تحميل رواية «عشق بين حنايا الروح» PDF
بقلم نورهان العشري
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
كثيرًا ما نضيع بين صوت العقل وخفقات القلب، بين ما كان وما يجب أن يكون، تتشابه علينا ملامح الإعجاب والحب. وحينها يقف الإنسان عاجزًا، مُثقَلًا بأصفاد لا يراها سواه، يخبره قلبه أنه يحمل مفتاح خلاصه، ويُلِح عليه عقله بأن يكسر تلك القيود ويمضي بلا التفات. وبين هذا الصراع المرهق تقف ذاته متمنية لو ترجح كفة واحدة؛ ليعرف أخيرًا طعم الراحة التي طال انتظاره لها. رفعت كاميليا عينيها لتراه يُحدِّق بها بنظرات يملؤها الذهول، فعلمت أن هلاكها قادم لا محالة، فها هو أسوأ كوابيسها قد تحقق الآن بانكشاف ذلك السر الذ...
رواية عشق بين حنايا الروح الفصل الأول 1 - بقلم نورهان العشري
كثيرًا ما نضيع بين صوت العقل وخفقات القلب، بين ما كان وما يجب أن يكون، تتشابه علينا ملامح الإعجاب والحب. وحينها يقف الإنسان عاجزًا، مُثقَلًا بأصفاد لا يراها سواه، يخبره قلبه أنه يحمل مفتاح خلاصه، ويُلِح عليه عقله بأن يكسر تلك القيود ويمضي بلا التفات. وبين هذا الصراع المرهق تقف ذاته متمنية لو ترجح كفة واحدة؛ ليعرف أخيرًا طعم الراحة التي طال انتظاره لها.
رفعت كاميليا عينيها لتراه يُحدِّق بها بنظرات يملؤها الذهول، فعلمت أن هلاكها قادم لا محالة، فها هو أسوأ كوابيسها قد تحقق الآن بانكشاف ذلك السر الذي خبأته طوال هذه المدة واحتملت فكرة فراقه القاتلة لكي لا يحدث ما حدث للتو. عند هذا الحد أشفق عليها جسدها الذي سحبته هوةٌ سحيقة إلى أعماق الظلام، لتُغمِض عينيها مُغشيًا عليها، دون أن تدري أن هناك قلبًا قد أوشك على الانخلاع عند رؤيتها بتلك الحالة، فامتدت يداه تُربِّت على خدها برفق ولهفة قائلًا بصوت مُرتعب من فقدها:
_ كاميليا… ردي عليّ. كاميليا فوقي.
كان الذهول والصمت يخيمان على كل الحضور، فما وقع على مسامعهم الآن أقصى ما قد يمر بخيال بشر.
لم يُوقظهم من ذهولهم سوى صراخ يوسف وهو يحملها ناظرًا إلى نيفين بكرهٍ بلغ ذروته، وتجلى بنبرة صوته التي اقشعرت لها أبدانهم حين قال صارخًا:
_ ورحمة أبويا لو جرالها حاجة لهكون دافنك حيّة.
كان أول المهرولين تجاهه أدهم، الذي اقترب منه قائلًا بلهفة:
_ مش وقت الكلام دا يا يوسف، تعالى نوديها المستشفى نطمن عليها.
انصاع يوسف لحديث أدهم دون التفوّه بحرف، فقد كانت كل حواسه مع تلك التي ترقد بين يديه دون حراك، وقد كان هذا أكثر من مرعب لقلبه الذي لم ينسَ تلك النظرة المُنكسِرة التي رآها في عينيها، والتي مزقته من الداخل وحولته إلى أشلاء. فصار يضمها إلى حنايا قلبه يود لو يُدخلها إليه حتى يحميها من بشاعة هذا العالم الذي لم يرحم قلبًا بريئًا مثلها، لا يستحق سوى السعادة والفرح.
سقطت دمعة من طرف عينيه تحكي مقدار الألم والعجز اللذين شعر بهما عندما سقطت بين يديه جراء تلك الكلمات الحقيرة التي تشبه كثيرًا قائلها، ولكنه أقسم داخله بأن يذيق الويلات لكل من تسبب في ألمها.
استفاق يوسف من شروده على صوت أدهم الذي أخبره بوصولهم إلى المشفى، فحملها مهرولًا إلى الداخل، فاستقبله الأطباء وقاموا بوضعها على السرير المتحرك وأدخلوها إلى غرفة الطوارئ لفحصها. ليظل يوسف كطيرٍ ذبيح ينتفض من شدة الغضب والألم معًا، فحاول أدهم تهدئته قائلًا بمواساة:
_ اهدى يا يوسف، إن شاء الله هتبقى كويسة… متقلقش.
يوسف بغضب جحيمي:
_ أقسم بالله ما هرحمها، وهخليها تبكي بدل الدموع دم.
أدهم، الذي كان الفضول يأكله من الداخل، تحمحم قائلًا باستفهام:
_ يوسف… الكلام اللي قالته نيفين هناك…
قاطعه يوسف بحدة:
_ مش وقته يا أدهم. كل حاجة هتتعرف في وقتها.
رقت نبرته كثيرًا عندما استطرد قائلًا:
_ المهم عندي دلوقتي تقوم بالسلامة وأطمن عليها.
أخذ الأطباء وقتًا ليس بالقليل حتى خرج أحدهم، فبادره يوسف قائلًا بلهفة:
_ طمني يا دكتور… عاملة إيه دلوقتي؟
الطبيب بهدوء:
_ من الواضح إنها اتعرضت لصدمة كبيرة فقدت بسببها الوعي. إن شاء الله كلها ساعة وتفوق… اطمن.
يوسف بلهفة:
_ أنا ممكن أشوفها؟
الطبيب بتفكير:
_ هو ممكن… بس أنا مش حابب أتعبها أكتر. من الواضح إن عليها ضغوطات نفسية كتير، ودي مش أول مرة يُغمى عليها يا يوسف بيه.
يوسف بنفاد صبر:
_ مش هتعبها نهائي… أنا بس هطمن عليها.
_ تمام… اتفضل.
ما إن أتمّ رامي جملته حتى اندفع يوسف بلهفة إلى غرفتها حاملًا بقلبه جميع اعتذارات العالم التي لن تكفيها أبدًا. وكان قلبه يرتجف لرؤيتها شاحبة الوجه حزينة الملامح، وقد تناقض ذلك مع جمالها المُشِع صباحًا قبل أن يتركها فريسة لهؤلاء الملاعين.
اقترب منها ببطء حتى وصل إلى المقعد بجانبها، وامتدت يداه تمسك بيدها المغروز بها ذلك المغذي، وقام بنثر اعتذاره فوق راحة كفها وكأن اللسان يعجز عن وصف كل هذا الأسف بقلبه. ثم اقترب من وجهها وفعل بالمثل مع مقدمة رأسها، قبل أن يُسند جبينه فوق جبينها مُغمضًا عينيه يستنشق أنفاسها التي تجعله على قيد الحياة.
لم يستطع التفوّه بحرف واحد، ف لأول مرة في حياته لم يجد ما يقوله. فقلبه كان مزيجًا من الألم والندم والعشق الذي جعل الدمع يقطر من عينيه دون أن يستطيع إيقافه وهو يتذكر ما حدث، وما جعل بركان غضبه يشتعل من جديد، فقال بلهجة مبحوحة:
_ وحياة كل دمعة نزلت من دموعك… لهدفعهم التمن غالي أوي.
كان الأمر أشبه بنمور برّية تنظر إلى بعضها البعض وكأنها على وشك الهجوم وشن معركة دامية لا تنتهي سوى بنهاية أحدهم؛ فقد كان كلًا من رامي وأدهم ينظران إلى بعضهما بغضب وحنق، وكلاهما ينفث النيران من أنفه، إلى أن تَحدّث رامي باستفزاز قائلًا:
_ إيه يا أدهم بيه، عنيك بتطقّ شرار ليه كدا؟ تكونش لسه ما نولتِش الرضا!
كان أدهم يغلي من شدّة الغضب من هذا الكائن اللزج كما يسمّيه، ولكنه حاول التحكّم في أعصابه حين قال بجفاء:
_ متقلقش الرضا جاي جاي. إنت بقى هتموت ليه، هاه؟ يمكن عشان اترميت في أقرب مقلب زبالة!
تصاعد غضب رامي الذي قال بحقد:
_ زبالة! الزبالة دي أنا سبتهالك ما هو أصل أنا ما أقبلش أكون صف تاني.
وما إن أنهى كلماته البذيئة حتى نال أنفه لكمة قويّة من أدهم الذي أمسك به من تلابيبه حتى أوشك على الاختناق، وصاح غاضبًا:
_ اخرس يا كلب! غرام دي خط أحمر. إياك تفكر تجيب سيرتها بحرف واحد همحيك من على وش الدنيا فااااهم؟
كان رامي على وشك الاختناق، فجاء صوت فاطمة التي كانت تنظر إليهم بصدمة مما تراه:
_ إيه اللي بيحصل هنا؟
التفت لها أدهم الذي تفاجأ بوجود فاطمة وخلفها حبيبته ومعذّبة قلبه التي كانت تنظر إلى ما يحدث بذهول، فتعلّقت عيناه بعينيها للحظات نسي فيها الزمن، وكانت عيناه ترسل إليها مئات الأعذار التي يحملها بقلبه وتُثقل كاهله. وغفل عن ذلك الذي كان يختنق بين يديه إلى أن تدخلت كارما وهي تحدثه بحدّة:
_ أدهم… سيبه، هيموت في إيدك!
تنبه أدهم إلى رامي الذي كان على وشك لفظ أنفاسه الأخيرة بين يديه، فقام بدفعه بعيدًا وكأنه شيء قذر يُدنّس يديه، ليبدأ رامي بالسعال بقوة وهو يردد:
_ إنت مجنون… والله لهندمك ندم عمرك على اللي عملته دا!
زادت كلماته من جنون أدهم، فاقترب منه يقول بغضب:
_ وحياة أمك لهوريك الجنان على أصله!
حالت كارما بينهما، بينما ارتعب رامي من هذا المجنون. لكنه انتبه لكلمات فاطمة التي قالت بحدة:
_ بس انت وهو! إيه؟ مش عاملين احترام لحد؟
أدهم بحدة:
_ إنتِ ما سمعتيهوش بيقول إيه؟
فاطمة بنبرة صارمة:
_ أدهم خلاص، كفاية كدا.
ثم التفتت إلى ذلك الطبيب، وأعطته نظرة محتقرة كلهجتها تمامًا وهي تقول:
_ دخلت بيتنا، وكلت معانا عيش وملح، وعاملناك أحسن معاملة وما قدرتش دا كله، وطلعت تتكلم عن بنتي بالباطل؟ قد كدا إنت إنسان زبالة وأنا ما كنتش واخدة بالي؟
رامي بإحراج:
_ حضرتك فاهمة غلط.
قاطعته فاطمة بحدّة:
_ ولا كلمة! ومن اللحظة دي مش عايزة أشوفك في أي مكان إحنا موجودين فيه. ولو فتحت بقّك بحرف على بنتي أنا هيكون ليّ معاك تصرّف مش هيعجبك! أظن كلامي واضح!
نظر رامي إليها بحرج، ثم هز رأسه دون أن يتفوّه بحرف، وغادر المكان، تاركًا فاطمة تشتعل غضبًا. فالتفتت إلى أدهم قائلة بغضب:
_ عجبك اللي حصل دا؟
أدهم بدهشة:
_ إنتِ بتقولي لي أنا كدا؟!
فاطمة بحدّة:
_ أيوه بقولك إنت! شاف منكم إيه عشان يتكلم عنها كدا؟
كانت صفية قد وصلت إلى المشفى هي وروفان وشهدا على ما حدث، فقالت صفية بذهول:
_ في إيه يا إدهم؟ ومين دا؟
أدهم وقد بلغ غضبه الذروة فأصبح لا يُبصر أمامه، فقال بغضب:
_ دا واحد حيوان! وقال كدا عشان أنا كسرت دماغه أول ما لقيته حاطط عينه عليها!
قال جملته الأخيرة وهو ينظر إلى فاطمة التي قالت بانفعال:
_ وليه عملت كدا؟!
أدهم بصراخ هز أرجاء المشفى:
_ عشااان بحبهاااا!
تراجعت فاطمة بذهول من تصريحه الذي لم يخجل منه، ونظرت إليه كارما فاغرة فمها من جنونه. بينما يوجد قلب… كانت الصدمة شعوره في البداية، وسرعان ما تحوّلت لفرحة عارمة… وأصبح وكأنه خُلق له جناحان ليحلق في السماء من شدّة سعادته بهذا التصريح غير المتوقّع منه وأمامهم جميعًا دون خجل، لتزداد سعادتها أضعافًا حين قال بتأكيد:
_ أيوه بحبها ومقدرش أعيش من غيرها لحظة واحدة! ومش هسمح لأي حد في الدنيا ياخدها مني والزفت دا لو فكّر بس يقربلها همحيه من على وشّ الأرض!
لم تُتَح لهم الفرصة لاستيعاب الأمر ليشتّت انتباههم هذا الخروج العاصف ليوسف، والذي كانت عيناه تُطلقان أعيرة نارية، ومن يراه يظنّ أنه على وشك ارتكاب جريمة. فاندفع الجميع نحوه يتهافتون لمعرفة حالة كاميليا، فما كان منه سوى أن نظر لأدهم قائلًا بلهجة آمرة:
_ خليك هنا جنب مرات أخوك، أوعى تسمح لحد يقرب منها… فاهم؟
أمسك أدهم بذراعه قبل أن يقول بغضب:
_ اهدى يا يوسف… وفهّمني ناوي تعمل إيه؟
يوسف بغموض وبلهجة تحمل الشراسة والغضب:
_ في حساب طال أوي… ولازم أصفّيه.
حاول أدهم ثنيه عن المضي فيما انتواه، خاصةً وهو يعلم عواقبه، ولكن يوسف صرخ به قائلًا:
_ قولتلك خليك هنا… لحد ما أرجع!
تركه أدهم بعدما أدرك بأنه وصل إلى نقطة اللا تراجع، وأن صبره قد نفد بالفعل، فهو اليوم قرر، ولأول مرة في حياته، أن يعاقب المجرم الحقيقي الذي تسبب في كل هذا العناء لعائلته؛ بدايةً من والديه إلى حبيبته الصغيرة التي كانت ترتجف قبل لحظات بين يديه كطير ذبيح دون أن يكون له القدرة على حمايتها أو التخفيف عنها… وهذا أقسى ما قد يتحمله رجل: الشعور بالعجز عن حماية امرأة حياته.
وصل يوسف إلى مبتغاه، وقام بفتح باب الغرفة بعنف، لينتفض بذعر ذلك الذي كان يجلس مسترخيًا في مكانه وهو ينظر إلى هيئته التي لا تُبشّر بالخير إطلاقًا، فقال بلهفة:
_ إيه يا يوسف؟ حصل إيه؟
يوسف بصراخ:
_ أنا مش اتفقت معاك إن سرّ كاميليا دا يندفن معاك تحت التراب؟ نقضت العهد اللي بيني وبينك لييييه؟
صُدم رحيم من كلمات يوسف التي نزلت عليه كالصاعقة، فقد كان يتناسى ذلك الجرم الكبير الذي اقترفه في حق حفيده الغالي، وظنّ أن كاميليا أضعف من أن تفشيه. ولكن الآن… انكشفت الأمور للحد الذي جعله غير قادر على التنفّس، وماتت الكلمات فوق شفتيه، ليعيد يوسف سؤاله بحدة أكبر:
_ رد عليّ! نيفين عرفت إزاي إن كاميليا مش بنت عمي أحمد؟
رحيم بذهول:
_ نيفين؟!
يوسف بحزن مُغلّف بالغضب:
_ ارتحت لما كسرتها؟ فكرت إني ممكن أتخلى عنها؟ فكرت إني عامر الحسيني… وهبيع حب عمري عشان شوية حاجات هبلة في دماغك؟
لأ… أنا عمري ما خوفت منك، ولا هخاف. طول عمري شايف كل أخطائك وبَداري عليها وبسكت. كسرة أمي… وموت أبويا اللي أنت كنت السبب فيهم، ومع ذلك ما اتعظتش… وفضلت تدوس عالناس حواليك!
_ يوسف…
قاطع رحيم بنبرة جريحة غاضبة:
_ ربنا بعتلك مصيبة أكبر… خدت عمّي أحمد ومراته اللي أنت ما رحمتهاش لحظة واحدة، وبرضه ما اتعظتش! فضلت تربي في التعابين حواليك وفي حِضنك… وسكت!
لكن تيجي على كاميليا؟… مش هسكتلك أبدًا. فاااهم؟ مش هسكتلك!
أنهى يوسف حديثه وخرج صافقًا الباب خلفه، وقد شعر بأنه ولأول مرة في حياته على وشك الانهيار. فلم يعُد يتحمل كل هذا الشر من حوله، وخاصة عندما يأتي من أولئك الذين كان يفضّلهم على نفسه… هم من طعنوه غدرًا وقتلوا فرحته التي كان يتمناها من هذه الحياة.
فها هو اليوم الذي كان يحلم به مع حبيبته، ويظن أنه سيكون أسعد أيام حياتهما،
انقلب إلى أقسى ما قد يمران به. والأسوأ من ذلك… أنه يقف وحده الآن يعاني العذاب دون أن يستطيع لمرة واحدة الاستناد على كتف أحدهم والبكاء.
نعم… يشعر بأنه طفل صغير حُطّمت أغلى ألعابه أمام عينيه دون أن يستطيع فعل شيء، لذلك يودّ لو يصرخ حتى يسمع هذا العالم كله صراخه… علَّ ذلك يريحه قليلًا.
في الجانب الآخر، نجد الجميع مجتمعين عند غرفة كاميليا التي لازالت غائبة عن الوعي، لا تدري شيئًا عما يدور حولها.
وكانت فاطمة تنظر إليها بحزن شديد وشفقة على حالها، فبعد أن علمت ما حدث من غرام التي كانت تهاتف كاميليا على هاتفها المحمول، لترد عليها الخادمة وتخبرها بأنها قد أُغمي عليها وتم نقلها إلى المشفى، لتهرول الفتاتان ومعهما فاطمة للاطمئنان عليها.
كسرت فاطمة هذا الصمت قائلة بصوت خافت:
_ حصل إيه لكاميليا يا صفية؟
صفية، التي كانت تشعر بالغضب والألم معًا، لم تجد ما تقوله في مثل هذا الموقف، فنظرت إلى أدهم الذي قال بهدوء يتنافى مع ضجيج عقله:
_ خلينا نأجل الكلام لبعدين يا حاجة فاطمة لما كاميليا تقوم بالسلامة.
نظرت إليه فاطمة، وأوشكت على الحديث، لتوقفها نظرات أدهم المحذّرة، فابتلعت كلماتها مؤجلة الحديث لحين الاطمئنان على ابنة أختها التي كانت شاحبة كالأموات، والتي آلم مظهرها قلب يوسف كثيرًا عندما دخل إلى الغرفة، فوجد جميع العيون تناظره بلهفة لمعرفة ما حدث، فتجاهلهم جميعًا واقترب منها ممسكًا بيدها، ناظرًا إليها بحب.
ليأتي الطبيب بعد فترة قليلة لفحصها:
_ ممكن تتفضلوا بره يا جماعة عشان أطمن عليها؟
نظر الجميع إلى يوسف الذي ظل واقفًا في مكانه وكأن الحديث غير موجّه إليه، فانسحبوا جميعًا ما عدا الطبيب والممرضة ويوسف الممسك بيدها. فاقترب منه الطبيب قائلًا بلهجة مهذّبة:
_ لو سمحت يا يوسف بيه… عايز أفحصها؟
ابتعد يوسف عنها قليلًا ووقف على الجهة المقابلة للطبيب الذي شرع في أداء عمله. وبعد دقائق، نظر إلى يوسف نظرة ذات مغزى فهمها يوسف فورًا، فخطا بضع خطوات حتى وصل إلى باب الغرفة، ولحق به الطبيب، فبادره يوسف قائلًا بخفوت:
_ فاقت صح؟
وافقه الطبيب قائلًا:
_ فعلًا هي فايقة وحاسة بكل حاجة.
زفر يوسف بغضب ثم قال بنبرة متعبة:
_ طب وإنت شايف نتعامل إزاي؟
الطبيب بعملية:
_ والله أنا شايف إننا نسيبها براحتها عشان شكلها نفسيًا تعبانة جدًا، ومش قادرة تواجه حد أو تتعامل مع حد. فبلاش نضغط عليها زيادة، عشان دا ممكن يعمل مضاعفات سلبية وإحنا في غنى عنها.
يوسف بخشونة:
_ تمام يا دكتور. عايزك تقول للناس اللي بره إنها لسه ما فاقتْش وتمنع عنها الزيارة. مش عايز حد يدخل لها خالص حتى لو كان مين. أنا بس اللي أقدر أدخل لحد ما تقرر هي. وقتها اللي يريحها نعمله.
الطبيب بموافقة:
_ تمام. وأنا أول ما تقرر تفوق هبعتلها دكتور نفسي كويس أوي يتابع معاها عشان ما يحصلش مضاعفات.
يوسف بنبرة قاطعة:
_ دكتورة. مش دكتور.
الطبيب بتفهم:
_ اللي تشوفه عن إذنك.
خرج الطبيب وتبعته الممرضة، بينما اقترب يوسف من حبيبته الراقدة على السرير، تتمنى لو أنها تظلّ تدّعي النوم هكذا لآخر عمرها.
فما حدث لم يكن بالهين عليها؛ فقد هُدِمت حياتها، وقُتِل حلمها في مهده، وانطفأت شعلة سعادتها قبل أن يُتاح لها أن تستمتع بها ولو قليلًا. وكُشِف سرها الذي لم تكن لها يد فيه فأصبحت الآن، في نظر حبيبها وزوجها، ابنة جاءت من الحرام.
ما أقسى تلك الكلمات التي مرّت ببالها عندما استيقظت من غفوتها القصيرة فوجدت الجميع حولها، فلم تكن لديها الشجاعة لمواجهتهم، ففضّلت الهروب كما تفعل دائمًا.
ولكن تلك المرة، أشفق قلبه عليها كثيرًا، فهو يعلم مدى عذابها؛ فقد فعل المستحيل حتى لا تعلم شيئًا عن تلك الحقيقة ولكن للقدر رأي آخر. فأخذ يتذكر هول صدمته عندما علم.
عودة لوقتٍ سابق.
_ و كده نبقى ضمنا المناقصة دي في جيبنا و قضينا على فايز المحلاوي للأبد.
هكذا قال رحيم بفرحة و ضحكة قلما تظهر على وجهه، فنظر له يوسف نظرات مُستغرِبة ثم قال بغموض:
_ إلا قولي يا جدي هو انت ليه عايز تقضي على فايز ده؟ هو كان عملك إيه؟
ارتبك رحيم للحظات ثم قال باختصار:
_ أبدًا. هو اللي ابتدى و فكر نفسه إنه ممكن يتحدانا.
يوسف بعدم تصديق:
_ هاعتبر إني مصدّقك و إن مفيش حاجه تانية ورا كلامك ده.
حاول رحيم تغيير الموضوع فقال بمكر:
_ سيبك انت من الكلام ده كله، خلينا في المهم. أنا عايز أعمل حفلة كبيرة بعد ما نفوز بالمناقصة دي.
يوسف باستغراب:
_ حفلة كبيرة عشان مناقصة؟!
رحيم بتخابث:
_ مش عشان المناقصة بس.. إحنا في الحفلة دي هنعلن فيها خبر خطوبتك.
دب القلق داخل قلبه و قد علم أن ميعاد خوض معركته قد أزف، فقال بهدوء ينافي ما يشعر به:
_ كويس إنك فتحت الموضوع ده أنا كنت ناوي أفتحه معاك و أطلب منك إيد كاميليا بعد ما نكسب المناقصة دي.
جن جنون رحيم عندما سمع حديث يوسف، فهب من مكانه صارخًا:
_ تطلب إيد مين؟ انت أكيد اتجننت يا يوسف!
يوسف بثبات:
_ إيه الجنان في كده؟
رحيم بغضب:
_ لما تيجي تقعد قدامي و تطلب إيد بنت زهرة مني يبقى ده منتهى الجنَان!
يوسف وقد بدأ غضبه يتصاعد:
_ أنا عارف و انت عارف من زمان إني مش هاطلب إيد حد غير بنت زهرة، فليه كل العصبية دي؟
رحيم بحدّة:
_ عشان فكرتك عقلت و عرفت مصلحتك!
يوسف بهدوء:
_ و عشان أنا عارف مصلحتي، بطلب منك إيد الإنسانة الوحيدة اللي حبتها.
رحيم ساخرًا:
_ حب! أنا سمعت الكلمة دي قبل كده؟ و أنا و إنت عارفين كانت نهايتها إيه. ولا محتاج أفكرك؟
وثب يوسف قائمًا وقد بلغ غضبه الذروة:
_ و أنا مش زي حد، ولا هقبل يكون لحياتي مع كاميليا نهاية. أنا لآخر مرة بقولك: مش هتجوز حد غيرها، و لو على موتي! عاوز تقتنع و تبارك الموضوع هكون ممنون ليك. مش عايز تقتنع يبقى انت اللي اخترت النهاية مش أنا.
كانت المرة الأولى التي يقف فيها أمام جده، و لكن كان هذا آخر خياراته؛ فلم يترك له خيارًا آخر. لكنه نسي أن جده لا يقبل الخسارة أبدًا، فما إن أعطاه يوسف ظهره متوجهًا إلى باب الغرفة، حتى فاجأه رحيم قائلًا:
_ هتقبل على نفسك إن أم ولادك تبقى بنت حرام؟!
تسمّر يوسف في مكانه من هول الصدمة، وظل لثوانٍ قبل أن يلتفت إليه ينظر إليه بذُهول، ففاجأه الأخير بأن ألقى بعض الأوراق على المكتب قائلًا بصرامة:
_ اتفضل تعال شوف بعينك الحقيقة، لا تقول إني بكذّب عليك.
اقترب من المكتب بخطوات سُلحفائية، فقد كان بداخله يرفض تصديق هذا الادعاء، إلى أن قرأ تلك الأوراق التي تُثبت أن عمه أحمد قد وقعت له حادثة تجعل احتمال أن يُنجب مستحيلًا، فسقط على الكرسي خلفه ينظر إلى جده الذي شعر بالانتصار، وقال بلهجة جامدة:
_ أول ما جالي و قالي إنه بيحب بنت و عايز يتجوزها فرحت، حتى بعد ما عرفت إنها فقيرة مكنش مهم عندي، كان المهم عندي إني أشوفه مبسوط و خلاص، خصوصًا إنه مكنش يعرف بحالته دي، و فجأة قالي إنه صرف نظر عن الموضوع و كان حزن الدنيا كلها ماليه.
و بعدها طلب مني إنه يدير فرع الشركة اللي في لندن، وأنا وافقت. و فعلًا سافر.
صمت لثوان قبل أن يقول بقسوة:
ـ بعد ما سافر بعتلي يقولي إنه اتجوز البنت اللي بيحبها، و طلب مني مقفّش قدام سعادته و قبلت و سكت. لكن اتفاجأت بعدها بشهر إنه بيكلمني و بيقولي إن مراته حامل!
طبعًا أنا اتجننت و سافرتله، و أول ما وصلت رُحت على البيت عشان كنت عايز أشوف البنت الحقيرة اللي ضحكت عليه، و رُحت و شوفتها كانت وقتها حامل في الرابع أو أكتر.
بهدلتها و واجهتها بحقيقة إن أحمد مابيخلّفش و للأسف أحمد كان جه و سمعني و أنا بقولها كده فاتصدم صدمة عمره.
لكنه اتخانق معايا عشان اتهمتها إنها حامل من الحرام، و قالي إنها كانت متجوزة و اتطلقت و مكنتش تعرف إنها حامل، و لما طلبت منها توريني ورقة طلاقها رفضت. و من هنا اتأكدت إنها بتكذب، و إن اللي في بطنها ده فعلا ابن حرام. بس هي كانت زي الحية لفت حوالين رقبته و بَخت سمها في ودانه، خلّته ميسمعش غيرها. و ده كل الورق اللي يثبت إن كاميليا اتولدت بعد جوازهم بأقل من سبع شهور. أنا قبلت أخليها في بيتي عشان دي وصيته بس مش لدرجة أجوزها حفيدي اللي هيشيل اسم العيلة بعدي.
كان قلبه يرتجف ألمًا و شفقة على حال حبيبته التي لا يعرف ما قد يحدث لها إن علمت تلك الحقائق المؤلمة و التي لم يكن لها ذنب بها أبدًا. أخذ ينظر إلى تلك الأوراق بيده يود لو يحرقها في الجحيم قبل أن تصل إليها و تؤلم قلبها البريء الذي لا يعرف شيئًا عن دناءة هذا العالم.
لم يُخرجه من شروده سوى صوت جده الخشن المتحجر وهو يقول بغطرسة:
_ فوق يا يوسف و انسى الأوهام اللي في دماغك دي! و اعرف مين اللي تستاهلك و تستاهل تشيل ولاد الحسيني.
و كاميليا دي بكرة ييجي نصيبها اللي ياخدها من هنا و يريحنا من وجودها زي ما ارتاحنا من وجود أمها.
عندما تفوه رحيم بتلك الكلمات، جن جنون يوسف الذي هب من مكانه و قام برمي الأوراق التي تبعثرت حوله قائلًا بغضب جحيمي و غيرة قاتلة:
_ كاميليا دي بتاعتي أنا، و محدش هيقدر يقرب منها!
كل اللي انت قولته ده ميهمّنيش، و لا هيخلّيني أفكر لحظة واحدة أبعد عنها!
رحيم بصراخ:
_ تبقى مجنون لو فاكرني هسكتلك و أسيبك تعمل اللي في دماغك. خد وقتك و فكر و احسبها صح… بلاش تمشي زي الأعمى ورا قلبك عشان ميضيعكش زي ما ضَيع اللي قبلك!
نظر إليه يوسف بغضب، لكنه قال بنبرة جليدية:
_ تمام أوي. ردي هيوصلك في خلال ساعتين.
أنهى يوسف حديثه ثم توجه إلى باب الغرفة قبل أن توقفه كلمات رحيم الذي قال بغضب:
_ خليك فاكر إنك لو خدت القرار الغلط هتبقى خسرت كل حاجة و انت عارف أنا أقصد إيه بكل حاجة.
التفت إليه يوسف قائلًا بغموض:
_ و أنا موافق!
قام بالخروج من غرفة المكتب صافقًا الباب خلفه، متوجهًا إلى غرفة الصالون حيث وصلت إلى مسامعه أصوات حديثهم ليجد والدته وبجانبها روفان، وأمامهم نيفين وسميرة، وأخيرًا وقعت عيناه على تلك التي تجلس وحيدة في الزاوية، وكانت تنظر إليه وكأنه منقذها، فقد وصل إلى قلبه تنهيدة الاطمئنان التي أطلقتها عقب رؤيته لها مع ابتسامة جميلة ارتسمت على ثغرها الشهي. ليتقدم تجاهها غير مُبالٍ بنظراتهم المستفهِمة ونداء والدته، لينحني أمامها واضعًا يده خلف ظهرها والأخرى أسفل ركبتيها حاملًا إياها متوجهًا إلى الخارج، لتتوالى خلفه الكثير من شهقات التعجب والاستنكار التي صدرت من سميرة تلاها قولها الغاضب:
_ يالهوي هو ابنك اتجنن يا صفية! إزاي يدخل يشيلها بالطريقة دي من وسطنا كدا؟ إيه! معدش فيه أدب؟
التفت يوسف إليها قائلا بحدة:
_ معلش بقى، أصلي بحبها وبموت فيها دا لو مكنش عندك مانع يعني!
جحظت عيناها من الذهول وقالت بخجل غمرها كليًا:
_ يوسف، انت بتعمل إيه؟ نزلني.
يوسف بتهديد:
_ اسكتي أحسن ما إنتِ عارفة هسكتك إزاي!
أتبع كلماته بالنظر إلى ضفّتي التوت خاصتها، فشهقت كاميليا وبحركة عفوية قامت بقرصهما، فاشتعلت نيران الرغبة الممزوجة بالعشق داخله وقال بوعيد:
_ هربيك على الحركة دي بس اصبري.
توالت النداءات خلفه من والدته وسميرة ونيفين التي كانت الغيرة تفترسها من مظهره وهو يحملها بمثل هذا التملك والحب، فأخذت تنادي عليه لكن دون جدوى إلى أن وصل إلى باب القصر فوجد أدهم الذي كان آتيًا من الخارج، فنظر بذهول إلى يوسف الذي يحمل كاميليا وجميع من في البيت خلفهم فقال بصدمة:
_ يخرب بيتك! انت واخدها ورايح فين؟
يوسف بلهجة آمرة:
_ مش وقت رغي.
اركب عربيتك وتعالى ورايا.
ما تفهمني في إيه؟
ما قولنا مش وقت رغيك يالا تعالى ورايا.
امتثل أدهم لأوامر أخيه الذي يبدو وكأنه تخطى أقصى مراحل الجنون، فأخذ سيارته وانطلق خلفه بعدما قام بوضع كاميليا في الكرسي المجاور لكرسي السائق وهو ينظر إلى مظهرها الخاطف للأنظار، والذي زاد من روعته تلك الحُمرة التي لوّنت خديها خجلًا من أفعاله، فابتسم ابتسامة ماكرة لم تفهمها فقالت ببراءة ما إن انطلق بالسيارة:
يوسف، في إيه؟ فهمني.
هتفهمي كل حاجة دلوقتي.
ما إن همت بالحديث مرة أخرى حتى أوقفها بإشارة من إصبعه بمعنى أن تلتزم الصمت، ليقوم هو بالاتصال بمازن قائلًا باختصار:
هبعتلك عنوان تيجي عليه دلوقتي حالًا.
لم يمهله يوسف فرصة للحديث وإنما أغلق الخط وأجرى اتصالًا آخر قائلًا بغموض:
هبعتلك عنوان تيجي عليه دلوقتي مسألة حياة أو موت.
لم تعرف مع من كان يتحدث، فسرعان ما أغلق الهاتف وواصل القيادة، وبعد أقل من نصف ساعة كانوا قد وصلوا إلى وجهتهم. فنظرت إليه كاميليا عندما توقفت السيارة وقالت برجاء:
يوسف، قولي في إيه أنا مش فاهمة حاجة.
نظر إليها يوسف بعشق؛ فقد كانت بريئة، نقية، لدرجة أنه ودّ لو يضعها بجوار قلبه كي يحميها من هذا العالم القاسي الذي لا يرحم أحدًا. اقترب منها كثيرًا للحد الذي تشابكت فيه أنفاسهم، وقام بفك حزام الأمان من حول خصرها لتحل يداه مكانه وقال بنبرة شغوفة:
بتحبيني؟
أسرتها نظراته للحد الذي سلبها أنفاسها، فتحدث قلبها قائلًا بصدق:
ما بحبش حد في الدنيا غيرك أصلًا.
تتجوزيني؟
اتسعت حدقتا عينيها عندما نطق بتلك الحروف البسيطة، فأخذت تنظر إليه غير مصدقة حتى أن الكلمات لم تسعفها للرد، فابتسم على تعبيراتها الطفولية وقد أحكم يده حولها قائلًا ببهجة مثيرة:
تتجوزيني؟
كانت كالمُنومة مغناطيسيًا؛ فقد خدرها قربه بهذا الشكل وتلك البحة الجذابة في صوته التي أسرت حواسها فقالت دون وعي:
أدفع عمري كله وأكون مراتك ولو لحظة واحدة.
أخذ يتنفس أنفاسها العطرة، وعيناه تجوبان ملامح وجهها الجميل وهو يجاهد نفسه كثيرًا حتى لا يجرفه تيار رغبته بها المخلوط بعشق جارف قد يجعله غير قادر على الثبات أمام سحرها، فقال بصوت أجش:
تقولي الكلمتين دول قدام المأذون فوق… وتقفلي بقك الحلو دا لحد ما أفضاله.
يوسف!
ومن هنا لحد ما نكتب الكتاب ما اسمعش صوتك عشان أنا أساسًا مش ضامن نفسي.
خجلت من تلميحاته وقالت بخفوت:
حاضر.
نبرتها الرقيقة أثارته بشكل كبير، فكان على وشك ريّ قلبه المتعطش لها، لولا ذلك الطرق المزعج على زجاج السيارة الذي جعل يوسف يطلق سُبة نابية أخجلتها أكثر، فالتفت إلى مازن الذي كان مُشعَث الشعر مبعثر الهيئة؛ فقد كان نائمًا عندما هاتفه يوسف فهب مذعورًا ليرى ماذا هناك، ليجد أدهم الذي كان يقف مستندًا على مقدمة سيارته واضعًا يده فوق خده بملل، فاقترب منه مازن قائلًا بلهفة:
في إيه يا أدهم؟ ويوسف فين؟
أشار إليه أدهم باتجاه سيارة يوسف قائلًا بامتعاض:
الأستاذ براد بيت بيحب في الست أنجلينا جولي ولاطعنا في الشمس ومش عارفين في إيه!
غضب مازن بشدة واتجه إلى حيث تقف سيارة يوسف، وقام بالطرق بعنف فوق زجاج النافذة، فما إن فتح يوسف حتى قال مازن بحنق:
سيادتك ممرمطنا وراك ومجرجرنا على ملا وشنا وقاعد تحب هنا! تصدق إنك ما عندكش…
لم يستطع مازن إكمال جملته حين أتته لكمة من يوسف الذي فتح زجاج السيارة وقام بلكمه في أنفه، فاندفع الدم منها، ثم التفت ناظرًا إليها قائلًا بوعيد:
هربي الكلب دا وهجيلك.
نزل يوسف من سيارته تزامنًا مع وصول مراد الذي قال بلهفة:
في إيه يا يوسف؟ قلقتني.
يوسف باينه اتجنن خلاص.
والله عندك حق يا مازن.
ما تفهمنا يا ابني في إيه؟
نظر يوسف إلى ثلاثتهم بلا مبالاة ثم قال بهدوء:
خلصتوا كلامكم؟ اتفضلوا معايا فوق عشان هكتب كتابي على كاميليا!
إيه؟!
أظن كلامي واضح مش محتاج تفسير!
لا مش واضح بصراحة. محتاج توضحلنا أكتر يعني إيه تكتب كتابك على كاميليا؟
يعني هتجوزها تحب أشرحلك بالتفصيل هتجوزها إزاي؟ ولا نقطم على كدا؟
تحمحم أدهم بإحراج ولم يرد، فتحدث مازن المتألم بغضب:
واللي عايز يتجوز يبهدل الناس معاه كدا ويجرجرهم على ملا وشهم بالطريقة دي!
ما انت قارفني طول عمرك لما أرخم عليك مرة تستحملني! وبعدين المفروض إنك صاحبي يعني لما أحتاجك ألاقيك!
شعر مازن بالإحراج هو الآخر ولم يجب، ليقول مراد ساخرًا:
أظن أنا الوحيد اللي مالكش عليا جمايل.
لا انت بالذات تسكت خالص عشان أنا نفسي أخلص على أي حد من ريحة الحسيني واحمد ربنا إن الحد دا مش هيكون انت.
أصيل يا ابن أخويا.
إيه؟ هتنجزوا ولا أدور على حد غيركم؟
يوسف، انت بتتكلم بجد؟ دا كدا هتولع البيت حريقة!
بالعكس كدا هطفي الحرايق اللي شغالة ليل نهار. أنا مش هسمح لرحيم الحسيني يدمر حياتي ويحرمني من الإنسانة الوحيدة اللي حبيتها. ودا قراري النهائي كاميليا هتبقى مراتي النهاردة حتى لو كانت دي آخر حاجة هعملها في حياتي.
انت صح عيش حياتك زي ما انت عايز مع الإنسانة اللي حبيتها وارمي ورا ضهرك أي حاجة تانية. يلا بينا.
انصاع مازن وأدهم لقرار يوسف، فكانا شاهدين على عقد القران، وكان مراد هو وكيل كاميليا التي كانت تنظر إلى ما يحدث غير مصدقة، حتى عندما أتى يوسف إليها لتوقّع الأوراق أخذت تنظر إليه بشرود، فاقترب منها ممسكًا بيدها قائلًا بلهجة حانية:
خليكِ واثقة فيا وما تقلقيش من حاجة.
أعطته ابتسامة جميلة مطمئنة وقامت بالتوقيع ومن ثم أعطته الأوراق، فتناولها منها قبل أن يعطيها غمزة من عينيه جعلت الحمرة تلوّن خديها والابتسامة ترتسم على شفتيها، وتم عقد القران ثم توجهوا جميعهم إلى المنزل ليشهدوا على تلك المعركة التي حتمًا ستنشب عندما يلقي يوسف بقنبلته، وبالفعل ما إن دخل إلى القصر وهو ممسك بيد حبيبته وزوجته، تلك الكلمة التي كان لها مذاق خاص على شفتيه، حتى نظر إلى كل العيون التي تجمعت لمعرفة ماذا حدث، فتقدم يوسف إلى منتصف البهو يتبعه كلٌّ من مراد وأدهم ومازن ثم قال بفخر وتحدٍّ:
باركولي أنا و كاميليا كتبنا كتابنا النهاردة.
شهقات مستنكرة وأخرى مصدومة خرجت من أفواه الجميع، تلاها هجوم عاصف من نيفين التي كانت أول من استعاد وعيه، قائلة بغضب:
انت بتقول إيه؟ مش ممكن الكلام دا يكون صحيح!
نيفين!
التفتت نيفين لمراد الذي صرخ بها، فصرخت قائلة:
نيفين إيه وزفت إيه! انت موافق عالكلام دا؟
أيوه موافق، وأنا اللي كنت وكيل كاميليا كمان، والموضوع ميخصكيش عشان تتكلمي فيه.
عندك حق ميخصنيش أنا… بس يخص ناس تانية.
قالت كلماتها وهي تنظر بتحدٍ تجاه يوسف الذي قابل حديثها بسخرية ولا مبالاة، لتتوجه إلى غرفة المكتب دون الالتفات لنداءات والدها وهي تقول بغضب صارخ:
يا جدي! يا جدي! تعالى شوف المصيبة اللي حصلت!
هب رحيم من مكانه وهرول تجاهها وهو يقول بقلق:
في إيه يا نيفين؟ حصل إيه؟
تعالى شوف الكارثة اللي إحنا فيها.
خرج رحيم مندفعًا إلى الخارج ليتسمّر في مكانه عندما رأى يوسف الذي كان ممسكًا بيد كاميليا التي كانت ترتعب مما يحدث، فاشتدت يد يوسف حول كفها يطمئنها وهو يقول بثبات:
باركَلنا يا جدي… أنا و كاميليا اتجوزنا النهاردة.
جحظت عيون رحيم من هول الصدمة التي وقعت على رأسه، حتى إنه أخذ ثوانٍ كي يستعيد وعيه، ثم بدأ يدرك ما سمعه عندما وضع يوسف أمامه ورقة تثبت صدق حديثه، فثار غضبه وبرزت عروق رقبته وهو يقول بصراخ:
عملتها يا يوسف! عملتها وكسرت كلامي! ماشي اشرب بقى.
قال الأخيرة بوعيد، ثم وجه أنظاره لكاميليا التي كانت ترتعب من نظرته، وما إن خطا خطوة تجاهها حتى في لحظة واحدة قام يوسف بجذبها خلفه ووقف لأول مرة في حياته أمام جده كندٍّ له. العين بالعين، وكأنه يقول: احذر، فأنا من سيواجهك إن اقتربت منها.
تراجع رحيم بغضب متوجهًا إلى غرفة المكتب صافقًا الباب خلفه، وسرعان ما اندفعت نيفين قائلة بغضب:
وقفت قدام جدي راس براس عشان خاطرها؟
نظر إليها يوسف بغضب، وما إن أوشك على الحديث حتى اندفع مراد وصفع نيفين على وجهها صفعة مدوية قائلاً بغضب:
اخرسي بقى… وكفاية اللي عملتيه.
نظرت نيفين مصدومة من فعلته، فلم يمهلها الوقت للحديث حتى قال بحدة:
اتفضلي اطلعي على أوضتك… مش عايز أشوف وشك قدامي. يالا.
تحركت سميرة تجاهها وقامت بجرها إلى الأعلى بخوف من مظهر مراد، الذي توجه إلى يوسف وتمتم بعبارات أسف مقتضبة قبل أن يخرج متوجهًا إلى مرسمه.
فنظر يوسف إلى والدته وشقيقته قائلاً باستفهام:
إيه يا ماما انتِ و روفان مش هتباركولنا؟
توجهت روفان إلى كاميليا تعانقها بفرح:
مبروووك يا كامي. مليون مبروك يا قلبي.
بادلتها كاميليا العناق ثم توجهت تجاه يوسف، فعانقته، فوضع قبلة فوق رأسها وعينه لا تفارق والدته التي كانت تنظر إليه بعتاب. فقال بهدوء:
مش هتباركيلنا يا ماما؟
تقدمت صفية في صمت تجاه كاميليا التي كانت تطالعها بحرج، فقامت باحتضانها وقبلتها على جبينها قائلة:
مبروك يا حبيبتي.
ترقرقت العبرات في مقلتيها وهي تقول:
انتِ زعلانة من اللي حصل صح؟
زفر يوسف بحنق ونظر إلى والدته معاتبًا، فبادلته اللامبالاة، قبل أن تحتوي وجه كاميليا بين كفيها وتقول بحنان:
أنا ما تمنّتش غيرك للواد دا، وانتِ عارفة كدا. ومش زعلانة من اللي حصل عشان دا كان حلم حياتي. أنا بس زعلانة إنه حصل بالطريقة دي.
أنا أسفة.
اندفع يوسف الذي غضب بشدة حين رأى حزنها فقال حانقًا:
كاميليا متتأسفيش لحد، و لو في حد مفروض يتوجهله لوم، فهو أنا يا ماما. هي مالهاش ذنب في حاجة.
نظرت إليه صفية قائلة بتقريع:
هو انت إن شاء الله هتعرفني أتعامل مع بنتي إزاي؟ كاميليا دي بنتي قبل ما تكون مراتك وأول وآخر مرة تدخل بينا.
ما أنا مش هشوفك بتلوميها وهسكت!
شكلك كدا عايزني أبتدي شغل الحموات بدري. روح يا حبيبي كمل اللي انت بدأته، ربنا يعينك وماتقلقش على كاميليا معايا.
قالت صفية جملتها الأخيرة ناظرة إلى غرفة المكتب، فزفر يوسف بتعب ثم قال بتحذير:
خلي بالك منها يا ماما أوعي تخلي حد يضايقها، وأنا مش هتأخر عليكم.
نظر يوسف إلى كاميليا بابتسامة مطمئنة ثم أرسل لها غمزة على الهواء جعلت الخجل يسيطر عليها، خصوصًا عندما تحدثت صفية باستنكار:
شوف الواد وقلة أدبه! مش عامل احترام لحد وبيعاكسها قدامي إزاي!
ثم نظرت إلى كاميليا وقامت بتسديد لكمة خفيفة لكتفها قائلة بغضب:
وانتِ يا مسهوكة… إزاي تسمحيله يعمل كدا؟
الله! وأنا مالي؟ أنا عملت إيه؟
أبدًا… انتِ بتعملي حاجة! انتِ يدوب جننتيلي الواد العاقل اللي حيلتي.
كان عندي واحد متخلف وواحد عاقل، دلوقتي بقى واحد مجنون وواحد متخلف. عليه العوض في خلفتي يارب.
أدهم بتهكم:
ـ حبيبة قلبي يا ست الكل… تسلمي والله.
تدخل مازن في الحوار قائلًا بحسد:
ـ الواد أخوك دا بيضاله في القفص يا عم يا أدهم خطف المزة وكتب الكتاب وعلا الجواب، وهيهيص بقى! وإحنا قاعدين زي خيبتها هنا!
أدهم بسخرية:
ـ متقلقش هيدخل يجيب البيضة من القفص، هيلاقي ديناصور جوا يبلعه هو والبيضة.
مازن بذعر:
ـ واد يا أدهم! لا الديناصور يعرف إني أنا وانت اللي شهدنا على عقد الجواز!
أدهم وقد ذعر هو الآخر:
ـ يا نهار مش فايت! دا هيعمل مننا بوفتيك! إحنا هنعمل إيه في المصيبة دي؟
مازن بتفكير:
ـ بص بقولك إيه، إحنا لازم نخلع نرجعش غير لما يكون نسي الموضوع.
أدهم باقتناع:
ـ والله فكرة! هو أساسًا مش طايقني إحنا نروح نقعد عندك لينا يومين يكون الجو هدي.
مازن بتردد:
ـ بس كدا هنغدر عالواد يوسف ونسيبه لوحده في وش المدفع!
أدهم محاولًا إقناعه:
ـ ولا هنغدر ولا حاجة هو يعني يوسف وهو بيقضي شهر العسل هياخدنا معاه؟! وبعدين الصاحب له عند صاحبه إيه؟
مازن بلا مبالاة:
ـ مالوش حاجة أبو دي صحوبية! هتودينا ورا الشمس. يالا بينا يا عم من هنا.
وبالفعل خرج الاثنان مهرولين إلى الخارج، ما إن سمعا صراخ رحيم الذي، عندما وجد يوسف قادمًا إليه وعلى وجهه إمارات الرضا، أصيب بالجنون:
ـ إيه؟! عندك مصيبة تانية جاي تقولها لي؟
يوسف بجمود:
ـ لا أبدًا ولا مصيبة ولا حاجة. أنا جاي أكمل اتفاقي معاك.
رحيم باستفهام:
ـ اتفاق إيه دا؟
أخرج يوسف ورقتين من جيبه وأعطاهما له قائلًا بخشونة:
ـ دا تنازل مني عن حقي في ميراث الحسيني أنا مش عايز حاجة منك.
زاد غضب رحيم وهو ينظر إلى الورقة، فقال بغضب:
ـ بتتنازل عن كل حاجة عشان خاطر بنت زهرة! ماشي يا يوسف انت اللي ابتديت.
يوسف بجمود:
ـ أنا مبتهددش يا جدي، وياريت متخلينيش عدو ليك، عشان انت فاكر إني برده حفيد عاصم الجمال، واللي طول عمره نفسه يستلم ورث أمي ويدير شركته.
صُدم رحيم من مغزى حديثه وقال باستنكار:
ـ انت بتهددني يا يوسف؟
يوسف بنفي:
ـ أنا مش بهددك… أنا هعمل معاك ديل انت الكسبان فيه.
رحيم بتهكم:
ـ ديل إيه دا إن شاء الله؟!
يوسف بهدوء:
ـ أنا هفضل اشتغل في الشركة، وهاخد مرتب زيي زي أي موظف عادي، ومش هبيعك ولا هروح أمسك شغل جدي وبالمقابل سر كاميليا دا يندفن معانا تحت التراب.
ظل يوسف ينظر إليها لوقت طويل حتى تأكد أنها غفت بفعل المنوم الذي طلب من الطبيب إعطاؤه لها، فقرر أن يقوم بالخطوة التالية التي توجب عليه فعلها. فتوجه إلى الباب وفتحه قبل أن يلقي عليها نظرة أخيرة، ولحسن حظه كان الجميع في الكافيتريا الخاصة بالمشفى، فتوجه مباشرة إلى سيارته، قادها بسرعة كبيرة وقد كان الغضب تمكن منه بصورة كبيرة وظهر ذلك في الصوت القوي الذي صدره احتكاك إطارات السيارة بالأرض الحجرية أمام باب القصر. فدب الزعر في قلب نيفين التي كانت ترتجف من مظهره الغاضب عندما ألقت بقنبلتها، وذلك التهديد المُرعب الذي تفوه به، وقد كانت سميرة تلطم خديها من الرعب، والذي وصل إلى الذروة عندما سمعوا صوت يوسف الغاضب وهو ينادي بأعلى صوت قائلاً:
ـ نيفييين!
صار جسدها يرتعش بفعل الخوف، غير قادرة على الرد، لتنظر سميرة من الأعلى فتجده ينظر إليها بغضب واحتقار تجلى في نبرة صوته عندما قال:
ـ بنتك فين؟
هنا خرجت نيفين تقنع نفسها بأنها لم ترتكب أي خطأ، وإنما فعلت الصواب، وأنه غير قادر على أذيتها، فقامت بالنزول أسفل الدرج وهي تقول بصوت مهزوز بفعل الخوف:
ـ أنا أهوه.
يوسف بوعيد:
ـ تعالي ورايا عالمكتب.
أطاعته نيفين وقد كانت أسنانها تصطك من فرط الرعب، وتوسعت حدقتاها عندما دخلت إلى المكتب فوجدته جالسًا على الكرسي، واضعًا أمامه سلاحه الناري، وقال بلهجة آمرة:
ـ ادخلي واقفلي الباب وراكِ.
فعلت نيفين ما طلبه منها، فوجدت أنظار سميرة التي كانت تقف أمام الباب تطالعها بشفقة لأول مرة في حياتها، فقد كانت تخشى عليها من غضبه، ولكن ذلك لا يعني أنها لم تكن غاضبة منها بسبب تهورها واندفاعها، والذي قد يكلفها الكثير. فظلت تدعو ربها ألا تخطئ نيفين أمامه بشيء، فهي تعلم مقدار ذكاءه وغبائها. فظلت تزرع المكان ذهابًا وإيابًا، وفجأة تسمرت في مكانها عندما سمعت صوت ذلك الطلق الناري، الذي جعلها تضرب بصدمة فوق صدرها قائلة:
ـ خلص عليها!
رواية عشق بين حنايا الروح الفصل الثاني 2 - بقلم نورهان العشري
يُحكى أن إمرأة عٓجوز تٓضع السُم للطيور، و تستلِذ بقتلِها و عندما سألوها عن السبب " قالت بأنها تكرههم بسبب خيانة حبيبها قبل ثلاثين عاماً مع بائعه طيور !
مُرعِب هو كُره بعض النساء.
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
ما إن دخلت نيفين إلى الغرفة وشاهدت مظهر يوسف وهو جالس على الكرسي يطالعها بنظرات قاتلة واضعًا سلاحه فوق الطاولة أمامه حتى تضاعف رعبها أكثر، فهي في حياتها لم تره بمثل هذه الحالة من الغضب، فقد كان ينفث النيران من أنفه، إضافةً إلى نبرته المُرعبة عندما أمرها قائلًا:
_ اقفلي الباب وراكِ.
أطاعته دون أن تتفوّه بحرف واحد، فقد كانت كل خلية بها ترتجف رعبًا عندما أشار لها بإصبعيه بمعنى اقتربي، فأخذت تُجبر قدميها على التحرك حتى صارت على بُعد خطوتين منه، وقد كان الذعر جليًا على ملامح وجهها الذي ظهرت عليه بعض حبات العرق، وسرعان ما توسعت عيناها عندما هبّ واقفًا من مكانه، قاطعًا الخطوات الفاصلة بينهما بغضب يحمل في طياته الكثير من الاحتقار تجلّى في نبرته حين قال:
_ أنا كام مرة حذّرتك تقربي منها؟
زاد ارتجاف جسدها، وأخذت العبرات تقطر من عينيها، خاصةً مع اقترابه منها بهذا الشكل، وقد كانت أنفاسه الغاضبة تحرقها بلهيب الحقد الأعمى الذي يغلف قلبه تجاهها، وتجلى في نبرته الصارخة التي جعلتها تنتفض في مكانها:
_ ردي عليّا. عملتي كده ليه؟
_ عشان بحبك.
هكذا صرخت بقهر، ليطالعها بسخرية قائلًا بعدم تصديق:
_ بتحبيني! هو اللي زيك يعرف يحب؟!
قالت نيفين بانفعال:
_ آه بحبك، ومستعدة أعمل أي حاجة في الدنيا عشان تكون ليا. اللي زيّي دي حاربت عشانك الدنيا كلها، مش أول ما حد قالها كلمتين هربت وسابتك الكل يشمت فيك، ومع ذلك سامحتها!
كان حديثها يقطر لوعة وحقدًا، ليناظرها يوسف بسخط، فقد لامست بحديثها جرحًا عميقًا بمنتصف قلبه، لكنه تجاهل ألمَه قائلًا بقسوة:
_ بالرغم من كل اللي قولتيه ده… بس عمر قلبي ما قدر يكرهها ولا يحقد عليها لحظة واحدة. عارفة ليه؟
لوّن الغضب ملامحها، ليُتابع وكأنه يقصد إحراقها:
_ عشان لما دورت جوايا ملقتش حاجة واحدة وحشة أفتكرها لها… ملقتش غلطة واحدة غلطتها معايا تخليني أكرهها.
كانت كلماته كعجلات مشتعلة تدهس قلبها ومشاعرها، ليُتابع بجفاء:
_ كل اللي قولتيه إمبارح ليها ما خلانيش أكرهها، ده خلاني أكره نفسي إني فشلت في حمايتها منكم ومن شركم.
قست ملامحه ونظراته أكثر وهو يقول:
_ أنا السبب في هروب كاميليا. لو كنت قدرت أحميها ما كانتش هربت… ولا كنتوا قدرتوا تبخوا سمّكوا في ودنها. عرفتي ليه بقى سامحتها؟
جنّ جنونها من حديثه الذي فَتّت قلبها وحوّله إلى أشلاء، وانفجر بركان الحقد بداخلها لتقول بصراخ:
_ ولما أنت بتحبها قوي كده، كنت هتتجوزني ليه؟
يوسف بتخبّث:
_ كنت هدوس على قلبي عشان أنفّذ وصية عمي، وقلت يمكن تقدري تعملي لنفسك مكان في قلبي… بس للأسف، عملتك دي فوقّتني في الوقت المناسب.
سقطت كلماته كالمطرقة فوق قلبها، لتلعن غباءها في تلك اللحظة، وتقترب منه قائلة بلهجة يملؤها التوسّل:
_ سامحني يا يوسف… والله غصب عني، ما قدرتش أتخيّل إنك كنت بايت في حضنها. الغيرة عَمّتني… فكرت إن لما أكشفلك حقيقتها هتكرهها. أرجوك سامحني!
ناظرها باشمئزاز من مدى حقارتها، لكنه قال بهدوء:
_ عايزاني أسامحك؟!
هتفت بلهفة:
_ طبعًا.
يوسف بغموض:
_ يبقى توريني إنك تستاهلي إني أسامحك.
هتفت بعدم فهم:
_ يعني إيه؟
اشتدت زرقة عينيه، ولونت القسوة معالمه ولهجته حين قال:
_ عاقبي نفسك على غلطك في حقها… في حق مراتي. مراتي اللي يمسّها يمسّني، يعني إنتِ غلطك فيّ قبلها.
استنكرت حديثه وهتفت بغضب:
_ وإن قلتلك إني مش غلطانة، وأبدًا مش هعاقب نفسي عشان بيّنت حقيقتها للناس كلها وفضحتها؟
جحظت عيناه وتبلور الوعيد فيهما وفي نبرته حين قال:
_ يبقى هعاقبك أنا… وأول حاجة هعملها هقطعلك لسانك اللي غلط فيها، وهكسرلك إيدك اللي اتمدّت عليها، وآخر حاجة هطلع قلبك من مكانه بإيدي عشان شايلها كل الكره والحقد ده.
تفشى الرعب بصدرها من مظهره وذلك التهديد الذي يغلف نبرته، فارتدت خطوة إلى الخلف قائلة بنبرة مهتزّة:
_ والمفروض أعمل إيه عشان أكفّر عن غلطي في حق الست هانم؟
طالعها بسخرية لوّنت لهجته حين قال:
_ من حسن حظك إنك واحدة ست… ويوسف الحسيني ما بيمدّش إيده على الستات. بس عندي ألف طريقة وطريقة أبشع من دول عشان أجيب حقها منك. لكن أنا هعمل معاكي اللي ما عملتوش مع حد… ما إنتِ برضو بنت عمي!
نيفين بتلعثم:
_ يعني إيه؟
_ أنا عايزك تختاري إنتِ طريقة من دول تعاقبي بيها نفسك.
ارتد جسدها للخلف رعبًا قبل أن تقول بحروف متقطعة:
_ إنت… بتقول إيه يا يوسف؟
صرخة غاضبة خرجت منه عندما قال بنفاد صبر:
_ اللي سمعتيه!
أخذت العبرات تتقاذف من مقلتيها وهي ترى ذلك الجحيم المرتسم بعينيه، وخاصةً عندما أمسك سلاحه يشد أجزائه، واضعًا إياه في كفها الذي انتزعه من جانبها بعنف قائلًا بنبرة أشبه بالفحيح:
_ اختاري… هتعاقبي نفسك إزاي؟
قالت نيفين وهي تحاول التمسك بآخر أمل لها معه:
_ طب ولو جرالي حاجة… هتقول ل بابا وجدي إيه؟
يوسف بسخرية:
_ أبوكي الله يرحمه… وجدي راح منه اللي أغلى منك، فمتقلقيش عليه. فكّري في نفسك.
أدركت أنها هالكة لا محالة، فقد كان التصميم ممزوجًا بالغضب والكره يغلف نظراته التي لو كانت رصاصًا لخرّت صريعة في الحال. ارتجفت يداها وهي تمسك بالسلاح ناظرة إليه برعب، وصار بكاؤها نحيبًا، فقامت بتوجيهه إلى كف يدها اليسرى، وصارت ترتجف مغمضة عينيها لثوانٍ… وقبل أن تضغط على الزناد لتنطلق الرصاصة، تفاجأت به يرفع يدها الممسكة بالسلاح لتنطلق الرصاصة وتصيب الحائط، لينتفض جسدها أسفل قبضته القوية، ونبرته المُرعبة حين قال:
_ المكان ده ما ينفعش يتلوّث بدم واحدة زيّك… لكن الإيد اللي اتمدّت على مراتي لازم تتكسر.
أنهى جملته وهو يضغط بقوة على معصم يدها حتى سُمِع صوت طقطقة وكأنها انتزعت قلبها من مكانه من شدة الألم، فتعالت صرخاتها حتى اهتزت الجدران. فما كان منه سوى أن أمسك سلاحه ليضعه حول خصره في مكانه المعتاد وهو ينظر إلى ألمها وصرخاتها بسخرية قبل أن يقول:
_ الفرق اللي ما بينك وبينها كبير… كاميليا إنسانة عندها كرامة وكِبْرِياء. لو في يوم قلت لها مش عاوزِك… عمرها ما كانت هتفكر تقرب مني بعدها ولو خطوة واحدة… حتى لو هتموت من بعدي.
كانت ترتجف من فرط الألم والقهر معًا، ليُتابع دهس ما تبقى من كرامتها قائلًا:
_ إنما إنتِ للأسف موضوع الكرامة ده ما عداش عليكِ… برغم كل الكره اللي في قلبي ليكِ واللي شفتيه بعينك، فضلتي برضو تجري ورايا.
لم تستطع الصمت وتحمّل كل هذا الألم، فصرخت بقهر:
_ عشان كنت غبية!
يوسف بتهكّم:
_ شاطرة… غبية ومقرفة. وعمري في حياتي ما مشاعري اتحركت تجاهك سنتي واحد. كنت زمان أستغرب من مشاعري ليكِ… بس مع الوقت عرفت ليه. ماهو القلب اللي يحب واحدة نقية زي كاميليا… لازم ينفر من واحدة مقرفة زيّك.
علت ثورة انفجارها لتهتف بصراخ:
_ بكرهك!
لم يهتم لصراخها بل تابع باحتقار:
_ وعلى فكرة… أنا عمري ما فكرت أتجوزِك… ولا كنت هعملها. أنا عندي الموت أهون من إن اسمي يرتبط بواحدة زيّك.
طالعها بقرف قبل أن يلتفت متوجهًا إلى باب الغرفة بلا مبالاة، وكأن شيئًا لم يحدث، ولم يُبالِ حتى تلك الصرخة التي خرجت من قلبها قبل جوفها فمزقته، فقد فاق ألم القلب ذلك الكسر في يدها، فقد بتر جميع أحلامها المتمثلة به بتلك الكلمات القاسية المحتقرة، والتي كانت أصعب ما مرّ عليها في حياتها.
خرج يوسف فوجد سميرة التي كانت تولول في الخارج وقد تجمع الخدم حولها وهي تنوح قائلة:
_ قتلها… قتل نيفين! الحقوني يا ناس!
طالعها يوسف بهدوء ثم توجه إليها بخطوات بطيئة بثّت الذعر في قلبها، وخاصة حين هتف بوعيد:
_ متقلقيش… لسه ما ماتتش. في حساب لازم يتصفّى الأول… وإنتِ كمان حسابك جاي. وشرف أمي لهندمِك على اليوم الأسود اللي دخلتي فيه القصر ده. بس إنتِ اصبري.
أنهى حديثه المفعم بالوعيد والتهديد، ثم نظر إلى أحد الخدم قائلًا بأمر:
_ تجيبولها دكتور يعالجها هنا… واللي هيفتح بقه بحرف يبقى فتح على نفسه أبواب جهنم.
ما إن انصرف يوسف حتى هرولت سميرة إلى نيفين، والتي تفترش الأرض تنظر إلى الفراغ بنظرات ضائعة وكأنها فقدت كل ذرة إحساس داخلها، فقط كلماته المحتقرة تتردد في أذنها، تعزلها عن هذا العالم… لا تشعر سوى بطلقات تستقر في قلبها الذي قد مات فعليًا في تلك اللحظة. فلم تستجب لنداءات سميرة التي أخذت تهزّها بعنف وهي تقول صارخة:
_ نيفين! فوقي! إنتِ كده هتموتي نفسك… زي ما هو بيتمنى!
تنبهت نيفين لتلك الكلمات، فالتفتت إليها قائلة بلهجة تحمل من الكره والوعيد أطنانًا:
_ مش هموت… غير لما أموتهم كلهم بحسرتهم.
★★★★★★★★★
دخل علي إلى القصر وأخذ يبحث عن والدته وأختيه فلم يجد أحدًا، فوقف عند درجات السلّم وصار ينادي بصوت جهوري:
_ يا ماما… يا غرام… كارما!
لم يتلقَّ إجابة، فنظر في ساعته؛ الوقت يشير إلى الثانية عشر ظهرًا، فأين ذهبوا في مثل هذا الوقت؟ يفترض أن يكونوا في الصالون مع جدّه الذي يكون في هذا الوقت جالسًا معهم قبل أن يأخذ قيلولته، ولكنه بحث عنهم في كل مكان ولم يجد أحدًا.
_ علي بيه.
التفت علي إلى مصدر الصوت فوجده ذلك الممرض الخاص بجده يقف خلفه يخاطبه بأدب قبل أن يتابع:
_ هاشم بيه مستني حضرتك في أوضه المكتب.
أومأ برأسه ثم توجه إلى حيث أشار له بالتقدّم، ل وقد فرح علي كثيرًا، ولكنه لم يُفصح عن ذلك.
أغلق الممرض الباب خلفه، فتوجه علي ليجلس فوق الكرسي أمام المكتب بعد أن ألقى التحيّة على جدّه الذي تحدّث بهدوء ووقار قائلًا:
_ صوتك عالي ليه؟
علي بلا مبالاة:
_ أبدًا، كنت بنادي على ماما والبنات بس محدّش رد. هما فين؟
الجد بنبرة ذات مغزى:
_ لو كان الخدم هنا كانوا قالولك إنهم خرجوا. ألا صحيح يا علي… إنت أدّيت الخدم إجازة ليه؟
ارتبك علي داخليًا، ولكنه غلّف ملامحه باللامبالاة وهو يقول:
_ أبدًا، لقيتهم كتير، وأنا بطبعي مابحبّش الدوشة، وبما إني قررت أعيش هنا فأظن من حقي يبقى ليا شوية خصوصية… ولا إيه؟
هاشم بتأييد:
_ حقك طبعًا، دا بيتك وليك فيه حرية التصرّف… وتأكد إني واثق فيك. بس قولي، حاسس إنك اليومين دول متغيّر… في حاجة مضايقاك ولا إيه؟
علي بلا مبالاة:
_ لا عادي، مانا زي الفل قدامك أهو.
الجد بتخابث:
_ زي الفل من برّه… بس يا ترى من جوّه زي الفل برضه؟ ولا في حاجة تانية؟
تذكّر معاناته وجرحه النازف من هجر وقع عليه ظلمًا، فظهرت ومضة من الحزن على ملامحه، ولكنه أخفاها ببراعة وقام بتعديل ياقة قميصه تزامنًا مع اعتداله في جلسته قائلًا بجمود:
_ من جوّه زي من برّه، مفيش أي حاجة.
هاشم بدهاء:
_ نبرة صوتك اللي اتغيّرت، وعينك اللي لونها بهت، وحركة إيدك اللي مبتحصلش غير وإنت متوتر… مع صدمتك من سؤالي اللي خلاك تتعدل وإنت قاعد… بيقولوا غير كدا يا علي!
في البداية صُدِم علي من دهاء ذلك العجوز وقوة ملاحظته، وسرعان ما تحولت صدمته إلى غضب عندما قال:
_ عايز توصل لإيه من كلامك دا؟
هاشم بهدوء:
_ عايز أوصل معاك لحل يريح قلبك.
علي بعناد:
_ أنا قلبي مرتاح… متقلقش عليه.
