالته فبدى له مريضًا، تعجب من شجاعته ومناطحته بالحديث حتى وهو شبه فاقدًا للوعي، فقال بالرغم مما يشعر به بداخله:
_كنت بتتكلم عن الشرف والنزاهة ودلوقتي بقيت بتتصرف بيهم.
ابتسم وهو يجيبه ساخرًا:
_هو اللي فيه حاجة بيشوف الناس زيه ولا أيه!
كسر حاجز غموضه الذي يختبئ من خلفه، وسأله بشكلٍ صريح:
_فين ناهد يا آسر؟
ضيق عينيه بذهولٍ:
_ناهد مين؟
اتاه ردًا متعصبًا:
_بلاش تحور وقولي أختي فين!
احتدت نظراته الساخطة تجاهه، ثم قال:
_لو بتفكر اني ممكن انتقم منك في واحدة ست تبقى أهبل وعبيط، وده ميدلكش المجال انك تفكر في غيري من ولاد عمي، لاننا متربناش زي ما خالتك ربيتك، احنا اتربينا على ايد رجالة مش على أيد واحدة ست.
زرعت كلماته بداخله غضبًا عظيم، وما يثير عاصفته بأنه يعلم بأن آسر لا يفعلها، ولكن من الذي سيفعل ذلك..
غادر "أيان" الغرفة شاردًا بمن خلف ذلك، فلم يهتدي تفكيره الا لسبيلٍ واحد جعل عاصفة جنونه تقذفه عائدًا للسرايا.
*******
أمام غرفة "ماسة"
لحقوا به الى أن وصلوا أمام الغرفة، فقالت "ريم" من بين أنفاسها الملتقطة بعد صعودها الدرج:
_ما تقولينا يا ابني مطلعنا على ملى وشنا ليه، هي ماسة كويسة ولا في أيه متكدبش علينا..
استدار يحيى تجاهها، ثم قال:
_لا بس في حاجة عايزكم تشوفوها..
قطع "عمر" المسافة الصغيرة بينهما ثم قال:
_يعني الحاجة دي مكنتش تستنى لحد ما نطمن على روجينا وآسر؟
هز رأسه بتأكيدٍ، فقال أحمد بشكٍ:
_يحيى في أيه بجد أنت قلقتني!
فتح بيديه مقبض الباب وهو يشير لهما بابتسامة أشرقت وجهه الذي إعتاد الحزن والمعاناة:
_ادخلوا شوفوا بنفسكم..
ولج "عمر" أولًا واتبعه ابنه وزوجته، فوقفوا جوار بعضهما البعض وكلًا منهم يتأمل ما يحدث في صدمة وعدم تصديق، وبالأخص "ريم" التي ترى ابنتها ترتدي اسدال الصلاة وتودي صلاتها بخشوعٍ، انتهت "ماسة" من صلاتها ثم رفعت يدها وهي تهمس بدعاءٍ لم يصل صداه اليهما، وحينما نهضت لتحمل سجادة الصلاة وجدت من يقف أمامها، امتلأت عينيها بالدموع وهي تدنو من ريم التي تقترب منها، فرفعت يدها تلامس خد ابنتها التي نطقت ببكاءٍ:
_ماما.
ضمتها لصدرها بقوةٍ لا يعهدها سوى شعور الامومة النابع من القلب، وهي تردد بانهيارٍ يصاحبه شهقات:
_بنتي.. حبيبتي.. والله كان عندي ثقة كبيرة في ربنا انك هترجعي زي الأول وأحسن..
تعلقت بها ماسة وهي تشم عبيرها المفتقد، وقالت بانكسارٍ:
_وحشتيني اوي يا ماما..
ورفعت رأسها تجاه ابيها الذي يتأملها بعين دامعة يخفيها بصعوبة، وتركتها ودنت منه لتردد بدموعٍ منفطرة:
_بابا عمر...
اشتاق لسماع ندائها المعتاد منذ صغرها كانت تتعمد ان تناديها بابي واسمه يتبع ندائها، ابتسم عمر ثم قال بصوتٍ خشن من فرط انخطاف احباله الصوتية:
_حبيبتي حمدلله على سلامتك يا قلب بابا...
وضمها لصدره فانهمرت دمعاتها تأثرًا بكلماته، بكت بكاءٍ مرير، فأخرجها منه أخيها بمشاكسته التي اشتاقت لها:
_أنتوا مطولين ولا أيــــه، مانا عايز أسلم برضه ولا مش بتسلمي على رجالة غير سي يحيى...
ثم أشار بيديه ليحيى بمزحٍ:
_تصدق سلمت على ابويا يعني تعليماتك هتبدأها من جديد يا خفيف..
ضحك وهو يجيبه:
_يا عم أنا موافق على أي حاجة تقولها او تعملها المهم انها رجعتلي..
ضمها أحمد لصدره حينما اقتربت منه وهو يردد بحزنٍ نقيض فرحته:
_رجعتلنا كلنا مش ليك لوحدك..
ثم رفع وجهها اليه ليخبرها بوجعٍ اتبعه:
_وحشني منكفتك فيا، والاكتر كلامي واسراري اللي مكنتش بأتمن حد عليها غيرك.
ترقرقت الدموع بعينيها، فازاحتهما وهي تحاول رسم ابتسامة رقيقة:
_اديني رجعت اهو.
ثم مالت عليه لتهمس له:
_بس انا فرحت انك اتجوزت اللي كنت بتحبها.
وغمزت له بمشاكسة فضحك وهو يضمها مجددًا، شوقًا لتلك اللحظات، ابعده يحيى عنها ثم قال بحدةٍ:
_انت مش حضنت مرة، خلاص كفايا وفر الاحضان لعروستك وحل عننا شوية..
تعالت ضحكات ريم وعمر، فقال احمد بضيق لابيه:
_شايف قلة ادبه يا بابا!
ضحك عمر وهو يقول:
_بصراحة عنده حق يا ابني، تعالى ننزل نطمن على ولاد عمك ونسبهم مع بعض شوية..
تساءلت "ماسة" باستغراب:
_مين!
قالت ريم بحزن:
_روجينا وآسر يا حبيبتي بيعملوا عملية نقل نخاع.. لما ترتاحي يحيى هيحكيلك كل حاجة..
ثم اتبعت زوجها للاسفل، فكاد أحمد بالخروج ولكنه توقف حينما أخبره يحيى:
_أحمد الدكتور كتب لماسة على خروج ابقى اتصل بحد يجبلي عربيتي..
أجابه بابتسامة هادئة:
_يا باشا انا اروحها بعيوني.
منحه نظرة صارمة، فابتسم وهو يسترسل:
_هروحك معاها متقلقش مش هنسيبك هنا..
ضحك يحيى، واتبعه للخارج وهو يشير لها قائلًا:
_شوية وجاي يا حبيبتي هشوف الدنيا تحت وراجع..
أومأت براسها بتفهمٍ، ثم استلقت على فراشها لشعورها ببعض الارهاق.
********
وصلت سيارة "أيان" للسرايا، فما أن توقفت حتى انخلع قلبه حينما تعلقت عينيه على الدرج الذي مازال يحمل ذكرياتها، ابتلع تلك الغصة العالقة بصدره، ثم هبط ليحارب تردد خطواته التي تمنعه من الدخول، فما أن ولج للداخل حتى أسرعت "فاتن" التي كانت تجلس أرضًا، هرعت اليه وهي تبكي وتنتحب:
_الحقني يا ولدي، فهد بيردهالنا في اختك، اني اموت لو حصلها حاجة.
كان يطالعها بنظراتٍ باردة، جافة، فتركها تبكي واتجه ليجلس على أحد المقاعد وعينيه لم تتركها بعد، دنت منه وهي تردد بصدمةٍ:
_كن اللي اتخطفت دي مش اختك، انت جرالك ايه!
أجابها بابتسامةٍ ساخرة:
_مش لو كانت اتخطفت اصلا، ومكنش ده ملعوب منك عشان تضمني ان العلاقة عمرها ما هتصفى بينا.
واسند ظهره للخلف وهو يستطرد باستياءٍ:
_اطمني مستحيل يكون بيني وبين فهد اي ود ولا علاقة، ولا هيبقى بيني وبينك بعد اللي عملتيه أنا بسببك خسرت ابني.
ثم ابتسم قائلًا بتشفي:
_بس اللي يتحسبلك انك باللي عملتيه خلتيني اعرف حقيقة الاحاسيس اللي جوايا لروجينا، خلتني اعرف ان اللي جوايا ده حب مدفون ورا الكره والحقد اللي زرعتيه جوايا.
بالرغم من صدمتها المؤلمة لسماع ما يقول، الا انها صرخت ببكاء:
_ايه اللي عملته!! بتلومني اني خليتك تدافع عن شرف امك وتاخد بتارها يا أيان!
نهض عن الاريكة ليجيبها بكل ذرة غضب كبتها بداخله لاعوام:
_لا، مبلمكيش على جريمة ارتكبتها ووقع فيها نسل الدهاشنة والمغازية، انا بلومك على تربيتك ليا وزرعك جوايا انتقام مرضي من بنت بريئة، بلومك انك مقولتليش انتقم من فهد وابنه وانا عيني في عينهم مش اضربهم في ضهرهم وانتقامي بالنهاية كان في واحدة ست..
قالت باستنكارٍ:
_واللي ماتت دي مش واحدة ست، مش امك وليها حق عليك..
اقترب حتى صار يقف أمامها، فظهر السخط والاستحقار لها بين حدقتيه كسطوع الشمس:
_ليها حق، بس لما يتأخد صح كنت هحس بالارتياح مش بالظلم والقرف اللي بحس بيه كل ثانية بشوف روجينا واقفة فيه قدامي، وكل ده بسببك انتي ودلوقتي عشان عارفة اني هقف قدامك زي دلوقتي وهلومك على قتلك لابني بتفكري برضه ازاي تملي دماغي ضد فهد وابنه وانتي اللي ورا كل ده!!
انهارت باكية، وسقطت اسفل قدمبه فقبلت يديه وهي تتوسل قائلة:
_والله العظيم معملت في بنتي كده، بنتي اتخطفت يا ايان وقدام عيوني، اني مش بكدب، في عربية سدت علينا الطريق واني كنت بوصلها للمطار وخطفوها مني معرفتش احصلهم ولا حتى انجدها، ابوس ايدك يا ولدي انجدها وانجد شرفنا ، متخليش اللي حصل لخيتي يحصل لبنتي..
منحها نظرة ساخطة اتبعتها قوله الذي صفعها:
_واشمعنا روجينا قبلتي عليها كده! محطتيش في دماغك ليه ان كما تدين تدان ..
ابتلعت ريقها بصعوبةٍ، وهي تحاول ايجاد الكلمات المناسبة لقولها:
_بس هي تستحق لان جدها هو اللي بدا وعمل كده في خيتي..
بنفس الابتسامة المؤلمة اجابها:
_يبقى بنتك تستحق هي كمان عشان انا عملت كده في بنتهم.
صرخت بجنون:
_لا بنتي لا محدش هيمسها بسوء ساااامع..
تركها تبكي وتصرخ وغادر للمشفى مرة اخرى، ولكنه لم يقف مكتوف الايدي فبالنهاية هي شقيقته ولن يرضى أن يمسها السوء، فقد امره رجاله بالبحث عنها، ومعرفة الخائن الذي فعلها.
********
انتباهه دهشة حينما استرد وعيه، فلم يشعر بأي ألمًا قد يشعر به شخصًا خضع لتو لجراحة خطيرة، فحاول جاهدًا ان يرفع اللاصق الطبي عنه ليرى ما أسفله ولكن لم يسمح له الطبيب بذلك، وفي تلك اللحظة دخلت "تسنيم" و"رواية" وعدد من افراد العائلة...
فكانت فرصة عظيمة لأيان ليسرع باجراءات نقلها من المشفى، لانه خشى أن تتوطد العلاقات بينهما، فيمنعوه من رؤيتها، حتى وان كانت مازالت على عصمته، لذا نقلها بحرصٍ بسيارةٍ مجهزة على أعلى مستوى، لينقلها للسرايا دون أن يشعر به أحدًا، فجن جنون "رواية" حينما عادت لغرفتها فاسرعت لغرفة آسر لتخبره بانهيار:.