هاشم محاولًا استفزازه:
_ مش قلقان طبعًا… عشان عارف إنت مين وابن مين وحفيد مين؟
تصاعد غضب علي من حديثه فقال مستنكرًا:
_ وإيه دخل أنا مين وابن مين… بالحب يا هاشم بيه؟
هاشم بتخابث:
_ ومين جاب سيرة الحب دلوقتي؟
علي بنفاد صبر:
_ بلاش تلعب معايا اللعبة دي. انت عايز توصل لإيه من كلامك دا؟
هاشم بهدوء:
_ عايز أفتح عينيك على شوية حاجات مهمة… أولهم إن في حاجات في الدنيا مبتتكررش غير مرة واحدة… وأولهم الحب.
علي بسخرية:
_ هاشم بيه الرفاعي بنفسه هو اللي بيقول الكلام دا؟! وكان فين الكلام دا من أكتر من تلاتين سنة؟ ولا عشان ما كانتش مناسبة ليك ولعيلتك بتقول كدا؟!
هاشم بهدوء:
_ لا… عشان مناسبة ليك إنت. قلبك دق لها من غير أي ضغط ولا عند ولا تحدي. من زمان أوي… من حوالي خمسطاشر سنة. كنت لسه شاب مراهق جاي تزورني إنت وسلم الله يرحمه… ويشاء القدر إنها تكون موجودة وتخطف قلبك. فاكر لما سبْتنا في الصالون وطلعت تجري تبص عليها من أوضة المكتب عشان تشوفها وهي مروّحة؟ يومها جيت وراك وشفت نظرتك ليها… واتأكدت إنها أخدت قلبك معاها.
ارتجف قلب علي لتلك الذكرى البعيدة عندما أتى مع والده يزور جده وقد رأى تلك الفتاة الجميلة صاحبة العيون الناعسة والخصلات البُنْدُقِيّة وهي تتدلل وتلعب بجوار جده القاسي، الذي كانت تلك المرة الأولى التي يراه فيها حنونًا مع أحد، لكن تلك الفتاة برقتها قادرة على إذابة الحديد، فدقّ قلبه للمرة الأولى معلنًا عن استسلامه لرقتها وجمالها. وكعادته لم تُفصح ملامحه عن أي شيء مما يختلج داخل صدره، لكن تلك العينان الماهرتان اقتنصتا وميض الحب الذي ظهر داخل عينيه، وقد اختلق تلك الحجة لرؤيتها قبل أن تغادر، فاعتذر منهم وتوجه إلى غرفة مكتب جده ملبّيًا نداءً صامتًا بداخله يتلهف لرؤيتها قبل أن تغادر، سالبةً منه جزءًا من روحه التي رُدَّت إليه يوم أن رآها وهي تهبط من الدرج تتدلل كالأميرات، ليدق قلبه بعنف، وقد غزت عقله تلك الذكرى التي رافقته لسنوات طويلة…
أعطى هاشم لعلي الوقت لاستعادة تلك الذكرى في عقله ليتحدث بعد أن تأكد من أن ما يريده قد تحقق، قائلًا بهدوء:
_ اتأكدت من كلامي؟
لم يجبه علي، وإنما نظر إليه وكان هناك مزيج من مشاعر الغضب من افتضاح سره الصغير، والصدمة من ذكاء ذلك العجوز، وأخيرًا الاشتياق لها الذي كان يؤلمه كثيرًا. قاطع تفكيره حديث هاشم:
_ في حاجة مهمة لازم تعرفها يا علي. أنا عمري ما كنت ضد الحب أبدًا، لأني أكتر واحد جربه. أنا على فكرة اتجوزت جدتك بعد قصة حب طويلة. متستغربش من كلامي، بس دي الحقيقة. أنا لما وقفت ضد أبوك في جوازه من أمك مش عشان ما كانتش مناسبة لينا ولا حاجة. لا. رفضت عشان ملقتش في عينيه نظرة الحب اللي تخليني أتغاضى عن أي حاجة وأوافق على جوازه منها. لقيت نظرة تحدي وعند ممكن يودّوا صاحبهم في ستين داهية. وكان عندي حق… سالم عمره ما حب أمل.
ألمت كلمات هاشم قلب علي وهو يتخيل أن تكون والدته شعرت بهذا الألم، وبأنها كانت وسيلة لحرب والده مع جده، لكنه تجاهل ذلك قائلًا:
_ وموافقتش ليه على جوازه من ماما فاطمة بالرغم من إنك أكيد اتأكدت إنه بيحبها؟
زفر هاشم بتعب وقد عادت إليه ذكرياته المؤلمة فقال بحزن:
_ عشان كانت هتبعده عني! أمل عمرها ما كانت سبب إن سالم يبعد عني أبدًا. كان في عز خناقنا وحروبنا مع بعض، لكنه كان جنبي دايمًا حتى من غير ما أطلبه. لكن فاطمة قدرت تبعده… عشان حبها من كل قلبه باع الدنيا عشان خاطرها، ودا خلاني غصب عني أغير من حبه ليها. سالم كان أعز أولادي عندي، وبالرغم من كل قوتي وجبروتي إلا إن الكلمة الصغيرة منه كانت بتخلي قلبي يطير من الفرح. لكن لما ظهرت فاطمة في حياته واتجوزها خدته بكل حبه وحنانه دا… وفعلاً بعد عني. بعترف إني غلطت، بس كان غلطي بدافع الحب… ودا مش مبرر أبدًا، أنا عارف. بس والله حاولت أصلّح الغلط دا، والدليل إني سيبتك تعيش معاها بعد موت سالم الله يرحمه، ومقدرتش أحرمها منك، ولا أحرمك منها بالرغم من إني كنت أقدر وكان ليا كل الحق في دا. بس جيت على نفسي وعلى قلبي اللي كان بتوحشه أنت وإخواتك، وسيبتك معاها. يمكن دا يشفع لي عندك أو عند سالم.
ترقرقت دموع الندم والضعف في عيني هاشم والتي لامست قلب علي شفقةً عليه، لكن سرعان ما مسح هاشم عينيه وحاول استعادة قوته وكبرياءه قائلًا بجمود:
_ سيبنا من اللي فات… خلينا فيك إنت. هتسمع كلامها وتضيعها من إيدك؟
صُدم علي من تصريحه فقال بذهول:
_ وإنت عرفت كلامها منين؟ إنت كلمتها؟
هاشم بهدوء:
_ كلمتها.
انفجرت براكين الغضب داخل علي فهبّ من مقعده قائلًا بحدّة:
_ وحكتلك على الهبل اللي في دماغها؟ الهانم قالت إيه؟ بتقول مفيش بينا كلام يتقال، ومكانش في بينا حاجة أصلًا!
هاشم بمكر:
_ حكتلي… وأنا اتضايقت منها طبعًا. بس قولي يا علي… هو كان في إيه بينكوا؟ أصل أنا معرفش بصراحة. إنتوا كنتوا مرتبطين مثلًا؟
ارتبك علي من حديثه وأدرك ما يرمي إليه، ومن هنا بدأ يرى الأشياء بوضوح، فقال بارتباك:
_ لا مش بالظبط… يعني كنا مستلطفين بعض..
هاشم بتعقّل:
_ لا يا علي… تبقى البنت ما غلطتش. أنت واحد اتخانقت مع جدها وكان هيموت بسببك، وإنتوا يادوبك مستلطفين بعض. كنت عايزها تعملك إيه يعني؟ دا أقل واجب الكلام اللي قالتهولك دا.
تعاظم غضبه من نفسه أولًا ثم من حديث جده، لكنه قال بعناد:
_ بردو مكنش ينفع تقولي الكلام دا. كان ممكن توصّلي اللي هي عايزاه بأي طريقة تانية، وهي عارفة إني كنت في موقف زفت، ومكنتش هقدر أستحمل يهين أمي قدامي وأسكت.
هاشم بعتاب:
_ روفان ما قالتلكش الكلام دا عشان الموقف اللي انت عملته، ولا عشان هي كانت مستنية منك حاجة. روفان قالت الكلام دا لأنها عارفة رحيم الحسيني كويس… وعارفة إن كدا كل الخيوط اللي بينكوا انقطعت، واتبنّى بينكوا ألف سد وسد.
ألمه قلبه على موقفها وخوفها، فقال بغضب وتحدٍ:
_ إن كان هو رحيم الحسيني… فأنا علي هاشم الرفاعي! ومحدّش يقدر ياخد مني حاجة أنا عايزها. أنا عمري ما حطيت قدامي هدف وما وصلتش لهوش… ولا هو ولا ألف غيره يقدروا يمنعوني عنها.
هاشم بارتياح وقد وصل إلى مبتغاه:
_ عارف إنك تقدر تهدّ الدنيا وتاخدها غصب عن الكل… بس مش غصب عنها يا علي. هي الوحيدة اللي ممكن تقفلك، ووقتها مش هتقدر تعمل حاجة.
ارتعب قلبه من مغزى حديث جده فقال بتوتر:
_ تقصد إيه بكلامك دا؟
هاشم بقوة:
_ راضي قلبها يا علي… وصلّها كل اللي جواك دا. عشان لما تقوم حرب عشانها تكون هي ذخيرتك. لكن مش تروح تعلن حرب على الناس وإنت مش ضامن وجودها جنبك… وقتها تبقى غبي وبتِرمي نفسك في النار.
أعلن هاتف علي عن قدوم مكالمة، فنظر علي إلى هاشم الذي تحرّك واقفًا في مكانه ثم قال بنصح:
_ أنا حطّيتلك الكورة قدّام الجون… وإنت عليك تسدّد. فكّر كويس وبُص حواليك… واعرف هتلعبها إزاي. وأوعى الغرور ياخدك… عشان ممكن يعميك عن المكان الصح ويخليك تجيبها في العارضة. واعرف إن الفرصة ما بتتكررش مرتين. شوف تليفونك… وأنا هروح أحط النقط عالحروف وأثبت الأرض تحت رجليك من تاني.
أنهى هاشم حديثه وهو يربّت على كتف علي، الذي لم يكن يعلم ماذا عليه أن يفعل أو يقول في تلك اللحظة؛ فقد كان تائهًا حائرًا يأكله الغضب والشوق معًا في صمت. ليأتي آخر من كان يتوقع مساعدته ليضع قدمه على الطريق الصحيح… فجأة وجد نفسه يتحدث بعرفان قائلًا:
_ شكرًا يا جدو.
نظر إلى هاشم الذي كان قد وصل عند باب الغرفة، وقد دقّ قلبه عند سماع كلمات الشكر البسيطة تلك، والتي كانت أول الطريق لقلب حفيده الأغلى على قلبه. فهزّ رأسه مع ابتسامة صادقة خرجت من قلبه، ثم توجه إلى الخارج، تاركًا علي الذي قام بإجراء اتصال هاتفي قائلًا بلهفة:
_ إيه يا ماما؟ فينكوا؟ وإزاي تخرجوا من البيت كلكوا كدا من غير ما أعرف؟
ابتعدت فاطمة بالهاتف عنهم وهي تقول بصوت خفيض:
_ معلش يا علي… كاميليا تعبت شوية وكان لازم أجي أشوفها. المهم… طمّني، فاقت ولا لسه؟
علي بملل:
_ معتقدش… لو كانت فاقت كانت الممرضة اللي فوق دي بلّغتني. طمنيني على كاميليا… مالها؟
احتارت فاطمة ماذا تخبره، فهي لا تعلم ما حدث بعد، فقالت باختصار:
_ لسه معرفش… أغمي عليها وجابوها على المستشفى.
علي بتعب:
_ طب أنا هريح شوية عشان تعبان أوي… ما نمتش من امبارح. لو احتجتي حاجة كلّميني… أجيلكوا.
فاطمة بحنو:
_ لا… خليك. مادام تعبان ارتاح شوية، عشان لما أجيلك هنتكلم… مش هتهرب مني زي المرة اللي فاتت. وبعدين… إحنا كلنا هنا.
تجاوز علي تلميح والدته، والتي كانت تعني أن يحضر ناهد الغائبة عن الوعي إلى القصر ليهرب من أسئلتها إلى أن تسترد وعيها ويفهم منها ما يحدث. وسرعان ما لمعت عيناه عند جملتها الأخيرة، فسأل باهتمام:
_ كلكوا مين يعني؟
فاطمة بعفوية:
_ أنا وإخواتك… وأدهم ومامته… وروفان أخته… ويوسف كان هنا بس تقريبًا راح مشوار.
هبّ علي من مكانه عند سماع اسمها وقال بلهفة:
_ إيه يا ماما الكلام اللي بتقوليه دا؟ إزاي كاميليا تبقى في المستشفى وأنا مجيش أشوفها؟ دا حتى يبقى عيب! خمس دقايق وهتلاقيني عندك.
لم يُعطِ فاطمة الفرصة للرد، فقد أغلق الهاتف وتوجه حيث يقوده قلبه الذي يتلهف لرؤيتها… ليروي شوقه وغضبه منها.
************
_ عايزة أتكلم معاك ضروري.
كانت تلك الرسالة النصية التي أرسلتها غرام لأدهم بعد أن كتبتها وقامت بحذفها للمرة الألف. لا تعلم لماذا تريد الحديث معه؟ نعم، تعشقه… لكنها كانت قد قررت بأنها أبدًا لن تعود إليه، فقد كسرت فعلته كل الجسور بينهما. هكذا كانت تُقنع قلبها عندما يأكله الشوق كل ليلة، ليأتي تصريحه الجريء هذا الذي قلب تفكيرها رأسًا على عقب، بل إنه سدد هدفًا عظيمًا في شباك قلبها عندما أرضى غرورها كأنثى بكلماته تلك، وجعل قلبها ينتفض بداخلها كطفل صغير لا يهدأ إلا عند الحصول على ما يريد. وقد ضعفت أمام طوفان اشتياقها له، وأرسلت تلك الرسالة التي وصلته وهو يجري عدة اتصالات هامة من أجل العمل الكثير الذي وقع فوق عاتقه مع اختفاء رائد، الذي هاتفه يعلن سفره المفاجئ نظرًا لمرض إحدى أقاربه، ومنذ ذلك اليوم وهاتفه مغلق، فوقعت جميع أعماله فوق عاتق أدهم. وما أن شاهد اسمها على الهاتف مقرونًا برسالة نصية حتى رقص قلبه بين ضلوعه فرحًا عند قراءة تلك الكلمات البسيطة التي تحويها الرسالة، غير مصدق بأنها هي التي تريد التحدث إليه. فأخذ ينظر حوله لتقع عيناه عليها وهي تعبث بهاتفها بتوتر وكأنها نادمة على تلك الرسالة التي جاءته كشعاع نور في طريقه المظلم إلى كسب ودها، فسرعان ما أرسل لها الرد قائلًا:
_ مستنيكي في الباركينج.
وصلتها رسالته فصار قلبها يدق بعنف، وابتلعت ريقها بصعوبة، وأخذت تبحث عن أختها التي كانت تتحدث على الهاتف فتوجهت إليها قائلة بلهجة مهتزة بعض الشيء:
_ كارما… أنا هطلع خمس دقايق وارجع، لو ماما سألتك قوليلها في الحمّام.
طالعتها كارما باستنكار، فسارعت غرام بالحديث:
_ مش هتأخر… هاجي على طول.
أنهت غرام كلماتها ثم توجهت إلى حيث ينتظرها، وقد كانت كل خلية بها ترتجف لهفة لرؤيته وخوفًا من ضعفها أمامه وترقبًا لما هو آت. كانت تقدم خطوة وتؤخر الثانية… إلى أن وصلت، فوجدته يجلس بكسل على مقدمة سيارته واضعًا يديه في جيوب بنطاله ينتظرها، وعلى شفتيه ترتسم ابتسامة عاشقة زادت من توترها، خاصةً عندما انتصب واقفًا لدى اقترابها منه، فتوتّرت للحظة وقد نسيت كل ما أعدّته من أحاديث، فظلت تطالعه، وقد آسرته عيناها كما آثرتها عيناه اللتان كان العشق يتبلور فيهما. ظلّا يتبادلان النظرات لثوانٍ حتى أخيرًا قررت انتشال نفسها من بحر عينيه اللتين أغرقتاها سابقًا، وعدم الانسياق خلف سحر وسامته، لتقول بنبرة حاولت جعلها ثابتة:
_ حصل إيه لكاميليا؟
خابت آماله للحظات عند سؤالها عن حالة كاميليا، لقد كان يمني نفسه بأنها قد قررت إعطاءه فرصة لتصحيح خطئه والتحدث معه بشأن علاقتهما، خاصةً بعدما حدث داخل المشفى مع ذلك الطبيب. لكنه تدارك الأمر وقرر أن يجاريها حتى يصل إلى ما يريده فقال بمزاح:
_ طب قوليلي إزيّك؟ عامل إيه؟ يعني من باب المجاملة حتى!
غرام بسخرية:
_ إزيّك… عامل إيه؟
أدهم بمداعبة:
_ قبل ما أشوفِك ولا بعد ما شوفتِك؟
ذلك اللعين يجعل قلبها يدق ألف مرة في الثانية الواحدة من تلك النظرات التي وكأنها تعانقها، وتلك الكلمات التي تداعبها… لكنها ظلت على ثباتها قائلة بسخرية:
_ بصراحة مش عايزة أعرف… أنا جاية عشان أطمن على كاميليا وبس.
مازحها قائلًا:
_ ده انتي بتستغلّيني بقى!
غرام بتهكّم:
_ اعتبرها خدمة إنسانية.
انتَصَب واقفًا ليقترب منها بخطٍ سلحفائي… فما كان يتقدّم خطوة حتى تتراجع هي أخرى، ثم هتف قائلًا بحب وعينان بدا وكأنهما تطوّقانها:
_ بس كده؟ ده عنيا ليها. ده أنا مستعد أفديها بروحي… بس هي ترضى!
كانت تتراجع للخلف لدى اقترابه منها وعيناه اللتان كانتا تزيدان من توترها، فقالت بارتباك:
_ هي إيه دي؟
أدهم بتخابث:
_ الإنسانية طبعًا!
غرام بغضب مفتعل:
_ خليك مكانك… وإلا هسيبك وِأمشي.
أنهت كلماتها تزامنًا مع تعثرها بحجر خلفها، لتقوم يد أدهم بالتقاطها قبل أن تسقط، وتطويقها من كل الجهات لتقع بلحظة بين أحضانه. فرفعت عينيها لتلتقي بعينيه اللتين كانتا تحويان من العشق أطنانًا، فجعلتا قلبها يدق كالطبول، خاصةً وهو يقول بنبرة خشنة:
_ تمشي فين؟ هو دخول الحمّام زي خروجه ولا إيه؟
زاد ارتباكها وتسارعت أنفاسها من كلماته، ويداه اللتان كانتا تلتفّان حول خصرها بتملك كبير، مما جعل الكلمات تخرج من فمها بصعوبة وهي تقول:
_ يعني إيه؟
أجابها بصدق وبلهجة مبحوحة من فرط التأثر بقربها:
_ وحشتيني.
كانت على وشك أن تستسلم لسحر عينيه وعذوبة كلماته وتخبره بأن شوقها إليه أيضًا قد فاق الحدود، بل وأنها كانت تغفو وتستيقظ كل يوم على صورته… ولكن جاء رنين الهاتف الذي أنقذها، فجعلها تنتفض من بين ذراعيه، وتقوم بإخراجه من الجيب الخلفي لبنطالها وهي تجيب بعفوية:
_ آلووو… إيه يا موري؟ انت فين يا روحي؟
غضب أدهم من ذلك الاتصال اللعين الذي جاء في غير وقته، وقد كانت على وشك إعلان راية الاستسلام. ليتحوّل غضبه إلى غيرة جنونية وهو يسمعها تتحدث بتلك النبرة التحببية إلى ذلك الشاب، وأيضًا تدلّله بتلك الطريقة، فقام بانتزاع الهاتف من بين يديها وإغلاقه وهو ينفث النيران من أنفه. فتجاهلت مظهره الغاضب والذي أسعدها كثيرًا، فهي تتحدث هكذا حتى تثير جنونه… وقد حدث ما أرادت، لكنها تظاهرت بالغضب حين قالت:
_ إيه اللي انت عملته ده؟! انت مجنون!
بالكاد تحكم في غضبه ليقول بحدة:
_ لا… ده أنا لحد دلوقتي كده عاقل.
غرام بحدّة:
_ يعني إيه بقى؟
أجابها بنبرة حاول أن تكون هادئة بعض الشيء:
_ اسمعيني كويس… أنا ساكت على كل عمايلك وصابر عليكي وعلى عندك، وعندي استعداد أصبر مليون سنة كمان… واستنّاكِ لحد ما تسامحيني. لكن من هنا لحد عقلك ما يرجع لراسِك… وتعرفي إنك مش لحد غيري… أوعي تفكّري إنك تستفزّيني أو تثيري غيرتي.
غرام بسخرية:
_ والله؟ هتعمل إيه بقى؟
هتف بانفعال:
_ وقتها هتشوفي جنان عمرك ما كنتِ تتخيّليه. وخليكي فاكرة كلامي ده كويس… عشان مش هقوله تاني. أنا غيرتي وحشة يا بنت الناس… اتجنّبيها أحسن لك!
داخليًا كانت تود لو تصرخ من فرط السعادة، لكن كبرياء الأنثى بداخلها قيّد القلب وأشعل روح التحدي مرة ثانية بجوفها، وقد راق لها تعذيبه كثيرًا حتى يعلم مع من قام بالعبث. فاقتربت منه للحد الذي جعل جميع حواسه تتنبه لاقترابها، وقالت بنبرة خفيضة مغرية:
_ دي مشكلتك… حلّها لوحدك. أنا ولا كأني سمعت حاجة.
أنهت كلماتها وارتدّت للخلف تنوي المغادرة… ولكن هيهات أن تذهب هكذا بعد ما أشعلت بجوفه نيرانًا لم ولن تهدأ إلا بها. فقام بإمساكها بقوة من رسغها جاذبًا إياها لتصطدم بسياج صدره، ناظرًا إلى شفتيها تارة وإلى عينيها تارة أخرى… لتستقر نظراته أخيرًا على عينيها قائلًا بوعيد:
_ متلعبيش بالنار يا غرام… وخصوصًا معايا. أنا ناري بتحرق… ومبتسميش.
غرام باستنكار بعدما استردت جزءًا من ثباتها الذي بعثره اقترابه منها بهذا الشكل:
_ بتهددني؟
أجابها بخشونة:
_ لا… أنا بس بعرّفِك إن ناري محوّطاكي… وهتحرق أي حد يفكّر يقرب منك… حتى لو كان مين. بس برضه ما يمنعش إن في نار تانية… دي هنجرّبها وندوب فيها سوا.
قال كلماته الأخيرة بوقاحة أخجلتها كثيرًا، فنفضت يدها من يده، لكن الأخيرة لم تتركها، فقالت بغضب:
_ على فكرة بقى… انت قليل الأدب. وأنا حرة أعمل اللي أعمله… وأكلم اللي أكلمه… انت ملكش دعوة بيا.
أدهم بتحدٍ وبنبرة قاطعة:
_ محدش في الدنيا له دعوة بيكي غيري… ده أولًا. ثانيًا… لو مش خايفة على الأمور بتاعك ده… خليني أشوفِك واقفة معاه ولا بتدلعي عليه كده تاني! وأنا… وشرف أمي… لهكسّرلك عضمة. وأظن انتي شفتي بعينيكي فوق… أنا مستعد أعمل إيه.
أوشكت على الحديث فقاطعها بحدّة:
_ اتفضلي دلوقتي روّحي لهم… عشان ما يقلقوش عليكي. واعرفي إن عيني عليكي… وشايفاكي في كل مكان… حتى أوضتك.
اشتعلت نيران الغضب بداخلها من كلماته، وأوشكت على أن تخبره بأن يذهب إلى الجحيم، ليبادرها هو قائلًا:
_ أي كلمة هتقوليها دلوقتي… هاعتبرها دعوة صريحة إني أقرب منك… وأنا بصراحة… هموت وأعمل كده.
قال الأخيرة بوقاحة نابعة من فرط اشتياقه لها، وقد تمنى لو أنها ألقت إحدى كلماتها اللاذعة حتى يرتوي من شهدها الذي يشتهيه كثيرًا. لتفاجئه هي بابتلاعها الحديث بصعوبة كبيرة… فقد كانت تود تلقينه درسًا لا يُنسى، ليشتعل المكر بعينها وهي تقترب منه ببطء ناظرة إلى عينيه، ورفعت يدها تضم إبهامها مع السبابة، تمررها على شفتيها من البداية للنهاية بمعنى: لقد أغلقت فمي. ثم ارتدّت إلى الخلف وهي على يقين بأنها تركت به نارًا مشتعلة سوف تحرقه مثلما أحرقتها كلماته. وبالفعل… كانت حركتها هذه قد أثارته كثيرًا وزادت من شوقه إليها الممزوج بعشق لم يخطر بباله يومًا أن يشعر به تجاه أحد. فزفر بتعب وقد قرر بأنه عليه وضع حد لمعاناته تلك… فهو لم يعد يستطيع الابتعاد عنها أبدًا.
كانت هند عائدة من عملها الممل في ذلك المكتب والذي كانت قد قبلت به بسبب خوفها من أن يجدها كلٌّ من يوسف أو رائد… ذلك الاسم الذي كلما مرَّ على بالها تزداد ضربات قلبها تلقائيًا؛ تارة مُشتاقة وتارة خائفة، لا تعلم ماذا تفعل مع قلبها الذي يظل طوال الليل يؤنّبها على رحيلها بهذا الشكل عنه. فبالرغم من كل أخطائه إلا أنها تشعر بمدى معاناته وبأن هناك مشاعر صادقة خلف جدار الانتقام والغضب والحقد هذا، ولكن لم يكن بيدها حيلة أخرى، فلو كان الأمر بيدها لظلت بجانبه إلى أن يأخذ ثأره الذي كان يسبب له كل هذا العذاب، ولكن خوفها من أن يطال طوفان الانتقام هذا والدتها وأختها الصغيرة جعلها تختار نيران البعد عنه، وترضى بالعذاب لقلبها الذي غفر له جميع أخطائه بحقها. لتمر على بالها تلك الذكرى المؤلمة.
عودة إلى وقت سابق
استيقظت هند من غفوة طويلة أخذتها على حين غرّة لتجد نفسها نائمة في غرفة غريبة عنها. ظلّت ترمش بعينيها لثوانٍ لمعرفة أين هي؟ وأخذت تنظر حولها لتتبيّن المكان، وفجأة تذكرت ما حدث البارحة عندما كانت معه تُلَبِّي دعوته للاحتفال بعيد ميلاده، وآخر شيء تذكرته هو إصراره عليها لشرب كأس نبيذ واحد، فطاوَعَتْه… وبعدها لا تتذكر شيئًا.
هبت مفزوعة من مكانها فصُعِقَت من تلك الشراشف التي تخفي جسدها العاري… تلك الكلمة التي جعلتها ترتجف رعبًا من هذه الخاطرة التي مرّت على بالها.
لا، لا، لا يمكن أن يكون قد فعل بها تلك الجريمة البشعة! فهي كانت تشعر بصدقه في كل كلمة كان يتفوّه بها، وأيضًا نظراته كانت تحكي لها مقدار حبه… ولكن ماذا حدث؟
أخرجها ذلك الصوت الساخِر من شرودها لتصدم مما رأته.
كان رائد عاري الصدر يجلس على أريكة في آخر الغرفة يطالعها بنظرات غامضة قائلًا بسخرية:
_ صباحية مباركة يا عروسة!
نزلت كلماته كالصاعقة على مسامعها فقالت بعدم تصديق:
_ أنت بتهزر صح؟ أكيد مش قاصد اللي أنت بتقوله ده!
ابتسم بسخرية وألقى نظرة ذات مغزى على شيء ما بجانبها، فالتفتت إليه حتى تجمدت في مكانها من رؤية تلك الدماء التي كانت على شرشف السرير، فجحظت عيناها ألمًا ورعبًا. ليطالعها بنظرات يملؤها الندم والحزن سرعان ما تحولت إلى اللامبالاة، تجلّت كثيرًا في نبرته حين قال:
_ معنديش وقت أستناكي لما تتصدّمي وتقعدي تعيّطي وتوَلْوِلي. أنا راجل عملي وعايزِك إنتِ كمان تبقي كده. أنا هعرض عليكي ديل كويس، وإنتِ كمان اللي هتطلعي فيه كسبانة.
لم تسعفها الكلمات للحديث؛ فقد غلبت صدمتها على كل شيء. فقد كانت تراه وكأنه الشيطان بعينه بعدما كان ذلك الملاك الذي كانت تظن أنه هبط من السماء لأجلها، ولكنه كان النقيض تمامًا… سلبها أعز ما تملك، وأصبحت بسببه مُلوَّثة، حتى تلك الأمطار الغزيرة التي كانت تتساقط من مقلتيها لن تفلح أبدًا في تطهيرها.
كان ينظر إليها بقلب يقطر ألمًا، ولكنه تجاهل ذلك الألم الشديد، فقد وضع خطة بداخله وعزم على تنفيذها، وأقسم بأنه لن يوقفه شيء في هذه الحياة عن انتقامه… حتى قلبه الذي كان ينزف ألمًا على حالتها. ولكنه لم يشفق عليه ولا عليها، فيئس من ردّها وتابع بمنتهى الهدوء والثبات:
_ أنا مستعدّ أتجوزِك دلوقتي وأستر عليكي. بس ده هيكون له مقابل.
كان صوتها مبحوحًا من فرط الألم والحزن والخيبة:
_ عايز مقابل علشان تتجوزني وتستر عليا؟ للدرجة دي أنا بقيت رخيصة؟
استقرت خناجر كلماتها في قلبه محدثة آلامًا صعب احتمالها، ولكن رجلًا مثله اعتاد الألم فأصبح يستلذ به. فنظر إليها ساخرًا ثم قال:
_ متكبّريش الموضوع. قولتلك هتجوزِك وأرحمِك من الفضيحة… بس عندي شرط واحد.
تحدثت بصوت لا روح فيه قائلة:
_ شرط إيه؟
هتف بغل:
_ تساعديني أجيب رقبة يوسف الحسيني الأرض.
صدمة ثانية أطاحت بثباتها أرضًا، فقالت باستنكار:
_ أنت اتجننت صح! أنت عايزني أعضّ الإيد اللي اتمدّت لي؟!
رائد بغضب:
_ اخرسي واعرفي إنتِ بتتكلمي مع مين! إنتِ روحك في إيدي يا حلوة. كل اللي حصل بينا أنا مصوّره، وممكن أروح أوريه للست والدتك اللي أكيد هتقعد ساكتة… ووقتها يوسف بيه هينفعك!
علا صوت بكائها وهي تقول بألم:
_ حرام عليك… أنت أكيد مش بني آدم، أنت شيطان. أنا عملت فيك إيه علشان تعمل فيا كده؟
رائد بمرارة:
"مش لازم تكوني عملتي. كتير أوي الدنيا بتظلمك من غير ما يكون ليكِ ذنب في أي حاجة… ومش لوحدِك اللي اتاخدتي في الرجلين! قولتي إيه… هتساعديني ولا لأ؟"
كان التيار أقوى منها، فهذه هي والدتها وأغلى ما تملك في تلك الحياة البائسة، لن تستطيع أن تعرضها لتلك الحقيقة البشعة أبدًا. لهذا اتخذت قرارها قائلة بإذعان:
_ عايزني أساعدك إزاي؟
تجاهل ذلك الألم والعجز في صوتها قائلًا بثبات:
_ عايزِك تجيبي لي كل أخباره خطوة بخطوة، ونسخة من كل الملفات السرية والمهمة في الشركة.
هند بإذعان:
_ حاضر.
رائد بلوعة، فقد ودّ لو يحتضنها مكررًا أسفه مرارًا وتكرارًا لما أقحمها فيه بدون أي ذنب:
_ وأنا هبعت أجيب المأذون علشان يكتب الكتاب.
التفتت هند بالشرشف حولها وتقدمت منه ناظرة إليه بكره واحتقار ثم قالت باشمئزاز:
_ أنا عمري ما هكون مراتك أبدًا. بعد ما توصل للي إنت عايزه… مش عايزة أشوف وشّك تاني.
عودة للوقت الحالي
تلك الدموع التي أحرقتها ذلك اليوم أحرقتها الآن، كما لو أن ما حدث قد حدث البارحة. وما زاد من ألمها هو ذلك القلب الذي غفر له وسامحه على جميع أخطائه، ضاربًا عرض الحائط كرامتها وكبرياءها اللذين تجردت منهما تلك الليلة مثلما تجردت من عفّتها وطهارتها.
وصلت إلى باب الشقة وقامت بوضع المفتاح في قفل الباب وإدارته ثم دخلت وهي تكفكف دموعها حتى لا تراها أيٌّ من والدتها أو أختها. وقامت بإشعال الضوء لتتفاجأ بذلك الذي يجلس على الكرسي ناظرًا إليها بسخرية وهو يقول:
_ حمد الله على السلامة.
كانت سميرة تنظر إلى نيفين التي كانت وكأنها في عالم آخر غير عالمهم، وقد كانت كلماته المحتقرة تتردد بأذنها وكأنها سوط يجلدها بعنف. حتى تلك الإبر التي كان الطبيب يغرزها بكفّها الذي تضرر كثيرًا، فقد كانت تتمنى لو أنهى حياتها… أرحم عليها من هذا العذاب الآن.
نظر إليها الطبيب ليجدها في عالم آخر، فأنهى دوره بمهارة فائقة، واستقام ناظرًا إلى سميرة قائلًا بعملية:
_ أنا جبّست الكسر وإن شاء الله يِلِمّ. بس طبعًا هيكون في ألم كبير الفترة الجاية، وعشان كده أنا كتبتلها على شوية مسكنات هتهدي الدنيا شوية.
سميرة بملل:
_ ميرسي يا دكتور، تعبناك معانا.
تناولت سميرة الورقة وأشارت للخادمة بأن توصل الطبيب، ثم نظرت إلى نيفين التي كانت حالتها لا تبشر بالخير وقالت بترقب:
_ هتفضلي ساكتة كده كتير؟
لم تجبها، بل بدا لها وكأنها لم تسمعها من الأساس. فنظرت إليها سميرة بامتعاض وقالت بحنق:
_ براحتك… ماترديش. أنا كلمت الخدم هيجبولِك الأكل، وهبعت حد من الجارد اللي برّه يجيبلك الدوا… ونامي، ولما تصحي نبقى نتكلم.
لم تجبها أيضًا، وهنا رن هاتف سميرة التي نظرت إليه بتوتر واتجهت إلى الباب مهرولة لتدخل غرفتها ليتسنى لها التحدث بحرية. فما إن ضغطت على زر الإجابة حتى وصلتها قهقهات شريرة
_ عايزِك تجهزي أجمل طقم أسود عندِك… عشان عندِك عزا يا حرمة المرحوم.
صُدِمَت سميرة من حديث راغب وقالت بعدم تصديق:
_ راغب! إنت بتتكلم بجد؟
راغب بتأكيد:
_ ودي حاجة ينفع أهزر فيها برضو؟ مراد… الله يرحمه. وزمان الدكتور بيقولهم الخبر دلوقتي. يلا روحي جهّزي اللي هتلبسيه… عايزِك قمر النهارده.
أتبع حديثه بقهقهات مقززة وأغلق الهاتف لتجلس هي على أقرب أريكة ناظرة إلى الفراغ، وقد شعرت بألم يغزو قلبها مع نزول دمعة صادقة من عينيها، وألقت نظرة إلى صورة له معلّقة في غرفتها قائلة بألم:
_ إنت اللي اخترت النهاية يا مراد.
**************
في المشفى كان التوتر يُخيّم على الجميع مما حدث، خاصةً عند سؤال فاطمة المتكرر والذي وجّهته تلك المرة لصفية قائلة بنفاد صبر:
_ مش هتقولي حصل إيه لبنت أختي بردو يا صفية؟
صفية بارتباك:
_ قولتلك محصلش حاجة يا فاطمة. كاميليا تعبت شوية وجبناها على المستشفى على طول.
فاطمة بغضب:
_ وإيه اللي تعبها؟ كاميليا مش هتتعب كده من غير سبب.
صفية بتوتر:
_ قولتلك معرفش يا فاطمة… معرفش. احنا لقيناها فجأة أُغمِي عليها.
فاطمة بحدّة:
_ لما إنتِ عايشة معاها في نفس البيت ومش عارفة… أمال مين اللي يعرف؟
تدخل أدهم لإنقاذ والدته من عبء الإجابة قائلًا بنبرة قاطعة:
_ طنط فاطمة، محدش فينا له ذنب في تعب كاميليا… خليكِ متأكدة من ده.
توترت فاطمة من لهجة أدهم، وأدركت أنها تمادت في أسلوبها قليلًا، وهي تعرف جيدًا أن صفية أكثر من كان يحنو على ابنة أختها، فقالت برفق:
_ أنا عارفة الكلام ده يا أدهم ومتاكدة منه… بس أنا قلبي واكلني على كاميليا. دي مش أول مرة تقع وتتعب كده.
أجابتها صفية بحزن وشفقة:
_ والله قلبنا كلنا واكلنا عليها. دي كاميليا دي بنتي… ربنا عالم.
فاطمة باعتذار:
_ عارفة والله يا صفية، وحقك عليّا لو كلامي كان فيه حدة شوية… بس غصب عني، دي الحاجة الوحيدة اللي باقيالي من ريحة زهرة… الله يرحمها.
صفية برفق:
_ الله يرحمها. أعذارك مقبولة يا فاطمة. إن شاء الله هتقوم بالسلامة وهتبقى زي الفل.
قاطع حديثهم قدوم إحدى الممرضات، والتي وجّهت حديثها لأدهم قائلة بنبرة مهتزّة بعض الشيء:
_ أدهم بيه… الدكتور فؤاد عايز حضرتك ضروري.
انتفض الجميع، ومنهم فاطمة التي قالت بذعر:
_ كاميليا جرالها حاجة؟
أدهم بهدوء:
_ اهدي يا طنط فاطمة… ده الدكتور بتاع عمي مراد.
نظر أدهم إلى الممرضة التي كان وجهها لا يُفسَّر، وقال باستفهام:
_ في حاجة؟
_ الدكتور عايز حضرتك… أو يوسف بيه ضروري.
صفية بقلق:
_ أنا هاجي معاك يا أدهم.
نظر أدهم إلى والدته قائلًا بلهجة قاطعة:
_ استني هنا يا ماما… وأنا لو في حاجة هبلّغك.
تدخلت روفان قائلة:
_ وأنا هروح معاك أطمن على جدو… زمانه صحي.
وافقها أدهم واعتذر منهم جميعًا، ثم قام بالانصراف والقلق يأكله من الداخل.
****************
بعد أسبوع
دخل يوسف إلى تلك الغرفة التي تحوي بداخلها العالم أجمع بالنسبة إليه، وقد كانت صدمته عندما وجدها جالسة على السرير ناظرة تجاه النافذة التي كان يدخل منها شعاعٌ من الشمس ينعكس بريقه على خصلات شعرها الذهبية التي كانت تلمع كثيرًا على عكس انطفاء صاحبتها، والتي شعرت بانفتاح باب الغرفة، وقد جاءت اللحظة التي كانت تؤجلها كثيرًا طوال هذا الأسبوع، فقد كانت تشعر به في كل مرة يأتي ليراها وتتظاهر بالنوم عندما يضع هو تلك القبلة الرقيقة فوق جبينها ويجلس معها بصمت ولا تدري متى يذهب، فقد كانت تذهب بعدها في ثباتٍ عميق فتجده بطلًا لأحلامها التي كانت تارة تزعجها وتارة تسعدها، ولكنها سئمت من النوم وقررت لأول مرة بحياتها المواجهة، فعندما جاء في الموعد المعتاد ككل يوم وجدها جالسة على سريرها وقد أخذت وقتًا طويلًا حتى استطاعت النظر تجاهه، فكانت نظراتها كقطرات ماء سُكبت على أرضٍ قد تشققت بفعل الجفاف لتحييها، هكذا هو حال قلبه الذي كان يموت شوقًا لعينيها التي حرمته منها لأسبوعٍ كامل قد حمل الكثير والكثير من الأحداث المؤلمة والتي لا أحد يعلم كيف تجاوزها.
اقترب يوسف من سريرها ناظرًا إلى عينيها التي كان الألم والانكسار يخيم عليها، وقد كان هذا أكثر الأشياء ألمًا لقلبه، ولكنه حاول إضفاء الهدوء على صوته وهو يقول:
_ عاملة إيه النهارده؟
أجابته بصوت خفيض وهي تنظر أمامها غير قادرة على مواجهته:
_ الحمد لله أحسن.
عاتبها بحنو:
_ أخيرًا قررتي تفوقي؟
أخفضت كاميليا عينيها وهي تشعر بالخزي من افتضاح أمرها أمامه، فقد كان قلبها يخبرها بأنه على علم بتظاهرها ولكنها كانت تكذبه، والآن علمت بأنه كان طوال هذا الوقت يعلم بهروبها، وهو الأمر المخزي بالنسبة لها، فلم تستطع الإجابة سوى بدمعة يتيمة نزلت من طرف عينها، هبطت على قلبه كجمرة من النيران المشتعلة، ليتحرك من مكانه جالسًا على السرير أمامها وقام برفع رأسها بيد وباليد الأخرى مسح دمعتها قائلا بلهجة حانية:
_ لما أكلمِك تبصيلي. أوعي توطي راسك أبدًا.
وكانت كلماته كالإذن بانفجار عينيها بأنهارٍ من دموع القهر والألم والخزي، فامتدت ذراعاه تحتضنها بقوة ورفق، فصارت تنتفض بين ذراعيه تبكي عارًا أُلصِق بها عنوة ولم يكن لها أي يدٍ به. تبكي حلمًا لم تتمنَّ سواه ولكنه انتهى لحظة بدايته. تبكي مصيرًا أسوأ من الموت بدونه وهي عاجزة لا تملك من أمرها شيئًا سوى البكاء والنحيب الذي كان يفتت قلبه من الداخل، وصوت شهقاتها يعلو ويعلو وكأنها كانت تحتفظ بتلك الدموع لسنوات حتى أتى الوقت للإفصاح عنها.
ظلت على هذه الحالة لوقتٍ ليس بقصير تبكي وتشهق وتنتفض، ويداه الحانيتان تحتويانها وتهدهدانها كالطفل الصغير حتى هدأت تمامًا، فقام بتقبيل أعلى رأسها ثم قال بحنان:
_ هخلي الدكتور ييجي يديكي حاجة مهدئة عشان تعرفي تنامي.
قاطعته كاميليا بنفي:
_ لا. مش عايزة أنام… أنا نمت كتير وهربت كتير، كفاية أوي لحد كده.
طالعها يوسف بقلق، فهو خائف من تدهور حالتها أكثر، فقال بحنان:
_ إنتِ تعبانة… خلينا نأجل الكلام لما تبقي كويسة.
كاميليا بألم:
_ مش هتفرق، أنا هفضل تعبانة، وكده كده لازم نتكلم. دلوقتي أحسن من بعدين.
يوسف بمهادنة:
_ طب اتكلمي… خرّجي كل اللي جواكي.
نظرت إليه كاميليا بألم، وداهمتها بعض الذكريات السابقة، فحوّلت نظراتها إلى البعيد وهي تسرد ما حدث منذ ثمانية أشهر.
عودة لوقت سابق
كانت تنام بعمق إلى أن شعرت بيدٍ قوية تجذبها من فوق مخدعها بعنف، فهبت مذعورة من نومها على صوت نيفين البغيض وهي تقول بغضب:
_ طبعًا نايمة في العسل بعد ما عملتي عملتك السودة!
كاميليا برعب:
_ ابعدي عني! عايزة مني إيه؟
نيفين بحقد:
_ أنا كان عليا نفسي آخد روحك بإيدي… بس للأسف مش هضيع نفسي عشان واحدة زيك. بس واديني لهطردك زي الكلبة من البيت ده.
ارتعبت كاميليا من مدى الحقد الذي يقطر من كلماتها، ولكنها ارتدت ثوب القوة التي استمدتها من كونها تنتمي إليه، ونفضت يدها الممسكة برسغها قائلة بحدة:
_ ابعدي إيدك دي عني. متقدريش تعمليلي أي حاجة. أنا مرات يوسف الحسيني اللي ممكن يهد الدنيا فوق دماغك لو فكرتي بس تقربيلي، فاهمة؟
_ أخس عليكِ يا نيفين… إحنا بنبارك للعروسة كده برضو؟!
كان هذا الصوت المليء بالشر لسميرة التي دخلت من باب الغرفة وسمعت حديث كاميليا، فتقدمت تنظر إليها بكُره وغضب، ثم وجهت انظارها لابنتها قائلة:
_ روحي انتِ يا نيفو، أنا ليا كلمتين مع ست الحسن والجمال.
نظرت نيفين بغضب لوالدتها وقالت بحدة:
_ ماما!
سميرة بغضب:
_ مفيش ماما! قولتلك اخرجي واقفلي الباب وراكي!
طاوعتها نيفين مرغمة بعد أن ألقت نظرة محتقرة متوعدة على كاميليا، وخرجت صافقة الباب خلفها، لتقترب سميرة من كاميليا قائلة بوعيد:
_ قولتيلي بقى إنتِ مرات مين؟!
كاميليا محاولة التحلي بالشجاعة:
_ مرات يوسف الحسيني… واللي مش هيسمح ليكي تمسي شعرة واحدة مني.
قهقهت سميرة بشر ثم قالت بمكر:
_ ويا ترى هيبقى ده موقف يوسف بيه لما يعرف إن الست هانم مراته تبقى بنت حرام!
اخترقت الجملة قلبها كخنجرٍ مسموم شطره إلى نصفين، فتراجعت إثرها خطوة للخلف وهي تقول بنبرة مستنكرة:
_ إنتِ مجنونة صح؟! وصلت بيكي الوقاحة إنك تقولي عني الكلام المقرف ده؟!
سميرة بشماتة من مظهر كاميليا المرتجف:
_ أنا بقول كلام مقرف؟! أمال إنتِ وأمك تبقوا إيه؟ دانتو القرف نفسه… وعمومًا لو مش مصدقاني تعالي أسمعك بودانِك.
كاميليا باستنكار:
_ أنا مش هاجي معاكي في أي مكان، إنتِ ست مجنونة! ابعدي عني.
امتدت يد الشر وصفعتها على وجنتيها صفعة قاسية كقسوة كلماتها المسمومة، وقامت بإمساكها من رسغها قائلة بغضب:
_ لسانِك ده هقطعهولِك… بس بعد ما أعرّفِك حقيقتك القذرة اللي هتسمعيها وتتأكدي منها من بقّ رحيم الحسيني بنفسه، وأظن ده مش هيكذب.
سارت كاميليا خلفها كالمنومة مغناطيسيًا، وهي تتضرع إلى الله أن يكون هذا الحديث كله كذبًا وافتراءً، فهي لن تقدر على تحمل حقيقة مخزية مثل هذه لتضاف إلى حياتها البائسة.
توقفت أمام باب الغرفة كما أمرتها سميرة التي دخلت إلى الغرفة وهي تقول:
_ عمي… أنا قولت لكاميليا على كل حاجة.
هبّ رحيم من مجلسه وتوجه إليها قائلًا باستنكار:
_ إيه؟ كل حاجة إيه اللي قولتي عليها؟
تراجعت سميرة خطوتين إلى الخلف، فقد هالها مظهره المرعب، وقالت متلعثمة:
_ أ… أنا قولتلها على حقيقة نسبها وإنها مش بنت أحمد.
رحيم بغضب جحيمي:
_ إنتِ اتجننتي؟! إزاي تعملي كده من غير إذني؟!
سميرة برعب:
_ مقدرتش أسكت بعد اللي حصل. هنستنى إيه؟ لما يتمم جوازه منها وتحمل بحفيدك أو حفيدتك؟
رحيم بحدة:
_ لا طبعًا! على جثتي يحصل الكلام ده. بنت زهرة دي آخر واحدة في الدنيا هسمح إنها تبقى أم أحفادي… ولازم تكون عارفة الكلام ده كويس.
_ ما هي خلاص عرفت.
هكذا تحدثت كاميليا التي فتحت باب الغرفة بعد أن وصل إلى مسامعها كل حرف تفوها به، وقد شعرت بأن العالم كله بامتلاء اتساعه غير قادر على احتوائها في تلك اللحظة، فقد كان ألمها لا يوصف لو ظلت تحكيه لمئة عام، وقد تجلى ذلك في نبرة صوتها المختنقة وملامحها المتألمة التي شحبت حتى يظن من رآها بأنها فقدت كل صلة لها بالحياة، ولكن ذلك لم يجعل رحيم يشفق عليها، والذي تفاجأ من وجودها في البداية ولكنه سرعان ما تغلب على صدمته وقال بجمود:
_ تبقي وفرتي على نفسك وعليّ كلام كتير مالوش لازمة.
كاميليا بقهر:
_ علشان كده مكنتش بتحبني… ولا مرة خدتني في حضنك وطبطبتي عليّ. إنت عمرك ما بصيت في وشي… يمكن حتى متبقاش حافظ ملامحي. أنا كنت بقعد أسأل نفسي كتير ليه بتعاملني كده… بس دلوقتي عرفت.
لأول مرة تحرك ذلك الحجر الذي يقبع على يساره ألمًا لحديثها وحزنها الكبير، ولكنه تجاهل كل ذلك قائلًا بفظاظة:
_ وياترى… بعد ما عرفتي ناوية تعملي إيه؟
لم تجب عليه لسببين:
أولهما أنها صدقًا لم تكن تعلم الإجابة،
والسبب الثاني والأهم هو صدمتها في جبروت ذلك الرجل الذي لم يشفق ولا مرة واحدة على يُتمها وعذابها.
فأخذت تطالعه بانكسار وألم، ولم تُسعفها الكلمات لتجيبه، فتابع هو بفظاظة:
_ ناوية تبقي أنانية وتفضلي مكملة معاه… وتأذيه زي ما أمك آذت ابني زمان؟
شعرت بألمٍ طحن عظامها لحظة نطقه بهذا السؤال، والذي كانت إجابته تحمل خيارين بمثابة موتين:
موت بدونه…
وموت عند معرفته حقيقة نسبها.
ولكنها أخيرًا اختارت الموت بعيدة عنه، فهو لا يستحق أن يُعاب بشيءٍ لم يكن له ذنب به، فقالت بقهر:
_ أنا عمري ما هقدر أأذيه أبدًا.
عودة للوقت الحالي
انتهت كاميليا من سردها لتلك اللحظات المؤلمة التي عاشت بها كل مشاعر الحزن بهذا العالم، واختتمت حديثها ناظرة إلى عينيه اللتين كادتا أن تخرجا من مكانهما من هول ما سمع، وخاصةً جملتها الأخيرة التي كانت كالسهم الذي صُوِّب إلى منتصف قلبه.
_ طول عمرك بتقولي متخليش حد يكسّرني بيك، وعشان كده هربت! اخترت إني أبقى في نظرك واحدة جبانة وغير جديرة بيك، ولا إنك تشوفني كده. كنت عارفة إن محدش هيزعل على فراقي، وكنت عارفة إن كرامتك هتقف بينك وبين قلبك لما تقرأ جوابي، وعمرك ما هتدور عليَّ.
تنهيدة حارقة شقّت جوفها قبل أن تتابع بأسى:
_ أنا هربت عشان محدش يكسّرك بيا والله. كنت عارفة إنهم مش هيترددوا ثانية إنهم يفضحوا سرّي ويقولّولك إني بنت...
قاطعها يوسف واضعًا إصبعه فوق شفتيها يمنعها من نطق تلك الكلمة المؤلمة، وقام بتطويقها بأصفاد ذراعيه بقوة كادت أن تكسر عظامها وهو يقول بألم:
_ أوعي تقولي الكلمة دي على نفسك أبدًا.
عانقته بكل ما تمتلك من قوة متجاهلة ألم جسدها، فقد كان ألم القلب يفوقه بمراحل، وتحدثت من بين دموعها:
_ غصب عني مشيت، ومَخدتش معايا حاجة غير ريحتك وصورتك بس. مكنتش عايزة أكتر منهم يصبّروني على الحياة في بُعدك.
أفرج أخيرًا عن دموعه التي حبسها كثيرًا، فقد تخطّى ألمه لأجلها حدود العقل. كيف لقلب مثلها وفي مثل هذا العمر قادر على احتمال كل هذا الألم؟
كيف لحبيبته الصغيرة والبريئة أن تحتمل كل هذا العذاب وحدها؟
كيف احتملت قسوته وتعذيبه لها بعد أن أعادها قسرًا إلى جُحر الأفاعي بيديه؟
كانت كل هذه التساؤلات تنهش بقلبه قبل عقله، وقد اختلطت دموعه بدموعها، ولأول مرة يفقد قدرته على السيطرة على نفسه؛ كل ما يراه ويشعر به هو ألمها الهائل وانتفاضة جسدها بين ذراعيه.
ظلا على هذه الحالة لوقت غير معلوم حتى هدأ هو، ثم بعد فترة هدأ نحيبها وعاد انتظام تنفسها، فقام بفكّ حصاره حولها ووضع إصبعه تحت ذقنها لينظر إلى عينيها وهو يقول بأسف صادق:
_ حقك عليَّ. أنا آسف إني مكنتش جنبك وحميتك منهم ومن شرّهم. حقك عليَّ إني سبتِك اليوم ده ومفضلتش معاكي. بس مكنتش أتخيل إن حقدهم يوصل للدرجة دي. حقك عليَّ على كل حاجة وحشة عشتيها بعيد عني. لو فضلت أعتذرلك عمري كله مش هيكفي.
امتدت يداها تحتوي خديه بين كفيها وهي تناظره بحب قائلة بلهجة مبحوحة من فرط البكاء:
_ أنا اللي آسفة إني حطيتك في الموقف ده. آسفة إني مكنتش جديرة بيك وبحبك وباسمك، بس ده غصب عني والله.
قاطعها يوسف قائلًا باستنكار:
_ كاميليا! إيه اللي انتي بتقوليه ده؟
كاميليا بنبرة يشوبها التصميم فقد اتخذت قرارها:
_ بقول الحقيقة يا يوسف، واللي لازم تحطها قدّام عينيك. أنا منفعكش. منفعش أكون أم لولادك. متفكرش فينا بس… فكّر فيهم. هتقبل حد يعاير ولادك بنسب أمهم زي ما أنا طول عمري باتعاير؟
غضب بشدة من حديثها وهتف بنبرة حادة:
_ كاميليا، في حاجات كتير لازم تعرفيها، وأولها إني عمري ما هبعد عنك مهما حصل.
قاطعته بوضع يدها فوق شفتيه قائلة برجاء:
_ أرجوك يا يوسف متكملش وتصعّبها عليّا أكتر من كده.
نظر إليها بصدمة سرعان ما تداركها قائلًا باستفهام:
_ تقصدي إيه؟
كانت الكلمات تخرج من بين شفتيها كخروج شجرة شوك من بين لفائف الصوف تمزّق كل ما تمرّ به:
_ إحنا لازم نطلق.
نظر إليها لوهلة غير مصدّق بما تفوّهت به، ثم سرعان ما غلى الدم في عروقه وانتفض من مكانه صارخًا بها:
_ نطلق؟! انتِ أكيد اتجننتي؟!
كاميليا بحزن:
_ أنا متجننتش… أنا لأول مرة أواجه قدري بدل ما أهرب منه.
يوسف باستنكار:
_ وهي دي المواجهة من وجهة نظرك؟ وأنا طول عمري بقولك واجهي واجهي! دلوقتي بس ندمت على كلامي ده، وبقولك يا ريتك ما واجهتي وخليتك نايمة مغمضّة أحسن ما تصحي وتقولّي الكلمتين دول!
كاميليا بنبرة أشبه بالتوسل:
_ أرجوك تهدى يا يوسف. القرار ده مش سهل عليّا أخده، ده أصعب حتى من الموقف اللي مريت بيه. بس صدّقني… مش هقدر. إحنا خلاص وصلنا للنهاية اللي أنا كنت مرعوبة منها، ومفيش أي حل غير إننا ننفصل.
قالت كلماتها الأخيرة بألم امتزج بدموع عينيها التي كانت تتوسل إليه ألا يعذبها أكثر، لكنها فجأة اتسعت عيناها عندما وجدته يقوم بفك أزرار قميصه من الأعلى ويثني أكمامه وهو يقول بوعيد:
_ أممممم… ننفصل؟ قولتيلي.
كاميليا بخوف مما يفعله وتلك اللهجة المتوعدة والنظرات الغامضة:
_ إيه يا يوسف؟ انت هتعمل إيه؟
يوسف بهدوء وهو يقترب منها:
_ أبدًا… هعرّفك بس إنك متقدريش تبعدي عني لحظة واحدة. وبعدها هربيّكي على الكلمة اللي كل شوية تقوليها دي.
أنهى كلماته تزامنًا مع امتداد يديه لضمّها إليه بعنف حتى إنها شهقت شهقة قوية ابتلعها جوفه عندما انقضت شفتاه تلتهم خاصّتها في قبلة قوية عنيفة، أخذ يعمّقها أكثر فأكثر ويداه تمارسان فنون العشق والعبث باحترافية فوق جسدها الخائن الذي أعلن استسلامه إليه بكل ما أوتي من عشق. فكيف يمكن أن تقاوم رجلًا يحتل كل خلية من خلاياها، يملكها قلبًا وروحًا وجسدًا؟
تجاوبت مع عنفه بجنون راق له كثيرًا، فصار يزيل كل ما يعوقه عنها حتى محا جميع الحواجز بينهما، وأشعل براكين العشق بجسدها، ثم نظر إلى عينيها قائلًا من بين قبلاته:
_ تقدري تبعدي عني؟
كاميليا بصوت مبحوح من فرط الإثارة:
_ مقدرش أعيش لحظة واحدة من غيرك.
_ لسه عايزاني أطلقك؟!
_ أوعى تفكّر تعملها.
يوسف بهدوء:
_ بس أنا هعملها يا كاميليا.
شعرت كاميليا بدلو من الماء المثلج سقط فوق رأسها لدى سماع كلماتِه التي تزامنت مع انشقاقه عنها، فشعرت بالبرد القارص يغزو جسدها الذي تجمّد من فعلته، فصارت تتابعه وهو يرتدي ملابسه بهدوء تام ينافي جنونه معها منذ قليل. وبعد انتهائه نظر إليها قائلًا بفظاظة:
_ جهّزي نفسك عشان هنخرج دلوقتي… عندنا مشوار مهم. وبعد المشوار ده… هطلّقك. انتي عندِك حق… إحنا مبقاش ينفع نكون مع بعض.
خيم الذهول على ملامحها من هول الصاعقة التي تفوه بها، حتى إنها لم تشعر بوصوله عند باب الغرفة، فكانت مصدومة وكأنها فقدت القدرة على الحديث. لكن حدّته أخرجتها من شرودها عندما قال:
_ فوقي! في فستان أسود في الدولاب عندِك، قومي البسيه عشان هنمشي نروح البيت دلوقتي.
خرج بعد أن صفق الباب، تاركًا إياها خلفه تعاني الأمرّين، فقد رفضها منذ دقائق بعد أن ألقى بوجهها ضعفها أمامه وعشقها الصريح له. "رفضها!" تلك الكلمة مزّقتها من الداخل. فكل ما حدث لها ومرت به لم يكن ثقيلًا عليها مثل تلك الكلمة، فلأجلها هربت وهربت وهربت… وفي النهاية رأتها بعينيها منذ دقائق. ولم يجعله هذا يشفق عليها، بل والأدهى أنه سيأخذها إلى ذلك المنزل مرة ثانية دون مراعاة لشعورها وما حدث آخر مرة.
متى تحجّر قلبه بهذه الطريقة؟ فقد كان منذ دقائق يبكي ويعتذر لها عن كل ما حدث، وكان يبثّها عشقه وحنانه… ماذا حدث ليتحوّل إلى ذلك الكائن المتحجر القلب؟
لأول مرة بحياته لا يبالي بحزنها، بل قتلها بكلماته الباردة دون أن ينظر خلفه.
أخرجها من شرودها ذلك الطرق على الباب، فوجدته ينظر إليها قائلًا بغضب:
_ انتي لسه ملبستيش؟
ارتبكت من كلماته ونظرت إليه بتيه، فقد كانت تحاول استيعاب ما يحدث، ثم تحركت بغير هدى في الغرفة تنظر حولها وهي تقول بشرود وتلعثم:
_ حاا… حاضر… ث… ثانية واحدة.
أخيرًا وجدت طريقها للمرحاض وقامت بتغيير ثوبها، ثم خرجت لتجده يطالعها باهتمام قائلًا بلهجة مستفهمة:
_ انتي كويسة؟
كانت على حالها من الشرود والتوهان وكأن عقلها لم يستوعب ما يحدث، فبدت كالمنوّمة مغناطيسيًا، فأجابته بشرود:
_ آه… كويسة.
لعن نفسه بداخله، فهو قد قسى عليها كثيرًا، لكنها هي من أجبرته على ذلك. وقد شعر بوخزات الألم تنخر بداخله، فمظهرها الآن لا يبشّر بالخير. فتقدّم منها وقام بإجلاسها على المقعد المجاور له، ثم توجه إلى مقعد السائق وقاد السيارة بسرعة كبيرة. ولأول مرة لا ترهبها سرعته، فقد كانت تنظر إلى النافذة بشرود أقلقه.
فعندما اقتربوا من القصر أوقف السيارة ونظر إليها قائلًا بلهجة حانية:
_ كاميليا… أنا عارف إن الموضوع هيكون صعب عليكي، بس متقلقيش… أنا موجود.
قاطعته كاميليا بهدوء:
_ انت هتطلقني… صح؟
أغضبه سؤالها كثيرًا، فها هي المرة الثانية في غضون ساعات تتحدث عن ذلك الموضوع، فانتفض كبرياؤه الجريح وقال بتصميم:
_ هطلّقِك يا كاميليا.
التفتت إلى الجهة الأخرى وقالت بصوت لا حياة فيه:
_ مش مهم عندي أي حاجة تانية.
وكانت تلك هي الحقيقة المؤلمة التي تراها أمام عينيها: هو طلاقها منه، فأي شيء بعد هذا ليس بالمهم. وفي تلك اللحظة تمنت لو أن يتوقف قلبها عن العمل وتنتهي حياتها البائسة تلك.
أوقف السيارة أمام باب القصر ونظر إليها قائلًا بجمود:
_ يلا.
لم يتلقَّ إجابة من شفتيها، وإنما إيماءة بسيطة من رأسها، جعلته يترجل من السيارة وقام بمد يده لينزلها، فنظرت إليه بعتب قاسٍ وصريح، ثم تجاهلت يده الممدودة إليها ونزلت بهدوء، ناظرة إلى هذا القصر الذي لطالما كانت تكرهه وتمنت ألا تعود إليه يومًا. وعند هذه الخاطرة استعادت جزءًا من وعيها جعلها ترمش عدة مرات وتبلل حلقها الذي جف، وبدأت شفتيها بالارتعاش، وكان هذا يحدث تحت أنظاره المتألمة. فامتدت يده وطوقت كتفها في محاولة صامتة منه لبثها بعض الأمان، لكنها فاجأته كالعادة وقامت بإنزال يده قائلة بلهجة هادئة منخفضة:
_ أنا كويسة… يلا ندخل.
هزّ رأسه بموافقته، وقد تصاعد الغضب بداخله من رفضها أن يلمسها. وأشار لها لتتقدمه، فسارت أمامه بخطوات بطيئة وقد شعرت بأنها على وشك الإغماء، لكنها قاومت ذلك بصعوبة بالغة. ولأول مرة في حياتها لم تستجب لعقلها الذي يأمرها بالانسحاب من هذه الدوامة التي تبتلعها دائمًا، لكنها قررت أنها ستواجه حتى النهاية، معلنة لهم جميعًا ما تحمله بداخلها من ألم وعذاب.
سارا إلى الداخل فوصل إليهما صوت الجميع المنبعث من غرفة الصالون، فتوقفت كاميليا لدقيقة تأخذ نفسًا طويلًا قبل أن تشعر بصوته خلفها قائلًا بلهجة حانية يتخللها الصرامة:
_ ارفعي راسك… وأوعي توطيها أبدًا. ومتخافيش… أنا في ضهرك.
بالرغم من ألمها منه، إلا أن كلماته أعادت إليها شيئًا من الطمأنينة والقوة التي جعلتها تتقدم إلى الداخل. فما إن خطت خطوة إلى الغرفة حتى التفتت إليها جميع عيون الحاضرين، منها فرحة ومنها شامتة وأخرى غامضة.
كانت أول المرحِّبين بها صفية التي اندفعت تجاهها، تأخذها بين أحضانها في عناق صادق محب كانت بحاجة إليه، وخصوصًا عندما قالت صفية بحب:
_ حمد الله على سلامتك يا حبيبتي… نورتي بيتك.
ابتسامة شاحبة ارتسمت على ملامحها تلاها هزة بسيطة من رأسها، فاندفعت روفان تعانقها بفرح وهي تقول بسعادة:
_ حبيبتي يا كامي… ألف سلامة عليكي. أخيرًا جيتي.
كاميليا بهدوء:
_ الله يسلمِك.
نظر يوسف إلى صفية وروفان نظرة ذات مغزى، فرجعت كلٌّ منهما إلى مكانها، وتحدث بلهجة صارمة:
_ نيفين.
ارتعبت كاميليا من لهجته، وأيضًا عندما نطق اسم تلك الحية التي تحركت من مكانها ناظرة إليها بنظرات غامضة لم تستطع كاميليا تفسيرها، ثم أخيرًا نطقت قائلة بجمود:
_ أنا آسفة.
طالعتها كاميليا بشك، ولم تُجب، واكتفت بإيماءة بسيطة، لتهز نيفين رأسها وترجع إلى مكانها بلا مبالاة غريبة عنها كثيرًا.
ففاجأتها يد يوسف التي أمسكت بذراعها قائلًا بلهجة ماكرة:
_ روّحي اقعدي هناك… وحطي رجل على رجل… واتفرجي على حقك وهو بييجي.
طالعته كاميليا بعدم فهم، لكنه أشار لها بنظراته إلى حيث مكانها، فذهبت إليه لتجلس على المقعد، تنظر إليه بحيرة. ليطالعها بنظرات مطمئنة سرعان ما تحولت إلى جامدة وهو يطالع البقية قائلًا بفظاظة:
_ طبعًا كلكوا مستغربين أنا جمعتكوا هنا ليه؟ بس متقلقوش… مش هتستنّوا كتير. هقولكوا على كل حاجة لما جدي ينزل.
_ أنا هنا يا يوسف.
كانت تلك الكلمات الهادئة لرحيم الذي كان يستند على عصاه، ومن يراه يشعر بأنه قد كبر مئة عام. فوجهه كان يحمل همومًا كالجبال، وقد انطفأت عينيه ووهن جسده كثيرًا.
ظلت كاميليا تطالعه باندهاش لم تفصح عنه ملامحها، ولكن توسعت عيناها من نظرته الحانية التي ألقاها عليها حتى ظنت أنها كانت تتوهم.
_ كلنا هنا متجمعين عشان نحط النقط على الحروف… وعشان كل واحد يعرف مكانه في البيت دا.
ألقى يوسف كلماته ناظرًا إلى نيفين وسميرة التي ارتبكت من مغزى حديثه، فطالعها بسخرية قائلًا:
_ طبعًا سميرة هانم مرات عمي… اللي مش عاجبها دي… هي أول واحدة كان المفروض تترمي من البيت دا من زمان.
توترت الأجواء من حديث يوسف الفظ ونظراته المحتقرة لسميرة التي هبت من مكانها قائلة بحدة:
_ أنا مسمحلكش يا يوسف! ولا عشان عمك مات خلاص هتبهدل فيّا بالشكل دا؟!
ابتسم يوسف ساخرًا وقال باستنكار:
_ على أساس إن عمي لو كان موجود كان هيدافع عنك أصلًا!
عمي لو كان هنا كان زمانه دفنك حيّة على خيانتك ليه.
جحظت أعين الجميع من اتهامه الصريح. ارتبكت سميرة لثوانٍ ثم سرعان ما تداركت الموقف وقالت بغضب مفتعل:
_ يوسف… لحد هنا وكفاية. أنا مسمحلكش تتهمني اتهام زي دا.
كان يوسف يتوقع ردّها، فلم يبدُ عليه الاندهاش، بل ظل ثابتًا يطالعها بنظرات محتقرة. وقام بإلقاء قنبلته الثانية بنفس الهدوء الذي فجّر به الأولى، ونظر إلى أدهم الذي كانت تعبيراته لا تختلف كثيرًا عن تعبيرات يوسف، الذي قال بهدوء:
_ ما تشغّلنا فيلم حلو كدا يا أدهم… نتفرّج عليه كلنا.
استجاب أدهم وحده، ووضع الفلاشة في التلفاز وضغط عدّة أزرار، وانتظر ثوانٍ لتظهر فجأة صورة نيفين وسميرة تقتحمان غرفتها بعنف:
(مشهد من الفصل السابع والثلاثون)
_ واطية وخسيسة!
لم تفق نيفين من أمر صفعتها حتى أمسكتها سميرة من خصلات شعرها وهي تقول بغل:
_ بقي أنا يا كلبة… تبيعيني؟! وتروحي تقولي ليوسف إني السبب في هروب كاميليا؟! بتكسبيه على قفايا يا سافلة؟!
نفضت نيفين شعرها من يد سميرة وهي تقول بغضب:
_ ابعدي عني! أنا مقولتش حاجة لحد… إنتِ اتجننتي؟!