_أختك مش في الاوضة يا آسر!
رد عليها "عمر" بحزنٍ:
_وانتي كنتي متوقعة أيه يا رواية، أكيد الحيوان ده مش هيديها الفرصة انها تكون بينا..
جلست على المقعد باهمالٍ وهي تردد بانكسار:
_بس أنا ملحقتش اطمن عليها، دي لسه حتى مفاقتش..
نهض آسر عن الفراش في وسط دهشة من الجميع، ثم اقترب منها ليضمها اليه وهو يهمس لها:
_الدكتور طمنا عليها واكيد هتبقى احسن.
رفعت وجهها اليه ثم قالت:
_بس اكيد هيرجع يأذيها تاني.
هز رأسه نافيًا:
_مكنش جابها هنا ولا جالنا لحد البيت عشانها..
قال أحمد هو الاخر:
_آسر بيتكلم صح، البني آدم ده تفكيره غريب بس معتقدش انه ممكن يأذيها..
أشار عمر لبدر وأحمد:
_جهزوا العربيات عشان هنتحرك على البيت..
خرجوا معًا ليستعدوا للعودة للسرايا مجددًا.
*********
كان عودة "روجينا" للسرايا ضربة قاتلة لفاتن الممزق قلبها قلقًا على ابنتها، وشكوكها تجاه "فهد" وعائلته كانت مؤكدة بجنون، رأته يحملها بين ذراعيه ويصعد بها الدرج للأعلى، فمرت اولى ذكرى لدخولها، فقد القت اول مرة اسفل قدميها والآن تصعد لجناحها محمولة بكل عزة بين ذراع زوجها..
وضعها أيان على الفراش بحرصٍ شديد، ثم ترك الأطباء الذين التفوا من حولها، ليضعوها على الاجهزة، ثم اقترب منهم احدًا وهو يدفع الكرسي المتحرك ليقدمه اليه، فضيق عينيه وهو يتساءل بذهولٍ:
_ده لأيه هي مش العملية نجحت وانت قولت انها بخير!
أومأ برأسه، ثم أجابه قائلًا:
_أيوه بس هي لازم تفضل فترة متتحركش كتير فالكرسي ده هيساعدها انها متملش من السرير، لكن هي وضعها كويس وشوية وهتفوق بإذن الله.
هز رأسه بتفهمٍ، ثم أخرج من جيب سترته السوداء مبلغ ضخم ليقدمه اليه، وأشار لهم الحارس بتتبعه حتى يخرج من السرايا باكملها، وفور عودته سأله أيان باهتمامٍ:
_مقدروتش توصلوا لحاجة؟
أجابه الحارس:
_لا يا باشا بس فعلا لما سألنا في المكان اللي قالت عليه الهانم ناس قالتلنا ان في عربية خطفت بنت بتفس التفاصيل اللي هي حكيتها..
كز على اسنانه بغضبٍ:
_والمفروض انك هتسمع لكلام الناس ومش هتتحرك، انت لازم تلاقيها في اقرب وقت سامعني..
هز رأسه في طاعة، ثم غادر سريعًا ليحاول الوصول لأي خيطًا قد يوصله للحقيقة، زفر أيان بضيقٍ مما يجتابه من قلقًا عليها، ولكنه انتصب بوقفته بفرحة حينما وجد روجينا تحرك رأسها يمينًا ويسارًا في محاولةٍ لاسترداد وعيها، على صوت اضطراب تنفسها، وهي تجاهد لان يخرج صوته ويكون مسموعًا فقالت والدمع حليفها:
_ماما... آسر... سامحوني..
صوتًا سمعه أيان بوضوحٍ، فمسك يدها واصابعه تتحرك برفقٍ على أصابعها، شعرت روجينا بالدفء فظنت بأنها لم تتوهم وجود أهلها لجوارها، لذا فتحت عينيها والابتسامة مرسومة على وجهها، فانتزعها واقعها منها حينما وجدته هو من يجلس جوارها، جابت بعينيها الغرفة وهي تردد بصدمة:
_لا، انا واثقة اني سمعت صوت آسر وهو بيكلمني، وكنت حاسة بماما جنبي طول الوقت مستحيل يكون ده وهم، لا ماما كانت جنبي وكانت بتكلمني على طول..
ربت أيان على يدها ثم قال:
_لا مش وهم، فعلا مامتك كانت جانبك وتحنا في المستشفى..
تطلعت تجاه الباب وهي تتساءل بلهفة:
_طب هي راحت فين؟
أجابها بهدوءٍ:
_رجعت بيتها واحنا كمان رجعنا لبيتنا..
بكت بانهيار وهي تردد بضعف:
_لا انا عايزاها جنبي، انا عايزة امشي من هنا عايزة ارجع معاهم... انا مش عايزة اقعد هنــــــــــا..
انتباها جنون وهي تحاول النهوض، ولكن سرعان ما صرخت ألمًا لما تشعر به، حاول أيان تهدئتها ولكنها لم تهدأ الا حينما اخترق محقن الممرضة يدها لتنغمس بنومٍ اجباري، ولسانها مازال يردد باسم شقيقها ووالدتها..
*******
عودة ماسة سالمة للسرايا كانت فرحة ازاحت حزن كان مازال بداخل كل فرد، كان الجميع يزورها بغرفتها، وبالاخص حور وتسنيم التي كونت صداقة لطيفة معها، ولكن الغير مفهوم للجميع غياب فهد الذي برره "سليم" بأنه سافر للاقصر واسوان ليتابع أخر التطورات بنفسه، ومر يومًا واتبعه الأخر حتى اتقضى اسبوعين متتالين، لم يعلم عنه أحدًا شيئًا، كل ذلك وآسر ينتابه شكوك عظيمة..
اما بسرايا المغازية، فكان الحال يعاكسهم تمامًا، انطفئت شعلة فاتن وباتت تترقب سماع خبر موت ابنتها، أما أيان فكان يعاني وهو يرى روجينا تكرهه أكثر من السابق وتمقت قربه منها، حتى وإن كان هو من يساعدها على التنقل بالمقعد المتحرك..
*******
هبطت "رواية" للاسفل، فتعجبت حينما رأت حماتها تعد السفرة بذاتها، فاسرعت اليها ثم التقطت عنها طبق الجبن وهي تخبرها بدهشة:
_بتعملي بنفسك يا ماما، طيب كنتي ناديلي وأنا كنت نزلت اعملك اللي عايزاه..
جذبت منها الطبق ثم قالت بابتسامة مشرقة وهي تضعه على المائدة:
_لا محدش هيجهز فطور ضنايا غيري، اتوحشني جوي.
انكمشت تعابيرها وهي تتساءل بذهول:
_مين!
قالت وهي ترتب الفطير الذي احضره لها الخادم:
_فهد ولدي، سليم رايح قالي انه رايح يجيبه..
توقف بها الزمان هنا، عند تلك الطاولة التي شهدت تقاسمهم كل شيء، الطعام والحب والحياة والروح، كل شيء تقاسماه ولكنها تراه الآن غير منصف بحقها، وحتى لم يهتم لما حدث مع ابنه وابنته واختار الهروب لعمله، حتى هي طوال تلك المدة لم تفكر به مثل السابق، فقد اتخذ ابنائها حيز كبير برأسها، وما زاد الامر سعادة معرفتها بحمل تسنيم، استدارت رواية للخروج للحديقة فتعلقت عينيها على من يقف أمامها بوجهًا منطفئ، وعابث، منحته نظرة حملت اللوم والعتاب قبل أن تمر من جواره لتتخطاه في سبيل الخروج، توقفت حينما قال بحزنٍ:
_مش هتسلمي عليا!
قالت دون ان تتطلع اليه:
_مفيش حاجة تربطني بيك من اللحظة اللي قطعت صيلتك ببنتك واتخليت عنها..
وتركته وغادرت، تركت الخناجر تمزق أحشائه رغم وجعه السابق ومع ذلك ولج للداخل وجلس يتناول طعامه بصحبة والدته، راسمًا لابتسامة باهتة، ظلت على وجهه حتى صعد لغرفته، وحينما كاد باغلاق بابها وجد ابنه يقف أمامه ليسد عليه بابه، فولج ليغلقه هو من خلفه ثم تطلع له بنظرة مطولة صامتة، فتساءل فهد باستغراب:
_مالك واقف مبلم اكده!
كسر قاعدة صمته حينما قال بثباتٍ:
_أنت غامض ومش مفهوم لكل اللي هنا الا أنا..
توترت نظراته تجاهه، فاتجه للمرآة ثم ادعى انشغاله بخلع ملابسه وهو يردد:
_قصدك أيه؟
لحقه آسر ثم قال:
_قصدي حضرتك فاهمه كويس، بس اللي انا مش قادر افهمه ليه.. ليه تتفق مع الدكتور ان محدش يعرف انك انت اللي اتبرعتلها مع ان ده كان ممكن يحسن علاقتك مع ماما كتير!
جحظت عينيه حينما انكشف امره، فاستدار اليه وهو يتساءل بصدمة:
_انت جبت الكلام ده منين، انا معملتش حاجة.
ابتسم وهو يقول:
_بابا انا كنت حاسس بيك طول الوقت، حاسس بوجعك وحزنك لما عرفت باللي حصلها، ولما فوقت اتاكدت انك انت اللي اتبرعتلها مش انا..
تطلع له مطولا قبل ان يقول:
_مينفعش يا ولدي تعمل حاجة زي دي وابوك عايش، اني راحت عليا خلاص لكن انت مستقبل الدهاشنة كله.
اقترب آسر منه ثم قال بحزن:
_طيب ليه مقولتليش..
ابتسم وهو يجيبه:.
_لاني خابرك زين، عنيد ودماغك ناشفة زي ابوك مش هترضى اني اكون بدالك..
ثم رفع يديه امام وجه ابنه وهو يردد بقسوة:
_بس ده ميمنعش العداوة والكره اللي في قلبي ليها، قلبي لساته عضبان غليها وهيفضل اكده طول ماني عايش.
اخفى آسر ابتسامته على والده الذي يشبه في ذلك الموقف الطفل الذي يقسم بانه لن يتحدث مع ابيه حينما يقترف ذنبًا، وحينما يتحدث اليه يخبره بانه لن يفعل ذلك مجددا فمازال حزينًا... ترك كل تلك المخيلات من رأسه ثم قال:
_طيب ليه معرفتناش كلنا وبالاخص ماما، خبر زي ده كان هيفرحها.
رد عليه بصرامة:
_محدش عرف ولا هيعرف بالكلام ده لانك مش هتتكلم يا آسر، اني مش عايز حد يفكر اني سامحتها، غلطها كبير وميتغفرش..
كاد آسر بالحديث فاوقفه والده حينما قال:
_مدامك عارف باللي بيا اخرج بقى وخليني ارتاح شوية والحديث نكمله بعدين..
ضحك وهو يشير اليه قائلًا:
_حاضر هخرج..
وكاد بالخروج ولكنه توقف وعاد ليقف مقابله ثم انحنى ليطبع قبلة ممتتنة على كف يد أبيه الذي مسح على رأسه بحبٍ..
*******
بمنزل "مهران" ..
كان يجلس بالخارج ويترقب عودة خادمه المخلص، فما أن عاد اليه حتى سأله باهتمام:
_ها طمني عملت ايه؟
جلس على المقعد وهو يخبره بانفاسٍ لاهثة:
_زي ما قولت بالظبط يا سيدي، دخلت لاسر بنفسي وقولتله عمك مهران عايز يشوفك ضروري في التو والحال...
لوي شفتيه بسخطٍ:
_هيعمل زي كل مرة ومش هيجي..
قال الخادم بثقة:
_لا المرادي اكدت عليه وقال جي..
ظهرت ابتسامة شيطانية على وجهه، ليهمس بمكرٍ:
_خليه يجي وبعديها قبره وقبر ابوه هيتفتح عليهم..
تساءل الخادم بفضول:
_وانت هتستفاد من كل ده ايه يا سيدي..
رد عليه بابتسامة غرور:
_غبي وعمرك ما هتفهم حاجة، بعد اللي اسر عمله عشان ينقذ اخته من الموت الدنيا هديت بينه وبين ابن المغازي وده مش في صالحنا لكن اللي اني هعمله دلوقت هينهي نسلهم خالص..