سميرة بحقد وغضب:
_ اتجننت؟! أيوه اتجننت… عشان حاوية حيّة زيك في بيتي!
بس لا… أنا مش هقع لوحدي.
ده أنا هخسف بيكِ الأرض قبل ما تفكري توقّعيني.
نيفين بغضب:
_ إنتِ بتهدديني؟!
سميرة بسخرية:
_ لا يا عنيا… أنا مش بهدد… أنا بنفّذ على طول.
ومادام إنتِ فارْدة جناحاتك أوي كدا… أنا بقى هقصقصهملك.
قهقهت نيفين ساخرة وقالت بتخابث:
_ ولا تقدري تعمليلي أي حاجة… كلمة واحدة مني لرحيم الحسيني… هخليه يطيرك على طول.
ويا سلام بقى… لو عرف إنك إنتِ اللي عملتِ لابنه الوحيد كدا… إنتِ وعشيقك طبعًا.
جحظت عينا سميرة من حديث نيفين، وللحظة استرجعت كل الأحداث السابقة لتشهق قائلة بذهول:
_ انتِ اللي قولتي لمراد على مكاني؟
نيفين بشماتة:
_ مش بالظبط. أنا رميت الطعم وهو بلعه، يعني تقدري تقولي كده إديته طرف الخيط!
استعادت سميرة وعيها وأوشكت على الهجوم مرة ثانية على نيفين وهي تصرخ بغضب:
_ آه يا كلبه يا واطية! والله لهقتلك وأشرب من دمك.
أمسكت نيفين بيدها وهي تقول بسخرية:
_ اهدي اهدي، الانفعال وحش عشانك. انتِ دلوقتي المفروض تقعدي تفكري هتقولي إيه لمراد الحسيني لما يفوق ويقرر يقتلك على خيانتك له. ما هو مش معقول يعني هيسيب واحدة خاينة زيك كده على ذمته؟!
سميرة بشماتة وقد استعادت بعضًا من هدوئها:
_ لا، ده أنا هفكر في حاجة أحسن وأحسن. تفتكري إيه رد فعله لما يعرف إنك أصلًا مش بنته؟!
لم تتغير ملامح نيفين وكأنها كانت تتوقع حديثها، بل زادت ابتسامتها حتى وصلت لقهقهات متتالية مما أدى إلى ذهول سميرة، وخاصةً عندما تحدثت نيفين قائلة:
_ إيه؟ اتفاجأتي إني عارفة؟ لا ده انتي اتعودي بقى عشان أنا عارفة حاجات كتير قوي! وأولهم سرّ كاميليا اللي خلاها تهرب وتسيب البيت وتمشي.
كان الذهول يخيم على ملامح سميرة التي قالت بعدم تصديق:
_ إيه؟
نيفين بملل:
_ انتي سمعاني كويس، ومش ده موضوعنا. أنا هعرض عليكِ ديل حلو: انتي تسكتي عن حقيقة إني مش بنت مراد الحسيني، وأنا هسكت عن موضوع خيانتك له وإنك السبب في اللي حصله.
أخذت سميرة وقتًا للتفكير واستيعاب ما تفوهت به نيفين، ثم قالت بقلق:
_ طب وافرَضي مراد فاق؟ ما هو هيقول على كل حاجة؟
نيفين بسخرية:
_ لا من الناحية دي اطمني. مراد خلاص في عداد الأموات، ومجرد ما تنفصل عنه الأجهزة هيبقى "بحّ"، ومعتقدش دي حاجة صعبة يعني.
قالت نيفين جملتها الأخيرة بمكر، فأجابتها سميرة مستفهمة:
_ وانتي عرفتي الكلام ده منين؟
نيفين بخبث:
_ يوسف اللي قالي.
قطبت سميرة جبينها قائلة:
_ ومن إمتى يوسف بيحكيلِك أو بيتكلم معاكي؟
نيفين بسخرية:
_ آه ما انتي معرفتيش؟ مش جدي العزيز وصّاه وهو في العناية المركزة إنه يتجوزني، ويوسف وعده بكده، فمن دلوقتي تقدري تعتبريني مدام يوسف الحسيني.
سميرة بانبهار:
_ انتي بتتكلمي بجد؟ طب وكاميليا؟
نيفين بملل:
_ متجبليش سيرة الزفتة دي. وعمومًا الحوار ده ميخصنيش، ويوسف هيتصرف فيه. المهم دلوقتي روحي شوفي انتي رايحة فين عشان متتأخريش على مشواري، وخليكي فاكرة إن مصلحتك معايا أنا، وإني ممكن أرفعك سابع سما، وقدر برضه أخسف بيكي سابع أرض.
طالعتها سميرة بمكر تجلّى في نبرتها حين قالت:
_ طبعًا يا نيفو، هو أنا ليا غير بنتي حبيبتي؟
انتهى المشهد، وقام أدهم بإطفاء التلفاز عن طريق جهاز التحكم وسط شهقات الاستنكار والذهول التي خرجت من الجميع، وأولهم كانت كاميليا، والتي كانت وكأنها تشاهد فيلمًا سينمائيًا غير قادرة على تصديق ما حدث، وكذلك صفية وروفان اللتان خيّم الصمت عليهما للحظات قبل أن تقول روفان بعدم تصديق:
_ معقول نيفين مش بنت عمو مراد؟ طب إزاي حصل الكلام ده؟
تحدث يوسف قائلًا بجفاء:
_ ها يا سميرة، تحكي انتي ولا أحكي أنا؟
نظرت سميرة إليه بعدم تصديق وقد شعرت بأن كل أحلامها تحطمت دفعة واحدة فوق رأسها، وبأنه لا مجال لقول الحقيقة، فسقطت على الكرسي خلفها قائلة بانكسار:
_ لما جيتلك هنا وقلت لرحيم بيه إني حامل من مراد كنت فعلًا حامل. بس بنتي ماتت يوم الولادة، ولما الدكتور قالي اتجننت واترعبت لا مراد يرميني في الشارع لما يعرف، فقعدت أترجّى الدكتور إنه يساعدني، وقلتله بيتي هيتخرب ومستعدة أدفعله كل اللي هو عايزه بس ميقولش إن بنتي ماتت ويجبلي أي طفلة تانية تبقى مكانها.
تعالت شهقاتها قبل أن تُتابع قائلة:
_ كان في واحدة جاية تولد بنتها في نفس معاد ولادتي، والدكتور ولّد البنتين وأداها البنت الميتة على إنها بنتها، وهي مكنش عندها مانع عشان كانت عايزة تتخلص من الحمل أصلًا بس ربنا ما أردش، وخدت أنا البنت اللي كانت عايشة… اللي هي نيفين.
ناظر يوسف نيفين باحتقار تجلّى في نبرته حين قال:
_ وقفتي هنا ومسكتي كاميليا ورمتيها على الأرض وإنتِ بتقولي إنها بنت حرام، بس اللي متعرفهوش بقى إنك انتي اللي طلعتي بنت حرام، وإن أهلك ما صدقوا الدكتور عرض عليهم العرض ده عشان يرموكي ويخلصوا من عارك.
صُعقت نيفين من هول ما يحدث أمامها، فهي لم تتخيل بأحلامها أن ينفضح أمرها بهذا الشكل، وتدور الدائرة لتُسقى من نفس الكأس الذي كانت تسقي منه كاميليا طوال هذا الوقت. فظلت تنظر حولها لتطالعها نظرات الاحتقار والشماتة من كل جانب، والتقت عيناها بعيني كاميليا التي للحظة أشفقت عليها؛ فهي تعلم ما تعانيه، ولكن سرعان ما تحولت شفقتها إلى صدمة وذهول من حديث يوسف الذي تابع قائلًا بانتصار:
_ إيه؟ اتصدمتي؟ طب خدي التقيلة دي… اللي قولتي عليها بنت حرام دي تبقى هي البنت الحقيقية لمراد الحسيني.
رواية عشق بين حنايا الروح الفصل الثالث 3 - بقلم نورهان العشري
هَبت كاميليا من مكانها تنظر إليه بعدم تصديق، لتندفع صفية من خلفها قائلة بصدْمة:
ـ أنت بتقول إيه يا يوسف؟؟
يوسف بثبات:
ـ اللي سمعتيه يا ماما.. كاميليا بنت عمي مراد وطنط زهرة.
أخيرًا، تحدثت كاميليا بضعف قائلة بعدم فهم:
ـ أنا مش فاهمة حاجة.. إيه اللي إنت بتقوله دا يا يوسف؟
نظر إليها يوسف للحظات قبل أن يلتفت إلى الخلف ناظرًا لمدخل الغرفة وهو يقول:
ـ مش أنا اللي هفهمك يا كاميليا.. اللي هيفهمك وصل أهو.
هَبت سميرة من مكانها بذُعر وهي تقول بعدم تصديق:
ـ مراد!
تقدّم مراد إلى داخل الغرفة ناظرًا إلى سميرة ونيفين بقرف، قائلاً بحقد:
ـ أيوه مراد يا خاينة اللي خدعتيه بدل المرة ألف.. ومكفكيش! لا، ده إنتِ كمان حاولتي تقتليني إنتِ وعشيقِك..
أنهى مراد كلماته تزامنًا مع إخراج سلاحه من خلف ظهره وتوجيهه إلى سميرة التي كانت ترتجف رعبًا مما تراه، فاندفع يوسف محاولًا ثنيه عمّا ينتويه:
ـ اِهدي يا عمي، إحنا اتفقنا على إيه؟
مراد وقد أعماه الغضب:
ـ إبعد إنت يا يوسف.. أنا لازم أخلّص على المجرمة دي!
رحيم بذُعر:
ـ اِهدي يا ابني عشان خاطري.. دي ما تستاهلش تضيّع نفسك عشانها.
مراد بانفعال:
ـ دلوقتي ما تستاهلش؟ مش دي اللي فرضت عليا أتجوزها؟ وبسببها كنت بتعامل زهرة أسوأ معاملة.. هاه؟!
صمت رحيم وقد شعر بالخزي من حديث ولده، ليتدخل أدهم قائلًا بمسايسة:
ـ عمي، كلنا عارفين إنها ست زبالة.. يبقى ليه تضيع حياتك بسببها؟؟
صرخ مراد قائلًا بقهر:
ـ حياتي ضاعت من زمان بسببها! دي اللي دمرتلي حياتي وحرمتني من حب عمري.. بسببها عشت أسوأ أيام عمري وأنا شايفها عايشة مع أخويا قدّام عيني وأنا بموت من القهر والوجع. بسبب واحدة رخيصة زيها خسرت أشرف ست في الدنيا!
غلى الدم في عروق سميرة عند حديث مراد عن زهرة وعنها، فاندفعت من خلف يوسف قائلة بصراخ:
ـ أشرف ست في الدنيا دي باعتك وراحت اترمت في حضن أخوك.. زي ما تكون ما صدّقت!
مراد بغضب جحيمي:
ـ اخرسِ ! إنتِ فاكرّاها رخيصة زيك؟
تابع مراد بنبرة مؤلمة من عمق الوجع الذي يشعر به:
ـ أنا اللي خلتها تعمل كدا.. بعد جريمتي البشعة في حقّها ماكنش قدّامها حل تاني غير كدا.
ـ تقصد إيه؟
كانت تلك النبرة الخافتة المصدومة لكاميليا التي أخيرًا استطاعت إخراج صوتها بعد كل تلك الصدمات التي انهالت عليها دفعة واحدة، لينظر إليها يوسف بقلب ينفطر ألمًا على مظهرها المزري وملامحها الشاحبة، لكن كان لابد من تلك المواجهة وكشف تلك الحقائق كي يستطيعوا التخلص من قوى الشر التي تهدد أمنهم وسلامتهم.
اقترب مراد من أقرب كرسي وجلس بجسد متهالك من فرط الألم الذي يشعر به في قلبه، ووضع سلاحه أمامه فوق الطاولة وهو يسرد ذكرياته المريرة وخطيئته التي حرمته الجنة طوال حياته:
ـ زهرة كانت حب حياتي من أول يوم شفتها فيه حبيتها سحرتني بجمالها ورقتها وأدبها. قلبي قالي: هي دي اللي بندوّر عليها، وهي كمان كانت بتبادلني نفس الشعور، وبرغم كدا ما بيّنتش أبدًا. ومهما كنت بحاول أقرب منها كانت بتبعد، لحد ما خدت قرار إني لازم أرتبط بيها رسمي. وفعلاً، قولتلها الكلام دا ونزلت على القاهرة عشان أُفاتِح بابا في الموضوع، مع إني كنت عارف إنه هيعارض، بس قولت يمكن لما أقوله إني لاقيت سعادتي وراحتي معاها دا يخليه يلين ويوافق على جوازي منها، لكن للأسف دا ماكنش يفرق معاه أصلًا.
كان مراد ينظر إلى رحيم بخيبة أمل كبيرة، فهو يراه المتسبب الوحيد في هلاكه وضياع سعادته. قابله رحيم بنظرات نادمة متوسلة، فأدار مراد رأسه للجهة الأخرى ناظرًا إلى الفراغ قائلًا بلهجة مريرة:
ـ رجعت على إسكندرية تاني وأنا كلي تصميم إني مش هخسر البنت اللي بحبها عشان خاطر حد، حتى لو هتنازل عن حقي في الورث وفي كل حاجة زي ما هددتني وقولتلي: روح قولها إنك لو اتجوزتها أبويا هيحرمني من كل حاجة وشوف هتفضل معاك ولاّ لأ.
احنى رأسه قبل أن يقول بنبرة مُشجبة:
ـ وفعلاً عملت كدا. روحت قولتلها إني عايز أتجوزها في أقرب وقت، وهي الفرحة ماكنتش سيعاها. بس قولتلها إن في حاجة لازم تعرفيها: لو اتجوزتك أنا همضي على تنازل عن حقي في كل مليم يخصّ عيلة الحسيني.
والحقيقة إن ردها ما صدّمنيش، لأني كنت عارف إن قلبي عارف يختار صح. قالتلي: إنت عندك استعداد تتخلى عن فلوس عيلة الحسيني عشاني؟
قولتلها: أنا عندي استعداد أتخلى عن أي حاجة في الدنيا عشان خاطرك.
قالتلي كلمة عمري ما نسيتها:
وأنا مش عايزة حاجة من عيلة الحسيني كلها غيرك إنت وبس.
استرد انفاسه الهاربة قبل أن يتابع بأسى:
ـ وقتها قررنا إننا هنعمل خطوبة وكتب كتاب، وبعد ما أظبط أموري هنتجوز. وفعلاً طلعت على خالها وشرحتله ظروفي، وقدرني جدًا وحس قد إيه أنا بحبها، وكتبنا الكتاب فعلًا، واتفقنا إننا مانعرفش حد عشان الموضوع ما يوصلش لرحيم بيه، لأني كنت واثق إنه مش هيسكت. وعدى حوالي شهر، لقيت أحمد أخويا جاي و بيسألني في حاجة بينك وبين زهرة؟
شفت في عينه نظرة غريبة مقدرتش أترجمها وقتها، بس لقيتني برد تلقائي وبقوله: زهرة مراتي. وطلعتله قسيمة الجواز ومعاها تنازل مني عن حقي كله.
اتصدم طبعًا، بس أنا كنت فاكر إن صدمته دي عشان رأيه من رأي بابا، لكن لقيته بيقولي: زهرة تستاهل كل خير. وسابني ومشي. وفضلت حياتنا حلوة.. أنا بحاول أأسس شغل ليا، وزهرة بتساعدني.
طرف رماد الذكريات عينيه ليترقرق الدمع بها كما يترقرق الحزن في نبرته حين قال:
ـ و في يوم لقيت حد باعتلي ظرف وفيه ورقة مكتوب عليها إن زهرة بتخوني، وإنها هتكلّمني تقولي إنها هتقعد في البيت ومش هتروح الشغل النهارده عشان والدتها تعبانة، بس هي هتروح تقابل عشيقها. وسابلي عنوان في آخر الجواب. طبعًا ما صدقتش.
في اليوم دا كان عندي شغل كتير، وزهرة كانت عارفة، وعارفة كمان إني مش هقدر أسيب المكتب خالص.
حاولت أنسى الجواب دا وماحطّوش في بالي، وقلت أكيد دا ملعوب من بابا، لأن أكيد أحمد عرفه إننا اتجوزنا.
لحد ما التليفون رن!
قلبي وقع في رجلي وأنا بسمعها بتقولي نفس الكلام المكتوب في الجواب.
وبعد ما قفلت معاها فضلت برضو أكذب نفسي، لحد ما جالي حيّة في توب بني آدمين.. جاية بتدور على صاحبتها عندي عشان راحت لها البيت وما لقتهاش.
وطبعًا عرفتوا هي مين؟
كان مراد ينظر إلى سميرة بقرف، والتي لم تكن تشعر بأدنى ذرة ندم لما اقترفته من جُرم.
فتابع مراد بحزن:
ـ طبعًا اتجننت وطلعت أجري، وهي جت ورايا وركبت العربية معايا بدافع القلق على صاحبتها، وأنا عقلي ماكنش فيا، رايح للعنوان اللي في الجواب وأنا بدعي وأقول: يارب ما يكونش دا حقيقي أبدًا.
وفعلًا وصلنا هناك، مثلت عليا أنها متعرفش حاجة اتاريها بتعطّلني عشان أشوف زهرة، اللي لقيتها نازلة من التاكسي ومعاها راجل شكله ماكنش غريب عليا، بس ماكنتش فاكر شفته فين قبل كدا، ولقيتها داخلة معاه عمارة، وعلى مدخل العمارة شُفته بيشيلها. كل ذرة عقل فيا طارت.
ولقيتها جنبي بتقول: هي زهرة لسه بتقابل الواد دا؟
جناني حضر في اللحظة دي.
قولتلها: لو ما قولتيليش مين دا هخلص عليكِ.
قالتلي إن دا واد بيشتغل معاهم في المطعم، وزهرة كانت بتحبه وعلى علاقة بيه، بس هو ماكنش بتاع جواز، ولما ظهرت أنا سابته وارتبطت بيا.
زفر بنبرة يغلبها القهر من فرط ندمه ليهتف بنبرة مُتحشرجة:
ـ بخت سمومها في عقلي زي الحية، وأنا كنت الغبي اللي صدّق. وطلعت أجري على العمارة، وأنا حالف لاقتلها وهقتله. كان باب الشقة مفتوح، لأني أول ما زقيته اتفتح بسهولة. ولما دخلت، سمعت صوت مكتوم في أوضة النوم…
صمت مراد لبرهة وهو يستحضر ذلك المشهد الذي آلم قلبه حينها وأدماه الآن، فكان مشهدًا يحمل من الحقيقة الكثير، لكن ذلك الغضب المميت وتلك السموم التي كانت تجري في شرايينه بدّلا الحقائق وأعمى القلب والعقل معًا.
فتابع بمرارة وأسى:
ـ وشُفتها في حضنه بس الحقيقة إنها ماكنتش في حضنه.
هو كان بيحاول يحضنها غصب عنها، وهي كانت بتحاول تقاومه. لكن أنا ما فهمتش دا، وما حسيتش بنفسي غير وأنا عمال أضرب فيه زي المجنون، وهي كانت عمالة تعيط و تشد فيّا.غيرتي وغضبي صورولي إنها بتدافع عنه.
سيبته، وضربتها بالقلم، وقولت لها: إنتِ أحقر إنسانة شفتها في حياتي. صدمتها مش قادر أنساها لحد دلوقتي.
هبطت دمعة حارة من عينيه وهو يتذكر عتابه لها و استماتتها في الدفاع عن نفسها:
ـ في الوقت دا الحيوان التاني كان هرب. قولتلها إزاي تخونيني بعد ما اتنازلت عن كل حاجة عشانك؟ أنا بعت أهلي والناس كلها واشتريتك إنتِ!
انهارت، وقعدت تحلفلي إنها عمرها عمرها ما عملت كدا، بس أنا ما صدّقتش. وجعتها أوي اليوم دا وسِبتها ومشيت.
كان أصعب إحساس عشته في حياتي. هي كانت كل حاجة بالنسبالي. كنت عايز أبعد عن الناس كلها.
مد يوسف أحد المحارم الورقية إلى مراد ليمحي ذرات ألمه ليُتابع بنبرة مُحترقة:
ـ أحمد أخويا كان له شقة مقفولة مش كتير يعرفوا مكانها. كانت بتاعتنا إحنا الاتنين، بس طبعًا بما إني اتنازلت عن كل حاجة، فبقت بتاعته لوحده. لكن مفتاحها كان لسه روّحت هناك، وقضيت أصعب ليلة في حياتي وأنا بتعذب عذاب ما يتحملهش بشر. لحد ما لقيت جرس الباب بيرن مرة واتنين وتلاتة، ولما فتحت، لقيتها هي في وشي.
كان نفسي أحضنها قوي وبعد كدا أخنقها.
أصعب إحساس في الدنيا على أي راجل هو إحساس الخيانة.
قولتلها: إيه اللي جايبك هنا؟
قالتلي: جايبة كتاب ربنا أحلفلك عليه إني عمري ما خنتك.
اتجننت لما شُفتها جايبة المصحف.
وبمنتهى الجبروت خدته منها وحطيته على الترابيزة قبل ما أهينها ماهي بالنسبالي خاينة يعنى الحلفان على المصحف كذب بالنسبالها شيء عادي:
صمت مراد، وأخذت القطرات تهبط من مقلتيه وهو يتذكر ملامحها التي انطفأت بفعل ذلك الظلم الذي وقع عليها دون أن ترتكب أي خطأ.
وتابع بألم:
ـ عيطت كتير قوي، و سألتني بمنتهى اليأس والوجع:
أعمل إيه عشان تصدّق إني فعلاً مظلومة وعمري ما خنتك؟!
لما قالت الكلمة دي لقيتني بقولها:
أنا هعرف إذا كنتي مظلومة ولا لأ.
وعملت أكبر جريمة في الدنيا ممكن الإنسان يرتكبها في حق بنت…
لم يستطع مراد أن يُكمِل جملته، فقد ألجم الخزي والندم لسانه، فما إن وصل إلى عقولهم ما يرمي إليه حتى انطلقت الشهقات من جوف فاطمة، تلتها روفان التي من هول الصدمة تمسَّكت بيد أخيها أدهم وكأنها ترتعب من مصير مرعب كهذا. فلف أدهم ذراعيه حول كتف أخته يبثها الأمان، والذي كان هو الآخر يشعر بالألم والحزن مما يسمعه، ولكن كان الألم الأكبر من نصيب تلك التي سقطت على الكرسي خلفها وهي تُحرّك رأسها يمينًا ويسارًا فلم تكن تتخيل كل هذا الظلم الذي وقع على والدتها وكأن قدميها لم تستطيعا حملها، ليندفع يوسف تجاهها يجثو على ركبتيه ممسكًا بيدها محاولًا تهدئتها قائلًا بألم من مظهرها المريع:
ـ كاميليا أنتِ كويسة؟
لم تستطع كاميليا الرد عليه، فقط نظرات ضائعة غير مصدقة لما يقع على مسامعها، لينظر مراد إليها قائلًا بندم:
ـ غصب عني يا بنتي والله، سامحيني.. أنا مكنتش في وعيي، أقسم بالله كنت عامل زي المحموم.. مفوقتش غير وأنا شايف بعيني دليل براءتها. حسيت إن الأرض بتدور بيا، طلعت أجري على بره مقدرتش أبصلها بعد جريمتي . أتمنيت الموت في اللحظة دي. كنت عايز أموت نفسي ميت مرة بعد اللي عملته وبعد شكي فيها. مفوقنيش من حالتي دي غير أحمد اللي أول ما دخل من الباب و شافني اتصدم من حالتي و سألني في اية؟
بس مقدرتش أرد عليه.
أدار رأسه إلى الجهة الأخرى وهو يتحدث من بين عباراته الغزيرة:
ـ اتخض وكل اللي كان طالع عليه عملت أية؟ في أي؟ وأنا كأني فقدت النطق. لحد ما سمع صوت حد بيتألم جوا، اتجنن وجه يدخل، منعته وقولتله أن زهرة جوا. وسألني عملت فيها إيه؟ مقدرتش أرد.. كل اللي قولته: أن زهرة بتنزف.. اطلب لها دكتورة. فضل يضرب فيّا لحد ما غِبت عن الوعي. فوقت لقيت نفسي في المستشفى. بعدها لاقيت أحمد داخل عليّا الأوضة وبيقولي من غير مقدمات: يلا عشان تروح تطلّق زهرة. اتجننت واتخانقت معاه وقلتله لازم أشوفها، وفعلاً وافق ووداني عندها. اتصدمت لما شُفتها وشُفت نظرة الكره اللي في عينيها ليا. حاولت أعتذر بس هي مقبلتش وطلبت مني الطلاق، ولما رفضت قالت لي إن الموت عندها أهون من إنها تكمل معايا، وبعد إصرارها وتدهور حالتها وافقت، وجبنا المأذون وطلقتها فعلاً.. بالرغم من إني أستاهل أكتر من كده، بس قلبي مكنش يستاهل. قلبي محبش غيرها. مقدرش يشوف غيرها. أنا حتى اتجوزت ميرفت عشان شبهها. حاولت كتير أرجعها وهي رفضت، ولما هددتها إني هارُدها غيابي حلفت لي إنها هتموت نفسها، وتاني يوم من انتهاء عدتها عرفت إنها اتجوزت وسافرت.
أطلق جأشة مكبوته قبل أن يُتابع بنبرة تقطر وجعًا:
ـ عِشت أسوأ أيام حياتي. أقسم بالله ما كنت بنام من العذاب والقهرة والغيرة. كنت بموت في اليوم ميت مرة كل ما كنت أتخيّل حقارتي معاها. كل ما كنت أتخيل إنها في حضن حد غيري، وكأن عقابي دا كله مكنش كفاية. اتبلّيت بأكبر عقاب في حياتي.
قال جملته الأخيرة وهو ينظر إلى سميرة بحقدٍ وكره، ثم تابع باشمئزاز:
ـ أسوأ ست في الدنيا، دا إن اعتبرناها ست أصلًا. أحقر مخلوق على وجه الأرض. جت واتبلّت عليا ولزقت لي بنت مش بنتي. ضيعت مني أجمل سنين عمري مع الإنسانة الوحيدة اللي حبتها. كانت فاكرة إني ممكن بعد ما كنت بحب واحدة زي زهرة دي أحب واحدة مقرفة زيها.
سميرة بقهر من حديثه الذي أصاب منتصف الهدف:
ـ و هي فيها إيه زيادة عني؟ كلكوا حبيتوها ليه وأنا لا؟ أنا عمري ما حبيتك. أنا كنت طول عمري بحب أحمد. عمري ما فكرت فيك من أساسه. هي اللي باعتني ولعبت عليه وخلته يحبها ويتعلق بيها. هيا اللي واطية وغدارة!
انهالت يد مراد عليها بالصفع وهو يقول بغضب جحيمي:
ـ اخرسي يا حقيرة يا زبالة! زهرة دي أشرف منك ألف مرة.. إنتِ اللي كنتِ رخيصة وسلمتي نفسك ليه، وبعد ما قِرف منك رماكي. طول عمرك زبالة ومقرفة!
كان مراد على وشك خنقها بين يديه، ولكن تدخل كل من يوسف وأدهم في الوقت المناسب لمنعه من اقتراف جرمٍ في حق تلك الخبيثة التي ما إن تخلصت من بين يديه حتى أعماها الحقد والغضب فقالت بصراخ:
ـ مقرفة؟ طب خد عندك بقى. أنا اللي بعتلك الجواب ده على المكتب، وأنا اللي كلمت زهرة وقلت لها إني في مصيبة ولازم تلحقني، وخليتها تقولك إن أمها تعبانة عشان متجيش وما تعرفش إنها عندي، وأنا اللي أجرت الواد اللي شُفته طالع معاها واتفقت معاه يعمل كل ده، وأنا اللي اديتها عنوان شقة أحمد عشان تروح لك وترميها منها زي ما أنا اترميت، وأيوه خنتك، ومش مع واحد بس، ده مع مليون! عشان إنت مش راجل ومكنتش مالي عيني!
كان الأمر بالنسبة لها انتقامًا لأنوثتها المدهوسة تحت أقدامه، لكنها لم تحسب لغضبه الذي كان يكتمه عنها لسنوات. فثار جنونه وخرج عن السيطرة ليطيح بأدهم ويوسف اللذين كانا يمسكان به، وينقض عليها صفعًا وركلًا وهو يسبها بأبشع الألفاظ والشتائم. وكان الجميع ملتفين حوله في محاولة للسيطرة على هذا النمر المتوحش الذي وجد فريسته بعد أعوام ذاق فيها شتى أنواع العذاب والألم.
فكان الفتك بها هو خياره الوحيد، ولم يثنه عن فعلته سوى صوت تلك الرصاصة التي اخترقت مسامعهم جميعًا وهي تخترق سقف الغرفة، ليصدموا من مظهر نيفين التي كانت تمسك السلاح ناظرة إليهم جميعًا بكره وغضب تجلى في نبرتها عندما قالت:
ـ ياااه.. طول عمري كان نفسي أمسك سلاح وأخلص عليكوا كلكوا وأرتاح من قرفكوا.. سبحان الله جتني الفرصة على طبق من دهب.
قالت جملتها الأخيرة بسخرية، فكان يوسف أول من استوعب الصدمة فقال بلهجة حذرة:
ـ نيفين.. هاتي السلاح ده.. وبطّلي جنان.
نيفين بسخرية:
ـ ما تخافش.. أنا هخلص عليهم كلهم عشان نفضى لبعض يا روحي.. هخلص تاري عشان نعيش سوا بعد كده..
كان يوسف في المقدمة، على يمينه أدهم، خلفهم الفتيات وصفية، وعلى يساره مراد، وبجانبه رحيم الذي كان ولأول مرة يرى مدى حقارتها. فبعد أن علم حقيقتها، كان جانب كبير منه يشفق عليها، ولكن الآن أيقن أنها أعظم أخطائه في هذه الحياة، فقال بغضب:
ـ بعد كل اللي عملناهولِك ده، وعايزة تخلصي علينا؟! وبعد ما استغفلتينا سنين إنتِ والكلبة دي عايزة تتخلصي مننا!
نيفين بوقاحة:
ـ رحيم الحسيني أكبر مغفل في التاريخ هو اللي بيتكلم! ما تقولي يا جدي العزيز على قرار واحد صح أخدته في حياتك؟ قولي حاجة حلوة عملتها تقابل بيها ربنا؟ أقولك أنا: مفيش!
أنهت جملتها مطلقةً قهقهة شريرة شامتة، فغضب يوسف وقال بحدة:
ـ نيفين. بطّلي استفزاز ووقاحة، ونزلي الزفت اللي في إيدِك ده. ده مبيتلعَبش بيه.
نيفين بقهر مغلّف بالسخرية:
ـ لا. ما أنا عارفة إنه مش للعب. ما أنا جرّبت ناره قبل كده. بس المرادي إنت اللي هتجرب ناره يا يوسف، عشان تعرف بتوجع قد إيه.
أدهم بمسايسة:
ـ نيفين. اهدِي، متوديش نفسك في داهية. إحنا مش هنتخلى عنك، وهنوفّر لك حياة كريمة بعد ما تخرجي من هنا، فبلاش تضيعي كل حاجة في لحظة طيش.
نيفين باستهزاء:
ـ حياة كريمة! ودي فين الحياة الكريمة دي؟ لما بعد ما كنت نيفين الحسيني اللي الناس كلها بتعملها حساب أبقى حتة بنت مجهولة النسب، اترميت في الشارع؟! فين الحياة الكريمة دي بعد ما خسرت كل حاجة بسبب واحدة زبالة وحقيرة زي دي؟
قالت جملتها الأخيرة بصراخ وهي تنظر إلى كاميليا، التي اندفعت خارجة من بينهم جميعًا وهي تقول بغضب وقوة:
ـ اخرسِ ! وأوعي تجيبي سيرتي على لسانك أبدًا! الزبالة والحقيرة هي إنتِ واللي جابتك من الشارع وعملتك بني آدمه. ظلمتوني و عيشتوني أسوأ أيام حياتي بسبب غلكوا وحقدكوا. سوّدتوا حياتي وحياة أمي قبلي، وكل ده عشان إيه؟ عشان طمعكوا وأنانيتكوا؟
يوسف بغضب وهو يتوجه إليها:
ـ كاميليا! ارجعي هنا!
أوقفه صراخ نيفين وهي تقول:
ـ مكانك! لا.أخلص عليها!
تسمر يوسف في مكانه، وقد بلغ غضبه ذروته، يضاهيه القلق؛ فتلك المجنونة قادرة على فعل أي شيء. ولكن عليه الحفاظ على حياة محبوبته، لذا التزم الصمت عندما وجهت أنظارها إلى كاميليا التي كانت تغلي من الغضب.
فقالت نيفين بحقد:
ـ إنتِ اللي طماعة. كنتِ عايزة تاخدي يوسف مني. كنتِ عايزة تبقي الكل في الكل هنا، عشان أول ما تتمكني ترمينا في الشارع. أوعي تتخيلي إني كنت بصدق وش الملايكة اللي لابساه طول الوقت ده وبتضحكي بيه علينا. عشان كده كنت بعاقبِك بطريقتي. فاكرة ساعة جدو اللي ضاعت ولقّيوها في أوضتك؟ أنا اللي سرقتها وحطيتها في هدومك، وروحت قولتله إني شوفتك وإنتِ بتسرقيها عشان يعاقبك ويحرمِك من الخروج وإنك تروحي تزوري قبر أمك. وفاكرة أدوات الرسم اللي كان يوسف بيجبها لك؟ أنا اللي كنت بسرقها وأولع فيها عشان متعرفيش ترسمي تاني أبدًا. فاكرة العروسة اللي كنتِ بتحبيها؟ أنا اللي خدتها وحطيتها في أوضة جدي عشان عارفة إنك عمرك ما هتتجرأي تدخلي تدوري عليها هناك، وفضلتي يوم كامل تعيطي. وأنا اللي حرقت صورة جدتي وقلت لجدي إنك إنتِ اللي عملتِ كده عشان يمنعِك من الخروج، ووقتها كنت طايرة من الفرح لما شُفته بيضربك بالقلم على وشك قدامنا كلنا.
كانت نيفين تحكي تلك الأحداث المريرة التي اندفعت إلى ذاكرة كاميليا في تلك اللحظة، تحكي مدى معاناتها في ذلك القصر دون أن تقترف أي ذنب سوى أنها يتيمة، وللأسف الشديد أصبح الآن أنبل صفاتنا سبب متاعبنا في هذه الحياة. فصارت القطرات تتساقط كالأمطار فوق خديها من فرط الوجع والألم، الذي كان يشاطرها إياه قلبٌ يحيا بوجودها ويهلك إن هلكت. فقال بحنق ولهجته تحمل من الوعيد أطنانًا:
ـ ورحمة أبويا لهدفعك تمن كل ده غالي قوي..
نيفين بسخرية:
ـ مش هتلحق.. صدّقني.. أنا هنا يا قاتل يا مقتول.
كاميليا بألم قد فاق الحدود، فحتى الموت لم تعد تهابه في تلك اللحظة.
ـ إنتِ إزاي كده؟! إنتِ مش طبيعية، واحدة مريضة. ما عندِكيش ذرة ضمير تخليكِ تشفقي على واحدة يتيمة ما عملتش فيكِ أي حاجة وحشة!
نيفين بحدة:
ـ عملتي! فكّرتي تاخدي اللي مش بتاعِك!
كاميليا بألم:
ـ أنا ما كانش في حاجة بتاعتي أصلًا.
مراد، وقد كان الحزن والندم يأكلانه من الداخل:
ـ حقك عليّا يا بنتي أنا السبب في كل اللي إنتِ فيه ده، وفي كل اللي حصلك واللي حصل لأمك زمان سامحيني.
نيفين بتخابث:
ـ أوعي تصدقيه! ده ممثل شاطر قوي! طب ما أنا كنت بنته، كان عامل إيه أصلًا؟! ما كنتش حاسة بوجوده كان زي قلته!
مراد بغضب:
ـ اخرسِ ! أنا عمري ما حسيت إنك بنتي، وبرغم كده كنت باجي على نفسي وأتعامل معاكِ كويس. بس إنتِ واطية وخسيسة زي اللي لمتك من الشوارع!
نيفين بتهكم:
ـ إنت عندك حق اللي لمتني من الشوارع واطية وخسيسة وغبية كمان! بس أنا بقى مش هخسر زيها، وهآخد حقي منكم كلكم، وأولهم إنتِ!
وجهت أنظارها لكاميليا التي صرخت قائلةً بغضب وقهر:
ـ حق إيه اللي بتتكلمي عنه؟! إنتِ حولتِ حياتي لجحيم! أنا اللي ليا عندِك بدل الحق ألف! إنتِ كرهتيني في حياتي، إنتِ عارفة أنا كام مرة اتمنيت الموت بسببك؟
قالت كاميليا جملتها الأخيرة بألم ووجع لم يرق له قلب نيفين، التي قالت بمنتهى القسوة والجبروت:
ـ وأنا بقى ما بحبش يكون حد له حاجة عندي علشان كده هحققلك أمنيتك!
أنهت حديثها تزامنًا مع انطلاق رصاصة من فوهة سلاحها لتصيب رحيم الحسيني الذي ما إن رأى الشر يرتسم في عينيها حتى اندفع ليتلقى تلك الرصاصة بدلًا عن حفيدته التي لطالما تلقت منه شتى أنواع العذاب واللفظ والتحقير…
لم يفكر لثانية واحدة، بل وجد نفسه يقف أمامها، ناظرًا إلى عينيها برجاءٍ وتوسل كبيرين يرتسمان في نظراته التي لم تهتز حتى عندما اخترقت الرصاصة كتفه الأيسر؛ فقد كان يود لو يتلقى ألف رصاصة كي يكفر عن كل تلك الأخطاء التي اقترفها بحقها. ولأول مرة في حياته يتوسل السماح من أحد.
انهار كل ذلك الجبروت والقوة أمام عينيها التي اتسعت من الصدمة، فقد أغلقت عينيها ما إن تفوهت نيفين بتلك الكلمات التي كانت تعلن نهايتها، لتخترق صوت طلقات الرصاص أذنها، لكنها لم تشعر بأي شيء، وكأن الطلقة توقفت في الهواء. فتحت عينيها مسرعة لتجد عينين لطالما رأت فيهما الكره والغضب والألم، ولكن الصدمة الكبرى كانت تلك النظرات المتوسلة المنكسرة التي كان يطالعها بها.
للحظة لم تُدرِك ما حدث، وكأن الزمن توقف. لحظة حوت الكثير من مشاعر الندم والألم والانكسار. قطعتها صدى الهمهمات حولهم والأصوات التي لشدة صدمتها لم تستطع فهم محتواها، لكن تلك الدماء التي اندفعت من كتفه، وتلك الكلمات العميقة والنبرة المنكسرة في صوته عندما قال بألم:
ـ سامحيني يا بنتي.
ظلت كاميليا تنظر إليه بضياع، ودموعها تتساقط وكأنها في سباق مع دمه النازف بشدة من كتفه. أخذت تنقل نظراتها بين جرحه وبين عينيه التي كانت تتوسلان إليها، غير قادرة على التفوه بحرف، وكأنها فقدت النطق.
لكن صوت يوسف الغاضب أخرجها من حالة الصدمة عندما صرخ:
ـ أمسك المجنونة دي يا مازن! ما تسبهاش!
كان مازن قد وصل قبل لحظات قليلة من إطلاق النار، ليقوم على الفور بإمساك يد نيفين الممسكة بالسلاح، وهي تتلوى بين يديه، بينما التف جميعهم حول رحيم الذي امتدت يداه تمسك بكفّ كاميليا وهو يقول بلهجة تقطر ندمًا وحزنًا:
ـ أنا عارف إني ما استاهلش تسامحيني، ولا حتى تبصي في وشي،
بس أنا طمعان في كرمك وطيبة قلبك اللي كنت أعمى عنها طول الفترة اللي فاتت دي.
كانت كاميليا تناظره بعيون تتساقط منها الدموع كالأنهار، تشعر بعجزها أمامه؛ فمظهر عينيه المتألمتين، وجرحه النازف، وارتعاش كفيه من شدة الألم. كل ذلك جعلها تشعر بالشفقة عليه. خاصةً أن هذا الرجل بكل جبروته يقف أمام الجميع يطلب منها أن تسامحه بعد أن أنقذ حياتها، فهل تتفوه بعبارات السماح التي لم تصل لقلبها؟ أم تتجبر هي الأخرى مثلما كان يفعل معها؟
ولكن للحق... هي لم تستطع فعلها، فقد كانت حائرة ليأتيها صوت يوسف وهو يقول بنبرة قاطعة:
ـ مش وقت الكلام ده يا جدي! إنت نزفت كتير وده غلط عليك لازم نروح المستشفى.
قاطعه رحيم بصوت واهن:
ـ مش فارق لي حاجة يا يوسف مش هعيش أكتر من اللي عشته أنا كل اللي عايزه أحس إن كاميليا فعلًا سامحتني كفاية ذنب أمها اللي هموت بيه، مش هقدر على ذنبين.
آلمتها كلماته كثيرًا، وتضرعه بتلك الطريقة المنافية تمامًا لهيبته وجبروته، فوجدت نفسها تقول بصدق:
ـ إنت أنقذت حياتي، وأنا عمري ما هنسالك أبدًا حاجة زي دي.
ابتسامة واهنة ارتسمت على شفتيه، وقد تمكن الإعياء منه كثيرًا، فقال بامتنان:
ـ وأنا مش عايز أكتر من كده بداية جديدة معاكِ وبتمنى من ربنا يديني العمر وأقدر أصلح اللي عملته زمان.
كانت كلماته المتقطعة تلك آخر ما تفوه به قبل أن يتمكن الوهن والتعب منه، ليسقط بين يدي يوسف الذي التقطه بلهفة وهو يقول بألم:
ـ جدي.
انطلقت الصرخات من حولهما رعبًا من خسارته؛ فقد كان دائمًا برغم قوته وجبروته بمثابة الأب والحامي لهم جميعًا، وبرغم كل أخطائه، إلا أن له مكانة كبيرة في قلوبهم.
كان الجميع يقف أمام غرفة الطوارئ بالمشفى بعد إدخال رحيم لإسعافه، وإخراج الرصاصة من كتفه، وإمداد جسده بالمغذيات التي يحتاجها بعد أن فقد الكثير من الدماء. وكانوا جميعًا بانتظار الاطمئنان على حالته. وكان الصمت سيد الموقف إلى أن لحقهم مازن مهرولًا نحو يوسف قائلًا:
ـ للأسف. سميرة هربت!
نظر يوسف إلى مراد نظرة ذات مغزى، وهز رأسه قائلًا بهدوء:
ـ ده شيء متوقع. عملت إيه مع نيفين؟
ـ كل شيء تمام، ما تقلقش!
تقدمت صفية من يوسف قائلة:
ـ ممكن تفهّمنا بقى حصل إزاي كل ده؟ وإزاي عرفت الحاجات دي كلها؟ وإزاي مراد طلع عايش؟ أظن من حقنا نفهم!
يوسف بتعب:
ـ نطمن على جدي، وهفهمك اللي إنتِ عايزاه.
صفية بتصميم:
ـ دلوقتي يا يوسف! مش هستنى لحظة واحدة بعد كده!
يوسف بنفاد صبر:
ـ هحكيلك!
*************
كانت فاطمة تجلس أمام تلك النائمة بهدوء، تتأملها وما فعل الزمان بشبابها وجمالها؛ فقد أخذ منها الكثير والكثير، فقد سلبها وهج الحياة الذي كان دائمًا ينبعث من عينيها الجميلتين، وتلك الروح المرحة التي كانت تتحلى بها. لم يُصِب العجز وجهها، بل أصاب روحها، وهذا أقسى.
فهي منذ اليوم الذي جلبها علي لهذا القصر تستيقظ دائمًا على كوابيس وصراخ، فمن حسن الحظ أن غرفتها تقع في الجزء المنعزل قليلًا داخل القصر، وذلك كان طلبها لرغبتها في الهدوء، فلو كان هذا غير موجود لسمع جميع من في القصر صراخ ناهد كل ليلة، والتي حتى عندما رأتها البارحة لم تُصدّق بأنها فاطمة ابنة عمتها، وصارت تهذي ثم نامت كالعادة.
اقتربت فاطمة منها وقامت بالربت على كتفها، ومرّرت يدها فوق ملامح وجهها بحنان وهي تناديها بنبرة رقيقة، لتفتح الأخرى عينيها ببطء، فابتسمت فاطمة ابتسامة هادئة وهي تقول:
ـ صح النوم يا هنون.
قطبت ناهد جبينها وقالت بعدم تصديق:
ـ فاطمة؟ إنتِ هنا صح؟ محدش كان بيقولي هنون دي غيرك.
فاطمة بحنان:
ـ أيوه يا حبيبتي، أنا هنا جنبك وماسكة إيدِك أهو.
اعتدلت ناهد في نومها، فساعدتها فاطمة حتى جلست، ثم قامت ناهد بتمرير يدها فوق ملامح فاطمة بيد مرتعشة وهي غير مصدّقة أنها وجدت أحدًا يخصها من عائلتها. ومن ثم تساقطت العبرات من مقلتيها، وألقت بنفسها داخل أحضان فاطمة، التي هطلت دمعاتها هي الأخرى تأثرًا بموقف ناهد، التي قالت وهي تحتضنها:
ـ أنا مش مصدقة نفسي إني شايفاكي قدامي أنا قولت خلاص مش هشوف حد من أهلي تاني.
فاطمة بتأثر:
ـ اهدي يا حبيبتي. أنا اللي مش مصدقة إنك قدامي، خصوصًا بعد ما جوزِك بعت وقالنا إنك موتِ!
تصلب جسد ناهد، وقامت ترجع للخلف، ونظرت باندهاش إلى فاطمة وهي تقول:
ـ إيه؟! جوزي قالكوا إني موت؟
فاطمة بتأكيد:
ـ أيوه. بعتلنا إنك عملتي حادثة وموتي، ومن وقتها ما سمعناش حاجة خالص عنك.
قطبت ناهد جبينها، وما إن أوشكت على الرد حتى دخل علي الذي قال بمزاح:
ـ أخيرًا الجمال النائم استيقظ؟
نظرت إليه ناهد وقالت بترقب:
ـ إنت مين؟
فاطمة باعتزاز:
ـ ده علي. ابني.
تذكرته ناهد وقالت بإندهاش:
ـ ابنك!؟ إيه ده؟ مش إنت صاحب رائد اللي جيتلي البيت و… أنت اللي ضربتني على دماغي وأنا في المطبخ بجيبلك المية.
قالت الأخيرة بجفاء فصُدمت فاطمة من حديثها وقالت بغضب ناظرة لعلي:
ـ نهارك مش فايت يا واد يا علي! إنت ضربت خالتك على دماغها يا زفت أنت؟
علي بتذمر:
ـ إيه يا طمطم؟ في إيه؟ ما كنت بنقذها. كنت أسيبهم يخطفوها يعني؟
فاطمة باندهاش:
ـ يا لهوي! مين دول اللي كانوا عايزين يخطفوها؟
ناهد بخوف:
ـ يخطفوني! هما مين دول؟
علي بنبرة ذات مغزى:
ـ لا. مين دي أنتِ اللي هتقولي عليها.
ناهد بخوف واستفهام:
ـ إنت فعلًا صاحب رائد. ابني؟
علي بهدوء:
ـ مش هكذب عليكِ. رائد عمره ما كان صاحبي. أنا تقريبًا شفته يمكن مرتين تلاتة.
ناهد بنبرة مرتجفة:
ـ طب ليه قولتلي إنك صاحبه لما جيت الشقة؟
رأى علي خوفها فأراد طمأنتها:
ـ لو سمحتي تهدي. أنا عمري ما هأذيكي ولا هأذيه. أنا بس كنت بجمع شوية معلومات عنه، والصدفة رمتِك في طريقي. أو خلينا نقول القدر لعب لعبته.
ناهد بشك:
ـ وبتجمع معلومات عنه ليه؟
علي بهدوء:
ـ هجاوبك لما تقوليلي. ليه رائد طلع يجري من البيت وهو بالحالة دي؟
ناهد بحزن:
ـ رائد. ابني دايمًا ضحية لكل اللي حواليه. وآخرهم كان أنا.
علي محاولًا جرها للحديث:
ـ إزاي ضحية وهو ضاحك على كل اللي حواليه ومفهمهم إنه يتيم ومخبي وجودك عن الناس كلها؟
ناهد بدفاع:
ـ عشان هو عاش فعلًا يتيم! أنا كنت في غيبوبة، وأبوه اتوفى وهو صغير.
ألقت ناهد نظرة ذات مغزى على فاطمة، التي فهمتها، ونظرت إلى علي الذي لاحظ تبادل الأنظار، فقالت فاطمة بهدوء:
ـ بقولك إيه يا علي. سيب خالتك ترتاح شوية.
علي برفض:
ـ أنا فعلا هعتبرك خالتي زي ما قولتي، وعشان كده هتكلم معاكِ بصراحة. ابنك بيشتغل في شركة الحسيني معرفش تعرفيها ولا لأ، والمفروض إنه صديق صاحب الشركة دي. بس للأسف، أنا من خلال مراقبتي له قدرت أعرف إنه السبب في إن الشركة على وشك الإفلاس، وإن له أسهم بنسبة كبيرة في الشركة المنافسة ليهم. زائد إن في علامات استفهام كبيرة حواليه في حاجات تانية، فلو عايزة تساعديه، تجاوبي على أسئلتي.
وقعت كلمات علي على مسامع ناهد، فجعلت قلبها يرتجف رعبًا على ولدها فقالت بلهفة وخوف:
ـ اسمعني يا علي. والله رائد مش وحش! كله من راغب الكلب ده هو اللي مفهمه إن له تار مع عيلة الحسيني، وإن هما اللي قتلوا أبوه، ومفهمه إني كنت بخون أبوه مع عامر الحسيني! ومسمم أفكاره! وهو مش راضي يديني فرصة أحكيله، علشان كده خرج يجري يوم ما أنت جيتلي. والله ابني مظلوم! راغب ده السبب في كل المشاكل والكوارث اللي حصلت لي في حياتي!
تنبهت جميع حواس علي لحديثها، فقال باستفهام:
ـ إيه؟ طب وعيلة الحسيني هيقتلوا أبوه ليه؟ لا. أنتِ لازم تفهميني كل حاجة. ده الموضوع شكله كبير!
ناهد بألم:
ـ الشيطان ده عايز يدمر ابني زي ما دمرني زمان. وحرمني من فرحتي بحياتي مع جوزي وحبيبي.
علي باستفهام:
ـ جوزِك وحبيبِك ده اللي هو أخوه، صح؟
ناهد بنفي:
ـ لأ. جوزي الأولاني. أبو رائد.
علي:
ـ اللي هو مين؟
ناهد بحزن:
ـ اللي هو… عامر الحسيني!
رواية عشق بين حنايا الروح الفصل الرابع 4 - بقلم نورهان العشري
نظر يوسف بتعب إلى والدته، ثم انتقلت نظراته إلى كاميليا التي كانت تجلس على الكرسي بجانبها. كانت حالتها سيئة بالقدر الذي جعل قلبه يرق كثيرًا عند رؤيتها بتلك الحال، لكنه يجب أن يُصحّح الأوضاع جميعها ويكشف كل الأسرار التي كانت تؤرقه كثيرًا في الفترة الماضية وتُعكّر صفو حياتهم.
أجاب والدته قائلًا:
ـ هحكيلِك. يوم حادثة عمي مراد لما الدكتور طلب منا نقل دم، روحت أنا وكاميليا، وأخذوا مني كمية وطلبوا تاني بعدها.
صفية بتذكر:
ـ أيوه فعلاً، جات الممرضة هنا وطلبت من نيفين إنها تيجي هي كمان عشان تتبرع، ونيفين داخت وقتها وأخدوها للدكتور يطمنوا عليها.
يوسف بهدوء:
ـ بالظبط، وأحنا راجعين أنا وكاميليا بعد ما اتبرعت هي كمان بالدم، الدكتور نادى عليا، سبت كاميليا وروحت له.
***
الطبيب باحترام:
ـ اتفضل يا يوسف بيه.
يوسف باستفهام:
ـ خير يا دكتور؟
ـ كنت عايز أتكلم معاك في موضوع مهم.
ـ اتفضل.
ـ الآنسة نيفين للأسف ما تقدرش تنقل دم لمراد بيه.
يوسف بلامبالاة:
ـ طب تمام، مفيش مشكلة، أنا هانقله أنا وكاميليا مراتي. كلنا فصيلتنا واحدة.
الطبيب بإحراج:
ـ بصراحة مش هو ده اللي كنت عايز أقوله لحضرتك. دي مقدمة لحاجات تانية!
قطّب يوسف جبينه وقال باستفهام:
ـ حاجات زي إيه؟
ـ زي مثلًا السبب إنها مش هتقدر تنقل له دم.
يوسف بتهكم:
ـ و إيه السبب اللي يمنعها تتبرع لأبوها بالدم؟
ـ الآنسة نيفين عندها السكر.
يوسف بصدمة:
ـ سُكر؟! إزاي الكلام ده؟ احنا مفيش حد عندنا في العيلة كلها عنده السكر أبدًا.
الطبيب بعملية:
ـ مش شرط إن السكر يكون وراثي، أحيانًا بيكون نتيجة زعل شديد أو فرح شديد، أو نتيجة مرض تاني.
يوسف بنفاد صبر:
ـ مش فاهم تقصد إيه يا دكتور؟ ياريت تتكلم بوضوح أكتر من كده.
الطبيب بتوتر:
ـ الآنسة نيفين عندها مرض وراثي اسمه التليف الكيسي. وده مرض تقدمي بيصيب الرئتين وممكن يسبب مضاعفات، وكمان بيزود فرصة الإصابة بمرض السكري. هو طبعًا مش السبب الأساسي، لكن بيكون عامل مساعد.
يوسف باستفهام:
ـ طب وده فيه خطر على حياتها؟
الطبيب بنفي:
ـ لا مش للدرجة. بس الفكرة إن التليف الكيسي ده مرض وراثي بيصيب الطفل لو كان الأب أو الأم حاملين لنفس الجين المعيب، وفي الحالة دي الطفل بيكون حامل للجين بس، إنما ما تظهرش عليه أعراض. لكن لو ظهرت عليه أعراض، ده معناه إن الأب والأم حاملين لنفس الجين ويؤسفني أقولك إن مراد بيه غير حامل للجين ده.
يوسف بعدم فهم:
ـ إنت لخبطتني يا دكتور إنت عايز تقول إيه؟
الطبيب بتأكيد:
ـ عايز أقول إن نيفين ظهر عليها أعراض المرض ده، وعمل لها التهابات في الرئة، وكان عامل كبير إنها يجيلها السكر، وده معناه إن مراد بيه ووالدة نيفين المفروض يكونوا حاملين لنفس الجين عشان تظهر عليها الأعراض، ومراد بيه غير حامل للجين ده.
هب يوسف من مكانه وقد وصله ما يرمي إليه الطبيب، فقال بجزع:
ـ إنت تقصد…
قاطعه الطبيب قائلًا:
ـ بالظبط. نيفين مش بنت مراد بيه!
يوسف بغضب:
ـ دكتور! إنت واعي للي إنت بتقوله؟
الطبيب بهدوء:
ـ أنا واعي كويس قوي وعارف أنا بقول إيه.
يوسف بشك:
ـ وأتأكد إزاي من كلامك ده؟
ـ هنفترض إن كلامي معاك بنسبة ٩٩٪… وعشان الواحد في الميه ده، أنا بقول نعمل تحليل DNA، و وقتها تتأكد.
يوسف بتصميم:
ـ تمام اعمله. نتيجته بتظهر بعد قد إيه؟
ـ في خلال ٣ أيام.
يوسف بحدة:
ـ قبل كده. لازم تظهر قبل كده! والحقيقة لازم تبان. عشان لو الكلام ده صح. يا ويلهم مني!
الطبيب بتفهم:
ـ أنا هحاول أعمل كل جهدي وأجبلك النتيجة في أقرب وقت. أحنا أخدت عينة منها وإن شاء الله مش هطول عليك.
***
يوسف بتعب:
ـ وفعلًا الدكتور عمل الاختبار وطلعت مش بنت عمي مراد. و أنا كان لازم أتأكد إذا كانت نيفين تعرف ده ولا لا.. عشان كده طلبت منك إنتِ وروفان تعملوا تمثيلية على سميرة بأن نيفين كشفت لي مخططها مع كاميليا، ولما كانت نيفين عندي في المكتب، عرفتها إن مراد هيموت وإنها لازم تساعدني أكشف اللي عمل فيه كده، وفي الوقت اللي كانت عندي فيه، كان مازن دخل الفيلا وقدر يزرع كاميرا مراقبة في أوضة نيفين. لأني كنت واثق إن بعد ما سميرة تسمع الكلام بتاعك إنتِ وروفان هتواجه بيه نيفين، والباقي انتوا سمعتوه وشفتوه.
كانت الدهشة والصمت يخيمان على الجميع، فما حدث وما وقع على مسامعهم ليس بالهين أبدًا. ما زالت العقول عاجزة عن الاستيعاب، والقلوب تشعر بالحزن والألم لما وقع من ظلم على زهرة وابنتها التي كانت تنظر أمامها بعينين تقطران ألمًا. فما حدث مع والدتها سابقًا أكبر من قدرة احتمال البشر. كل ذلك الألم الذي كانت تشعر به لا شيء بجانب المعاناة التي عاشتها والدتها.
تنبهت كاميليا لاقتراب مراد منها، الذي كان فؤاده ينزف ألمًا على حال ابنته وعلى ما حدث معها، وعلى ما سمعته أيضًا عمّا حدث مع والدتها. لم يكن هينًا، فظل يبحث داخل نفسه عن أي كلمات قد يستطيع بها مواساتها فلم يجد، ولا يعرف كيف يطلب منها السماح، فجرمه أكبر من أن يستطيع قلبه احتواءه، فلم يستطع سوى أن يقول بنبرة مكسورة حزينة:
ـ أنا عارف إن كل اعتذارات الدنيا مش هتكفي وجعِك دلوقتي. بس أنا طمعان في قلبك الطيب الحنين إنه يسامحني.
تنهدت كاميليا قبل أن تُطلق ضحكة باهتة ساخرة، ثم قالت بنبرة متحكمة حزينة:
ـ أسامحك؟! ويا ترى عايزني أسامحك على إيه؟! أسامحك على العذاب اللي سببته لأمي من يوم ما عرفتها؟ ولا على اغتـ…
لم يستطع لسانها نطق تلك الكلمة أبدًا، فانهمرت الدموع من عينيها وقالت بنبرة متألمة:
ـ أسامحك إنك سبتها تتعذب بسببهم لحد ما ماتت، وسابتني ليهم يسمموا حياتي وإنت واقف تتفرج.
قالت كلماتها الأخيرة صارخة وهي تهبّ واقفة، وقد فقدت كل ذرة تعقّل لديها. تكالبت عليها كل أوجاعها، ولم يعد في قلبها متسع لاحتمال المزيد. فهبّ مراد هو الآخر ليرد عليها، فقاطعه يوسف قائلًا بخشونة:
ـ اهدي يا كاميليا، ووطي صوتك. عمو مراد مكنش يعرف أي حاجة من دي!
تدخلت صفية لتهدئة الوضع، فربتت على كتف كاميليا بحنان وهي تقول:
ـ اهدي يا بنتي. وصلي على النبي هو معقول يعني هيبقى عارف ويسيبهم يعملوا فيكِ كده؟
تدخلت روفان بإندفاع قائلة:
ـ كاميليا من حقها تفهم يا ماما، وإحنا كمان. منين كاميليا بنته وهو ما يعرفش؟! ومنين قالولنا إنه مات وطلع عايش؟! بصراحة أي حد مكانها له حق يتجنن..
نظرة واحدة من يوسف أخرستها، فزاد غضب كاميليا التي قالت بحدة:
ـ إيه؟! زعلان قوي إنها بتدافع عني؟!
يوسف بصرامة:
ـ صوتِك ما يعلاش، وتسكتي لحد ما تعرفي حصل إيه؟
آلمتها نبرته في الحديث معها وظهر ذلك على ملامح وجهها، فغضب يوسف من نفسه ومن حدته معها، وعاتبه قلبه بشدة. لكن الموقف كان على صفيحٍ ساخن، وأخطاؤها الكثيرة كانت لا تزال أمام عينيه، فلم يتجاوز غضبه منها بعد. لذا قال بلهجة حادة بعض الشيء:
ـ عمي مراد ما كانش في غيبوبة زي ما إنتوا كنتوا فاكرين. عمي مراد فاق بعدها بتلات أيام، وطلب يشوفني، وحكالي بعدها عن اللي حصل من سميرة وإن نيفين هي اللي كشفتها.
مراد بحزن مرير:
ـ كنت مفكر أنها بنتي و قلبها عليا اتاريها بتخطط عشان تتخلص من سميرة.
تابع يوسف سرد ما حدث من أحداث حين قال:
ـ في الوقت دا أنا كنت عارف إن نيفين مش بنته، وقلتله اللي حصل منها مع كاميليا، وهو وقتها ربط الأحداث ببعضها، وحكالي عن موضوعه مع طنط زهرة، وطلب مني نعمل لكاميليا تحليل DNA لأنه شبه متأكد إنها بنته.
كان يطالعها وهو يقول جملته الأخيرة ولكنها تجاوزت نظراته و التفتت للجهة الأخرى ليستطرد قائلًا بخشونة:
ـ ولما طلعت نتيجة التحليل واتأكدنا إنها بنته، كنت وقتها عرفت إن نيفين عارفة حقيقتها، و فهمته كل حاجة، وعملنا عليكوا الفيلم دا عشان نكشفهم، وكمان لأن عشيق سميرة كان بعت حد حاول يقتل عمو مراد، ودا كنا متوقعينه، وكان لازم ننيمهم ونحسسهم إنهم نجحوا في اللي بيعملوه عشان نعرف نعاقبهم كويس.
صفية باستنكار:
ـ طب ما هي سميرة هربت، هتعاقبوها إزاي؟
تدخل أدهم بنفاد صبر:
ـ دا شغلنا يا ماما. المهم دلوقتي إن كاميليا حقها رجعلها، وعرفت إنها مش لوحدها، وإن حواليها عيلة بتحبها، وليها أب كمان مستعد يضحي بحياته عشان خاطرها.
قال أدهم جملته الأخيرة وهو ينظر إلى كاميليا نظرة ذات مغزى، فنظرت إليه بتهكم وقالت بنبرة حزينة:
ـ كاميليا أبوها وأمها ماتوا من سنين. دا اللي أنا أعرفه واللي مش عايزة أعرف غيره.
مراد بقهر:
ـ لا أبوكي عايش، ما ماتش. بعترف إني غلطت، بس كنت ضحية للُعبة قذرة اتعملت عليّا، وإلا كان زمانا متجوزين أنا وزهرة وعايشين مع بعض زي الناس كلها. لو كنت أعرف إنها حامل عمري ما كنت طلقتها بس أحمد الله يرحمه كان أناني، واحتفظ بيكِ وبزهرة ليه لوحده.
كاميليا بانفعال:
ـ كلكوا أنانيين مش هو بس. كلكوا مستعدين تدوسوا حتى على اللي بتحبوهم، وما بيفرقش معاكوا حد! كلكوا ولاد رحيم الحسيني، وشاربين قسوته، لا بترحموا حي ولا ميت. أنا مش عايزاكوا ولا عايزة أكون منكوا. انتوا معدومين القلب والإحساس. أنا بكرهكوا.
كانت كاميليا تتحدث بانفعالٍ وقهر جعل الدموع تندفع من مقلتيها بغزارة، وكانت عيناها تتنقل بين مراد وأدهم ويوسف الذي سرعان ما امتدت يداه تطوقانها بحنو، فصارت تبكي بحرقة بين أحضانه. نظر إليها مراد بألم، وصفية وروفان بشفقة، فتحدث أدهم إلى مراد بلهجة خفيضة بعد أن أمسك برسغه وتحركا معًا عدة خطوات:
ـ معلش يا عمو مراد. اللي هي عرفته النهارده ما كانش سهل. اعذرها واديها وقتها.
هز مراد رأسه بقلة حيلة، فاقتربت منه روفان تمسك بيده بحنان، فقال أدهم:
ـ ماما. روحي إنتِ وروفان مع عمو مراد، وأنا هطمنكوا لو في جديد. وخليها هي مع يوسف.
صفية بانصياع لحديث أدهم:
ـ ماشي يا أدهم. طمنونا يا ابني لو في جديد. يلا يا روفان يلا يا مراد.
ذهب الجميع وخلفهم أدهم، وتركوا كاميليا التي ما زالت ترتجف بفعل البكاء بين أحضان يوسف الذي كان يمرر يده فوق شعرها لحنان، محاولًا تهدئتها وهو يقول بحنان:
ـ هششش. أنا جنبِك، اهدي.
ظلت على هذه الحال لعدة دقائق تبكي ضعفها ومعاناتها وصدمتها وماضي والدتها المؤلم، وأخذت جميع المواقف تُعرض أمام عينيها حتى ذلك اليوم بالمشفى. وما إن تذكرت فعلته معها وتخليه عنها بتلك الصورة المُهينة حتى ثار جنونها، وقامت بدفعه بحدّة أصابته بالذهول، خاصة وهي تقول بغضب:
ـ إنت مش قلت إنك هتطلّقني! بتحضني كده ليه؟ أوعى تفكر تلمسني تاني!
لُوهلة صُدِم يوسف من تحولها المفاجئ، لكن سرعان ما تدارك صدمته عندما نطقت بتلك الكلمات التي ذكرته بأخطائها العديدة، لذا قال بغضب وحدّة:
ـ صوتك ما يعلاش وإنتي بتكلميني. عايزة تطلقي؟ حاضر من عنيا. مضايقة أوي إني خدتك في حضني؟ حقك عليا، ها، يا ترى ليكِ طلبات تانية؟ ولا كده خلاص؟
صمت لثوان قبل أن يُقرر السخرية من أفعالها الحمقاء التي تقف سدًا منيعًا بينهم:
ـ ولا أقولك! ابقي اكتبيهم لي في جواب هما كمان أصلك بتحبي الجوابات أوي!
نزل حديثه كالصاعقة على مسامعها، فارتعشت شفتاها وزاغت نظراتها، وعلا تنفسها من مغزى كلماته، فلم تستطع الحديث إثر لهجته الحادة وهو يوجه أوامره لأدهم القادم من خلفها:
ـ روح وصلها البيت،
وقابلني عالشركة، و ابقي هاتلها مصاصة تتلهي فيها لحد ما أجيب لها المأذون وأنا جاي، ما هي الهانم ما بقاش على لسانها إلا الطلاق!
ـ ماذا؟ هل سخر منها للتو؟ بعد كل ما حدث وما تعرضت له من ضغوطات وأزمات؟ يسخر منها بهذه الطريقة بدل أن يراضيها و يخبرها إنها أغلى شيء في هذه الحياة!
هكذا كانت تظن أنه سيفعل، لكن رد فعله كان أكثر من صادم ومهين بالنسبة لها، أو هكذا صوره لها غضبها الجامح، ولكنه لم يمهلها فرصة للحديث، بل توجه إلى غرفة جده صافقًا الباب خلفه.
نظرت إليه بقلبٍ ينفطر ألمًا، فاقترب منها أدهم قائلاً بنفاد صبر:
ـ أنا بقول نخلع، عشان إحنا فاضلنا تكة ونقابل الوحش، وأنتِ بصراحة دوستي جامد يا كاميليا. ما تتكيش على صبره قوي كده. يوسف عمره ما صبر على حد قدك معرفش إنتِ إزاي مش عارفة تتعاملي معاه لحد دلوقتي؟
كاميليا بغضب وانفعال:
ـ أنا برضو اللي مش عارفة أتعامل معاه؟!
أدهم بهدوء:
ـ بلاش غضبك يسيطر عليكِ. يوسف عمل كل اللي عمله دا عشان يجيب حقك، ويكسرهم كلهم قدامك. إنتِ ما تعرفيش عمل إيه مع نيفين وإنتِ في المستشفى وسيادتك أول ما فتحتي عنيكي طلبتي الطلاق!
نظرت كاميليا إلى الأرض وقد شعرت بأنه على حق، فما همت أن تتحدث حتى قال أدهم:
ـ تعالي نتكلم في العربية وإحنا مروحين، عشان لو خرج ولقانا لسه هنا هيطلع غضبه عليا، وأنا غلبان وعايز أفرح بشبابي، وما إن لاح شبح ابتسامة فوق شفتيها حتى قال أدهم وهو في طريقه للخارج وهي بجانبه:
ـ اه بالله عليكِ فُكيها كده وافردي بوزِك دا، أبو كآبة أهلك يا شيخة دا إنتوا عيلة نكد!