وقبل أن يطرح سؤالا اخر، أتى أحد الخدم ليبشره بوصول "آسر الدهشان" بالخارج، فنهض ليكن باستقباله بنفسه حينما قال بابتسامةٍ واسعة:
_يا الف مرحب بابن الغالي..
جلس آسر على احد المقاعد، ثم قال بفتورٍ:
_بقالك كام يوم طالب تشوفني، خير في أيه!
أتاه رده الخبيث يرفرف:
_كل خير يا ولدي، انت عارف ان جدك الله يرحمه كان كيف شقيقي اللي مجبتوش أمي..
انتبابه الملل، فقال:
_عارف يا عمي، فمن فضلك خش في الموضوع على طول عشان صدقني مش فاضي..
كظم غيظة ورسم تلك الابتسامة التي تخفي كرهًا مخيف، ثم قال وهو ينهض عن مقعده ليدنو منه:
_زي مانت عارف يا ولدي البلد دي مبيستخباش عنها حاجة، واللي حصل في فرح اختك الناس كلتها بتتكلم عنيه لحد اللحظة دي..
احتدت عينيه، ليتبعها نبرة صارمة:
_محدش يجرأ يجيب سيرتنا في حاجة، واللي بيتكلم يوريني نفسه وأنا اقطعله لسانه.
جلس جواره وهو يخبره بكلمات تتلوى كالافعى:
_لو مقلوش قدامك هيقولوا من وراك، عشان اكده لازمن يبقى في رادع، ورد قوي للمغازية على اللي عملوه عشان محدش منيهم يفكر يتعدى على حريمنا..
امتلأ رأسه بالشكوك، فآسر ذكي ولماح للغاية، لذا قال بحدة:
_اوعى يكون لك يد في اللي حصل لبنتهم!
اتسعت ابتسامته الشيطانية، فغمز بعينيه لاحد رجاله الذي غاب عنه للدقائق ليعود بفتاة مقيد فمها ويدها، ثم القاها أسفل قدم "آسر" ، صعق آسر مما يراه، فوزع نظراته بين تلك المسكينة وبينه، فنهض مهران عن مقعده ليجذبها من شعرها وهو يقول:
_أنت اللي هتعمل كده يا آسر، أنت اللي هتاخد حقك وحق اختك، لما تفضح الكلب ده زي ما عمل..
والقى الفتاة على الاريكة ثم اشار لرجاله، فاخرج منهما كاميرا وسلطها على تلك الفتاة، انصدم اسر حينما علم ما ينوي فعله ويتوقع انه من سيقوم بذلك، نهض عن مقعده ليقف مقابله وهو يردد بصدمة:
_أنت عايزني انحط للمستوى ده!!
ابتلع ريقه بتوترٍ، ولكنه حافظ على ابتسامته وهو يقول:
_لو خايف عشان مرتك فاني عندي اللي يعملها.
وأشار لاحد رجاله، فأومأ برأسه واسرع اليها ليحاول تمزيق ثيابها أمام الكاميرا التي تسجل كل شيء، وقبل أن ينجح بخلع ثيابها كان رأسه يطقطق بين يد آسر الذي أعاد اليها ثيابها سريعًا ثم جذبها ليجعلها تقف أمام ظهره وهو يصيح بغضبٍ قاتم:
_انت اتجننت ، أي حد هيفكر يقربها هنيمه مكانه..
وجذبها بعيدًا عنهما ومازالت تبكي وعينيها تستغيث بذلك الرجل الشهم الذي خلصها من مصيرًا أسوء من الموت، اسرع اليه مهران ثم قال بذهول:
_انت بتساعدها بعد اللي الكلب ده عمله فيك وفي اختك..
قابل جحيم نظراته ومن ثم صراخه الشرس:
_أنت تخرس خاااالص، حسابك تقل أوي يا مهران ومحدش هيقفلك غيــــــــري..
ردد بصعوبة بالغة بالحديث:
_مهران اكده حاف من غير عمي هو ده الاحترام يابن الاصول!
انطلق صوته يجلد خوفه الذي يرتعد:
_مفيش احترام لواحد زيك واوعى تنزل نفسك وتنسى اني بعد ابويا كلمتي مسموعة عليك وعلى الكل.. ومن غير ده انا لو طلعت من هنا وقولت لكبيرنا وكبيرك اللي انت كنت بتعمله من ورا دهره عقابك وقتها هيبقى اسوء من الموت الف مرة، واوعدك ان محدش هيحقق فيك العقوبة غيري لانك تستحقها..
وأمسك بيد من تتشبث به ثم قال وعينيه تجابهه بقوة لا تتناسب مع شابًا مازال عمره لم يتعدى الثلاثون!
_انا هخرج من هنا وهي معايا وهترجع بيتها معززة مكرمة ولو شايف نفسك انت ورجالتك تقدروا توقفوني اعملها وتبقى انت الجاني على روحك.
انقطع الهواء عنه وهو يراه يخرج بها دون أن يعبئ بأحدًا، يعلم بانه ان خرج حيًا سيشعل نهايته حينما يخبر ابيه بما حدث هنا ولكن لم يمتلك الجراءة لايقافه، حتى رجاله اهتزوا ضعفًا أمام شجاعة هذا الشاب... خرج بها آسر ولم يفكر للحظة ان يستغلها لأجل ثأره، خرج ليتجه بسيارته الى سرايا اعدائه، دون خوف بدخوله لذلك الوقر الممتلئ بالمخاطر، وجذبها للداخل حتى بات يقف مقابل "أيان المغازي"، الذي وزع نظراته بينه وبين شقيقته بذهولٍ، والصمت حليفهما الى ان مزقه صوت فاتن الذي يأتي من الخلف وهي تردد بفرحةٍ:
_نــــــاهد بنتي..
هرعت الفتاة لاحضان والدتها، فانهارت بقهرٍ لما كان سيحدث لها، اشتعلت مقلتي فاتن وهي تتطلع لمن يقف أمامه، فقالت بعصبية وكره:
_جالك كلامي يا ولدي،مش قولتلك ان فهد وابنه ورا كل اللي، حصل..
تركتها ناهد واسرعت لتقف جوار اخيها الذي يقف مقابله صامتًا:
_لا يا أيان آسر هو اللي انقذني من المكان الغريب اللي كنت فيه، الشخص اللي خطفني كان عايز يعمل معايا زي ما انت عملت مع روجينا بس هو مرضاش بكده وخرجني من هناك..
كانت صدمة لفاتن ولكنها لم تكن كذلك بالنسبة لايان، فبات على علمٍ كافي برجولة هذا الشخص الذي يقف من امامه، لم ينبس شفة لكل منهما، يتبادلان النظرات الصامتة وكل منهما يجري بداخله شكوك حول عداوتهم، وبالأخص ما حدث الآن، هناك من يرغب في ان تستمر عداوتهم، كسر صوت آسر الرجولي بلور الصمت الزجاجي حينما قال:
_أختك عندك وسليمة، والغلط من عندنا بس بره بيت"فهد الدهشان"..
وتركه واستدار ليغادر ولكنه قبل أن يخطو خطوة واحدة تفاجئ بيد تتمسك بيديه، فالتفت ليجدها تجلس على الكرسي المتحرك وتتشبث بيديه، اهتز جسده بارتباكٍ وهو يراها تتطالعه بعينين تترقرق بالدموع، وصوت يتوسل اليه:
_خدني معاك، متسبنيش هنا..
لمعت عينه بالدمع، فمن تلك الفتاة التي يشعر بانه يراها لاول مرة، هل حقًا تلك شقيقته العنيدة، اطبقت بيدها بقوة على يديه وكأنها تخشى ان يغادر دون ان يأخذها معه ثم قالت ببكاء:
_أنا عارفة انك تقدر تقف قدام بابا، عشان خاطري خدني معاك..
اخترقت كلماتها قلبه، فلم يسأل لاي شيء وانحنى ليحملها عن المقعد المتحرك ثم منح نظرة قاتمة للحارس الذي يقف من أمامه، ولكنه تنحى جانبًا حينما أشار له سيده بذلك، كانت صدمة لفاتن بسماح أيان لها بالذهاب، صدمة حتى لايان نفسه ولكنه لن يرغب في رؤيتها تعاني مجددًا، تركها لعلها تعود لتتفتح من جديد، فهنا لجواره تساقطت اوراقها وزبلت، فما اروع تلك البيئة النضرة التي تعيش بها بين أب كأبيها وأخًا كالآسر......
............. يتبع...........
#الدهاشنة3... #بقلمي_ملكة_الإبداع_آية_محمد_رفعت...
حبيباتي انا بحاول بكافة السبل انشركم فصول كتيرة لاني في منتصف شهر تسعة هنشغل شوية مع عيلتي، بس برضه مش هوقف نشر بإذن الله، بس حبيت اعرفكم من دلوقتي عشان محدش يفكر اني بتحجج... وان شاء الله نقدر نخلص الرواية قبل الوقت ده... بحبكم في الله ♥..
****____________****
الدهاشنة 3 .. وخفق القلب عشقاً .. آية محمد رفعت الفصل التاسع 9 - بقلم آية محمد رفعت
#الدهاشنة3..(#وخفق_القلب_عشقًا..)
#الفصل_التاسع_والثلاثون..
إهداء الفصل للقارئة الجميلة/أميمة مبارك من المغرب الحبيب، شكرًا جزيلًا على دعمك المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنك يا جميلة...قراءة ممتعة 💙)
نخطئ دائمًا، ولكن الأسوء حينما تبالغ بظلمك لشخصٍ بريء، ونهيك إن كان هذا الشخص هو الأقرب لقلبك، بل هو أسمى أحلامك لأن يصبح ملكًا لك، فالألم بذاك الوقت يسلبك روحك وكبريائك، يجردك من كل شيء، لتصبح الملام الوحيد على ما فعلت، هكذا كان حاله، يحاول بكافة السبل أن يتحدث معها عله يشرح لها أن غيرته المفرطة نابعة من حبه المجنون إليها، ولكن "تالين" كانت رافضة لرؤياه العابرة حتى وإن كانت صدفة، ولكن اليوم عزم على التحدث معها مهما كلف الأمر، لذا كسر أحد قوانين المنزل الصارمة حينما تسلل لغرفتها، فطرق على بابها وأبى أن يجيبها حينما تساءلت من الطارق، وفور أن فتحت بابها أسرع بالدخول ثم أغلق الباب من خلفه، فقالت الاخيرة بدهشةٍ وهي تجذب حجابها لرأسها:
_أنت مجنون ازاي تدخل أوضتي بالشكل ده؟
أجابها وعينيه أرضًا:
_أسف بس مفيش طريقة تانية عشان أقدر أتكلم معاكي..
بحفاءٍ أجابته:
_مش هيكون في طرق، اللي بينا انتهى ومستحيل هيكون في كلام بينا..
ثم فتحت الباب وهي تشير له بغضب:
_ومن فضلك اطلع من أوضتي أنا مش عايزة مشاكل مع حد، بعد ما سمعتني بكلم صديقة ليا وببعد عن دوشة الفرح اتهمتني بأبشع التهم الله أعلم لو حد شافك خارج من أوضتي هيتمني بأيه تاني!
رفع "عبد الرحمن" وجهه إليها، فاستطعت أن ترى عينيها المتورمة، وجهه المجهد، وصوته الذي يتوسل لحبهما بالا ينتهي:
_أنا غلطت ومعترف بده، بس صدقيني يا تالين عرفت غلطي، أرجوكي متتخليش عني..
رددت بصدمة:
_غلطت! أنت اتهمتني في شرفي، أنا شوفت في عينك مقارنة صريحة بيني وبين أختي مع أن اللي حصلها كان غصب عنها!
وابتلعت تلك الغصة العالقة بصدرها، وهي تخبره بابتسامة ساخرة، سكن الألم بأعماقها:
_كان ناقص تقولي نروح لدكتور ونتأكد من عفتك!
اتسعت عينيه صدمة، ثم صرخ بها بغضبٍ:
_تاليـــــن، أنا عمري ما أكون بالوساخة دي، أيوه أنا اتضايقت لما اتخيلت انك ممكن تكوني بتكلمي أي حد بدون علمي، لاني عارف ان ممكن عندكم الكلام مع زمايلكم شيء عادي ومسموح بيه لكن ده شيء مش هتحمله، لكن متوصلش بيا الحقارة لكده، أنتي كمان محاولتيش تسمعيني أو نتفاهم مع بعض روحتي وقولتي لبدر اللي لا يمكن حد يطيق يسمعه عن مراته وخاصة من ابن عمه معرفش انتي كنتي بتفكري ازاي في وقتها، وبالرغم من اني خسرت ابن عمي الا انا لسه واقف هنا وبحاول اتكلم معاكي.
واستطرد قائلًا:
_عمومًا أنا عملت اللي عليا عشان العلاقة دي تستمر، ولو أنتي عايزة تشوفيني بالصورة دي عادي متفرقش.
وتركها وغادر، فأغلقت بابها من خلفه لتستند عليه وعينيها تشعلها الدموع المختنقة، بكت وقلبها يئن بداخلها، فلم تعلم ما المفترض بها فعله!
********
انتهت من حمامها الدافئ، ثم خرجت لتستكمل ارتداء ملابسها بالخارج، وفور خروجها تخشبت قدميها محلها حينما رأته يجلس أمامها، بللت "ماسة" شفتيها وهي تردد بارتباكٍ:
_يحيى، أنت جيت أمته؟
طوفها بنظراته، قبل أن يجيبها بابتسامةٍ مشاكسة:
_لا أنا مجتش، خدي راحتك.
ابتسمت بخجل، ثم ولجت لحمامها مجددًا، واختبئت خلف الباب وهي تشير له بيدها:
_طب ناولني الفستان اللي جنبك ده.
ارتسمت على شفتيه ابتسامة صافية، عادت ماسته لتوب خجلها المحبب لقلبه من جديدٍ، فلم يود ازعاجها لذا حمل الفستان ليقدمه لها، فخرجت بعد قليل لتجلس أمام السراحة وهي تجفف خصلات شعرها المبلل، دنا "يحيى" منها ثم جذب فرشاة الشعر، وجلس من خلفها ليمشطه بانتظامٍ وهدوء، ابتسمت ماسة حينما تذكرت ما كان يفعله كل صباح لأجلها، وكأنه كان ابًا ملتزمًا بابنته الصغيرة، اطفئ فرحة عينيها نظرة حزينة، فكم تحمل لأجلها الكثير وبالرغم من ذلك لم يشكو، فالأسبوعين الذي قضتهما بغرفتها استرجعت بهما كل ما مر عليها خلال تلك الفترة البائسة، فتذكرت كم كانت تتودد لآسر بطبيعة حالتها ومع ذلك تحمل "يحيى" ما لم يتحمله أي رجلًا، حتى طريقة لبسها الطفولي والشبه عاري كان يتقبل له بالرغم من أنه رجلًا شرقي، يغار عليها بكل ما تحمله معنى الكلمة، ولكن حالتها المرضية كانت استثنائية، استدارت "ماسة" برأسها للخلف فاستقر يديه جوار وجهها، فتعجب حينما وجد عينيها تترقرق بالدموع، فقال بلهفةٍ:
_ماسة!
رفعت يديها لتحيط بيديه، ثم طبعت قبلة رقيقة على بطن يديه، أغلق عينيه بتأثرٍ للمسات شفتيها الرقيقة على يديه، فوجدها تقترب لتنغمس بأحضانه، ضمها بصدرٍ رحب وهو يهمس بصوتٍ أججته الرغبة:
_وحشتيني.
هزت رأسها وهي تزيح دمعاتها بأصابعها:
_عارفة.
ضحك بصوتٍ مسموع، ثم قال بمكر:
_طبعًا لازم تكوني عارفة، ما أنتي كنتي جنبي طول الوقت وحاسة بيا.
رفعت وجهها إليه ثم قالت:
_مش عارفة أنا ازاي كنت كده.
ضمها إليه مجددًا بقوةٍ:
_فترة وعدت ومش هترجع تاني يا روحي.
استكانت بين أحضانه الدافئة، فعلى رنين هاتفه فتفحصه يحيى ليجد. رسالة من أحمد بالهبوط للأسفل بالحال، فنهض من جوارها ثم قال وهو يجذب قميصه ليبدل ثيابه:
_هنزل أشوف أخوكي السقيل ده عايز أيه.
ضحكت على وصفه الدقيق إليه، فعاد ليشير لها باهتمامٍ:
_أنتي ليه مش بتنزلي تحت خالص، من يوم ما طلعتي من المستشفى وأنتي قاعدة في الجناح مش بتتحركي!
غيم وجهها بسحابه المظلم، فشعر "يحيى" بأن هناك خطب ما، لذا عاد ليجلس جوارها، ثم لف ذراعيه حولها وهو يتساءل مجددًا:
_في أيه يا ماسة؟
أتاه ردها يجيبه بصوتٍ باكي:
_مش قادرة أحط عيني في عين واحد منهم، أنا كنت بمشي قدامهم بلبس وحش ومن غير الطرحة!
ضمها إليه وهو يقول بابتسامةٍ عذباء:
_عمر ما حد فيهم رفع عنيه عليكي، أنتي تايهة عن ولاد عمك ولا أيه؟
هزت رأسها بالنفي، فاستكمل قائلًا:
_ثم إنك بتعاقبي نفسك على فترة أنتي كنتي فيها مريضة ومغيبة! ، اللي فات عايزك تنسيه يا ماسة، احنا بدأنا حياتنا من جديد ولازم تتأقلمي على الأساس ده.
ثم دفعها برفقٍ:
_يلا قومي البسي عشان هتنزلي معايا.
أومأت برأسها ثم نهضت لتستعد للهبوط باشتياقٍ لرؤية المنزل، فتلك الفترة كانت الفتيات لجوارها حتى "رواية" و"نادين" و"نواره"، ولكنها كانت بحاجة للهبوط للأسفل وخاصة الحديقة..
*********
بالأسفل.
كان يجلس "فهد" بالصالون، بصحبة "عمر" و"سليم"، وأحمد وبدر، يتناقشان فيما يخص الصفقات الأخيرة لغياب الكبير عنهم بالفترة الأخيرة، ولجوارهم كانت ترتب "رواية" و"ريم"و"تسنيم" السفرة للغداء، فدق جرس الباب أكثر من مرةٍ، واتجهت "تسنيم" لفتحه، جحظت عينيها في صدمةٍ وهي تردد:
_روجينا!
نطقها لذلك الإسم جعل الجميع في حالةٍ من الدهشة، فتركزت الأعين على الباب، فدخل "آسر" بها أمامهما، ألجمت الصدمة ألسنتهم جميعًا، والأغلب يترقب ردة فعل "فهد" الذي نهض عن الأريكة يشيع ابنه بنظرةٍ غاضبة، ظلت النظرات تتبادل بينهما والصمت قابع على الوجوه، فتحرك آسر ليضعها على المقعد الذي يتوسط ردهة المنزل، لم تتمكن "رواية" من السيطرة على غريزتها، فأسرعت لابنتها تضمها لصدرها وهي تردد بلهفةٍ:
_بنتي..
بكت "روجينا" بين أحضانها وعينيها مازالت مسلطة على أبيها بخوفٍ، تخشى ما سيفعله بها وبأخيها، فاقترب "سليم" منه، ثم قال:
_أي كان اللي عملته ففي النهاية هي بنتك، مش معقول هترميها وهي بالحالة دي!
تدخل "بدر" هو الأخر حينما قال:
_يا عمي الكلب ده هو اللي لازم يتحاسب مش روجينا.
وأضاف "يحيى" الذي هبط للتو:
_ذنبها أيه تدفع تمن العداوة اللي كانت بينكم.
وقال "أحمد" بغضبٍ:
_ بلاش تخسر بنتك الوحيدة عشان الكلب ده، وحضرتك شوفت بنفسك هو وصلها لأيه.
اقترب منه "آسر" ثم قال:
_في موضوع مهم لازم أقولك عليه، ويمكن يكون أجوابة لأسئلة كتيرة ملهاش جواب، بس قبل ما أتكلم مع حضرتك في حاجة لازم تتقبل روجينا في البيت ده، هي غلطت وواجبنا اننا نفوقها، أنا بالرغم من اللي عملته بس مقدرتش أتخلى عنها وهي بالحالة دي ومتأكد إن حضرتك مش هتسبها.
ابتسم "عمر" وهو يتابع الحوار المتبادل، فقال وعينيه تتوزع بينهما:
_الشباب كفوا ووفوا، مفيش كلام يتقال بعد اللي قالوه.
انتقلت نظرات "فهد" الثابتة على "رواية" التي تحتضن ابنتها وتردد بهمسٍ خافت:
_عشان خاطري متقساش عليها أكتر من كده.
أخفض نظراته إليها، فطعن قلبه بلا رحمة، طفلته الصغيرة يغلبها انكسار وقهر جعله يشفق على حالها، وبالرغم من ذلك مازال بداخله شيئًا يرفض أن يسامحها فما فعلته ليس بالهين، وهل كسرة رجل بحجمه أمام رجاله هينة!
رفع "فهد" رأسه عاليًا وصوت تنفسه المضطرب يعلو ليغدو مسموعًا من الجميع، فرن صوت عكازه الذي يتعمد أن يجعله يلامس الأرض في كل خطوة يتجه بها تجاه الدرج ليختار الصعود للأعلى، فما أن مر من أمامها حتى قالت ببكاءٍ:
_بابا... سامحني أنا معرفش ازاي عملت كده، أنا حبيته وهو استغلني، خسرت كل حاجه بسببه حتى ابني وآآ...
وابتلعت باقي كلماتها بمرارة، فكيف ستدافع عن نفسها وكل كلمة ستقال ستدينها أكثر، رفعت عينيها تجاهه فوجدته مازال يوليها ظهره ويستمع لما تقول، فحاولت النهوض لتقبل يديه وتطلب العفو أكثر من مرةٍ، ولكن ما أن وقفت على قدميها حتى سقطت أرضًا أسفل قدميه، وكأنها تناست بأنها مازالت لا تستطيع النهوض بعد، صرخت رواية بفزعٍ فأسرعت تجاهها في نفس لحظة تقدم آسر ليعاون شقيقته، ولكن توقف كلًا منهما والدهشة تعتلي وجوههم حينما وجدوه هو من يساندها، تعلقت "روجينا" بأحضان أبيها وقد انهارت باكية، فحملها "فهد" ثم نهض ليتقدم بها للمقعد، فوضعها بحرصٍ عليه ثم صعد للأعلى على الفور، وكأنه يعاتب ذاته على انهيار حصون قلعته أمام الجميع، فكان يود أن يحتفظ بقسوته ويختبئ خلف قناعها، ولكنه لم يحتمل رؤية ابنته العاجزة تعاني، قدمت إليها "تسنيم" كوب من المياه ثم قالت بحزن:
_بلاش تعيطي انتي تعبانه ومش حمل كل ده..
ومسكت "حور" يدها ثم قالت بدموع تسبقها:
_نورتي بيتك يا حبيبتي..
بينما ضمتها نادين لاحضانها وهي تردد بفرحة:
_والله ما كان ليه معنى من غيرك يا روحي..
دنت منها "ماسة" ثم قالت بابتسامةٍ هادئة:
_حمدلله على سلامتك يا روجين..
انتقلت نظرات روجبنا المنصدمة تجاه صديقة طفولتها التي عادت للتو، حدجتها بنظرةٍ شاملة، حجابها، جلبابها الأسود، طريقتها بالحديث، ثم رددت بدهشةٍ:
_ماسة!
ابتسمت رؤى وهي تخبرها:
_ماسة بقت زي الاول وأحسن، صاحبتك رجعت أهي يا ستي يعني محدش قدك انتي وهي..
رفعت روجينا يدها تجاهها فاحتضنتها وكلا منهن انهارت بالبكاء اشتياقًا للأخرى، فقال "سليم" بتأثرٍ لآسر:
_طلعها يا ولدي تستريح في اوضتها، والبنات هيقعدوا معاها.
أومأ برأسه في طاعة:
_حاضر يا عمي..