ضحكة خافتة غافلت ذلك جوف الوجع الكامن بداخلها، واستقلت السيارة بجانبه وهي تفكر في حديثه، وبعد دقائق من التفكير المرهق تحدثت بحزن قائلة:
ـ هو أنا طلبت الطلاق ليه؟ ما هو عشانه، عشان محدش يعايره بيا ولا يقوله كلمة وحشة بسببي. دا جزائي يعني؟
أدهم بحنق:
ـ آه، جزائكِ. عشان هو ما طلبش منك دا. بأي حق تقرري عنه؟! هو واحد بيحبك وغاوي تعب يا ستي. بتحلقي عليه ليه؟ سيبيه ياخد قراره بنفسه. هو مش عيل صغير، دا شحط طوله مترين! إنتِ اللي بتاخدي القرارات عنه دي حاجة تغيظ والله!
كاميليا بانفعال:
ـ أنا بردو! أمال هو بيعمل إيه! دا بيتحكم في الهوا اللي بتنفسه!
أدهم بتهكم:
ـ تصدقي فعلاً هو غلطان، وبعدين ما هو كل ما يسيبك بتبوظي الدنيا، وكل ما تتزنقي تسبيله جواب وتمشي! إيه حكاية الجوابات في عيلتكوا أنا عايز أفهم!
كاميليا بتوتر:
ـ أعمل إيه؟! ما أنا بخاف أواجهه. إنت بتشوفه بيكون عامل إزاي في غضبه!
أدهم بسخرية:
ـ آ إنتِ هتقوليلي على غضبه! سيادتِك تحضري الوحش، وإحنا اللي نلبسه! وما أقولكيش آخر فسادة ليكِ عمل فينا إيه؟ وهديناه إزاي!
كاميليا بحزن:
ـ والله يا أدهم ما أقصد أنا بحبه أوي، ومقدرش أعيش من غيره، ودا أكتر سبب بيخليني أتصرف بغباء.
أدهم باستنكار:
ـ وعشان بتحبيه بمناسبة ومن غير مناسبة بتطلبي الطلاق؟! يا كاميليا ما ينفعش كده! إنتِ لو حطيتي نفسك مكانه، وكل حاجة يقولك: هطلّقك هتزعلي، وتحسي إنه بايعك صح ولا أنا غلطان؟
كاميليا بإذعان:
ـ صح بس.
قاطعها أدهم قائلاً بحزم:
ـ ما بسش يا كاميليا. أنا مقدر ظروفك واللي إنتِ فيه ومريتي بيه. بس لو بتحبي يوسف صح صلحي غلطك معاه، وخليه يحس إنك جديرة بيه فعلاً وإنك مش عيلة صغيرة أي حد يقولها كلمتين تجري تعيط. يوسف فعلاً جايب آخره.
كاميليا بحزن:
ـ عندك حق.
كانت كارما تنظر إلى ساعتها بغضب، فهي تجلس منذ نصف ساعة تنتظر وصوله على أحر من الجمر، وها هو يتأخر عليها كل هذا الوقت بعد أن تركها لمدة عشرة أيام متواصلة دون خبر. يأتي الآن ويتركها تنتظر دون أي احترام لمشاعرها، وما أن همت بالمغادرة حتى فوجئت بذلك الطبيب الذي أتى يجلس أمامها دون استئذان، فنظرت إليه باشمئزاز وغضب ثم قالت بحدة:
ـ إيه قلة الذوق دي؟ أنا أذنتلك لك تقعد؟
نظر إليها رامي بتوتر وقال بندم:
ـ أنا آسف يا آنسة كارما، بس في كلمتين لازم أقولهم لك وهامشي على طول.. مش هاخد من وقتك كتير.
كارما بامتعاض:
ـ بسرعة لو سمحت عشان ماعنديش وقت..
تحمحم رامي وقال بهدوء:
ـ حاضر. أولًا عايز أعتذر لك وأعتذر لوالدتك ولغرام عالغلط الكبير اللي غلطته في حقها.. أنا والله ماكنتش أقصد بس الزفت اللي اسمه أدهم ده استفزني أوي وو
قاطعته كارما بغضب وقالت بحدة:
ـ أنا مش عايزة مبررات سخيفة مش هقبلها. أدهم مقلكش تغلط في ناس ماشُفناش منهم حاجة وحشة.
رامي بغضب:
ـ مقاليش بس استفزّني. أصلًا وجوده حواليها من البداية مستفزني، وكمان كرامتي وجعتني بعد ما غرام فسخت خطوبتما بالطريقة دي.
نظرت إليه كارما بسخرية ثم قالت:
ـ البداية؟ تعال نرجع للبداية كده.. انت كنت من الأول عارف إن أدهم وغرام بينهم حاجة ومع ذلك اتقدمت لها، وبرضه لما خطبتها حسيت إنها مش ميالة ليك وكنت عايز تستمر معاها، يبقى ماتجيش تقول كرامتي! عشان محدش داس على كرامتك غيرك لما قبلت تبقى طرف تالت في العلاقة.
أصابت كارما عمق الحقيقة، فشعر بالخجل من الموقف الذي أقحم نفسه فيه ومن تلك المنافسة الغبية التي لم تضف إليه بل أخذت من كرامته. لكن جاء حديث كارما التالي كالقلم الذي تلقاه ليعيده إلى صوابه:
ـ كلنا بنغلط يا دكتور رامي، وغرام غلطت، بس غرام عيلة وطايشة. لكن انت كبير، وغلطة الكبير كبيرة أوي، وأعتقد إنك عرفت معنى كلامي إيه.
رامي بارتباك:
ـ عندك حق. أنا بكرر اعتذاري، وأوعدك إني مش هحاول أقرب من غرام تاني. وشكرًا إنك سمعِتيني. عن إذنك.
ما إن أنهى رامي حديثه حتى فوجئ بذلك الذي انقض فوقه وهو يقول بغضب جحيمي:
ـ ده أنا هخليك تعتذر باقي عمرك يا روح أمك.
وصل أدهم إلى القصر، وترجلت كاميليا من السيارة بعد أن تمتمت ببعض عبارات الشكر وتوجهت إلى الداخل. فما إن خطت قدمها بضع خطوات حتى تذكرت كل تلك الأحداث السابقة وما علمته عن معاناة والدتها، حتى زارت مخيلتها بعض من مقتطفات الماضي وهي تستمع إلى تعنيف والدتها بسبب وبغير سبب، وتلك الدموع التي كانت دائمًا في عينيها والتي تدحرجت الآن من مقلتي كاميليا حزنًا ووجعًا. مع كل خطوة كانت تخطوها كانت تشعر وكأن هناك يدًا من حديد تقبض على صدرها، ولأول مرة في حياتها كانت تخطو تلك الخطوة. فتوجهت إلى غرفة جدها وأخذت ما تريده، ثم اتجهت إلى ذلك النظر الذي كانت تتمنى لو تخطو إليه منذ رحيل والدتها، لكن تلك القوة المتجبرة الكامنة في سكان ذلك القصر كانت تمنعها من التفكير حتى، ولكن اليوم لن يستطيع أحد منعها من الاقتراب من غرفة والدتها، واضعة المفتاح في القفل، لتشاهدها صفية من بعيد بقلب يقطر ألمًا وهي تفتح الباب على مصراعيه وتدخل إلى غرفة بها نسيم عذب يحمل رائحة كانت تتمنى لو يعود الزمن بها للحظات حتى تستمتع باستنشاقها وتمتلئ رئتيها بذلك العبير الرائع الخاص بوالدتها التي لطالما كانت رقيقة ناعمة كالورود التي تهواها وتقوم برعايتها.
خطت كاميليا عدة خطوات للداخل، وأخذت تنظر حولها بشوق بلغ ذروته وقلبٍ قد أضناه الوجع والقهر. فتوجهت إلى كل ركن في الغرفة تتلمسه بأناملها وتسقيه بدموعها التي كانت كالأنهار، إلى أن استقرت عند الخزانة التي كانت تحمل رائحة والدتها الحبيبة. فامتدت يداها تمسك ذلك الثوب الربيعي الملون بأزهاره الحمراء الرقيقة التي كانت والدتها تفضل ارتداءه، فقد كانت تشبه البدر عندما ترتديه.
قامت بتقريب الثوب إلى قلبها تستنشق رائحته بعمق وكأنها تملأ روحها من عبيره العذب، وصارت تبكي وتبكي بحرقة وألم. وكان صوت بكائها يتقطع له قلب صفية التي كانت تقف بالخارج تاركة لها المساحة للتعبير عن حزنها واحترام ذكرياتها. وكانت روفان ومراد ينظران إليها عند باب الغرفة بألم وشفقة. وما إن عزم مراد الأمر بأن يدخل إليها حتى أمسكت صفية بيديه تسحبه بعيدًا وهي تقول:
ـ سيبها يا مراد. خليها لوحدها، هي محتاجة دا.
مراد بانصياع:
ـ أنا عارف بس قلبي واجعني عليها.
صفية بأسى:
ـ كلنا قلبنا واجعنا عليها. بس لازم تاخد وقتها وتستجمع نفسها.
تدخلت روفان في الحديث بغضب:
ـ يعني نسبها تموت نفسها من الزعل والحزن يا ماما؟!
صفية بحدة:
ـ بعد الشرّ عنها. كاميليا قوية ولازم تكتشف ده بنفسها وتقدر تقف على رجليها لوحدها.
روفان بسخرية:
ـ وهى في الحالة دي! ماظنش. أنا هكلم يوسف ييجي وهو اللي هيقدر يخرجها من اللي هي فيه.
صفية بغضب وصرامة:
ـ إياكِ يا روفان تكلميه وإلا هتشوفي هاعمل فيكِ إيه. سيبوا البنت تساعد نفسها شوية.
روفان بغيظ مكتوم:
ـ اللي تشوفيه يا ماما.. عن إذنك.
هبطت روفان من على الدرج وهي ترغي وتزبد من شدة الغضب، إلى أن خرجت إلى الحديقة وجلست على الأرجوحة وشبكت ذراعيها بغضب طفولي وهي تنظر أمامها غير مبالية بذلك الذي كان في طريقه إلى باب القصر، فوجد ملاكه الغاضب ، والذي كان وكأن السماء أرسلته في هذا الوقت ليوفر عليه عناء البحث عن الحجج والأعذار الواهية، فتوجه إليها فوجدها غاضبة بشدة وتتفوه بأشياء غريبة جعلت الابتسامة تشق طريقها إلى شفتيه، فاقترب منها وانحنى بجانب رأسها قائلًا بلهجة خافتة مداعِبة:
ـ القمر بتاعي مين مزعله؟
ما إن سمعت روفان صوته حتى هبت من مكانها لتصدم من حقيقة وجوده التي جعلت دقات قلبها تدق بعنف من كلماته الممزوجة بأنفاسه العطرة التي داعبت أسفل عنقها منذ لحظات، فخرجت الكلمات من شفتيها بتلقائية أضحكته:
ـ انت هنا بجد ولا انت عفريت ولا إيه؟!
صُدِم علي من حديثها وأطلق ضحكة جميلة جعلتها تنظر إليه ببلاهة من كتلة الوسامة تلك، والذي لاحظ نظراتها إليه فقال ممازحًا:
ـ عفريت! بقى أنا عمال أحضر بقالي أسبوع إني أقابلك عشان أول ما تشوفيني تقولي عليّا عفريت! أمال أنا أقول عليكِ إيه!
حاولت روفان لملمة شتات نفسها بصعوبة وقد تذكرت موقفه وما حدث في المشفى، فحاولت السيطرة على دقات قلبها الهادرة وارتدت قناع القوة الواهية وهي تقول بغضب:
ـ هو في حد ينط لحد كده ويخضه بالطريقة دي؟ وبعدين إيه أقول عليكِ إيه دي؟ شايفني إيه قدامك؟
علي بنبرة عاشقة:
ـ جِنّية..
روفان باستنكار:
ـ جنّية !
تقدم علي منها خطوتين بل أن يغازلها بلهجة خافتة مثيرة:
ـ جنّية جميلة خطفت قلبي من أول يوم شفتها فيه وهي لسه بضفاير، وخلته يقعد السنين دي كلها مش شايف حد غيرها، لحد ما قابلها تاني ويومها حس إنه أخيرًا اتقابل مع نصه التاني، وحلف عليا يومها ما يسكنه حد غيرها، وهو اللي جابني لحد هنا عشان أعترف لك.
كانت روفان تنظر إليه كالبلهاء، فقد أفقدتها روعة كلماته وعذوبتها السيطرة على نفسها، بل جعلتها تنعزل عن العالم واحتجزتها في عالم وردي لا يوجد أحد به سواه، فقد شعرت بالفراشات تطير في معدتها، وأن قدميها قد أصبحتا رخوتين غير قادرتين على حملها، لتتماسك بصعوبة أمام غزوه الضاري. وقد زحفت حمرة الخجل إلى وجهها وهي تقول له بلهجة خافتة:
ـ يعترف لي بإيه؟
علي بعشق تجلى في نظراته وملامحه:
ـ إنه بيعشقِك.
لم تستطع روفان الحديث للحظات، فأي حديث يمكن أن تقوله؟ فقد كانت تلك اللحظة أروع لحظات حياتها حين أتاها فارسها الوسيم ليختطفها بكلماته الرائعة إلى أرض الأحلام التي لطالما كانت تتمناها معه. فلما لم تجبه، ارتسمت ابتسامة بسيطة فوق شفتيه وقال بلهجة هادئة:
ـ أنا مش مستني منك رد، عشان كلام عينيكِ يكفيني. أنا بس عايزِك تكوني واثقة فيا، وماتخافيش من أي حد وأنا موجود، عشان صدقيني مفيش حاجة في الدنيا تقدر تمنعني عنك غير الموت. أنتِ ليا من زمان أوي، وأنا فعلًا ما صدقت لاقيتِك، وعمري ما هفرط فيكِ أبدًا.
لحظة تجاوزت كل حدود الدهشة والفرح؛ حتى شعرت وكأن قلبها يعجز عن احتواء ما اجتاحه من بهجة غامرة. فانهمرت دموعها عفوية، صافية، تتساقط من عينيها كحبات لؤلؤ انفلتت من عقدٍ ثمين. كانت دموع الفرح الأولى التي تلامس روحها بهذا العمق، دموعًا تدرك في اللحظة ذاتها أنها ستظل عالقة في ذاكرة العمر لن تنساها ما حييت، والتي تبعتها ابتسامة عذبة رقيقة صادقة ارتسمت فوق شفتيها وهي تقول برقة:
ـ علي.
ـ بحبّك.
قالها علي بصدق نابع من قلب خَر صريعًا في عشقها وأعلن رايته مستسلمًا لسحرها بكل رحابة صدر، ليتبع اعترافه الرائع بتلك الكلمات التي زعزعت قلبها من مكانه:
ـ حقك عليا إني اتأخرت كل ده عشان أعترف لك باللي جوايا. بس صدقيني، كان نفسي أقولك الكلام ده وإنتِ مراتي عشان يكون من حقي أسمع منك رد. بس معلش، قريب أوي هاسمعه، عشان قريب أوي إن شاء الله هتكوني ليا.
ـ روفان. يا روفان.
لم يتسنَّ لها الرد أو حتى استيعاب معنى كلماته الرائعة، فجاء نداء عمها الذي عينيها تبرق من شدة الذُعر عندما اقترب منها قائلًا بحدّة طفيفة:
ـ أنتِ بتعملي إيه عندك؟ ومين ده؟
توقف مراد للحظة قبل أن يقول باعتذار:
ـ أهلا يا علي. معلش معرفتكش من ضهرك.
علي باحترام:
ـ ولا يهمك يا عمو. حضرتك عامل إيه؟ وصحتك عاملة إيه دلوقتي؟
مراد بذوق:
ـ الحمد لله تمام.
علي باعتذار:
ـ أنا آسف إني جيت من غير معاد. بس كنت عايز يوسف وهو مابيردّش على موبايله، فاضطريت أجي على هنا، وكنت لسه بسأل الآنسة روفان عنه.
مراد بحزن لم يستطع إخفاءه:
ـ يوسف مع بابا في المستشفى. أصله تعبان شوية.
علي بمجاملة:
ـ لا ألف سلامة عليه. ربنا يشفيه. طب تمام، أجيله وقت تاني.
لمعت عينا مراد بفكرة ما فقال بلهفة:
ـ بقولك إيه يا علي. أمك قصدي والدتك في البيت؟
علي بغيظ حاول كتمه:
ـ آه، أمي في البيت، في حاجة؟
مراد بنفي:
ـ لأ مفيش، كنت عايزها في موضوع كده. بقولك إيه، لو مروح خدني معاك.
علي وقد تذكر شيئًا فقال بتوتر:
ـ لأ معلش، أصل ماما في الوقت ده بتكون نايمة، أصلها تعبانة شوية.
مراد بنفي:
ـ لأ نايمة إيه؟ تصحّي! ده موضوع حياة أو موت. تعالى بس، أنا هقولك.
قام مراد بجذب علي من يده، والذي التفت لروفان قائلًا بلهفة، يتبعها غمزته التي جعلت وجنتيها تتلونان بحمرة الخجل:
ـ عن إذنك يا آنسة روفان.
ما إن اختفى علي برفقة عمّها، حتى وضعت روفان يدها فوق قلبها وظلت تدور حول نفسها وهي تقول بأنفاس مقطوعة:
ـ لا قلبي هيقف. مش مصدّقة نفسي. أنا أكيد بحلم. لأ بحلم إيه! دي حقيقة، وأحلى حقيقة كمان. أنا لازم أقول للبِت كاميليا.
وما إن اندفعت إلى الداخل حتى تسمرت قبل خطوات من مدخل القصر وقالت بخيبة أمل:
ـ لا كاميليا إيه! دي متنيلة بنيلة فوق! لا أنا مينفعش أسيبها كده. والله لأنا قايلة ليوسف واللي يحصل يحصل..
وبالفعل هاتفت يوسف الذي كان في اجتماع هام في الشركة، والذي كان قد هاتفها قبل أن تصل كاميليا يطلب منها أن تخبره إذا ما تعرضت لأي شيء. فبالرغم من غضبه منها، إلا أن قلبه كان يؤلمه عليها كثيرًا من كل تلك الأشياء التي حدثت مؤخرًا. وما إن وجد رقم روفان على الهاتف حتى رد سريعًا، لتصدمه بما قالته، فقام بإنهاء الاجتماع على الفور متوجهًا إلى القصر، مما جعل أدهم يشتعل غيظًا وغضبًا منه نظرًا لأهمية وخطورة هذا الاجتماع الذي سيتحدد به مصير الشركة التي أصبحت على مشارف الإفلاس إن لم تنجح خطتهم.
قاد يوسف سيارته بسرعة جنونية حتى وصل إلى القصر بوقت قياسي، وترجل منها واندفع إلى الداخل متوجهًا إلى حيث يأخذه قلبه. إليها، وما إن همّ بالوصول إلى مبتغاه حتى امتدت يد صفية تمنعه من الوصول إليها، فنظر إليها يوسف بغضب قائلًا باستفهام:
ـ في إيه؟
صفية بصرامة:
ـ رايح فين؟
يوسف باختصار:
ـ سؤال معروف إجابته! إيه لازِمته؟!
صفية بهدوء:
ـ ولحد إمتى؟
يوسف بامتعاض:
ـ يعني إيه لحد إمتى؟ مش فاهم؟
صفية بنفاد صبر:
ـ لحد إمتى هتفضل تخليها تعتمد عليك؟ لحد إمتى هتدخل في كل كبيرة وصغيرة تخصها؟ لحد إمتى مش هتسمح لها يبقى ليها شخصية مستقلة؟ هتفضل تظلمها وتمنعها إنها تكبر لحد إمتى؟
تصاعد غضب يوسف كثيرًا من اتهامات والدته المبطنة وقال بحدة:
ـ أنا ظالمها ومانعها من كل ده!! ده جزائي عشان بمارس حقي الطبيعي في حماية مراتي والبنت اللي المفروض تخصني؟! أبقى ظالم في رأيك؟ هو ده الظلم؟!
صفية بحدة مماثلة:
ـ آيوه تبقى بتظلمها لما تخليها عاملة زي التايهة من غيرك.. امتى هيبقى ليها شخصية وتعتمِد على نفسها وتبطل الهروب دا اللي إنت بأسلوبك دا السبب فيه؟
يوسف باستهجان:
ـ أسلوبي ولا ظلمكوا! كنت أسيبهم يظلموها ويعذبوها زي ما عملوا مع أمها! أسيبهم لحد ما كانوا يموتوها عشان أبقى صح؟!
صفية بغضب:
ـ كاميليا قوية بس هي للأسف اعتمادها عليك مخليها مش شايفة دا ولا لمساه.. سيبها تاخد الصدمة اللي بدل ما تموتها تقويها. سيبها تواجه مرة واحدة في حياتها.
يوسف بغضب بلغ ذروته ويأس تملكه:
ـ لما أبقى أموت ابقى أسيبها تواجه كل حاجة. إنما أبقى ملعون ألف مرة لو أعرف إنها بتتعذب ومكنش جنبها.
تدخل أدهم الذي وصل للتو قائلًا بتعقل:
ـ ماما عندها حق يا يوسف.. كاميليا لازم تقوّى عن كدا شوية، واديك شوفت أي مشكلة أول حاجة بتتنازل عنها انت.
آلمته كلمات أدهم في الصميم، لكنه حاول مُداراة ألمه قدر الإمكان، حتى تدخلت روفان التي قالت بأسف:
ـ للأسف أنا اقتنعت بكلامهم. كاميليا فعلًا شخصيتها ضعيفة ومهزومة ويمكن اللي حصل دا يخليها تقوّى شوية.
نظر يوسف إلى ثلاثتهم وقد اشتعلت الصراعات داخله ونهشت الحيرة جدران قلبه الذي تغلّب عليه أخيرًا، فقال بصرامة وبلهجة لا تقبل الجدال:
ـ محدّش يدخل بيني وبين مراتي. أنا عارف هتعامل معاها إزاي، وإن كنتوا شايفين إن شخصيتها ضعيفة ومش عاجباكوا فهي عاجباني أنا، وأنا هعرف أقوّمها وأقويها إزاي.
صمت لثوان قبل أن يقول بنبرة جافة:
ـ ومن هنا ورايح محدش يراجعني في قرار باخده.. اتفضلوا كل واحد على أوضته.
لم ينتظر يوسف سماع كلمة أخرى، بل اندفع بكل ما يعتمل بداخله من ألم وقلق وحزن إلى الداخل ليُصدم مما رآه.
رواية عشق بين حنايا الروح الفصل الخامس 5 - بقلم نورهان العشري
امنحني الأمان، و افعل ما تشاء.
جملةٌ دونتُها في دفتري ذات ليلة، وكنت على يقين تام بأن الأمان هو الهدية الأثمن التي قد يمنحني إياها أحدهم ذات يوم، فليس في الحياة ما يوازي أن تغفو امرأة وقلبها مستقر، مطمئنة إلى أن خلفها جدارًا لا تُفلِت شقوقه شيئًا من الألم ليتسرب إلى روحها، وأجمل ما في هذا الجدار. أن يكون رجلًا يعرف كيف يزرع الدفء في عروقها، وكيف يُهديء ارتجاف قلبها بكلمة، وكيف يهبها في منتصف كانون صيفًا دافئًا تستكين إليه، وتتنفس من خلاله، وتستعيد معه قدرتها على الطمأنينة من جديد.
كان علي ينظر بتوتر إلى مراد الجالس بجانبه في السيارة وهو لا يدري ماذا عليه أن يفعل، وآخذت التساؤلات تزداد بداخله؛ فهل يمكن أن يعرف مراد بحقيقة انتساب ناهد إلى عائلتهم؟ هل يعلم بعلاقة أخيه السابقة بها؟ وعند هذا السؤال تذكر حديثه الصادم مع ناهد.
عودة إلى وقت سابق
ناهد بألم:
ـ رائد يبقى ابن عامر الحسيني.
علي بصدمة:
ـ إيه؟ ابن مين؟ إيه يا خالتي، هي الضربة قصرت على دماغك ولا إيه؟
زجرته فاطمة بغضب وقالت بحدة:
ـ بس يا واد انت! عيب تكلم خالتك بالأسلوب دا.
علي ساخرًا:
ـ أنتِ مش سامعاها بتقولك إيه؟
ـ كل اللي بتقوله دا حقيقي، وأبوك كمان كان شاهد على عقد جوازهم. اسمع للآخر عشان تفهم.
لم يستوعب علي حديث والدته، لتأتي ناهد وتقول بلهجة متألمة:
ـ أنا عارفة إنك هتتصدم من كلامي، وخصوصًا إني معنديش دليل عليه. بس صدقني أنا ما بكذبش. أنا اتجوزت عامر لمدة ست شهور، وللأسف طلقني قبل ما يعرف إني حامل منه.
صمت علي لبضع ثوانٍ قبل أن يقول بهدوء ينافي الضجيج الذي يسيطر على عقله:
ـ لا بصي، اركني الدليل على جنب دلوقتي وفهّميني كل حاجة حصلت عشان لو فعلًا اللي انتي بتقوليه دا حقيقة يبقى لازم نلحق الكارثة قبل ما تحصل.
ناهد بذعر:
ـ كارثة إيه؟؟ أوعي تقولي إن في خطر على ابني. لا، مش هستحمل أخسره هو كمان.
علي محاولًا تهدئتها:
ـ اهدِي شوية، و إن شاء الله مفيش حاجة تحصل. بس ياريت تحكيلي كل حاجة وأنا هتصرف.
نظرت ناهد إلى فاطمة بحزن، ومن ثم وجّهت أنظارها إلى الجهة الأخرى وهي تسترجع ذكرياتها مع حبيبها الأول والأخير والتي انتهت بمأساة لكليهما، وبعد ثوانٍ من الصمت تحدثت أخيرًا بنبرة خافتة:
ـ بعد ما خلصت دراستي كان عندي طموح كبير إني أحقق ذاتي وأعمل لنفسي مستقبل، وكمان كنت عايزة أساعد بابا عشان ظروفنا المادية كانت صعبة خصوصًا بعد تعب ماما.
فاطمة بشجن:
ـ الله يرحمهم اللتنين.
أمنت على دعائها قبل أن تُتابع بنبرة مُتألمة:
ـ بالرغم من رفض بابا القاطع إلا إنه رضخ لرغبتي في الآخر، ومن دون الدخول في تفاصيل مش مهمة الظروف ساعدتني واشتغلت في شركة الحسيني وأثبتت كفاءتي، وفي الفترة دي مشوفتش عامر كتير، يعني مرتين أو تلاتة، بس كنت بسمع عنه كتير قوي: قد إيه هو وسيم بس قاسي وصعب ومغرور وغيره. قعدت حوالي شهرين، وبعد كدا شاءت الظروف إني أتقابل معاه ونتكلم كمان.
رفرفت برموشها وهي تستحضر ملامحه الوسيمة في عقلها و تتذكر كيف وقعت في غرام ذلك المغرور القاسي والذي للآن لم تستطع أن تتخطى عشقه، وتابعت بابتسامة باهتة:
ـ تقريبًا كانت قصتنا نموذج للحب من أول نظرة بيني وبينه، بس طبعًا كنا بنكابر، لحد ما جه اليوم اللي اعترفلي فيه إنه بيحبني وعايز يرتبط بيا، وحكالي عن حياته وحكيت له عن حياتي، وكان زي مصباح علاء الدين اللي حلّي لي كل مشاكلي وسدد ديون بابا اللي أخدها بسبب علاج ماما. وقررنا فعلًا إننا نتجوز بس ماما، لكن تممنا جوازنا بعد الأربعين بتاعها، عامر قرر إننا نتجوز من غير فرح، و كتبنا الكتاب، وسافر تاني يوم على القاهرة عشان ظروف مستعجلة، فضلت أسبوع معرفش عنه حاجه، لحد ما رجع.
ترقرق الدمع في مقلتيها قبل أن تقول بحزن:
ـ بس للأسف صدمني أكبر صدمة في حياتي كلها. طلب مني نتقابل في الشقة اللي جابها لي عشان نتجوز فيها، وفعلاً روحت هناك طايرة من الفرحة اللي ماتت لما قالي إنه اتجوز في القاهرة واحدة اسمها صفية بنت رجل أعمال صاحب أبوه.
توقفت ناهد قليلًا وحاولت السيطرة على عبراتها التي لم تتوقف بل زادت أكثر عندما قالت بألم:
ـ كانت أكبر صدمة اتعرضت لها في حياتي. في الأول، ماكنتش مصدقاه، بس شكله وطريقته أكدوا لي صدق كلامه. اتخانقت معاه و فضلت أعيط وطلبت منه يطلقني، في الأول كان ساكت، بس أول ما جبت سيرة الطلاق لقيت جبل الجليد انهار، وقعد يحلف لي إنه بيعشقني وإنه اتفرض عليه الجوازة دي بسبب أبوه اللي ماكنش يقدر يقوله لا.
كان الألم الذي يتجلى بوضوح فوق محياها يصف كم كانت تلك اللحظات مروعة، و لكن القادم كان أكثر ترويعًا منها تابعت بأسى:
ـ حلف لي كتير إنه ملمسهاش ولا قرب منها، دا حتى قال لها إنه متجوزني وهي تفهمت كدا واتفقوا إنهم يفضلوا سنة كدا وبعدين يطلقوا، ووقتها يقدر يفاتح والده ويقوله على جوازنا. انهرت، وانهارت كل أحلامي معايا، بس هو فضل جنبي وفضل يحلف لي إنه عمره قلبه ما دق لغيري وإنه مقدرش يقولي عشان ميخسرنيش، وقُصاد حبه الكبير ليا وقلبي اللي بيعشقه خسرت، وقبلت بالوضع دا، وفضل قلبي يقنعني إنه بيحبني أنا، ولو ما كانش بيحبني ماكنش اتجوزني، كان هيتسلى بيا يومين ويسيبني. بس هو قال لي إنه اتجوزني قبلها عشان ميجرحنيش بإني أبقى زوجة تانية.
أخذت المحرمة الورقية التي مدتها لها فاطمة لتمحي عبراتها وهي لازالت ترتجف من التأثر لتُتابع بحرقة:
ـ ولإني كنت بعشقه، كنت بغير عليه من الهوا الطاير، ماكنتش برضى أخليه ينزل القاهرة أبدًا، ولو راح ما يباتش حتى، وهو ماكنش بيعترض، وعشت معاه أجمل أيام حياتي. ست شهور كانوا زي الحلم اللي للأسف انتهى بكابوس!
علي باستفهام:
ـ ليه؟
ناهد بجفاء:
ـ نسيت أقولك إن عامر كان له صاحب اسمه محمود نصار كان أقرب واحد ليه في الدنيا. صاحب عمره.
استوقفها علي قائلًا بدهشة:
ـ دا اللي هو المفروض أبو رائد!
أجابته ناهد بهدوء:
ـ أيوه. محمود كان أقرب حد لعامر، وكان الشاهد التاني على عقد جوازنا. لما كان عامر يسافر كان بيوصي محمود عليّا، ومحمود كان كويس جدًا، وكان بينفذ وصية صاحبه، وعمره ما رفع حتى عينه فيّا. ماكانش فيه غير عيب واحد. أخوه راغب، ودا بقى الشيطان بذاته. كان بيكره علاقة عامر ومحمود جدًا، وحاول قبل كدا يلعب في الحسابات بتاعت الشركة بحكم إن دا كان شغل محمود عشان يخلي عامر يقلب على محمود، بس عامر كان فاهمه كويس وطرده بره الشركة، وكانت دي بداية اللعنة.
على بترقب:
ـ ازاي؟
ناهد بنبرة جافة:
ـ راغب دا كان دايمًا بيعاكسني قبل ما أرتبط بعامر وماكنتش بعتبره ولما عرف إني ارتبطت بعامر زوّد رخامته معايا، واشتكيته لمحمود عشان خفت على عامر منه خصوصًا إن عامر كان بيغير عليا بجنون، ومحمود وعدني إنه هيوقفه عند حده، وفعلاً بعد فترة ما شوفتوش، لحد ما في يوم تعبت وروحت كشفت، والدكتورة قالت لي إني حامل.
شهقت ابتسامة حانية الوجع المرتسم على ملامحها وهي تُتابع بلوعة:
ـ فرحة الدنيا ماكنتش سيعاني، بس كان في مناقصة مهمة لشركة عامر، وكان عامر ضامن المناقصة دي لأنه كان حاطط سعر محدش يتوقعه، وكالعادة كان بيشيل الورق عندي في الشقة، فقلت لازم أعمله مفاجأة بمناسبة حملي، واستنيت يوم المناقصة بالليل، وجهزت عشا رومانسي، وقلت نحتفل بالخبرين، وفضلت مستنياه طول الليل لحد ما الفجر أذن، ولقيته داخل من الباب. عمري ما هنسى شكله وقتها ولا نظرته ليا.
ارتجف جسدها تأرّا بذكرياتها المريرة و نظراته التي لازالت تذكرها حد الوجع:
ـ جريت عشان آخده في حضني بعد ما كنت هموت من القلق عليه، بس صدمني لما زقني على الأرض وقال لي إني خاينة.
أخفضت رأسها وهي تُتابع بخزي:
ـ قال كلام كتير مفيش داعي أكرر اللي قاله. كل دا وأنا معرفش عملت إيه! قعدت أهدي فيه وأقوله أنا عملت إيه لكل دا، ماكنش بيرد عليا، كان مشغول بيدور على حاجة في مكتبه. جريت عليه ووقفته عن اللي كان بيعمله وقلت له: قولي أنا عملت إيه؟؟ ضربني بالقلم على وشي وقال لي: خنتيني أنتِ والكلب محمود. بس أنا هدفعكوا التمن غالي قوي!
تعالت شهقاتها وهي تتابع بنبرة مُحترقة:
ـ لقيته مطلع سلاحه وماشي. اتجننت، واترميت تحت رجليه أعيط وأقول له: لا! متعملش كدا، أرجوك اسمعني. مش هسيبك تخلص عليه ولا تضيع نفسك، وعند الكلمة دي وقف، وبص لي بمنتهى الألم والغضب وقال لي: للدرجة دي خايفة عليه؟. انتوا تستاهلوا بعض! ورمى عليا يمين الطلاق وخرج، وماشفتوش تاني.
اقتربت فاطمة تحتضنها وهي تقول بحزن:
ـ اهدي يا ناهد. بلاش تعملي في نفسك كدا.
تجاهلت حديث فاطمة لتتابع وهي تبكي بحرقة:
ـ من كتر الصدمة لساني اتعقد، مفوقتش غير وهو بيقفل الباب وماشي. أنا كنت خايفة عليه هو، مش عايزاه يضيع نفسه. بس هو فهم كلامي غلط. معرفش إيه اللي وصله كل دا. أنا عمري ما خنته ولا حتى فكرت. دا أنا قبلت أبقى في الوضع دا ويبقى ليا ضُرة عشان بحبه. يمكن دا ذنبها، بس أنا إيه ذنبي؟ أنا حبيته قوي، لا دا أنا عشقته وهو كمان كان بيحبني. هي اللي اتفرضت عليه. ماكنتش أقدر أسيبه يروح لها. ماكنتش أقدر أتخيل إنه يكون معاها أصلًا ولا يشوفها. غصب عني. عارفة إني ظلمتها وغلطت في حقها بس والله ماكنتش أقصد. الحب دا أكتر حاجة بتذل في الدنيا دي. بيخليك تقبل بحاجات عمرك ما كنت تتخيل إنك تعيشها أو تبقى جزء من حياتك. بيخليك تتنازل حتى عن أبسط أحلامك. كل حاجة مش مهمة قصاد إنك تبقي مع اللي بتحبيه، ودا كان أقصى أحلامي. إني أعيش معاه وفي حضنه.
أخذت فاطمة تربت فوق ظهرها، وسرعان ما ارتمت ناهد بين أحضانها تنتفض من شدة البكاء الذي ذلك الوجع الكامن بقلبها مما أثار الشفقة في قلب علي تجاهها، فقد كان الألم يقطر من بين كلماتها، لذا أعطاها كامل الوقت لتهدأ، قبل أن يقول محاولًا المزاح معها:
ـ خلصتي كل الدموع ولا في حاجة تانية؟ ولا أنتِ عشان عنيكي بتبقي حلوة وأنتِ زعلانة يعني هتفضلي زعلانة كدا على طول؟ لا بصي، أنا شاب في سن خطر، وأنتِ بصراحة مُزة، ومش هقدر أقاوم أكتر من كدا، هضعف على طول.
ابتسامة باهتة خرجت من جوف الوجع الكامن بصدرها، قبل أن تمازحها فاطمة هي الأخرى قائلة:
ـ والله عندك حق يا واد يا علي، دا الزمن لا راح عليكِ ولا جه، لسه حلوة زي ما أنتِ.
اتسعت ابتسامة ناهد وقالت بنبرة مبحوحة:
ـ يااه يا فاطمة. لسه دمِّك خفيف زي ما إنتي، وابنك طالعلك، واخد طيبتك وحنانك وخِفّة دمِّك.
علي مُداعبًا:
ـ لا دا أنا كُلِّي مزايا خدي بالك. يومين كمان في قصر الأشباح دا وهنقلِّبها مسخرة، وبُكرة أفكرك.
ابتسمت ناهد وفاطمة أيضًا على مزاح علي الذي قال بلهجة حانية:
ـ عايزِك تهدي وتفتكري إنك وسط أهلك، وإننا كلنا جنبك. يعني متخافيش من حاجة، ولما تحسّي إنك قادرة تتكلمي ابعتيلي.
قاطعته ناهد بلهفة:
ـ لا أنا محتاجة أتكلم قوي، وكمان عايزة أطمن على رائد. رائد قضى عمره كله في وهم الانتقام اللي عيشه فيه راغب. منه لله.
علي بهدوء:
ـ أنا سامعك. كمّلي وبعد كدا نشوف هنعمل إيه.
أخذت ناهد نفسًا عميقًا قبل أن تكمل حديثها وتابعت:
ـ مش قادرة أوصفلك حالتي كانت عاملة إزاي بعد اللي حصل دا، وخصوصًا إني روحت الشركة كذا مرة أحاول أقابله بس معرفتش، فأخدت قراري إني لازم أسافرله القاهرة، وفعلاً سافرت. ولما سألت عليه قالولي إنه مسافر يقضي شهر العسل مع مراته. طبعًا إنت أكيد متخيّل كنت عاملة إزاي.
زفرت بتعب قبل أن تتابع:
ـ ورجعت إسكندرية تاني، ورجعت مضايقات الزِّفت راغب دا ليا. بس كنت بشوفه يمكن في الشهر مرة ولا اتنين، وفي كل مرة كان يحاول يقولي إنه بيحبني، وإنه عارف إني اتطلقت من عامر، وإنه مستعد يتجوزني بعد شهور عدتي.
وكنت دايمًا بصده وأتخانق معاه.
علي باستفهام:
ـ طب ومحمود؟
أجابته بخفوت:
ـ طول الوقت ده مشفتش محمود، لحد ما في يوم كنت في الشقة بلم حاجتي عشان أروح بيت أبويا. لقيته جاي بيسألني حصل إيه؟ قلت له: أنا اللي المفروض أسألك!
فاجأني لما قال لي: إنه معرفش حاجة وإن عامر طرده من الشركة وبعتله رسالة مع الأمن بيقول لهم: إنه ما يدخلش أي مكان له علاقة بعيلة الحسيني، وقعد يدور عليه ومش عارف يوصله. حكيت له على اللي حصل معايا، وإنه للأسف مسافر يقضي شهر العسل مع مراته. حسيته مش عارف يواسيني ولا يواسي نفسه. وطلب يوصلني لبيت أبويا، وفعلاً بقي يجي يزورني كل فترة.
علي باستفهام:
ـ وراغب كان فين؟
ـ كان موجود بيحاول يضايقني برضه بس زود العيار أوي، فحكيت لمحمود، بس في اليوم ده كان شكله متغير. سألته: في إيه؟ مكنش راضي يقولي، وبعد ضغط مني، قال إنه قابل عامر، وإنهم اتخانقوا سوا، وإنه قاله إني كنت في حياته مجرد تسلية وبس، ده كمان قاله أنه كان بيشفق عليا زي ما عمل معاه، وشغله في شركته، وإننا منلقش بيه لا أنا أليق أكون مراته، ولا هو يليق يكون صاحبه.
ودا كان تاني خنجر يِغرزه في قلبي. بعد ما عرفت إن مراته حامل.
فاطمة بتأثر:
ـ يا حبيبتي يا ناهد.
ناهد بابتسامة هزيلة:
ـ في الوقت ده، وبكل الوجع اللي جوايا. قررت إني أنساه وأربي ابني لوحدي. وكنت في عز شهور الوحم، وكان التعب باين عليا. ولما محمود سألني قلت له إني حامل، وحلفته إنه ميجبش سيرة لحد، وبعد فترة لقيت محمود جاي بيقولي إنه عايز يتجوزني، وإنه مستعد يكتب ابني باسمه، ولأني كنت عايزة أنتقم من عامر، ومن حبي وضعفي قدامه وافقت. وكمان أخلص من مضايقات راغب اللي مبتنتهيش.
علي بسخرية:
ـ تخلصي من رائد تقومي تتجوزي أخوه!
ناهد بأسى:
ـ عندك حق. محمود في الوقت ده أسس شركة صغيرة باسمه وحط فيها مبلغ كان محوِّشه وأنا وافقت أبتدي معاه من الصفر. وقولت: مش هعيش على ذكرى حد رماني.
وفعلاً اتجوزنا وسافرت معاه.
عودة للوقت الحالي
توقفت سيارة علي أمام باب القصر ومعه مراد الذي كان ينتظر لقاءه مع فاطمة على أحر من الجمر، فهي الوحيدة التي تستطيع أن ترقّق قلب ابنته ولو قليلًا، وتساعده في استرجاعها. لذا قرر أن يأخذ تلك الخطوة ويخبرها بكل ما حدث.
وبالفعل دخل مراد مع علي إلى القصر، وتوجه علي رأسًا إلى غرفة والدته ليخبرها بأن مراد معه بالأسفل.
فوجدها تُصلي، وما إن أنهت صلاتها حتى قال بلهفة:
ـ ماما. مراد الحسيني تحت ومصمم يتكلم معاكِ.
يوسف أخذ ينظر بصدمة سرعان ما تحولت إلى شفقة وحزن كبيران عند رؤيتها ممددة على فراش والدتها، تنام بعمق وقد قامت بفرد جميع أثوابها وملابسها حولها، وأيضًا ذلك العطر الخاص بها والذي من الواضح أنها نثرت منه الكثير؛ فقد كانت الغرفة معبأة به.
تألم قلبه كثيرًا من رؤيتها بهذا الشكل؛ فقد كانت كالطفل الصغير الذي نام من كثرة البكاء على والدته الراحلة التي فارقته دون سابق إنذار، فقام يوسف بالاقتراب منها بقلب يملؤه اللوعة والألم، ليُزيل بعضًا من ملابس زهرة التي كانت تملأ السرير حولها، وقام بالاتكاء على مرفقه ينظر إليها بنظرات عاشقة حد النخاع، مُمرِّرًا يديه فوق ملامح وجهها المُحمَرّ بفعل البكاء وجفونها المتورمة التي قبّلها برقة وكأنه يعتذر إليها عن قسوة هذا العالم المليء بالسيّئين والذي أبدًا لا يرحم الأنقياء مثلها.
ثم انتقلت قبلاته إلى خديها مرورًا بأنفها، لينظر إلى شفتيها الشهية التي تُغوي القديس، فقام بنثر ورودًا حانية، رقيقة، عاشقة على زاوية فمها، وأسند جبينه فوق جبينها مطوقًا خصرها بذراعه قائلًا بلهجة حزينة متألمة:
ـ أسف، لو أنا السبب إنك تبقي ضعيفة ومهزومة كدا فأنا آسف مليون مرة، مش مرة واحدة.
سحب نفسًا عميقًا من رائحتها العذبة داخل رئتيه المُشتاقة لعبيرها وتابع بصوت مختنق:
ـ حُبي ليكي كبير قوي يا كاميليا. حب ميعرفش يعني إيه منطق ولا عقل. كنت فاكر إني بقوّيكي وأنا جنبك بس طلع العكس، وأنا اللي سبب ضعفِك.
مراد أنفه بأنفها يجاهد تلك العبرات التي أثقلت جفونه وهو يقول بنبرة مُتحقنة بالألم:
ـ أوحش حاجة في الدنيا إنك تكون سبب أذية لشخص أنت بتخاف عليه من الهوا الطاير، وإن مصلحته تكون في بُعده عنك. شفتي عذاب في الدنيا كدا!
غافلته دمعة هاربة ضاقت ذرعًا بألمه لتسقط فوق جبهتها تتلوها قبلة حانية في نفس المكان قبل أن يقوم لجذب رأسها ليضعه فوق ذراعه، ثم عدل من وضعيّة نومه الذي حتمًا سيجافيه لليالي طويلة في بُعدها عنه، ولأول مرة بحياته سيقف مكتوف الأيدي أمام غيابها؛ فتلك المرة خطؤها فاق حدود المسموح به.
في الصباح تململت كاميليا في نومتها وأخذت تنظر إلى سقف الغرفة الغريبة عنها تمامًا، ثم استندت على مرفقيها تنظر حولها، وفجأة تزاحمت الذكريات بعقلها وتذكرت أحداث البارحة وحتى ذلك الحلم الجميل الذي كان هو بطله، ورائحته العذبة التي لازالت عالقة بأنفها، ودفء ذراعيه الذي مازال يغمرها. كل هذه الأشياء جعلتها تجزم بأنه كان هنا، نعم هكذا أخبرها قلبها وهو حتمًا لن يخطئ بشأنه.
أخذت تنظر حولها بحزن حتى وصلت إلى صورة والدها المزعوم وبجانبه والدتها الجميلة، فقامت بالتقاطتها لتمرر إصبعها فوق ملامح والدتها، وللمرة الأولى لم تتساقط عبراتها، بل ابتسمت بهدوء قائلة بحنان:
ـ نامي وارتاحي في قبرِك يا ماما، حقك خلاص رجعلك. ربنا جابلك حقك قدام الناس كلها وأولهم اللي ظلموكي. كان نفسي تكوني موجودة بس أنا عارفة إنك في مكان أجمل دلوقتي، واطمني عليّا، أنا قوية زي ما أنتِ كنتِ عايزاني. حتى لو هربت ومشيت وما واجهتش، فده مش ضعف مني، أنا كنت خايفة عليكِ أوي ومكنتش هستحمل حد يشوه صورتك. أنا بس حبيت قوي وفضلت اللي بحبهم على نفسي.. أنا لو كنت ضعيفة زي ما هما مفكرين مكنش زماني عايشة دلوقتي. أنا عارفة إنك حاسة بيا وإن روحك حواليا، عشان كده بقولك الكلام ده. بس اطمني، مش هخاف تاني ولا ههرب تاني، وهحارب عشان أحافظ على كل حاجة حلوة لسه باقيالي.
اختتمت كاميليا حديثها وقامت بوضع قبلة فوق ملامح والدتها، ونظرت إلى أحمد بتيه قبل أن تقول بألم:
ـ مش عارفة أزعل منك ولا أشكرك. بس في كل الأحوال أنا بحبك أوي.
وضعت كاميليا الصورة في مكانها وعدّلت من صورتها في المرآة ثم خرجت متوجهة إلى غرفتها، ولكن عند مرورها بغرفة أدهم سمعت أدهم يتحدث بانفعال:
ـ وبعدين يعني يا ماما، هقولك إيه! أهي مرزوعة في البدروم لحد ما نشوف يوسف ناوي يعمل معاها إيه.
صفية بغضب:
ـ إحنا مش عايزين مشاكل يا أدهم. كفاية تترمي في الشارع ده جزاتها، لكن إنكم تسيبوها كده يبقى ناويين على نية وحشة، وبعدين كاميليا خدت حقها خلاص، يوسف عايز إيه تاني؟
أدهم بملل:
ـ حاضر يا حبيبتي، أوعدك إن الموضوع ده هيتحل في أقرب وقت..ممكن تسيبيني بقى ألبس عشان نازل ورايا شغل مهم.
عند هذه النقطة لمعت عينا كاميليا وقالت بتصميم:
ـ حق كاميليا المرادي هي اللي هتاخده. مش حد تاني.
وبالفعل توجهت كاميليا إلى وجهتها واقتحمت غرفة نيفين، وأخذت تنظر حولها بغضب، ثم قامت بفتح الخزانة وجمعت ملابس نيفين وتوجهت إلى الخارج وأخذت تنادي على الخادمة قائلة بصوت جهوري:
ـ دادا شريفة.. يا دادا شريفة!
هرولت شريفة وتبعها جميع الخدم، فصُدموا من مظهر كاميليا التي ألقت بالملابس من الأعلى قائلة بأمر:
ـ ارمي الزبالة دي برا باب القصر.
خرج أدهم وصفية على صوت كاميليا العالي، واندَهشوا مما يروه دون أن يتفوه أحدهم بحرف واحد، فقد كان الموقف صادمًا خاصة عندما أفرغت كاميليا جميع أغراض نيفين في الأسفل وقام الخدم بحملهم إلى الخارج، وتوجهت إلى أدهم قائلة بحدة:
ـ مفتاح البدروم معاك؟
أدهم محاولًا تهدئتها:
ـ كاميليا، وبطّلي جنان. هتعملي إيه؟
كاميليا بغضب:
ـ أدهم لو سمحت عايزة مفتاح البدروم، وأنا عارفة هحل أموري إزاي.
أوشك أدهم على الحديث، ولكن قاطعته صفية التي قامت بجلب المفتاح من جيبه وأعطته لكاميليا قائلة بتشجيع:
ـ المفتاح أهوه.. خدي حقك وارتاحي وريحينا كلنا.
أخذت كاميليا المفتاح منها بابتسامة رضا وقالت بتصميم:
ـ هيحصل.
ثم انطلقت إلى وجهتها وكلها عزم على أن تأخذ بثأرها من تلك التي دمرت حياتها بالكامل. وتبعها أدهم الذي أوقفته صفية قائلة بغضب:
ـ استنى عندك! رايح فين؟
أدهم بغضب:
ـ رايح أمنع كارثة إنها تحصل.
صفية بحدة:
ـ الكارثة إنها تفضل موجودة هنا. سيبها تاخد حقها. كاميليا عارفة هي بتعمل إيه، وأيًّا كان اللي هتعمله فيها أرحم بكتير من اللي بتخططوله.
كان حديث صفية صحيح بنسبة كبيرة، لذا غيّر أدهم وجهته إلى يوسف الذي كان خارجًا لتوه من غرفة المكتب، فوجد الخدم يحملون أغراض شخص ما، فقال باستفهام:
ـ إيه ده؟
أتته الإجابة من أدهم الذي قال لاهثًا:
ـ كاميليا لمّت كل هدوم وحاجات نيفين ورمتهم من فوق، وأمرتهم يرموهم برا باب القصر.
تفاجأ يوسف من فعلتها، لكنها راقت له، فقام أدهم بإلقاء تلك القنبلة في وجهه والتي جعلت الدماء تفور في رأسه:
ـ وأخدت كمان مفتاح البدروم وراحت عندها، ولما حاولت أمنعها أمك وقفت لي وقالت لي سيبها تاخد حقها.
لعن يوسف بخفوت وقال بغضب:
ـ وإنت إزاي مجتش تقولي حاجة زي دي!
أدهم بحنق:
ـ أمال أنا هنا بعمل إيه؟! وبعدين هما عندهم حق، سيبها تعمل اللي هي عايزاه فيها، ومتقلقش. رجالتنا حواليها ومش هتقدر تأذيها.
عندما نطق أدهم جملته الأخيرة كان يوسف يتوجه إلى غرفة المراقبة، وقام بطرد الحراس متوجهًا إلى الشاشة لينظر إلى كاميليا التي ما إن اقتحمت المكان حتى أخذت تنظر حولها تبحث عن نيفين، التي ما إن وقعت عيناها عليها حتى تقدمت بخطى بطيئة متمهلة وهي تناظرها بتشفٍّ قبل أن تقول:
ـ وأخيرًا. أنا وأنتِ لوحدنا. من غير ما يكون في حد بينا تجري تعيطي له وتكذبي عليه ويحامي لكِ بالباطل.
نظرت نيفين بخوف إلى مظهر كاميليا التي كان الجحيم يرتسم في عينيها، لكنها حاولت إخفاء خوفها تحت قناع السخرية عندما قالت:
ـ إيه؟ القطة المُغمضة جاية برجليها لحد هنا من غير ما يكون وراها حراسة ولا يكون حبيب القلب مستخبي هنا ولا هنا عشان يدافع عنها؟
بادلتها كاميليا السخرية حين قالت:
ـ لا متقلقيش. القطة المغمضة فتحت وجاية لوحدها. عشان تعرفِك مقامِك كويس أوي.
نيفين بتهكم:
ـ إيه التطور الفظيع ده! بتقولي قدامي الكلام ده ومش خايفة كده؟! لا ده أنتِ قلبك جمد أوي.
كاميليا بثقة:
ـ أنا عمري ما خفت منك يا نيفين. أنا خوفت على اللي ليا منك، لكن لو الموضوع كان عندي أنا لوحدي، كنت دوست عليكي بجزمتي، ولو هنتكلم عن الخوف بقى، فإنتِ أنا اللي طول عمرك بتخافي مني وبتعملي لي ألف حساب.
ناظرتها نيفين بكره قابلته كاميليا بالسخرية حين قالت:
ـ كنتِ تستني تشوفي أنا هلبس إيه عشان تلبسي اللي أحسن منه. وبتجري تشوفييني هصاحب مين عشان تصاحبي الأحسن، كنتِ بتركزي في كل حاجة أنا بعملها أكتر مني. باكل إيه، بخرج فين، بلبس إيه، بصاحب مين، هدخل كلية إيه، هشتغل فين؟ كل ده عشان تبقي أحسن مني، بس ولا مرة قدرتي حتى تنافسيني.
تجعدت ملامح نيفين بكره، تجاهلته كاميليا التي قالت باحتقار:
ـ ده حتى وأنا غايبة كنتِ مرعوبة لارجع تاني، ده غير يوسف واللي عملتي عشانه كل ده، عمره ما فكر يبصلك ولا حتى لفتي انتباهه. تعرفي إني مشفقة عليكِ أوي؟ أنتِ قعدتي تجاربي عمرك كله عشان بس تثبتي إنك أحسن مني، وفي الآخر فشلتي. من غير حتى ما أحاول ولو مرة أوقفك عند حدك. حراام.
كانت كلماتها كالخناجر التي أصابت كبد الحقيقة، حقيقة حقدها وغيرتها الشديدة منها، مما أدى إلى انفعالها بصورة كبيرة فقالت بغضب:
ـ اخرسي!
أنا عمري ما غرت منك! أنتِ اللي كنتِ بتغيري مني عشان طول عمري أكتر واحدة محبوبة في البيت، وجدي بيحبني أكتر منك ويفضلني عنك!
قهقهت كاميليا بسخرية من حديثها العاري تمامًا من الصحة ثم قالت بشماتة:
ـ كالعادة بتكدبي الكدبة وتصدقيها، ومع ذلك هاعتبر إن كلامك صح، هغير منك ليه وأنا عندي يوسف بالدنيا؟! طول عمره وهو غانيني عن الناس كلها. استحالة يا نيفين كان ممكن أغير من حد وأنا معايا واحد زي يوسف.
قالت كاميليا جملتها الأخيرة بصدق، مما جعل نيفين تستشيط غضبًا فقالت بحقد:
ـ يوسف؟ طب خدي دي بقى يا حلوة! يوسف اللي كان غانيكِ عن الدنيا ده، هو اللي نصب عليكِ وخد فلوسك!
كاميليا باستنكار:
ـ تقريبًا عقلك فوت! أنتِ سامعة أنتِ بتقولي إيه؟
نيفين بثقة:
ـ أيوه سامعة وعارفة ومتأكدة كمان. يوسف مضّاكِ على تنازل عن كل حقوقك في ورث عمي أحمد لأنه كان عارف إنك مش بنته، ولو مش مصدقاني روحي اسأليه.
صفعة قاسية سقطت على قلبها في تلك اللحظة، فتلك النبرة الواثقة التي تتحدث بها نيفين تجعلها تتيقن من صدق حديثها، لكنها آثرت إخفاء شعور الخيبة الذي تملكها في تلك اللحظة وقالت بلهجة صارمة:
ـ اللي بيني وبين جوزي أنتِ ملكيش فيه. أما دلوقتي فأنا جاية عشان أقولك: اطلعي بره القصر ده ومش عايزة أشوف وشك هنا أبدًا.
شعرت نيفين وكأن صاعقة نزلت من السماء لتضربها في الصميم، وللوهلة الأولى لم تستطع الحديث، ولكن بعد ذلك اعترتها حالة هستيرية جعلتها تقول بجنون:
ـ أنتِ أكيد مجنونة! أنا عمري ما هخرج من هنا أبدًا!
نظرت كاميليا إليها بسخرية ورفعت إحدى حاجبيها قائلة باستهزاء:
ـ مجنونة، ومش هتخرجي من هنا أبدًا؟ طب أنا بقى هوريكي الجنان على أصله.
اختتمت كاميليا جملتها وتوجهت للخارج وأخذت تنادي على الحرس الذين جاءوا على الفور ملبّين نداءها، فأمرتهم قائلة:
ـ طلّعوا الزبالة دي برّه، وأوعوا تهوب ناحيّة القصر ده تاني.
وبالفعل نفّذ الحراس أوامر كاميليا، وقاموا بسحب نيفين التي كانت تقاوم بكل ذرة قوة تمتلكها وهي تصيح بغضب:
ـ سيبوني!! محدش هيخرجني من هنا أبدًا!! اوعي إيدك! منك له! أنتِ مين عشان تخرجيني من هنا؟!
نظرت إليها كاميليا بكبرياء وثقة قائلة بكل ما تمتلك من غرور:
ـ أنا كاميليا مراد الحسيني، ومرات يوسف الحسيني كبير العيلة دي، وبقولك قدامهم كلهم: إحنا ما يشرفناش واحدة زيك تكون وسطنا، وأكيد أنتِ عارفة أقصد إيه بكلامي ده!
كان هذا المشهد على مسمع ومرأى من الجميع، وخاصةً يوسف الذي خرج من غرفة المراقبة عندما وجد الحرس يجرّون نيفين للخارج، وأدهم الذي تبعه، وكان بالمقابل يقف جميع الخدم وبجانبهم صفية وروفان ومراد وفاطمة القادمون من الخارج. فقد كان الذهول يخيم على الجميع؛ فأين تلك الفتاة الرقيقة الناعمة مثل الورود؟ هل هي تلك الماثلة أمامهم بشموخ وتلك النظرات القوية التي لم تهتز أبدًا؟ هل يمكن أن يخلق القهر والألم كل هذا الجبروت؟!
أخرجهم جميعًا من ذهولهم صراخ نيفين التي أفلتت يديها من بين أيدي الحراس مهرولة تجاه يوسف مرتمية تحت أقدامه وهي تقول بتوسل من بين إنهيارها:
ـ أرجوك يا يوسف! متسيبهمش يعملوا فيّا كده. أنا خلاص ندمت على كل اللي عملته، ومش هكرر غلطتي تاني. بس أرجوك سامحني.
كان الجميع في حالة ترقّب من موقف يوسف تجاه هذه التي كانت ترتمي تحت أقدامه، وخاصة تلك التي كانت تنظر إليه نظرات غامضة لا تفصح شيئًا عمّا يدور من قلق بداخلها تعاظم عندما طال صمته الذي بددته نبرته القوية وهو يوجه حديثه إلى الحراس بصوتًا جهوري:
ـ اعمل اللي كاميليا هانم قالت لك عليه، وبعد كده أوامرها تتنفذ على طول من غير ما ترجعولي.
ثم نظر إلى أحدهم نظرة ذات مغزى قبل أن يوجّه أنظاره لأدهم قائلًا بأمر:
ـ حصّلني عالشركة.
في تلك اللحظة بالذات شعرت كاميليا بعشق جارف لم تشعر به تجاهه في حياتها؛ فإن كانت سابقًا تحبه، فالآن تعشقه، لا. بل لا يوجد شعور في الكون يصف ما تشعر به تجاهه الآن، فهو قد تنحى عن جميع أخطائها وزلاتها جانبًا، معطيًا إياها أجمل وأسمى ما يمكن أن يعطيه رجل لحبيبته: الأمان، الثقة، الدعم، فالأنثى التي تستند على رجل حقيقي لا تستطيع أي قوة في العالم هدمها.
هذا هو تحديدًا ما شعرت به. أنها امتلكت رجلًا يوازي العالم أجمع، رجلًا علا من شأنها وأعطاها الدعم الذي جعلها ولأول مرة في حياتها تقف على أرض صلبة، لا تهتم بمن أمامها، فهي تعلم جيدًا من خلفها، وهذا أكثر ما قد تتمناه الأنثى في رجلها.
اقترب أدهم من كاميليا قائلًا بمزاح:
ـ كل واحد فينا جواه حسيني صغير بيظهر في المواقف الصح.
أتبع جملته بضحكة كبيرة ثم قال بفخر:
ـ عشرة صفر ليك يا وحش.
ابتسمت كاميليا لأدهم ابتسامة شكر، ثم نظرت حولها فوجدت الجميع ينظر إليها دون التفوه بحرف، إلا فاطمة التي سألتها باندهاش:
ـ ليه عملتي فيها كده؟
كاميليا بجفاء:
ـ متبصليش كده يا خالتو. أنا ما ظلمتهاش. أنا بس دوّقتها من نفس الكأس اللي كانت عايزة تدوقهولي، وده منتهى العدل. أما باقي العذاب اللي ورّتهولي، فده ربنا كفيل بيه.
في مكانٍ آخر نجد ذلك الاجتماع المغلق الذي يضم طاولةً مستديرة يجلس حولها أربعة أشخاص: ثلاثة رجال وامرأة، وكان رئيسهم ينظر إلى ذلك الغريب نظرات متفحّصة قبل أن يقول بلهجة باردة:
ـ أخبرني ماذا تقصد بحديثك هذا، فأنا لا أحب المقدمات.
نظر إليه رائد برهبة سرعان ما تغلّب عليها، فعليه إتمام مهمته على أكمل وجه، فقال بلهجة ثابتة:
ـ أقصد بأن يوسف الحسيني لن يقدر على سداد تلك الدفعات، فوضعه الحالي شبه مُدمَر، وعاجلًا أم آجلًا سيعلن إفلاسه.
نفخ الرجل دخان سيجارته قائلًا بلهجة جليدية:
ـ تلك ليست المرة الأولى التي نتعامل فيها مع آل حسيني، ولم يخذلنا أيّ أحدٍ منهم من قبل، فلِمَ عليَّ تصديقك أيها الغريب؟
رائد بنفي:
ـ لست غريبًا ميسيو جاك، فأنت قد رأيتني من قبل.
تحدّثت أنجلينا مساعدة جاك بنبرة ذات مغزًى:
ـ أجل، رأيناك قبلًا مع جو!
جاك بسخرية:
ـ أجل، أنت الصديق الخائن في هذه اللعبة.
رائد بغضبٍ حاول كتمه قدر الإمكان:
ـ لست خائنًا، ولكني أريد المنفعة لكلينا.
جاك بتهكّم:
ـ كل الخونة يقولون الشيء نفسه، ولكن ليس هذا ما يهمني.. هيا أخبرني، ما العرض البديل؟ أم أنك قطعت تلك المسافة فقط لتِحذرني؟!
قال الأخيرة بسخرية، فأجابه رائد بثبات:
ـ هو نفس العرض المتفق عليه مع يوسف الحسيني، لكن سأزود نسبتك. بدلًا من ٣٠٪ إلى ٣٥٪.
حرّك جاك رأسه في حركة استعراضية ليصدر بعدها صوت تقطّق عظام رقبته وهو يقول بتحفّظ:
ـ عرض مغرٍ كثيرًا، ولكن ما الذي يجعلك تقدمه لي؟ لا تقل لي كسب المال، فأنا لا أحب الكذب.
رائد بثبات:
ـ أسبابي تخصّني، والمكسب يخصّك، وهكذا نكون متعادلين.
جاك بسخرية:
ـ أشمّ رائحة انتقامٍ كبير أيها الصديق الصدوق!
قال الأخيرة بتهكّم، ثم أضاف ناظرًا للمرأة:
ـ أليس كذلك يا آنا؟
نظرت إليه أنجلينا لثوانٍ بنظرات يملؤها المكر والدهاء قبل أن تقول:
ـ وأنا أرى بأن عرض هذا الوسيم مناسب تمامًا، أياً كانت الدوافع يا جاك.
رائد بحدّة:
ـ شيء لا يخصك إن كنت صادقًا أم كاذبًا، فأنا أعلم أنك لا يهمّك سوى المال. فأنتم تسلكون كل الطرق، المشروع منها وغير المشروع، للحصول عليه.
هَلَّل جاك بطريقة مسرحية قبل أن يقول بموافقة:
ـ اتفقنا أيها الصديق. أوافق على عرضك، فأنا لا أرفض الربح أبدًا.
تسلّلت روفان إلى داخل غرفة المكتب وقامت بالرد على الهاتف الذي كان يهتز كثيرًا بين يديها كدقات قلبها الذي كان يرقص ما إن رأت اسمه على شاشة الهاتف، فأجابت برِقّة:
ـ آلو.
علي بمُزاح:
ـ كل دا على ما تردّي؟ إحنا هنبتديها تقلّ من أولها ولا إيه؟
روفان بلهفة:
ـ والله أبدًا، انت فاهم غلط، دا الدنيا عندنا مش مظبوطة بس، ومكنتش عارفة أرد عليك.
علي بسخرية:
ـ أنتِ اتخضّيتي كدا ليه؟! ولو بتتقّلي إيه المشكلة؟ أنتِ براحتك تعملي كل اللي انتِ عايزاه.
روفان بخجل:
ـ علي. بطّل بقى.
علي بحب:
ـ قولي تاني كدا.
اشتعلت وجنتاها خجلًا من حديثه ومداعباته فقالت بخجل:
ـ أقول إيه؟
علي بحب:
ـ قولي علي تاني.
ـ خلاص بقى.
ـ يا بت قولي بدل ما تلاقيني قدامك، وأنا أصلًا بتلكّك.
روفان بلهفة:
ـ لا، قدّامي إيه؟ انت مجنون؟ الدنيا شايطة من غير حاجة هنا.
علي باستفهام:
ـ ليه؟ حصل إيه؟
روفان بحزن:
ـ دا موضوع يطول شرحه. بس دا العادي في القصر بتاعنا، لو مَرّ يوم علينا من غير كوارث يبقى حاجة غريبة.
علي بنبرة عابثة:
ـ بكرة أخطفِك من القصر دا كله، وأبعدك عن كوارثهم دي كلها، وميبقاش عندك غير كارثة واحدة بس اسمها علي.
روفان بندفاع:
ـ دي أحلى كارثة في الدنيا.
أوقف علي سيارته في منتصف الطريق وقال بلهفة:
ـ قلتي إيه؟
روفان وقد غمرها الخجل كليًا من اندفاعها بهذا الشكل، فقالت بلهجة أشبه بالتوسل:
ـ مقولتش حاجة.
علي بحدة مفتعلة:
ـ بِتّ أنتِ! لما أقولك قلتي إيه تقولي على طول. مش هفضل أتحايل عليكِ أنا.
صُدمت روفان من غضبه فقالت بحزن تجلّى في نبرة صوتها:
ـ كدا يا علي؟ انت بتشخط فيّا!
علي بنبرة منفعلة:
ـ يخربيت علي دي اللي بتحبني ورا. أنا كل ما أزَعَّقلك هتقوليلي علي دي؟! لا دانتِ بعزقتي الهيبة خالص، والموضوع دا مش نافع.
ابتسمت روفان على حديثه وقالت برِقّة:
ـ أيوه، هفضل أقولك كل شوية: علي يا علي يا علي.
ـ روفاااان!
انتفضت روفان على هذا صوت أدهم القادم من الخلف و…
رواية عشق بين حنايا الروح الفصل السادس 6 - بقلم نورهان العشري
كان مازن يقود سيارته متجهّم الوجه غاضبًا بشدة، وكانت كارما تجلس بجانبه تحاول كتم ضحكاتها بصعوبة على مظهره الغاضب؛ فهو منذ أن رآها تجلس مع ذلك الطبيب وهو على هذا الوضع. لكنها تعمّدت تجاهله، بل ورسمت على ملامحها الحزن الكبير منه، مما أدى إلى تضاعف غضبه، فلم تُبالِ بذلك وقالت بلهجة رسمية:
ـ ممكن أعرف إحنا رايحين فين؟
مازن باقتضاب:
ـ هنفطر، وبعد كده هَوَدِّيكي عَ الجامعة.
كارما باستفزاز:
ـ ومين قالك إني عايزة أفطر معاك؟
مازن بنفس لهجتها:
ـ براحتِك، ماتفطريش. هفطر أنا.
كارما بحنق من بروده:
ـ طيب اتفضل نزّلني على أي جنب وروح افطر، عشان معنديش وقت أقعد أتأمّل في جمال حضرتك وإنت بتاكل.
مازن بنبرة يفوح منها رائحة الغرور:
ـ إنتِ تطولي أصلًا تقعدي تتفرّجي عليّا. طب خلّيني أنزل جامعتِك دي وأقول بس عايز أفطر، وإنتِ هتشوفي أما الجامعة اتقلبت وفطّروني وغدّوني وعشّوني كمان.
نجح مازن في استفزازها فقالت بانفعال:
ـ تمام أوي. بما إن حضرتك شخصية مهمة أوي كده ومعجبينك كتير، فياريت تنزلني على أي جنب.