وبالفعل حملها "آسر" ثم صعد بها لغرفتها، وتركها بصحبة الفتيات ثم هبط للأسفل، فوجد والدته مازالت تقف أمام الدرج، وعينيها الباكية تتطلع تجاه غرفتها، دنا منها وهو يتساءل بقلقٍ:
_في أيه يا ماما؟
أجابته بابتسامة تعاكس دمعاتها وعينيها تتطلع تجاه المحل الذي صعد منه زوجها:
_أنت شوفته وهو بيساعدها.
ابتسم بألمٍ:
_العمر اللي قضتوه مع بعض مقدرتيش فيه تفهمي أبويا كويس..
انتقلت نظراتها اليه، فوجدته يتطلع لها بحزنٍ:
_كنتي بتتهميه بالقسوة بس أنتي اللي قسوتك عميتك عن حاجات كتيرة يا أمي.
وتركها تفك شفرات حديثه الغامض وغادر على الفور، فضيقت عينيها باستغرابٍ وهي تحاول تخمين ما يقصده بحديثه، فلم تشغل عقلها كثيرًا وصعدت خلفه للأعلى..
******
أزاح عمته ومن ثم خلع جلبابه الطويل عنه، وكأنه يحرر كل ما يضيق به تنفسه، جلس "فهد" على حافة فراشه، وهو يجاهد وجع قلبه الذي يخنقه من الداخل، فسحب نفسًا مطولًا ثم زفره على مهلٍ، فما يحمله على أعتاقه لا يقوى أحدًا على حمله، أغلق عينيه بقوةٍ وهو يجابه كلماتها التي استكانت بداخل اضلاعه، حديثها عن فقدان ابنها جعله يعاني مما طاب من صنوف الألم، فهو أبًا ويعلم جيدًا كيف يكون شعورها حتى وإن كان كناية الأب ليس بالصالح ولكنها بالنهاية أم، عاد لصلابته وثباته حينما فُتح باب جناحه الخاص، فلم يكن بحاجة لمعرفة من، فلا أحد يملك جرءة الدخول سوى زوجته التي دنت منه ثم انحنت أسفل قدميه وأمسكت يديه وهي تردد بصوتٍ باكي:
_شكرًا على اللي عملته من شوية.
مازالت تصمم على جرحه كل مرة، حتى الآن تشكره وكأن شخصًا غريب أقدم على مساعدته، أبعد "فهد" يديه من بين يدها، ثم نهض تجاه خزانته ليجذب ما يرتديه على صدره العاري، جحظت عينيها في صدمةٍ وهي تتأمل ظهره الذي مازال يحمل لاصق طبي، أحاط بها دوار من صنع عقلها ليدفع أمامها عدة لقطات قد تساعدها في تأكيد تلك الشكوك التي تحيط بها، كأمر سفره العاجل ووجهه الشاحب، وعدم ظهور أي اعياء على ابنها، ابتلعت "رواية" ريقها بصعوبةٍ بالغةة، فدنت منه وهي تهمس ببكاءٍ وقد انتباها دوار حاد فشلت حركتها:
_فهــــــــد
استدار برأسه تجاهها فوجدها تميل باستسلامٍ، فألقى ما يحمله بيديه وهرع ليساندها وهو يردد بقلقٍ:
_رواية، حاسة بأيه!
ارتخى جسدها بين ذراعيه، فحملها للفراش ثم جذب المياه على الكومود، ليضخ بها على وجهها وهو يترقب افاقتها بقلبٍ مكلوم، فتحت عينيها وهي تتطلع له بنظرةٍ ساكنة، تتأمل بها عينيه التي مازالت تحتفظ بجاذبيتها، شعره الذي غلبه الشيب ومع ذلك صنع له وقارًا ووسامة زادت عما قبل، قلبه الذي ينبض خوفًا وعشقًا لها، تحرر لسانها لتهمس له بتعبٍ:
_أنت اللي اتبرعتلها!
منحها نظرة تلومها عن كل قسوة حملتها تجاهه، عن كل ظنًا سوء ظنته به، فكاد بالنهوض من جوارها بعدما اطمئن عليها، ولكنه وجدها تتمسك بيديه ورفعت رأسها لتغفو على صدره، ثم قالت بدموع:.
_أنا أسفة، غصب عني والله أنا مش عايزة حاجة من الدنيا دي غير سعادة اولادي وراحتهم.. كان شيء صعب بالنسبالي أني أشوفك بتقسى عليها وبترفض تساعدها... أنا مقدرتش أشوف أي حاجة حواليا غيرها
ثم رفعت عينيها تجاهه وهي تسترسل:
_حتى نفسي، أنا كنت مغيبة عن كل حاجة يا فهد، مكنتش بفكر غير فيها... سامحني أرجوك.
سكنت نظراته فراغ عينيها، وبأصابعه الحنونة التي اعتادت تضميد وجعها أزاح دمعاتها، ثم ضمها اليه وهو يردد بألمٍ:
_مفيش حد بيختار يعيش في وجع، ده قدر ومكتوب علينا يا رواية، صحيح اننا هنواجهه بس في الأغلب هنفضل نحس بيه حتى لو انتصرنا..
ثم طبع قبلة صغيرة على جبينها وهو يخبرها بابتسامةٍ هادئة:
_وبعدين انا مش زعلان على خوفك على بنتك لانها بنتي انا كمان، انا زعلان لانك كنتي بعيدة عني طول الفترة اللي فاتت دي ودي أول مرة تعمليها!
سكنت ذراعيه وهي تهمس اليه بخجل:
_وحشتني أوي على فكرة.
ابتسم على ندائها الغامض إليه، فلم يخذلها أبدًا وضمها إليه ليسحبها بأعماقه، أعماق قلبه الملتاع إليها، فيرويها بشوقه المتعطش إليها، وترويه من غرام عشقها المتيم به.
*********
إختار "آسر" البقاء بالأسطبل لقليل من الوقت، عله يهدأ من غضبه الثائر تجاه ما فعله "مهران"، فكان يغسل بيديه المياه على ظهر الفرس، ليمنحه حمامًا بارد يخفف من حدة الحرارة، أتت"تسنيم" من خلفه، حاملة بين ذراعيه كوبًا من العصير البارد، فقدمته له، فأشار دون أن يتطلع تجاهها:
_ماليش نفس.
حملته تسنيم ثم عادت بحزنٍ، فاوقفها قائلًا:
_قولت ماليش نفس للعصير بس ده مش معناه اني مش عايزك هنا جنبي.
استدارت تجاهه، ثم وضعت الصينية عن يدها، واقتربت منه بابتسامة رقيقة، أمسك آسر بيدها ثم جعلها تمرر يدها على الفرس، فوجدها تتجاوب معه دون خوف، لتخبره بعنجهيةٍ:
_لا قلبي مات خلاص.
ضحك بصوته كله، ثم قال بغرور وهو يشير على نفسه:
_البركة فيا ولا هتنكري.
ردت عليه بجدية تامة:
_مش بس في الخيل، كل حاجة كنت بخاف منها وقدرت أتغلب عليها فده بفضلك انت..
منحها ابتسامة جذابة وهو يحتضنها ويردد بعشقٍ:
_بأحبك.
********
صاح "يحيى" بانفعالٍ:
_يا ابني ما تنطق أيه اللي حصل؟
أدار "بدر" وجهه للنحية الأخرى، فاتجهت نظرات يحيى لعبد الرحمن ثم سأله:
_طب قول أنت يا عبد الرحمن أيه اللي حصل بينكم وخلاكم مش طايقين بعض كده!
وضع رأسه أرضًا وألتزم الصمت، فزفر "أحمد" بضيقٍ:
_مش قولتلك كل ما أكلم حد فيهم محدش يرد عليا، أنا قرفت فيهم والله وشكلي كده هلجئ لآسر المرادي مدام يحيى مش جايب معاكم نتيجة..
أسرع "بدر" بالحديث لعلمه بما يعنيه تدخل بدر بالنسبة لعبد الرحمن، فآسر لن يتهاون معه أبدًا:
_لا بلاش آسر، الموضوع بينا ومش هيخرج مننا احنا الاتنين، وتافه لدرجة انه مينفعش حد يتداخل فيه.
تفهم يحيى الأمر، فأشار لأحمد ثم قال:
_سبهم يحلوا اللي بينهم من غير ما حد يتدخل، يلا أحنا نروح نبص على العمال بدل ما الكبير يغضب وغضبه واعر..
ضحك على كلماته الاخيرة ثم قال:
_يلا يابو نسب.
وغادروا سويًا ليتركوا لهم مساحة خاصة، لعدم رغبتهم بالحديث عن الأمر بوجودهم، فما أن غادروا حتى قال "عبد الرحمن" بحزنٍ:
_بدر أنت عارف إني مستحيل أقول الكلام ده، وطبعًا مش بكدب تالين بس هي فهمتني غلط، أنا اتعصبت شوية بس هي مدتنيش فرصة حتى إني أفهم منها أو تفهم مني.
استمع لما يقول بصمتٍ، فنهض عبد الرحمن عن مقعده البعيد عنه ثم جلس على المقعد المجاور إليه، قائلًا بهدوءٍ:
_من يوم ما رؤى بقت على ذمتك وهي بقت أخت ليا زي اللي في البيت بالظبط، ولو حد غريب يعيبها اكيد أنا اللي هقفله، ممكن يكون خاني التعبير او مقدرتش أوصلها اللي عايزة اقوله بالشكل المناسب وأنا مش بكابر يا بدر لو أنا غلطت فحقك عليا.
أقتنعت تعابيره، واستكانت فوضع يديه على ساقيه ثم قال:
_خلاص حصل خير.
ابتسم "عبد الرحمن" ثم ردد بعدم تصديق:
_بجد!
رفع حاجبيه باستنكارٍ:
_اجبلك مصحف أحلفلك عليه!
ضحك بصوتٍ مسموع ثم قال:
_طب هات حضن بقى.
أبعده عنه ساخرًا:
_لا أنت كده بتتعدى حدودك ووضعك قلقني بعد ما البت خلعت..
عاد لمقعده ليحدجه بنظرةٍ غاضبة، فلف بدر بيديه على جسده ثم همس إليه بعجرفةٍ:
_بص يا عبده، البنات دول عايزين معاملة خاصة بعيد عن الخشونة والبصات والزعيق اللي بنميشه على العمال في المصانع ده، حاول تفصل بين الاتنين يا حبيبي، البنات تحب المناغشة والواد الروش مش الجحش خدت بالك..
منحه نظرة توحي بالشر، فركض "بدر" من أمامه والأخر يلاحقه وهو يتوعد له، فلم يجد طريق يعبر منه الا وكان يحاصره، فركض تجاه الاسطبل..
في ذاك الوقت كانت تسنيم تقف لجوار آسر وتراقبه وهو ينظف قدم الفرس، فقالت بدهشةٍ وخوف وهي تتطلع خلفها:
_هو أيه اللي بيحصل، بينهم بيتشاكلوا ولا أيه؟
استدار آسر تجاه ما تتحدث عنه فوجد عبد الرحمن يطرح بدر أرضًا ويسدد له اللكمات والأخر يضحك ويحاول أن يتماسك عله ينجو من اللكمات التي تتوزع على وجهه، وما زاد الامر سوءًا رؤى التي تركض باكية في اتجاههما ظنًا من أن الأمر جادي، اتجه اليهما آسر، فما أن رأوه حتى نهضوا عن الأرض ليقف كلا منهما جوار الأخر، فقال الاخير بضيقٍ:
_في أيـــــــه؟
ضحك بدر وحاول التحكم بضحكاته، فقال عبد الرحمن بغضب:
_ابن عمك المحترم بيقولي يا جحش.
صدمت تسنيم مما تستمع اليه، فكانت تظن بأن هناك أمرًا خطير، بينما منحهما آسر نظرة حارقة قبل أن تطولهما صرامته المخيفة:
_تحبوا أنادي للاطفال اللي برة يجوا يلاعبوا معاكم ولا انتوا لوحدكم كفايا بطولكوا ده!
صاح عبد الرحمن بغيظ:
_أنت دايما جاي عليا، بقولك هزقني وقاعد من ساعتها يديني محاضرات عن الحب وكأني تلميذ!
ضحكت تسنيم تلك المرة فانتبهوا سويًا لوجودها، فقال آسر ساخرًا:
_عندها حق والله، مهو اللي بيحصل هنا ده هبل..
ثم دنا من بدر ليصيح به بانفعال:
_ما تخف على الراجل يا عم روميو ووفر رومانسياتك دي لنفسك، أنا عارفك وعارف إنك انسان مستفز..
رفع يديه ليشير على نفسه بصدمة:
_أنا يا ابني!
طوفه بنظرةٍ مستهزئة:
_مش قولتلك مستفز!
اشار عبد الرحمن لبدر بجدية بأن يتطلع خلفه، فاستدار ليجد زوجته تتطلع لهم ببكاءٍ من على بعد، تركهم وأسرع تجاهها فوجدها تتطلع لوجهه وكأنها تفتش عن جروحه، فقال والضحك يتبعه:
_مش هتلاقي حاجة، إحنا كنا بنهزر يا ماما!
قالت من بين بكائها:
_بتهزروا ازاي أنا شوفته وهو بيضربك!
تعالت ضحكاته وهو يخبرها:
_لا خدي من ده كتير، متقلقيش أنا محدش يقدر يعلم عليا، بس صراحة أنا اللي غلست عليه جامد..
منحته نظرة غيظ، فاحتضنها وهو يهمس بمكرٍ:
_بس أهو فدني بحاجة الحيوان ده، خلاكي تسيبي اللي وراكي وتيجيلي جري..
ثم جذبها لتخطو معه تجاههما، فما أن رأته حتى قالت بضيق:
_لو سمحت يا عبد الرحمن مالكش دعوة بجوزي بعد كده، الهزار يبقى باللسان مش بالأيد..
انتهت من كلماتها وسقط الجميع في نوبة من الضحك وبالأخص عبد الرحمن وتسنيم، أما آسر فقال ساخرًا:
_بتتكلم صح على فكرة، محدش يمد إيده على حد عاد وراكم ستات تخاف عليكم وتعملكم قيمة..
ناطحه عبد الرحمن قائلًا:
_أنت وراك ولا قدامك حد بيعرف يجي جنبك..
رد عليه ساخرًا:
_ظلمني يالا طول عمرك، تعالى ونشوف دنيتنا هتبقى عاملة أيه..
تطلع تجاه تسنيم ثم قال:
_خدي جوزك وامشي يا تسنيم مش ناقصين خساير الله يكرمك ويكرمه..
على الضحك والمرح بينهما، ليعودوا معًا للسرايا..
*******
من قال أن الموت هو أبشع ما قد يخوضه الإنسان! ، بل هناك ما هو أبشع يا سادة.. ألم فراق شخصًا تعشقه وأنت تعلم بأنك لا تعني له شيئًا، وجع الإشتياق له وأنت تعلم بأنه لن يشتاق إليك، بين عذاب بعده وهو يرى الجنة في بعدك عنه، ليته فراق مأساوي على قلبين أهون من قلبٍ واحد يئن بمفرده، فكان حال "أيان بدونها لا يوصف، لا يعلم كيف تحمل ظلمة الليل بدونها، إعتاد وجودها لجواره، إعتاد التطلع لعينيها حتى وإن لم تكن تحمل له سوى الكره والضغينة، إشتاق لها بكل ما تحمله معنى الكلمة، فظل ليله ساهرًا حتى سطوع نهار اليوم التالي، فلم يشكل له فارق كبيرًا، فلم يعد يفرق بين نهاره وليله، شعر بأنه أحمقًا حينما سمح لها بالذهاب ولم يحاول منعها، فنهض عن فراشه وارتدى ملابسه ثم توجه إليها بدون أي ذرة عقل يمتلكها للتفكير..
********
بسرايا" الدهاشنة"..
زلزلت غرفة المكتب من فرط غضب "فهد" حينما علم من آسر ما فعله "مهران"، فصاح بحدةٍ:
_اتعدى حدوده وغلطه المرادي كبير ومهيشفعلوش حاجة..
ثم صاح لأحد رجاله:
_روح داره وجبهولي قدامي دلوقت سامع.
إنصاع إليه وغادر سريعًا ليحضره، كان الشباب جميعًا يجتمعون بغرفة المكتب حتى" سليم"و"عمر"، فاستمعوا لدقات باب المكتب ثم من بعدها ولجت الخادمة وقالت وعينيها تتطلع لفهد:
_في واحد عايز يقابلك يا بيه وبيقول انه اسمه ايان المغازي.
صعق الجميع مما استمعوا، فقال بدر بغضب:
_جاي ليه تاني الكلب ده!
همس له يحيى:
_اهدى يا بدر خلينا نشوف عمي هيتصرف ازاي..
حانت من فهد نظرة جانبية لابنه، فتعجب من سكونه تلك المرة، فتطلع كلا منهما لبعضهما البعض ليتمكن من فهم ما يود ابنه من قوله وبالفعل يمتلك الحق بذلك، فهناك بالفعل من يود أن تظل تلك العداوة مشتعلة بين الطرفين، لذا قال وهو يهم بالخروج:
_مش عايز حد يجي ورايا..
وخرج من الغرفة ثم اتجه لباب منزله..
جابت عين "أيان" المنزل بأكمله على أمل أن يلمحها، ولكن خاب أمله فلم يكن أحدًا بالطابق السفلي سوى الخادمة، استقرت نظراته على فهد الذي يقف مقابله بثباتٍ، قطعه حينما سأله بحزمٍ:
_خير، في أيه المرادي.
رمش بعينيه بارتباكٍ، ثم قال بحيرةٍ:
_مش عارف أنا جايلك ليه يا فهد، أنا حاسس إني محتار ومش عارف أفكر، جيتلك عشان تسلمني الشخص اللي حاول إنه يتعدى على أختي، وكبداية هعتبرها جميلة منك ويمكن تخفف العداوة اللي بينا... أنا جايلك وأنا متوقع إنك هتداري عليه لإنه أكيد في صلة قرابة بينكم بس محبتش أسيب نفسي للافتراضات وجتلك بنفسي.
نظراته الصارمة كانت تجوبه، فأشار بيديه بحركة غير متوقعة لايان:
_ادخل..
شعر بالتخبط ومع ذلك ولج واتبعه للمكان الذي سلكه، فأشار له فهد بعصاه على احد المقاعد المجاورة للشباب:
_اقعد.
انصاع اليه وجلس جوار أحمد وآسر، فقال عبد الرحمن بتعصب:
_يقعد فين، بعد كل اللي عمله وبتسضيفه في بيتك يا عمي!
أجابه بهدوء وحكمة:
_مفيش حد بيجي بيت الكبير وبيتهان فيه يا ولدي، وكمان المرادي هو اللي معاه الحق والغلط جاي من عندينا وأني بنفسي اللي هردله حقه..
صمت الجميع وترقبوا ما سيحدث، وخاصة حينما وصل "مهران" لمجلسهم، ابتلع ريقه بصعوبةٍ من ذلك التجمع الذي لا يشكل خيرًا له، ولكنه حاول أن يبدي غضبه وكره لابن المغازي لاجل ما فعله فقال بعصبية مبالغ بها بعدما اتجه إلى أيان:
_بيعمل ايه هنا ابن المركوب ده! اخرج بره البيت اللي هنت فيه كبيره ومتدخلوش واصل.
أتاه صوت حازمًا جعله يرتعد خوفًا:
_كبير البيت وكبيرك ممتش يا مهران، أني بس اللي أقول مين يقعد ومين يمشي..
وترك مكتبه واقترب حتى أصبح يقف أمامه وهو يسترسل بغضب:
_ولا خلاص مبقتش شايفني كبيرك عشان اكده بقيت بتتصرف من دماغك وبترتكب أبشع المحظورات..
بلل شفتيه بلعابه وهو يجاهد لرسم ابتسامة باهتة:
_ازاي ده، لا معملهاش واصل، أني كان غرضي انتقم منه واحرق قلبه على خيته زي ما حرق قلوبنا كلتنا وشوه سمعتنا..
صاح فهد بتعصبٍ:
_ميخصكش، أني اللي أولى بتاري وأني اللي أقول أيه اللي يحصل وأيه اللي ميحصلش، واللي عملته عقابه عسير أوي يا مهران...
ثم استطرد قائلًا:
_أني طول عمري عادل وبحكم بالعدل وبما يرضي الله انت غلطت ولازمن تتأدب حتى لو كان غلطك ده في عدو لينا، عشان اكده اللي ابن المغازي يحكم بيه عليك هيتنفذ ووقتي.
صعق مهران مما استمع اليه، وردد بعدم تصديق:
_هتسيبه يحكم عليا وانا عامل كلت ده علشانك.
عاد ليجلس على مقعده وهو يجيبه:
_اللي يخالف اخلاقنا وتقالدنا منحمهوش، أني مخلتش ابني يردهاله هخليك انت!
ثم أشار لايان قائلًا:
_احكم باللي يرضيك..
********
بالخارج..
حملت الخادمة صينية المشروبات ثم اتجهت للمكتب فتعالى صوت نادين وهي تناديها، فرددت بتعب:
_اني هعمل ايه بس ولا أيه ياربي..
ابتسمت تسنيم وكانت بطريقها للأسفل، فحملت عنها الصينية ثم قالت:
_عنك يا سمية، روحي انتي شوفيها عايزة أيه وأنا هدخلهم الشاي..
قالت بتردد:
_بس مش من عوايدنا يا بتي انك تدخلي مجلس الرجالة.
ردت عليها بهدوء:
_لا عادي مدام اللي جوه الاهل بس، لكن لو كان حد غريب كان اكيد عمي قاعدهم بالمندرة، مش هما اللي جوه بس؟
أومأت برأسها بتأكيد، فاستكملت تسنيم طريقها للداخل، وحينما استمعت لآذن الدخول بعد طرقاتها ولجت للداخل حاملة الصينية بين يدها، والابتسامة الرقيقة مرسومة على وجهها، ولكنها سرعان ما تلاشت بعدم استيعاب وصدمة جعلت الصينية تنسحب من يدها كالورقة الهاشة فسقطت ارضًا لتنكسر جميع الأكواب، انتبهوا جميعًا اليها، فاسرع تجاهها آسر الذي أبعدها عن الزجاج وهو يردد بقلق:
_حصلك حاجة..
كانت بعالم اخر، فمر، من امامها ذكرى هذا اليوم المشئوم، وعينيها لا ترى الا وجه هذا اللئيم، كسر صوت فهد قاعة الصمت حينما قال:
_خير يا بنتي، المهم انك كويسة..
تعجب آسر من ارتعاش جسدها، والجميع في ذهول من نظراتها المتركزة على مهران حتى هو نفسه استغرب من طريقتها، فسألها آسر بدهشة:
_تسنيم في أيه؟
رفعت يدها المرتعشة تجاه مهران وهي تردد بصوتٍ خافت وكلمات غير منتظمة:
_هو... هو اللي قتلها ورماها في الترعة، انا شوفته بعيني... خنقها وقتلها..
وفجأة انقطع تنفسها لتسقط بين يديه فاقدة للوعي وما قالته أجج النيران بوجوه الجميع وعلى رأسهم أيان وفهد الذي انتقلت نظراتهم تجاه مهران....
.......... يتبع.............
#الدهاشنة3.... #بقلمي_ملكة_الأبداع_آية_محمد_رفعت..
للناس اللي بتسأل عن لينك الواتباد بتاعي، اللينك أهو ♥
********_____________*******
الدهاشنة 3 .. وخفق القلب عشقاً .. آية محمد رفعت الفصل العاشر 10 - بقلم آية محمد رفعت
#الدهاشنة3....(#وخفق_القلب_عشقًا..)
#الفصل_الأربعون..
إهداء الفصل لصديقتي الجميلة "زينب يسين" من أقرب أصدقائي وصاحبة الفضل بعد الله فيما وصلت إليه، دائمًا تعتني بالجروب الخاص بي وبصفحاتي الخاصة، شكرًا جزيلًا على دعمك المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنك يا جميلة...قراءة ممتعة 💙)
سقطت بين ذراعيه، فحملها "آسر" وكاد بالخروج بها من تلك الغرفة، ولكنه توقف حينما منعه أبيه قائلًا بغضبٍ:
_فوق مرتك واهنه يا آسر، شكل نهاية مهران هتبقى على يدها..