ابتسامة ماكرة ارتسمت على شفتيه، لكنه سرعان ما محاها ورسم على ملامحه الهدوء واللامبالاة قائلًا:
ـ لا معلش، أنا راجل جنتلمان، وميُرضنيش أنزّلك كده في نُصّ الطريق عيب في حقي طبعًا.
وصل الغضب ذروته معها، فقامت بتكوير قبضة يدها ولكمته بعنف في كتفه قبل أن تقول:
ـ نزّلني أحسن لك، بدل ما وربنا هتسبّب في كارثة على الطريق دلوقتي.
انفجر مازن ضاحكًا على جنونها وقال من بين ضحكاته:
ـ كارما يا حبيبتي إنتِ بتهددّيني؟!
كارما بمكر:
ـ لا يا روح كارما. أنا مابهَدِّدش، أنا بنفذ على طول.
وبالفعل قامت بانتزاع المقود من بين يديه حتى اختل اتزان السيارة لثوانٍ قبل أن يسيطر مازن على الوضع، ثم قام بإيقاف السيارة على جانب الطريق قبل أن يقول بانفعال:
ـ يا بنت المجنونة! إيه اللي إنتِ عملتيه ده! ينفع كده؟
كارما بغضب:
ـ إنت لسه شُفت جنان!
التفتت إلى باب السيارة وحاولت فتحه، لكنه كان قد أغلقه بالزر الإلكتروني، فاشتعلت غضبًا والتفتت ناظرة إليه قائلة بعصبية:
ـ مازن! افتح الباب ده ونزلني وإلا؟
رفع أحد حاجبيه بتحذير قبل أن يقول بجفاء:
ـ وإلا إيه؟
تبدل حالها لثوان من الغضب إلى الحزن الذي افتعلته في نبرتها حين قالت:
ـ و إلا هخاصمك!
ضيق عينيه وهو يناظرها بمكر قبل أن يهتف بتخابث:
ـ هتعملي إيه لو ما فتحتش الباب يا كارما؟
كانت تشعر بأنها تود الضحك على ملامحه التي توحي بأنه يفهمها جيدًا ولكنها تابعت بنبرة رقيقة تتعمد التأثير عليه:
ـ هَزعل منك.
ابتسم بهدوء قبل أن يقول بنبرة حانية:
ـ بس انا ميهونش عليّا زعلك أبدًا.
تدللت قائلة:
ـ لأ. بيهون، وبتزعلني.
مازن بنبرة عاشقة:
ـ والله ما اقدر في حد يقدر يزعل روحه؟
كارما بخفوت:
ـ آه في، إنت!
ـ هصالِحِك.
كارما بتمنّع:
ـ مش هتعرف.
همس بنبرة خافتة:
ـ طب… بحبِّك.
ـ زعلانة برضه؟!
ـ طب بعشقِك.
أخجلتها كلماته فاخفضت رأسها قبل أن تقول بدلال:
ـ بص. هو أنا اتصالحت. بس لِسّه في شوية زعل صُغنّنين كده.
مازن بابتسامة على شقاوتها:
ـ طب أصالحِك إزاي يا روح قلبي؟
باغته اندفاعها حين صرخت و كأنها تستجوبه:
ـ تقولي كنت فين طول العشر أيام اللي فاتوا، وياريت ماتقوليش إنك كنت في شغل، عشان قلبي بيقولي غير كده، وأنا قلبي ما بيكذبش عليّا، وحاسّة إنك كنت بتعمل عاملة سودا ومهبّبة!
قالت جملتها الأخيرة بنبرة تهديد جعلته يرتد للخلف بدهشة من تغيّرها المفاجئ، ثم قال بذهول:
ـ كارما يا حبيبتي! إنتِ سخنة! إنتِ بتتحوّلي فجأة كده إزاي؟! مش كنا حلوين وبنتصالح من شوية؟! إيه اللي حصل؟!
نظرت بلامُبالاة إلى أظافرها المطلية بعناية وقالت بغرور:
ـ عادي جدًا. ممكن أبقى حلوة معاك، وفي لحظة أقلب عليك. ده راجع لهرموناتي، وإنت المفروض تتعوّد على كده. مش كل مرة هتتصدم يا ميزو يا حبيبي.
مازن بسخرية:
ـ هي تقريبًا الهرمونات دي مش كان مِعادها 12 بالليل؟! بقت 12 الضهر كمان؟! يا فرحة أمك بيك يا مازن!
كارما بتهديد:
ـ دول المعادين الثابتين ليها يا روحي، اقلم نفسك بقى على كده، واعمل حسابك إنها ممكن تطلّع لك في أي وقت تاني في اليوم تنكّد عليك. كل ده راجع ليك.
مازن بتهكّم:
ـ وده إزاي إن شاء الله؟!
كارما بلهجة تحمل شيئًا من التهديد المبطن:
ـ بإنك متزعلنيش خالص، وإلا وقتها تستحمل هرموناتي بقى!
مازن بسخرية:
ـ لأ وعليّ إيه. ربنا يكفينا شرها.
كارما بنبرة رقيقة:
ـ كده إنت حبيبي. نِجي بقى للمهم. قولي كنت غايب عني طول المدة اللي فاتت دي بتعمل إيه؟
زفر مازن بيأس، فقد علم أنها لن تهدأ قبل أن تعرف ما يخفيه عنها، لذا قرر أنه لا مفر أمامه سوى الحديث، فقال باستسلام:
ـ هحكيلِك و أمري لله.
****************
نظرت فاطمة إلى كاميليا بغضب حاولت كتمه فقالت بنفاد صبر:
ـ ممكن نتكلم بصراحة وتِحكيلي كل حاجة من البداية؟
نظرت كاميليا حولها بضياع، وأخذت تنظر إلى ملامح الناس حولها في ذلك المقهى وكأنها تستمد منهم الشجاعة كي تتحدث إلى خالتها، التي قالت تحثها على الحديث:
ـ أنا جبتِك هنا بعيد عن البيت وعن كل اللي هناك عشان تتكلمي براحتك. ممكن بقى تتكلمي؟ ولا هتقعدي تتلفتي حواليكي كده كتير؟
كاميليا بخفوت:
ـ حاضر، هحكيلِك كل حاجة. بس الأول ممكن تقولّيلي إنتِ عرفتي إزاي اللي حصل؟
أخذت فاطمة نفسًا طويلًا قبل أن تُجيبها:
ـ مراد اللي جالي وقالي.
عودة إلى وقتٍ سابق
نظرت فاطمة إلى علي بارتباك عندما أخبرها بأن مراد ينتظرها بالأسفل وقالت باستفهام:
ـ مراد الحسيني! وده عايزني في إيه؟
ـ معرفش. بيقول عايزك ضروري! وتقريبًا شكلها حاجة تخص كاميليا.
ارتسم القلق فوق ملامحها من ذكر اسم ابنة أختها، فهبت من مجلسها وقالت بلهفة:
ـ طب أنا هنزل أشوفه عايز إيه، وإنت ماتقلقش، ناهد نايمة، وحتى لو صحيت هي عمرها ما هتنزل تحت عشان جدّك ما إنت عارف.
علي بحيرة:
ـ أنا حاسس إن جدي عدى حوار إنها مامت واحد صاحبي وتعبانة، فجبتهّا تقعد عندنا شوية على ما يرجع من السفر لكن مبلّعوش وما اتكلمش عشان ما يحرجنيش.
فاطمة بتعب:
ـ وأنا كمان حاسة بكده. بس ده وضع مؤقت لحد ما نشوف هنعمل إيه. إلا قولي مفيش أخبار عن ابنها ده؟
علي بسخط:
ـ للأسف مفيش. حتى اللي اسمه عابد ده لسه برضه ماعرفتش أي حاجة عنه بس ماتقلقيش، أنا مش ساكت. المهم دلوقتي تنزلي تشوفي اللي مستنّيكِ تحت ده.
ـ آه صح. تعالي ننزل نشوف في إيه.
وبالفعل توجهت فاطمة للأسفل فوجدت مراد الذي كان ينتظرها على أحر من الجمر. وفور أن شاهدته تزاحمت الذكريات برأسها عن أختها الراحلة وقصة عشقهما التي كان الفشل حليفها، فتنهدت بألم قبل أن تتقدم منه، فمد يده يصافحها فبادلته، ثم دعته للجلوس وقالت بتحفظ:
ـ أهلا يا مراد بيه. إزيك.
مراد بعتاب:
ـ مراد بس يا فاطمة. ملهاش لازمة بيه دي. إحنا في يوم من الأيام كنا أهل برضه.
تنهدت فاطمة قبل أن تقول بشجن:
ـ فعلا. كنا أهل يا مراد. تشرب إيه؟
مراد بهدوء:
ـ مش هشرب حاجة يا فاطمة. أنا مش ضيف. أنا جايلِك في موضوع مهم، فهستأذن حضرة الظابط يسيبنا لوحدنا شوية.
لم ترُق الفكرة لعلي، الذي غضب من طلب مراد، لكنه أخفى ذلك عندما طلبت منه فاطمة بذوق:
ـ بعد اذنك يا علي ممكن تسيبنا لوحدنا شوية؟
وافق علي على مضض، فلم يتفوه بحرف، بل هز رأسه وانصرف تاركًا المكان، فنظرت فاطمة إلى مراد قائلة بنفاد صبر:
ـ ممكن تقولي في إيه يا مراد؟ عشان أنا قلقت.
شعر مراد بالارتباك للحظات قبل أن يقول:
ـ أنا هدخل في الموضوع على طول. أتمنى إنك تسمعيني للآخر من غير ما تقاطعيني.
ـ مش هقاطعك. قول بقى، وقعت قلبي.
مراد بارتباك:
ـ هحكيلِك. بس قبل ما أحكيلِك عايزِك تعرفي إني ماحبتش في حياتي حد قد زهرة.
فاطمة بنفاد صبر:
ـ في إيه يا مراد؟
قصّ عليها مراد ما حدث منذ ذلك اليوم المشؤوم بينه وبين شقيقتها، مرورًا بما حدث بينه وبين سميرة، وبينه وبين يوسف، وما حدث منذ لحظات أمامهم جميعًا. وانتهى سرده للحوار بتلك الجملة التي خرجت من أعماق فؤاده بألم ولوعة:
ـ أنا عارف إني أحقر إنسان في الدنيا على اللي عملته في حبيبتي وفي بنتي بس أقسم بالله العذاب اللي شُفته بعد كده ما يقدر بشر يتحمله. أنا من أول يوم سبتها فيه وأنا بتعاقب لحد دلوقتي.
كان الحديث يقع على مسامع فاطمة وقع الصاعقة، فكيف مرّت شقيقتها الصغيرة البريئة بكل ذلك الألم والعذاب وحدها؟! كيف احتملت كل هذا دون أن تشارك به أحد؟! ومن بعدها ابنتها التي لم تستطع التفوّه بحرف خوفًا على سمعة والدتها بالرغم من ضغطهم الكبير عليها…
اعتصر الألم فؤادها وهي تنظر إليه، لا تعلم ماذا تقول؛ هل تعنفه وتفرغ طاقات الغضب الكامنة خلف صدمتها وحزنها؟ أم تشفق على ذلك المصير الأسود الذي تلقّاه عقابًا على جريمته، والذي لا يزال يتجرعه حتى الآن برفض ابنته القاطع له؟
لم تعرف ماذا تقول أو تفعل، حتى تحدث هو قائلًا بانهزام ويأس:
ـ أنا عارف إنك كرهتيني، ويمكن مش طايقة تبصي في وشي، وأنا أستاهل. بس كاميليا تستاهل بعد كل العذاب ده إنها تحس إنها مش يتيمة، وإن ليها أب مستعد يضحي بحياته عشان خاطرها.
عند ذكر اسمها شعرت بوخز في قلبها فقالت بألم:
ـ وهي فين دلوقتي؟
مراد بحزن:
ـ نايمة في أوضة زهرة صفية طلبت مننا نسيبها تستوعب صدمتها وتاخد وقتها، وبعد كده نشوف هنعمل إيه. وعشان كده جيتلك. إنتِ الوحيدة اللي تقدري تتكلمي معاها وتفهميها.
فاطمة بغضب:
ـ أتكلم معاها؟ أقول لها إيه؟! أحكيلها عن مدى السوء اللي إنتوا فيه؟! أقول لها إن حظك الزفت وقعك إنتِ وأمك مع ناس لا بترحم ولا بتسيب رحمة ربنا تنزل؟! عايزني أقول لها إيه بالظبط؟ ده أبوكي يا كاميليا اللي عاش عمره كله جنبك من غير ما يحس ولا يفهم إنك بنته! يالا روحي اجري اترمي في حضنه، واحمدي ربنا إنك ماطلّعتيش يتيمة أم وأب! ما تقولي عايزني أقول لها إيه!
مراد بندم وألم يسيطران على جميع ملامحه:
ـ لا مش عايزِك تقوليلها أي حاجة من دي. أنا بس عايزِك تعرفيها إني مستعد أدفع عمري كله وأشوفها سعيدة ومبسوطة، وإني لو رجع بيا الزمن كان الموت عندي أهون من إني أفرّط فيها هي وأمها. قوليلها إني طول عمري بتمنى إنها كانت تكون بنتي أنا مش هحلفلك، بس ربنا شايف وعارف اللي في قلبي.
اختتم مراد جملته تزامنًا مع هروب دمعة من طرف عينيه، سرعان ما مسحها، وقام بالتوجه إلى باب غرفة الصالون. فأوقفه نداء فاطمة، التي آلمتها كلماته وشعرت بمدى صدقها، فلم يطاوعها قلبها أن ترده بهذا الشكل، خاصة وهي تعلم مدى حقارة تلك المرأة المسماة بسميرة، فأوقفته قائلة:
ـ استنى يا مراد.
التفت مراد بلهفة قائلًا بأمل:
ـ إيه؟ قررتي تساعديني؟
فاطمة بتحفظ:
ـ أنا هعمل اللي في مصلحة كاميليا.
عودة للوقت الحالي
كاميليا مستنكرة بلهجة بغضب:
ـ خالتو، أنتِ عايزاني أسامحه بعد كل اللي عمله ده؟
فاطمة بهدوء:
ـ اللي عمله ده بينه وبين زهرة الله يرحمها. هو أذاها هي، وعند الله تجتمع الخصوم. عارفة معنى الكلمة دي ولا لا؟
كاميليا بحزن:
ـ عارفة، بس دي أمي،
ومن حقي أزعل عشانها وأتوجّع على كل اللي مَرّت بيه.
ـ طبعًا من حقك، محدش قالك لا. بس كمان هو أبوكي.. مراد شاف عذاب محدش يتحمله يا كاميليا. أنتِ متخيّلة تعيشي مع الإنسان اللي بتحبيه في بيت واحد وهو مِلْك لغيرك!! عارفة كان إحساسه إيه؟ ماشي هو غلط، بس هو اتلعب بيه، وكلنا بشر ومحدش فينا معصوم من الخطأ. مراد ما اتخيّرش يبعد عنكوا و هو اختار إنه يبعد؟ لا، مراد اتفرض عليه البعد ده، وأحمد الله يرحمه كان أناني، ما حاولش أبدًا يصلّح أو يكون حلقة وصل بينهم. لا، ده قوّى زهرة على اللي في دماغها. مراد غلط ومفيش مبرر في الدنيا لغلطه ده، بس هو في النهاية راجل، وأي حد مكانه كان هيتجنن.
كاميليا بألم ممزوج بدموعها:
ـ معقول مكنش عنده ذرة ثقة فيها تخليه يصدّق كلامها؟ أو حتى يديها فرصة تدافع عن نفسها؟
فاطمة بتعقّل:
ـ الغضب وحش يا كاميليا، بيعمي الإنسان عن الصح حتى لو واضح زي الشمس. الإنسان ما يخليش غضبه يتحكم فيه، وخصوصًا لو كانت الحاجات دي تخص ناس بنحبهم وروحنا متعلقة بيهم. نديهم وندي نفسنا المساحة إننا نستوعبهم. الحب الحقيقي مش سهل نقابله في حياتنا يا حبيبتي، وفي ناس ما بتقابلوش أصلًا. عشان كده لما يجي ما نفرّطش فيه بسهولة.
كلماتها أصابت قلبها في الصميم، فهي في كل مرة تختبرها الحياة تختار أن تضحي بعشقها حتى وإن كانت أسبابها قوية، فخطؤها كبير هكذا أخبرها قلبها وعقلها أيضًا. فقالت بتعب:
ـ طب لما نغلط في حق الناس اللي بنحبهم عشان بنخاف عليهم يا خالتو، يبقى إيه الحل؟ نخليهم يسامحوا ويغفروا إزاي؟
فاطمة باستفهام:
ـ نفسِك تاخدي فرصة عشان تكفّري عن خطأك في حقّه، صح؟
كاميليا بلهفة:
ـ نفسي يا خالتو. كل مرة بيكون واقف في ضهري وبيّدعمني، وأنا كل مرة بخذله، وبيكون أول حاجة أتخلى عنها. يمكن ده من حبي، بس والله غصب عني. هو ما بيقولش إنه زعلان مني، بس عينيه بتقول كتير. فيها كمية عتاب رهيبة يتوجّع قلبي كلما أشوفها.
فاطمة بحكمة:
ـ هو ده بالضبط اللي مراد نفسه فيه. إنه ياخد منك فرصة يصلّح بيها غلطه غير المقصود برضه. هقولك حاجة يا كاميليا: حاولي تسامحي وتبتدي حياتك من جديد، عشان أنتِ فعلًا اتولدتي من جديد. وبالنسبة ليوسف، فهقولك كلمتين تحطيهم حلقة في ودنك: يوسف قلبه معاكِ. نقطة ضعفه أنتِ، ودي حاجة في صالحِك، بس في نفس الوقت كرامته مجروحة منك، من تفريطك فيه بسهولة أياً كانت أسبابك، ومن ضعفك وانهزامك قدام أسبابك دي. يوسف لازم يشوفك حد يستاهل حبّه الكبير ده. عايزِك تبقي في ضهره زي ما هو على طول في ضهرك. عايز بنت قوية يقدر يحارب بيها كل الشياطين اللي حواليه، مش عايز انك تكوني نقطة ضعفه اللي بيتحارّب بيها. يوسف مش شخص عادي، دا كبير عيلته، عيلة كاملة بتتسند عليه، وهو بيتسند عليكِ انتِ. فهمتي ولا لسه؟
كاميليا بانفعال:
ـ ماشي فهمت وعرفت غلطتي، بس هو كمان غلط في حقي. ده مضّاني على تنازل عن أملاك بابا أحمد كلها من غير ما أعرف.
فاطمة بحدّة:
ـ وسيادتك عرفتي منين؟
كاميليا بتخاذل:
ـ عرفت من نيفين.
فاطمة بغضب:
ـ تبقي غبية ولسه ما فهمتيش حاجة! هي نيفين قلبها عليكِ أوي عشان تقولك؟ ومع ذلك هفترض إن كلامها صح، حضرتك هتعملي إيه؟ هتروحي تجري تغضبي وتزعلي، ومش بعيد كمان تهربي عشان عمل كده؟ ولا تبقي ست ناضجة وواعية وبتفهم وتروحي تقعدي مع جوزك تحكيله وتفهمي منه حصل إيه؟ وبقولك للمرة التانية ‘تحكيله’ مش ‘تتّهميه!
كلمات فاطمة هذّبت تفكيرها إلى الحد الذي جعلها تشعر بالندم الشديد على غضبها منه، فقالت بخجل:
ـ أنا عارفة إني غلطت كتير، بس أنا مكنتش فاهمة، وكنت بندفع في تصرفاتي والله. أنا بحبه أكتر من أي حد في الدنيا.
فاطمة بتحفيز:
ـ الكلام ده ما يتقالليش أنا، ده يتقاله هو. اللي طالع عينه معاكِ ده له حق كبير أوي عندك، وجه الوقت إنه ياخد زي ما بيدي يا بنتي. فكري في كلامي وشوفي قلبك هيودّيكي فين.
كاميليا وقد أخذت قرارها، فقالت بحزم:
ـ وأنا فكرت وقررت هعمل إيه. ربنا ما يحرمني منك يا خالتو، متعرفيش أنا كنت محتاجة أتكلم قد إيه.. أنا كنت زي اللي غرقان ومش عارف يرسى على بر، عمالة أتخبط يمين وشمال ومش عارفة الصح فين. يا ريتك كنتي موجودة من زمان.
اختتمت جملتها وقامت بالارتماء بين أحضان فاطمة التي استقبلتها بحب وقلب يحوي جميع مشاعر الأمومة تجاهها، فبادلتها العناق بأقوى منه قبل أن تقول بحنان:
ـ ربنا يفرّح قلبك يا بنتي، ويجبر بخاطرك، ويهدي لك قلبه، ويصلّح ما بينكوا.
أخذت كاميليا تردد تلك الدعوة كثيرًا وهي في طريقها، وتدعو الله أن يستجيب لها، فأكثر أمانيها الآن هو غفرانه…
***
كان ينظر إلى تلك الأوراق التي بين يديه بانتباه، إلى أن جاءه ذلك الطرق على الباب، فأمر الطارق بالدخول، لينتبه إلى ذلك الذي كان يتقدّم بهدوء وابتسامة بسيطة على شفتيه تُخفي الكثير من التناقضات. فبادره يوسف بالحديث بسخرية:
ـ أهلا بالواطي اللي خالع وسابنا غرقانين هنا!
رائد باعتذار كاذب:
ـ أسف يا يوسف، بس الست دي هي اللي ربتني بعد وفاة أهلي، ومكنش ينفع أعرف إنها تعبانة ومروحش أطّمن عليها.
يوسف بجمود:
ـ لا طبعًا واجب، وهي عاملة إيه دلوقتي؟
رائد بهدوء:
ـ أحسن، الحمد لله. المهم طمني، وضع الشركة عامل إيه دلوقتي؟ أنا كنت بتابع مع أدهم بالتليفون.
يوسف بتهكم:
ـ ومادام بتتابع يبقى عارف الوضع.. مش محتاج أشرحهولك.
شعر رائد بتهكم يوسف، فاعتدل في جلسته وقال بارتباك:
ـ لا يعني مكنش بيقولي كل حاجة.. فجيت عشان أفهم منك.
زفر يوسف بتعب قائلًا بيأس:
ـ للأسف الوضع سيّئ جدًا. بحاول أجمع أكبر قدر من السيولة عشان أقدر أقنع الألمان نتمّم الصفقة، وياخدوا الفلوس على دفعات.
رائد باستفهام:
ـ وقدرت تقنعهم؟
يوسف بجمود:
ـ مبدئيًا آه، سمعتنا هي اللي خلتهم يوافقوا. بس طبعًا هما ميعرفوش الوضع الحالي للشركة، وعندي أمل إني أقدر أقف على رجلي قبل معاد الدفعة التانية.
رائد بتأثر زائف:
ـ موقف صعب، بس إن شاء الله نعديه. طب إيه الخطوة الجاية؟
ـ اعمل حسابك إنك آخر الأسبوع هتكون هناك في ألمانيا عشان نِمضي معاهم العقود.. انت هتسافر تظبط الدنيا، وأنا هاجي بعدك بيومين على ما الأجواء تهدى هنا.
رائد بجمود على عكس تضارب المشاعر بداخله:
ـ لله يكون في عونك يا يوسف، حملك كبير. أدهم حكالي على اللي حصل، وبصراحة أنا مشفق على عمي مراد. مش سهل عليه اللي حصل ده.
يوسف بتعب:
ـ كلنا مكنش سهل علينا، بس اللي حصل حصل.
رائد بتخابث:
ـ طب وهتعملوا إيه دلوقتي؟ أقصد مع سميرة ونيفين؟
يوسف بهدوء:
ـ سميرة هربت طبعًا، راحت على عشيقها! ونيفين. كاميليا قامت معاها بالواجب ومشيت هي كمان.
دق قلب رائد بخوف عند ذكر عشيق سميرة، فاعتدل في جلسته قبل أن يقول بتحفّظ:
ـ ويا ترى عمو مراد يعرف عشيقها ده؟
يوسف بتهكم:
ـ ده إحنا كلنا. طلع نعرفه ده عشرة قديمة!
ارتبك رائد وحاول إخفاء ارتباكه:
ـ إيه ده! معقول؟!
يوسف بسخرية:
ـ معقول قوي، واحد من اللي كنا بنعطف عليهم زمان، بس طلع كلب وعض الإيد اللي اتمدّت له هو وأخوه.
كان رائد يغلي من الداخل بفعل الغضب من كلمات يوسف المهينة لوالده، لكنه تجاوز ما يشعر به بصعوبة بالغة، وهو يقول بغضب يغلفه التهكم:
ـ أخس عليه! دا أنتوا طول عمركوا بتعطفوا على الناس وبتساعدوهم.
يوسف بلامبالاة:
ـ كل واحد وله يوم، وهو لعب مع اللي أكبر منه، يبقى يستحمل اللي هيجراله.
اعتدل في جلسته و تحفزت نبرته حين تابع:
ـ المهم سيبك من ده، أنا عايزك تشوفلي سكرتيرة كويسة بدل المصيبة اللي برا دي. مش فاهمة حاجة خالص، والست هند مشيت فجأة عشان تتجوز! وما ادتنيش وقت حتى أجيب لها واحدة تدربها.
عند ذكر هند، كان السبب الذي رحلت لأجله كالخنجر المسموم الذي غُرز في منتصف قلبه، فهبّ من مقعده قائلًا بأنفاس مقطوعة:
ـ بتقول إيه؟ مين دي اللي مشيت عشان تتجوز؟!
نظر إليه يوسف باندهاش قبل أن يقول بخشونة:
ـ مشيت وسابت استقالتها، ومعاها جواب بتقول فيه إنها متأسفة وإنها مضطرة تسيب الشغل عشان هتتجوز، وكل حاجة جت بسرعة ما لحقتش تبلغنا، وشوية هري كتير كده ما ركزتش فيه.
كانت دقات قلبه تتسارع بجنون حتى سمع صداها في أذنيه من شدة الألم، فقال بلهجة مهزوزة بعض الشيء:
ـ الجواب ده فين؟
يوسف باستفهام:
ـ في حاجة يا رائد؟
حاول رائد رسم القوة والثبات على ملامحه قدر الإمكان حين قال:
ـ لا أبدًا، بس كنت حابب أشوف الجواب لو لسه موجود.
اومأ يوسف برأسه قبل أن يفتح أدراجه، فوجد ذلك المظروف الذي يخصّها، فسلمه إلى رائد الذي التقطه بلهفة غير مقصودة. ليفتحه بأنامل مضطربة، ويُصطدم مما قرأه ولأن الخط بالفعل يعود إليها، شعر بتسارع أنفاسه ونفور عروق رقبته بفعل الغضب والغيرة والألم. حاول قدر الإمكان إخفاء حالته قبل أن يرفع عينيه إلى تلك العينين اللتين كانتَ تنظران إليه بصفاء لا يعكس أي شيء، ثم ارتسمت ابتسامة هادئة على محيّاه قبل أن يقول:
ـ من الواضح إن العشق طايلك يا صاحبي وأنا معرفش.
رائد بنبرة مهتزة قليلًا:
ـ مفيش الكلام ده.. أنا بس استغربت.
ابتسم يوسف قبل أن يقول بتهكم:
ـ وأنا هعمل نفسي مصدقك.. نفّذ اللي قلتلك عليه عشان اللي جاي مفيهوش هزار، ومحتاج مننا تركيز.
هز رائد رأسه بهدوء قبل أن يقول بجمود:
ـ أنا هروح المصنع أشوف الدنيا هناك فيها إيه، ولو في جديد هكلمك.
يوسف بلامبالاة:
ـ تمام.
خرج رائد من الغرفة بأنفاس مقطوعة وقلب يشتعل غضبًا وألمًا، وهو ينظر إلى الأوراق في يديه، يودّ لو يمزّق صاحبتها إربًا جراء فعلتها. لذا قام بإجراء ذلك الاتصال الذي لم يقل فيه سوى تلك الجملة:
ـ عايز أعرف مكانها.
فأجابه الطرف الآخر بشرّ:
ـ اعتبر نفسك عرفته.
***
كان يتابع بعض الأشياء على جهاز اللاب توب الخاص به، وقد أمر سكرتيرته بأن تمنع عنه أي اتصال أو مقابلة لكي يتفرغ لما يقوم به، والذي كان يأخذ حيزًا كبيرًا من انتباهه، فلم يلتفت للطرق على الباب، والذي زاد للحد الذي أغضبه، فقال بحدة دون أن يحيد بعينيه عمّا يقوم به:
ـ أنا مش قلتلك متدخّليش عليا حد.
ارتعبت كاميليا من حدته في الحديث فقالت بخفوت:
ـ ولا حتى أنا!
انتشرت رائحة عطرها الخاص في المكان لتصل إلى قلبه أولًا، ثم صوتها الهادئ الخائف من غضبه، فأصاب وجدانه في الصميم ليلتفت ناظرًا إليها، فسلبت حواسه بتلك الهيئة الملائكية و العينين الناعستين اللتين لطالما أرقَتا لياليه من فرط الشوق، ولكنه استطاع وببراعة إخفاء كل هذا خلف مظهره البارد وصوته الحاد وهو يقول:
ـ تعالي يا كاميليا.
تقدمت كاميليا بخوف وترقّب، تقدّم قدم وتؤخّر الثانية، إلى أن وصلت إلى ذلك المقعد أمام مكتبه وقالت بخفوت:
ـ ممكن أقعد؟
يوسف بفظاظة:
ـ مش محتاجة تستأذني..
جلست كاميليا وأخذت تبلع ريقها بصعوبة، فقد تبخرت كل تلك الكلمات والمقدمات التي ظلت طوال الطريق تعدّها، فنظراته ومظهره الهادئ البارد لا يشجعانها إطلاقًا، وزاد عليهما كلمته التي أربكتها أكثر:
ـ سامعِك يا كاميليا،
اتكلمي ولا إنتِ جاية هنا عشان تسكتي؟
غضبت كاميليا من لهجته وحديثه غير المشجع، فنظرت إليه بحدة قبل أن تقول بغضب مكبوت:
ـ والله هتكلم. بس آخد نفسي يعني!
رفع يوسف إحدى حاجبيه وقال بلامبالاة:
ـ وماله؟ خُدي نفسك براحتك.
قال جملته والتفت إلى الحاسوب أمامه ليكمل ما كان يفعله، فزاد ذلك من غضبها فقالت بانفعال:
ـ لو مشغول آجّيلك وقت تاني!
نظر يوسف إليها فقال ببرود:
ـ طبعًا انفعالك دا عشان إنتِ مش عارفة تبدئي منين.. ومستنية مني أبدأ أنا زي كل مرة..
أصابت كلماته الحقيقة ككل مرة، ولكنها أبت الاعتراف فقالت بحدة طفيفة:
ـ لا طبعًا.. أنا متضايقة عشان انت مش مدّيني اهتمام!
نظر إليها يوسف بهدوء ومن ثم حوَّل أنظاره إلى شاشة الحاسوب مرة ثانية وهو يقول بفظاظة:
ـ لو عايزة تقولي حاجة يا كاميليا أنا سامعِك، ولو ما عندِكيش اللي تقوليه فياريت تتفضلي عشان إنتِ كدا معطلاني.
انطلت حيلته عليها، فقد نجحت كلماته في إشعال فتيل غضبها، فهبت من مقعدها قائلة بغضب:
ـ تمام أوي! وأنا ميرضنيش إني أعطّلك. هما كلمتين جايّة أقولهم لك وهمشي على طول. آه أنا غلطانة ومتسرّعة وكمان غبية، بس أنا أبدًا مش ضعيفة زي ما انتوا كلكوا مفكّرين! ولا أنا كان سهل عليّا أضحي بيك! أنا اخترت أمشي عشان مهينكش، عشان ما تسمعش كلمة وحشة بسببي.. مقدرتش أحطك في حرب بين عقلك وقلبك اللي انت كنت واثق إنه هيختارني..
يوسف بهدوء:
ـ وتفتكري لما هربتي مكنتيش بتهينيني!؟ وفي رأيك كدا كلام إيه ممكن راجل يسمعه أوحش من إن مراته هربت وسابته؟
للمرة التي لا تعرف عددها كان محقًا في حديثه، فلم تستطع إجابته، ليقوم هو بمتابعة الحديث بقلب متألم وملامح جامدة ونبرة هادئة عكس نزيف روحه:
ـ أقولك أنا ليه هربتي؟ هربتي عشانك. عشان ما شوفكيش في صورة وحشة، وبرضه دا من حقك، مش هلومِك عليه. كانت كل الظروف ضدك فهربتي. نيجي بقى لبعد ما رجعتي؛ كام مرة سألتك هربتي ليه ما جاوبتيش!؟ وبرضه هديكي عذرك.
التمع وهج الأمل في عينيها ولكن سرعان ما انمحى حين سمعته يقول:
ـ بس قلبك الموجوع دا محسّش ولا مرة قد إيه كان قلبي موجوع هو كمان! وأنا كل ما أمشيلِك خطوة. تبعدي ألف!! ما لمستيش ولا مرة وقع كلمة (الطلاق) عليّا كانت بتبقى عاملة إزاي؟! كل مرة أسهل حاجة عندك تبعدي عني بحجة إنك بتحبّيني!
قاطعته كاميليا بألم ودموع حارقة:
ـ حِجة يا يوسف!
يوسف بنبرة متألمة طحنت عظامها:
ـ للأسف. هي حِجة يا كاميليا. الحب إنك تأمني وتسلّمي. إنك توصلي لأقصى مراحل الأمان اللي لو كنتِ وصلتي له معايا مكنتيش فكرتي لحظة واحدة تهربي وتسيبيني.
كاميليا بألم جراء كلماته القاتلة:
ـ بس أنا حبيتك أكتر من نفسي.
يوسف بنبرة تحمل أثر القهر كما تحمل الندبة أثر السكين:
ـ وأنا ولا مرة قلتلك بحبك. أنا كنت بقولك بعشقك! الحب دا حاجة كانت قليلة أوي على اللي في قلبي ليكِ، وبرضه بعدها طلبتي الطلاق! تممت جوازنا بالرغم من كل حاجة عشان بس تحسّي إنتِ عندي إيه.. وإنتِ مفيش بردو!
أكمل بنبرة مُتهدجة و كأن القهر يعتصر حروفه قبل أن تُقال:
ـ عارفة؟ أنا مفيش حاجة تثبتلك إني بحبك ما عملتهاش، وإنتِ ولا إنتِ هنا. حتى وإنتِ جرحاني مقدرتش غير إني أكون في ضهرك، وسبت نيفين تمشي عشان ماكسرش كلمتك قدام حد.
كاميليا بغضب من حديثه الذي اعتبرته غير منصف لعشقها له:
ـ ما انت برضه كذبت عليّا ومضّيتني على تنازل عن حقي في ورث بابا أحمد! وقبل ما تقول حاجة. أنا مش فارقلي فلوس، بس اتوجعت إنك عملت كدا من غير ما أعرف! كنت قولي! لو كنت طلبت روحي مكنتش هقولك لا! ليه عملت كدا من غير ما تعرفني!؟
نظر إليها يوسف بألم شديد، ولكنه قال بتهكم:
ـ يوسف وحش وأخد حقك يا حرام.. صح؟ مفكرتيش لحظة واحدة أنا ممكن أكون عملت كدا ليه!
كاميليا بنبرة ضعيفة مبحوحة:
ـ أكيد لمصلحتي. بس ما قلتليش.
يوسف بجفاء:
ـ مقدرتش أقولك وقتها إن جدي هدّدني إنه يحرمني من كل حاجة لو ارتبطت بيكِ.. عشان كان فاكر إنك مش بنت ابنه! وعشان كرامتي وكرامتك مضّيتك من غير ما تعرفي على التنازل، ومضّيت أنا كمان، وروّحت قولتله: لا أنا ولا مراتي عايزين منك حاجة!
صدمة قوية سقطت على قلبها أولًا، فكيف أنه تنازل عن كل شيء من أجلها قبل أن يجعلها تتنازل هي؟ ليصدمها أكثر قائلًا بحدة:
ـ قبلت إني أشتغل زيّي زي الغريب في ملكي مقابل إن محدّش يعرف سرك دا. شفتي أنا كنت وحش معاكِ قد إيه؟
توالت الصدمات عليها للحد الذي جعلها عاجزة عن النطق، لينظر إليها بجمود لأول مرة تراه بعينيه قبل أن يقول بفظاظة:
ـ ساكتة ليه؟ ولا المرادي مش هتلاقي حِجة عشان تطلبي مني الطلاق! عمومًا أنا هوفّر عليكِ، وهنفّذلك طلبك.
رفعت رأسها بلهفة و عينيها تتوسلانه ألا يفعل لتصدم و لأول مرة بالجفاء الذي يطل من عينيه و نبرته الحادة حين قال:
ـ كاميليا أنت…
لم يستطع إكمال جملته إثر تلك الصرخة الغاضبة التي خرجت من جوف الوجع الكامن بداخلها، وهي تقول بنبرة صارخة:
ـ لاااا. أرجوك ما تقولهاش. أرجوك لا يا يوسف!
كانت كلماتها ورجاؤها له يدميان قلبه للحد الذي كاد يجعله يندفع تجاهها ليعتصرها بين ذراعيه ليقتصّ منها بسبب كل هذا الوجع الذي يكاد يفتك بقلبه والذي لا يستطيع تجاوزه أبدًا. لتأتي كلماتها التالية فتشق قلبه إلى نصفين:
ـ أوعي تنطقها يا يوسف. لو هييجي اليوم اللي قلبك يطاوعك فيه وتقولها لي. أرجوك موتني قبلها. أهون عليّا بكتير إني أعيش لحظة وأنا مش على اسمك.
أنهت حديثها وتوجهت إلى الباب بقلب ينفطر ألمًا، ثم توقفت ويدها على مقبض الباب، لتلتفت إليه بعينين تقطران ألمًا وقالت بصدق:
ـ أنا بحبك أوي، وعمري ما حبيت ولا هحب حد قدّك.
نظر إليها بعينين جامدتين تخفيان جيدًا ذلك الألم الناتج عن جراحه النازفة، وحاول بصعوبة السيطرة على قلبه الذي ينفطر ألمًا لرؤيتها بهذا الشكل، فظل لثوانٍ قد تكون طويلة إلى أن شعرت باليأس من إجابته، فقامت بإدارة مقبض الباب وخرجت مهرولة إلى الخارج تسبقها دمعاتها، فلم تستطع سماع تلك الصرخة الغاضبة المتألمة التي خرجت من جوفه، وصوت التحطيم الذي كان نتيجة أنه قام بقلب المكتب أمامه بكل ما يمتلك من قوة تضاعفت بفعل الغضب الممزوج بحزن كبير، حتى إنه صار يتحرك في الغرفة بلا هَدْي كنمر جريح غير قادر على السيطرة على ألمه أو غضبه، فظل لدقائق على هذه الحالة قبل أن يتجه إلى هاتفه المُلقى على الأرض ويقوم باتصال ما، ثم قام بعدها بتحطيم هاتفه إلى أشلاء تشبه أشلاء قلبه الذي تمزق بفعل ذلك العشق الغاشم الذي تسلّط على قلبه فأنهَاه.
كانت تنظر أمامها بعينين يتساقط منهما الدمع كالأنهار، وما إن أوشكت أن تتجاوز بوابة الشركة العملاقة حتى سمعت ذلك النداء خلفها، فانتبهت إليه لتستدير ترى ماذا هناك، فقال لها الحارس:
ـ أنا آسف يا هانم، بس يوسف بيه أمر ما تخرجيش غير لما السواق ييجي ياخدِك، وأنا كلمته وخلال دقايق هيكون هنا.
لا تعرف: أَتفرح لاهتمامه بها وبسلامتها، أم تحزن على غبائها الذي أوصلها معه إلى تلك النقطة؟!
كانت روفان ترتجف خوفًا من مظهر أدهم الغاضب بشدة، فسقط الهاتف من يدها ليصطدم بالأرضية الرخامية تحتها دون القدرة على النظر إليه، فقد اقترب منها أدهم قائلًا بغضب جنوني:
ـ علي مين؟
ارتجفت رعبًا حتى عجزت عن الحديث، فزاد ارتجافها عند إمساكه برسغها بقوة آلمتها كثيرًا، فأغضبه صمتها أكثر فقال بصراخ:
ـ رُدّي عليا! علي مين؟
ثم خطر بباله فجأة هويته فقال باستهجان غاضب:
ـ أوعي يكون على أخو غرام!
ازدادت روفان ارتجافًا وهي تقول بتلعثم:
ـ أدهم. أرجوك اسمعني. أنا هفهمك.
أدهم بغضب جحيمي:
ـ بتستغفلينا يا روفان؟
روفان بلهفة:
ـ والله أبدًا. أنا هفهمك.
أدهم بصراخ:
ـ اخرسي! وكمان ليكِ عين تتكلمي؟!
جاءت صفية من الخارج على صوت أدهم الغاضب وقالت بقلق ولهفة:
ـ في إيه يا أدهم؟ صوتك جايب آخر البيت! وماسك أختك كده ليه؟!
نظر أدهم باستنكار إلى روفان وقال بخيبة أمل كبيرة:
ـ اسألي الهانم بنتك كانت بتكلم مين ومستغفلانا! وأنا هصفّي حسابي مع الكلب اللي اسمه علي ده!
قال جملته الأخيرة وقام بالدعس بكل قوته على الهاتف الذي تحطم، وانطلق كالسهم ينوي تلقين علي درسًا قاسيًا لتقربه من أخته، ولم يحسب حسابًا لدائرة الزمان التي تدور فتسقي كلَّ ساقٍ بما سقى.
ولم يهتم لكاميليا التي كانت تترجل من السيارة لتشاهد مظهره الغاضب هذا، فأخذت تنادي عليه فلم يجبها، بل انطلق بسيارته كالمجنون.
فاندفعت كاميليا للداخل لمعرفة ماذا حدث، فوجدت روفان ترتجف رعبًا وصفية بجانبها تحاول تهدئتها. فقالت كاميليا بقلق:
ـ إيه؟ في إيه؟
أجابتها صفية بحيرة:
ـ والله يا بنتي ما أنا عارفة! أنا جيت جري على صوت أدهم وهو بيزعق وبيقولي شوفي بنتك بتكلم مين، وطلع يجري زي المجنون زي ما أنتِ شفتي.
نظرت كاميليا إلى روفان التي ساءت حالتها كثيرًا، فنظرت إلى صفية قائلة برجاء:
ـ طب معلش يا طنط، ممكن تخليهم يعملولها كوباية ليمون تهديها شوية؟ وبعدها نبقى نفهم في إيه؟
أطاعتها صفية دون حديث وتوجهت إلى الخارج، مغلقة الباب خلفها، لتندفع روفان إلى أحضان كاميليا وتنفجر في بكاء هستيري قائلة بانهيار:
ـ الحقيتي يا كاميليا. أنا في مصيبة.
فزعت كاميليا من حديثها وقالت محاولة تهدئتها:
ـ بعد الشر! مصيبة إيه؟ اهدي كده وفهميني!
حاولت روفان التماسك قدر الإمكان، وقامت بقص ما حدث على كاميليا التي سقط قلبها رعبًا مما قد يقدم عليه ذلك المجنون، فأخذت تدور حول نفسها وهي تقول بفزع:
ـ يا نهار مش فايت! أخوكي المجنون ده ممكن يعمل مصيبة!
زاد انهيار روفان أكثر فقالت من بين دموعها:
ـ أنا هموت من القلق والرعب يا كاميليا. كده الموضوع ممكن يتقفل بالضبة والمفتاح، ولو أدهم قال ليوسف أنا ممكن أضيع خالص! يوسف ممكن يقتلني!
كاميليا بغضب تلقائي:
ـ بطّلي جنان! هو يوسف قتال قتلة؟! لا طبعًا مش ممكن يأذيكي. المهم، قوليلي المجنون ده قال رايح فين؟
روفان ببكاء:
ـ قال رايح يربّي علي! أنا خايفة يروح عالبيت وتحصل مشكلة بينهم.
عند جملة روفان، أضاءت فكرة جهنمية في عقل كاميليا فقالت بتمني:
ـ طب يا ريت يروح عالبيت.
روفان بدهشة ممزوجة بالغضب:
ـ أنتِ اتجننتي أنتِ التانية؟! بيت إيه اللي عايزاه يروحه؟!
كاميليا وقد أخرجت هاتفها لتجري اتصالًا هاتفيًا، وهي تقول بسخرية:
ـ ياريت تِتلهي بخيبتك وتسْكتي خالص! ألو.غرام! الحقينا، في مصيبة ومحدش هيقدر يلحقها غيرك!
غرام بفزع:
ـ مصيبة إيه يا بنت؟ خضّيتيني!
قصت عليها كاميليا ما حدث، فتصاعد غضب غرام التي وجدتها فرصة لتأخذ بثأرها من ذلك الوسيم المتعجرف الذي أذاقها الويلات باسم الحب، فقالت بحنق:
ـ يا ريت ييجي علي هنا. يبقى جه لقُضاه!
وما كادت تنهي جملتها حتى سمعت صوت احتكاك إطارات سيارة على الأرض بشكل مرعب، فقالت بصوت محارب قد ظفر بفرصته في الانتقام:
ـ متقلقيش يا كاميليا. البيه شَرَّف. اعتبري الموضوع ده خلصان.
توجهت غرام للخارج، ومن حسن حظها ألا أحد في المنزل؛ فوالدتها بالسوق، وكارما بالجامعة، وعليٌّ بالخارج، وجدها عند الطبيب الخاص به.
فتحت باب القصر ووقفت في مواجهته بعد أن صعد درجات القصر بخطوتين، وكان الشرر يتطاير من عينيه، وزاد غضبه عندما رأى تلك النظرات المتشفية في عينيها، فقال بغضب:
ـ أخوكي فين؟
غرام باستفزاز:
ـ أخويا مش هنا. بس أنا موجودة. خير؟ أقدر أعرف مشكلتك؟
أدهم محاولًا عدم الاندفاع خلف استفزازها، فقال بصرامة:
ـ مشكلتي مش معاكِ.
أنا عايزه هو!
غرام بسخرية تغلف وجعها الداخلي:
ـ لا إزاي؟! إحنا لو جينا للمشكلة من الأول هنلاقيها عندي أنا!
فهم أدهم المعنى المبطن في حديثها فقال بغضب:
ـ تقـصدي إيه إن شاء الله! أخوكي بيردّهالي؟!
غرام بنبرة تميز من الأسى:
ـ من حسن حظك إنه ما يعرفش باللي حصل، وإلا مكانش زمانك واقف على رجليك دلوقتي. دي الدنيا اللي بتدور وبتدوّق كل واحد من نفس الكأس اللي ذوّقه لغيره.
أدهم بغضبٍ ملتهب، كأن الشرر يتطاير من عينيه قبل صوته:
ـ خلي بالك من كلامك يا غرام.. مش هسكتلك أكتر من كده.. أختي برّا العك ده كله.
غرام بنبرةٍ مشروخة من الوجع، تحمل في طيّاتها أثر قهر عميق لا يندمل:
ـ عندك حق. أختك غالية وأكبر من إنها تدخل في العك ده. لكن بنات الناس رخيصة أوي، صح؟
سددت كلماتها خنجرًا مسمومًا في قلبه، فأحس بالوجع يتفجر من أعماقه. ليقترب منها وقد استبدت به اللوعة، وضم وجهها بين يديه كما يضم الإنسان آخر ما تبقى من قلبه، وهو يقول بصوتٍ يختنق بالندم والحرقة:
ـ إنتِ عمرك ما كنتِ رخيصة عندي أبدًا.
نفضت يديه اللتين تحتضنان وجهها وقالت بألم من أعماق قلبٍ مثقوب باللوعة:
ـ اسكت! ما استحملتش أخويا يكلم أختك بالرغم إنه بيحبها، وفكّرت إنه زيك ممكن يغدر ويلعب بيها. بس لأ. علِي الرفاعي راجل وبيتقي الله في بنات الناس بالرغم إن أخته ما لقتش حد يتّقي ربنا فيها، بالعكس، دي الناس نهشت فيها من غير ما يكون عندها لا دين ولا ضمير.
كلماتها الجارحة أدمت فؤاده الذي ينفطر ألمًا وندمًا وعشقًا، وجعلته يقول بنبرة تحمل شيئًا من التوسل:
ـ قوليلي إيه ممكن أعمله عشان أكفّر عن ذنبي ده؟ أنا مستعد أعمل أي حاجة في الدنيا عشان تصدّقي إني بحبك ومقدّرش أعيش لحظة واحدة بعيد عنك.
غرام بنبرة تضج بالقوة والعنفوان:
ـ لا أقدر! عشان هتعيش باقي عمرك بعيد عني، فأقلم نفسك بقى.
وكأن كلماتها كانت التعويذة التي أخرجت الشيطان القابع داخله، فاقترب منها ناظرًا إليها بجنون تبعه تصميم أربكها:
ـ من غير يمين يا غرام ما هيعدي أسبوع كمان غير وإنتِ مراتي، وهنشوف كلام مين اللي هيمشي! مش إنتِ حضرتِ العفريت؟ استحملي أذاه بقى.
لم يمهلها الوقت للرد، وإنما التفت وتوجه إلى سيارته، لكنه نظر إليها قائلًا بوعيد:
ـ وقولي لأخوكي إن في بينّا حساب هصفّيه. ما يفتكرش اللي حصل ده هيعدّي بالساهل.
اختتم جملته وانطلق بسيارته وهو ينوي تنفيذ قسمه لها في أقرب وقت؛ فقد انفلت زمام الأمور منه، وأيقن أنه لن يستطيع استعادتها بتلك الطريقة، لذا فلتكرهه الآن كما تشاء، فعندما تصبح زوجته سيسقيها عشقًا لن تستطيع الصمود أمامه…
كان مازن في طريقه إلى عمله حتى وجد هاتفه يرن معلنًا اتصالًا قادمًا من علي، فأجاب بمزاح:
ـ يا أهلا يا أبو نسب.
فاجأته علي الذي قال بانفعال يشوبه خوف حقيقي على محبوبته، فهو قد استمع إلى حديث أدهم إليها، ولأول مرة في حياته يشعر بالعجز والقهر، فقرر أنه لن يتركها فريسة لهم وسيقلب الدنيا رأسًا على عقب حتى لا تتأذى شعرة منها:
ـ إنت فين يا مازن؟
مازن بقلق:
ـ فيه إيه يا علي؟ حاجة حصلت؟
علي بانفعال:
ـ مش وقته أسئلة، لما أقابلك هقولك! إنت فين؟
مازن بغضب هو الآخر:
ـ علي ما تجنّنيش! قولي إيه؟ حد جرى له حاجة؟ كارما كويسة؟
علي وقد هربت منه كل ذرة صبر، فقال بصياح:
ـ زفتة كويسة ومحدش جرى له حاجة! أنا اللي في مشكلة وعايزك ضروري!
اطمأن قلب مازن قليلًا على محبوبته فقال بهدوء:
ـ أنا رايح (...) إنت فين؟
ـ اركَن على أي جنب، أنا عشر دقايق وهكون عندك.
وبالفعل ما هي إلا دقائق حتى وصل علي، الذي كان يقود بجنون يوازي جنون خوفه عليها، فوجد مازن يقف مستندًا على سيارته، فباغته علي بالحديث مباشرة:
ـ عايزك تيجي معايا بيت الحسيني.
تفاجأ مازن من حديث علي فقال بدهشة:
ـ نعم!! وإنت رايح تعمل إيه في بيت الحسيني؟
علي بحزم:
ـ رايح أخطب روفان!
نظر إليه مازن باندهاش وكأن الورود نبتت فوق رأسه، ثم قال ساخرًا:
ـ تروح تخطب مين يا عنيا!
علي بنفاد صبر:
ـ مش وقت ظرافة يا أهلك! بقولك عايز أروح أخطب روفان الحسيني! هتيجي معايا ولا لأ؟
مازن بانفعال:
ـ هو أنا مرمطون اللي خلّفوك؟ ولا معزة هتسحبها وراك؟! ما تفهّمني فيه إيه الأول؟ وإيه القرار الغريب ده؟ وإنت تعرف روفان منين أصلًا؟
زفر علي بغضب ثم قصّ عليه الموضوع باختصار، لكنه تفاجأ كثيرًا من رد فعل مازن الذي نظر إليه لثوانٍ قبل أن ينفجر في نوبة ضحك هستيرية وهو يقول من بين ضحكاته:
ـ لا ما تقولّيش إنك اتقفشت زي العيال بتوع المدارس! يا نهار أزرق عالضحك!
نظر إليه علي بدهشة سرعان ما تحولت لغضب كبير من هذا المعتوه، فقال بصراخ:
ـ نعم يا روح أمك؟! إنت هتستهبل؟! هو أنا قلتلك نكتة؟ ما تنجز! هتيجي معايا ولا لأ؟
قال مازن من بين ضحكاته:
ـ لا بالله عليك سيبني أضحك شوية. مش مصدّق نفسي والله! سبحان الله، كنت بدعي يجيلك حد رزل يرزل عليك زي ما بترزل عليّا، يقوم ربنا يوقعك في أرزل اتنين في الدنيا: يوسف وأدهم! ياااه، أحمدك وأشكر فضلك يا رب.. طلبتها ونُلتها!
نظر علي إليه بعدم تصديق ثم قال بحنق:
ـ تصدّق إنك متخلّف؟ أنا أقولك عندي مشكلة والدنيا مقلوبة ولازم أتقدّم لها، وده كل اللي فارق معاك؟ والله انا أبقى حمار لو فكرت أديلك أختي!
مازن وشماتة:
ـ لأ، إنت خلاص كلمتك ما عادش فارقة! بص هفهمك. إنت وقعت بين شقّي الرحى زي ما بيقولوا، يعني هيطلع عين أهلك! أساسًا هتلاقي أدهم بيطلّعلك شهادة الوفاة!
علي بغضب:
ـ ولا هو ولا إنت ولا بلدكوا كلها تقدر تعمل فيّا حاجة! أنا علي هاشم الرفاعي يا بابا فوق!
مازن بسخرية:
ـ ده سابقًا. دلوقتي اسمك المرحوم علي هاشم الرفاعي! وأنا عشان صاحبك وأصيل هعملّك حتة خارجة ما حصلتش. أي خدمة يا معلم.
غلى بغضب ونفاد صبر:
ـ ما تنجز يا زفت إنت وتقول حاجة عدلة تتفهم، وبطّل هزارك التقيل دا!
مازن بسخرية:
ـ يا ابني وربنا ما بهزر! دا إنت تركّن أدهم على جنب، دا يوسف لو شمّ خبر هنصلّي عليك العصر في جنينة بيتكوا!
يأس علي من ذلك المجنون، ولكن مهلًا. لقد أتته فكرة كانت هي الحلّ الوحيد لهذا المأزق، فنظر باشمئزاز إلى مازن ثم قال بغضب:
ـ شوف، وحياة أمي، هطلع عين أهلك وأوريك الرزالة على حق. بس انت اصبر عليا!
مازن بعدم تصديق:
ـ دا جزاتي يا ابني عشان بنبّهك؟! أدي آخرة اللي يعمل خير في البلد دي!
علي باستهجان:
ـ خير! أمثالك ما بيعملوش الخير غير بالصدفة. أبو اللي ياخد رأيك في حاجة! أنا عرفت هتصرف إزاي خلاص.
أنهى حديثه وتوجّه إلى سيارته وكلّه عزم على تنفيذ خطّته، فأوقفه مازن الذي شعر بالذنب تجاه صديقه، فقال بصياح:
ـ ولااا! هتعمل إيه يخربيتك؟!
علي بغضب:
ـ ملكش فيه!
مازن بتعقل:
ـ طب استنى هقولك. ما تخلي جدّك يكلّم القِرْش الكبير! دا اللي في إيده ينقذك من بين الحيتان دي!
علي بتفكير:
ـ طب والله فكرة. هو من ناحية وأنا من ناحية.
مازن بتأييد:
ـ أيوه يا ابني! الراجل الكُوبارة دا اللي هيجيب من الآخر، هو والحسيني الكبير مفتريين زي بعض، وهيعرفوا يتفاهموا.
نظر إليه علي بقرف ثم قال بغيظ:
ـ يا أخي نفسي تكمل جملة مفيدة للآخر. يلّا أنا هطير.
وبالفعل انطلق علي وترك مازن، الذي قال بصوت جهوري ليسمعه علي:
ـ اللهم اضرب الظالمين بالظالمين… يا رب خرّجني على خير من بين يأجوج ومأجوج دول اللي أنا وقعت فيهم واتجوز البت دي بقى.
حل المساء، وكان البيت هادئًا نوعًا ما. إلا تلك التي كانت تجلس في غرفتها يأكلها القلق وبجانبها صديقتها التي كانت تهوّن عليها قائلة:
ـ خلاص بقى يا روفي، مش هستحمل أشوفِك كده.
روفان بحزن:
ـ هتجنّن يا كاميليا. أدهم من ساعة ما خرج ما رجعش، ومرعوبة لا يقول ليوسف. وقتها هموّت نفسي قبل ما يعرف.
استنكرت كاميليا حديثها وقالت بانفعال كبير:
ـ بعد الشرّ عنك يا زفتة! ما تقوليش كده، وبعدين إنتِ عملتي إيه يعني؟! ما كل البنات بتحب عادي وبتتخطب للي بتحبه! ولا هو حلال ليهم وحرام علينا؟! ولا يمكن عشان احنا ستات نتحرق عادي يعني؟! بصّي. إنتِ تقفي كده رافعة راسك، ولا تتهزّي ولا كإنك عملتي حاجة! إنتِ بني آدمه، وعندك إحساس ومشاعر، ومفيش حد في الدنيا دي يقدر يحاسبِك عليها!
كانت كاميليا تتحدث بانفعال، دون أن ترى تعبيرات وجه روفان التي تغيّرت بدءً من عينيها اللتين جحظتا بفعل الصدمة التي حل محلّها الرعب، وشفتيها اللتين كانتا ترتجفان. ولم تستطع التحدث لتحذير كاميليا، التي ما إن أنهت حديثها حتى تسمرت في مكانها عندما سمعت صوته الهازئ وهو يقول:
ـ روفان. لما تخلّصي مع الفيمينيست كاميليا هانم الحسيني، ابقي اجهزي. أصل في ضيوف جايين كمان شوية.
أنهى حديثه تزامنًا مع التفات كاميليا إليه، والتي كانت تتمنى في تلك اللحظة أن تنشق الأرض وتبتلعها، وما زاد من خجلها هو تلك النظرة الهازئة التي رماها بها، فظلّت لثوانٍ متسمّرة في مكانها حتى بعد خروجه.
اقتربت منها روفان قائلة بلهفة:
ـ كامي. إنتِ كويسة؟
لم تتلق روفان ردًا، فقد كانت كاميليا تحاول استيعاب الموقف، فقامت روفان بإدارتها إليها قائلة بيأس:
ـ كاميليا بالله عليكِ ردي عليا!
كاميليا بصدمة:
ـ هو اتريق عليّا صح!!
روفان بنفاد صبر:
ـ ما أنتِ اللي زوّدتيها! وخدتك الجلالة أوي وعملتيلي فيها رضوى الشربيني! اتفضّلي اشربي بقى.
أنهت نيفين حديثها وأخذت تندب حظها، إلى أن أتت الخادمة لتخبرها بأن الضيوف قد وصلوا، فنظرت إلى كاميليا وقالت باستفهام:
ـ ضيوف إيه دلوقتي؟ ودا وقته؟
لمعت عينا كاميليا من تلك الفكرة التي أتتها فقالت لها بعَجَلة:
ـ بقولك إيه، البسي وأنا هشوف مين تحت و هقولك..
وما إن فتحت كاميليا الباب حتى وجدت صفية أمامها تقول بنبرة ذات مغزى:
ـ روحي غيري هدومك عشان خالتِك تحت وعايزة تشوفك.
تيقنت كاميليا من صواب ظنها وقالت بترقّب:
ـ خالتي مش لوحدها، صح؟
صفية بمكر:
ـ صح. قولي للعروسة تجهز.
لم تستطع كاميليا التحكم في ضحكتها التي خرجت بتلقائية، فصدحت في أرجاء القصر لترتدّ في قلبٍ في هواها عاشقٌ متيم، فأغمض عينيه لوهلة محاولًا السيطرة على دقات قلبه الهادرة من تلك الحورية التي تسكن أعماق فؤاده..
وعلى جانبٍ آخر، هرولت كاميليا تجاه روفان تحتضنها بحبٍ كبير وهي تقول بفرحة لا تسعها:
ـ يا روفيييي. علي تحت! هو وخالتز جايين يخطبووكي!
روفان بصدمة لم تستطع استيعابها:
ـ إيه!
كاميليا بنفاد صبر:
ـ لأ بقولك إيه، مش وقت صدمة! قومي قدّامي عشان أجهزك.
وبالفعل قامت كاميليا بتجهيزها لتبدو كالحوريات في جمالها، وكالفراشات في رقتها، خاصة وهي تهبط السلالم تتدلّل مثل الأميرات، ولا تدري بأنها وكأنها تخطو فوق قلبه المفعم بعشقها، والذي ذكّره مظهرها هذا بذلك اليوم الذي رآها فيه بعد سنوات عديدة ليعلن قلبه وقتها تسليم رايته لطوفان عشقها…
تجمعت العائلة بالكامل، ومن بينهم رحيم الذي أتى من دون سابق إنذار؛ فلم يرد أن يفوّت تلك اللحظة بينهم بالرغم من تعبه، ليقوم هاشم الرفاعي بالنظر إليه قائلًا بوقار:
ـ رحيم.. أنا يشرفني إني أطلب إيد حفيدتك روفان لابني وحفيدي الغالي عليّ.
ـ وأنا مش موافق.!
رواية عشق بين حنايا الروح الفصل السابع 7 - بقلم نورهان العشري
تلك الاعتذارات الكاذبة، المتدثّرة بحجج واهية، لن تُجدِي نفعًا في ترميم قلبي. كان عليك أن تُحسِب حساب لكلماتك قبل أن تُطلِقها، ولأفعالك قبل أن ترتكبها؛ فما خلفته من وجع في قلبي لن يمحوه ألف اعتذار.
دخلت نيفين إلى تلك الشقّة المتوسطة الحال، وأخذت تنظر حولها بقرف واشمئزاز؛ فكيف يمكنها أن تعيش في هذا المكان المقرف بعد أن كانت تعيش في ذلك القصر الفخم؟
اقتربت من تلك الأريكة القديمة وجلست عليها بغضبٍ شديد، وهي تعبث في هاتفها الذي توسّلت إلى تلك الخادمة كثيرًا حتى تستطيع أن تجلبه لها من غرفتها، ولحسن حظها وافقت وأعطتها الهاتف، فأخذت تبحث فيه كثيرًا إلى أن وصلت إلى ذلك الرقم المنشود وقامت بالاتصال، فوجدته مغلقًا، فأخذت تسبّ وتلعن كثيرًا إلى أن أتتها تلك الفكرة التي قامت بتنفيذها في الحال.
شرعت في الاتصال برقمٍ آخر، وأخذ الهاتف يرنّ كثيرًا حتى رُدَّ عليها، فهَبَّت من مقعدها تجيب بلهفة:
ـ ألو!
ـ أيوا، مين معايا؟
ـ راغب بيه؟
نظر راغب إلى رقم الهاتف ثم قال بتحفّظ:
ـ أنتِ مين ؟
نيفين بلهفة:
ـ أنا نيفين الحسيني.
في بداية الأمر اندهش راغب كثيرًا من محادثتها، ولكنه قرر أن يلعب قليلًا بمكر:
ـ معرفش حد بالاسم ده، النمرة غلط.
وهمّ بإغلاق الخط، فقالت نيفين بتوسل ولهفة:
ـ أرجوك متقفلش. اسمع مني الأول وبعدين قرّر.
راغب مدّعيًا التفكير:
ـ أمممم، قولتلك النمرة غلط.
ـ ولو قولتلك إني عارفة إن سميرة عندك وإنك بتخطط تنتقم من عيلة الحسيني عن طريق رائد ابن أخوك؟
قهقه راغب كثيرًا قبل أن يقول:
ـ جبتي إيه جديد؟ ما ده كله معروف!
نيفين بمكر:
ـ مجبتش جديد، بس خليتك تسمعني، واتأكدت إني طالبة النمرة الصح.
راغب بإعجاب:
ـ لا، عجبتني دماغك.
نيفين بنبرة مُغترة:
ـ لا ولسه هتعجبك لما تعرف إني ناوية أساعدك تجيب مناخيرهم الأرض.
راغب يتهكم:
ـ ومين قالك إني محتاج مساعدتك يا شاطرة!
نيفين بتخابث ودلالٍ مصطنع:
ـ ولو قولتلك إني أنا اللي محتاجة مساعدتك، هتكسفني؟
راغب بمكر:
ـ لا، مقدرش أكسف الحلوين أبدًا.
نيفين وقد وصلت لمبتغاها:
ـ كده نبقى متفقين.
لم يتسنَّ له الرد إثر دخول سميرة الغرفة، فقال بغموض:
ـ رقمك معايا، هكلمك وقت تاني.
قام بإغلاق الهاتف، فتقدمت سميرة إليه وعلى وجهها ابتسامة ماكرة، ثم قالت بنبرة خافتة قاصدة إثارته:
ـ ملامح وشّك مريحتنيش وإنت بتتكلم، فعرفت إنك بتكلم واحدة، وده أنا معنديش اعتراض عليه، الغيرة أصلها مش من ضمن اتفاقاتنا، فمالوش داعي تمثل عليّ عشان أنا فاهماك.
راغب بتخابث:
ـ ولو كلمت ألف واحدة، مفيش حد هيملي مكانك. عارفة ليه؟
لم تجبه، بل اكتفت برفع إحدى حاجبيها، ليتابع بعد أن اقترب كثيرًا منها:
ـ عشان إنتِ الوحيدة اللي فاهماني وبتعرفي تريحيني.
سميرة بنعومة:
ـ طب مادام فاهماك وبريحك، مالوش لزوم الكذب. وقولي اتلخبطت ليه لما دخلت؟ تكونش الواحدة دي تخصّني؟
قهقه راغب كثيرًا بسبب دهاء تلك المرأة وقال بإذعان:
ـ بصي، مادام ثبتّيني وجيتيلي دوغري، أنا هقولك.
وبالفعل قص عليها محادثته مع نيفين، مما جعلها تستشيط غضبًا من تلك الغبية، فقالت بانفعال:
ـ والمتخلّفة دي عايزة إيه؟؟ مش كفاية ضيّعتنا بسبب غبائها؟
راغب باستفزاز:
ـ اهدي شوية، الانفعال غلط عشان التجاعيد. السن ليه حكم برضه.
سميرة بسخرية:
ـ لا متقلقش، التجاعيد ليها حلول كتير. بس في حاجات تانية لا نافع لها علاج ولا غيره، وملهاش دعوة بالسن، هيّ كده كده بايظة.
غضب راغب من حديثها وقال هادرًا:
ـ الرك على الست.
سميرة بتهكم:
ـ وماله.. مش موضوعنا. عرفني هتعمل إيه مع البِت دي.
راغب بحدّة:
ـ معرفش.. وبعدين ماهي البت دي جلبِك. شوفي إنتِ عايزة أعمل إيه معاها وأنا هعمله. وبعدين هي بتقول إنها هتساعدني عشان أنتقم من عيلة الحسيني.
سميرة بسخرية:
ـ اللي ما عرفت تعمل حاجة وهي جواهم، هتعمل برا؟ دي عيلة خايبة سابت حتة بت زي كاميليا تتغلب عليها وتاخد يوسف منها! وهي اللي طالع عليها أعمل إيه بيحبها! وبسببها بنت زهرة انتصرت عليا وطردتني برا القصر.
قالت كلماتها الأخيرة بغضب وحقد، مما جعله يتساءل بصوتٍ عالٍ:
ـ آه صحيح، تعالي هنا.. هو إنتِ عرفتي منين إن كاميليا دي بنت مراد مش بنت أحمد؟
أخذت سميرة تسترجع ذكرياتها لذلك اليوم عندما علمت تلك الكارثة.
عودة إلى وقتٍ سابق
دخل أحمد إلى غرفته بعد عناء يومٍ طويلٍ في الشركة، وعندما وصل إلى المنزل فلم يجدها بالأسفل، وأخبروه بأنها لم تُغادر غرفتها طوال اليوم هي وابنتها، فهرول قلقًا إلى الأعلى للاطمئنان عليها، فوجدها تجلس في الشرفة تنظر إلى البعيد، وعلى وجهها إمارات الحزن، فاقترب منها بلهفة قائلًا:
ـ إيه يا زهرة، مالِك؟ تعبانة ولا إيه؟
نظرت إليه زهرة لثوانٍ قبل أن تدير وجهها للاتجاه الآخر قائلة بجمود:
ـ مفيش حاجة، أنا كويسة!
أحمد باستفهام:
ـ طل منزلتيش تحت النهارده ليه؟
انتفضت زهرة من مقعدها ودخلت إلى داخل الغرفة قائلة بانفعال:
ـ عشان مبقتش قادرة أتحمل أكتر من كده! الإحساس بالذنب هيموّتني.
أحمد بغضبٍ حاول كتمه:
ـ ذنب إيه إن شاء الله؟
زهرة بانفعال:
ـ إنت عارف ذنب إيه كويس قوي. أنا مش هقدر أشوف مراد وبنته كل يوم بتكبر قدّام عينه وهو ميعرفش إنها بنته..
زاد غضبه كثيرًا، فقام بإغلاق جميع نوافذ الغرفة والشرفة أيضًا قبل أن يتوجه إليها قائلًا بحدّة:
ـ مش قولنا نقفل على الموضوع ده ومتتكلميش فيه خالص؟
زهرة بغضب:
ـ مش هقدر أقفل عليه! كفاية سكتّ السنين اللي فاتت دي كلها وقبلت إني أبقى في نظر أبوك ست مش كويسة، وكل ده بسببك!
أحمد وقد جنّ جنونه، فأمسكها بعنف من رسغها قائلًا بغضب جحيمي:
ـ بسببي! دلوقتي بسببي؟ مش أنتِ اللي طلبتي مني إن مراد ميعرفش إن كاميليا تبقى بنته؟ واشترطتي عليّا إني أكتبها باسمي قبل ما نتجوز! ها؟ ردي عليّا!
زهرة بألم وانفعال:
ـ أيوه حصل، بس الانتقام كان عاميني وقتها. وإنت حتى محاولتش تفوّقني، بالعكس جرّيتني في الغلط لحد ما وصلنا للمرحلة دي.
أحمد بغضب:
ـ هو ده اللي أنتِ فاكرهولي بس! مش فاكره إني عاديت الناس كلها عشان خاطرك؟ وأولهم أبويا! خدتك واكتفيت بيكِ عن أي حد، دلوقتي بقيت وحش؟
زهرة بندم:
ـ والله ما أقصد. إنت أكتر واحد في الدنيا دي ساعدني ووقف جنبي في أصعب أيامي، بس أنا مبقتش قادرة. إحساسي بالذنب هيموّتني. كل ما أشوف نظرة مراد لكاميليا بموت، وكل ما أسمعها بتقوله عمو بموت. حرام عليك حسّ بيا!
شعر أحمد بالألم لحزنها، ولكن كبرياؤه أبى التراجع فقال بحدّة:
ـ اتحمّلي وحاولي تنسي الموضوع ده، واقنعي نفسك إن كاميليا بنتي أنا، مش بنت حدّ تاني.
زهرة بانفعال من حديثه:
ـ بس كاميليا مش بنتك. إنت مابتخلفش!
ولأول مرة امتدت يداه لتصفعها على خدها، صفعة انطبعت في قلبها أكثر. فنظرت إليه بعدم تصديق، هل حقًا فعلها؟ وهذا السؤال كان يتردد أيضًا في عقله، ولكنه أبى أن يُظهر شيئًا، فقال بحدّة:
ـ آخر كلمتين في الموضوع ده: كاميليا بنتي، ومحدش هيعرف غير كده! واعرفي إن ده أحسن ليكِ وليها.
زهرة باستنكار:
ـ إنت بتهددني يا أحمد؟
أحمد بحنق:
ـ افهمي زي ما تفهمي، بس خليكِ عارفة إن اليوم اللي سميرة فيه هيوصلها خبر إن كاميليا بنت مراد. مش هيطلع عليكي ولا على بنتك نهار! وأنتِ عارفة وشايفة حقيقتها بنفسك، ومراد عمره ما هيقدر يحميكي ولا يحمي كاميليا. لو مش خايفة على نفسك، خافي على بنتك.
شعرت زهرة بالرعب من حديثه، فهي تعلم أن تلك المرأة ما هي إلا شيطانة تعيش بينهم، وهي قادرة على فعل أي شيء، فهي السبب في تدمير سعادتها مسبقًا، ولكن هل يصل الأمر بها إلى إيذاء صغيرتها؟
اقترب أحمد منها قائلًا بلهجة حزينة متألمة:
ـ أنا ولا مرة حسّيت إن كاميليا مش بنتي! افتكري لما كانت بتتعب مين كان بيسهر بيها؟ مين كان بيراقبها خطوة خطوة وهي بتكبر؟ مين عنده استعداد يضحي بنفسه عشانها؟ أنا مش أناني يا زهرة، أنا فعلًا خايف عليها. سميرة لحد دلوقتي مش متقبّلة إنها خسرتني، وشوفتي بتعمل إيه عشان تضايقك. تخيلي تعرف إن كاميليا بنت مراد، واللي ممكن في أي لحظة يضحي بيها ويرميها في الشارع! تخيلي ممكن تعمل إيه؟
عودة للوقت الحالي
انتهت سميرة من سرد ذلك الموقف الذي كانت تتابعه من خلف باب غرفتهم، وتلك الحقيقة الصادمة التي نزلت فوق رأسها كالمطرقة لتشعر بغضبٍ عظيم تجاه زهرة، دفعها للقول بحقد:
ـ طبعًا الهانم فضّلت زعلانة منه، والبيه مقدرش على زعلها، فراح حجّزلهم يروحوا يقضّوا أسبوع قال في إسكندرية. وهما رايحين العربية اتقلبت بيهم.
راغب باستفهام:
ـ طب ومخلّصتيش على البِت ليه؟ خلّيتيها تلحق أبوها وأمها؟
سميرة بحقد:
ـ وآخد حقي من مين؟؟ بعد موت أحمد كرهت زهرة أكتر، وحلفت لهعمِل في بنتها اللي معرفتش أعمله فيها. بس بنت المحظوظة وقف في ضهرها ابن الحسيني ونصرها عليها زي ما عمّه عمل مع أمها زمان. بس لا. اللعبة لسه مخلصتش، وأنا وراها وراها لحد ما أذلّها وأذلّه بيها، ومش هرتاح غير وأنا بدفنها زي أمها..
راغب بإعجاب:
ـ هو ده الكلام! إحنا بقى عايزين نركز الفترة الجاية دي ونتسلى عليهم واحد واحد.
أوشكت سميرة على الرد، فجاء قائد الحرس الخاص براغب وذراعه اليمنى ودق الباب، فأذن له راغب بالدخول، وأشار له بالحديث بحرية أمام سميرة، فقال الرجل بهدوء:
ـ اللي حضرتك طلبته اتنفّذ يا راغب بيه، والبِت في المخزن.
نظر الجميع لذلك الذي كان يقف أمام غرفة الصالون وينظر لعلى بغضبٍ كبير بعد أن ألقى بوجهه رفضه الصريح له زوجًا لأخته، والتي كانت ترتجف من فرط الرعب والألم معًا، ولم يَخْفَ عليه ذلك حينما حانت منه التفاتة إليها فوجد عينَيها تحملان الكثير من العتاب والحزن معًا، فآلمه ذلك ولكنه لم يُفصح عمّا يدور بداخله، ليفاجئه سؤال يوسف الذي كان يحمل التهكّم والسخرية في طياته:
ـ وليه يا أدهم مش موافق؟
نظرات يوسف كانت تحمل بداخلها الكثير من التحدي والوعيد لهذا الأحمق الذي كانت تجتمع بداخله الكثير من المشاعر المتناقضة، منها الغضب والغيرة واليأس أيضًا، ولا يعلم أي شعور منهم قد دفعه لهذا الرفض، وجاء هذا السؤال ليضعه في موقف محرج، خاصة أمام كل تلك العيون التي كانت تناظره باستفهام وأخرى بدهشة، فحاول التظاهر بالبرودة وهو يتقدم جالسًا بجانب مازن قائلًا بهدوء:
ـ روفان لسه صغيرة ومش هنجوزها دلوقتي!
يوسف بتهكمٍ لم يفهمه سواه:
ـ وجهة نظر برضه.. بس المفروض ناخد رأيها، وهي اللي تقرر إذا كانت لسه صغيرة ولا لأ؟
عندما سمعت روفان جملة يوسف الأخيرة شعرت وكأن دلوًا من الماء المثلج قد وقع فوق رأسها، خاصة وأن كل هذه الأزواج من العيون كانت تناظرها بترقّب، إلا عيناه هو وحدهما كانتا تناظرانها بحب، فقد كان مظهرها المُحمّر بفعل الخجل الذي غمرها في تلك اللحظة يجعلها قابلة للاشتهاء.
لم تستطع روفان التفوّه بأي حرف، بل تسارعت نبضات قلبها وكأنها في سباق للعدو، وزادت وتيرة أنفاسها، وتجلى توترها الكبير في كفيها حين أخذت تفركهما ببعضهما البعض، فجاء رد صفية الذي أنقذها من هذا الموقف حين قالت بوقار:
ـ السكوت علامة الرضا ولا إيه يا يوسف!
يوسف بتسلية:
ـ أيوه عندِِك حق طبعًا.. بس أنا حابب أسمع من روفان عشان أدهم يقتنع، ماهو حقه برضه يطمن على أخته.
كانت كاميليا تفهم الغرض من حديث يوسف وإصراره على معرفة رأي روفان،
نظرت إليها وابتسمت ابتسامة مشجّعة، بادلتها إياها روفان بأخرى خجلة متوترة قبل أن تقول بخفوت:
ـ اللي تشوفه يا أبيه.
تحدّث رحيم الذي كان يتابع الموقف من البداية، وقد شعر بحربٍ ما دائرة في هذه الغرفة أطرافها يوسف وأدهم الذي كان الشرر يتطاير من عينيه لمعرفته بما يقصده شقيقه، وذلك الذي كان ينظر إليه بتحدٍّ. ليحسم رحيم الموقف قائلًا بصرامة:
ـ خلاص يا يوسف، بلاش نحرج روفان أكتر من كده. أنا يشرفني نَسَبْكوا يا هاشم، وروفان بنتك قبل أي حاجة، وأنا واثق إنها هتكون في إيد أمينة.
تنفست روفان الصعداء من حديث جدها، ودقت طبول الفرح جدران قلبها، فظهرت عليها ابتسامة جميلة خجلة التقطتها عيناه، فبادلها الابتسامة بأخرى أروع وأجمل، فأخيرًا شعرت بالراحة، فهي ستكون من نصيبه، وهذا أكثر ما يمكن أن يسعدها في تلك الحياة.
ـ على خيرة الله.. نقرأ الفاتحة.
هكذا قال هاشم قبل أن يقاطعه علي بهدوء:
ـ بعد إذنك يا جدي، كنت عايز أتكلم مع أدهم كلمتين بس على انفراد قبل أي حاجة.
فاطمة بإحراج:
ـ وده وقته يا علي!
ـ مش هنتطوّل، خمس دقايق بالضبط.
نظر أدهم إليه باستفهام، وقد كان على وشك الصراخ بوجهه قبل أن يقول يوسف بصرامة:
ـ وماله يا علي. خدوا وقتكوا، وأنا هعمل كام تليفون على ما تخلصوا كلام.
اختتم يوسف جملته واستأذن من الجميع، ثم انطلق إلى غرفة مكتبه ليقوم بإجراء بعض الاتصالات الخاصة.
وبالفعل توجّه كلٌّ من علي وأدهم إلى الحديقة، ليبادر أدهم بالحديث قائلًا بغضب:
ـ ها، عايز تقول إيه؟
ابتسم علي داخليًا على غضب أدهم، لكنه رسم الجمود على ملامحه وقال بهدوء:
ـ مبدئيًا عايز أشرحلك الموقف اللي حصل الصبح، عشان مش عايز يكون في أي سوء تفاهم بينا!
أدهم بغضب:
ـ هتشرحلي إيه! الموقف شارح نفسه أصلًا!
علي بنفس لهجته:
ـ اسمع يا أدهم. أنا واحد شاف واحدة وعجبته، وحب يرتبط بيها. طبيعي من حقه يعرف إيه مشاعرها تجاهه قبل ما ياخد أي خطوة جد!
أدهم بسخرية:
ـ بس الواضح إنك كنت عارف مشاعرها قبل كده، لأني حسّيت من طريقتها معاك إن دي مش أول مرة تكلمها!
ـ مش هكدب وأقول أول مرة، بس صدقني أنا ما تجاوزتش أبدًا حدودي، وأظن إن جيتي النهارده أتقدّم وأخطبها ده يثبت حسن نيّتي.
أدهم بنفاد صبر:
ـ إنت طالع تكلمني ليه دلوقتي؟ مانت خدت الموافقة خلاص!
علي بتعقّل:
ـ طالع أكلمك عشان عارف قد إيه إنت مهم لروفان، وموافقتك كمان مهمة، ويهمني إن فرحتها تكون كاملة. وأظن إنك مش بالأنانية دي إنك تزعلها في يوم زي ده.
كانت جملته الأخيرة تحمل معنى آخر وصله على الفور، فشعر بطبول الألم تدق بداخله، فصمت لبعض ثوانٍ يسترجع ما حدث بينهم اليوم، لتُعاد إليه آلامه ومعاناته التي جعلته يقول بنبرة شبه مهزومة:
ـ مبروك يا علي. إنت ابن حلال، وأنا مش هلاقي لروفان أحسن منك.
شعر علي بمدى ألمه الذي يقطر من بين كلماته، ولكن ما باليد حيلة، فشقيقته رفضته رفضًا تامًا ولم تترك أي مجال للحديث، لذا فهو لا يملك أي شيء يمكنه مساعدته به، فقال بمزاح:
ـ طب يلا ندخل بقى، أحسن العروسة ترجع في كلامها.
ابتسم أدهم بود قبل أن يوافقه، وتوجّه الاثنان إلى الداخل.
في الداخل أخذ رحيم ينظر بحرج إلى فاطمة التي كانت تتجاذب أطراف الحديث مع صفية، التي كانت أكثر من مرحّبة بها، فهي تحمل لها الكثير من الود كما كانت تحمل لشقيقتها، فقطع حديثهما كلمات رحيم التي أدهشتهما في البداية:
ـ حاجة فاطمة!
التفتت فاطمة إليه باندهاش سرعان ما تحوّل إلى صدمة من حديثه:
ـ ليكِ عندي حق اعتذار عن حاجات حصلت قبل كده مني. بس أنتِ أكيد عرفتي سوء الفهم اللي كان حاصل، وإننا كلنا كنا ضحية لألاعيب قذرة.
لم يُكمل رحيم حديثه، فلم يجد الكلمات التي تعبر عن غضبه وندمه أيضًا، فتفهمت فاطمة موقفه، حتى وإن لم تسامحه، فالموقف يستدعي منها أن تمرره لأجل خاطر ولدها وابنة أختها، فقالت بتحفّظ:
ـ خلاص يا رحيم بيه. اللي فات مات. إحنا ولاد النهارده.
شعر رحيم بتحفّظها فلم يطِل في الموضوع، وقد راق له هذا كثيرًا، فهو لا يتقن فن الاعتذار ولا يحبّذه من البداية. وجاء دخول علي وأدهم إلى الغرفة فأغلق الحديث، وبدأ حديث جانبي بين روفان وأدهم الذي جاء ليجلس بجانب شقيقته التي كانت تناظره بعينين يملؤهما التوسل والاعتذار، فابتسم بود قبل أن يقول بخفوت:
ـ مبروك يا عروسة.
روفان بخجل ونبرة منخفضة:
ـ مسامحني؟
نظر أدهم إلى وهج عينيها الجميلتين، والتي ذكّرته بتلك الجنيّة التي كانت تُحاصره نظراتها المُبهجة، والتي أطفأ شعلتها بجرمه الكبير. فشعر بألم لا يُحتمل داخل قلبه الذي كان يؤنّبه، بل يُعَنِّفه بشدة على فعلته النكراء، وأخذ سؤالٌ يدور في عقله:
ـ هل ستقبل أن يفعل أحد فعلتك النكراء مع صغيرتك البريئة!! هل ستتحمل أن يُطفئ أحدهم وهج عينيها الجميلتين بتلك الطريقة البشعة!
بالطبع لن يتحمل قلبه الإجابة، فقال بلهجة مبحوحة من فرط الألم:
ـ أنتِ بنتي يا روفي. حد برضو يقدر ميسامحش بنته!
ارتمت شقيقته داخل أحضانه تزامنًا مع دخول يوسف الذي كان متجهم الوجه، فبادره هاشم بالحديث:
ـ مش يالا نقرأ الفاتحة يا يوسف. الكل متجمع أهو!
يوسف بهدوء:
ـ آه طبعًا. نقرأ الفاتحة.
تمت قراءة الفاتحة، وقام الجميع بتهنئة العروسين، كانت الفرحة عارمة بين الجميع، ولكن كانت هناك من تشعر بحزن كبير عندما أخذت تنظر إلى تلك المراسم الجميلة التي لم تمرّ بها كأي فتاة. وكانت هناك دمعة خائنة تهدد بالهطول في أي وقت، مُفصحة عن حرمان كبير قد عاشته في حياتها، لكنها حاولت قدر الإمكان تجاهل شعورها هذا. ولم تكن تدري بأن هناك من يشعر بالألم لحزنها هذا، ولا يدري ماذا عليه أن يفعل كي يُجنّبها هذا الشعور بالحرمان.
فهو كان يريد حمايتها من جميع الشرور المحيطة بها، كان يود أن يعرف العالم أجمع بأنها تنتمي إليه، كان يود أن يُجنّبها كل ذلك الأذى الذي تعرّضت له، ولكن دائمًا للقدر رأي آخر.
عند هذه النقطة دخل الخدم يحملون ما لذّ وطاب من أجود أنواع الحلويات والمشروبات، فاقتربت منه فاطمة وهي تقول بنبرة ذات مغزى:
ـ إيه يا يوسف! مالكوا كده؟ شكلكوا مش مظبوط!
يوسف بإحباط:
ـ العادي يعني. مفيش جديد.
فاطمة باستنكار:
ـ مفيش جديد إزاي؟! وهي ماشية وسيباني وناوية تصالحك!
يوسف بخيبة أمل تجلت في نبرته كثيرًا:
ـ مش لما تصلّح غلطها الأول. تبقى تفكر تصالحني.
فاطمة بعدم فهم:
ـ مالك يا يوسف؟! في حاجة أنا معرفهاش؟
يوسف بنفاد صبر:
ـ عادي. ماتخديش في بالك. المهم عايزاكي تتكلمي معاها بخصوص عمي مراد. هو كمان اتعذّب، واللي مرّ عليه مش قليل، ميستحقّش إنها ترفضه هي كمان.
فاطمة بتعب:
ـ قلت لها يا ابني والله. على الله ربنا يهديها ومتنشفش دماغها. كفاية وجع قلب بقى.
يوسف بيأس:
ـ فعلاً. كفاية وجع قلب.
لم تستطع فاطمة الاستفسار عن معنى كلماته التي لم تريحها أبدًا، بسبب تلك المكالمة التي أتته فاستأذن منها سريعًا ليخرج إلى البهو وهو يجيب بلهفة:
ـ طمنّي. حصل إيه؟
جاء الرد الذي لم يكن ينتظره، فلعن داخله بغضب قبل أن يقول:
ـ نفّذ اللي هقولك عليه بالحرف.
كانت تجلس بالداخل كمن يجلس على الأشواك، فانسحابه بتلك الطريقة قد أثار فضولها. فمن هذا الشخص المهم الذي يترك الجميع لأجل محادثته بتلك الطريقة؟ ظلّت لبضع دقائق قبل أن تنسحب إلى الخارج لترى ماذا يحدث؛ فلم تعد تستطيع أن تجلس دقيقة واحدة أكثر.
وبالفعل خرجت فوجدته يُنهي محادثته وهو ينفث النيران من أنفه، فاشتعلت نار الشوق بداخلها إليه. فآخر مرة احتضنتها ذراعاه كانت يوم المشفى، وبغبائها تمردت وانتزعت نفسها من بين أحضانه. ملجأها وأمانها، مرددة تلك الكلمات الغبية التي جعلت من غفرانه لها شيئًا مستحيلًا، أو هكذا ظنّت!
اقتربت منه بخطى سلحفائية، فهي بقرارة نفسها لم تجد ما تقوله، ولكن قادتها قدماها إلى حيث يقف. ظلت ثوانٍ قبل أن تقول بصوت مبحوح:
ـ يوسف!
لم يجب، وظنت هي أنه لم يسمعها، لكنها لم تكن تدري بأن صوتها وقع على قلبه أولًا قبل أذنيه. كان يأخذ وقته ليسيطر على شوقه لها الذي يكاد يقتله، وبالفعل، عند ندائها الثاني التفت إليها، راسمًا على ملامحه البرود الذي أزعجها كثيرًا، خاصة تلك اللهجة الجليدية التي يتميز بها:
ـ نعم؟
في البداية لم تجد ما تقوله، لكن كان عليها أن تكسر ذلك الصمت، فخرجت الكلمات من شفتيها دون القدرة على إيقافها:
ـ كنت جاية أقولك مبروك، وأسلم عليك. أنا الوحيدة اللي مسلمتش عليا جوّه.
كان يوسف يتوقع منها أي شيء إلا هذه الجملة، فقد شعر وكأن سكتة دماغية قد تصيبه في تلك اللحظة من أفعالها!
ظل ينظر إليها بذهول ولسان حاله يردد:
ـ ماذا تفعل بنا تلك المرأة؟
هل تريد أن تُريه مدى ضعفه أمامها وتلقيه في وجهه؟
أم تريد أن تقضي على ما تبقى له من تعقّل بتصرفاتها التي لا يعرف ماذا يسميها؟
لكنه استطاع استجماع نفسه من كل تلك التساؤلات والمشاعر التي تعصف بداخله، وهزّ رأسه بابتسامة تتنافى مع نظراته الغامضة وقال بلامبالاة:
ـ معلش. ماخدتش بالي.
اغتاظت كاميليا من إجابته، لكنها لم تستطع منع نفسها من أن تقول بلهجة خافتة:
ـ مبروك.
هزّ رأسه شكرًا، لتفاجئه باقترابها منه، ثم قامت بتلك الحركة التي كانت تروق له كثيرًا إذ تقف على أطراف أصابعها وتطوّق عنقه بكفيها، مقربةً رأسها منه.
لتلتف يداه تلقائيًا حول خصرها، يقربها منه كثيرًا، فشعرت بعشقها الكبير له، والذي تولّد عنه فيضان جارف من الشوق جعلها تملأ رئتيها من رائحته العذبة.
ظلّت متعلقة به لثوانٍ تستمتع بقربها منه، ولم تحسب حسابًا لكون هناك من تقتله نيران الشوق لها، ونيران الغضب منها! تلك النيران التي لم يعد قلبه يقوى على تحملها.
فكّ حصاره حول خصرها، ساحبًا نفسه بأعجوبة من بين أحضانها، وقال بكل ما يمتلك من برود:
ـ الله يبارك فيكِ.
أتبع كلماته الباردة كالصقيع بابتسامة باهتة جعلتها تتسمّر في مكانها.
ـ أيعقل أن يكون اقترابنا عاديًا لتلك الدرجة؟!
هل يستطيع تحصين قلبه من التأثر بقربي لهذه الدرجة؟؟
كانت الإجابات مؤلمة.
فظلت في مكانها لا تعلم ماذا عليها أن تفعل.
فبعد أن تركها وتوجه إلى الداخل بتلك الطريقة التي أشعرتها بأنها شيء عادي بالنسبة له، لم تكن تستطيع النظر إليه مرة أخرى.
فهل تهرب ككل مرة؟ أم تواجه أفعالها وتتصدّى لكبريائه. الذي هو حتمًا السبب في كل هذا الجفاء؟
دخل راغب إلى ذلك القبو المعتم، والذي تفوح منه رائحة عفِنة، ليجد تلك التي كانت مُلقاة كالشاة على الأرض، تنتفض من شدة الرعب والفزع من ذلك المكان المجهول الذي قادوها إليه دون أن تعلم أي شيء، بعد أن خدّروها لتستيقظ وتجد نفسها في هذا المكان الذي يشبه الجحيم، والذي اكتمل عند دخول ذلك الشيطان الذي أخذ ينظر إليها نظراتٍ قذرة تملؤها الشهوة، والتي جعلت جسدها يرتجف رعبًا، فجعله ذلك يقهقه بشرّ قبل أن يقول:
ـ فرسة جامدة. له حق ابن الحسيني يتهبّل عليكِ كده. واقع واقف زي أبوه.
ارتجف جسدها من كلمات الغزل البذيئة تلك، والتي أتبعها بحركة مقززة من شفتيه عندما جلب الكرسي وجلس عليه يتفحصها بوقاحة قبل أن يقول:
ـ خايفة يا قطة ولا إيه!! لا لا كده هزعل، ده أنا حتى حنين ومبخوفش.
أخيرًا استطاعت أن تُخرِج صوتها الذي كان مهزوزًا، عندما قالت بانفعال:
ـ انت مين وعايز مني إيه؟
راغب بشرّ:
ـ أنا الشيطان اللي حالف يدمّر عيلة الحسيني واحد واحد. أنا عملهم الأسود في الحياة. بس ما تخافيش.
أنا مع الستات الحلوة اللي زيك كده ببقى حنين قوي.
قال الأخيرة بسخرية جعلت جسدها يقشعرّ من الاشمئزاز والغضب الذي دفعها للقول:
ـ انت مش قدّ عيلة الحسيني. أصغر واحد فيهم ممكن يفعصك تحت رجليه.
على عكس توقعها، فلم يغضب، بل أخذ يقهقه بشرّ وهو يقول بسخرية:
ـ في دي عندك حق. بس ده لما يبقى يطولني!! أنا بعيد عن كل اللبش ده. تقدري تسمّيني كده مستر إكس.
احتارت في معاني كلماته الغامضة، ولكنه تابع بصوت كفحيح الأفعى:
ـ إيه رأيك نركن كل الحاجات دي على جنب ونلعب مع بعض شوية؟!
ـ تقصد إيه؟
راغب بتهكّم:
ـ إحنا هنصيع على بعض! معقول ابن الحسيني ماعلّمكيش اللعب ولا إيه؟
لم تصل إلى مغزى كلماته، لكنها شعرت بأنها تحمل معنى قذرًا مثل هذا الثعبان، فقالت بصوت حاولت أن يكون ثابتًا:
ـ انت جايبني هنا ليه؟
نظر إليها باستهزاء قبل أن يقول:
ـ بصي يا ستي، بما إن أيامك في الدنيا خلاص بقت معدودة وهتخرجي من هنا عَ القبر عدل، فأنا قررت أكشِف لك خطتي، وبالمرة آخد رأيك، وآهو يبقى ليكِ دور برضه في تقرير مصير حبيب القلب.
قطّبت جبينها بعدم فهم، فأكمل ساخرًا:
ـ هاخد رأيك في سيناريوهين. أولهم: أخ يقتل أخوه اللي اغتصب حبيبته قبل ما يقتلها، ولا أخ يمسك أخوه هو وحبيبته مع بعض فيقتلهم الاتنين؟
اقشعرّ جسدها عند سماع هذا الكلام الحقير، فقالت بصراخ:
ـ أنت مجنون! انت بتقول إيه؟
راغب بسخرية:
ـ إيه؟ الاتنين احلى من بعض صح.. و الأحلى وأحلى بقى لما يوصل الخبر لرحيم الحسيني إن الأخين قتلوا بعض عشان واحدة، فيقع ما تقوملوش قومة.
قال جملته الأخيرة بحقد دفين لم تفلح السنين في إزالته من قلبه، بل زادته أضعافًا مضاعفة، فلم تحتمل هي كل ذلك الحقد الذي يكمن في صوته وتلك المخططات الحقيرة، فأخذت تصرخ بانفعال:
ـ أنت أكيد مجنون! حد يلحقني من المجنون ده!
ارتسمت كل معالم الإجرام على ملامحه قبل أن يقترب منها بشرّ وهو يقول بحقد:
ـ بتصرخي وفاكرة إن حد هيلحقك! طب تعالي بقى يا حلوة وأنا هخليكي تصرخي بحق وحقيقي.
وبالفعل اقترب منها إلى أن وصل إليها، وقام بإمساكها بعنف من خصلات شعرها وسط صرخاتها التي يتقطع لها نياط القلب، واقترب منها كثيرًا حتى أوشك على تقبيلها، فبصقت هند في وجهه وقالت بصراخ:
ـ أوعي تقرب مني يا حيوان!
جنّ جنون راغب من فعلتها وقال بغضب:
ـ وحياة أمك لهوريكي على عملتك دي.
وما إن أوشك على صفعها حتى انقطع التيار الكهربائي، وشعر راغب بشيء ثقيل يسقط فوق رأسه أفقده الوعي في الحال.
كانت كاميليا تجلس بجانب روفان بهدوء دون التفوّه بأي حرف، فقط تشاهد وتستمع إلى أحاديثهم ونكات مازن التي كان يلقيها من وقت لآخر، حتى أتتها تلك الكلمات التي أفقدتها النطق لدقائق:
ـ وبعدين بقى يا يوسف، عايزين نفرح بيك انت وكاميليا ونعملّكوا فرح يليق بيكوا. عايزين حسيني صغير.
للوهلة الأولى شعرت بالهواء ينسحب من رئتيها، فكلمات هاشم كانت مفاجأة، خاصة في ذلك الوقت، وتلقائيًا وجدت نفسها تنظر إليه بعجز، فإجابته سيتوقف عليها أشياء كثيرة بالنسبة لها. وبالفعل أتاها ردّه الحازم بعد أن استطاع لملمة شتاته قليلًا، فحديث هاشم أصاب وترًا حساسًا بداخله، فقال بهدوء:
ـ الموضوع دا سابق لأوانه.. في حاجات أهم دلوقتي.
هاشم بوقار:
ـ أنا سامع إن وضع الشركة مش ولابد اليومين دول، بس انت طبعًا قدّها، ومش محتاج أقولك إني جنبك في أي وقت لو احتجتلي.
يوسف بامتنان:
ـ طبعًا يا هاشم بيه، طول عمرك سبّاق بالواجب، بس ما تقلقش. الأمور تحت السيطرة.
نظرت إليه كاميليا لوهلة نظرة حزينة متألمة التقطتها أعين مراد، الذي شعر بالألم لرؤيتها بهذا الشكل، لكنها فاجأته بصلابتها وبراعتها في إخفاء شعورها، فرسمت ابتسامة هادئة جميلة لا تفصح شيئًا عمّا يدور بداخلها من ألم يفوق الحدود.
تدخل مازن في الحديث قائلًا بمزاح:
ـ هاشم بيه، لو ماكنش يضايقك يعني. أنا ليا فاتحة وشَبْكة عندكوا اتأجلت ييجي عشرين مرة، فلو مفيهاش إساءة أدب مني عايز أعرف هتتم إمتى؟ يعني عشان أعمل حسابي بس.
علي بمزاح:
ـ هو أنا مش قولتلك يا ابني.. ماعنديش بنات للجواز.
مازن بانفعال:
ـ يا ابني انت حاشر نفسك في الكلام ليه كده وجعلك كلام! أنا بكلم الراجل الكُوبارة ده.
قهقه هاشم بمرح قبل أن يقول:
ـ هو انت يا ابني جيت طلبتها مني وأنا قولتلك لا؟
صاح مازن مُهللّا:
ـ بس كده! طب يا عمي أنا طالب القُرب منك في كارما بنت ابنك. ها الفرح إمتى بقى؟ عشان أنا جوّ الفاتحة والخطوبة ده مايأكُّلش معايا. أنا بحبها من وهي في اللِفّة يا جدعان، حرام عليكوا كده..
قهقه الجميع على مظهره المنفعل، فقال هاشم بوقار:
ـ لا.. في أصول لازم نتبعها. تيجي تطلبها من بيتها ونقعد نتفق.. لا يصح إلا الصحيح.
علي باستفزاز:
ـ بالظبط كده، مش سلق بيض هو؟
يوسف بتسلية:
ـ بصراحة عندهم حق يا مازن.. انت عايز تكروت الجوازة ولا إيه؟
نظر إليهم مازن بغضب قائلًا بغيظ:
ـ خلصتوا سِفّ عليّا طبعًا. ما واحد لسه شايفها أول امبارح وخطبها النهاردة وبعد أسبوع كتب الكتاب ولا همّه.. والتاني كاتب كتابه أصلًا ومروق دماغه، والتالت…
وجّه أنظاره إلى أدهم الذي كان الحزن بادٍ على محيّاه، فقال بسخرية:
ـ تفّ على وشي. أنا اتجوزت ولا شوفت جواز حتى. هتفضل بائس كده طول عمرك.
أدهم بلامبالاة:
ـ بس يا حيوان.. انت خليك في خيبتك.
تحدث رحيم بهدوء قائلًا:
ـ خلاص يا جماعة.. الولد عايز البنت والبنت عايزاه.
وجّه أنظاره لهاشم قائلًا بوقار:
ـ هاشم، مازن عندي زيه زي يوسف وأدهم، وأنا كنت ناوي آجي أخطبله كارما منك، بس انت شايف حالتي الصحية عاملة إزاي، فهستسمحك توافق كتب كتابهم يبقى مع علي وروفان، وكفاية بقى نُعطّل جوازهم أكتر من كده. أنا شايف مفيش داعي. ولا إيه؟
صمت هاشم قليلًا قبل أن يقول:
ـ وماله يا رحيم.. أنا مش هلاقي لكارما أحسن من مازن. خلاص. كتب كتاب علي وروفان ومازن وكارما الخميس الجاي.
مازن بحبور:
ـ أيوا بقى. هو ده. أنا قولت محدّش يخلّص الموضوع ده غير القرش الكبير! حبيبي يا رحيم بيه.. والله جميلك ده مش هننساهولك العمر كله!
نظر الجميع إلى فرحته وكلماته عن رحيم بذهول، فاقترب منه أدهم قائلًا بخفوت:
ـ ابسط يا عم.. بعد كلمتينك دول كده الجوازة باظت.
نظر مازن إلى رحيم بحرج قبل أن يحاول تصليح الأمر قائلًا:
ـ القرش ده الاسم الحركي لرحيم بيه في السوق! طبعًا واكل الجو ومش مخلّي لحد حاجة خالص.
أدهم بسخرية:
ـ أنا برضو قولت. محدش جاب شركتنا الأرض غير عينك المدورة دي.
كانت أمسية سعيدة على البعض، وتعيسة ثقيلة على البعض الآخر، لكنها انتهت وذهب علي وأسرته، وتوجه الجميع إلى غرفهم باستثناء يوسف، الذي كان طوال الليلة منشغلًا بعمله وأحاديثه السرية التي كانت تشعل الفضول بقلبها المهزوم بفعل عشقها له. فما إن دخلت إلى غرفتها حتى ارتمت على سريرها بتخاذل، فقد أخفقت اليوم كثيرًا معه. تعلم أن أخطاءها كبيرة، لكنها كانت تظن أن غفرانه أكبر، وللأسف خانتها ثقتها هذه المرة؛ فمن الواضح أنها قد استنفذت كل محاولاتها معه، ولا تعلم كيف ستواجه الغد بدونه.
عند هذه الخاطرة صار الدمع يقطر من عينيها كالأنهار التي لن تستطيع أن توقفها، فتركت له العنان علّه يخفف من عمق جرحها الغائر، فصارت شهقاتها تعلو، ولم تعد تهتم إن سمع صوت نحيبها العالم أجمع، فطاقتها على التحمل قد نفدت.
فجاءت تلك اليد الحانية تربت على كتفها بمواساة وحنان، فرفعت رأسها لتُصدم عندما رأته أمامها، فقالت بذهول:
ـ انت!
دائمًا هناك قلوب خُلقت لترمم جروحنا التي لا يراها أحد.. ترى حزننا الذي نخفيه عن الجميع، تعلم الكثير الذي لم تكن لنا القدرة على البوح به.. تلك القلوب التي تستطيع امتصاص جميع أوجاعنا بلمسة حنان واحدة.
بعد مرور يومين، تحديدًا في الصباح، كان الجميع على مائدة الإفطار يتناولون طعامهم بصمت، حتى جاءت تلك الفاتنة التي كان صوت حذائها يعزف سيمفونية رائعة تُحكي مدى جمال صاحبتها. فدخلت إلى الغرفة لتلتفت جميع الأعين تجاهها تتطلع إليها بانبهار، وعينان أخريان تناظرانها بشغف كبير وشوق قد بلغ ذروته، ولكنه أخفى ذلك بمهارة، وكان أول من تجاوز فتنتها وحوّل أنظاره إلى الطبق أمامه.
لاحظت هي ذلك، ولكنها اقتربت قائلة برقة:
ـ صباح الخير.
بادلها الجميع التحية، ولكن حديث مراد أصابها بصدمة كبيرة حين قال بحنان:
ـ تعالي يا كاميليا اقعدي جنبي.
لم يرفع عينيه لمعرفة وجهتها، ولكن صوت حذائها كان يبتعد عنه لتجلس بالفعل بجانب مراد، وقد أشعرته فعلتها بغضب شديد، فمنذ زمن ومكانها بجانبه، والآن تأتي لتغيّره. ترى، هل هذه طريقة انتقامها الجديدة منه نتيجة تجاهله لها؟ أم أن هذا فعلٌ عفوي منها تجاه مراد؟
لا يعلم، ولكنه تجاهل كل ما يحدث ولم يُظهر لمحة تأثر واحدة. ليأتي بعد ذلك الدخول العاصف لزين الذي اندفع تجاه والده قائلًا بمرح:
ـ بابا حبيبي، صباح الخيل.
أجابه مراد بحب:
ـ صباح الفل يا بطل. عامل إيه النهارده؟
زين بلماضة:
ـ عامل كويس بس زهقان.
كاميليا بحنان:
ـ ليه بس يا روحي؟
زين بحزن:
ـ عسان بلعب لوحدي، ولوفي (روفي) مبقتش ترضي تلعب معايا..
أدهم بسخرية:
ـ معلش بقى يا زيزو، أصل روفان كبرت وخلاص هتتجوز.
زين باستنكار:
ـ كبرت إيه دي! لسه صُغَيّرة خالص أهي!
مازن بمزاح:
ـ لا يا زيزو يا حبيبي، هي حجمها كده بس هي كبيرة..
روفان بغيظ:
ـ قصدك إيه بحجمها دي يا سي مازن؟
مازن بتخاذل:
ـ أنا أقصد حاجة بردو، ده أنا قصدي إنك بسكوتة وكيوتة كده يعني، وبعدين أنتِ زعلانة ليه؟ دانتِ قادرة! بطولك ده ووقعتي بغل طوله مترين، أمال لو طويلة شوية كنتِ عملتي إيه؟
اغتاظت روفان من حديثه وأوشكت على الرد، فقالت كاميليا بمزاح:
ـ أنا من رأيي تسيبي البغل هو اللي ياخدلك حقك. عشان تاخديه تالت ومتلت!
ضحك الجميع على مزحتها، فقالت روفان متشفية:
ـ لا وليه؟ مانا ممكن أخلي القُوزعة بتاعته هي اللي تطلع عينه، ما هو بغل وهي عرفت توقعه بردو.
عند حديثهم هذا كان زين يضع كلتا يديه فوق أذنيه لكي لا يسمع تلك الألفاظ التي كانت بالنسبة له نابية، فنظر إليه أدهم قائلًا باستنكار:
ـ شايفين الواد حاطط إيده على ودنه إزاي؟ مش قادر يسمع كلامكم ولا ألفاظكم الزبالة!
روفان بسخرية:
ـ حوش السكر اللي بينقط من لسانك. تعالَ يا زينو يا حبيبي، أنا هاخدك معايا لما أتجوز عشان نلعب سوا براحتنا.
زين باستفهام:
ـ أنتِ هتدوزي إمتى يا لوفي؟
روفان بحنان:
ـ آخر الأسبوع كتب كتابي.
زين ببراءة:
ـ يعني إيه؟
كاميليا بمزاح:
ـ تقدر تقول جواز مع إيقاف التنفيذ.
زين بلهفة:
ـ طب أنا تمان عايز أدوز.
نظر الجميع إليه باندهاش، فقال مازن بذهول:
ـ واد يا مفعوص! أنت يا اللي ماطلعتش من البيضة عايز تتجوز؟ دانا يتعملي تمثال بقى! وعلى كده مين العروسة؟
زين ببراءة:
ـ كاميليا.
كان الحديث يمر مرور الكرام عليه، ولكن تلك الكلمة البريئة من زين استوقفته ليرفع رأسه ناظرًا إليه باندهاش، قبل أن يقول مراد بتعقل:
ـ كاميليا دي أختك يا بابا.. مينفعش!
زين بحزن:
ـ يا خسارة! أختي؟ طب أنا هدوز مين دلوقتي؟
مازن بمزاح:
ـ خد يا ابني هنا، دانتا لعبت مع الأسد.. اشمعنى يعني كاميليا؟
نظر إليها زين بإعجاب كبير ثم قال ببراءة:
ـ عشان كاميليا جميله أوي، وشعرها جميل وناعم، وعينيها جميله، وحضنها جميل،
بقها جميل أوي.. كل حاجة فيها جميلة!
كان الجميع ينظر إلى زين الذي كان يمرر يديه الصغيرة فوق شعر كاميليا وملامحها الجميلة ببراءة، جعلت ذلك الذي يعشقها يتابع حركات أصابعه فوق وجهها ويتمنى لو كان هو من يتلمس ملامحها الفاتنة في تلك اللحظة. نجح زين في إثارة شوقه وغيرته، فلم يعد يستمع إلى مزحاتهم، بل كان يتأمل جمالها المشع وضحكاتها الناعمة، فلم يخرجه من شروده سوى صوت جده الذي قال بوقار:
"أيه يا كاميليا يا بنتي؟ قررتي إيه في العرض اللي عرضته عليكِ؟"
التفتت كاميليا تجاهه قائلة بهدوء ينافي ضجيج قلبها الذي كان يترقب ردّ فعله على قرارها الصادم:
"موافقة يا جدي، وإن شاء الله هبتدي الشغل من النهاردة في الشركة!"
نظر يوسف إليها نظرة حادة قاتلة قبل أن يرفع أحد حاجبيه باستفهام، فبادره رحيم الحديث قائلًا:
"أنا طلبت من كاميليا تنزل تتدرب في الشركة، وفي أقرب وقت عايزك تعملي اجتماع مع مجلس الإدارة، في حاجات كتير لازم تتوضح."
حاول يوسف استيعاب كلمات جده، أو بالأحرى قراراتها التي أخذتها دون أن ترجع إليه، فشعر بغضب عارم، ولكنه أخفى غضبه خلف قناع الجمود، وقال ببرود:
"الموضوع دا سابق لأوانه.. في حاجات أهم دلوقتي."
فهم رحيم مدى غضبه من خلال كلماته، فحاول تهدئة الأوضاع قليلًا، وقال بهدوء:
"وماله خد وقتك، مش مستعجلين على حاجة.. بس كاميليا هتبتدي شغلها من النهاردة."
تحرك يوسف من مقعده فارداً طوله الفارع، قائلًا ببرود:
"تبتدي وقت ما تبتدي. أنا ماشي، ورايا شغل كتير، وعم عبده بره عشان يوصلها."
مراد بصرامة:
"خلي عم عبده معاك يا يوسف، أنا هوصل كاميليا. أصل أنا كمان ناوي أنزل على شغلي في الشركة من النهاردة."
أدرك يوسف المعنى المبطّن لحديث عمه، فتجاهله كليًا، واكتفى بالإجابة ببرود عكس النيران التي تحرق صدره من الداخل:
"عن إذنكم."
كانت كاميليا تمشي جنبًا إلى جنب مع مراد لتصل إلى المصعد، قبل أن يستوقفها حديث تلك الفتاة التي كانت تحادث موظفة الاستقبال بمنتهى الغرور قائلة:
"جاية لمستر أدهم.. قوليله مرام عايزة تقابله!"
رواية عشق بين حنايا الروح الفصل الثامن 8 - بقلم نورهان العشري
أُعاني الأمرَّين مع قلبي وكبريائي؛ فلا قدرة لي على إرضاء قلبي، ولا طاقة لديَّ لمداواة كبريائي. فالأوّل عاشقٌ مُشتاقٌ حدَّ الحنين، والثاني جريحٌ غاضبٌ حدَّ الألم، وأنا أقف في المنتصف لا أملك سوى أن أطمئن الأوّل بأنّي سأتذكّرك إلى الأبد، وأُراوغ الآخر بأنّني لم أعد أهتمّ لأمرك.
كانت كاميليا تستقلّ السيارة بجانب مراد، الذي كان الكون كلّه لا يسع فرحته؛ فها هي ابنته قد قرّرت أن تعطيه فرصة في حياتها، حتى ولو لم تتقبّل فكرة كونه والدها، إلّا أنها قبلت بأن تتعامل معه كصديق بعد حديثهما المطوّل قبل يومين.
عودة لوقتٍ سابق.
كان مراد يقف أمام غرفة كاميليا، ينظر إليها بلهفة وقلبٍ يحترق ألمًا وندمًا على أخطائه الفادحة التي تسبّبت في حرمانه من حبيبته سابقًا، وابنته حاليًا.
ليقترب من باب الغرفة للمرة التي لا يعرف عددها، لا يدري ماذا يفعل، يريد أن يكون بجانبها؛ فقد شعر بحزنها الليلة، وودّ لو يضمّها إلى قلبه ويخبرها بأنه بجانبها دائمًا. لكن تجاهلها له كان أكثر من مؤلم بالنسبة إليه، لذا لم يُرِد أن يُحزنها أكثر، وظلّ بعيدًا عنها.
ومع ذلك لم يطاوعه قلبه على تركها هكذا؛ فقد ودّ لو يطمئن عليها، فأمسك بمقبض الباب يريد فتحه، لكنه تراجع خوفًا من رفضها له، وظلّ على حاله لبعض الوقت.
وما إن اتخذ قراره بأن يتركها تستوعب صدمتها ممّا حدث بالماضي، حتى سمع صوت بكائها المكتوم، ذلك الصوت الذي شقّ قلبه إلى نصفين، فلم يتردّد لحظة، وقام بإدارة قفل الباب واتجه إليها بقلبٍ لهيف على طفلته التي عانت الأمرّين طوال حياتها.
امتدت يد مراد تربّت على تلك التي كانت ترتجف من شدّة البكاء والألم الذي ينهش صدرها، لتجفل عند شعورها بأحدهم يربّت فوق ظهرها بحنان، فالتفتت لتتفاجأ بآخر شخص توقّعت أن يكون بجانبها، فقالت بصدمة:
ـ انت!
مراد بحنان:
ـ حسّيت إنك تعبانة ومقدرتش مكونش جنبِك.
دقّ قلبها تأثرًا بكلماته، لكنها أبت التجاوب معه؛ فقلبها ما زال يؤلمها لما فعله بوالدتها. فقالت بلهجة حادة:
ـ لأ، أنا كويسة… تعبت نفسك على الفاضي.
توقّع مراد ردّة فعلها، ومع ذلك تألم قلبه، لكنه تابع قائلًا بحنان:
ـ بس عينيكي الحلوة بتقول غير كدا…
كاميليا بحدة:
ـ لو سمحت… أنا تعبانه وعاوزة أرتاح.
مراد يتوسّل:
ـ كاميليا… ممكن تسمعيني؟
كاميليا بانفعال:
ـ عمو مراد! وإيوا… انت بالنسبالي عمي ومش هتبقى غير كدا. كل اللي أنا عرفته دا مِغَيَّرش حاجة جوايا. أنا معرفش ليا أبو غير بابا أحمد… وبس. حتى لما سميرة قالتلي إني مش بنته، مَصدّقتهاش أبدًا، عشان اللي شُفته منه ميخلّينيش أشك لحظة إني مش بنته.
حاول مراد مقاطعتها، لكنها تابعت بلهجة حادّة بعض الشيء:
ـ متقاطعنيش لو سمحت. مفيش حاجة في الدنيا ممكن تخلّيني أغيّر موقفي. وبالنسبة للي حصل بينك وبين ماما زهرة…
غصّ قلبها عند تذكّر والدتها الراحلة فتابعت بلهجة مهزوزة:
ـ دا بينك وبينها… هتتحاسب فيه قدّام ربنا. وبقولها وبكررها… أنا ماليش أب غير أحمد الحسيني. وعشان خاطره هتعامل معاك… وهتفضل في نظري عمي مراد وبس.
لا تعلم مدى وقع كلماتها القاسية على قلبه الذي تحوّل إلى أشلاء، فنظر إليها بألم شديد قبل أن يقول بضعف:
ـ يعني مفيش أمل؟!
حوّلت كاميليا وجهها للجهة الأخرى، غير قادرة على النظر إلى ملامحه المتألمة وعينَيه المنكسرتين، وقالت بوجع:
ـ مفيش!
شعر مراد وكأن قلبه بات يحمل أحزان العالم أجمع؛ فصار قلبه ينزف ألمًا من حديثها ورفضها. تحرّك من مكانه دون أن يتفوّه بحرف واحد، وتوجّه نحو الباب ودموعه تتساقط دون القدرة على إيقافها، وهو يُلقي اللوم على غبائه وتهوّره وجميع أخطائه التي جعلت حياته جحيمًا.
لتأتيه كلماتها التي انتشلته من هذا الجحيم حين قالت بلهفة:
ـ عمو مراد… إحنا ممكن نكون أصحاب!
لم يصدّق مراد أذنيه عندما سمع ما تفوّهت به، فالتفت إليها قائلًا بعدم تصديق:
ـ بجد؟!
نظرت إليه كاميليا بحزن وإشفاق؛ فمهما حدث، كان هو ضحية خداع وألاعيب قذرة مثلها. لم يطاوعها قلبها على كسره مرة أخرى، فقررت إعطاءهما فرصة للاقتراب وترميم تلك الجروح والندبات التي خلّفتها أخطاء الماضي.
فقالت بحنان:
ـ بجد.
انهمرت الدموع من عينيه كما لم يحدث من قبل، فصار بكاؤه نحيبًا وهو يقترب منها بلهفة، بادَلَته إياها وهي تعانقه بحب كبير، بادَلَها هو أضعافه. فظلّا على هذا الوضع لدقائق، فقد كان كلٌّ منهما يحاول ترميم جراح الآخر بذلك العناق الدافئ المليء بالحنان والشوق.
بعد مدة لا بأس بها، كانت كاميليا أول من انسحب من ذلك العناق الذي لم تكن تعلم أنها في أمسّ الحاجة إليه. وطاوعها مراد، رغم أن قلبه رفض إبعادها عنه، لكنه لم يُرِد الضغط عليها كي لا يأتي ذلك بنتيجة عكسية.
فناظرها بنظرات حانية وهو يقول بامتنان:
ـ أنا مش عارف أشكرك إزاي يا بنتي… إنتِ أدّيتيني أمل في الحياة من تاني بعد ما كنت كرهتها ويئست منها.
قبل لحظات كانت تشعر بالندم لتسرّعها في إعطائه تلك الفرصة، لكن بعد كلماته تلك أيقنت أنها فعلت الصواب، فأجابت بابتسامة هادئة:
ـ متشكرنيش… كان لازم نوصل لحل وسط ونحاول ننسى اللي فات… كفاية عذاب بقى.
شعر مراد بتحفّظها، لكنه لم يُبالِ، بل قام بالربت بحنان على كفّها الذي بين يديه، وقال بلهجة حانية:
ـ أنا موافق على أي حاجة منك يا كاميليا… ومش عايز حاجة من الدنيا غير إني أعوّضك عن كل اللي فات.
هزّت رأسها وابتسمت بهدوء دون أن تتفوّه بحرف، فواصل هو الحديث قائلًا بحنان:
ـ مش عايز أضغط عليكي… بس قلبي بيقولّي إن في حاجة كبيرة مزعلاكي. وبما إنك قولتي إننا أصحاب، فأنا جاهز في أي وقت تحبّي تتكلمي فيه. مش عايزك تكتّمي الوجع جواكي… عايز عيونك الحلوين دول على طول بيضحكوا وفرحانين.
آثرت كلماته ولهجته الحانية فيها كثيرًا، حتى إنها لم تشعر بدموعها تتساقط على خديها تحكي مقدار حزنها. فامتدت يداه يمسحها برفق قائلًا بغضب مكتوم من مظهرها الحزين:
ـ للدرجادي زعلانة منه؟!
كاميليا بنفي:
ـ زعلانة من نفسي أكتر…
جذبها مراد برفق وأجلسها على الأريكة خلفهما، وجلس بجانبها قائلًا بهدوء ينافي غضبه:
ـ كاميليا يا بنتي، اللي فات من عمرك كله كوم، واللي جاي كوم تاني. اللي فات دا كله كنتِ لوحدك… بس دلوقتي أنا موجود، حتى لو مقدرتيش تتقبلي وجودي لسه. بس لازم تعرفي إني في ضهرك، وعمري ما هسمح لحد أبدًا إنه يفكّر مجرّد تفكير يضايقك أو يزعلك. حتى لو كان يوسف.
بثّتها كلماته بعض الأمان، لكن قلبها الذي انتفض عند سماع اسمه، وسماع حديث مراد عنه، جعلها تقول بلهفة:
ـ الموضوع غير ما إنت فاهم خالص يوسف طول عمره جنبي وفي ضهري، وعمره ما ضايقني ولا زعلني. إحنا بس مضغوطين من الأحداث الأخيرة.
لا يعلم لِمَ شعر بالغيرة من حديثها عنه، لكنه آثر عدم الخوض في الموضوع كثيرًا، فاقترب منها قائلًا بتعقّل:
ـ مش هضغط عليكِ عشان تحكيلي. بس هقولّك كلمتين تحفظيهم كويس قوي. الراجل، أو إحنا ولاد الحسيني تحديدًا، مابنحبّش الست الضعيفة اللي من أي حاجة تطلع تجري تعيّط. إحنا بنحب الست القوية اللي تطلّع عنينا وتلوّعنا… اللي نجري عليها بالمشوار. عايزين الست اللي تشغّل عقلنا قبل قلبنا. أنا معرفش إيه اللي بينك وبينه، بس لازم يشوفك دايمًا قوية، ويعرف إنك مش هتموتي من غيره. لازم يشوفك واقفة على رجلك لوحدك، رافعة راسك… إنما الضعف دا هيخليه يدوس أكتر ويتمادى.
إنتِ مابقتيش خايفة من حاجة دلوقتي. إنتِ كاميليا الحسيني رسمي، ولازم هو يشوف دا بعينيه.
تفاقمت دهشة كاميليا من حديثه، حديثٌ استهجنه قلبها العاشق له، ورحّب به عقلها كثيرًا وهو يهمس لها:
هل لهذا السبب عاملها بذلك الجمود وتلك القسوة في مكتبه؟ لأنها أظهرت ضعفها وعرّت مشاعرها أمامه؟ هل يمكن أن يكون قد يئس من ضعفها وقلة حيلتها وقرر أن يتجاوزها؟
لاااا!
تلك كانت إجابة قلبها الذي رفض بشدة هذا التفكير، فهو أكثر من يعلم مقدار عشق يوسف لها، وأن كل هذه الترهات ليست حقيقية أبدًا. وهكذا سقطت في حيرتها، لكنها حسمت الأمر سريعًا بأنها لابد أن تُثبت له أنها ليست الضعيفة التي اعتاد رؤيتها، فقالت باستفهام:
ـ أنا مش فاهمة، انت عايزني أعمل إيه؟
مراد بأنانية نابعة من غيره أُبوية كانت اختبارًا لشعور جديد كُليًا عليه:
ـ عايزك تجنّبيه من حياتك خالص، وتبتدي تعيشي حياتك كأنه مش موجود. مش هو امبارح قال إن الكلام في موضوعكوا سابق لأوانه وإن في حاجات تانية أهم؟ يبقى أنتِ كمان تورّيه إن عندِك أهم منه.
آلمها تذكير مراد لها بكلمات يوسف القاسية، والتي تعلم يقينًا أنه لم يقصد بها جرحها أو التملص من علاقتهما، فهي شعرت بعشقه واشتياقه عندما ضمّها إلى صدره، لكنه يكابر، فهو غاضب منها. لذا قالت بانفعال:
ـ يوسف قال الكلام دا عشان متضايق مني.. في حاجات كتير حصلت بينا حضرتك متعرفهاش، وقبل أي كلام قلتلك إني زعلانة من نفسي عشان أنا اللي وصلت العلاقة بينا لكدا.
مراد بغضب:
ـ أيًا كان اللي حصل، مكانش ينفع يقول كدا! هو مدين ليكِ باعتذار.
كاميليا بصرامة:
ـ أنا مش مستنية منه أي اعتذار. لو عايز تساعدني بجد زي ما بتقول، يبقى تساعدني أتجاوز اللي حصل وأورّيه إني مش ضعيفة زي ما هو فاكر. أنا مش عايزة أحارب يوسف. أنا عايزة أحارب عشانه!
حاول مراد احتواء غضبه، فصمت قليلًا قبل أن يقول بهدوء:
وأنا معاكِ في كل اللي أنتِ عايزاه… وأول حاجة لازم تفكري فيها هي مستقبلك.
ـ تقصد إيه؟
ـ تنزلي الشغل في المجموعة!
كان حديث مراد صادمًا لها، فقالت باستفهام:
ـ مجموعة إيه!! مجموعة الحسيني؟
ـ أيوه مجموعة الحسيني. أنتِ متخرّجتيش من هندسة عشان تقعدي في البيت، وكمان ليكِ حق في الشركة. وبالمرة يبقى قدّام عينيه طول الوقت ويشوف كاميليا تانية غير اللي اتعود يشوفها.
كاميليا باستفهام:
ـ طب وتفتكر هو يرضى؟
مراد بغيظ:
ـ مش لازم يوافق. مش هو واخد منك موقف زي ما بتقولي؟ خلاص يبقى مش مهتم أصلاً يعرف حاجة عنك.
غضبت كاميليا من كلامه، لكنها لم تُظهر ذلك، وقالت فقط:
ـ طب وجدي؟ تفتكر هيوافق؟
مراد باختصار:
ـ سيبي الموضوع دا عليّا.
وقد استطاع بالفعل إقناعها أن هذا هو الصواب، وطلب من جدّها أن يفاتحها بالأمر، وقد حصل على الموافقة صباحًا.
عودة للوقت الحالي.
وقفت كاميليا أمام ذلك الصرح العملاق بخوف ورهبة؛ فهي قبل أي شيء تريد أن تُثبت نفسها وقدراتها، وأن تبني اسمًا في تلك الشركة. تملكها الخوف الذي شعر به مراد، فامتدت يده تمسك بكفها ليبثّها بعض الطمأنينة، فالتفتت إليه بابتسامة شكر سرعان ما انمحت عندما رأت ذلك النمر الغاضب الذي تخطاهم بسرعة كبيرة متوجهًا إلى المصعد.
ليستقله صاعدًا دون أن يُلقي سوى نظرة جليدية تحوي غضبًا كبيرًا، تجلّى أكثر عندما صدم باب مكتبه بعنف كاد يخلعه. كان الغضب والغيرة والألم تتصارع داخله، يريد أن يذهب الآن ليُحطّم رأسها العنيد، ثم يعانقها عناقًا ساحقًا يروي ظمأ شوقه إليها… تلك الحمقاء الفاتنة التي تُثير كل المشاعر المتناقضة داخله في آن واحد.
قاطع تفكيره طرقاتٌ خفيفة على الباب. كانت السكرتيرة التي ترتجف رعبًا من مظهره الغاضب الذي دخل به. لا مفر. عليها مواجهة الوحش، خاصة وهي ترتدي تلك الملابس الضيقة التي عنفها عليها من قبل. لكنها كانت تطمع في أكثر من العمل.
دخلت سمر بعد أن أذن لها، تقدّم قدمًا وتؤخر الأخرى، وبدأت بإبلاغه برنامجه اليومي المتخم باجتماع بعد عشرين دقيقة. أمرها بالانصراف وتجهيز الطاولة.
خرجت سمر لتجد أمامها مراد الغاضب، الذي دخل غرفته دون الاستماع لنداءاتها.
وأغلق الباب خلفه قبل أن يتقدم تجاه يوسف قائلًا بغضب:
ـ هما كلمتين مالهمش تالت يا يوسف: اللي فات كله كوم واللي جاي كوم تاني، وكاميليا بنتي… مش هسمح لحد في الدنيا يزعلها أو ييجي عليها.
نظر إليه يوسف بلا مبالاة قبل أن يقول ببرود جليدي:
ـ طب كويس… وبعدين؟
اغتاظ مراد من بروده:
ـ والكلام دا ينطبق عليك انت أول واحد!
ابتسم يوسف ابتسامة مستفزة:
ـ وإيه كمان؟
مراد بغضب جحيمي:
ـ بطل أسلوبك المستفز ده وكلّمني زي ما بكلمك! لو فاكر إن محدش هيقدر يقفلك تبقى غلطان.
يوسف ينظر لساعته بملل:
ـ طيب يا عمي، عشان أنا معنديش وقت للكلام الفاضي ده… هقولك الكلمتين اللي بعديهم مفيش نقاش:
أنا مقدّر إنك أب وعايز تحمي بنتك، ودا حقك. بس لازم تعرف وتحطها حلقة في ودنك. إن دورك مع كاميليا بينتهي عندي أنا.
برقت عينيه من حديث يوسف المتملك و الذي تابع بنبرة تحمل الكثير من الحزم:
ـ كاميليا مراتي وتخصّني. من قبل ما تعرف هي أصلًا إنها بنتك. مراتي من قبل حتى ما أعرف أبوها مين، ودا أصلًا ميفرقش معايا.
مراد بحنق:
ـ تقصد إيه بكلامك ده؟!
يوسف بصرامة:
ـ أقصد إنك تطلع أبو كاميليا عمها، خالها دا ميفرقش!
أبوتك دي تمارسها بعيد عني. عشان هي من أول ضافر رجلها لشعر راسها تخصني أنا، وملكي أنا لوحدي.
ومن زمان.
أوشك مراد الغاضب على الحديث لتوقفه كلمات يوسف التي تحمل قدرّا من الوقاحة يوازي قدرًا من الصواب:
ـ ومش عايز اضايقك لما أقولك إنها متعرفش ولا هتعرف أب غيري. أظن كلامي واضح!
كانت كلمات يوسف قاسية على مراد لكنه قال بانفعال:
ـ ولما هي تخصّك وبتحبها أوي كده مزعلها بالطريقة دي ليه!
يوسف بصرامة:
ـ ميخصكش ولا يخص أي حد اللي بيني وبينها.
مراد بحنق:
ـ أنا مش هسكت وأنا شايف بنتي بتدوب من الحزن بسبب غرورك وكبرياءك!
يوسف بسخرية موجعة:
ـ ولما بنتك هربت من جبروت مراتك اللي كانت المفروض تبقى أمها كنت فين؟
أقولك أنا؟ ولا كان على بالك! تسألني أنا كنت فين؟
هقولك معداش أربعة و عشرين ساعة غير وأنا عارف هي فين و متطمن عليها حتى بعد ما طعنتني في ضهري وهربت مقدرتش مبقاش جنبها!
مراد بانفعال:
ـ كان غصب عنها… وكان ليها أسبابها!
يوسف بغضب:
ـ أسبابها اللي مظهرتش غير بعد سنة كاملة! وبرغم دا كله. سامحتها قبل ما حتى أسمع أسبابها.
مراد بغضب:
ـ أمال ظالمها ليه دلوقتي؟! بتعاقبها لية بعد ما سامحتها؟!
يوسف باستنكار:
ـ ظالمها؟! أنا عمري ما ظلمتها. ولا حاسبتها على حاجة كانت غصب عنها. واللي انت مسميه عقاب دا فرصة أخيرة بديهالها تراجع بيها نفسها، دا لو لسه باقية عليا!
مراد بيأس وغضب:
ـ وهتفضلوا على الحال ده كتير؟
يوسف بحدّة:
ـ الموضوع دا ميخصكش، والنقاش فيه انتهى.
مراد بصراخ:
ـ اللي تشوفه يا ابن أخويا! بس خليك عارف إني هفضل جنب بنتي وفي ضهرها، وهقفلك لو فكرت توجعها! ومهما كان غلطها مش هسمحلك تعاقبها. افتكر إنها بنت مراد الحسيني!
يوسف بفظاظة:
ـ قضيتك معايا خسرانة يا مراد بيه، ومعلش مش هقدر أديلك من وقتي أكتر من كده. عندي حاجات أهم.
خرج مراد من الغرفة يزبد غضبًا ويتوعد يوسف بأشد العقاب أما كاميليا، فلم تنتبه له بينما كانت تتابع تلك الفتاة التي بدا مظهرها كمظهر فتيات الليل ملابس ضيقة وزينة صارخة. لكن ما لفت انتباهها حقًا هو عندما قالت لموظفة الاستقبال:
ـ عايزة أقابل أدهم… اسمي مرام.
وعندها تذكّرت كاميليا تلك الفتاة التي تشاجر أدهم مع جدّه شجارًا عنيفًا بسبب رفضه القاطع الزواج بها. صحيح أنها لم ترَها ولو لمرة واحدة، لكنها تتذكّر اسمها جيدًا، فقد ذكرته لها غرام هي الأخرى. تُرى ماذا تريد تلك الفتاة منه؟ ولماذا ظهرت في هذا الوقت تحديدًا؟ أخذت تتساءل كثيرًا، لكن جاءتْها فكرة ماكرة قامت بتنفيذها على الفور؛ فأخرجت هاتفها وتظاهرت أنها تنظر إلى مكياجها، ثم قامت بالتقاط عدة صور لتلك الفتاة كي تُريها لغرام، لعلّ الأخيرة تشعر بالغيرة ولو قليلًا، فتشفق على هذا المجنون المتيم بها، والذي كان في مكتبه يتابع بعض الأعمال، يريد إنهاؤها سريعًا قبل ذلك الميعاد الذي ينتظره على أحرّ من الجمر، فها هو يستخدم آخر كارت في جعبته ليصل إلى مبتغاه الذي عانى كثيرًا لأجله…
أخذت كاميليا تُلقي نظرات خفية نحو تلك الفتاة التي أخبرتها موظفة الاستقبال بأن عليها الانتظار لساعة أو أكثر قبل أن تتمكن من مقابلة أدهم، لكنها أصرت على الانتظار. فاغتاظت كاميليا من وقاحتها كثيرًا، وقررت إخبار غرام في الحال، فقامت بالاتصال بها، والتي كانت بدورها تخرج بسيارتها من بوابة القصر، حتى تفاجأت بسيارة قادمة من الجهة الأخرى تقطع طريقها وصوتٌ أنثويٌّ ناعم يناديها من النافذة قائلًا:
ـ غرام!
التفتت غرام نحو صاحبة الصوت، فوجدت آخر شخص على الإطلاق قد تتوقع مقابلته، فقالت بصدمة:
ـ طنط صفية!
ترجّلت صفية من السيارة، وفعلت غرام مثلها وهي لا تزال على صدمتها. اقتربت صفية منها بابتسامة دافئة، وعانقتها بحنان قبل أن تقول:
ـ طبعًا إنتِ اتصدمتي لما شفتيني!
غرام محاولةً إخفاء صدمتها:
ـ لا أبدًا يا طنط، حضرتِك تنوّرينا في أي وقت…
صفية بمزاح:
ـ ما تحاوليش، باين على وشّك أصلًا…
ابتسمت غرام بحرج ثم قالت:
ـ بصراحة اتفاجئت… بس برضه حضرتِك نوّرتي يعني…
صفية بمرح:
ـ نوّرت فين يا بكّاشة؟ دا نور ربنا…
ابتسمت غرام على مزحتها وقالت بصدق:
ـ والله مش بكش، أنا فرحت إني شوفت حضرتِك… اتفضّلي ندخل نقعد جوه.
صفية بجدية:
ـ لا جوه إيه؟ إنتِ اللي هتتفضّلي معايا دلوقتي.
غرام باستفهام:
ـ أتفضّل مع حضرتِك فين؟
صفية بمزاح:
ـ ما تتخضّيش أوي كده، أنا بس عايزة أتكلم معاكِ كلمتين، وما تخافيش، مش هعطّلك عن اللي وراكِ.
غرام بلهفة:
ـ لا يا طنط، تعطليني إيه! تحت أمر حضرتِك.
صفيه:
ـ تسلمي يا حبيبتي… تعالي نقعد شوية في العربية.
وبالفعل، توجهت غرام مع صفية إلى السيارة، وانتظر السائق بالخارج، بينما بدأت صفية بالدخول إلى صلب الموضوع بلا مقدمات، فقالت بهدوء:
ـ أنا عارفة إنك بتسألي نفسك: أنا إيه اللي جابني دلوقتي؟ وأنا هجاوبك وندخل في الموضوع على طول أنا جاية هنا عشان أكلمك في موضوعك إنتِ وأدهم.
دقّ قلبها عند سماع اسمه، وظهرت لمحة من الحزن في عينيها لم تخفَ على صفية، خاصة عندما قالت غرام بحزن:
ـ موضوعنا أنا وأدهم انتهى يا طنط ومبقاش ينفع فيه أي كلام.
صفية بهدوء:
ـ انتهى يعني ما بقَيش في قلبك؟ ولا انتهى يعني مبقتيش عايزاه؟
نظرت إليها غرام بضياع؛ فلا قدرة لها على الإجابتين. فهي ما زالت تحبّه، ولم تُرد في حياتها أحدًا سواه، ولكن…
قاطعت صفية تفكيرها قائلة:
ـ كرامتك! صح؟ كرامتك هي اللي مانعاكي تجاوبِي الإجابة الحقيقية؟
كانت كلمات صفية تصف ما يدور بداخلها بدقة، ولم تعد لها طاقة على كتمانه، فقالت بضعف:
ـ دي حقيقة! عشان كده مش عايزة أتكلم في الموضوع ده. الكلام فيه هيوجع، وأنا استكفيت.