ابتلع ريقه بصعوبةٍ، ثم ردد باندفاعٍ:
_الكلام ده كدب وأكيد أنت اللي ورا الموضوع ده لاجل الدم اللي بينكم وبين المغازية ينتهي..
صاح به عمر بصوتٍ كالسهام:
_إخرس، الوساخة دي متخرجش منك انت مش من كبيرنا وكبيرك..
انتقلت نظرات أيان المشتعلة تجاه "مهران"، واستعدى تفكيره الدقيق ليحكم فيما قال وحدث، فكانت تلك الدقائق القليلة التي استغرقتها"تسنيم" لتعود لوعيها هي الأصعب على الإطلاق، فبدأت بفتح عينيها تدريجيًا وما أن وجدته مازال يقف مقابلها حتى ارتجف جسدها مجددًا، وأبهت وجهها بصورة ملحوظة للجميع، فلم تكن بالنسبة لآيان تمثل دور أو تكذب، لا بل كانت حقيقة واجب تصديق كل حرفًا تتفوه به وخاصة بحالتها التي تصدق ما تقوله، نهض "فهد" عن مقعده ثم دنى للأريكة التي تستلقى عليها، ليسألها بهدوءٍ:
_متخافيش يا بتي محدش يقدر يأذيكي، اتكلمي وقولي شوفتي أيه ومين اللي عمل اكده؟
ارتعبت من حدة الموقف الذي تخوضه، فتشبثت بذراع زوجها الذي يمسك يدها، فشعر بما تخوضه لذا أشار لأبيه فتفهم الأمر وتركه له الأمر، فأنحنى آسر لمستواها ثم قال:
_ده الراجل اللي كنتي كلمتيني عنه!
أومأت برأسها عدة مرات وهي تجاهد للحديث:
_هو اللي حكيتلك عنه، أنا شوفته بعيني وهو بيغتصب واحدة ست وبيخنقها بايده وبيرميها في الترعة.
ثم أشارت بيدها تجاه الباب وهي تردد بارتباكٍ:
_من أول مرة دخلت فيها البيت ده شوفت الصورة الكبيرة الا على السلم اتصدمت لما شوفته فيها، ولما سألت الشغالة قالتلي ان واحد منهم يبقى جدك وواحد يبقى ابن عمه، أنا سكت كل المدة دي لاني كنت فاكرة انه جدك واللي جنبه كنت فاكراه ابن عمه.
جحظت عين "مهران" بصدمة، فكيف لها أن تعرف تفاصيل ما حدث بذلك اليوم، بالطبع تلك الفتاة كانت بمكان الحادث بذلك اليوم، ولا شك بأن لا مفر من الهروب الآن وقد انكشف سره أمام الجميع وبالأخص "أيان المغازي"، تراجع للخلف بتوترٍ حينما وجد"فهد" يقترب منه والشرار يتطاير من عينيه:
_أنت!
وتساءل بصوتٍ جلد جسده كالسواط:
_طيب ليـــــه!
وزع "مهران" نظراته المرتعة بينه وبين الجميع، فوجد نفسه بين دائرة محكمة من الصعب الخروج منها، لذا أجابه بما خبأه بداخله من كرهٍ شديد:
_أيوه أني اللي عملت اكده، ومستعد أعمل أكتر من اللي عملته لأجل سيرتك وسيرة عيلتك تبقى في الأرض ويبقالنا فرصة إننا ننمسك مكان جدك فزاع، إحنا الأولى بسيادة البلد كلتها مش انت ولا أبوك اللي طول عمره بيتنطط علينا وأخرتها تمسك انت بداله وعايز تمسك عيل مكملش لسه التلاتين وتخليه كبير علينا...
واستكمل بحقدٍ دافين لفهد وعائلته:
_كنت زمان بحاول أخلق أي مشاكل قبل ما أبوك يستلم مكان جدك بس كل مرة كان بينفد منيها بسببك، كان سهل عليا اني أقتله واتخلص منيه بس ده مكنش هيبقى في صالحي لان الدهاشنة كلتها بتحبك وأكيد هتكون أنت اللي بعده، عشان اكده كان لازمن أشوه سمعته قبل ما أتخلص منيه، وهو قدملي ده على طبق من دهب لما قلبه مال لعيلة صغيرة وكان هيحبها قوي ولانه كان فاكر اني صاحبه كان بيقولي كل حاجة، وعرفت منيه انها بعد ما اتجوزت مكنتش مرتاحة مع جوزها وطلبت اكتر من مرة الطلاق على أمل انه يتجوزها بس ابوك وهدان رفض عشان الوعد اللي قطعه لجدك فزاع وعشان كان خايف عليك، استغليت الفرصة وروحت وقابلتها واقنعتها اني مرسال منه وهي صدقت ده لاني قولتلها معلومات مؤكدة عن علاقتهم السابقة، وبقينا نتقابل كل يوم والتاني واوصلها جوابات كنت بكتبها بخط ايدي، لحد اخر مرة اديتها الجواب وكنت كاتب فيه ان وهدان هيهرب معاها وكتبتلها العنوان، ولما راحت في الليل للمكان اللي اني كتبتهولها امالها خابت لما لقتني اني اللي مستنيها وحصل اللي حوصل واللي شافته مرت ابنك بالصدفة....
واعتلى وجهه ضحكة شيطانية وهو يسترسل بمكرٍ:
_بس بعد كل اللي عملته ده وبرضه كبروك علينا وخلوك كبيرنا، اللي عملته انت شفعلك وخلى سلسال الدهاشنة ينسوا الفضيحة، فمكنش ينفع اقف عكس التيار لاني بكده هعادي كل اهلي، فعرفت كيف افوز بقلبك واتقربلك لما خليتك تظن ان تار ابوك عند عيلة الطلحاوي وقتلت منيهم واحد وكان لازمن تتجوز مرته واني اللي اتجوزتها بدالك وشالتلهالي جميلة لحد دلوقت، وبعد كده كان دور الواد الصغير ابن ناهد انه يؤدي باقي الدور من غير مساعدة مني..
واتجهت نظراته لأيان الذي يحدجه بنظرات قاتلة كنسل السيف الذي يتلاعب بجوار عنقه، ولكنه تراجع حينما أبعده "سليم" وهو يشير له بالصبر لسماع باقي الحقائق وما ارتكبه ذاك اللعين الذي ادهش الجميع، فعاد ليخبرهما بغرورٍ لما فعله:
_ولاجل الحق خالته قامت بالواجب وزيادة، مهو اني اتعلمت اني يكون ليا عيون في كل مكان، وكانت اخبرهم بتوصلني اول باول، ومستغربش انك يا فهد تعمل كده، لانك طول عمرك عايش في توب النزاهة والشرف، يمكن لو كنت عملتها كنت عرفت اللي ناوي يعمله في بتك، بس اني كنت داري بكل حاجة من الاول وكنت مستني اللحظة اللي هيكسرك فيها قدامنا، يمكن غرورك وكبريائك ده ينكسر، بس اللي حصل كان عكس ده تمامًا، لساك واقف على رجلك وبتكابر وبتدي أوامر فينا بكل بجاحه بعد اللي عملته بنتك.
كاد "آسر" بأن يفتك به ولكنه تراجع حينما اعترض ذراع فهد الطريق ليشير له بالتراجع والصمت لسماعه، فعاد الاخر ليستطرد بعنجهية:
_كنت فاكراك هتتحرك وهتاخد اي خطوة، بس اللي حصل بعد كده مكنش في صالح خطتي لما اتبرعت لبتك وخليت ابنك يبان قدام الكل انه ساعد خيته، خوفت العداوة اللي زرعتها بين العيلتين على امل انكم تخلصوا على بعض ويفضلي الطريق، خوفت ان كل ده يروح على الفاضي عشان اكده خطفت اخته وكنت بحاول اوقع ابنك في الغلط ويعمل معاها الرزيلة، وساعتها النار مكنش في شيء يطفيها، بس برضه خاب املي فيه ولقيته بيتحداني وبيساعدها، جيت للحق متفاجئش اوي لانه عبيط واهبل كيف أبوه اللي رباه..
تلك المرة طالته صفعة زلزلت خديه وجعلته ينزف دماءًا غزيرة، فرفع وجهه ليجده فهد، الذي تحرك تجاهه وهو يردد بغضبٍ غير محمود:
_ابني شهم وراجل كيف ابوه، مهوش بوساختك وحقارتك.. طول عمري واني قاري الشر في عينك بس القرابة اللي بنتنا ومعزة ابوي ليك هي اللي كانت بتشفعلك عندي ، لكن دلوقت مفيش اي شيء هيشفع لعمايلك، لانك اتسببت في وجع واعر ليا ولبتي ولشاب عاش عمره كله يدور على تار كان عندك انت من البداية، وساختك دي نهايتها الموت يا مهران وعلى يدي..
تعالت ضحكاته ومن ثم سكنت معالمه ونظراته تحاكي شرًا عظيمًا، ليأتيهم من بعدها كلماته الخبيثة :
_عارف انك هتجلتني بس اني مش ناوي اضيع موتي اكده..
ثم اخرج سلاحه وسلطه على "أيان" وهو يردد بابتسامة تحمل مرض وكره وحقد يكفي عالم بأكمله:
_اللي بينك وبين المغازية مش هينتهي بموتك يا فهد، واد المغازي دخل اهنه برجليه ومن غير سلاح وانت جتلته في دارك ووسط اهلك ده كفيل انه يشعلل نار عمرها ما هتنطفي..
وأطلق الزناد ليعلوي صوت الطلق الناري، ومن خلفه طلقة أخرى خرجت من سلاح "فهد" الى رأس "مهران" في محاولةٍ لإنقاذ "أيان"، ولكنه وجده مدفوع أرضًا، والدماء تنسدل من الجسد الذي يعلوه، خفق قلبه ببطءٍ كبطء نظراته التي ترتفع تجاه هذا الجسد، وكل احتمال أصعب من الذي يسبقه، فوجد الطلق الناري يستقر بين أضلاع فلذة كبده الذي قرر أن يضحى بنفسه لينهي هذا العداء الذي لا نهاية له، وجده يسقط أرضًا ورأسه مرفوع يشيعه بنظرة عمق أخيرة، كل ذلك يحدث أمام أعين الجميع وكلا منهما في صدمة لا يقوى على تحملها او التغلب عليها، الى أن أفاقت تسنيم من تأثيرها أولًا، فصرخت بصوتٍ صمم الآذان:
_آســــــــــــــــــر!
هرع إليه" أحمد"، ويحيى فسانده كلا منهما قبل أن يرطم جسده بالأرض، وصرخ سليم بابنه بدر وهو يأمره بانهيارٍ:
_اطلب الاسعاف يا ولدي.
سقط أرضًا لجواره وهو يبكي كالطفل الصغير لجوار ابن عمه، فتحمل عبد الرحمن على نفسه ورفع الهاتف ليطلب الاسعاف بقلبٍ منفطر على رفيقه..
رمش "فهد" بعينيه عدة مرات وهو يحاول استيعاب ما حدث للتو، فترك عصاه التي ارتجت أرضًا خلف ابنه عصبه وسنده الوحيد، ومن ثم لحق بها ليغدو قريبًا منه، فهز بيده قدميه وهو يناديه بتحمل ومصابرة الا تنهار حصونه أمام أحدًا مثلما اعتاد:
_آسر... ولدي!... قوم أنت أقوى من أي حاجة يا ولدي..
بكى "عمر" وهو يستمع إليه، فضمه لصدره وهو يقول ببكاء:
_هيقوم منها يا فهد... ولدك قوي وميغلبوش الموت اتحمل..
رجال الدهاشنة متحملين الصعاب، سيطر عليهم العويل والبكاء لأجل من طيب خاطر الجميع وكان وافيًا للصغير قبل الكبير، لأجل من يستحق أن يكون سيدهم وكبيرهم المستقبلي، فكان يستحق لطيبته ونبل أخلاقه، ها هو الآن يختار حمايتهم في أخر لحظاته، فضل الموت على أن تعاني عائلته من جديد، اختار ان يكون بدل من أيان بصدرٍ رحب، والاخير يقف بالخلف يتأمل ما يحدث بصدمةٍ، فمن كان يود قتله والتخلص منه حماه من غدر رصاصة طائشة، ستر عرضه أولًا ثم فداه بروحه، بعد كل ما فعله به! ..