صفية بتعقّل:
ـ أنا يا بنتي ما أعرفش إيه اللي حصل بينكوا ووصّلكوا للمرحلة دي، لكن مستغربة إن الحب اللي في عينيكِ ده كله ما يخلكيش تدي له فرصة تانية؟
غرام بحزن:
ـ الحب اللي يكسر البني آدم ويذلّه يبقى مش حب، وأحسن له إنه يندفن جواه. والعلاقة اللي ترخّص الإنسان مهما كانت بالنسبة له حاجة كبيرة قطعها واجب.
لامست كلمات غرام وترًا حساسًا بداخل صفية، وذكرتها بألمها القديم، ومعاناتها التي ما زالت تتجرعها حتى الآن، ففرت دمعة هاربة من طرف عينها. تفاجأت غرام كثيرًا، فأمسكت يدها وقالت بندم:
ـ طنط حضرتِك بتعيّطي؟ أنا آسفة والله، مكنتش أقصد بس دي حقيقة حكايتي أنا وأدهم.
ابتسمت صفية بحنان وهي تقول بصوت مهزوز:
ـ ما تعتذريش يا غرام، إنتِ ملكيش ذنب. بس كلامك فكرّني بواحدة صاحبتي زمان. حبت واحد أوي من لما كانت طفلة كان هو بالنسبالها كل حاجة. أهلها وأهله أصحاب، ومن وهي صغيرة كانوا يقولوا إنهم لبعض. وكبِرت على الحلم ده إنه ليها وهي ليه. واتخطَبوا، وعاشت أحلى أيام حياتها بس في خيالها، لأنه كان مشغول طول الوقت. وحتى لما كانوا يتجمعوا، ما كانش معاها أبدًا. وهي من كتر ما بتحبه مكنتش شايفة ده. كانت بتعدّ الأيام علشان تتجمع معاه تحت سقف واحد
محت أناملها عبراتها الحزينة قبل أن تتابع:
ـ كانت بتحلم بيوم فرحهم، وتقول إنه هيكون أحلى يوم في عمرها. لكن الحقيقة إنه كان أتعس يوم مرّ عليها في حياتها.
توقفت صفيه لحظة، تحشرج صوتها، ثم تابعت بألم:
ـ اليوم كان جميل لحدّ ما اتقفل عليهم باب واحد. حلمها اتحقق، وانقلب فجأة لكابوس. لما اتفاجئت بالراجل اللي عاشت عمرها كله بتحلم بيه، وهو بيقولها إنه بيحب واحدة تانية، واتفاجأت إنه اتجوزها قبل جوازه منها بيوم واحد… وبيطلب منها تسامحه! لأنه مقدرش يقف قدام أهله ويعترف بحبه.
تحولت صدمة غرام إلى ألم وحزن كبيرين، حتى أن دموعها لم تستطع الصمود، فسقطت تأثرًا بتلك الحكاية المؤلمة. قالت بغصة وشفقة:
ـ ياه. ده موقف صعب أوي. أصعب حاجة في الدنيا حب من طرف واحد. طب وهي عملت إيه لما قالها كده؟
كانت صفية تشعر بالألم ذاته. الألم الذي عاشته حين صارحها عامر. ما زالت تتذكر تلك اللحظة جيدًا
عودة لوقتٍ سابق:
ـ وإنت لسه فاكر تقولي الكلام ده دلوقتي؟!
عامر بألم:
ـ أنا عارف إني غلطان، وإني مكنتش لازم أسكت لحد ما نوصل للحظة دي. بس مكنتش أقدر أكسر كلمة بابا، خصوصًا إنه قلبه تعبان، وكفاية عليه صدمة موت ماما.
صفية بهدوء ظاهري:
ـ والمفروض إني أنا اللي أدفع تمن خوفك على أبوك؟ وتمن خوفك على حبيبتك تضيع منك؟ فتتجوزها قبل جوازك مني بيوم؟ لازم أدفع تمن حاجات أنا ماليش علاقة بيها؟!
عامر بانفعال:
ـ أنا عارف إنك ملكيش ذنب. بس الظروف أجبرتنا. وما تقلقيش، أنا مرتّب لكل حاجة علشان ما تتضرريش أبدًا.
صفية بسخرية:
ـ إزاي بقى؟
عامر بفظاظة:
ـ أنا مش هقرب منك. هنفضل أصحاب زي ما كنا، وهتفضلي عايشة هنا معزّزة مكرّمة، لحد ما يعدي سنة على جوازنا، وبعدها هنقولهم إننا ما قدرناش نكمّل ونتطلق. وساعتها أكون رتّبت أموري مع ناهد، وأقدر أواجه بابا بيها. وبكده. إنتِ هتخرجي من الجوازة دي من غير أي ضرر.
نظرت إليه صفية غير مصدّقة هل قال إنها لن تتضرر؟! ماذا عن قلبها الذي دُهس تحت قدميه؟ ماذا عن عمرها كله الذي كان ملكه وحده؟ هل نسيان ذلك كله سهل إلى هذا الحد؟!
كانت النظرة الجامدة في عينيه كفيلة بأن تُسقط ما تبقّى بداخلها. رفعت رأسها عاليًا وقالت بجمود يُخفي انهيارًا عظيمًا
ـ موافقة.. ومن هنا لحدّ ما يحصل الطلاق، إنت بالنسبالي راجل غريب!
عامر بدهشة:
ـ يعني إيه غريب؟ مش فاهم!
صفية بقوة:
ـ يعني باب الجناح ده ممنوع تدخله من غير استئذان. علاقتك بيا هتبقى في أضيق الحدود. تجاوزًا هنتعامل قدام الناس، لكن غير كده إنت ملكش أي علاقة بيا!
غضب عامر من لهجتها ومن طريقة حديثها فقال بصرامة:
ـ أنا محدّش يملي شروطه عليّا يا صفية! لكن لأني عارف إني حطيتِك في الموقف ده أنا هوافق على كلامك. تصبحِي على خير.
عودة إلى الوقت الحالي
شرعت صفية في سرد حكايتها على غرام وكأنها تخص إحدى صديقاتها، فتأثرت غرام كثيرًا وغضبت من ظلم وجبروت ذلك الرجل فقالت بغضب:
ـ إيه الراجل الظالم المفتري ده؟! مش كفاية اللي عمله فيها، كمان بيكلمها كده؟! وإزاي هي سكتت له؟
صفية بابتسامة واهنة:
ـ قلبها يا غرام. اللي أجبرها تسكت.
وصدمتها لما لقت إن كل حكايتها معاه كانت وهم من خيالها. وعشان أكون صريحة معاكِ مكنش قدّامها حل تاني.
غرام بتعاطف:
ـ حقيقي صعبت عليّا أوي. طب قوليلي يا طنط، حصل إيه بعد كده؟
صفية بضعف:
ـ استمرت الحياة بينهم فترة مش طويلة، حوالي ست شهور. مشافتهوش فيهم غير يمكن مرتين. متستغربيش، أكيد مراته كانت بتمنعه يروحلها. لحدّ ما في يوم لقيته داخل عليها نص الليل وهو في حالة صعبة جدًا، تقريبًا كان شبه منهار. وطبعًا هي اتصدمت، إزاي شخص بجبروته وقوّته يكون بالحالة دي؟ وحكالها إن حبيبته دي طلعت خاينة، وباعته هو وصاحب عمره. وهي طبعًا وقفت جنبه وقعدت تهدي فيه. وتمم جوازه منها في الليلة دي. هتقولِي إزاي قبلت يحصل كده؟ هقولك: غلبها حبّها ليه، وضعفها قدّامه، واحتياجه ليها، وحصل اللي حصل. وبعدها طلبت منه الطلاق كتير لكنه رفض وقالها إنه متمسك بيها وعايزها في حياته. وأقنعها يبدأوا من جديد. واللي ساعده في ده إنها لقت نفسها حامل. استسلمت للأمر الواقع وهو، على غير ما توقّعت، كان أحنّ حد في الدنيا عليها. بالرغم من برودها معاه وبعدها عنه، إلا إنه كان صبور جدًا.
متعرفيش يمكن حبّها، يمكن ضميره أنّبه وخلاه يحاول يعوّضها. المهم جه يوم ولادتها اللي غيّر حياتها كلها. أول ما شالت ابنها في حضنها كل الوجع اللي جواها داب. وحسّت إنها بقت أم وعندها عيلة. وفعلاً سامحته.
وعاشوا بعدها أسعد أيام حياتهم، كان هو فيها أحنّ أب وأحسن زوج في الدنيا.
قاطعتها غرام قائلة بتأثر:
ـ ياربّي. أنا فرحتلها أوي! أخيرًا فرحت!
صفية بألم:
ـ وهي كمان كانت فرحانة، بس مفيش حاجة في الدنيا دي دايمة يا غرام عشان جوزها ده مات بعدها بكام سنة.
صُدمت غرام من المفاجأة فشهقت قائلة:
ـ يااه عالوجع! يعني بعد ما الدنيا ضحكتلها يحصل كده؟
صفية بنبرة ذات مغزى:
ـ الدنيا مبتضحكش لحدّ على طول يا غرام. لازم الإنسان يستغلّ كل لحظة حلوة فيها.
فهمت غرام المغزى فقالت بخفوت:
ـ بس أنا خايفة أوي. خايفة يحرجني ويأذيني تاني. خايفة أآمن له يا طنط!
صفية بتفهّم:
ـ فاهمَاكي وحاسة بيكِ. بس عايزة أسألك سؤال وتجاوبيني بصراحة.
غرام:
ـ اتفضّلي.
صفية:
ـ إنتِ حاسة إن أدهم مش بيحبّك؟
غرام محاولة الهروب:
ـ مش عارفة.
صفية بتخابث:
ـ يا بت. يعني لما يقف قدام الناس كلها في المستشفى ويقول بعلو صوته إنه بيحبّك ده يبقى إيه؟ أهبل؟
غرام بإذعان:
ـ ماشي، أنا عارفة إنه بيحبّني.
صفية:
ـ يبقى تدي لنفسِك وليه فرصة تانية. الحياة مش كل يوم هتبعتلنا حد يحبّنا يا بنتي. صدقيني أنا مش بجبرك على حاجة. بس صعبان عليّا أشوفك إنتِ وهو بتتألموا كده.
أنا أول مرة أشوف أدهم بيبكي عشان خاطر حد.
أدهم ده مكنش بيكره في الدنيا قد الستات. فجأة بيعيّط عشان واحدة! إنتِ متخيّلة الواحدة دي عنده إيه؟
رغمًا عنها رقص قلبها من حديث صفية، لكن الشكّ كان لا يزال يثقل قلبها فقالت بإحراج:
ـ طب هو أنا ممكن أسأل حضرتك سؤال؟
صفية:
ـ اتفضّلي طبعًا.
غرام بترقّب:
ـ هي صاحبتِك دي قدرت تنسى كل الألم اللي مرّت بيه يوم جوازها؟ قدرت تتخطى لحظة انكسارها؟
صمتت صفية لثوانٍ محاولة السيطرة على رجفة قلبها، ثم قالت بصدق:
ـ مقدرش أقولك نسيت، بس اللي عاشته معاه بعد كده كان يستاهل إنها تسامحه. الذكريات الحلوة اللي عاشهالها دفنت الذكريات السيئة. وكل ما يمرّ طيفها على بالها تلاقيلها معاه ألف ذكرى حلوة تنسيها كل الوجع.
انتهى لقاء صفية وغرام بتبادل السلامات والعناقات الدافئة، فقد شعرت غرام بأن تلك المرأة تحمل حنان والدتها، وأراحها الحديث معها كثيرًا. لكنها قررت العودة إلى المنزل لتجلس مع نفسها وتفكر حتى تصل إلى حل تستطيع أن تعيش به بسلام.
عند دلوف غرام إلى بوابة القصر، قامت صفية بالاتصال بأدهم. وعندما أتاها ردّه قالت بحنان:
ـ أنا كنت مع غرام دلوقتي واتكلمت معاها زي ما اتفقنا.
قبل يومان.
دخل أدهم غرفته مطأطئ الرأس، يشعر وكأنه يحمل فوق قلبه همومًا بحجم الجبال. ولم يعد يستطيع التحمّل أكثر.
عندما رأى موقف عليّ مع شقيقته شعر بمدى نذالته مع غرام، والتي لم يتمنَّ شيئًا في حياته إلا وجودها بجانبه.
يعلم أن جرمه كبير لكن حبه أكبر بكثير.
نعم، أخطأ لكنه يرفض أن يُعاقَب بفقدانها طوال حياته.
لا يزال يتذكر حديثها الذي يقطر ألمًا عندما شعرت بانفعاله على شقيقته.
هو لم يقصد إهانتها، ما شعر به كان غيرة فطرية على أخته، ليس كما وصفته بأنه يرى أخته غالية وهي رخيصة.
فهي أغلى ما يملك في هذه الحياة.
كل ما يريده فرصة واحدة فقط ليُثبت لها مقدار عشقه.
لم يعد يدري ماذا يفعل ليُكفّر عن خطئه، فلم يعد يحتمل الابتعاد عنها. أصبح كل شيء بلا معنى بدونها، حتى التنفس بات ثقيلًا.
ماذا عليه أن يفعل أكثر؟
هكذا كان حديث أدهم مع ربه وهو ساجد على سجادة الصلاة، ودموعه تنهمر وهو يناجي قائلاً:
ـ يارب. أنا عارف إني غلطت، وندمت.
إنت وحدك عالم اللي في قلبي ناحيتها إيه.
وعالم إني اتعذبت قد إيه قبل ما أعمل اللي عملته ده.
وعالم إني مكنتش عايز أعمل كده بس غصب عني.
غيرتي، غضبي، وعقدتي، عمّوني.
يارب أنا ماليش غيرك دلّني على طريق ألاقي فيه راحتي معاها يــارب.
ظل أدهم يصلي وقتًا ليس بالقليل يناجي ربه إلى أن هدأ.
فدائمًا ما تكون الصلاة وقربنا من الله زورق النجاة من بحور الألم التي نقع فيها بسبب أخطائنا.
أنهى أدهم صلاته وقام بطيّ السجادة ووضعها على الكرسي أمامه، ليتفاجأ بصوت خلفه يقول بدهشة وعدم تصديق:
ـ قد كده بتحبها يا أدهم؟
التفت أدهم وتفاجأ بوالدته تجلس على السرير خلفه، تتابعه بذهول. لم تره يومًا يصلي ويبكي بتلك الطريقة.
أجابها بصوت مبحوح:
ـ ماما… إنتِ هنا من إمتى؟
قالت بحنان:
ـ مش مهم يا أدهم، المهم إننا لازم نتكلم. تعال اقعد جنبي.
تقدّم أدهم نحوها بخطوات بطيئة حتى جلس بجانبها، فبادرته قائلةً:
ـ احكيلي. إيه اللي حصل ووصلكوا للحالة دي؟
حاول أدهم عدم الخوض في الحديث فقال بمراوغة:
ـ الموضوع مش زيّ ما انتي فاهمة يا ماما..
قاطعته صفية بصرامة:
ـ ما تكذبش عليّا، أنا ما نسيتش موقف المستشفى، بس كنت مستنياك تيجي وتقولّي. لكن أنا عايزة أعرف كل حاجة في الموضوع دا دلوقتي.
زفر أدهم بتعب، فإصرار والدته على معرفة ما حدث جعله لا يستطيع المراوغة، فقال باستسلام:
ـ من غير الدخول في تفاصيل مش هتفيد بحاجة. أنا وغرام كنّا مرتبطين وبنحب بعض، بس حصل كام حاجة كدا خلّتني ظلمتها وجرحتها أوي، وهي من وقتها مش قادرة تسامحني، ولا تديني فرصة أصلح غلطتي.
صفية بحزن على حال ولدها:
ـ يبقى أكيد غلطك كبير أوي يا ابني.
أدهم بانفعال:
ـ عارف إنه كبير، وعارف إني وجّعتها أوي، وندمان ندم عمري، ومستعد أعمل أي حاجة في الدنيا عشان تسامحني، بس هي رافضة أي كلام مني، وأنا مبقتش عارف أعمل إيه.
ـ إنت متأكد إنها بتحبك زيّ ما إنت بتحبها؟
أدهم بألم:
ـ وده اللي واجعني أكتر إنها بتتعذّب لحد دلوقتي بسببي، بتعاقبني بالبعد، وهي أكتر واحدة بتتألم منه.
صفية باستنكار:
ـ هو إنتوا كلكوا كدا يا ولاد الحسيني؟ قربكم نار وبعدكم مرار!
أدهم بيأس:
ـ أنا بحبّها أوي يا ماما، أنا حقيقي مقدرش أعيش من غيرها. فكرة إني أكمل حياتي من غيرها مرعبة بالنسبالي، مش قادر أستوعبها.
وبكل ما تملك من حنان، احتضنته صفية بين ذراعيها بلهفة، وقد سقطت دموعها حزنًا وتأثرًا بحالته؛ فهي طوال حياتها لم تره مهزومًا أو ضعيفًا أبدًا، فقد كان دائمًا صلبًا لا يُظهر مشاعره لأحد. لكن انهياره بهذا الشكل أدمى قلبها، ومع ذلك التزمت الصمت حتى تتركه يُخرج ما بداخله من ألم وعذاب. كانت تود لو تمتص منه جميع أوجاعه حتى لا يتأذى أبدًا، ولكن ما باليد حيلة؛ فلكلٌ منا قدر يجب أن يعيشه بحلوه ومره، هكذا هي الحياة.
بعد مدة، استطاع أدهم أن ينتزع نفسه من بين أحضان والدته، فقالت بحنان:
ـ ارتحت شوية لما خرجت كل اللي جواك؟
أدهم بامتنان:
ـ الحمد لله يا حبيبتي، ربنا ما يحرمني منك أبدًا.
صفية بمزاح:
ـ لا حبيبتي إيه! دا أنا اتركنت على الرف خلاص! وبقى في حبيبة تانية غيري!
أدهم بابتسامة:
ـ مفيش حد أبداً يقدر ياخد مكانك عندنا يا ماما. أنتِ أغلى حاجة في حياتنا. الحضن اللي مهما كبرنا واتشغلنا لما الحياة بتِقل علينا بنجري عليه نستخبى فيه.
صفية بتأثر:
ـ ربنا ما يحرمني منكم يا حبيبي. المهم بقى نسيبنا من كل الكلام دا، ونخلّينا في البت أم دماغ ناشفة عايزة تتكسر دي!
أدهم بسخرية:
ـ آه والله… قلبها حجر.
صفية بتخابث:
ـ واللي يلين الحجر دا؟
نظر أدهم إليها بنصف عين، ثم قال بترقّب:
ـ ماما انتِ تقصدي إيه؟ وخلي بالك أنا عامل زي الغريق اللي ما هيصدّق يلاقي قشاية يتعلق فيها.
صفية باستنكار:
ـ غريق إيه يا واد؟! ما تنشف أومال. أنا معنديش رجالة طرية كدا! دا أدهم اللي البنات كانت بترمي نفسها تحت رجليه!
أدهم بمسايسة:
ـ إيه يا ماما؟ ما كنتِ حلوة من شوية. قلبتِ عالوش التاني ليه؟ سيبك من دا كله وقوليلي هتليني الحجر إزاي؟
صفية بتخطيط:
ـ أنا هتكلم معاها، وهحاول أقنعها.
أدهم بإحباط:
ـ كان غيرِك أشطر. بقولّك دماغها أنشف من الحجر.
صفية بنفاد صبر:
ـ مالكش فيه. سيبلي أنا الموضوع دا. المهم. انت كمان ليك دور ولازم تعمله.
أدهم بلهفة:
ـ أنا من إيدك دي لإيدك دي. بس قوليلي أعمل إيه؟
صفية بتخطيط:
ـ هقولك..
قام أدهم بتنفيذ خطة والدته، والتي تتضمن إشراك شخص آخر معها، حتى وإن كان إقناعه صعبًا، لكن يجب أن يفعل كل ما بوسعه حتى ينال مسامحتها.
ـ أنا عارف إنك مستغربة أنا ليه طلبت أقابلك ضروري. بس إنتِ أكتر شخص ممكن يساعدني في مشكلتي دي!
★★★★★★★
في الشركة كان يوسف ينهي بعض الأعمال قبل دخول الاجتماع الثاني لهذا اليوم، لكن كان أهمهم تلك المقابلة مع الفتاة التي دخلت إلى مكتبه بعد أن سمح لها بالدخول، فاقتربت منه قائلة باحترام:
ـ حضرتك طلبتني يا يوسف بيه؟
ـ تعالي يا آنسة أميرة. اتفضلي اقعدي.
أطاعته أميرة وجلست على الكرسي أمام مكتبه، فقال يوسف بعملية:
ـ مواعيد التدريب بتاعت الطلبة اللي لسه متخرجين جديد هتبدأ الأسبوع دا. صح؟
ـ أيوه يا فندم فعلاً، وحتى الآنسة كاميليا بنت عم حضرتك من ضمنهم. أنا لسه كاتبة اسمها لما بلغوني.
يوسف وقد وصل إلى مبتغاه قال بلهجة هادئة تخفي إحراجه:
ـ أه فعلاً. أنا عرفت إنكوا جهزتوا كل حاجة، وإنك انتِ والبشمهندس عدي هتكونوا مسئولين عن التدريب زي كل سنة.
ـ أيوه فعلاً يا فندم، البروجرامات بتاعت التدريب اتجهزت، وكل حاجة تمام، وإن شاء الله هنبدأ من بكرة.
يوسف بجمود:
ـ تمام. بس هيبقى فيه تغيير بسيط. أنتِ هتكوني مسئولة عن تدريب البنات، وعدي هيكون مسؤول عن تدريب الشباب.
قطبت أميرة جبينها وقالت باستنكار:
ـ إزاي يا فندم؟ إذا كان كل واحد فينا مسؤول عن حاجة معيّنة، يعني تقريبًا إحنا بنكمل بعض. إزاي كل واحد هيبقى مسؤول عن مجموعة؟
يوسف بحدّة:
ـ اللي أنتِ بتقوليه دا أنا عارفه، مش مستنيّكِ تعرفيهولي. واللي أقوله يتنفّذ، ولا أنتِ لما جيتي درستي قسمتي دراستك إنتِ وعدي على بعض وكل واحد امتحن في جزء؟! انتِ مش درستي كل حاجة؟ وبقالِك سنين بتشتغلي هنا؟
جفلت أميرة من انفعال يوسف وحدّته فقالت بلهفة:
ـ طبعًا يا فندم عارفة كل حاجة، واللي حضرتك قولته هيتنفّذ. بس دا السيستم اللي ماشيين عليه بقالنا سنين.
عشان كدا استغربت بس.
يوسف بفظاظة:
ـ متستغربيش! وتدريب كاميليا هانم هيكون تحت إشرافِك الشخصي، ومش هيكون في أي تعامل بينها وبين حد تاني. أعتقد فهماني؟
ـ فاهمة طبعًا يا فندم. أوامر حضرتك هتتنفّذ بالحرف الواحد.
يوسف بفظاظة:
ـ وطبعًا مش محتاج أقولّك إن مفيش كلمة من الكلام دا حدّ يعرف بيها.
ـ أوامر حضرتك يا فندم.
ـ اتفضّلي على شُغلك.
خرجت أميرة من الغرفة، لتلمع عينيها بنجوم الحب حالما رأت مازن الذي دخل إلى غرفة يوسف وهو يصفّر ويدندن لحن أغنية شعبية. فنظر إليه يوسف بلا مبالاة، ثم ضغط على الهاتف ليوصله بسكرتيرته وقال باختصار:
ـ هاتِيلي القهوة بتاعتي.
فصدح صوت مازن الساخر وهو يقول بلهفة مصطنعة:
ـ بس والنبي يا سمر. هاتيها من غير سكر خالص، أحسن يوسف بيه صحته متستحملش.
نظر يوسف إليه باستفهام، فتقدّم مازن ووضع يده فوق جبهته يتحسسه وينظر في وجهه بتفحّص. فضاق يوسف ذرعًا بحركاته الغريبة تلك فقال بنفاد صبر:
ـ في إيه يا ابني انت!
مازن بتساؤل:
ـ طمني عليك. عامل إيه دلوقتي؟ ضغطك كويس؟ حاسّك سخن ووشك أصفر!
ثم شمّ الرائحة حوله بحركة مضحكة وقال بضحكة مكتومة:
ـ ريحة شياط! تقريبًا جاية من ودانك، صح!
نظر إليه يوسف بعدم تصديق وقال بغيظ:
ـ تصدّق إنك عيل ظريف، ودم أمك يلطش!
كان مازن يكتم ضحكته بصعوبة، فقال يوسف بسخرية من مظهره:
ـ اضحك اضحك. بدل ما إنت كاتمها كدا أحسن تِطُق وتموت وتبقى موتة هايفة زيك.
عند حديث يوسف، أفلتت ضحكة صاخبة من مازن الذي كان يراقب ملامحه على الإفطار صباحًا ويعلم مدى غضبه، فأراد أن يضيف بعضًا من الوقود فوق نيرانه فقال من بين ضحكاته:
ـ أدفع نص عمري وأعيد مشهد الصبح دا تاني! الواد المفعوص قال إيه! عايز يتجوز! لا وراسم على تقيل! عايز يخطف الجميلة من الوحش! خدت بالك وهو قاعد يحب ويحُضن فيها؟ وكاميليا جميلة، شعرها جميل، عينيها جميلة، بقّها جميل….
عند هذا الحد اشتعل غضب يوسف فقال بحدّة:
ـ ما تِكتِم يا حيوان انت. بدل ما الخبطلك معالم وشك.
مازن بمزاح:
ـ لأ أكتّم إيه! دي فرصتي أشمت فيك! أومال؟ فاكر لما كنت شمتان فيا عشان علي قرفني في عيشتي؟ أديك دلوقتي طلعلك عيل مش باين من الأرض، وعمال يبوس ويحُضن فيها! لا وقاعد قدّامك يقول عادي إنه عايز يتجوزها! أنكر إنك اتغاظت. أنكر كدا!
يوسف بغرور:
ـ ليه؟ فاكرني هايف زيّك؟ هغير من حتّة عيل صغير؟!
قهقه مازن بشدّة على مظهر صديقه وقال بتخابث:
ـ ما تحاولش. الغيرة فضاحة يا برنس! تخيل بقى يوسف الحسيني العظيم. يغير من حتّة عيل طول ركبته! الله يرحمك يا هيبة..
زفر يوسف بحدّة قبل أن يقول بغضب مكتوم:
ـ ماهو عيل غِتيت شبهك! قولي. جاي عايز إيه؟ مش فاضي لك.
مازن بذهول:
ـ أقولك إيه يا ابني؟ مش انت اللي باعتلي عشان عايزني؟! انت المزة لحّستلك دماغك خالص!
يوسف بصراخ وقد أوشك على الانقضاض عليه:
ـ ما تتلم يا زفت انت! واحترم نفسك، وإلا وشرف أمي هقوم أكسّر عضمك!
مازن محاولًا امتصاص غضبه:
ـ إيه يا جو يا صديقي. الواحد ميهزرش معاك خالص؟! وبعدين إنت اللي بتعمل حاجات تغيظ بصراحة ومش مفهومة بالمرة.
يوسف باحتقار:
ـ أنا اللي مش مفهوم؟ ولاّ انت اللي غبي؟!
مازن بتذمّر:
ـ أيوه انت مش مفهوم! تقدر تقولي ليه اتقمصت وصدّرت الوش الخشب لما عرفت إنها هتشتغل؟! وانت أصلًا اللي قايل لجدك على حوار الشغل دا؟
يوسف بانفعال:
ـ الهانم بقت بتاخد قرارات من غير ما ترجعلي! ولا كإنّي موجود!
مازن بعدم تصديق:
ـ مش انت يا ابني اللي مديها الوش الخشب؟! يا يوسف. اسمع مني. اقعد اتكلم معاها وقولها كل حاجة…
قاطعه يوسف بانفعال:
ـ اسكت يا مازن! واقفل على الموضوع دا خالص!
مازن محاولًا إقناعه:
ـ يا يوسف. انت سامحتها على كل حاجة. مجتش على دي!
يوسف بانفعال:
ـ إلا دي بالذات! المرة دي. مفيش أي حاجة ممكن تشفع لها عندي يا مازن!
مازن بتفهم:
ـ أنا عارف يا صاحبي إنك شايل كتير جواك. بس انت أكتر واحد في الدنيا عارف كاميليا بتحبك قد إيه؟ تصرفاتها فيها جانب طفولي كبير، وكمان انت عارف اللي اتعرضتله في حياتها. ساعد نفسك وساعدها. مش كل الناس بتفكر زيّك. يا يوسف كاميليا لسه شخصيتها بتتشكل. خليك صبور عليها شوية. أنا عارف إنك بتتعذب وهتتعذب… بس أنا وانت عارفين هي إيه بالنسبالك.
يوسف باختصار:
ـ والمطلوب؟!
مازن بترقّب:
ـ يعني. لو تديها إشارة. أو تحاول تخليها تاخد خطوة. وعلى حسب ردّ فعلها هتقدر تقرّر.
زفر يوسف بتعب، وغيّر مجرى الحديث بعدما ضاق ذرعًا بكل ما يحدث معه، فقال:
ـ اقفل على الموضوع دا. المهم. مفيش خبر من الناس بتوعك؟
مازن بعملية:
ـ الشحنة هتوصل بعد بكرة الساعة ٢ بالليل. هتقعد في المينا تقريبًا ساعة قبل ما العربيات تيجي تحملها.
ـ ويا ترى مداري في إيه المرادي؟
مازن بسخرية:
ـ شحنة موبايلات مستوردة، وصاحبك دافع ومشبع الناس أوي! عشان كدا محدش هيدوّر وراه!
يوسف بتفكير:
ـ قُلت هتقعد في المينا ساعة واحدة قبل ما يحملوها؟
ـ بالضبط. بس أكيد هيكون عليها حراسة مشددة. بتفكر في إيه؟
يوسف بمكر:
ـ هقولّك!
كانت كاميليا تتجوّل مع مراد في الشركة تتعرّف على موظفيها وأقسامها، ولكن عقلها كان معه، خاصةً عندما شاهدته يدخل قاعة الاجتماعات، ورأت تلك السكرتيرة الحمقاء التي ترتدي ملابس من وجهة نظرها فاضحة، وتضع الكثير من مساحيق التجميل على وجهها. فثارت غيرتها وودت لو أنها تقتحم تلك القاعة وتُخرج تلك الفتاة منها، خاصّةً عندما طال الاجتماع كثيرًا؛ فقد ظلّ قرابة الساعتين، حتى إن تلك الفتاة "مرام" اضطرت أن تغادر عندما لم تستطع مقابلة أدهم، وأخذت ميعادًا من الموظّفة لمقابلته غدًا أيضًا.
حاولت كاميليا أن تهاتف غرام كثيرًا، فكان هاتفها مغلقًا، فأخذت تزفر بغيظ، واستأذنت من مراد واستقلّت المصعد متوجّهة إلى غرفته، فلم تجد تلك "الشمطاء" كما أسمتها، فعلمت بأن ذلك الاجتماع لا يزال قائمًا. فقادتها قدماها إلى غرفته لا تعلم لِمَ، ولكنها كانت تطوق إلى التقرب من أي شيء يخصّه. وبالفعل دخلت إلى مكتبه، فغزت أنفها رائحته، فأخذت تتقدّم حتى وصلت إلى مكتبه وأخذت تعبث في أشيائه، ووجدت معطفه المعلّق في المكان المخصّص له، فاقتربت منه وقامت بإمساكه بكلتا يديها مقرّبة إيّاه من أنفها تستنشق رائحته العذبة؛ فقد أضناها شوقها إليه.
حتى أنها لم تنتبه للباب الذي انفتح، ولا لذلك الصوت الغاضب الذي جاء من خلفها:
ـ إنتِ بتعملي إيه هنا؟؟
رواية عشق بين حنايا الروح الفصل التاسع 9 - بقلم نورهان العشري
تسمّرت في مكانها من هذا الصوت الوقح الذي جاء من فم تلك الشمطاء، فما إن التفتت كاميليا إليها حتى وجدتها تُناظرها بغضب أذهلها كثيرًا، فتقدّمت منها ببطء ولازالت تحتضن معطفه بيدها، وتوقّفت على بُعد خطوتين منها قبل أن تقول:
"أنتِ بتقولي الكلام دا لمين؟ ليا!"
سمر بتهكّم:
"أنتِ شايفة في حد تاني في الأوضة غيرك! ردي عليا: بتعملي إيه هنا؟ ومين سمح لك أصلًا تدخلي؟"
علوّ نبرتها وأسلوبها الوقح في الكلام أثارا حممًا من الغضب بداخلها لدرجة أن عينيها امتلأت بالدموع من هذه الوقحة، فما إن أوشكت على الردّ عليها حتى تفاجأت به يقف أمام باب الغرفة يطالعها بغموض قبل أن يقول بفظاظة:
"في إيه بيحصل هنا؟"
نظرت اليه سمر متفاجأة وسرعان ما حوّلت نظراتها إلى الخنوع ونبرتها إلى رقة تنافي وقاحتها منذ قليل، وقالت بميوعة أغضبت كاميليا:
"يوسف بيه. أنا جيت أجيب الورق اللي حضرتك طلبته مني. لاقيت البنت دي واقفة في المكتب وماسكة جاكت حضرتك من غير ما تستأذن مني؟"
اغتاظت كاميليا من حديثها وتلك البراءة المفتعلة، وقد علمت بأن هذه الفتاة لعوب، وقرّرت إيقافها عند حدّها فقالت بعنفوان:
"البنت اللي بتتكلمي عنها دي تبقى صاحبة الشركة اللي حضرتك بتشتغلي فيها. كاميليا الحسيني، ولما أحب أستأذن عشان أدخل أي مكان هنا، اتأكدي إنك آخر واحدة ممكن أستأذن منها."
ظهرت الصدمة على وجه سمر التي قالت بتلعثم:
"كاميليا هانم... أنا آسفة والله، أنا مكنتش أعرف حضرتك... سامحيني…"
يوسف بفظاظة:
"برا!"
نظرت إليه سمر برعب، وبتوسّل قالت:
"يوسف بيه والله ما كنت أعرف حضـ..."
قاطعها يوسف بصرامة:
"على مكتبك!"
ارتعبت سمر من مظهره الغاضب ونبرته الحادة، فانْسحبت على الفور تاركة خلفها تلك النمرة الغاضبة، التي ما إن أُغلق الباب خلفها حتى اندفعت تجاهه قائلة بغضب:
"ممكن أعرف البلياتشو دي بتعمل إيه هنا؟"
يوسف ببرود:
"مين البلياتشو؟"
كاميليا بانفعال:
"البنت اللي كانت هنا دي!"
يوسف باستفزاز:
"مين قصدك... سمر!"
"أيوه زِفْتِه!"
يوسف على نفس بروده:
"دي السكرتيرة بتاعتي."
زاد غضبها من بروده معها فقالت بسخرية غاضبة:
"لا والله دي السكرتيرة! هو انتوا قلبتوها كباريه وأنا معرفش!"
يوسف بسخرية:
"ما شاء الله عالألفاظ يا كاميليا هانم!"
كاميليا بتهكّم:
"والله! ألفاظي مش عاجبة حضرتك! والمسخرة اللي الهانم عاملاها دي عجباك صح؟"
يوسف بتخابث:
"هي حرة تعمل اللي هي عايزاه... أنا مالي!"
لم ينفِ إعجابه بمظهرها، وهذا أثار جنونها، فأوشكت على الحديث، فقاطعها يوسف قائلًا باستفهام قاصدًا إحراجها:
"أمال الجاكت بتاعي بيعمل إيه معاكِ صحيح؟"
تبدّلت ثورة الغضب داخلها إلى خجل غمرها كليًّا، فتجلّى ذلك على خديها اللذين اصطبغا بحمرة الخجل واهتزاز نبرتها عندما قالت بتلعثم:
"إيه... دنا كنت بردانة وكده، فقولت ألبسه يعني.. وكنت هسيبه قبل ما أخرج على فكرة.."
كان ينظر إليها بخبث، فقد كان يعلم باشتياقها له ولرائحته، وكيف لا يعلم ذلك وهو يقتله شوقه الضاري لها، ولكن هناك شيء في القلب يؤلمه، وهي الوحيدة القادرة على مداواة هذا الألم. فودّ قلبه لو يختصر كل هذا العذاب ويصارحها بما يؤلمه، ولكن أبى كبرياؤه أن يتنازل هذه المرة، فزفر بتعب قبل أن يقول بلهجة باردة:
"كنتِ جاية عايزة إيه؟"
شعرت بتغيّر نبرته وملامح وجهه فقالت بتوسّل:
"يوسف!"
يوسف بفظاظة:
"يوسف بيه يا كاميليا. اسمي هنا يوسف بيه."
غضبت كاميليا من تحوّله المفاجئ وجموده الذي أصابها بالإحباط فقالت بخيبة أمل:
"تمام. اللي تشوفه. عمومًا أنا كنت جاية أشكرك إنك خلتني أنزل أتدرّب هنا."
دهشة كبيرة سيطرت عليه من معرفتها بأنه خلف قرار أن تتدرّب في الشركة، ولكنه نجح في أن يخفيها قائلًا بلامبالاة:
"وتشكريني أنا ليه؟ أنا مالي! جدّك اللي طلب منك ده... روحي اشكريه هو!"
شعرت بما يدور بداخله وأنه لا يريدها أن تعلم، قالت بعدم تصديق:
"لا والله يعني مش إنت اللي طلبت منه ده؟"
يوسف بتأكيد:
"لا طبعًا، الموضوع بعيد عني خالص.."
ضحكة ساخرة يشوبها المكر انطلقت من جوفها، وقامت بالالتفات حول مكتبه، جاذبة طرف مقعده ليصبح في مواجهتها، واضعة كفها الآخر على الجهة الأخرى من المقعد لتحاصره من الجهتين، وهي تنظر إليه داخل عينيه بمكر قبل أن تقول بتحدٍ:
"طب يا يوسف بيه... (شدّدت على تلك الكلمة ثم تابعت) هات عينك في عيني كده وقولي إن مش إنت اللي طلبت من جدي إني أنزل الشركة؟"
صُدم يوسف من فعلتها الجريئة كثيرًا، لكنها راقت له، وخاصة اقترابها منه بهذا الشكل وتحديها له، جعلت مشاعره تثور عليه، وتجسدت ثورته في ضربات قلبه التي ازدادت بشكل جنوني. فلأول مرة تقف أمامه بمثل هذه الجرأة وتتحداه أيضًا، فصمت لبعض الوقت قبل أن يحاول أن يتجاهل تحديها له، قائلاً بلهجة خافتة:
"وإيه اللي مخليكي متأكدة أوي كده إني السبب ورا القرار ده؟"
كاميليا بتخابث:
"ماهو مش معقول جدي اللي مكنش طايقني السنة اللي فاتت هيبقى فاكر إني مدخلتش التدريب بسبب إني كنت عيانة! أو مثلا برغم كل أشغاله، هيكون فاكر مواعيد التدريب بتاعت الطلبة الجدد. أكيد فاعل خير قاله، صح؟"
ابتسم يوسف رغماً عنه على حديثها وتعبيرات وجهها اللطيفة وحركاتها المثيرة، وقد أيقن بأن أمره قد انكشف، لذا حاول المراوغة فقال بلامبالاة:
"عادي جدًا، يمكن حب يسأل ويعرف عشان يصلح علاقته معاكِ. ليه برضو عايزة تجيبيها فيا؟ ولا إنتِ نفسك أكون أنا اللي عملت كده وخلاص؟!"
كاميليا باندفاع:
"بصراحة أه."
لم يفلح في قمع ابتسامته الذي ظنتها سخرية لينتابها الشك للحظات في أن يكون حديثه صحيحًا، لكن قلبها أقنعها بأنه يراوغ، فضحكت بدلال قبل أن تقول بمكر:
"وماله يا يوسف بيه…"
قالت الأخيرة بدلال أرهقه كثيرًا، ثم تابعت قائلة بخفوت
"بدل قررت تلعب، أنا موافقة، بس خلينا نشوف مين اللي هيسلم في الآخر؟!"
أنهت جملتها بخفوت مثير وتحركت لتنوي المغادرة بعدما تأكدت بأنها أشعلت براكين عشقها بداخله، لكنها غفلت مع من قررت اللهو، فقبل أن تخطو خطوتين، امتدت يداه لتمسك بمعصمها وتجذبها إليه بعنف في حركة مباغتة لم تستوعبها إلا عندما وجدت نفسها تستقر بين جنبات صدره وبفعل تلك الحركة انقلب شعرها للجهة الأخرى من وجهها، فانتشر كالشلال على كتفه، يظهر وجهها الفاتن بعنقها الباض أمام نظراته التي كانت تلتهم كل تفصيلة فيها بشغف وعشق، رأتهما في عينيه التي تعمقت بهما، وكأنها تعانقه، وأنفاسه الملتهبة التي كانت تلفح صفحة وجهها فتذيبها، خاصةً عندما حاوطها بيده الأخرى التي دخلت بين جاكت بذلتها وذلك القميص الذي يبيّن مدى نحافة ورشاقة خصرها، فشعر بدقات قلبها الهادرة وارتجاف شفتيها عندما اقترب ليصبح على بعد إنشين منها قائلاً بنبرة خافتة مثيرة:
"كنتِ بتقولي إيه؟"
لم تكن قد تغلبت على صدمتها من فعلته وقربه منها بهذا الشكل، فحرارة جسده كانت تذيبها وتعذبها، وأيضًا عيناه التي كانت تغويها بتلك النظرات المسلّطة تارة على شفتيها وتارة على عينيها، فكانت تقسم بأنها تشعر بها تقبّلها دون أي تلامس، وقد جعلها هذا تشعر بأحاسيس لذيذة تضرب أنحاء جسدها.
ظلت تنظر إليه بضياع لبعض الوقت، فأخرجها منه قرصة خفيفة من يديه التي تحاوط خصرها لتستفق من أحاسيسها، فبللت شفتيها قبل أن تقول بأنفاس مقطوعة:
"مقولتش!"
ابتسم بعذوبة، وعينيه تتفرسان كل إنش بها، فقد كان يشتاق إليها بقوة يود لو يحتضنها ألف عام حتى يرمم ما فعله الشوق بقلبه، ولكنه ظل ثابتًا على حاله بأعجوبة شديدة، فأفلَتت منه ضحكة ساخرة وقال بتخابث قاصدًا إحراجها:
"بتنسحبي من أول جولة كده!"
اغتاظت من أفعاله تلك، والتي يقصد بها أن يثبت مدى ضعفها أمامه، فأرادت إحراجه قائلة بسخرية:
"ما انت سمعت كلامي أهوه، أمال بتسأل ليه؟"
يوسف بتسلية:
"بتأكد بس إنك قد كلامك!"
كاميليا بتخابُث:
"لا، اطمّن، قدّه وقدّه أوي كمان، وبكرّرهولك تاني، خلينا نلعب لحد ما نشوف مين هيسلم في الآخر؟"
ابتسم يوسف بتسلية، فقد قالت جملتها الأخيرة بخفوت مثير قاصدة إثارته، فقط، كانت تعلم جيدًا مدى تأثيرها عليه، لكنه أبداً لن يعطيها انتصارًا الآن، فقال بسخرية:
"إنتِ بتتحديني بجد ولا أنا بيتهيألي؟"
كاميليا بابتسامة لعوب:
"ولا بيتهيألك ولا حاجة، ده تحدي صريح وصريح جدًا!"
كانوا قريبين للحد الذي تتلامس أنوفهم كلما تحرك أحدهم، وقد كان هذا يضاعف من نيران الشوق بداخل الاثنين، مما جعله يقول بخفوت:
"ومتخيلة إنك كمان هتنتصري عليا!"
كاميليا بدلال:
"لا، مش متخيلة، أنا متأكدة إني هنتصر عليك إيه، عمرك ما سمعت قبل كده عن تلميذ غلب الأستاذ؟"
رفع يوسف إحدى حاجبيه باستغراب قبل أن تلامس شفتيه جانبي شفتيها، وهو يقول بمكر:
"وماله، أهو الأستاذ بردو يعرف تلميذه طلع شاطر واتعلّم ولا خايب ولسه عايز دروس."
في بادئ الأمر، ظنت بأنه سيقترب منها، فشعرت باندفاع الدماء في أوردتها وبراكين من الشوق المشتعل التي أخذت تعصف بها. فهذا الرجل خلق لأجلها فقط، كل شيء فيه يكملها. تريد لو ترمي بكل تلك الترهات خلف ظهرها وتتنعّم بعشقه للأبد، وفعلاً امتدت يداها لتمسك بياقة قميصه، لكنها توقفت عندما قال بهدوء:
"معاد تدريبك كمان عشر دقائق. يلا عشان متتأخريش!"
في البداية غضبت، لكنها حمدت ربها كثيرًا بأنها لم تقدم على فعل قد يهين كرامتها. فكلماته أوقفت ما كان يدور بعقلها، وكأنه شعر بها، فحاولت التماسك قبل أن تنظر إليه نظرات ماكرة، وقامت بتعديل ياقة قميصه بعد أن فعلت ما تريد، وهبت من بين ذراعيه تمشي بكبرياء ممزوج بالدلال، لتوقفها كلماته للامبالاة، وهو يقول ببرود:
"ابعتيلي سمر وإنتِ خارجة."
كاميليا بابتسامة لعوب:
"من عنيا!"
وقد أرفقت حديثها بقبلة على الهواء، أثارت اندهاشه، فقد توقع غضبها عند طلبه لها بإرسال سمر، لكنها فاجأته وخرجت لتلتقي بتلك الفتاة، التي هبّت من مكانها، فمسكت كاميليا جانب شعرها وحوّلته إلى الجهة الأخرى في حركة مدلّلة قبل أن تقول بغرور:
"أنتِ .. يوسف عايزك جوا."
غضبت سمر كثيرًا من غرور تلك الفتاة ومعاملتها المتعالية معها، لكنها هزّت رأسها بمعنى نعم، وتوجهت إلى مكتب يوسف بعد أن نالت من عينيها نظرة استخفاف سرعان ما نسيتها، وبرقت عيناها عندما دخلت إلى غرفته، وخرجت منها شهقة مستنكرة، قابلها يوسف باندهاش قائلاً بغضب:
"في إيه، شوفتي عفريت ولا حاجة؟"
سمر بغيظ مكتوم:
"يوسف بيه، القميص بتاع حضرتك غرقان روج."
كانت فاطمة تنظر إلى أدهم بغموض جعل القلق يأكله من الداخل خوفًا من رفضها لمساعدته، ولكنها أخيرًا تحدّثت قائلة بحنق:
"الصراحة يا أدهم ما قابلتش حد أَبْجَح منك في حياتي!"
جحظت عيناه من تصريحها الصادم، ولكنه سرعان ما تجاوز صدمته قائلًا بترقّب:
"أفهم من كدا إنك مش هتساعديني؟"
فاطمة بتهكّم:
"أساعدك! يا ابني دا إنت لسه من يومين بس قايل لنا وإحنا في بيتكوا إنك مش موافق على جواز أختك من ابني،
ودلوقتي جاي تطلب مني أساعدك إنك تتجوز بنتي مش بقولك بجح!
حاول أدهم امتصاص غضبها وتجاوز الموقف بمزاح عندما قال:
ـ إحم. إنتِ قلبك أسود قوي كدا ليه؟ دا كان سوء تفاهم واتحلّ خلاص، وكتب كتابهم آخر الأسبوع، وأنا عايز يبقى زيتنا في دقيقنا والبت ما تخرجش برّه. اسمعي مني محدش هيستحملها غيري!
فاطمة باستنكار:
ـ نعم! مين دي اللي محدش هيستحملها غيرك؟ بنتي ألف مين يتمناها!
أدهم بحنق:
ـ ما أنا عارف. ما هي رخمة وزي القمر. بس والله لو دورتي جوا الألف واحد دول مش هتلاقي حد يحبها قدّي!
فاطمة بإذعان:
ـ ما أنا عارفة، وعشان كدا وافقت أقابلك.
أدهم بلهفة:
ـ يعني نويتي تساعديني؟
فاطمة بتعقّل:
بـ بُص يا أدهم. إنت زي عليّ ابني، وليك معزة جوايا. وعارفة إنك بتحبها، وبتحبها قوي كمان. بس برضه عارفة إنك أكيد جرحتها جامد، ودا اللي خلاها توافق ترتبط بالزفت اللي اسمه رامي دا.
قاطعها أدهم بانفعال:
ـ الله يجحمه مطرح ما راح… ذوقها معفّن أصلًا!
فاطمة بتهكّم وهي تشير إليه بيدها:
ـ ما هو ذوقها قاعد قدّامي أهو!
أدهم من بين أسنانه:
ـ إنتِ تقريبًا بتهزّقيني… صح؟
فاطمة بسخرية:
ـ لا، ما تاخدش في بالك. خلّينا في المهم. واضح إنك غلطت في حقها غلطة كبيرة، وغرام مشكلتها إنها عنيدة وما بتسامحش بسهولة، بالرغم من إنها عندها قلب أطيب منه مفيش، ودا الوحيد اللي هيشفع لها عندك!
أدهم بعدم فهم:
ـ يعني أعمل إيه طيب؟ دي مش قابلة مني أي كلام خالص، وكل ما نتقابل لازم تقلب بخناقة ونقعد نستحلف لبعض.
فاطمة بحنق:
ـ يعني بتنَيّل الدنيا أكتر ما هي متنيّلة!
أدهم بغضب:
ـ ما هي اللي بتستفزّني، ومش على لسانها غير: لو آخر واحد في الدنيا عمرها ما هتكون ليا، وأقَلِّم نفسي على عدم وجودها في حياتي، وأنا بسمع الكلام دا بتجنّن، وبيركبني ستين عفريت!
فاطمة بغضب:
ـ عشان غبي!
صُدِِم أدهم من تصريحها فقال بانفعال:
ـ إيه يا حاجة… الملافظ سعد!
ـ ما قصدش إنك غبي غبي! أقصد إنك غبي في تعاملك معاها وانفعالك عليها. طبيعي إنها موجوعة منك، هتقولّك كدا عشان تستفزّك، وكل مرة بتنجح في دا، مع إنك لو طولت بالك شوية واتكيت عالحنية هتلين. اسمع مني… دي بنتي ومحدّش عارفها قدّي. غرام نقطة ضعفها الحنية. المس قلبها. خليها تحس بحبك من غير عند وعصبية وزعيق. خليها تحس إنك ندمان فعلًا، وسيبك من جو الغصبانية دا. غرام حُرّة وما بتتقبلش جو الأمر والنهي… هتعند معاك أكتر.
زفر أدهم بتعب قبل أن يقول:
ـ الفكرة كلها إنها ما بترضاش تقعد معايا حتى خمس دقايق نتكلم، وكمان بنتك تاخد أوسكار في الاستفزاز، وبتتفنّن إنها تثير غيرتي، وأنا في دي بفقد أعصابي بصراحة.
فاطمة بسخرية:
ـ شُفت بقى! هي فاهماك إزاي وقدرة توصلك وتخليك تنفعل وتتجنّن. لكن إنت ما بتعرفش توصل لها ولا تخليها تسمعك. حاول تتجاهل أسلوبها دا، وتبلع أي كلام تقولهولك، وتحاول ما تتعصبش، وتخليها تشوف بعينيها هيّ إيه عندك، وتِحسسها بالأمان من ناحيتك إنك لا يمكن تجرحها تاني أو تزعلها.
أدهم بلهفة:
ـ والله عمري ما هزعلها تاني، إنتِ ما تعرفيش هيّ عندي إيه. لو ما كنتش بحبها. كنت هكبر دماغي منها وأقول ما البنات كتير. بس أنا مش عايز غيرها.
فاطمة بتفهم:
ـ عارفة، وعشان كدا بساعدك. بس إنت كمان لازم تساعد نفسك. وصدقني يا أدهم. محدش بيتجوز مرات حد. لو هيّ نصيبك عمرها ما هتكون لغيرك.
أدهم بلهفة:
ـ إن شاء الله نصيبي ومراتي. ربنا أكيد مش هيحط الحب دا كله في قلبي ليها، وبعد كدا يحرمني منها.
ـ ربنا يا ابني يهدّي لكوا الحال ويقدّم لكوا اللي فيه الخير.
كان يوسف يزرع الغرفة ذهابًا وإيابًا من شدة الانفعال، فتارة يبتسم على أفعالها الجنونية، وتارة يغضب بشدة من تلك العوائق التي دائمًا ما تضعها بينهم. فإن كانت تعشقه بتلك الطريقة وتغار عليه حتى من مجرد موظفة عنده، فلما تفعل كل هذا وتجعل كلاهما يشقى بتلك الطريقة…
كان من المفترض أن تكون بين أحضانه الآن، يتمتع بقربها وينهل من عشقها، لكنها كالعادة، أفعالها الطائشة تقف عائقًا بينهم، ولكن تلك المرة فالخطأ أكبر من طاقته على الغفران، والأكثر من ذلك بأنها لا تزال تكابر ولم تعترف به، وهذا أكثر ما يثير حنقه. هل فعلاً لم تدرك معرفته بالأمر أم تدّعي الغباء؟ لأول مرة يقف أمامها ولا يعلم ما يدور بداخلها، وهذا أغضبه كثيرًا.
أخرجه من شروده دخول السائق إليه، الذي قد أمره بالذهاب للمنزل لإحضار قميص آخر غير هذا الذي لطخته بأحمر شفاهها المثير. لكن لو كان الأمر بيده، لظل يلتصق به ليستمتع برائحتها التي ما زالت مطبوعة عليه، لكنه حتمًا لن يعقد اجتماعًا من عملائه بمثل هذا المظهر.
بالفعل أخذ منه القميص بعد أن شكره، وقام بخلع الآخر لتظهر تقاطيع جسده المنسق من باب مكتبه، الذي لا يزال مفتوحًا لتقف تلك السكرتيرة مشدوهة من مظهره المثير، غافلة عن عينان خلفها محمرتان كالجحيم من شدة الغضب. فاقتربت منها كاميليا بعد أن أغلق السائق الباب خلفه، وقام بتحيتها باحترام، ثم انصرف. فأمسكت كاميليا تلك الفتاة من رسغها قائلة بقوة وتهديد:
ـ عينك اللي هتطلع عليه دي أنا ممكن أخليكِ متشوّفيش بيها تاني! فاحسنلك لو عايزة تأكلي عيش هنا تركزي في شغلك وبس.
صُدِمت سمر من حديث كاميليا، التي رأتها وهي تراقبه، فحاولت رسم الضعف وهي تقول بلهجة مرتعبة:
ـ والله يا كاميليا هانم حضرتك فهماني غلط. أنا بس كنت واقفة لينادي أو يحتاجني في حاجة، مش زي ما حضرتك فكرتي.
كاميليا بسخرية:
ـ يا روحي، وأنا اللي ظلمتك! بصي، أنا عارفة الأشكال اللي زيك دي كويس، فاحسنلك تسمعي الكلام يا شاطرة، عشان مخليهوش هو بنفسه يرميكي برّه الشركة.
كادت أن تتحدث سمر، لكن أوقفها رنين الهاتف الخاص بمكتبه، فهرولت تجاهه لتتخلص من براثنها، فأجابت بلهفة:
ـ مستر يوسف… حاضر يا فندم.
نظرت إليها كاميليا بقرف، ولم تزد كلمة أخرى، بل اندفعت إلى حيث مكان التدريب لتتفاجأ بأدهم الذي كان يتصل بها، فأجابت ليبادرها قائلًا بلهفة:
ـ أنتِ فين؟
كاميليا باندهاش:
ـ أنا في الشركة ليه؟
ـ طب اطلعي استنيني في مكتبي، عايزك ضروري.
لم يكد ينهي جملته حتى وجد آخر شخص يريد رؤيته في هذه الحياة يقف أمامه، فلم يستوعب صدمته سوى عندما تقدمت منه وهو يسلم مفتاح سيارته للموظف أمام الشركة لركنه بالكراج. فاقتربت منه بلهفة قائلة:
ـ أدهم…!
لم يجبها أدهم من فرط صدمته، لتقترب منه أكثر قائلة بتوسل:
ـ أدهم أنا في مشكلة كبيرة، ومحدش هيقف جنبي غيرك!
تجاوز أدهم صدمته وكلماتها المستغيثة، وقال باحتقار:
ـ انتي؟
مرام ببكاء:
ـ أنا عارفة إنك مش طايق تبص في وشي. بس صدقني، أنا مجتلكش غير لما الدنيا داقت بيا…
أدهم ساخرًا:
ـ ولما الدنيا داقت بيكِ ملقتيش غيري تيجي تعيطيله؟ أمال فين الكلب اللي بعتيني عشانه!
مرام بندم وحزن:
ـ في حاجات كتير أوي إنت متعرفهاش يا أدهم. أرجوك، وحياة أغلى حاجة عندك تسمعني.
أدهم ببرود:
ـ مرام. كفاية تمثيل بقى عشان أنا لا طايقك ولا عايز أسمعك… اتفضلي امشي من هنا.
قال أدهم كلماته ونوى الدخول إلى الشركة، فما أن خطا خطوتين حتى استوقفته كلماتها اليائسة:
ـ لو مشيت من هنا هروح أرمي نفسي في النيل، وهيبقى ذنبي في رقبتك.
تفاجأ أدهم من وقاحتها والتفت إليها قائلًا بغضب:
ـ تصدقي إنك بجحة! أنتِ متخيلة أن موتك أو حياتك يفرقولي في شيء!
مرام بحزن:
ـ أنا عارفة إني مش فرقالك. بس أنا مش جيالك عشمانة في قلبك. أنا جيالك عشمانة في شهامتك ورجولتك. أرجوك يا أدهم سامحني، وسا..
لم تكد تنهي جملتها حتى داهمها الدوار وسقطت فجأة لتتلقفها يداه، وكان كل هذا أمام تلك التي وقفت مصدومة مما رأته…
كان علي ينظر إلى روفان بحب، وهي تجلس أمامه تعتصر كفيها بين راحتيها من فرط الخجل. فأخذت عيناه تتأمل كل إنش بها، بداية من شعرها البني الجميل بخصلاته المموجة، مرورًا بعينان رائعة كبلته بسحرها من أول مرة التقاها فيها، إلى خدان بلون الورد، و أنفها الجميل يليه شفتان رائعتان مرسومتان بإبداع، إلى ذقن دقيق يتوسطه نغزة صغيرة تسمى بطابع الحسن. فقد كانت في نظرة آية من الجمال والرقة، ولو ظل ألف عام يتأملها لن يمل أبدًا.
لاحظت تأمله لها، وعيناه اللتين كانت تعانقانها من دون أي تلامس، لتزداد دقات قلبها حتى ظنت بأنه قد سمع صوتها من مكانه، وغمرها الخجل كليًا، حتى أن تنفسها أصبح سريعًا، ولم يخفي هذا عليه، فقال ليحد من توترها:
ـ تشربي إيه؟
روفان بخجل وصوت يكاد يُسمع:
ـ أي حاجة.
علي بمزاح:
ـ أي حاجة دي بطعم إيه حضرتك؟
رفعت عيناها إليه وابتسمت بخجل على مزاحه، فقال بحب:
ـ أيوه بقي بصيلي ووريني ضحكتك وعنيكِ الحلوين دول. دانا واخد إذن ساعة بالعافية.
روفان بخجل:
ـ أنا مصدقتش لما ماما قالتلي البسي عشان تخرجي مع علي.
علي بحنق:
ـ والله أنا نفسي مصدقتش لما جدك وافق بعد محايلته ساعة، وكل اللي طالع عليه اصبر لبعد كتب الكتاب. ولا كاني هخطفك، هو أنتِ أه تتخطفي وكل حاجة، بس أنا هأجل كل حاجة لبعد كتب الكتاب عشان مايبقاش حد له حاجة عندي.
قال الأخيرة بنبرة ذات مغزى أربكتها وزادت من خجلها، فقالت بتلعثم:
ـ إيه معنى كلامك دا؟هو إيه هيحصل بعد كتب الكتاب؟
علي بتوعد ونظرات كانت تلتهمها من فرط الشوق:
ـ اللي هيحصل لا ينفع يتقال ولا يتحكى لازم تشوفيه بعينك.
روفان بذعر:
ـ أنت بتخوفني منك ليه؟ أقولك مفيش كتب كتاب خالص وأنا هقوم أمشي.
وبالفعل نهضت كي تغادر، لكن امتدت يداه لتوقفها، وهو يقهقه بشدة من مظهرها المرتعب، فاغتاظت هي وقالت بغضب طفولي:
ـ ممكن أعرف حضرتك بتضحك على إيه؟
علي بضحك:
ـ لو شفتني منظرك وانتِ قايمة انتِ خوفتي مني بجد!
روفان بتذمر:
ـ ماهو أنت اللي كلامك يخوف.
هدأت نوبة ضحكه، وامتدت يداه تمسك بكفيها في حنان، ناظرًا إلى داخل عينيها بعشق انتقل لها، فجعلها لأول مرة تنظر إليه بدون خجل، لتذيبها كلماته التي لمست جميع أوتار قلبها حينما قال بحب:
ـ أنتِ متخيلة إني في يوم ممكن أأذيكِ! دا أنتِ النفس اللي بتنفسه يا روفان. حبك ملك قلبي من غير ما أحس من أول مرة شفتك فيها، وانتِ طفلة بضفاير، وأنا حسيت قلبي اتخطف مني ومبقاش ملكي.
عندما قال جملته الأخيرة، لاحظ ظهور علامات الاستفهام على ملامح وجهها، فابتسم وقص عليها ذكرى أول موقف كان يجمعها، وهي نظرًا لصغر سنها لم تتذكره، لكنها لم تستطع وصف هذا الشعور الذي انتابها لدى معرفتها بأن عشقه لها يمتد لسنين طويلة، فقالت بخجل يليق بها كثيرًا:
ـ عارف، أنا أول مرة شوفتك فيها حسيت حاجة غريبة أوي، حسيت إني أعرفك، ما حسّتش إنك غريب عني بالرغم من الموقف اللي حصل وكلامك لجدي، إلا إني ما خفتش منك. يمكن مكنتش فاكرة الموقف اللي حصل بينا زمان، بس قلبي كان فاكرِك.
علي بتهليل:
ـ اللهم صلّي… اللهم صلّي… أخيرًا يا شيخة نطقتي.
شعرت روفان بالحرج من نظرات الناس حولهم، فقالت بلهفة:
ـ وطي صوتك يا علي، الناس بتتفرج علينا.
علي بلا مبالاة:
ـ ما يتفرجوا ولا يتحرقوا، سيبيك منهم، خليكِ معايا أنا. قوليلي قوليلي، تاني مرة شفتيني فيه حسيتي بإيه؟
روفان بخجل:
ـ قصدي يوم ما قابلتك! بصراحة كنت مكسوفة جدًا وخايفة أكون بعمل حاجة غلط. بس كان نفسي أشوفك أوي وأتكلم معاك، وكنت كمان عايزة أوضحلك سوء التفاهم اللي حصل دا، و إن يوسف كان بيحب كاميليا وعمره ما يأذيها وو
قاطعها علي بنفاد صبر:
ـ سيبيك من يوسف وكاميليا يولعوا في بعض.
قوليلي حسيتي بإيه وقتها.
حاولت روفان أن تُنحي الخجل جانبًا وتذكرت ذلك المشهد وكيف كان قلبها يرتجف من فرط الحماس والترقب والخجل، فقالت بصدق:
ـ بصراحة مش هقدر أوصف شعوري بالضبط، بس حسيت إني عايزة أشوفك تاني وأقابلك. حتى لما حكتلك على يوسف وكاميليا حسيت إن في كلام كتير بينا لسه متقالش. كان نفسي أبص في عنيك أوي بس كنت مكسوفة أنا حلمت بيك يومها، واليوم دا في المستشفى، أنا مكنش قصدي اللي قولته عن جدي و طنط زهرة، بس كان غصب عني، دا جدي، بالرغم من أني عارفة عيوبه كلها، بس عمري ما هستحمل حد ييجي عليه، ولما شدينا مع بعض حسيت إننا ماشيين في خط متوازي وعمرنا طرقنا ما هتلتقي لحد ما كلمتني في التليفون بعدها. عارف أنا كنت ماسكة التليفون وهموت وأرن عليك، بس كان عقلي يقولي بطلي جنان، هترني تقوليله إيه؟ وقلبي يقولي اتصلي اطمني عليه.
علي بمزاح:
ـ لا، أنتِ تركني عقلك دا على جنب خالص، مش محتاجينه، خلينا في قلبك ابن الناس دا.
ابتسمت روفان على حديثه، وتابعت بخجل:
ـ اطمن، انت خدت العقل والقلب الاتنين لحسابك.
كانت جملتها كافية لإيقاظ بركان العشق الكامن بداخله، فامتدت يده تمسك بيدها بقوة، وهو يقول بأنفاس ثائرة:
ـ انتِ واخدة كل حاجة فيا لحسابك. واخدة القلب والعقل والروح. أنا بحبك حب متخيلتش إني في يوم أقدر أحسه ناحية حد. متمنتش حاجة في حياتي غيرك.
روقان بخجل:
ـ بجد!
علي بنبرة عاشقة:
ـ طبعًا. تعرفي اني كنت هتجنن لما سمعت أدهم وهو بيزعقلك لما سمعك وانتِ بتكلميني. حسيت قلبي اتخلع من مكانه ومقدرتش أستنى لحظة واحدة، وحلفت ما يعدي النهارده غير وأنا على الأقل خاطبك، و طلعت على يوسف اليوم دا، و حكيتله اني بحبك، و عايز اخطبك، و طبعًا قولتله على سوء التفاهم اللي حصل مع أدهم.
روقان بلهفة:
ـ يالهوي طب و قالك ايه؟
على بمزاح:
ـ في الأول حسيته هيقوم يقتلـ.ني بس هو عاقل واحترم اني جيت حكيتله و طلبتك منه.
روفان، وقد تكونت طبقة كريستالية من الدموع في مقلتيها، وكانت متأثرة من روعة وعذوبة كلماته، فقالت بخفوت:
ـ متتخيليش فرحتي كانت إزاي لما عرفت إنك تحت جاي عشان تخطبني. أجمل إحساس ممكن بنت تحسه في الدنيا لما تلاقي الإنسان اللي بتحبه مغليها. إني أكلمك من ورا أهلي كان بالنسبالي غلط وغلط كبير كمان، بس كان غصب عني، قلبي كان بيتحكم فيا، لكن لما جتلي اليوم دا حسيت إني اخترت صح وإنّي غالية أوي في نظرك حتى بعد ما كلمتك من ورا أهلي.
علي بلهفة:
ـ أنتِ أغلى حاجة عندي في الدنيا وعمري ما شفتك وحشة أبدًا، وحتى لما كلمتيني كان في حدود بينا، عارف إنه كان غلط إننا نتكلم من غير أي ارتباط رسمي، بس صدقيني اللي كان مانع الارتباط دا هو الظروف المحيطة بينا مش أكتر.
صمت لثوان قبل أن يقول بنبرة صادقة:
ـ روفان، أنتِ أجمل حاجة حصلتلي في حياتي ومش ناوي أضيعك من إيدي أبدًا أو أخليكِ في يوم تندمي إنك اخترتيني.
لم تستطع الرد عليه، بل سقطت عبراتها من فرط التأثر والحب الذي يقطر من بين كلماته، التي لامست قلبها على الفور، لكن أخرجها من ذلك الشعور الرائع هاتفه الذي أخذ يرن بإلحاح، فأغضبه كثيرًا، فاعتذر منها قبل أن يجيب. وقد تحولت نظراته وملامحه إلى الجدية التي صدمتها:
ـ أيوه. بتقول إيه؟؟ طب خليك عندك وأنا جايلك.
*****************
كانت كارما تنظر إلى مازن المشغول بقيادة السيارة، وهي تفكر للمرة الألف كيف تفاتحه في هذا الموضوع، لكنها اهتدت لطريقة أخيرًا، فقالت بدلال:
ـ مازن.
ـ نعم يا حبيبي.
أعادت ندائها مرة أخرى بدلال أكثر من الذي قبله:
ـ ميزو.
مازن بحب وقد تفاعل مع دلالها:
ـ نعم يا قلب ميزو. وكلمة كمان هرشق في العربية اللي قدامي.
كارما بدلال مدروس:
ـ بعد الشر عنك يا قلبي.
فطن مازن إلى حيلتها، وقال يجاريها حتى يعرف مبتغاها، فقال بنبرة درامية:
ـ ربنا يخليكِ ليا يا حبيبتي.
كارما بنفس طريقتها:
ـ ويخليك ليا يا روحي. هو أنا أقدر أعيش يوم واحد من غيرك.
مازن بمزاح:
ـ لا يا روحي، مانا هاخدك معايا، هو أنا هسيبك ودي تيجي!
شعرت كارما بأنها تحيد عن الموضوع الأساسي، فأعادت دفعة الحديث مرة أخرى وقالت:
ـ ميزو.
مازن بنفاذ صبر:
ـ أنجزي يا كارما، عايزة إيه؟
كارما متصنعة الحزن:
ـ دا أسلوب بردو تكلمي بيه كارمتك!
ابتسم مازن على دلالها وبراءتها، فهي لا تعلم بأنها أمامه كالكتاب المفتوح، فآثر ألا يغضبها وقال بحب:
ـ مقدرش على زعلك يا حبيبي، وإنتِ عارفة.
استغلت كارما الموقف، فقد وصلت لمبتغاها، وقالت بدلال:
ـ عايزة أطلب منك طلب وتوعدني توافق عليه!