*******
كانت تلك الدقائق ثقيلة على الجميع، مرت كثقل عمرًا بأكمله، فما بالقلوب ليست محبة زائفة بل نبعًا صافي نجح نسل العائلة بزرعها بقلوبهم، الجميع كان في حالة لا يرثى لها وقد تسلل الحزن من داخل تلك الغرفة الصغيرة لخارج ارجاء السرايا، حينما ولج المسعفون بالحمالة المتحركة للداخل، فانخفض الطبيب ليتفحص نبضه، يود بالبداية معرفة ان كان حيًا يرزق أم تغلب عليه الموت، تلك اللحظات التي قضاها بالكشف عليه كان يتلاعب باعصاب الجميع وعواطفهم، فرفع رأسه للمسعفون والجميع يترقب لما يقول:
_في نبض، لسه عايش...
هرع اليه المسعفون فحملوه ليخرجوا به لساحة المنزل، في ذات الوقت الذي تهبط به "رواية" وجميع نساء المنزل لمعرفة ما يحدث اسفل، فقد أحدثت سيارة الاسعاف جلبة عظيمة، توقفت محلها وهي تتطلع لمن يحملوه، فدنت منهما وقلبها يتمزق في حين ان عقلها يرفض تصديق ما تراه، ابنها الحبيب تغرقه الدماء وكأنه غرق ببحرًا صنعه بدمه، وزعت النظرات بينهما وكأنها لا تصدق، امازالت غافلة وتحلم بحلمٍ بشع.. حتمًا ستفق بعد قليل، ولكن بكاء تسنيم وانهيارها، وبكاء زوجها الغزيز جعلها تفق على ارض قاسية بواقعها المؤلم، لذا صرخت باعلى صوتها وبكت وهي تناديه:
_ابنـــــــي، آســــــر!!!
أبعدها الطبيب عن طريقهما ثم ركضوا به للسيارة في سباق قاسي مع الوقت، فحياته مرهونة ببضعة دقائق أخرى، أسرعوا للمشفى وخلفهما اسطول من السيارات تحمل كل محبنه، كل يدعو من صمام قلبه أن لا يفارق الحياة..
*******
توقف السعي خلفه حينما أغلق الأطباء باب الجراحه من خلفه، ليقف الجميع بالخارج، طرقت "تسنيم" باب الغرفة وهي تبكي بحرقةٍ وألم لن يسع وصفه، فضمتها نادين لاحضانها وهي تبكي هي الاخرة، ولجوارهما كانت تجلس رواية متكأة بجسدها على ذراع زوجها، ساكنة كالصنم الذي فارق مذاق تلك الحياة، يحاول فهد بأن يجعلها تستوعب واقعها ولكن عينيها كانت مسلطة على الغرفة والدموع تهبط في صمتٍ تام، ولجوارهما كان يجلس الشباب أرضًا يبكي كلا منهما كالطفل الصغير، نقيض رجولتهم التي كانت تزينهما..
وعلى قرب منهما كان يقف أيان يراقب ما يحدث بقلبٍ مفطور، لم يكره نفسه مثل ذلك الوقت، لطالما حمل الضغينة والكره لفهد وعائلته وهو الآن يتلقى صدمة خلف صدمة حتى أصبح رأسه مثقوب ولم يعد يحتمل كل ذلك...
وفجأة انفتح باب الغرفة ليظهر أحد الاطباء من أمامهما، فانقبض قلب الجميع لتوقع ما سيستمعوا اليه وخاصة بأن الطلق الناري كان قريب من موضع قلبه، فقال الطبيب بلهفة:
_محتاجين حد زمرة دمه +B..
نهض "أحمد" عن الأرض ليسرع إليه وهو يردد:
_نفس زمرة دمي..
أومأ الطبيب برأسه ثم أشار له بالدخول بينما ظل هو محله وهو يخاطب فهد قائلًا:
_مش كفايا المريض فقد دم كتير، ياريت تشوف كمان متبرع باسرع وقت..
أتى رد من خلفهما يردد:
_أنا ممكن أتبرع..
سُلطت النظرات عليه، فتقدم أيان الى الطبيب وهو يقول بحزن:
_نفس الزمرة..
ردد الطبيب بفرحة:
_عظيم... كده أفضل لاسعاف المريض..
وأدخله للداخل ثم اغلق الباب مجددًا، ليسرع بانقاذ المريض..
********
ساعات ظل بها الجميع بالخارج، يترقبون لحظة خروجه او سماع ما يطمن بالهم، الممر كان مزدحمًا للغاية، فالامر ليس مقتصر على العائلة فقط بل أتى من أكرمهم وأحسن اليهما ذاك الذي ينازع للحياة، أتوا جميعًا يدعون اليه بأن لا يخيب الله عز وجل رجائهم، فخرج الطبيب بعد تلك الساعات، ليقترب من فهد الذي أسرع بالوقوف من أمامه فقال بمهنية:
_احنا عملنا كل اللي علينا، بس الاصابة للاسف خطيرة لانها كانت جنب القلب، الاربعة وعشرين ساعة الجاين دول هما اصعب حاجة، وبناء عليهم هنقدر نقيم حالة المريض، ادعوله.
وتركهم يحاربون تلك الكلمات القاسية وغادروا، كل ذلك ورواية كلوح الثلج الذي يذوب رويدًا رويدًا، وعلى وشك الانصهار حتمًا..
انتقلوا جميعًا أمام الغرفة التي انتقل اليها بالعناية المشددة، ورفض الأغلب العودة لمنازلهم حتى حينما رفض الاطباء تجمعهما، فبالنهاية تلك مشفى ولا يسمح بذلك العدد، ولكن احترامًا لهيبة فهد ومركزه سمحوا لهما بالبقاء، جلس الجميع أمام الغرفة حتى ساعات الليل المظلم، فقال "فهد" ليحيى وبدر:
_خدوا البنات وارجعوا انتوا، ميصحش يفضلوا اهنه وسط الرجالة.
أومأ كلا منهما برأسه واتجهوا ليخبروهما بالرحيل، فغادر الجميع الا تسنيم ورواية، بعد رفضهم التام بالرحيل وسماح فهد لهم بالبقاء، فدفعت "ماسة" مقعد روجينا حتى وصلت للدرج القصير الذي يفصلهما عن الهبوط، فمن كان يحملها بين يديه أخيها، من سيفعلها الآن..
انهارت دموعها واحتضنت وجهها بين يدها وهي تدعو بأن ينجيه الله، فشعرت بجسدها محمولا وحينما ابعدت يدها وجدت أيان من يحملها، فلم يكن يستعد لرؤية رجلًا يحملها بين ذراعيه حتى وان كان من ابناء عمها، منحته روجينا نظرة كره ولوم على ما وصل به أهلها من خلفه، فمازال تفاصيل ما حدث بتلك الغرفة مبهمة للجميع، فقال بكراهية:
_أنت ليك عين تيجي هنا بعد كل اللي عملته، المفروض تكون فرحان خلاص حلمك اتحقق واخويا بيموت..
استكمل طريقه للاسفل وقال وعينيه الدامعة تتهرب من نظراتها:
_أنا ماليش علاقة باللي حصل لآسر، الحقيقة بانت وعرفت مين اللي كان السبب في موت أمي.. أنا غلطت والغلط اللي ارتكبته بشع وملوش سماح والأبشع من كل ده أن اللي حماني من الموت هو اخوكي!
ضيقت عينيها بذهول وعدم استيعاب لكلماته المبهمة، فحتى الوقت ليس بالمناسب لسماع تفاصيل تعلمها بما حدث.
وضعها أيان بسيارة يحيى الذي انطلق خلف سيارة احمد ليعود بالنساء للمنزل.. بينما صعد أيان للمشفى مجددًا..
********
دقت الساعة الرابعة صباحًا والنوم لم يزور جفن أحدًا، ومن خلف ذلك الهدوء، اصطكاك حذاء يقترب منهما حتى توقف مقابل فهد، فرفع عينيه ليجد "فاتن" تقف أمامه باكية، فاقترب منهما ايان ثم سأل خالته باستغراب:
_جاية ليه؟
تجاهلت سؤاله ثم قالت وعينيها على فهد:
_أني جيت مش لشماتة والله العظيم، اللي جوه ده أتقذ شرف بتي وأنقذ حياة ابني من الموت، اللي عمله خلاك كبير في نظري طول العمر يا فهد لانك عرفت تربيه زين، أني جيت ادعيله ان ربنا يقومه بالسلامة ومفيش في نيتي اي شر..
لم يكن بحالة تسمح له بالحديث فاكتفى بهز رأسه بهدوء، فجذبها ايان لتقف لجواره ومازال مصدومًا من بكائها الحارق.
******
تلك المرة فشلت الممرضة بابعاد تسنيم عن الغرفة، فما أن خرجت من الداخل حتى تسللت هي، فوقفت أمام الحائط الزجاجي مسلوبة لكل طاقة قد تدفعها للمضي قدمًا، تخشى أن تراه بحالة قد تحطمها ومع ذلك تحدت كل صعابها واخترقت الحاجز فاهتز جسدها رعبًا من فرط الاجهزة المدثوثة بين جسده وبالأخص فمه وصدره العاري، احتسبت تلك الشهقة داخلها، وقدميها ترتعش ما بين الخروج والاقتراب قلبها ينتفض، فلم تكن بتلك الجريئة يومًا فقلبها رقيق للغاية، ولكن هل سترحل وتترك صمام أمانها!
لا حطمت مشاعرها ودنت حتى أصبحت قريبة منه، فوضعت يدها بين يديه وهي تهمس ببكاءٍ حارق:
_بالله عليك قوم، متسبنيش لوحدي أنا وحيدة من غيرك ولو حواليا الدنيا كلها... أنا مقدرش أكون من غيرك لإني ضعيفة ومكسورة ومقدرش اواجه أي حاجة ممكن تقابلني أنا وابني...
ثم مسحت دمعاتها وهي تعاتبه بانهيارٍ:
_مش انت وعدتني انك مش هتتخلى عني، ايوه يا آسر أنت وعدتني وأنت عمرك ما بتنسى وعد اخدته على نفسك..
وجدته ساكنًا، لا يجيبها بحركةٍ حتى أو أي رد فعل، فوضعت رأسها على كتفيه الأخر وانهارت بالبكاء وهي تردد بشهقاتٍ تذبح صدرها:
_أنا هموت من غيرك والله العظيم، عمري ما اتخيلت اني هعيش لحظة مرعبة زي دي، قوم متختبرنيش اكتر من كده..
وانهارت بنوبة من البكاء، فانهمرت دمعاتها على كتفيه العاري.
ارتعش جفنيه وكأنه تأثر من ملامسة جراحها ودمعاتها الحزينة، فجاهد ذاك الظلام الدامس، وبصوت مرتعش همس:
_م..ش.. ه.. س.. ي.. ب.. ك(مش هسيبك..)
......... يتبع................
#الدهاشنة3..... #بقلمي_ملكة_الابداع_آية_محمد_رفعت..
ارتحتوا لما وجعتوا قلبي وعيطوني كده قبل ما اخرج 😢🤭، ماشي كله يهون علشانكم، حابة اقول لحبايبنا في الاردن اننا جاين عندكم والتفاصيل اهي 👇🏻
الحبايب في عمان الأردن
نلقاكم بكل الخير في جناحنا في #معرض_عمان_الدولي_للكتاب_2022 في الفترة من 1 ل 10 سبتمبر 2022 في مركز عمان الدولي للمؤتمرات في مكة مول القاعة الرئيسية القدس
رقم الجناح D8
وتشارك أحدث الإصدارات في المعرض إضافة إلى حضور توكيل @dar_turkwaz معنا في الجناح بالأردن
في انتظاركم يوميا من الساعة 10 ص ل 10 م كل يوم
للتواصل في عمان واتساب الرقم 00201004022774
#إبداع_للترجمة_والنشر_والتوزيع
#شغف_القراءة
#في_كل_كتاب_حياة
#الأقوى_قادم
#معارض_خارجية
#معارض_الكتاب
#معرض_عمان_الدولي_للكتاب
****____****