مازن بتخابث:
ـ أوعدك أوافق على أي طلب تطلبيه، غير اللي إنتِ عايزاه دا.
كارما بغضب:
ـ هو أنت عارف أنا عايزة أصلاً عشان ترفض!
ـ أيوه عارف ومش موافق.
ـ ليه بقي؟
مازن وقد بدأت ثورة غضبه بالاشتعال، فقال بحدة:
ـ عشان أنا مش أريل يا كارما، عشان أوافق عاللي في دماغك دا، وقفلي على الموضوع!
كارما بانفعال:
ـ لا مش هقفل يا مازن، وهعمل اللي أنا عايزاه، ولو مش عجبك انت حر.
انفلت زمام غضبه جراء كلماتها، فقال بغضب:
ـ ويمين بالله لو لقيت كتف ولا ورك ولا دراع باينين منك يوم كتب الكتاب، لهطلع عين أهلك، ومحدش هيقدر يحوشك من إيدي، وإنتِ حرة بقي!
كارما ببكاء:
ـ دي مش طريقة مناقشة على فكرة. أنت عايز تتحكم فيا وتلغي شخصيتي وتخنقني وتنكد عليا حتى في أحلى يوم في حياتي.
تأثر مازن ببكائها، فقام بصف السيارة على جانب الطريق، والتفت إليها، وامتدت يداه تمسك بكفها بحنان، وقام باليد الأخرى بلف رأسها إليه وإزالة عبراتها الغالية على قلبه، وهو يقول بحنو:
ـ مينفعش تبقي عارفة إنتِ عندي إيه وأنا بحبك قد إيه وتقولي عليا بلغي شخصيتك أو بخنقك أو عايز أنكد عليكِ في أجمل يوم في حياتك. أنا لو أطول، أحط فرح الدنيا كله في قلبك، مش هتردد ثانية.
هدأت ثورة غضبها قليلًا بفعل كلماته، فقالت بحزن:
ـ طب أيع اللي أنت بتعمله دا؟
مازن بحب:
ـ بغير عليكُ يا حبيبتي. بغير عليكِ من الهوى الطاير مش عايز حد يشوفك ولا حتى يلمحك. أنا بتجنن لما ألاقي حد عنيه بتيجي ناحيتك إزاي مش قادرة تفهمي دا؟
أسعدتها كلماته كثيرًا، لكنها ما زالت مصرة على موقفها، فقالت محاولة التأثير عليه:
ـ عارفة كل دا بس إيه المشكلة، دا يوم واحد و…
قاطعها مازن بإصرار:
ـ ولا دقيقة واحدة حتى، وبعدين يا بت، اللي إنتِ عايزة تبينيه للناس بالمجاني دا أنا دافع فيه دم قلبي، يخربيتك. جدك مخيطني في المهر والشبكة.
ابتسمت كارما تلقائيًا على مزاحه، وتنهدت بحزن، فقبل مازن كفها الموضوع بين كفيه، وقال بحب:
ـ أنا عمري ما كنت عايز أخنقك ولا أُلغي شخصيتك أبدًا بس إنتِ لازم تحترمي حبي ليكِ وغيرتي عليكِ. إنتِ بتاعتي يا كارما، كل حاجة فيكِ ملكي، مقدرش أبدًا حد يشوفك لابسة حاجة مكشوفة أو عريانة.
حاولت الحديث، ولكنه لم يُمهلها الفرصة ليُتابع بنبرة قاطعه رغم لينها:
ـ عشان خاطري تفهميني، وبعدين في حاجة كمان. اليوم دا أنا فضلت أطلبه وأتمناه من ربنا كتير أوي، مش هاجي وأخليكي تغضبي فيه ربنا، ويا ستي في البيت لما نتجوز، أبقي أقلعي براحتك والله ما هلبسك حاجة خالص، اصبري بس متستعجليش على القلع.
قال كلماته الأخيرة متبوعة بغمزة وقحة، أربكتها كثيرًا، فانتزعت كفها من بين يديه، ولكمتها في كتفه، قائلة بخجل:
ـ بطل قلة أدب بقي. قلع إيه وبتاع إيه؟ مفيش الكلام دا أصلاً، دا بعينك.
صدم مازن من حديثها، وقال بانفعال:
ـ لا يا شيخة يعني من شوية كنتِ عايزة تقلعي قدام الناس كلها، ودلوقتي الاحترام نقح عليكِ ماشي يا كارما، اصبري عليا بس يتقفل علينا باب واحد وأنا هوريكي.
*****************
وقف رائد أمام تلك العمارة التي بها شقته، التي يعتقد أن والدته تقطن بها، وأمسك هاتفه يجري اتصالًا، فلما أجاب الطرف الآخر قال بفظاظة:
ـ إيوه يا شوقية… طمنيني، هي عاملة إيه النهارده؟
ارتبكت شوقية كالعادة، فهي لم تخبره بأنها قد عادت من الأسفل بعد طرده لها، ولم تجد والدته في المنزل، بل وجدت مجموعة من المسلحين الذين أجبروها على الكذب عليه لسبب لا تعلمه، وتخبره دائمًا بأن والدته بخير. وهكذا أجابته تلك المرة قائلة بارتباك:
ـ بخير. بخير يا رائد بيه. لسه واخدة دواها ونايمة.
ليفاجئها هو عندما قال:
ـ طب أنا تحت، هطلع أشوفها وأطمن عليها من غير ما تقولي لها إن أنا جيت.
ارتعبت شوقية من حديثه، فعندما يدخل الشقة سيجدها خالية، وهي لا تعلم بما قد تجيبه، لذا قامت بإغلاق المكالمة، بل أغلقت الهاتف نفسه، داعية الله ألا يستطيع الوصول إليها.
تفاجأ رائد من فعلتها، وشعر بأن هناك خطبًا ما، فأخرج ذلك السلاح الذي يحتفظ به دائمًا في سيارته، وقام بالترجل من السيارة، وانطلق مهرولًا إلى الأعلى. وعندما وصل إلى باب الشقة، قام بإمساك سلاحه في وضع الاستعداد قبل أن يدير القفل في الباب ويفتحه بهدوء شديد، ليتفاجأ من المنظر الذي يراه أمامه، فقد كان كل شيء مدمرًا تمامًا، وكانت هناك قنبلة نووية قد أُلقيت في الشقة لتقلبها رأسًا على عقب. فارتعب قلبه رغماً عنه خوفًا على والدته، وهرول إلى حيث تقع غرفتها، فجحظت عيناه عندما رأى……
رواية عشق بين حنايا الروح الفصل العاشر 10 - بقلم نورهان العشري
كنتُ أعتقدُ سابقًا أن بُعدَ المسافات هو أقصى ما قد يمرّ به عاشقان، إلى أن تذوّقتُ مرارةَ أن تكون بجانبي، وقلبُك بعيدٌ كلَّ البُعد عن قلبي. حينها أدركتُ أن بُعدَ القلوب هلاكٌ لا نجاةَ منه، تتبعه نهايةٌ حتمية.
أخذت كاميليا تزرع الغرفة ذهابًا وإيابًا، وهي تنظر بين الحين والآخر إلى أدهم الذي يقف أمام النافذة، معطيًا إياها ظهره، وتلك التي تنام على الأريكة بالغرفة، مغروز بيدها محلولٌ مغذٍ أمر الطبيب بإعطائه لها نظرًا لسوء أحوالها الصحية بعد إغمائها أمام الشركة.
قام أدهم مضطرًا إلى حملها للداخل، وأمر طبيب الشركة بالكشف عليها، وها هي منذ أكثر من نصف ساعة مستلقية على الأريكة غائبة عن الوعي، مما أدى إلى ازدياد غضب كاميليا التي قالت بنفاد صبر:
ـ أدهم بيه، مش ناوي تفهمني إيه اللي حصل؟!
زفر أدهم بنفاد صبر قبل أن يلتفت إليها قائلًا بغضب:
ـ مش لما أفهم أنا الأول أبقى أقولك!
نظرت إليه كاميليا بعدم تصديق:
ـ نعم! أنا نزلت لقيت البنت واقعة في حضنك، وتقولي مش فاهم؟ أمال لو فاهم كنت عملت إيه؟!
قال أدهم بانفعال:
ـ لله يخربيتك، إيه واقعة في حضنك دي؟ هتجيبيلي مصيبة! واحدة أُغمي عليها ووقعت عليّا، أنا ذنبي إيه؟ إيه البلاوي السودة دي!
قالت كاميليا بسخرية:
ـ لا طبعًا ملكش أي ذنب! هو إنت ليك ذنب في حاجة؟ دانت حمل وديع!
قال أدهم بغيظ من سخريتها:
ـ كاميليا، بطّلي استفزاز وحياة أهلك. مش ناقصك. مش كفاية البلوة اللي معرفش اتحدفت عليّا من أنهي داهية دي!
ثم أضافت كاميليا:
ـ على فكرة، دي فضلت مستنياك الصبح أكتر من ساعتين عشان تقابلك، ولما عرفت إنك خرجت مشيت!
قال أدهم بحنق:
ـ أنا مش فاهم ناقص قرف زيادة في حياتي عشان تظهرلي فيها الست بتاعة دي كمان! لا وقال إيه، جاية طالبة مساعدتي!
قالت كاميليا باستفهام:
ـ وهي عايزة مساعدتك في إيه؟
قال أدهم:
ـ أنا عارف لها… بتقولي جاية عشمانة في شهامتك ورجولتك!
قالت كاميليا بسخرية:
ـ شهامتك! أممم، ده يظهر مش إنت بس اللي كنت مخدوع فيها، دي هي يا قلب أمها كمان واخدة فيك مقلب كبير قوي!
قال أدهم بغضب:
ـ بت إنتِ، مش عايز طول لسان! مش كفاية بنت خالتك اللي مطلعة عين أهلي، ناقصك إنتِ كمان!
وضعت كاميليا كفوف يديها في جيوب بنطالها قبل أن تقول بتخابث:
ـ بنت خالتي! أممم، تخيل بنت خالتي اللي مطلعة عينك دي لو كانت تحت وشافت الأمورة وهي في حضنك، كانت هتعمل فيك إيه؟
شعر أدهم بانسحاب الدماء من أورِدته للحظات ما إن تخيّل غرام وهي ترى تلك الفتاة ملقاة بأحضانه… حتمًا لن تنظر في وجهه مرة ثانية، وبهذا يكون قد حُكم عليه بالعذاب لبقية حياته. عند هذا الهاجس اندفعت الكلمات بلهفة من شفتيه وهو يقول:
ـ فال الله ولا فالك يا شيخة! الحمد لله إنها ما شافتنيش… ده من رحمة ربنا إنها لا يمكن تيجي الشركة عندنا!
حاولت كاميليا كتم ضحكتها بصعوبة وقالت بمكر:
ـ أممم، طب خد المفاجأة دي يا أدهومي غرام تقريبًا فاضلها عشر دقائق وتلاقيها داخلة علينا!
شعر أدهم بصدمة قوية جراء كلمات كاميليا التي أرعبت قلبه، فقال بلهفة:
ـ كاميليا، ما تهزريش!
قالت كاميليا بصدق:
ـ والله ما بهزر. أنا متفقة معاها من امبارح إنها هتعدي عليّا بعد ما أخلص، وتاخدني عشان نروح نشوف فساتين كتب الكتاب. ولسه بعتالي مسدج من شوية بتقولي إنها قدامها عشر دقائق وتكون تحت!
قال أدهم بلهفة:
ـ يا نهار مش فايت! طب أعمل إيه في البلوة السودة دي؟ أشيلها أرميها من الشباك، ولا أعمل إيه؟!
لم تتمالك كاميليا نفسها من الانفجار في الضحك على مظهره المرتبك، مما أدى إلى ازدياد حنقه منها، فقال من بين أسنانه:
ـ بتضحكي وشمتانة فيّا! ماشي، كل واحد له يوم افتكري ده!
قالت كاميليا بغرور:
ـ لا فكّك… وبعدين صلّح علاقتك معايا عشان ما أسلّمش تسليم أهالي، وإنت عارفني، هاه!
تحولت ملامح أدهم مائة وثمانين درجة عندما سمع كلماتها، وقال بمزاح:
ـ إيه يا كامي؟ دانا أخوكي، حبيبك اللي دايمًا في ضهرك. إنتِ نسيتي ولا إيه؟ دانا حتى كنت لسه بقول بيني وبين نفسي أحسن واحدة عندنا في العيلة هي البت كاميليا، جدعة ورجولة كده!
قالت كاميليا بسخرية:
ـ آه، إنت هتقولي؟ المهم خلينا نشوف البنت دي هتفوق إمتى ونمشيها قبل ما غرام تيجي.
قال أدهم بلهفة:
ـ أيوه صح… أنا عارف هي ميتة كده ليه؟ دي بقالها ساعة على الحال ده، ولا كأنها ما نامتش بقالها سنة!
اقتربت كاميليا منها تحاول إفاقتها بالربت بلطف فوق وجهها، إلى أن بدأت مرام في الاستيقاظ، ففتحت عينيها ببطء وأخذت تنظر حولها في محاولة لاستيعاب أين هي. ولكن ما إن وقعت عيناها على أدهم، الذي كان يغلي من الغضب وينظر إلى ساعته بين الفينة والأخرى، حتى عادت إليها ذاكرتها. حاولت أن ترفع رأسها في محاولة للنهوض، فداهمها الدوار مرة ثانية، فحاولت كاميليا إسنادها ووضعت خلف رأسها وسادة قبل أن تقول باهتمام:
ـ إنتِ كويسة؟
قالت مرام بوهن:
ـ أحسن شوية… إنتِ كاميليا مش كده؟
رفعت كاميليا إحدى حاجبيها في استغراب من معرفة تلك الفتاة بهويتها، فابتسمت مرام وقالت بهدوء:
ـ ما تستغربيش… أدهم كان حكيلي عليكم كلكم!
قال أدهم بنفاد صبر:
ـ مرام… ممكن أعرف إيه اللي فكّرك بيا وجابك لعندي النهارده؟
جفلت مرام من لهجته الغير ودودة، وأيقنت بأن الطريق أمامها في استعادته صعب كثيرًا، لكنها الآن تريد مساعدته بالفعل، فهو الوحيد القادر على أن يقتصّ لها من ذلك الوغد الذي ينغّص عليها حياتها، لذلك آثرت الهدوء وهي تقول بضعف:
ـ أنا آسفة إني ظهرت في حياتك من تاني بعد اللي حصل منك زمان، بس صدقني في حاجات كتير إنت ما تعرفهاش. أنا والله ما سيبتك بإرادتي، أنا كنت مغصوبة على كل حاجة.
قاطعها أدهم بحدّة وهو يقول بصرامة:
ـ من غير شرح ومبررات، مش هتفيدني ولا هتفيدك بأي حاجة. ياريت تدخلي في الموضوع على طول… خدمة إيه اللي إنتِ عايزاها مني؟
مرام ببكاء حاولت كتمه ولم تفلح:
ـ الحيوان اللي كنت متجوزاه، من أول يوم وهو بيضربني وبيهينّي وبيعذبني… مشوفتش معاه يوم حلو. بس اضطريت أصبر عشان كان مداين إخواتي في مبلغ كبير، وكان بيهددني لو فكرت أطلق منه إنه هيرفع عليهم الشيكات اللي ممضّيهم عليها. فاتحملت قرفه، وربنا أراد وحملت في سيف ابني، اللي كان شوكة في ضهري وخلّاني أتحمل من تاني كل القرف اللي هو بيعمله، عشان ما أقدرش أروح لإخواتي اللي هيضربوني ويرجعوني ليه من تاني زي ما عملوا قبل كده.
محت عبراتها وهي تتابع بنبرة جريحة:
ـ فكرت وقررت إني لازم أعمل لنفسي قرشين وآخدهم وأهرب، وفعلاً جمعت من وراه مبلغ محترم وجهزت ورقي عشان أنزل مصر أستخبى في أي مكان بعيد عن عينه، لكنه عرف، معرفش عرف منين، وضربني وطردني ورحّلني على مصر وحرمني من ابني. الكلام ده السنة اللي فاتت، ومن شهر بس عرفت إنه ساب الخليج ورجع يعيش هنا في مصر، وأنا هتجنن… نفسي أشوف ابني، مش قادرة أتخيل حياتي من غيره.
كاميليا باستفهام:
ـ طب و أخواتك؟
مرام بحزن:
ـ إيدك منهم والقبر… كل شغلهم معاه، ومحدش يقدر يعارضه. قلت ألجأ للحكومة ورفعت عليه قضية، بس هو واصل قوي ومحدش عرف ياخد معاه حق ولا باطل، وبعد عذاب أخدت حكم بالحضانة، ومن وقتها مش عارفة ألمه عشان ننفذ الحكم. عشان كده جيتلك… إنت الوحيد اللي ممكن تساعدني. أرجوك يا أدهم ساعدني… أنا ما عملتش حاجة بإرادتي، كل حاجة كانت غصب عني. أنا اتعذبت واتذلّيت وشوفت المرار بمعنى الكلمة في السنة اللي فاتت دي، ومع ذلك مش فارق معايا كل ده، اللي فارق معايا ابني… هموت من غيره، والله هموت من غيره!
اختتمت مرام كلماتها وانخرطت في نوبة بكاء عنيفة، شاركتها بها كاميليا التي أشفقت على حال هذه الأم التي حُرمت من صغيرها بمثل تلك القسوة، فاحتضنتها برفق لامس قلب مرام كثيرًا، فبادلتها العناق بأقوى منه؛ فهذا أكثر ما كانت تحتاجه في تلك الفترة.
شعر أدهم بالشفقة على تلك المسكينة التي حُرمت من صغيرها، ولعن بداخله هؤلاء الأوغاد، أشقائها، فهو أبدًا لم يكن يرتاح لهم عندما كان على علاقة معها، ولكنه كان يتجاهل كل هذا من أجلها. أما الآن فقد ثبت له صحة حدسه، ولكن جزءًا منه كان يرفض تصديق روايتها هذه، فقال بلهجة باردة:
ـ وأنا إيه اللي يثبتلي صحة كلامك ده؟
نظرت مرام إليه بألم من عدم تصديقه لها، ولكن بداخلها كانت تعطيه كل الحق، لذا قالت بهدوء وهي تُخرج ملفًا ما من حقيبتها:
ـ كنت متوقعة إنك ممكن ما تصدقنيش، عشان كده جبتلك الورق اللي يثبت بيه صحة كلامي. اتفضل، ده ورق القضية اللي رفعتها.
نظرت إليه كاميليا بغضب من بروده واتهامه لها، فتجاهل نظرتها وقام بوضع الملف بلا اهتمام فوق مكتبه وهو يقول بلهجة باردة:
ـ تمام يا مرام، تقدري تتفضلي دلوقتي. وأنا هعرض الورق ده على محامي الشركة وهو هيشوف يقدر يساعدك إزاي. ياريت تسيبي بياناتك ورقمك في السكرتارية بره عشان يقدروا يتواصلوا معاكِ.
بداخلها كانت تتوقع منه الغضب والثورة لكرامته التي أهدرتها بغباء، ولكن أن يُحادثها بمثل هذا البرود وأن يقطع كل تواصل بينهم بتلك الطريقة لم تتوقعه أبدًا. فهو قد نوى مساعدتها رغم عدم إفصاحه عن ذلك، لكنه يُعلن بطريقة غير مباشرة أنه لن يكون هناك أي اتصال بينهم، وهذا ما أصابها بإحباط كبير، لكنها لن تتراجع عن هدفها. لذا تجاهلت كل هذا ونظرت إليه بامتنان ممزوج ببعض الألم وقالت بنبرة واهنة:
ـ ميرسي قوي ليك يا أدهم… وآسفة إني اقتحمت حياتك كده، وآسفة على اللخبطة اللي سببتها لك… بس أنا كنت يائسة قوي. مش هاخد من وقتك أكتر من كده، عن إذنك.
لم تتلقَّ منه سوى إيماءة بسيطة من رأسه وملامح جامدة، فتوجهت نحو باب الغرفة بعد أن شكرت كاميليا على مساعدتها، فبادلتها كاميليا بابتسامة صادقة مشفقة عليها. وما إن خرجت مرام حتى انفجرت كاميليا في وجهه قائلة بغضب:
ـ إنت إزاي كده هاه؟ إزاي تكون معدوم الإحساس للدرجة دي؟!
قال أدهم بغضب:
ـ كاميليا الزمي حدودك، ووطّي صوتك، وما تدخليش في اللي مالكيش فيه!
قالت كاميليا باستنكار:
ـ ألزم حدودي؟ تصدق فعلاً إنت حلال اللي غرام بتعمله فيك. إزاي عايز قلبها يحنّ عليك وإنت قلبك حجر على واحدة غلبانة طالبة مساعدتك وإنت ترفضها بالطريقة دي؟!
نظر أدهم إليها بذهول قبل أن يقول بانفعال:
ـ إنتِ حولة؟ أمال أنا واخد منها الورق ليه، عشان أُقلي عليه طعمية؟ وبعدين على ذكر غرام بنت خالة حضرتك، فدي السبب في كل حاجة وحشة أنا عملتها فيها. بسببها كرهت صنف الحريم كله، وما بقيتش أثق فيهم!
شعرت كاميليا بأنها تمادت معه وبأنها قد ظلمته، فقالت بصوت هادئ قليلًا:
ـ ماشي، عارفة إنها غلطت في حقك، بس ده ما يمنعش إنك تساعدها. حرام، دي أم وزمانها هتموت من القهرة عشان ضناها.
قال أدهم بنفاد صبر:
ـ هساعدها يا أغبى خلق الله، بس لما أتأكد إن كلامها صح، ووقتها مش هجري أخدها بالحضن برضه! هوكّل محامي كبير ليها، وهستخدم معارفنا عشان أعرف طريقنا فين، بس ده كله هيكون بطريقة غير مباشرة. بمعنى أوضح، هيبقى دايمًا في وسيط بيني وبينها، عشان مش عايز أي عقبة تانية بيني وبين غرام اللي ما بتصدقش تلاقي حجة تبعد بيها عني!
نظرت إليه كاميليا بإشفاق من حاله، فمن الواضح أنه يعشق غرام كثيرًا، فقالت بتعاطف:
ـ قد كده بتحبها يا أدهم؟
قال أدهم بيأس:
ـ بحبها؟ دي كلمة تافهة قوي قصاد مشاعري ناحيتها يا كاميليا… أنا ما كنتش متخيل إني بحبها قوي كده قد النهارده. أنا ما كنتش طايق نفسي الدقايق اللي شلت فيها مرام لحد هنا، كنت حاسس إني بخونها… ضميري كان بيأنبني، وكنت عايزها تمشي بأي طريقة.
قالت كاميليا بتأثر:
ـ طب ما تقولها كده، وهي أكيد هتحس بيك،
خصوصًا إنها بتحبك هي كمان.
قال أدهم بسخرية:
ـ هي بتديني فرصة أتكلم أصلًا؟ دي زي ما تكون مش حافظه غير: ابعد عني، لو آخر واحد في الدنيا مش هتجوزك، اقلم نفسك إني برّه حياتك… وأول ما تشوفني بترميهم في وشي. تطلع عفاريت عليها!
قالت كاميليا بتعقل:
ـ لا بقى، إنت لازم تهدى وتمتص غضبها وتخليك ذكي. غرام بتقولك كده عشان تجننك فتبعد عنها، عشان عارفة إنها لو سمعتك هتضعف قدامك وممكن تتأثر بكلامك، عشان هي برضه بتحبك. يبقى إنت تطلع ذكي وتفوت عليها الفرصة.
قال أدهم بتعب:
ـ أنا تعبت يا كاميليا والله، وبرغم كده قلبي مش راحمني ومش عايز غيرها. نفسي بس في فرصة أقعد أتكلم معاها زي البني آدمين، أقولها اللي جوايا ناحيتها بهدوء. نفسي تشوف في عنيا ندمي إني جرحتها… عايزها تدي فرصة لقلبها إنه يحسّ بيا.
قالت كاميليا بتخابث:
ـ طب واللي يساعدك ويخلق لك الفرصة دي تعمله إيه؟
قال أدهم بلهفة:
ـ أديله عنيا.
قالت كاميليا بمزاح:
ـ لا، خلي عنيك دي لغرام عشان تعرف تثبتها بيها. بص، أنا طبعًا بحب غرام جدًا وعايزاها تفرح معاك، بس برضه ما يمنعش إن ليا مصلحة.
قال أدهم بقرف:
ـ طبعًا، دانتِ بنت الحسيني! يعني لو ساعدتيني لوجه الله أبقى مستغرب. اتنيلي أنجزي، عايزة إيه؟ وهتساعديني إزاي؟
قالت كاميليا باندفاع:
ـ تساعدني أطرد الزفتة اللي اسمها سمر دي من الشركة. أو أقولك بلاش قطع أرزاق، هي آه تستاهل قطع رقبتها، بس يلا عشان ما يبقاش حرام علينا. ننقلها أي مكان في الشركة المهم يكون بعيد عن يوسف وخلاص!
كان أدهم ينظر إليها بعدم فهم، إلى أن ذكرت اسم أخيه، فعندها تجمعت الخيوط برأسه، فخرجت منه ضحكة مجلجلة أغضبت كاميليا التي قالت بحدة:
ـ بتضحك على إيه إن شاء الله؟!
قال أدهم من بين ضحكاته:
ـ إنتِ غيرانة على يوسف من سمر السكرتيرة؟!
قالت كاميليا بكذب:
ـ لا طبعًا، سمر مين دي اللي أغير منها؟! أنا بس خايفة على مظهره قدام العُملَا بتوعه، ده منظر سكرتيرة مش واجهة خالص.
قال أدهم قاصدًا استفزازها:
ـ مين دي اللي مش واجهة؟ دي البت صاروخ، ده أنا والواد مازن بنحقد عليه حقد السنين!
قالت كاميليا بغضب ووعيد:
ـ لا والله بقى بتحقدوا عليه؟ طب حلو قوي، أنا بقى هشوف رأي كارما وغرام في الموضوع ده!
قال أدهم بمزاح:
ـ إيه يا كاميليا، ما حدش يعرف يهزر معاكِ؟ سمر مين وبتاع مين؟ دي عاملة زي عروسة الحلاوة، لا تمشي من هنا طبعًا. هننقلها الأرشيف تحت، ولا يشغلك الموضوع أصلًا. المهم قوليلي هتساعديني إزاي أتكلم مع غرام؟
قالت كاميليا بانتصار:
ـ أيوه كده تعجبني… أما بخصوص غرام، هقولك!
غرام اختارت ملابسها بعناية فائقة، وزينتها، فارتدت بذلة سوداء أنيقة، وارتدت ما يلائمها من الحُلي، تاركةً شعرها ينسدل بحرية خلف ظهرها. كما وضعت أحمر شفاه أحمر قانٍ يُبرز جمال شفتيها، وزينت عينيها الجميلتين بشكل هادئ أبرز جمال لونهما. وارتدت حذاءً فاخرًا ذا كعب عالٍ كان يدق على أرضية الشركة الرخامية، فيجذب الأنظار التي ما إن تقع على تلك الحورية التي تمشي في دلال يليق بها كثيرًا، حتى يجعل كل من يراها تنقطع أنفاسه من شدة إعجابه بها. وكان هذا حال النساء أيضًا اللاتي كنّ يطالعنها بانبهار، رافقها إلى أن وصلت إلى مقر التدريب لتناظرها كاميليا بإعجاب سرعان ما تحول إلى مكر، وهي تقترب معانقةً إياها قائلة بمزاح:
ـ إيه الحلويات دي؟ شكلنا كده جايين وناويين على نية مش حلوة!
قالت غرام محاولة ادعاء اللامبالاة:
ـ لا أبدًا يا بنتي، نية إيه؟ أنا ولا في بالي أصلًا… وبعدين ما أنا حلوة على طول..
قالت كاميليا بمكر:
ـ يا بت! قال وأنا عمالة أقول اتأخرتِ دي ليه، اتاريكي كنتِ مشغولة في اختيار الأوتفيت بتاعك!
قالت غرام:
ـ والله أبدًا، بس حصل حاجة كده الصبح هبقى أحكيلك عليها بعدين. أنا حتى ما نزلتش الجامعة النهارده.
عبثت كاميليا في هاتفها قبل أن تتجاهل حديث غرام قائلة:
ـ طب بقولك إيه، اسبقيني إنتِ على تحت على ما أخلص اللي بعمله وأستأذن وأجيلك.
وافقت غرام، لكنها شعرت بخيبة أمل كبيرة عندما لم تره، وكان من الواضح أنها لن تراه اليوم. فها هي في طريقها إلى المصعد الذي توقف بها في المنتصف، فلم ترَ من الذي دخل إليه، فكانت تعبث بهاتفها بحنق، ولكن داهمتها رائحة جعلت جميع حواسها تتأهب، واندفع الأدرينالين بداخلها. رفعت رأسها فوجدت عينين فيروزيتين تطالعانها بعشق، لتزداد ضربات قلبها وتتسارع أنفاسها عندما قال أدهم متصنعًا الصدمة:
ـ غرام! إنتِ بتعملي إيه هنا؟
ارتبكت غرام بوضوح؛ فهي كانت تخطط لمقابلته لكنها فقدت الأمل عندما غادرت الطابق الخاص به، لتتفاجأ به وجهًا لوجه معها في هذا المكان المغلق، مما أدى إلى ارتباكها كثيرًا. لكنها حاولت الثبات قدر الإمكان عندما قالت:
ـ كنت جاية لكاميليا.
لاحظ أدهم ارتباكها وتورد خديها لتصبح كالتفاح الشهي القابل للالتهام، وهو أكثر من مرحب بالتهامها في هذه اللحظة بالذات، فقد أضناه الشوق، لكنه حاول التحكم في انفعالاته قائلًا بمكر:
ـ أممم، كاميليا؟ أمال هي فين؟!
كان قربه منها يوترها كثيرًا، مما أدى إلى قولها بانفعال:
ـ بتخلص اللي وراها وجاية، وطلبت مني أستناها تحت. ها، خلصت التحقيق بتاعك ولا لسه؟
ابتسم أدهم لا إراديًا على توترها وانفعالها، فقد شعر بمدى تأثيره بها، وهذا أسعده كثيرًا، فهي تعشقه لكنها تكابر. فاقترب منها خطوة بسيطة، فتراجعت هي أخرى قائلة بغضب:
ـ أدهم، مكانك لو سمحت.
اقترب منها أكثر وكأنه لم يسمعها، فتراجعت حتى التصقت بحائط المصعد خلفها، فحاصرها بوضع يديه على الحائط من الجهتين، وبإحدى يديه ضغط على زر إيقاف المصعد، وقال بصوت خفيض أرسل قشعريرة لذيذة بأنحاء جسدها:
ـ عارفة؟ ساعات القدر بنصعب عليه، فيبعتلنا فرص كده على طبق من دهب، وأنا بصراحة مش غبي عشان أضيّع فرصة بعتهالي القدر عمرها ما هتتكرر تاني.
شعرت غرام بالرعب من توقف المصعد، وأيضًا من حديثه الذي يحمل معاني كثيرة أربكتها، فقالت بأنفاس مقطوعة:
ـ أدهم، ابعد عني… إنت عايز مني إيه؟
قال أدهم بلهفة:
ـ فرصة! فرصة واحدة تقعدي تسمعيني فيها، وتسيبيني أقولك كل اللي في قلبي، وما تمشيش غير لما أقولك إني خلصت.
ازدادت حدة تنفسها، وودّت لو تخبره أن يذهب إلى الجحيم من فرط التوتر الذي تعيشه الآن، فوجدته يقول وكأنه قد قرأ ما يدور بداخلها:
ـ ما تفكريش كتير، عشان مش هتخرجي من هنا غير لما توعديني تديني الفرصة دي.
أذعنت غرام لطلبه؛ فهي لم تعد قادرة على تحمل قربه منها بتلك الطريقة المهلكة لقلبها، فقالت باختصار:
ـ أوعدك.
ما إن خرجت الكلمة من بين شفتيها حتى انطلق المصعد للأسفل، فتنفست الصعداء وقالت ببرود:
ـ ممكن ترجع مكانك لو سمحت؟ أديك خدت الوعد اللي إنت عايزه.
نظر أدهم إليها بخيبة أمل وقال بيأس:
ـ هو إنتِ مش من البنات اللي بتخاف من الأماكن المغلقة والأسانسيرات والحاجات دي؟
قالت غرام بتهكم:
ـ قصدك البنات الهايفة دول؟ لا، مش منهم.
قال أدهم باستفهام محبط:
ـ يعني مفيش أمل يُغمى عليكي في حضني وأعملك تنفس صناعي وحاجات الأفلام دي؟
قالت غرام بسخرية:
ـ أديك قلت حاجات أفلام!
قال أدهم بإحباط وبصوت خفيض لم يصل إلى مسامعها:
ـ يا فرحة أمك بيك يا أدهم، دي طلعت ما بتحسّش أصلًا.
كانت ترفع حاجبها بمكر لم يخفَ عليه، فقد كانت تنوي ألّا تنفذ وعدها له لتريه أنها لن تخضع لقوته. وضربت بعرض الحائط كل القرارات التي أخذتها بأن تعذبه قليلًا ثم تعطيه فرصة ثانية. لكنها تفاجأت عند وصول المصعد إلى الطابق الأرضي حين امتدت يداه تمسك بكفها بتملك، وهو يسير بها في الشركة بتعالٍ متجهًا إلى الباب الرئيسي. حاولت انتزاع كفها من بين يديه قائلة بنبرة حانقة ولكن خافتة حتى لا تلفت الانتباه أكثر، فقد كانت العيون دون شيء تطالعهم بذهول:
ـ إنت اتجننت؟ إيه اللي بتعمله ده؟ سيب إيدي!
قال أدهم بانتصار:
ـ أبقى اتجننت فعلًا لو سيبت الفرصة تضيع من إيدي.
قالت غرام بلهجة خجلة من نظرات المحيطين بهم:
ـ أدهم، ما تستهبلش وبطّل جنان… الناس كلها بتبص علينا.
قال أدهم من بين أسنانه:
ـ لما كنتِ جاية وعاملة فيها عرض أزياء و بتطقطقي بكعب جزمتك وتهزي في شعرك يمين وشمال، ما خدتيش بالك إن الناس كلها بتبص عليكِ؟ وبعدين اطمني، هما كده عرفوا إنك تخصيني، يعني أي حد يفكر يبصلك منهم هخرمله عينه.
زاد حنقها وغضبها منه حتى أرادت لو تفجر رأسه، لكنه طالعها بابتسامة مستفزة، وقام بلف يده حول خصرها عندما جاء السائق بالسيارة الخاصة به، فأجلسها في الكرسي المجاور له، وجلس يقود السيارة نحو مكان لا تعرفه. لتبدأ بالصراخ عليه عندما انطلق بالسيارة قائلة بغضب:
ـ إنت أكيد اتجننت صح؟ الناس تقول عليا إيه دلوقتي!
قال أدهم بهدوء متجاهلًا ثورة انفعالها:
ـ أكيد هيقولوا إنك خطيبتي.
قالت غرام بانفعال:
ـ بس أنا مش خطيبتك!
قال أدهم باستفزاز:
ـ على اعتبار ما سوف يكون يعني.
قالت غرام بحدة:
ـ عمره ما هيكون يا أدهم يا حسيني… وقف العربية دي بقى، مش رايحة معاك في مكان.
حاول أدهم التحكم في أعصابه قدر الإمكان وقال بهدوء:
ـ طيب، دلوقتي بعد ما حضرتك جيتي الشركة وإنتِ زي القمر كده، وقعدتي تتمختري يمين وشمال قدام الناس كلها اللي كانت عينيهم هتطلع عليكِ، كان قدامي اختيارين: يا إما أطلع سلاحي وأفجر دماغ كل واحد فيهم بصلك بإعجاب، يا إما أعرفهم كلهم إنك ملكي وتخصيني عشان محدش يتجرأ بعد كده ويفكر يبصلك. فاختاري إنتِ، لو مكاني كنتِ هتعملي إيه؟
عززت كلماته غرورها الأنثوي كثيرًا، فقد شعرت بأنها شيء ثمين لديه، يغار عليها حتى من نظرات إعجاب بسيطة من موظفيه، لكنها أبت أن تُظهر ذلك، وإن تجلّى في نبرتها التي هدأت كثيرًا عن ذي قبل عندما قالت:
ـ بس أنا مش ملك حد، وما حبتش أبدًا اللي إنت عملته ده.
شعر أدهم بذلك اللين في نبرتها، فعلم أنه على الطريق الصحيح، فقال بنبرة متحدية:
ـ طب عيني في عينك كده!
التفتت غرام للجهة الأخرى خوفًا من افتضاح أمرها، وقالت بمراوغة:
ـ لا، عينك على الطريق قدامك، عشان بصراحة مش مستعدة أموت في عز شبابي عشان واحد مجنون زيك.
فطن أدهم لمحاولتها الهروب فقال بمزاح:
ـ والله المجنون ده كان أعقل خلق الله قبل ما يشوفك… ما شاء الله سرك باتع!
دق قلبها لمزاحه الذي راق لها كثيرًا، لكنها قالت بسخرية:
ـ هاتها فيّا بقى… وبعدين قول إحنا رايحين فين؟ أنا مش فاضيالك على فكرة.
تجاهل حديثها، وصفّ السيارة على جانب الطريق، وترجل منها، ثم فتح بابها وأمسك بيدها. حاولت التملص منه، فحدجها بنظرة حادة قبل أن يقول:
ـ وبعدين؟ نعقل إحنا وسط الناس.
لم تجبه، بل رافقته إلى ذلك اليخت الذي ما إن دخلاه حتى بدأ بالحركة، مما جعل الرعب يدب في أوصالها، فقالت بخوف:
ـ إحنا رايحين فين؟
قال أدهم بلا مبالاة:
ـ أبدًا، هنقعد نتكلم مع بعض شوية، وبعد كده هروحك، بس لازم أضمن إنك ما تلاقيش مكان تهربي مني فيه.
اغتاظت غرام من حديثه فقالت بانفعال:
ـ يا سلام، ما أنا ممكن أنط في المية عادي جدًا.
أدهم بانفعال وبلهجة متوعدة:
ـ يا ريت، عشان أنط وراكي!
شعرت غرام بالخجل من تلميحاته، فقالت بحدة:
ـ على فكرة بقى، إنت قليل الأدب!
أدهم بتقريع:
ـ إيه التفكير المنحرف ده؟ دانا كنت هنط وراكي عشان أنقذك، أمال أسيبك تغرقي صح؟ خيرًا تعمل شرًا تلقى!
غرام بسخرية:
ـ يا عيني على الطيبة بقى عشان تنقذني صح!
أدهم متصنع الغضب:
ـ أمال يعني عشان أتحرش بيكِ مثلاً؟
اتفضلي قدامي.
طاوعته غرام وهي تسبه بأبشع الألفاظ بداخلها، وما أن خطت بضع خطوات حتى تسمرت في مكانها من الصدمة.
كنتُ أعتقدُ سابقًا أن بُعدَ المسافات هو أقصى ما قد يمرّ به عاشقان، إلى أن تذوّقتُ مرارةَ أن تكون بجانبي، وقلبُك بعيدٌ كلَّ البُعد عن قلبي. حينها أدركتُ أن بُعدَ القلوب هلاكٌ لا نجاةَ منه، تتبعه نهايةٌ حتمية.
كان رائد ينظر بفزع إلى تلك الغرفة المقلوبة رأسًا على عقب، وسرير والدته الذي كان مدمرًا بالكامل، وتلك الخزنة السرية التي وجدها مفتوحة على مصرعيها. فزع بشدة وسقط قلبه بين ضلوعه من شدة الرعب والندم لتركها بمفردها في مكان غير مؤمن. كان يظن أن لا أحد يعرف بوجودها سوى ذلك الوغد المسمى راغب، والذي لم يكن يتصور أنه سيتجرأ على فعل هذا الشيء، لكنه تجاوز بفعلته هذه كل الخطوط الحمراء.
شعر رائد بالغضب الشديد منه وأقسم أنه سوف يقتله ما أن يتأكد من علاقته باختفاء والدته. فقام بمغادرة الشقة، وهو لا يرى أمامه من شدة الغضب، الذي تجلى في قيادته لسيارته بجنون إلى أن وصل إلى بيتٍ ما، فتوجه إليه وترك هاتفه وكل شيء متعلق به، حتى أنه بدل ثيابه كما يفعل كل مرة، واستقل الهليكوبتر وتوجه إلى ذلك المكان الخفي الذي كان راغب يعتبره قلعته، التي آمنها جيدًا حتى لا يستطيع أحد اختراقها. وإن حدث أن اخترقها أحدهم، حتمًا لن يخرج منها حيًا.
كان راغب يشرب بشراهة من شدة الغضب حتى دخل عليه مساعده فاتح، الذي قال بأدب:
ـ راغب بيه، إحنا عذبنا نص رجالتنا لحد دلوقتي، ولا واحد فيهم اعترف بحرف واحد عن البت دي يبقى فعلاً ما يعرفوش مكانها.
قام راغب برمي الكأس الذي بيده وقال بصراخ:
ـ أمال مين يعرف؟؟ البت زي دي هتهرب لوحدها إزاي؟ مفيش نملة تقدر تدخل هنا وتطلع على رجليها يبقى لازم يكون في خاين جوا ساعدها!
فاتح بهدوء:
ـ وارد تكون لما النور انقطع هربت القصر، مخبأة كتير واستَخبت في أي عربية من اللي خرجوا اليوم ده وهربت منها بأي طريقة…
راغب باستخفاف:
ـ الكلام ده تضحك بيه على عيل صغير مش عليا… وبعدين هفترض أن كلامك حقيقي… النور اللي قطع فجأة ده، ودي أول مرة تحصل من عشرين سنة من يوم ما بنيت المكان ده، إيه صُدفة بردو؟ المكن اللي شحنه خلص فجأة لأول مرة بردو كمان صُدفة؟
فاتح بهدوء:
ـ حضرتك، إحنا جبنا الخبراء وكلهم أكدوا أن الموضوع طبيعي ومش بفعل فاعل ولا حاجة، ومع ذلك استجوبنا كل الناس اللي في القصر وعذبنا كل اللي حضرتك شكيت فيهم، عذبناهم لدرجة إن في ناس ماتت، وهددناهم بأهلهم، ومفيش حد فتح بقه… معني كده أنهم ما يعرفوش حاجة.
راغب بغضب جحيمي:
ـ أمال مين اللي يعرف؟؟
فاتح بنبرة ذات مغزى:
ـ يمكن اللي يعرف ده قريب من حضرتك أوي، وإنت مش شايفه.
راغب باستفهام:
ـ تقصد مين؟
لم يجب فاتح، إنما أعطاه تسجيل فيديو. وما إن رآه حتى جن جنونه، تزامنًا مع دخول سميرة من الباب لتتوجه إليها أنظار راغب، الذي جن جنونه عندما أومأ فاتح برأسه، فقال بحدة:
ـ روح إنت شوف أخبار الشحنة اللي جاية في الطريق إيه، وماتجيش غير لما أقولك.
انطلق فاتح إلى حيث أمره راغب، الذي نظر إلى سميرة بجنون وقال بأمر:
ـ تعالي هنا.
اندهشت سميرة من لهجته ومظهره الذي بث الرعب في قلبها، فقالت بخوف:
ـ في إيه يا راغب؟
صرخ راغب بها قائلاً بلهجة مرعبة:
ـ قولتلك تعالي هنا!
اقتربت منه سميرة برعب، فأمسك بخصلات شعرها بعنف وقال بوعيد:
ـ إنتِ عارفة جزاء الخيانة عندي إيه صح؟
كانت سميرة ترتجف من شدة الخوف والألم معًا، فقالت من وسط بكائها:
ـ خيانة إيه يا راغب، كف الله الشر… مين اللي خانك؟
قال راغب:
ـ من غير ما نستهبل على بعض… جاوبيني، إنتِ ليكِ يد في هروب البت اللي كانت تحت دي؟
سميرة باستفهام:
ـ بت مين؟ والله ما أعرف حاجة.
زاد جوابها هذا من غضبه، فقال بصراخ وهو يشد خصلات شعرها بعنف حتى كاد أن يقتلعه:
ـ البت السكرتيرة اللي رائد كان ماشي معاها كانت تحت وهربت… أو عشان أكون دقيق، حد هربها..
سميرة برعب:
ـ والله ما أعرف عنها حاجة.
قاطعها راغب بشر وهو يقول:
ـ أمال نزلتي المستودع تعملي إيه؟
سميرة بارتباك:
ـ كنت عايزة أشوفك بتخوني مع مين؟
راغب باستنكار:
ـ بخونك؟ هو إنتِ مراتي يا روح أمك وأنا معرفش؟
استطاعت سميرة تخليص خصلات شعرها من بين يديه وقالت بانفعال:
ـ لا، مش جوزي، بس إحنا الاتنين في مركب واحدة ولازم أكون عارفة بتعمل إيه من ورايا، وبعدين يا راجل يا زبالة، عايز تعمل إيه في البت اللي ابن أخوك بيحبها؟ مش خايف عليها، ده ممكن يموت فيها!
على عكس توقعها، لم يغضب، إنما قهقه بشر وقال:
ـ مش لما يبقى ابنه الأول… الكلب ده يبقى ابن عامر الحسيني وبعدين إذا كنت أنا اللي قتلت أخويا نفسه وما خوفتش، يبقى هخاف على حتة عيل زي ده؟!
جحظت عين سميرة من هول ما سمعت، فخرجت الكلمات من فمها دون إرادة عندما قالت:
ـ بتقول إيه؟
راغب بسخرية:
ـ اتصدمتي من إيه بالظبط؟ إنه ابن عامر الحسيني ولا إني قتلت أخويا؟ هي حكاية واحدة بس منفدة على بعض وإن شاء الله هتبقى نهايتها، هخلي رحيم الحسيني وأحفاده يحصلوا اللي قبلهم عشان أبقى علمت على العيلة كلها راجل راجل.
اختتم حديثه بضحكة شريرة جعلت بدنها يقشعر من هذا الشيطان القابع أمامها، فقالت بذهول:
ـ يخربيتك، تقصد إيه؟
قال راغب:
ـ أقصد أن أنا كمان اللي قتلت عامر بعد ما عرفته حقيقة صاحبه الخاين، اللي أنا بردو دبرت الخطة ووقعت بينه وبين أعز أصحابه.
سميرة بتيه:
ـ أنا مش فاهمة حاجة… فهمني، تقصد إيه؟
ابتسم راغب بشر قبل أن يتذكر ما حدث في الماضي وشرع بسرده عليها، فقال بدون أي ذرة ندم:
ـ عامر ومحمود كانوا أعز أصحاب لبعض من أيام الدراسة، وبعد ما خلصوا، حتى لدرجة إن عامر أول ما اتعين في شركة أبوه جاب محمود عشان يشتغل معاه كنت أنا في الوقت ده لسه بدرس، وكان رحيم الحسيني لسه بصحته وماسك منصبه في الشركة، وفي عز قوته وجبروته، وكان رافض صداقة محمود وعامر بحجة إنه مش من مستوى ابنه.
سميرة بتهكم:
ـ دا طبعه من زمان أوي بقى!
راغب بجفاء
ـ الحقير كان بيتعامل معاه بأسوأ معاملة، اللي زادت بعد ما خلصت وروحت اتعينت في الشركة أنا كمان. وطبعًا هو كان رافض وجودي زي ما رافض وجود محمود، وكان بيدينا كام ملطوش كل أول شهر وكأننا بنشحت منه، عشان كان عايز يطفشنا. بس عامر كان بيساعدنا من وراه.
سميرة باندهاش:
ـ غريبة فكرته زي أبوه!
راغب بغل:
ـ كان بيتمنن علينا. المهم فضلنا على كده فترة، لحد ما عامر اتعرف على بنت سكرتيرة عنده وحبها تبقى ناهد أم المحروس رائد. والغريب بقى أن محمود كمان حبها، بس كتم ده في قلبه عشان صاحب عمره، وقال إنها عمرها ما هتبصله لأنه فقير وعامر غني. ولما اتهمته إنه ضعيف مد إيده عليه وطردني من البيت.
شهقت سميرة بصدمة ليتابع بقسوة :
ـ اتحرقت من جوايا، أنا خايفة عليه وهو يمد إيده عليا ويطردني عشان عامر بيه! حلفت لهخدها منهم الاثنين. وفعلاً حاولت أشاغلها، والهَانم عملتلي فيها خضرة الشريفة واشتكتني لمحمود اللي بهدلني وكان هيمد إيده عليا تاني وقتها حلفت إني هنتقم منه، وفعلاً حاولت ألعب في الحسابات اللي هو كان ماسكها، عشان أكيد لو رحيم عرف كده هيرميه بره الشركة… ووقتها عامر مش هيقدر يعمل له حاجة. بس عامر كان شيطان وقدر يعرف إن أنا اللي عملت كده، وطردني بره الشركة عشان يرضي أبوه اللي كان مصمم يطردنا إحنا الاثنين، وكل ده كان قدام محمود اللي كان زي الكلب، مقدرش يفتح بقه ولا يدافع عني ووقتها حلفت إني هنتقم منهم كلهم، وحصل.
كانت سميرة تستمع إليه مذهولة من تعابير وجهه البشعة التي تحكي مقدار بشاعة هذا الرجل، الذي تابع قائلاً بحقد:
"بعدها على طول عرفت أن عامر اتجوز البت دي من ورا أبوه، فكرت أقول له بس لاقيت إنه كبير، هيعمل له إيه؟ هيخليه يطلقها وممكن كمان ما يقدرش عليه. قمت فكرت أكسر قلبها وأهينه هو وهي ومحمود.
سميرة بفضول:
ـ عملت أيه؟
ـ بدأت أتقرب له وأقوله إني ندمان، وهو زي العبيط صدق. وقلت له يسلفني أي مبلغ عشان أبدأ شغل لي على صغير، وإني خلاص تبت ونويت أشتغل بجد، فساعدني. واتفقت معاه أني أعمل شركة صغيرة أنا وواحد صاحبي، وأنه هيكون هو فيها شريكنا بالنص عشان يضمن حقه. ودي كانت الحيلة اللي بيها أقدر أقنع عامر أن محمود بيخونه ويشتغل لحسابه.
سميرة باستفهام:
ـ ازاي؟
ـ سرقت ورق مناقصة مهمة لشركة الحسيني كان عند محمود وكسبتها. عامر كان هيجنن وسأل مين صاحب الشركة دي، وطبعًا كان كل حاجة على الورق باسم شريكي، فماداش خيانة، بس بقي يحرص من محمود. وفعلاً الشركة كبرت ووقفت على رجلها.
صمت لثوان وهو يبتسم على الفضول الذي يلون ملامحها ليُتابع بفخر:
ـ في الوقت ده قدرت أوصل للبنت الخدامة اللي كانت بتشتغل عند عامر وناهد في البيت، ولاغتها بقرشين وخليتها تسرق لي ورق مناقصة كبيرة للشركة، صورته وخليتها ترجعه مكانه تاني. وقلت إن دي الضربة القاضية لعامر الحسيني، منها أشككه في مراته ومنها أشككه في صاحبه.
سميرة باندفاع:
ـ و كسبت المناقصة؟
راغب بفخر:
ـ طبعًا، وعامر اتصدم صدمة عمره لما خسر المناقصة دي، خصوصًا إن أبوه كان ناوي يمسك الشركة لو رست المناقصة عليهم، وده خلاه يحسب ألف حساب لكل حاجة عشان ما يخسرش، بس أنا كنت دايمًا سابقه بخطوة وخليت البنت الخدامة تجيب لي كام حاجة خاصة من بتوع ناهد وحطتها في شقة محمود مع نسخة من ورق المناقصة من غير ما يعرف، لأنه كان مسافر في الوقت ده في شغل تابع للشركة.
صمت يسترجع الذكريات والحقد يلوح في سماء عينيه وبين أوتار صوته حين تابع:
ـ هو اللي أصر أنه يسافر لأن العاشق الولهان كان يا عيني عايز يبعد عن أي مكان فيه ريحة ناهد، اللي بقت مرات صاحبه ومينفعش يفكر فيها أصلاً. وأنا شجعته طبعًا واستغليت ده عشان عامر يفكر إنه بيهرب قبل المناقصة كتمويه. وبعتله رسالة من فاعل خير إن مراته بتخونه مع صاحبه، وإن هي اللي ورا خسارته المناقصة دي عشان الشركة تبع محمود، وبعتله نسخة من العقود بينا. وفعلاً راح عند محمود البيت ودخل لأنه كان معاه مفتاح عشان كان بيروح يبات عنده كتير قبل ما يتجوز، وشاف حاجات ست الحسن والجمال وورق المناقصة وكل اللي كنت مخططله حصل.
سميرة بانبهار:
ـ يخربيت دماغك!
راغب بغرور مريض:
ـ اسمعي التقيل. لما رجع محمود من السفر لقى أنه ممنوع من دخول الشركة، وطبعًا اتجنن وجري على ناهد عشان يعرف إيه اللي حصل بعد ما عمل المستحيل عشان يقابل عامر وما عرفش. وهي طبعا حكتله إنه بهدلها وطلقها عشان شك إن في حاجة بينهم. بعدها حاول يوصل لعامر اللي كان بيقضي شهر العسل مع مراته التانية بنت الحسب والنسب، صفيه هانم، اللي أبوه كان مُصر يجوزهاله عشان بنت شريكه، وهو اتجوزها بعد جوازه من ناهد بيوم.
عند هذه الكلمات شهقت سميرة بصدمة وقالت بانفعال:
ـ إنت بتقول إيه؟؟ بقى، صفيه كانت متجوزة عامر على ضُرة؟
ـ عليكِ نووور.
سميرة باستنكار:
ـ بقى عارف حاجة مهمة زي دي وما تقولليش!
راغب باستهزاء:
ـ عشان تروحي تبوظيلي الدنيا بغبائك صح!!
سميرة بغضب:
ـ دي كانت فرصتي عشان أشمت فيها.
راغب بتقريع:
ـ مش بقولك غبية وكنتِ هتضيعيلي كل تخطيطاتي… وبعدين ماهو رمي ناهد دي وفضل مع صفيه لحد ما مات.
سميرة بنبرة ذات مغزى:
ـ قصده لما انت قتلته…
راغب بشر:
ـ إيوا، قتلته. أنا بصراحة قولت اضرب عصفورين بحجر واحد. لما حاولت اشاغل ناهد دي تاني عشان اتجوزها وأحرق قلبه،
جريت اشتكتني لمحمود اللي الحب والشهامة حرقوا قلبه وجه بهدلني واستغلها فرصة عشان يتجوزها. ماهو بيحبها وقال إيه عشان يحميها مني. فأنا رقدت له بقى وقلت لازم أغرزه معايا في كل حاجة.
سميرة باستفهام:
ـ ازاي؟
ـ شريكي ده كان له سكك في تجارة السلاح بتجيب خميرة حلوة، فاتفقت معاه أننا هنكون سوي في المصلحة من غير ما يعرف محمود بيه، أحسن هيعملنا فيها صاحب القيم والمبادئ وهيقرفنا. وفعلاً الدنيا مشيت معانا، وتجارة السلاح كسبتنا كتير، ومع الوقت علاقتي اتظبطت مع ناس فوق أوي، ونقلنا شغلنا ألمانيا، بس طبعا سككنا في مصر موجودة. لحد ما في يوم محمود اكتشف كل حاجة عن تجارة السلاح دي وحلف لا يفضحني. حاولت أنيمه وأقوله إن أنا هقطع معاهم بس واحدة واحدة، عشان دي ناس مؤذية وأنا مش قدهم، واقنعته أنه ينزل يمسك فرع مصر، وفعلاً نزل، وبدأت أشعلل الدنيا بينه وبين عامر تاني وكان الموضوع على كيفي بصراحة.
سميرة بذُعر:
ـ كل دا و مكتفتش باللي عملته فيهم! طب و بعدين؟
ـ ولا قابلين. نسيني محمود شوية بس رجع يقرفني تاني، وهنا قررت إني أخلص منه وقررت أنفذ انتقامي اللي بقاله سنين متأجل. فوصلت للبت الخدامة اللي خدمتني قبل كده واستغليت مرض ابنها وخليتها تروح لعامر وتقوله إن محمود هو اللي طلب منها تسرق ورق المناقصة وتسرق حاجات من دولاب ناهد وتجيبها عنده عشان يوهمه إن في حاجة بينهم ويخليه يطلقها. وطبعًا ده بعد ما بقى معاه فلوس كتير من شركته اللي هي شركتي أصلاً، وطبعًا عامر اتجنن، وفي اليوم ده كان في مناقصة مهمة، وكانت في منافسة بين شركة عامر وشركتنا، وعامر خسرها فكان هيجنن. وجاه كلام الخدامة جننه أكتر وقرر إنه لازم ينتقم من محمود اللي حرمه من حب حياته وابنه. آه، مانا نسيت أقولك إنها قالت له إن ناهد كانت حامل منه قبل ما تتجوز محمود وجت اللحظة اللي كنت مستنيها لما عامر راح لمحمود وقتها.
سميرة بلهفة:
ـ يا نهار مش فايت. راحله؟!
ـ طبعا أنا كنت مخطط إنه يقتل الواد كمان معاه، بس محمود خباه كويس قبل ما عامر يوصل، ومن حسن حظي إن الواد شاف أبوه وعامر بيقتله.
سميرة باستفهام:
ـ طب وناهد دي كانت فين وإزاي ما وقفتش لعامر وفهمته اللي حصل؟
ـ ودي حاجة تفوتني! طبعًا كان لازم أبعدها عن المكان عشان كل حاجة تمشي زي ما أنا مرتبها. بعتلها اللي يقولها إن بنت عمتها بتموت وفي المستشفى ولازم تروح تشوفها، وفعلًا طلعت تجري عليها. وقتها رجالتي كانوا مستنيينها وخطفوها وودوها على مستودع قديم يخصني عشان تستني دورها، أصلها كانت آخر واحدة ناوي أخد انتقامي منها. كنت ناوي أحط لها جثة حبيب القلب وابنها ومحمود في تابوت واحد عشان تعرف إن ولا واحد فيهم قدر يحميها مني، بس للأسف قلبها كان ضعيف، وأول ما شافت جثة حبيب القلب طبت ساكتة، وبعد كده حصل حريق كبير في المخزن، وكنت فاكر إنها ماتت فيه لحد قريب اكتشفت إنها عايشة، بس معرفش ده حصل إزاي ولا عارف حتى أوصلها.
شردت نظراته في نقطة بعيدة وهو يقول بوعيد:
ـ بس وحياة غلاوتها عندي، لهجبها راكعة تحت رجليا، بس المرادي عشان تستلم جثة المحروس ابنها…
لأول مرة شعرت سميرة بالرعب من أحد، فهي بكل شرها وحقدها لم تصل حتى لنصف شره. مما جعلها تفكر جديا في إعادة حساباتها؛ فهذا الرجل قد غدر بجميع من حوله، فما الذي يجعلها تثق في أنه أنه لن يغدر بها هي الأخرى!
قاطع سيل أفكارها ذلك الدخول العاصف لرائد، الذي قال بصوت جهوري مصوبًا فوهة سلاحه نحو راغب:
ـ راغب نصار… وديني له، هقتلك!
في المساء تأخر يوسف كثيرًا بالعودة إلى المنزل، مما جعل القلق يأكلها من الداخل، فظلت واقفة أمام شرفتها تنتظر قدومه، إلى أن تخطت الساعة الواحدة ليلًا، فزاد ذلك من قلقها. فحاولت مراسلة أدهم لتسأله عن سبب تأخره، فأخبرها بأنه في اجتماع عمل مع عملاء مهمين، فقالت بغضب:
ـ ولما هو اجتماع شغل، مروحتش معاه ليه؟
أدهم بحنق:
ـ وإنتِ مالك إنتِ؟ وبعدين متقلقيش، هو مش لوحده، معاه سمر السكرتيرة بتاعته.. يلا تصبحي على خير.
قال كلماته قاصدًا إغاظتها، ثم أغلق الهاتف في وجهها دون أن يدري بأنه قد أيقظ بداخلها شعلة من الغضب الجحيمي، جعلها تكاد تحطم الغرفة من شدة نيران الغيرة التي اجتاحت جسدها. فظلت على حالتها تلك لوقت طويل، إلى أن سمعت صوت سيارته في الأسفل، فحاولت تهدئة نفسها عن طريق تمارين التنفس، وقد أقسمت ألا تدعه يشعر بغيرتها الجنونية حتى لا يستخدمها ضدها. وقامت بتعديل ملابسها، وشددت من حزام الروب الخاص بها، ونزلت إلى الطابق الأرضي.
فلمحها يوسف وهي قادمة من الأعلى، فصار يطلق صفيرًا من بين شفتيه دليلًا على حالة مزاجه الجيدة، وتجاهلها كليًا، وتوجه إلى غرفة المكتب، فأوقفته كلماتها الغاضبة:
ـ حمد لله عالسلامة.. ما كنت تبات بره!
شعر بمدى غضبها، لذا تجاهل النظر إليها، وظل معطيًا إياها ظهره، حتى عندما اقتربت منه فشعر بها خلفه، فقال بلامبالاة:
ـ خير؟ إيه اللي مصحيكي لحد دلوقتي؟
ـ مجاليش نوم، قلت أستناك.. هتفضل مديني ضهرك كتير؟
لم يجبها يوسف، فقد كان منهك القوى وغير قادر على مجادلتها، خاصةً وهو يعلم كل العلم بأنه في حالته تلك لن يستطيع مقاومتها كثيرًا، وهو أمر لن يقبل به إطلاقًا. طال صمته، فقامت بالالتفاف لتقف في مواجهته مباشرة، تطالعه بغضب كبير حاولت إخفاءه كثيرًا ولم تفلح، وساعد في إشعاله أكثر كلماته اللامبالية:
ـ عايزة إيه يا كاميليا؟
ـ عايزة أعرف كنت فين؟
قالتها بلهفة أثارت اندهاشه، فقال باستفهام:
ـ ليه؟
كاميليا بغيظ:
ـ يمكن عشان أنا مرات حضرتك ولا حاجة!
ضحكة خرجت من بين شفتيه على مظهرها الغاضب وكلماتها التي أثارت اندهاشه، فقال بسخرية:
ـ وكونك مراتي يخليكِ متعصبة أوي كده؟
كاميليا محاولة التظاهر باللامبالاة:
ـ لا أنا مش متعصبة ولا حاجة.. ممكن تتفضل تجاوبني ولا ده مش من حقي؟
يوسف بتسلية:
ـ أه طبعًا، طبعًا من حقك، ودي تيجي.. كنت في اجتماع مهم، وتعبت أوي فيه، وعايز أطلع أنام وأرتاح، ممكن بقى تتفضلي تروحي تنامي إنتِ كمان.
صدق حديث أدهم، فقد كان في اجتماع، وحقًا تلك الشمطاء كانت معه، وذلك زاد من غضبها، فقالت بحدة أثارت دهشته:
ـ ولما في اجتماع مهم، مخدتش أدهم معاك ليه؟
تجاوز يوسف دهشته وحدتها وقال بصرامة:
ـ هاتي اللي عندك يا كاميليا وقولي في إيه؟
كاميليا وقد سيطرت عليها غيرتها، فقالت باندفاع:
ـ إنت كنت واخد الزفتة اللي اسمها سمر دي معاك؟
نظر إليها يوسف بذهول، فهل حقًا هذا هو سبب غضبها لهذه الدرجة؟ هل تغار إلى هذا الحد؟ عند هذا التفكير لم يمنع نفسه من إطلاق ضحكة تسلية زادت من غضبها كثيرًا، فقالت من بين أسنانها:
ـ أقدر أعرف بتضحك على إيه؟
تقدم يوسف منها بنظرات غامضة وملامح متوعدة، قائلًا بلهجة ذات مغزى:
ـ آه، سمر! ده كل اللي مضايقك أوي كده إني كنت معاها؟ للدرجة دي بتغيري؟
كان يتقدم منها خطوة فتتراجع هي أخرى، وهي ترد عليه محاولةً إنقاذ كبريائها، فقالت باستهجان:
ـ أغير! أنا أغير ومن مين؟ من واحدة زي دي!! لا ده إنت الظاهر فعلًا تعبان ومحتاج تنام.
يوسف محاولًا استفزازها:
ـ ومالها دي؟ ما هي زي القمر أهي!
وكأنه صب الوقود فوق نيران غيرتها، لتقول بانفعال:
ـ مين دي اللي زي القمر؟ السلعوة دي زي القمر؟ إنت ذوقك بقى بيئة أوي كده.
يوسف بتهديد:
ـ لسانك كمان بقى طويل أوي، وصدقيني هكون مبسوط وأنا بقصهولك.
كاميليا وقد أتتها فكرة طفولية، لكنها لم تبالِ بعواقبها، فأعماها غضبها عن خطورتها، فقامت باستفزازه قائلة:
ـ لا والله، طب أهوه
وقامت بإخراج لسانها بأكمله أمامه حتى تستفزه، ثم قالت بتشفٍّ
ـ ده عشان بس تعرف هو طويل قد إيه.
أظلمت عيناه فجأة، وتحولت زرقتها إلى ظلام دامس، فتقدم منها لتتراجع هي برعب من مظهره، فكادت أن تصطدم بالطاولة خلفها، لتمتد يداه تجذبها من خصرها تمنع سقوطها، وبعنف غير مقصود قام بدفعها لتصطدم بالحائط خلفها، ليأسرها بين براثنه بعنف وشوق بالغين.
فقد أعمتْه حركتها الطفولية تلك، فاشتعلت نيران الرغبة الممزوجة بالعشق في داخله، فخرج كل شيء عن سيطرته، ولم يعد يرى سوى حبيبته الفاتنة الوحيدة القادرة على إثارة جنونه. فصار يعمق اقترابه منها و يغترف من رحيقها بنهم، لم يخلُ من عقاب ذلك اللسان السليط الذي تسبب في إيقاظ غضبه وشوقه.
ولكن برغم غضبه منها ومن ضعفه أمامها، لم تطاوعه يداه بالقسوة عليها أبدًا، مما زاد من غضبه. فابتعد عنها بعد موجة شوق ممزوجة بالغضب والرغبة، يكللهما العشق الذي جعله يضعف أمام إغوائها مرة أخرى، فشعر بالغضب الذي دفعه لتبرير ضعفه أمامها، قائلًا بأنفاس لاهثة:
ـ ده عقابك لو حاولتي تستفزيني تاني.. وتفكري إنك كده انتصرتي عليّ في التحدي السخيف بتاعك ده!
استعادت كاميليا وعيها من هجومه الكاسح الذي لم ينجُ منه كلٌّ من جسدها وروحها، ولكن بقدر قوته كان عشقه الذي دفعها لاستفزازه مرة ثانية، فقالت بصوت مبحوح من فرط التأثر:
ـ والله إني أقدر أحرّك جبل الجليد اللي جواك ده وأنرفزه، فده يعتبر انتصار عظيم في التحدي السخيف اللي إنت ابتديته أصلًا.
يوسف باستنكار:
ـ أنا اللي ابتديته؟ إنتِ عايزة إيه يا كاميليا دلوقتي؟؟
كاميليا بصدق:
ـ عايزة أعرف هنفضل كده لحد إمتى؟ إنت وحشتني أوي.
ستصيبه تلك المرأة بسكتة دماغية ذات يوم. فهو كان يتوقع ثورتها بسبب كلماته، لكنها فاجأته بتصريحها الذي جعل دقات قلبه ترقص فرحًا، لم يكتمل بالطبع بسبب ما يعانيه منها. لذا، رغمًا عنه، اشتدت قبضته حول خصرها، فقد كان يقاوم اندفاع الكلمات من بين شفتيه، والتي إن خرجت فلن يستطيع تجاوز الأمر أبدًا. فأخذ نفسًا عميقًا قبل أن يقول بتعب:
ـ اللي إحنا فيه ده إنتِ السبب فيه يا كاميليا، وجع قلبي وقلبك ده إنتِ المسؤولة عنه.
كاميليا بلهفة:
ـ طب أعمل إيه؟ ما أنا اعتذرت مليون مرة، وقلتلك إني مش عايزاك تطلقني أبدًا.. وإنت عارف إن هروبي واللي حصل قبل كده كان غصب عني.
قاطعها يوسف بوضع يده فوق شفتيها قائلًا بغضب دفين:
ـ كفاية كلام، في حاجات قلتلك إني مسامحك عليها، ولُمت فيها نفسي إني مقدرتش أحميكي منهم.
كاميليا بحيرة:
ـ أمال إيه اللي واجعك أوي كده ومخليك بعيد عني؟
شعر يوسف وكأن الدماء سوف تخرج من رأسه من شدة الغضب واليأس معًا. فهل يستمع إلى قلبه تلك المرة أيضًا ويتجاهل كبرياءه الجريح؟ أم يتجاهل قلبه ويستمع لصوت كبريائه الذي لن يفلح قربها في مداواته أبدًا؟
غضب ويأس وحيرة عصفوا برأسه، فأغمض عينيه لأول مرة بحياته بقلة حيلة، لتمتد يدها وتحتوي وجهه بين يديها، وهي تقول بحنان:
ـ أرجوك، قولي مالك؟ في إيه؟
اندفعت الكلمات من فمه بغضب وهو يقول:
ـ في إيه مخبياّه عني، والمفروض أعرفه يا كاميليا؟